القسم 12 من 12
X. أسباب الانحطاط
491

هجريّ — ميلاديّ

130هـ (747–8م). طاعونٌ بالبصرة (ابن الأثير).

131هـ (748–9م). طاعونٌ بالبصرة (ابن تغري بردي، ابن قتيبة).

134هـ (751–2م). طاعونٌ بالرَّيّ (ابن تغري بردي I, 347).

135هـ (752–3م). طاعونٌ بالشام (ابن قتيبة).

158هـ (775م). وباء (ابن الأثير).

166هـ (782–3م). وباءٌ ببغداد والبصرة (Goeje: Fragm. I. 279).

167هـ (783–4م). وباءٌ ببغداد والبصرة (ابن الأثير، الذهبي).

197هـ (812–3م). مجاعةٌ بإسبانيا (ابن الأثير).

200هـ (815–6م). وباءٌ ببغداد وبادية الشام (ابن تغري بردي II, 188).

201هـ (؟ 816–7م). مجاعةٌ بالرَّيّ وأصفهان وخراسان (ابن الأثير).

207هـ (822–3م). مجاعةٌ بالعراق (ابن الأثير).

232هـ (846–7م). مجاعةٌ بإسبانيا (ابن الأثير).

251–55هـ (865–869م). مجاعةٌ بإسبانيا (ابن الأثير).

258هـ (871–2م). وباءٌ وطاعونٌ في كورة دجلة، وببغداد وواسط وسامرّاء (ابن الأثير). وطاعونٌ بالأهواز والعراق: ينشأ بعسكر مُكرَم، ويمتدّ على منطقة الفرات كلِّها إلى الحدّ الشاميّ حتى قَرقيسياء (حمزة الأصفهاني، 190).

260هـ (؟ 873–4م). غلاءٌ عظيمٌ عامّ، ومجاعة، وطاعون، ووباء بالمغرب وإسبانيا (ابن الأثير).

264هـ (؟ 877–8م). طاعونٌ بخراسان وقُومِس (ابن الأثير).

266هـ (؟ 879–80م). مجاعةٌ بإفريقية، وغلاءٌ بالحجاز والعراق والموصل والجزيرة والشام (ابن…).

288هـ (900–1م). طاعونٌ بأذربيجان (ابن الأثير، الذهبي).

492

هجريّ — ميلاديّ

300هـ (912–3م). وباءٌ ببغداد وبادية الشام (ابن تغري بردي).

319هـ (931م). وباءٌ ببغداد (ابن تغري بردي II, 243).

323هـ (935م). مجاعةٌ بخراسان (ابن الأثير).

324هـ (936م). طاعونٌ بأصفهان (ابن تغري بردي II, 280)، ومجاعةٌ ببلاد فارس (حمزة الأصفهاني).

329هـ (940–1م). وباءٌ ومجاعةٌ بالعراق (ابن الأثير).

330هـ (941–2م). مجاعةٌ بالعراق ووباء (ابن الأثير). ووباءٌ ومجاعةٌ ببغداد (الذهبي).

332هـ (943–4م). مجاعةٌ ببغداد (ابن الأثير).

334هـ (945–6م). مجاعةٌ ببغداد (ابن الأثير، الذهبي، ابن تغري بردي).

343هـ (954–5م). طاعونٌ عظيمٌ بخراسان والجبال (ابن الأثير).

344هـ (؟ 955–6م). وباءٌ تيفوسيّ بأصفهان والأهواز وبغداد (حمزة الأصفهاني).

347هـ (958–9م). طاعونٌ بالجبل (ابن الأثير).

358هـ (968–9م). غلاءٌ عظيمٌ بالعراق (ابن الأثير)، هاجر منه كثيرٌ من السكّان.

377هـ (987–8م). غلاءٌ عظيمٌ ببغداد (الذهبي).

382هـ (992–3م). غلاءٌ عظيمٌ ببغداد (الذهبي).

395هـ (1004–5م). طاعونٌ ووباءٌ بإفريقية، دام إلى سنة 396هـ، حيث انقطع الوباءُ بحصادٍ وافر. (ابن عِذاري 267).

406هـ (1015م). طاعونٌ بالبصرة (عيون التواريخ Fol. 8).

ولعلّ هذه القائمة تقبل الإتمام في غير موضعٍ منها، غير أنّها على حالها هذه تُتيح لنا أن نستخلص نتائجَ ليست بالقليلة الشأن.

493

أوّلُ ما يُسجَّل تلك الحقيقةُ اللافتة: أنّه من أربعين وباءً كبيرًا ظهرت في مجرى أربعة قرون، فإنّ اثنين وعشرين منها على الأقلّ — أي أكثرَ من النصف — إمّا أن يكون منشؤها في العراق وإمّا أن تُصيب هذا الإقليم على كلّ حال. وأُصيب الشامُ اثنتَي عشرة مرّة، أمّا شمالُ جزيرة العرب، حيث نطلب اليوم موطن الكوليرا، فلا يظهر مسرحًا لوباءٍ كبير إلّا مرّةً واحدة. وفي العراق تأتي قبل كلّ شيءٍ مدينةُ البصرة الواقعةُ عند مصبّ دجلة؛ وتليها الكوفةُ وواسطُ وأخيرًا بغداد، وهي المواضع التي يعصف فيها الوباءُ أكثرَ ما يعصف. فالعراقُ إذًا هو موطنُ الطاعون الحقيقيّ، بل أحسب أنّ الخطر لا يزال يهدّد من هناك حتى اليوم.(1)

على أنّ ممّا يستحقّ التفاتًا خاصًّا تلك الحقيقةُ: أنّ الأوبئة على صلةٍ ظاهرةٍ كلَّ الظهور بالأحوال السياسيّة وبما يترتّب عليها من أحوالٍ اجتماعيّةٍ واقتصاديّة. فأوّلُ طاعونٍ كبير سنة 18هـ (639م) يقع بالضبط مع تمام فتح الشام. ولا بدّ أنّ البلاد خُرِّبت عند ذلك تخريبًا شديدًا، فبقيت أرضٌ زراعيّةٌ كثيرة بغير حَرْث. وتَبِعت ذلك مجاعةٌ كبيرة، وظهر مقترنًا بها الطاعونُ على الحقيقة، وانتشر إلى العراق كذلك. وكان لقادة الجيوش العرب من الآراء في حفظ الصحّة ما هو من العقل بحيث نقلوا الجندَ من فورهم عن مواضع الحاميات إلى الجبل والبادية حتى يمضي الوباء.(2)

وتظهر العلّةُ بعنفٍ خاصّ وفي فتراتٍ متقاربةٍ أبدًا ابتداءً من سنة 50هـ (670م)، فتتكرّر كلّ عشر سنين. ويُصاب بها الشامُ

Nota 1. مردُّ عدم التفكير في مكافحة الطاعون بإجراءاتٍ احتياطيّةٍ دوليّةٍ في موطنه الحقيقيّ بالعراق نفسِه إنّما هو الجهلُ العامّ بأحوال الشرق، وهو جهلٌ سائدٌ في أوروبّا. Nota 2. ابن الأثير II, 237.

494

والعراقُ خاصّةً. وتظهر في تعاقبٍ أسرعَ فأسرع، ولا تقع فترةُ انقطاعٍ أطول إلّا في منتصف القرن الثاني للهجرة.

وفي ذلك الزمن بعينه تقع سلسلةٌ من أشدّ المعارك دمويّةً بالشام والعراق، ولا تنتهي إلّا بتولّي العبّاسيّين الحكم (132هـ، 750م). نعم، يظهر الطاعونُ بعدُ في سنة 134 و135هـ، غير أنّ فترات الانقطاع تطول من ذلك الحين كثيرًا إلى مطلع القرن الثالث للهجرة. أمّا الحربُ الأهليّة بين المأمون وأخيه الأمين على الانفراد بالحكم، وقد احتدمت في العراق أشدّ ما احتدمت وأفضت إلى حصارٍ طويلٍ لبغداد، فقد أثارت الأوبئة في العاصمة وفي سائر أنحاء الدولة كذلك؛ ومن ذلك الحين تبدأ المجاعةُ والغلاء كذلك في الظهور دوريًّا، ولا سيّما في دار الخلافة. غير أنّ الطاعون — والعجبُ في ذلك — يقلّ في القرن الثاني كلِّه، ولا تظهر الأوبئةُ في تعاقبٍ أسرعَ إلّا مع مطلع القرن الرابع، وينضمّ إليها كذلك سوطُ المجاعة، فيقع بعد ذلك مِرارًا ببغداد أيضًا في أفظع الأحوال، ويُقدِّم الدليل الذي لا شكّ فيه على الانحطاط العميق للحال الاجتماعيّة والاقتصاديّة كلِّها.

ذلك أنّ تمزّق الدولة إلى دُوَيلاتٍ شِبهِ مستقلّة كان له على يَسار الشعب أشدُّ الأثر فسادًا: فالمنافعُ التي أتاحها التنقّلُ الحرّ، وإلغاءُ الرسوم الإقليميّة وحواجزِ الجمارك ومكوسِ الطرق — وقد أسهمت من قبلُ إسهامًا كبيرًا في نهوض الحركة — ضاعت بسرعةٍ تزداد كلّما تكوّنت الدُّوَيلاتُ المنفردة أكثر. فكلُّ متغلّبٍ إقليميّ، حتى أصغرُهم، كان يطلب رفع دخله بأقصى ما يستطيع، فابتُدِعت مُكوسٌ جديدة وضرائبُ على الاستهلاك لم يعرفها حقُّ الدولة القديم في الإسلام، وجُبيت مكوسُ العبور، فغلا بذلك سعرُ القوت وأُثقِلت التجارة.

495

أمّا أهلُ الريف فقد عُصِروا عصرًا بلا رحمة.

وهذه ظواهرُ انحطاطٍ تظهر في كلّ مكانٍ باطّرادٍ واحد، غير أنّها لا تظهر في موضعٍ ظهورها الواضح في مجرى تاريخ الشرق. ولنُورِد هنا للبيان مثالين أو ثلاثة من دولة الخلافة.

توارثت أسرةُ الأغالبة ولايةَ إفريقية، وحكمت مستقلّةً كلَّ الاستقلال، ولم تكن تحمل إلى بغداد في أوّل الأمر إلّا إتاوةً سنويّةً معلومة، ثم قطعتها بعد قليلٍ قطعًا تامًّا.(1) وقد بقي خبرٌ بأنّ حاكمًا من هذه الأسرة رفع الخراج إلى ثمانية عشر دينارًا (180 فرنكًا) عن كلّ فدّانٍ من الأرض، وهو مبلغٌ عجز السكّانُ عن أدائه عجزًا تامًّا.(2)

وأمّا أنّ الأمر لم يكن أحسنَ في سائر الأقاليم فيدلّ عليه خبرٌ موضوعه الدولةُ الحمدانيّة الحاكمةُ على شمال الشام وأجزاءٍ من الجزيرة. كانت مدينةُ نَصيبين من أملاكها. وفي أحسن موقع، في سهلٍ بالغ الخصب، حيث تُروى الأرضُ ريًّا وافرًا بمياهٍ منحدرةٍ من الجبل القريب موزَّعةٍ صناعةً في قنواتٍ كثيرة، امتدّت حولها البساتينُ والحقولُ والمَغارس امتدادًا لا يُحدّ. ومنذ صارت المدينةُ في الحكم الإسلاميّ أحسنت حفظ يسارها القديم في أكثره، وبقيت في نواحيها أديرةٌ كثيرة لا يُعرَض لها. وكانت الجبايةُ الواجبةُ الأداء إلى الحكومة المركزيّة مئةَ ألف دينارٍ في السنة (نحو مليون فرنك). غير أنّ تغيّرًا وقع في ذلك سنة 360هـ: فإنّ الأمير الذي كانت المدينةُ في

Nota 1. قارن المجلّد الأوّل، ص 359، 378. Nota 2. ابن الأثير VI, 231. والفدّانُ اليوم في مصر يعادل 4,500 متر مربّع. فكانت الضريبةُ إذًا 4 فرنكات عن كلّ 10 أمتارٍ مربّعة.

496

بلاده أثقلها من الجبايات والمكوس إثقالًا حمل قبيلةَ بني حبيب العربيّة الكبيرة كلَّها — على ما بينها وبين بيت حَمْدان الحاكم من قرابة — على أن تعزم الهجرة واللجوء إلى أرض الروم. فخرجوا من ديارهم بأهليهم ومواشيهم وعُدَدهم الفاخرة وسلاحهم، راكبين خيولهم الكرائم؛ فلمّا بلغوا أرض الروم دخلوا في النصرانيّة جميعًا، وعدّتُهم نحو 12,000 رجل. وطلب إمبراطورُ الروم أن يستميلهم بحسن المعاملة، فأقطعهم أراضيَ خصبة. وكتب المهاجرون إلى من بقي من أصدقائهم في الوطن يُخبِرونهم بما هم فيه من خير، فلحق بهم كثيرون ممّن بقي؛ ثم أخذوا — انتقامًا لما احتملوه من قبلُ من الجَور — يُغيرون على أرض الإسلام، ففتحوا حصونًا منيعة مثل حصن منصور وحصن زياد، وحاصروا كفرتوثا ودارا. وصاروا يُكرّرون هذه الغارات كلَّ سنةٍ في وقت الحصاد؛ بل مدّوا غاراتهم المُخرِّبة إلى نصيبين وما وراءها إلى جزيرة ابن عمر ورأس العين والرقّة وبالِس.(1)

ولا حاجة إلى مزيد بيانٍ لإبراز أهمّية هذا الخبر إبرازًا خاصًّا. فما أشدّ ما لا بدّ أن تكون الأحوالُ قد بلغته من عدم الاحتمال حتى تعزم قبيلةٌ بأسرها، في ذلك الزمان زمانِ الحماسة الدينيّة المتعصّبة، حيث كان الإسلامُ ينظر من عَلٍ في كِبرياءَ إلى النصرانيّة البيزنطيّة المنحلّة، على أن تودّع وطنها إلى الأبد، فترحل إلى الغُربة وتُبدِّل دينها كذلك.

أمّا من بقي بنَصيبين فكان أمرُه أسوأ. استولى الحمدانيُّ ناصرُ الدولة على المدينة، وصادر أملاك المهاجرين، ووضع يده على أكثر الأراضي، بالرِّضا تارةً وبالقوّة تارة،

Nota 1. ابن حوقل 140 وما بعدها. والنصُّ مع الأسف شديدُ الفساد.

497

ثم أمر بزراعة الحبوب مكان الثمار، كالسمسم والأرزّ، ثم القطن كذلك. فبلغ بهذه التدابير أن صار الحاصلُ أكبرَ ممّا كان. أمّا من بقي هناك من السكّان فمنعهم من مغادرة المدينة، ونظّم الخراج على نظام المُقاسَمة بحيث يُؤدّي كلُّ واحدٍ إليه نصفَ حاصل الحصاد، إمّا نقدًا بعد تقديرٍ سابق، وإمّا عينًا. ويُضيف مُخبِرُنا، وهو يتكلّم عن مشاهدةٍ بنفسه: بل إنّ حال أهل نصيبين في زماننا أسوأُ في عهد ابن هذا الأمير، فإنّ التقدير الجُزافيّ وتوزيع الجبايات يلتهم أكثر حصادهم، حتى لا يبقى لهم في الحقيقة إلّا ما يكفي لسدّ الرمق في عيشٍ بائس.

وكيلا يُظَنّ أنّ هذه أحوالٌ منفردة، ولأُبيِّن أنّ نظام الاستنزاف المالي نفسَه طُبِّق في كلّ مكانٍ من كلّ وجهٍ ومن غير نظرٍ إلى عواقبه الضارّة، وإن اختلفت درجاتُه وصُوَرُه اختلافًا شديدًا، أُريد أن أورد هنا موضعًا آخر من يوميّات الحاجّ الإسبانيّ ابن جُبَير، وهو يروي في سخطٍ كيف كانت مصلحةُ المكوس المصريّة تسلب الحُجّاج عند وصولهم إلى الإسكندريّة. يُخبِر أنّ عمّال الحكومة كانوا يصعدون إلى ظهر السفن قبل النزول إلى البرّ، فيكتبون اسم كلّ حاجّ ويستخرجون من كلّ واحدٍ الزكاة

498

من غير مراعاةٍ البتّة، ثم يُنزِلون المسافرين ومتاعهم إلى البرّ، ويُفتّشون كلّ شيءٍ أدقَّ تفتيش، فيضيع منه كثيرٌ في الزحام. ويُضيف أنّ صلاح الدين العادل، وكان يحكم مصر يومئذٍ، لو بلغه ذلك لأبطل هذا المنكر يقينًا. ويذكر في موضعٍ آخر أنّ هذا الأمير نفسه أبطل بالفعل مَكْسَ الحُجّاج، وكان يُجبى بأفظع صورةٍ في عهد الحكومات السابقة بعَيْذاب، المدينةِ البحريّة على البحر الأحمر، ومنها كان الحُجّاج يركبون إلى جُدّة. وكان هذا المَكْسُ سبعةَ دنانيرَ مصريّةٍ ونصفًا عن كلّ فرد، أي نحو 75 فرنكًا. ومن عجز عن أدائه أُنزِلت به أقسى العقوبات.

وفي مواضعَ أخرى كذلك كان الحُجّاج يُستنزَفون استنزافًا منظَّمًا، ويُعَدّون مادّةَ جبايةٍ مرحَّبًا بها.

نعم، لعلّه وقعت استثناءاتٌ مفردة تسرّ. من ذلك أنّ رحّالةً آخر(1) يصف حال دولة السامانيّين أحسنَ وصف؛ غير أنّا — فضلًا عن أنّا لا ندري أَلَم تؤثّر في رأيه بواعثُ شخصيّة — نجد أنّ مثل هذه الاستثناءات لم تقع إلّا نادرًا، وأنّ أكثر الدُّوَل التي نبتت في ظلّ الخلافة لم يسُدها يقينًا إلّا الوجهُ السيّئ من سياسة تلك الأزمان، أعني: أخذَ المال حيث وُجِد من غير نظرٍ إلى يَسار الشعب، ثم تبديدَه في نفقاتٍ غير مثمرة. وليس عند جغرافيّي العصور المتأخّرة شيءٌ أكثرُ ورودًا، حين يذكرون مدينةً، من هذه الزيادة: «وهي اليوم خرابٌ في أكثرها».

Nota 1. ابن حوقل 341.

499

وكانت الضرائبُ تُجبى بقسوةٍ مُفزِعة. فيُعلَّق في أعناق المتأخّرين عن الأداء حجارةٌ ثقيلة، ويُتركون قيامًا في الشمس المُحرِقة، أو يُعذَّبون بضروبٍ أخرى. وكان كبراءُ الدولة يستغلّون مناصبهم أفحشَ استغلال، إمّا بأن يتقبّلوا من الحكومة نواحيَ بأسرها فيمتصّوها امتصاصًا منظَّمًا، وإمّا بأن يحتكروا الحبوب فيرفعوا أسعار القوت رفعًا مصطنَعًا. وجاء إقطاعُ الجند الأرضَ الزراعيّة، وما نشأ عنه من نظام الإقطاعات العسكريّة، فأتمّ ما بقي من إهلاك يَسار الجماهير.

وسار مع هذا الانحطاط الاقتصاديّ، وقد تزايد تزايدًا مُفزِعًا، ظاهرةٌ أخرى هي أبدًا علامةٌ لا تُخطئ على السُّقم الاجتماعيّ. فقد أخذ الشعورُ القوميّ القديم عند الجنس الحاكم — وهو الذي أسّس الدولة وأمسكها — يضمحلّ شيئًا فشيئًا. وبقدر ما فقد سكّانُ الحواضر العرب بذلك فضائلَهم القبليّة القديمة، استيقظت بين الشعوب المغلوبة، ولا سيّما الفرس، حركةٌ قوميّةٌ موجَّهةٌ ضدّ الحكم العربيّ واللغة العربيّة المفروضَين، فشجّعت هذه الحركةُ لا مركزيّةَ الدولة وتمزّقَها. وقد استيقظت هذه الحركةُ أوّلَ ما استيقظت في بلاطات الدول الشرقيّة: السامانيّين والغزنويّين. وملحمةُ الفردوسيّ الكبرى خيرُ شاهدٍ على هذا الاتّجاه العقليّ الجديد، وقد انتشر سريعًا في البلاد الفارسيّة كلِّها، وأزاح شيئًا فشيئًا العنصر العربيّ أكثرَ فأكثر، ثم أفضى آخرَ الأمر إلى انفصال البلاد الشرقيّة.

وبقدر ما ضاقت بذلك حالُ ذلك القسم من شعوب الإسلام الباقي تحت حكم الخلفاء، وبقدر ما هبط الشعبُ العربيّ عن مكانته العالية السابقة، ظهر أوضحَ فأوضحَ فسادٌ سياسيٌّ عامّ. 82%

500

فقد اضمحلّ الشعورُ بالواجب نحو الدولة ونحو الجماعة اضمحلالًا تامًّا، عند الحاكمين كما عند المحكومين. نعم، إنّ هذا الشعور بواجب الفرد نحو الدولة والجماعة لا يمكن إلّا عند الشعوب الرفيعة الثقافة. والأمثلةُ الساطعة على التضحية البطوليّة بالنفس في سبيل الوطن، كما يعرضها العصرُ اليونانيّ والرومانيّ القديم، نادرةٌ في التاريخ، غير أنّها لا تُعوِز العربَ كذلك في زمن عظمتهم. إلّا أنّ هذا الشعور كان مقترنًا في الوقت نفسه بطريقة تفكير الشعب الدينيّة؛ فلمّا كانت الدولةُ الإسلاميّة نظامًا دينيًّا بقدر ما هي نظامٌ سياسيّ، امتزجت الحماسةُ الدينيّة بالشعور الوطنيّ بالواجب، وكان المحاربُ العربيّ في القرون الأولى، وهو يمضي في القتال عن قومه ودينه إلى الموت غيرَ هيّاب، خاضعًا لسلطان الأمر الدينيّ بقدر خضوعه لسلطان الشعور القوميّ الموروث.

ومثلُ هذه القوى المعنويّة لا يقلّ أهمّيةً لقيام كِيان الدولة عن أسسها المادّية؛ فلا غنى لها عن هذه ولا عن تلك. فلمّا فقدت هذه الأفكارُ قوّتها شيئًا فشيئًا — وذلك نتيجةً مباشرةً للاختلاط بعناصرَ غريبة — صار الشعورُ بالانتماء الدينيّ سريعًا هو الرباطَ المعنويّ الوحيد الذي يُمسِك ذلك التجمّع الهائل من شعوب الإسلام. غير أنّ الحياة العقليّة المتفتّحة في نشاطٍ متزايد، ونشوءَ الفِرَق الدينيّة، واستيقاظَ الشكّ، واللامركزيّةَ السياسيّة، كلَّ ذلك أضعف على مرأى العين هذا الرباط الأخير. وسرعان ما لم تعد الدولةُ قائمةً إلّا بقوّة القصور الذاتيّ (vis inertiae). وتحوّل الشعورُ الدينيّ سريعًا إلى خُرافةٍ وتعصّب، فاختنقت بذلك الحياةُ العقليّة أكثرَ فأكثر. وصارت الجماهيرُ أشدَّ فأشدَّ لامبالاةً بالمصلحة العامّة، وتفكّكت الدولةُ إلى عددٍ لا يُحصى من الأجزاء، لم يحمل إلّا أقلُّها

501

في نفسه شروطَ بقاءٍ أطول. ولم تُوقِظ الرُّوحَ الدينيّة في الإسلام مرّةً أخرى إلّا الحروبُ الصليبيّة، فتخلّى الإسلامُ يومئذٍ عن تسامحه القديم المشوب بالاحتقار إزاء أهل المِلَل الأخرى، وأفصح عن نفسه في بغضٍ وحشيٍّ للنصارى؛ ولم تتّحد بعضُ الكُتَل الكبرى من بلاد الشرق — ولو لحظةً — في مقاومةٍ مشتركةٍ للصليب إلّا بحرب الدين. غير أنّ هذا الاتّحاد القسريّ، الذي لم يقم إلّا بضغطٍ خارجيّ، انحلّ ما إن كفّ الدافعُ الخارجيّ عن الفعل. ولمّا انعدم كلُّ حافزٍ عقليّ، أخذ العالمُ الإسلاميّ من ذلك الحين يغرق أكثرَ فأكثر في سُباتٍ سقيم، يجري في أثنائه تحلّلُ البناء القديم لدولة الخلافة تحلّلًا لا يقف له شيء.

وهكذا تبلغ الحضارةُ العربيّة نهايتها.

ملاحظات المترجم

1. جدولُ الأوبئة أُثبت هنا على الصيغة نفسِها المتّبعة في القسم السابق منه: سطرٌ واحد لكلّ سنة على صورة «130هـ (747–8م)»، جمعًا لعمودَي كريمر «A. H.» و«A. Ch.»، مع حفظ التاريخين والمصادر بأرقامها كما هي.

2. علامةُ الاستفهام «؟» قبل بعض السنين الميلاديّة تقابل ما ورد في الأصل المصوَّر رقمًا زائدًا («2873—4»، «0955—6»)، وهو في الغالب علامةُ استفهامٍ في المطبوع أساءت القراءةُ الآليّة قراءتها. وكذلك «8343» في الأصل صوابُه 343، و«N, 243» في مصدر سنة 319هـ صوابُه II, 243، وقد أُثبتا على وجههما.

3. مصدرُ سنة 266هـ مبتورٌ في الأصل المصوَّر: يبدأ بـ«(Ibn» ثم ينقطع، فأُثبت «(ابن…)» ولم يُستكمَل الاسمُ بالحدس.

4. يُفرِّق كريمر في الجدول بين «Gibäl» (سنة 343) و«Gabal» (سنة 347)، فأُثبتا «الجبال» و«الجبل» على ما رسمه، والمقصودُ في الغالب إقليمُ الجبال نفسُه.

5. قولُ كريمر (ص 494) إنّ الطاعون «يقلّ في القرن الثاني كلِّه» لا يستقيم مع سياق كلامه، إذ هو يتكلّم على ما بعد سنة 135هـ إلى مطلع القرن الرابع؛ وصوابُه القرنُ الثالث. أُثبت النصُّ كما هو وسُجِّل الوهمُ هنا.

6. أُعيدت المصطلحاتُ الفنّية إلى أصولها العربيّة التي كان كريمر يترجم عنها: Grundsteuer = الخراج، Armentaxe (Zakäh) = الزكاة، Consumtionssteuern (mokus) = المكوس، Mokäsamah-System = نظام المُقاسَمة، Militärlehen = الإقطاع العسكريّ.

7. الأعدادُ كمّياتٌ فأُثبتت بالفاصلة: 4,500 متر مربّع، 12,000 رجل؛ أمّا السنون فبلا فاصلة. والمبالغُ التي يُقدِّرها كريمر بالفرنك (180 فرنكًا، 75 فرنكًا، مليون فرنك) أُبقيت على تقديره.

8. السطرُ «v. Kremer, Culturgeschichte des Orients, 32» أسفل ص 497، والسطرُ «82%» أسفل ص 499 ليسا من المتن، بل هما علامتا المَلزمة، وقد أُبقيا كما هما بخطأ القراءة الآليّة في الثاني (وصوابُه 32*).

9. أحكامُ كريمر — «النصرانيّة البيزنطيّة المنحلّة»، و«الشعوب الرفيعة الثقافة» وحدها تعرف واجب الفرد، ووصفُ الشعور الدينيّ بأنّه «تحوّل سريعًا إلى خُرافةٍ وتعصّب» — منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ هي رأيه هو، من مستشرقٍ نمساويٍّ من القرن التاسع عشر.