إنّ هذه المذاهب المتضادّة، المتقاطعة، المؤتلف بعضُها ببعضٍ على أعجب وجه، لَتشهد على كلّ حالٍ بمبلغ ما كان لتلك العصور من حَراكٍ عقليّ. فغَيلان، وهو ممّن يُذكَرون في أوائل القدريّة، كان مُرجئًا في الوقت نفسه، إذ جعل المُعَوَّل الأكبر على الجانب الشكليّ من الإيمان ولم يشترط العمل — كما اشترطته الخوارج — شرطًا لا غنى عنه؛ على أنّه ذهب في مسألة حقّ السيادة إلى الأفكار الديمقراطيّة، فحكم بأنّ كلّ مسلمٍ أهلٌ لأن يُختار. وفي هذا وافق الخوارجَ، غير أنّه فارق المرجئة في مسألة القدر ومضى في طريقٍ لنفسه.(1) ويتبيّن من هذا المثال أيُّ ائتلافاتٍ عجيبةٍ كانت تقع. وبه يُفسَّر كذلك ذلك العددُ الكبير من الفِرَق الذي يسمّيه أقدمُ كتّاب البلاد أنفسِهم. على أنّ هؤلاء أفرطوا في هذا الباب فلم يزيدوا الفهمَ الصحيح إلا عُسرًا. فتحت تأثير حديثٍ — يغلب أنّه وُضِع في القرن الأوّل أو الثاني بعد محمّد — مؤدّاه أنّ أمّة الإسلام ستفترق اثنتين وسبعين فرقة، جهد القومُ أن يستوفوا هذا العدد، فكثيرًا ما جعلوا آراءً فرديّةً محضةً أصولًا لفرقةٍ جديدة. — على أنّ الأحزاب الأربعة المذكورة آنفًا هي وحدها، إلى جانب أهل السنّة، ما يستحقّ أن يُسمّى فِرَقًا دينيّةً حقيقيّة.
ولا شكّ أنّه لم يخفَ على القارئ أنّ الإقليمين اللذين صدرت عنهما هذه الحركات هما الشام والعراق. فالأحزاب السياسيّة الدينيّة (الخوارج والشيعة) نشأت في بلاد الفرات، وأمّا الفِرَق الكلاميّة (المرجئة والقدريّة) فنشأت بالشام. وقد سبقت الإشارة إلى ما يظهر عند الشيعة من مؤثّراتٍ أجنبيّة.
Nota 1. الشهرستاني I. 169.
401ولم يبقَ إلا أن نُقيم مثل هذا الدليل على الفريق الأخير كذلك، وليس ممّا يُستطاع هنا إلا دليلُ الترجيح، فإنّ خُلوَّ ذلك العهد من الآثار المكتوبة يحول دون بلوغ اليقين التامّ.
وبدمشق، حاضرةِ الدولة الجديدة، خالط الفاتحون العربُ مخالطةً يوميّةً ذلك العنصرَ الذي كان يملك البلاد قبلهم. وكان آراميًّا في أصله، غير أنّه تَيَونَنَ في ظلّ الحكم اليونانيّ البيزنطيّ الطويل حتى كاد يستحيل يونانيًّا خالصًا، ولا سيّما في المدن. وقد اتّخذت العلومُ البيزنطيّة بدمشق دارًا لها، وكان طابعُها لاهوتيًّا في الأغلب. وفي أوّل عهد الحكم العربيّ بالذات عاش بهذه المدينة عددٌ من كتّاب الكنيسة البيزنطيّين المرموقين، يقوم عملُهم دليلًا لنا على أنّ مدرسة هذه المدينة في اللاهوت لم تكن من آخر مدارس دولة قياصرة الروم الشرقيّين. ولمّا كان الفاتحون العربُ لا يُبالون بأهل المِلَل الأخرى مبالاةً البتّة، ما داموا يؤدّون ما التزموه بالعهد، فقد وسع لاهوتيّي الروم أن يستغرقوا في مباحثهم الكلاميّة الدقيقة استغراقًا لا يعوقه شيء، وإن كان الأذانُ: «لا إله إلا الله، محمّدٌ رسول الله!» يقطع عليهم سكونَ صوامعهم. وهذا ما صنعوه بالفعل. ملأوا مجلّداتهم الضخام بدقائق الجدل، وتنازعوا فيما بينهم بمثل الحدّة التي يتنازع بها فقهاءُ اللغة عندنا اليوم إذا كان الأمرُ في تصحيح نصّ، وأضاعوا أوقاتهم على النحو نفسه. ولكان الحاصلُ من ذلك تافهًا كذلك، لولا أن طرأ أمرٌ ساق الأمور مساقًا لم يكن في الحسبان. ذلك أنّ الفاتحين أخذوا شيئًا فشيئًا يخرجون عمّا كانوا عليه في البدء من قلّة المبالاة بالشعوب المغلوبة. فثقُل عليهم رويدًا رويدًا
402أن يروا في الحاضرة هذا العددَ الكثير من أهل المِلَل الأخرى؛ ولعلّ النصارى أنفسَهم — وقد امتلأوا كِبرًا بيزنطيًّا ونشأوا في مدرسة التعصّب — قد أعطوا من أسباب النفور كثيرًا، إذ لم يلتزموا التزامًا دقيقًا الشروطَ التي كتبوها على أنفسهم في عهد عمر الأوّل، وجرحوا بتحدّيهم الشعورَ الدينيّ الذي كان يتكوّن في الإسلام شيئًا فشيئًا. ولم يُظهِر آباءُ الكنيسة بدمشق حُسنَ تقديرٍ للأحوال، إذ بلغ من قلّة حذرهم أن أطلقوا أقلامهم في مجادلة الإسلام. غير أنّ سرّ التثليث، وقد أثار في الكنيسة البيزنطيّة نفسِها من المنازعات الحزبيّة الوبيلة ما أثار، كان أشبهَ بسِكِلّا وخَرِبْدِس: هناك كان لاهوتيّو النصارى ينكسرون أبدًا، كلّما خرجوا بأشرعةٍ منتفخةٍ بالزهو ليُعِدّوا للكفّار سَلاميسَ ثانية.
فقد كان عند السَّراسِنة أبدًا، في وجه هذه العقيدة التي لا يُحيط بها عقل، جوابُ القرآن (سورة 112): «قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد». —
ومن اللاهوتيّين الذين عاشوا بدمشق في ذلك الزمان يُعرَف اثنان على الخصوص، وقد بقي من كتبهما بعضُها على الأقلّ. والرجلان هما يوحنّا الدمشقيّ وثيودورس أبو قُرّة؛ فأمّا الأوّل فكان يونانيَّ الأصل صميمًا، ويبدو أنّ أسرته كانت من بيوتات المدينة الوجيهة، وأمّا ثيودورس أبو قُرّة فيغلب أنّه سريانيُّ المَحتِد، كما يشهد اسمُه. وكان أبو يوحنّا، واسمه سرجيوس، يشغل — على شدّة تنصّره — منصبًا ذا نفوذٍ في عهد الخليفة عبد الملك، ويغلب أنّه كان أوّلَ خُزّان بيت المال عنده. وقد أحسن تربية ابنه يوحنّا وعُنِي بها عنايةً بالغة، ولا سيّما في علوم اللغة واللاهوت؛ فلمّا مات سرجيوس أخيرًا رفع
403الخليفةُ يوحنّا إلى أوّل مُشيريه وولّاه ما كان يتولّاه أبوه. غير أنّه لم يلبث أن اعتزل الدنيا ونزل دير مار سابا، حيث مات نحو سنة 780م.(1)
وأعظمُ فضله أنّه أوّلُ من سعى في المشرق إلى تأسيس اللاهوت تأسيسًا علميًّا، وإلى إقامة الدليل بالفلسفة على موافقة تعاليم النصرانيّة للعقل.
وقد ظلّت كتبه في المشرق قرونًا طويلة نماذجَ لا تُبارى، ويظهر أثرُها الكبير في كلّ مناسبةٍ تقريبًا. ويصحّ أن يُعَدّ بكتابه في الإيمان القويم أبا الفلسفة المدرسيّة، إذ طبّق فيه فلسفة المشّائين على العقيدة. وكتب كذلك خاصّةً في الردّ على بدعة الإسلام، وبقي له أيضًا حوارٌ بين نصرانيٍّ وسَرَسينيّ.
وأمّا ثيودورس أبو قُرّة، ولا تتوافر عنه أخبارٌ أدقّ، فقد مات سنة 826م.(2) وقد ترك لنا هو أيضًا محاوراتٍ بين النصارى والسَّراسِنة، موضوعُها بطبيعة الحال الجدلُ الدينيّ. ولا يكاد يُشَكّ في أنّ هذه المناظرات المكتوبة بين أهل الدينين قد سبقتها مناظراتٌ شفويّة، بل تبعتها كذلك. وقد بلغ من كثرة مثل هذه المُساجَلات الخطابيّة أنّ الوالي — رجلًا عاقلًا يُسمّى الأمير سالم — منع منعًا صريحًا بأنطاكية، وكانت يومئذٍ لا تزال أهمَّ مدن الشام بعد دمشق، المناظراتِ اللاهوتيّةَ بين أهل الدينين، وذلك فيما يظهر لِما في ذلك من خطر
Nota 1. بحسب Gieseler: Kirchengeschichte مات نحو سنة 760م. Nota 2. Gieseler، الموضع نفسه.
404الإخلال بالسكينة العامّة بما يُثيره من إحَنٍ في النفوس.(1)
أمّا أهمّ المسائل التي دارت عليها هذه المنازعات فيمكن تبيّنُها على وجه الدقّة من كتب آباء الكنيسة. وكانت كلُّها لاهوتيّةً على ما تقتضيه روحُ العصر. وهي مسائلُ في طبيعة الذات الإلهيّة وصفاتها، وفي إحاطة علمها بكلّ شيء، وفي القضاء السابق وحرّية الإرادة — وهذا الأخير موضوعٌ كان أوريجينس قد طرحه للبحث في كتابه de principiis.(2)
ويؤكّد يوحنّا الدمشقيّ في كتبه تأكيدًا خاصًّا أنّ الله لا يريد إلا الخير، وأنّ كلّ ما يريده الله خيرٌ لذلك. وفي المحاورة مع السَّرَسينيّ يُبسَط القولُ في مسألة أصل الشرّ والخير هذه بسطًا أوفى.(3) وحرّيةُ إرادة الإنسان مؤكَّدةٌ فيها تأكيدًا شديدًا: هو وحده صانعُ أفعاله، ومن ثَمّ فهو موهوبٌ حرّية الإرادة؛(4) والله محيطٌ علمُه بكلّ شيء، غير أنّه لم يُقدِّر كلّ شيءٍ سلفًا بالقضاء السابق البتّة.(5)
ومثلُ هذه الأفكار، وقد جرى بحثُها في المخالطة الشفويّة المتكرّرة بين النصارى والمحمّديّين، أدخلت هؤلاء الآخِرين شيئًا فشيئًا في دائرة أفكار اللاهوت البيزنطيّ، وعلّمتهم حِيَل الجدل الرهبانيّ ودقائق تصاريفه. ومن هنا نشأت أوائلُ المساعي في علم العقيدة وفلسفة الدين عند المسلمين. فليست تلك التعاليمُ في أصول الإيمان (osul)، وقد اشتغل بها المسلمون مبكّرًا، شيئًا آخر غير استنادٍ إلى أبحاث الكتّاب
Nota 1. Theophanes Chronographia, Bonn, 663. Nota 2. Baur Dogmengesch. Vorlesungen I. 237. Nota 3. قارن Joh. Dam. ed. Lequien I. 147. 447. Nota 4. Ibid. I. 193. Nota 5. الموضع نفسه، 199.
405اليونان في الموضوع نفسه. وكذلك المباحثُ في وحدانيّة الله (tauhyd)، وهي عند أصحاب العقائد اليونان في المرتبة الأولى، تُؤلِّف بدورها واحدًا من أهمّ موضوعات أوّل أصحاب العقائد من المحمّديّين. والنزاعُ في إثبات الصفات لله أو نفيها نبت في هذه الأرض نفسها، وآراءُ المرجئة، وقد أنكروا خلود عذاب النار، موافقةٌ كلَّ الموافقة للمذهب الذي ذهب إليه في هذه المسألة أكبرُ لاهوتيّي الروم شأنًا.(1)
فلهذه الأسباب سيلزمنا أن نفترض بترجيحٍ كبيرٍ تأثيراتٍ نصرانيّةً عند المرجئة، بل عند القدريّة بأولى وأقوى.(2)
ومثلُ هذه المنازعات السياسيّة والعقديّة، وقد صدرت عن الروح العربيّة العامّة وقد اختمرت بأثر موادَّ أجنبيّة، ملأت القرنَ الأوّل ملئًا تامًّا، واستولت على العقول استيلاءً أشدّ لأنّ الخلاف كان يُحسَم في أكثره بالسلاح وفي مرارةٍ مروّعة. ورغم هذه الأحوال التي لم تكن تُواتي أعمالَ العلماء الهادئة إلا قليلًا، ورغم الخلوّ التامّ من الوثائق المكتوبة في ذلك العهد، فإنّنا نستطيع
Nota 1. قارن Culturgesch. Streifzüge 5، 6. Nota 2. أساء مستشرقٌ هولنديٌّ شابّ، هو الدكتور M. Th. Houtsma، فهمَ آرائي في رسالته النافعة للتأهيل: De Strijd over het Dogma in den Islam tot op El-Ash‘ari، ليدن 1875، إذ ظنّ أنّي أذهب إلى أنّ العرب عرفوا كتب آباء الكنيسة اليونان معرفةً مباشرة، ولا سيّما كتب يوحنّا الدمشقيّ. وليس إلى هذا من سبيل، غير أنّ أفكارهم قد بلغتهم يقينًا في المخالطة الشفويّة، كما يتبيّن ممّا تقدّم بيانًا واضحًا. ثم إنّ الدكتور Houtsma نفسه يوافقني في آخر الأمر على ما ذهبتُ إليه، ص 37. وأمّا إباؤه أن يجعل دمشق مهدَ القدريّة، ص 45، فرأيٌ لا يثبت — فيما أرى — بعد ما تقدّم. وأمّا موافقتُه إيّاي فيما عدا ذلك في نشأة مذهب القدريّة واعترافُه بالأثر النصرانيّ، فأُثبتهما مسرورًا.
406مع ذلك أن نُكوّن لأنفسنا صورةً ما عن المساعي العلميّة والأدبيّة في هذا العهد الأوّل من الحضارة العربيّة، وأن نذكر على الأقلّ إنجازًا واحدًا في غير الميدان الدينيّ. وهو تأسيسُ علم اللغة باستنباط النحو. وكان الباعثُ عليه دراسةَ القرآن؛ فقد طُلِبت قواعدُ محدّدةٌ لصحّة النطق بالكتاب الكريم وتلاوته. غير أنّ المِعيار في ذلك لم يكن اللغةَ الحيّة، بل لغةَ القرآن كما استقرّت بالرواية. ولا شكّ في أنّ وحي محمّد كُتِب أوّل ما كُتِب بلهجة مكّة، ولكن لا شكّ كذلك في أنّ صحّة النطق ودقّة النصّ لا بدّ أن يكونا قد نالهما الخللُ في مواضعَ كثيرة مع مرّ السنين وانتشارِ ذلك النصّ في أقطارٍ متباعدةٍ وبين شعوبٍ أعجميّة. غير أنّ واضعي النحو العربيّ لم يلتفتوا إلى هذا، ورأوا أنّ الكلام ينبغي أن يجري على النحو الذي كان القرآن يُقرأ به في زمانهم.
فكان من ذلك أنّ النحو العربيّ، كما أقامه العلماء، وقع منذ البداية في تناقضٍ كثيرٍ مع لغة الشعب الحيّة. ومع ذلك فإنّه لَعملٌ عقليٌّ كبير سما إليه العرب، إذ استخرجوا لِلغتهم نظامًا نحويًّا مستقلًّا بجَهدٍ يُعجَب له؛ إنجازٌ لا تظهر صعوبتُه إلا إذا تذكّر المرءُ أنّ شعبًا موهوبًا كاليونان لم يستنبط نحوَه إلا في عهد مدرسة علماء الإسكندريّة. على أنّه لا ينبغي أن يُغفَل أنّ أكثر الفضل في استنباط علم اللغة وفي تحريره بعد ذلك يرجع إلى الأعاجم الذين دخلوا في الإسلام. فقد كانوا أشدَّ الناس حاجةً في تلاوة القرآن إلى
407من يُعلّمهم صحّة النطق والضبط بالحركات. وكونُ هذه الحاجة برزت أوّل ما برزت بالبصرة، حيث اختلط السكّان العرب اختلاطًا شديدًا بعناصرَ أجنبيّةٍ منذ العصور الأولى، أمرٌ لا يقلّ دلالةً على ما تقدّم. وصحيحٌ أنّ أكثر علماء البلاد ينسبون فضل تقرير النحو إلى رجلٍ عربيّ (أبي الأسود الدؤليّ)، غير أنّ هذا الخبر لا يكاد يَرجُح، وتُعارِضه أخبارٌ مخالفة، ينصّ أحدها صراحةً على أنّ واضع النحو رجلٌ فارسيّ.(1)
وأمّا الذي يخصّ الدؤليَّ فيبدو أنّه إدخالُ علامات القراءة، إذ وضع للدلالة على الحركات a وi وo نقطةً فوق الحرف أو أمامه أو تحته.(2) ولا يكاد يُشَكّ في أنّ علامات الحركات هذه محاكاةٌ للعلامات السريانيّة، أي إنّها اقتباسٌ آخر من الأعاجم. وعلى كلّ حالٍ فقد كانت هذه الخطوةُ الأولى ذاتَ شأنٍ دائمًا في تطوّر العلوم بعد ذلك.
ومن ذلك الحين صار المشتغلون بالدرس اللغويّ في الأغلب من الموالي لا من صميم العرب، وكان واحدٌ من أشهر تلاميذ الدؤليّ فيما بعدُ نَبَطيًّا من بلاد ميسان.(3) وهؤلاء الأعاجم، وقد أكبّوا بحماسةٍ عظيمة على درس اللغة العربيّة والقرآن والسنّة وما يُستشهد به من الشعر القديم في التفسير، هم في الحقيقة مؤسّسو الدرس اللغويّ والأدبيّ في تلك العصور. غير أنّهم لمّا اعتمدوا في ذلك
Nota 1. عبد الرحمن بن هُرمُز. الفهرست 39؛ ويُعالج Flügel: Grammat. Schulen der Araber، ص 26، هذه المسألة بما عهدناه من قلّة النقد. فهو يَعُدّ الخبرَ الوارد في الفهرست، ص 41، دليلًا حاسمًا على أنّ الدؤليّ هو الواضع؛ لكنّه ينسى أنّ النضر بن شُمَيل (ت 208 أو 204هـ)، وهو المذكور شاهدًا، عاش بعد الدؤليّ بنحو مئةٍ وخمسين سنة. Nota 2. Flügel: Die grammatischen Schulen der Araber p. 17. Nota 3. وهو عَنبَسة، الفهرست 41.
408اعتمادًا مقصورًا على نصّ القرآن، يستخرجون منه قواعد اللغة، مع أنّ النصّ قد شابه لا محالة كثيرٌ من التحريف بأخطاء الكتابة والقراءة والحفظ، فقد ازداد وقوعُهم في التناقض مع اللغة الحيّة. وفي هذا الصراع بين حكمة المدارس الضيّقة والروح الحيّة كان النصرُ للأولى، وقد أحبّ الناسُ في ذلك الزمان بالفعل أن يتراموا بلحن الكلام، وأن يتباهَوا — استنادًا إلى نظامٍ غريبٍ في كثيرٍ من وجوهه عن لغة العامّة — بنقدٍ لا طائل تحته صبيانيّ.
وقد خطر لواحدٍ من أولئك اللغويّين(1) أن يقلب السلاح فيُصحّح القرآن بالنحو حيث كان النصّ ظاهرَ الفساد، غير أنّ الأمر ذهب هباءً، فإنّ النحو لمّا كان مبنيًّا على نصّ القرآن الفاسد، دار المرءُ في حلقةٍ مفرغة، ولم يبلغ غايةً أبعد من إزالة بعض ما فحُش من التناقضات.
وكانت خطوةٌ تكاد تعدل استنباطَ النحو في أهمّيتها هي إدخالَ النقط المُعجِمة على يد الحجّاج،(2) فإنّهم كانوا يكتبون في أقدم الأزمنة — بل بعد ذلك أيضًا — بغير نقط، وحروفٌ بعينها مثل b وt وr وz وs وsh وما إليها لا يتميّز بعضُها من بعضٍ بغير هذه النقط، حتى كان على المرء أن يحزر النطقَ من السياق؛ فنالوا بهذا المستحدَث وضوحًا أكبر، وإن ظلّوا في الكتابة المعتادة يكتبون بغير نقط.
ومهما تكن هذه الأخبارُ عن النشاط العقليّ عند العرب في القرن الأوّل للهجرة ضئيلةً — بل غيرَ موثوقةٍ أيضًا، والحقّ يُقال — فإنّها تُظهِر دائمًا مقدارَ ما ساد يومئذٍ من نشاطٍ في كلّ باب، وكم أسرع هذا الشعبُ في السعي إلى
Nota 1. عيسى الثقفي؛ Flügel: Grammat. Schulen der Araber، 30. Nota 2. قارن ابن خِلِّكان في ترجمة الحجّاج بن يوسف، نقلًا عن كتابٍ قديم هو: كتاب التصحيف للعسكري، ت 382.
409إنشاء حضارته الخاصّة به. على أنّ الفضل في ذلك يرجع في أكثره إلى الغرباء الذين دخلوا في الإسلام من الآراميّين والفرس.(1)
وأمّا ما يُروى سوى ذلك من الأعمال الأدبيّة فمشكوكٌ فيه على تفاوت: فيقال إنّ أميرًا أمويًّا (خالد بن يزيد) اشتغل بالكيمياء منذ ذلك الوقت،(2) ويقال إنّ الأخباريّ القديم عُبَيد بن شَرْية، وكان يقصر الليالي بأخباره في بلاط دمشق، قد ترك بعض المجاميع؛ غير أنّ ذلك كلَّه غيرُ موثوقٍ به البتّة.
ولا يظهر نهوضٌ في العمل العقليّ أعظمُ شأنًا بكثير إلا ابتداءً من القرن الثاني للهجرة، ولا نطأ أرضًا موثوقةً إلا عند هذا الحدّ. وليس من قبيل المصادفة أن تتلاقى هذه الحركة مع نموّ المدن الكبرى ونشوء سكّانٍ عربٍ مستقرّين.
ولا بدّ أن نتناول هنا أوّلَ ما نتناول المنازعات في العقيدة والكلام. أمّا الأرض التي نمت فيها الآن فلم تعد الشام، بل بلادَ الفرات. فقد نُقل إليها مقرُّ الحكم، وفيها نشأت الآن أنشطُ حياةٍ عقليّة. وكان من أقدم مجامع ذلك البصرة. ففي هذه المدينة التجاريّة الكبرى لم يكن السكّان مياسيرَ فحسب، بل كان الغرباء يتدفّقون إليها من أبعد البلاد. فنشأت بذلك سريعًا حياةٌ عقليّةٌ نابضة. ولم يلبث مذهبا المرجئة والقدريّة أن وجدا بالبصرة أنصارًا، وفيها نالا مزيدًا من النموّ. وهنا صار القولُ بحرّية الإرادة، وقد نشأ بدمشق، مدرسةً كلاميّةً عقليّةً بالمعنى الدقيق.
وقد حفظ لنا المؤلّفون العرب وصفًا بالغَ الجاذبيّة لواحدةٍ من تلك الحلقات — ولا شكّ أنّها لم تكن نادرة —
Nota 1. قارن Hammer-Purgstall: Lit. Gesch. II. 98. Nota 2. الموضع نفسه، 185.
410بالبصرة، ممّا جرت العادة أن تُبحَث فيه مسائلُ الساعة السياسيّة والدينيّة. كان ناديًا صغيرًا من رجالٍ أذكياءَ مفكّرين انتظم هناك، يجتمعون في بيت أحد أعضائه، فيتذاكرون أو يتجادلون. وعندنا عن اثنين أو ثلاثةٍ من هؤلاء الرجال أخبارٌ أوفى. وأوّلُ من يُذكَر منهم بشّار بن بُرد الأعمى. كان من بيتٍ فارسيٍّ قديم، يقال إنّه من دم الملوك. وقد حُمِل أبوه مملوكًا لقائدٍ عربيٍّ ظافرٍ إلى العراق، فوُلد بشّار هناك. ثم أعتقته مولاتُه، وهي سيّدةٌ عربيّةٌ رفيعة، فصار مولًى لها. وعاش بالبصرة، غير أنّه رحل مرارًا إلى بغداد إلى بلاط الخليفة. وقد ظهرت موهبتُه الشعريّة مبكّرًا، فلم يلبث الشاعرُ الأعمى منذ مولده أن نال شهرةً عظيمة. ويبدو أنّه ظلّ في سرّه وفيًّا لدين آبائه، فإنّ في شعره موضعًا يُمجَّد فيه تعظيمُ الفرس القدماء للنار المقدّسة. والثاني عمرو بن عُبَيد. وكان هو أيضًا من أصلٍ أعجميّ، فإنّ جدّه أُسِر في غزوات العرب بكابل وحُمِل إلى البصرة. ومع ما كان له من المنزلة الرفيعة عند الخليفة المنصور، فقد ردّ كلّ عطاء وحفظ لرأيه استقلاله التامّ أبدًا.
وثالثُ أهل تلك الحلقة واصل بن عطاء، مؤسّس ما يُسمّى بالمدرسة العقليّة. وأمّا الآخرون فلا تتوافر عنهم أخبارٌ أدقّ.
وقد صدرت عن هذه الحلقة الصغيرة نزعاتٌ عقليّةٌ شديدةُ الاختلاف. فمنهم من أخذ بمذاهب البوذيّين (السُّمَنيّة)، وبقي بشّار شاكًّا في الإسلام إلى آخر عمره؛ وأمّا عمرو فانضمّ إلى آراء واصل،(1) وهي آراءٌ تدور على مسألتين كلاميّتين
Nota 1. الأغاني III. 24.
411كبريين تُجمَعان في لفظين: القَدَر والإيمان. فأمّا في القول بالقدر أو بحرّية الإرادة فقد تبع، فيما يبدو، آراء شيخه الحسن البصريّ، إمامِ الأخلاق الكبير.(1) وبمقتضاها ينفرد الإنسان بحرّية الاختيار في أفعاله، وتقع عليه من ثَمّ تَبِعتُها. وأمّا في الإيمان فقد أحدث واصل قولًا جديدًا فارق فيه شيخه. وذلك أنّه علّم — على خلاف الخوارج القائلين بأنّ المسلم إذا ارتكب كبيرةً عُدّ كافرًا أو مرتدًّا عن الإسلام — أنّ هذا تكون له منزلةٌ بين المنزلتين، بين الإسلام والكفر، فلا يُعَدّ مؤمنًا ولا كافرًا. وأنكر كذلك جوازَ الصفات التي يُحاول بها أهلُ السنّة حدَّ مفهوم الألوهيّة.(2)
وإلى هذه الآراء نفسها ذهب عمرو بن عُبَيد، وصورتُه في طهارة الخُلُق وعِظَم النفس تكاد تُذكِّر بتلك الصور السامية لحكماء اليونان في العصر القديم. وقد شارك شيخَه نظرتَه الزاهدة إلى الدنيا؛ فكان يُشبِّه الحياة الدنيا برحلةٍ في الصحراء، يُقيم المرءُ في المنزل خيامَه ليتركها بعد راحةٍ قصيرة ويمضي في طريقه. وقد بلغ به الغيظُ من حكم الوليد الثاني المُخزي أن شارك في الحياة السياسيّة مشاركةً نشطة، فدعا ليزيد الثالث حين خرج على ذاك وأزاله عن العرش بالفعل.
فلمّا سقطت الدولة الأمويّة صار على صلةٍ وثيقة بثاني خلفاء بني العبّاس، المنصور، وكان يُجلّه إجلال الصديق الوالد، بل رثاه
Nota 1. وقد أحسن الدكتور Houtsma بيان هذا في كتابه المذكور آنفًا، ص 51. Nota 2. الشهرستاني I. 48.
412بشعرٍ حين مات في طريق عودته من مكّة.(1)
ومن العجيب أنّ الأمير نفسه، وهو الذي تُنسينا صلتُه هذه برجلٍ من أطهر أهل ذلك الزمان خُلُقًا وأنبلهم كثيرًا من جوانبه المظلمة، هو الذي دفع في الوقت نفسه إلى حركةٍ أدبيّةٍ عميقة الأثر؛ فإنّ خبرًا موثوقًا مؤدّاه أنّ كتب الأمم المتحضّرة الأجنبيّة نُقِلت بأمره إلى العربيّة أوّل مرّة، ومن ذلك المجموعةُ الهنديّة المشهورة في خرافات الحيوان (كليلة ودمنة)، وأمُّ كتب الهند في علم الفلك (سِدّهانتا، وبالعربيّة السِّندهِند)، ثم من اليونانيّة كتبٌ شتّى لأرسطو، والمِجَسطي لبطلميوس، وكتاب إقليدس، وكثيرٌ غيرها من كتب اليونان القدماء والروم والفرس والسريان.
ويزيد المؤرّخُ القديم الذي يروي لنا هذا فيقول: فلمّا شاعت هذه الكتب بين الناس قرأوها ودرسوا بحماسةٍ ما فيها من المسائل.(2)
فمَقدَمُ هؤلاء الرجال وما بعثوه من أفكارٍ جديدة يمثّل إذًا منعطفًا مهمًّا في الحياة العقليّة لأمّتهم. فمن ذا الذي يشكّ في أنّ بين مذاكرات نادي علماء البصرة، وتعاليم رجلٍ كواصل أو عمرو بن عُبَيد، وبين ما رعاه البلاطُ من تعميم الكتب اليونانيّة والهنديّة والسريانيّة أو الفارسيّة، صلةً باطنةً أعمق؟
وقد أنشأ المذهبُ الجديد الذي أسّسه هذان الرجلان النابهان مدرسةً نقلت البحث من ميدان الكلام والعقيدة إلى
Nota 1. الفضل في هذا التصوير الجميل لخُلُق هذا الرجل للدكتور Houtsma، ص 52، وليس عندي ما أضيفه إلى معطياته من شيءٍ ذي بال. Nota 2. المسعودي VIII. 291.
413ميدان الفلسفة. وصارت المعتزلة — فهذا هو الاسم الذي لُقِّبوا به — من ذلك الحين الحزبَ العلميّ القائد في وجه نظريّة الإيمان الوَجِلة عند أهل السنّة؛ وإن بقيت الفِرَق القديمة، فقد صار هؤلاء منذئذٍ قادةَ الحركة العقليّة، وممثّلي مبدأ الأخلاق وحرّية الإرادة في وجه الجبريّة عند أهل السنّة. وهناك مسألتان يظهر فيهما هذا في تمام حدّته: مفهومُ الألوهيّة، وفَهمُ الوحي.
سعت المعتزلة إلى تنزيه مفهوم الألوهيّة عن كلّ صورةٍ تُشبِّهه بالإنسان، وإلى حدّ الله بأنّه جِماعُ الناموس الأخلاقيّ؛ وأمّا القرآن، وقد ألِف العامّةُ شيئًا فشيئًا أن يتّخذوه معبودًا في الحقيقة، فقد أعلنوا ببساطةٍ أنّه كتابٌ ككلّ كتاب، وأنّه ليس بغير مخلوقٍ البتّة كما يزعم أهلُ السنّة، بل هو لا يحوي إلا ما أوحاه الله على لسان النبيّ إلهامًا من الأحكام والأدعية.
غير أنّهم لم يستطيعوا تثبيت هذه التعاليم الجديدة، وهي في أصلها منافرةٌ لروح الإسلام، من غير قتال. فقد تصدّى لهم أهلُ السنّة في أحزابٍ شتّى وقاتلوهم بمرارةٍ شديدة. وفي بلاد فارس، حيث انتشرت التعاليمُ العقليّة، أُخِذ بمفهوم الألوهيّة الروحيّ الخالص عند المعتزلة، وحُورِبت حرّيةُ الإرادة (فِرَقُ الجبريّة والجهميّة والنجّاريّة).(1)
وقد بعثت هذه المنازعاتُ الكلاميّة الفلسفيّة نشاطًا عقليًّا نابضًا، دام قرنين تقريبًا، وشمل أزهى ما بلغته الحضارةُ العربيّة.(2)
ونشأ أدبٌ جدليٌّ واسعُ المدى موضوعُه مسائلُ الساعة المُلِحّة على اختلافها؛
Nota 1. الشهرستاني I. 89 وما بعدها. Nota 2. من القرن الثالث للهجرة إلى الخامس.
414فالجاحظ مثلًا، وهو من أخصب أدباء ذلك الزمان وكُتّابه، يذكر جملةً كاملةً من الرسائل الصغيرة بحث فيها مسائل الساعة المختلفة؛ فنجد رسالةً ينتصر فيها لعرب الشمال في مقابل عرب الجنوب، وأخرى يبحث فيها منزلة الموالي إزاء صميم العرب، ولا يقول فيها بما يخدم الأوّلين، ورسالةً ثالثةً تبحث موقف العرب من الفرس.(1)
وإلى جانب هذه المصنّفات العابرة ذات المضمون السياسيّ والاجتماعيّ كان هناك أدبٌ جدليّ، ولعلّه أوسع من ذلك بكثير، في أهمّ المسائل الأصوليّة عند الفِرَق المختلفة. ثم لم يلبث الناس أن أخذوا يختارون موضوعاتٍ أخرى للتأليف.
على أنّنا ما كنّا نستطيع أن نُكوّن تصوّرًا صحيحًا عن مضمون هذه الأعمال القديمة الداخليّ لولا أنّ بقيت لنا منها بقايا متفرّقة؛ في حين أنّ ما بقي من الآثار الأدبيّة في العصور المتأخّرة يتضاعف تضاعفًا هائلًا، حتى إنّ العائق الوحيد أمام المعرفة الصحيحة إنّما هو كثرةُ المادّة التي ينبغي غربلتُها.
ولم يبقَ من كتب التاريخ في أقدم العهود إلا القليل. فقد كانوا في البداية يجمعون الروايات الشفويّة فحسب، ويقتصرون على ترتيب المادّة المستفادة على هذا النحو — وفيها تختلط الأخبار التاريخيّة والكلاميّة والفقهيّة اختلاطًا — بحسب الأبواب. وأقدمُ كتابٍ تاريخيّ من هذا النوع، وهو لا يصلنا إلا في تهذيبٍ من يدٍ ثانية، مجموعةٌ مرتّبةٌ على السنين لكلّ ما رُوي ممّا يتّصل بحياة نبيّ مكّة. وقد كتبه صاحبُه (محمّد بن إسحاق، ت 150هـ،
Nota 1. الجاحظ: كتاب الحيوان، الورقة 1.
415767م) بطلب الخليفة العبّاسيّ المنصور.(1)
وأوّلُ ما يستوقفنا في هذا الكتاب التاريخيّ الأقدم تلك الحماسةُ المتوقّدة التي تُشرِق من كلّ سطر، حماسةُ جامعٍ عالمٍ ملأته أهمّيةُ عمله، وذلك الدأبُ الذي يُعجَب له، إذ تُجمَع من أشتّى المصادر أخبارٌ من كلّ نوع — على أنّها لا تنفكّ تتّصل بموضوع العمل اتّصالًا ما — ثم تُنظَم بعضُها إلى بعضٍ كالفُسَيفِساء. ويُذكَر عند كلّ خبرٍ بعنايةٍ جميعُ الرواة الذين نقلوه في الأجيال المتعاقبة. فالكتابُ كلُّه عملٌ فُسَيفِسائيّ بُني بدأبٍ لا يُصدَّق، جُمِعت أحجارُه الملوّنة من أشتّى الأماكن وأُلِّفت في صورةٍ جامعة، غير أنّه لا يترك أثر الكتاب التاريخيّ التامّ، إذ لا يكاد يظهر لصاحبه رأيٌ خاصّ في موضعٍ من المواضع، فالنشاطُ النظريّ — وهو الذي لا بدّ أن يكون وظيفة المؤرّخ الأولى — لم يبرز بعدُ.
أمّا العالم الذي أعاد تحرير هذا الكتاب في طبعةٍ أغناها بملاحظاته وزياداته فقد مات بعد صاحبه بنحو خمسين سنة.(2) غير أنّه يُظهِر تقدّمًا غيرَ يسيرٍ في معالجة المادّة. فهو لا يكاد يُغيّر شيئًا من نصّ ابن إسحاق، ولكنّه يجمع الرواياتِ المشتملةَ على وجهٍ مخالف، ويأخذ من حينٍ إلى حين
Nota 1. المسعودي VIII. 291. وتهذيبُ ابن هشام لهذا الكتاب يُعيد النصّ بحروفه ولا يزيده إلا حواشيَ نقديّةً ولغويّة. Nota 2. ابن هشام، ناشرُه، مات سنة 206هـ. ولنا ترجمةٌ ألمانيّة له نَدين بها للأستاذ Weil.
416مأخذًا نقديًّا، فيمتحن الأخبار بحسب المصادر التي جاءت منها، ويُبدي رأيه في صحّتها أو بطلانها. ويُولي الشعرَ القديم عنايةً خاصّةً جدًّا، فيتتبّع الأبيات المدسوسة ويُبيّنها، ويشرح الألفاظ المُشكِلة والكلماتِ والتعابيرَ المهجورة من وجهة نظر اللغويّ المدرَّب.
وابن هشام، وقد وُلد بمصر على أنّ أصله من البصرة، هو في الحقيقة أوّلُ نموذجٍ لتلك المدرسة اللغويّة القديمة التي كان لها في تكوين الأدب العربيّ أثرٌ عظيم لم يكن سعيدًا دائمًا، وسيأتي الكلامُ على عملها فيما بعد.
ومن المؤرّخين الذين يكادون يعادلونه قِدَمًا، وقد بقي بعضُ كتبهم، الواقديُّ؛ وأعُدّ من فضلي الحقيقيّ أنّي كشفتُ كتابه في مغازي محمّد وقدّمتُه من فوره بالطبع للانتفاع العامّ، كما يستحقّ صديقي الدكتور Sprenger شكرَ أهل هذا الفنّ جميعًا، إذ عرف بنظرٍ صائبٍ أهمّيته فأتاح طبعه في Bibliotheca Indica. وكان الواقديُّ القديم مدنيَّ المولد. وقد سعى، وهو مولًى، أن يكسب المكانة بشهرة العلم، وامتاز بنشاطٍ عظيمٍ في التأليف. ويبدو أنّه جمع مادّةً هائلة من الأخبار في التراجم والتاريخ عن نشأة الإسلام إلى زمانه.(1)
على أنّ كتابه في مغازي النبيّ يُظهِر تقدّمًا ملحوظًا في معالجة المادّة؛ فالرواياتُ القديمة التي جمعها من أشتّى المصادر تصلح له، كما صلحت لأولئك، أساسًا لعمله، غير أنّه مع ذلك
Nota 1. قارن Hammer-Purgstall III. 402.
417لا يقتصر على نظمها بعضِها إلى بعض، بل يصوغها روايةً مستقلّةً يُؤدّيها بألفاظه هو، ويحرص دائمًا على التنبيه إلى ذلك خاصّةً.(1)
فكتابُه يترك من ثَمّ أثر العمل التاريخيّ المتّصل أكثرَ بكثير، وفي مواضعَ كثيرةٍ يمضي سردُه مَضاءً نابضًا يصوّر الأحداث في تمام طراوتها بلغةٍ تكاد تكون في بساطة القديم.(2)
وقد أخرج كاتبُه بعد موته من مجاميعه كتابًا تاريخيًّا جامعًا كبيرًا، بقي بعضُه، غير أنّه لم يكن في متناولي، فلا أستطيع أن أُبدي فيه رأيًا.(3)
على أنّ هذه الكتابة التاريخيّة الأقدم كانت — فيما يبدو — لا تكاد تتناول سوى ذلك الحدث الذي كان وحده جديرًا في نظر أهل ذلك الزمان بأن يُنتزَع من النسيان، أعني ظهور محمّد ونشأة الإسلام؛ ثم لم تلبث الأزمانُ المتغيّرة أن جاءت بأحوالٍ أخرى. فاتّسع الأفقُ بمخالطة الأمم الأجنبيّة وبالفتوح الكبرى. ونشأ في المدن الكبرى، ولا سيّما ببغداد والبصرة، مع الثراء ورغد العيش، تعطّشٌ إلى المعرفة، وأُثير حبُّ الاستطلاع. وأخذ الناسُ يشتغلون بأشياءَ غير الحديث والكلام والفقه. وفي المسجد، وكان يومئذٍ مجمعَ تبادل الأفكار، صاروا يتذاكرون كذلك في المسائل
418السياسيّة؛ وتحدّثوا في الأمم الأجنبيّة، وعرفوا أسماء ملوك الفرس القدماء وملوك بيزنطة، واستوقفت أنظارَهم عصورُ العرب الأولى بما فيها من صور الأبطال والملوك الأسطوريّة، وكذلك أنسابُ القبائل والبيوتات، فإنّ الانتماء إليها كان له أهمّيةٌ عمليّة كذلك في المنزلة الاجتماعيّة.
وهكذا اتّسعت دائرةُ الأعمال التاريخيّة، وسعى القومُ إلى تقريب ميادينَ من المعرفة لم تكن تُعرَف قبلُ إلى الأفهام العامّة. ومن هذه الحاجة نشأ ضربٌ جديد من الكتابة التاريخيّة، هو ضربُ المختصرات في التاريخ العامّ، يُجمَع فيها أهمُّ ما يحتاج المثقَّف إلى علمه؛ يقول كاتبٌ قديم: — كثيرًا ما يقع أن يجتمع القوم في مجلسٍ يُذكَر فيه نبيّ، أو ملك، أو عالم، أو نسبٌ أو مسألةٌ أخرى من مسائل الأنساب، أو حادثةٌ تاريخيّة، أو يومٌ من أيّام العرب في الجاهليّة؛ فيحتاج كلُّ حاضرٍ حينئذٍ إلى معرفة الحادثة، والقبيلة، ومدّة مُلْك الملك، وسيرة الرجل الذي يدور عليه الكلام، أو سبب المثل الذي يُضرَب. وقد رأيتُ بنفسي رجالًا من كرام الأنساب لا يعرفون نسبهم هم، ولا يُحسِنون تسميةَ آبائهم، بل رأيتُ من أشراف أهل مكّة من لا يستطيع أن يُخبر بمَ اتّصلت قرابتُه بالنبيّ أو بأصحابه المُعَظَّمين. بل رأيتُ قومًا يرجع نسبُهم إلى بيتٍ وهم لا يدرون إلى أيّ بطنٍ ينتمي ذلك البيت، أو ينتمون إلى فَخِذٍ وهم لا يعرفون القبيلة الأمّ: حتى لقد عرفتُ رجلًا فرارًا من نسبٍ خامل سمّى من أجداده
419رجلًا مات ولم يُعقِب.(1) —
ولسدّ مثل هذه الحاجات صُنِّفت كتبٌ ميسورةُ الفهم للاستعمال العامّ بين المثقّفين، وقد بقي منها «كتاب المعارف» لابن قُتَيبة (نحو 276هـ، 889م). وفي هذا الكتاب بالفعل عملٌ مستقلٌّ تمامًا، مرسومٌ على خطّة، خالٍ من رَكام الرواية، يشهد بتقدّمٍ ذي بال، وهو مع ذلك موجَزٌ مُحكَمٌ في غاية الاختصار ليسهل حفظه.
يبدأ الكتاب بالخلق، ويورد صاحبُه موضعَ ذلك من التوراة ترجمةً حرفيّة، وكذلك فصول خلق الإنسان والخطيئة الأولى.(2) ثم يتبع ذلك تاريخُ الآباء الأوّلين على ما في الروايات التوراتيّة والعربيّة، ويُستفاد في الثانية من وهب بن مُنَبِّه، وهو مُتَّهَمٌ أشدَّ الاتّهام في حبّه للصدق، وقد حملت أخبارُه الكاذبة صاحبَ الكتاب على تعليقٍ مضادّ يُظهِر — على كلّ حال — بوضوحٍ كافٍ أنّه كان يشعر بأنّه مدعوٌّ إلى الحكم بين الأخبار المتعارضة.(3) ثم ينتقل إلى ذكر أولئك العرب القدماء الذين كانوا قد تركوا الوثنيّة قبل محمّد. ويلي ذلك فصلٌ واسع في أنساب القبائل العربيّة، يعقبه سيرةُ النبيّ وذوي قرابته وأتباعه، ثم أخبارُ الخلفاء إلى زمن تأليف الكتاب. ويحوي الفصلُ التالي تعدادًا لمشاهير رجال التاريخ في الإسلام، وأخبارًا متفرّقة؛ وخاتمتُه أخبارُ دول جنوب الجزيرة قبل الإسلام، وكذلك ملوك الفرس.
Nota 1. ابن قُتَيبة ص 3. Nota 2. الموضع نفسه، 6—8. Nota 3. ابن قُتَيبة 28.
420ويكفي ما تقدّم لبيان عِظَم التحوّل الذي جرى في ميدان الكتابة التاريخيّة. فقد أُزيح رَكامُ الرواية في أكثره، واتّسع الأفق، ولم تعد سيرةُ النبيّ إلا جزءًا من الكلّ، ونالت الأممُ غيرُ المحمّديّة عنايةً كذلك، وصارت لديهم بالفعل ترجماتٌ عن العبريّة والفارسيّة وسائر اللغات الأجنبيّة.
وأخذ الناسُ يفهمون التاريخ ويعرضونه على وجهٍ آخر؛ وانتشر كذلك انتشارًا متزايدًا ذلك النزوعُ إلى معرفة أحداث الماضي لا من وجهها الدينيّ وحده. بل كانت في البلاط نفسه حوليّاتٌ رسميّة للدولة، يُوصَف فيها حكمُ كلّ أميرٍ وصفًا بالغَ الدقّة؛ وقد بقي لنا خبرٌ يُروى فيه أنّه أُمِر في عهد الخليفة المعتمِد بإحضار هذه الحوليّات مرّةً ليُنظَر هل كان أحدٌ من الحكّام السابقين أسخى منه، وذلك أنّه كان قد وهب لتوّه مغنّيةً يحبّها ألفَ ثوبٍ من فاخر الأقمشة. ويزيد المُخبِرُ القديم أنّ خدم البلاط جاءوا بحوليّات الدولة: فإذا هي مجلّداتٌ ضخمة.(1)
ثم ازداد الولوعُ بالعرض التاريخيّ ازديادًا مطّردًا، وأُدخِلت فيه الأممُ الأجنبيّة غيرُ المحمّديّة كذلك. وهذه هي السِّمةُ المميِّزة للعهد الجديد. وقُرِن بالبحث التاريخيّ علمُ الآثار والجغرافيا ووصفُ الشعوب. وكانت الروحُ الصادرة عن المدن الكبرى، ولا سيّما عن بغداد، هي الدافعَ إلى مثل هذه المساعي العلميّة.
من ذلك أنّ كاتبًا من كتّاب ذلك الزمان (البلاذُريّ، ت 279هـ، 892م)، وقد رُبّي ببغداد ونشأ بها، حيث حظي بعناية الخليفة المتوكّل الخاصّة، اختار تاريخ
Nota 1. الأغاني XIV. 114.
421الفتوح موضوعًا له، فعالجه في كتابٍ بديع، حَسَنِ التقسيم والتحرير من جهة الشكل كذلك، يمتاز خاصّةً بخلوّه من كلّ تحذلقٍ علميّ، ويظهر فيه في كلّ موضعٍ ذوقُ رجلٍ من خيرة أهل المجتمع ولباقتُه، ولا سيّما في تجنّبه صيغَ مدرسة أهل الحديث الثقيلة.
وأمّا نزعةُ العصر إلى معرفة أحوال العصور القديمة وأحوال الأمم الأجنبيّة غير المحمّديّة — وهي نزعةٌ لا تُمكِن إلا في أحوالٍ حضاريّةٍ بالغةِ التقدّم — فتظهر خاصّةً في الكتاب الواسع لرجلٍ من جنوب الجزيرة، من أنبل بيوت بلاده، جعل مهمّته أن يكتب تاريخ بلاده القديم وتاريخ القبائل الساكنة فيها، وأن يصف تلك الأطلال العظيمة الموجودة هناك في كلّ مكان، وأن يشرح نقوشها، وأن يصف كذلك أحوال اليمن في الأعراق والجغرافيا. وهو الهَمْدانيّ (ت 384هـ، 945—6م). وقد اعتمد في ذلك على ما أفاده رجلٌ آخر من جنوب الجزيرة، أبو نصر (كذا عند كريمر: Hirry)، وهو حِمْيَريٌّ صميم، كان يعرف أساطير قومه القديمة معرفةً بالغة الدقّة، ويبدو أنّه كان لا يزال يُحسِن قراءة النقوش السبئيّة القديمة، فإنّ في كتاب الهَمْدانيّ منها منقولاتٍ بحروفها ومترجَمة.(1)
وقد ظُنّ هذا الكتاب مفقودًا منذ زمنٍ طويل، غير أنّ ما أبديتُه قبل سنين من ترجيح خلاف ذلك(2) صحّ؛ فإنّ المقيمَ الإنكليزيّ ذا الفضل بمَسقَط، الكابتن Miles، وقد نبّهته «القصيدة الحِمْيَريّة» التي نشرتُها، أخذ في البحث فوجد قطعتين، إحداهما تحوي الكتاب الثامن، والثانية الكتاب العاشر
Nota 1. قارن Himjarische Kasideh V. Nota 2. قارن بحثي: Ueber die südarabische Sage p. 140.
422منه. ومحتوى الكتاب كلِّه في مجلّداته العشرة كما يلي: 1) التاريخُ الأوّل وأصلُ الأنساب؛ 2) نسبُ ولد الهُمَيسَع؛ 3) فضائلُ القحطانيّين؛ 4) أقدمُ التاريخ إلى الملك تُبّع أبي كَرِب؛ 5) التاريخُ الأوسط من مبدأ مُلك أسعد تُبّع إلى ذي نُواس؛ 6) التاريخُ المتأخّر إلى الإسلام؛ 7) أساطيرُ القوم القديمة؛ 8) محافدُ اليمن ونقوشُها (المَسانِد) ومراثي حِمْيَر وكتاباتُ القبور (القُبوريّات)؛ 9) في أمثال حِمْيَر وحِكَمها بلسان حِمْيَر، ونقوشُ المُسنَد وما إليها؛ 10) في حاشِد وبَكيل.
ويُرى من هذا أنّ الكتاب لا يشمل التاريخ وحده، بل الطبوغرافيا والآثار وما إليها. فنجد في الكتاب الثامن أبجديّةً سبئيّةً تامّة مع نقلها بالحروف العربيّة.
وترك الهَمْدانيّ فضلًا عن ذلك كتابًا في طبوغرافيا جزيرة العرب، هو بحسب الدكتور Sprenger أحسنُ ما كُتِب عن هذه البلاد وأوفاه.
ثم قدّم بعد قليلٍ كاتبٌ من الظاهر أنّه فارسيُّ الأصل مختصرًا في التاريخ على السنين بالغَ القيمة، عُني فيه عنايةً خاصّة بتاريخ فارس القديم وبالمطابقة الزمنيّة بين التقويم المحمّديّ والتقويم الفارسيّ القديم، ومضى فيه بتاريخ الخلفاء إلى سنة 350هـ. وهو حمزة الأصفهانيّ. وكتابُه مكتوبٌ كلُّه على طريقة أصحاب الحوليّات، يروي الوقائع ببساطةٍ من غير تسمية الرواة. ويُرى من ذلك أنّ مدرسة الكتابة التاريخيّة الجديدة قد صارت هي السائدة.
وإتمامًا لما تقدّم لا بدّ أن نذكر هنا كاتبين نابهين آخرين، هما في عصر ازدهار الأدب العربيّ ونموِّه الحرّ في الاتّجاه التاريخيّ إمامان بحقّ: أعني
423المسعوديّ (ت 345هـ، 956م) والبيرونيّ (ت 430هـ، 1038—9م). فأمّا الأوّل، وهو بغداديُّ المولد، عربيٌّ من الشمال في نسبه، فقد خرج إلى الأسفار في أوّل شبابه وشاهد أكثر العالم المحمّديّ. قصد الهند أوّلًا، فزار المُلتان والمنصورة، وجال من هناك في بلاد فارس وكرمان، ثم عاد إلى الهند مرّةً أخرى، وأقام زمنًا طويلًا في كَنباية (Cambaye) وصَيمور، وبلغ سرنديب، ثم أبحر إلى قَنبَلو (مدغشقر)، ومنها مضى إلى عُمان، بل لعلّه بلغ الهند الخلفيّة والصين. ولا شكّ في أنّه عرف بحر قزوين والساحلَ الشرقيّ للبحر الأحمر. وبعد هذه الأسفار الكبيرة أقام في أقاليمَ شتّى من دولة الخلافة؛ فمكث زمنًا بطبريّة وأنطاكية وفي الثغور الشاميّة، ثم بالبصرة، حيث أخرج أوّلَ مرّةٍ كتابه الباقي: «مروج الذهب». ثم مضى إلى مصر، فأقام بالفُسطاط (القاهرة القديمة)، حيث حرّر كتابه الأخير («كتاب التنبيه»)، ومات بعد ذلك بقليل. أمّا كتابه الأكبر: «مرآة الزمان» فلم يبقَ منه إلا مجلّداتٌ متفرّقة، ولا بدّ أنّه كان عظيم الحجم جدًّا. وفي الكتاب الذي بين أيدينا تامًّا، أي «مروج الذهب» المذكور آنفًا، وهو مختصرٌ من كتابه الأكبر، يعرض علينا كنزَ تجاربه الغنيّة في الحياة بألطف ما يكون من أسلوب راوٍ بشوش، رأى بلاد الناس جميعًا، وامتحن الحياة من كلّ وجه، ويسرّه ألّا يُفيد قارئه فحسب، بل أن يُمتعه كذلك. فمن غير أن يُعنّينا بأسماء الرواة، ومن غير أن يخوض في مباحثَ طويلةٍ جادّة، يُحبّ قبل كلّ شيءٍ أن يُبرِز العجيب والغريب من الأمور والمُستملَح، وأن يُعرّف بالناس وبزمانهم بنوادرَ قصيرةٍ يُدخِلها في كلامه بمهارةٍ بالغة. وهو في كلّ موضعٍ
424ذو اهتمامٍ حيٍّ بالأمم غير المحمّديّة كاهتمامه بأهل دينه. حتى إنّ المرء ليكاد يُسمّيه هيرودوت العرب؛ ولا شكّ على كلّ حالٍ أنّ كتابه، إذا أُريد الجمعُ بين الإمتاع والإفادة، لم يفُقه فيه كتابٌ آخر.
وأمّا عملُ البيرونيّ فمختلفٌ كلَّ الاختلاف. وُلد في شماليّ غربيّ الهند، وكان — على أنّه عربيُّ القوميّة — عارفًا كذلك بلغات البلاد؛ فترجم كتبًا عن السنسكريتيّة، ورافق محمود الغزنويّ، الفاتحَ العظيم، في غزواته، وحصّل معرفةً متينةً بالفلك والجغرافيا أودعها كتابه: «القانون المسعوديّ». وتحديدُه لخطوط العرض من الدقّة بحيث لا يكاد يُخطئ في مقابلة الأرصاد الحديثة أكثر من دقائق معدودة. وكتب كتابًا مستفيضًا في التقاويم، له كذلك أعظمُ الشأن في الجغرافيا المقارِنة، وامتاز بوصفه عالِمًا بالطبيعة. وكتابه في الهند من أهمّ آثار الأدب العربيّ القديم.
ويكفي في بيان مبلغ ما ارتفعت إليه أمواجُ الحركة الأدبيّة يومئذٍ أن نُلاحظ أنّ المسعوديّ يذكر في مقدّمة «مروج الذهب» أكثر من خمسين مؤرّخًا مختلفًا قرأ كتبهم. ولم يفتُر هذا النشاط حتى حين خبا بهاءُ الخلافة ودخلت الحضارةُ العربيّة دخولًا قاطعًا في عصر الانحطاط مع مبدأ حكم البويهيّين. فإنّ عندنا من ذلك الزمان كتبًا تاريخيّةً تمتاز بجمال العرض وبنظرٍ مفتوحٍ إلى مظاهر الحياة المتنوّعة أشدَّ التنوّع.(1)
Nota 1. من ذلك ابن مسكويه، صاحب كتاب «تجارب الأمم».
425وبينما كانوا في البداية لا يكتبون إلا تاريخ الإسلام، ثم انتقلوا منه إلى كتب التاريخ العامّ، جرى مبكّرًا تقسيمٌ للعمل. فأخذوا يكتبون كذلك مجاميع في التراجم، إمّا لمشاهير المعاصرين عامّةً، وإمّا لطبقاتٍ بعينها (طبقات)، كطبقات أصحاب النبيّ، والمحدّثين، والفقهاء، والأطبّاء، والشعراء، بل حتى العشّاق والمجانين؛ وصُنِّفت أخبارُ الوزراء، وأخبارُ آحادٍ من عظماء الرجال، أو تاريخُ الأحزاب والفِرَق. وقد خرجت من هذا الاتّجاه العقليّ كتبٌ بالغةُ القيمة. وأكتفي بأن أذكر تاريخ الأديان والفِرَق، وفيه كتابُ الشهرستانيّ المهمّ، وكذلك كتابُ وزير الأندلس ابن حزم، وهو لا يقلّ عنه استحقاقًا للنظر.
ثم مضوا بعد قليلٍ إلى أبعد من ذلك، فأخذوا يعالجون تاريخ المدن كلٍّ على حِدَة (تاريخ بغداد، ودمشق، وأصفهان، وبَيهَق، ونيسابور وما إليها)، وذلك كثيرًا ما يكون في مصنّفاتٍ مفردةٍ هائلة الحجم.
ولم يكن النشاطُ أقلَّ في ميدان الجغرافيا، وهو الميدان الشديد الاتّصال بالتاريخ. فسرعان ما ظهرت الحاجة إليه، فإنّ الشعر القديم كثيرًا ما تُنسَج فيه أسماءُ المواضع أو القبائل، وأسماءُ الأعلام الجغرافيّة تَرِد في الحديث وفي أخبار مغازي محمّد والفتوح المتأخّرة ورودًا بالغَ الكثرة. فأحسّوا إذًا بضرورة تحصيل المعرفة بذلك، فوضعوا لأجل ذلك فهارسَ جغرافيّة ألحقوا بها تعليقاتٍ قصيرةً موضِّحة. ولمّا امتدّت دولةُ الخلفاء امتدادًا مطّردًا، ازدادت كذلك الأهمّيةُ العمليّة لمعرفة المحطّات الرئيسة والطرق ومساحات الأقاليم ومدنها وأنهارها وجبالها.
426من ذلك أنّ ابن هشام، وقد ذُكِر قبلُ في المؤرّخين، كتب رسائلَ جغرافيّةً شتّى، لا شكّ أنّها لم تُقصَد إلا شرحًا لكتبه التاريخيّة.(1) وقد بقي من سنة 278هـ، 891م، كتابٌ جغرافيّ هو «كتاب البلدان» لليعقوبيّ، نرى منه أنّ الجغرافيا كانت تُعالَج يومئذٍ معالجةً منهجيّة؛ وصحيحٌ أنّ وجهتها طبوغرافيّةٌ في المقام الأوّل، غير أنّ تقسيم الأقاليم قائمٌ فيه، والطرقُ التجاريّة الكبرى معروفة؛ وتنال الصناعةُ والتجارةُ وغَلّاتُ الأرض في كلّ بلدٍ عنايةً تليق بها، وكذلك المعطياتُ الإحصائيّة عن حاصل الخراج في كلّ كورةٍ وكلّ إقليم. وإلى جانب ذلك تُوصَف المدنُ الكبرى وصفًا مستفيضًا جدًّا في بعض المواضع، حتى إنّ هذا الجغرافيّ القديم يصف لنا حاضرتي الدولة، بغداد وسامَرّاء، وصفًا من الدقّة بحيث لو لم تكن الأحداثُ قد طمست هناك كلَّ أثرٍ تقريبًا، لأمكننا أن نُعيد بناء كلّ شارعٍ وكلّ سوقٍ وكلّ حيٍّ على ما كان عليه يومئذٍ، وأن نتتبّع مخطّط المدينة بشبكة شوارعها كلِّها تتبّعًا دقيقًا.
ولم يكن هذا الكاتبُ القديم ينقل من الكتب، بل عرضُه مبنيٌّ في أكثره على المعاينة. وصيغتُه الأسلوبيّة واضحةٌ بسيطةٌ رصينة، ولذلك بالذات تبعث على الثقة التامّة.
وأمّا الأهمّية التي عُلِّقت على الدرس الجغرافيّ فأوضحُ ما يتبيّن من أنّ كبار عمّال الدولة أخرجوا كتبًا جامعة — وإن تكن للاستعمال الرسميّ في المقام الأوّل — يُوصَف فيها ما كان يُعرَف من دولة الخلافة والبلاد المجاورة لها. وابن خُرْدَاذبه، وقد عرفناه قبلُ، هو أوّلُ من نعلمه
Nota 1. Hammer-Purgstall, Litt.-Gesch. III. 386.
427من صنّف مثل هذا الكتاب الرسميّ في المسالك، مع بيانٍ دقيقٍ للمنازل ومراكز البريد، ولمبلغ الخراج في كلّ إقليمٍ على حِدَة.
ويتبعه بعد قليلٍ قُدامة بكتابٍ جامعٍ عمليّ وضعه لمنفعة الدواوين المركزيّة ببغداد. وقد عُني هو أيضًا عنايةً بالغة بأقاليم الدولة وبنظام البريد، ثم أتبع ذلك رسمًا جغرافيًّا عامًّا، وعالج بلاد الإسلام معالجةً مستفيضةً خاصّة، مع بيانٍ دقيقٍ لتقسيم الأقاليم ومقدار الخراج في كلّ جهة. ثم ألحق بذلك وصفَ الشعوب والبلاد الأجنبيّة المجاورة. ثم انتقل إلى علم المالية وأمرِ الخراج والقانونِ الإداريّ. وفيه تاريخٌ موجزٌ لفتوح العرب نقله بجملته عن البلاذُريّ.
ومعرفةُ قُدامة بالجغرافيا تامّةٌ جدًّا بالفعل، ويُرى أنّها قائمةٌ على معرفة الفلك وكتب بطلميوس. فهو يعرف كرويّة الأرض، وكذلك قِصَر النهار عند القطب.
وبمثل هذه الأعمال زاد التشوّق إلى المعرفة. فصنّف وزيرٌ في بلاط السامانيّين (الجَيهانيّ، كتب بين 279 و295هـ) — مستفيدًا من قُدامة — كتابًا أوفى منه بكثير، لا يبدو أنّه بقي لنا إلا في مختصرٍ من يدٍ ثانية.(1)
ثم ازداد حبُّ الترحال والتشوّق إلى معرفة البلاد والأمم الأجنبيّة ازديادًا مطّردًا. وكانت تلك السهولةُ الكبيرة التي يستطيع بها المرءُ أن يجوب الدولة الواسعة كلَّها مع القوافل ممّا نمّى إقبال الناس عامّةً على الكتب التي موضوعُها وصفُ البلاد
Nota 1. Sprenger, Postrouten XVII.
428والشعوب. فبدأ أدبٌ خاصّ في كتب الرحلة، لا يكاد صاحبُه يُلمِّح إلى ما لقيه هو إلا هنا وهناك، ولا يعطي إلا وصف البلاد التي رحل إليها بنفسه أو التي استطاع أن يستقصي أخبارها.
ويُذكَر هنا في المقام الأوّل وصفُ الهَمْدانيّ لجزيرة العرب. ولا يقلّ عنه استحقاقًا، وإن لم يكن مثله استفاضةً واستيعابًا في كلّ موضع، عملُ الإصطخريّ، وهو جغرافيٌّ لا تتوافر عن أحوال حياته أخبارٌ أدقّ، غير أنّه أخرج على الأرجح نحو سنة 340هـ، 951—2م، نشرةً جديدة لكتاب البلخيّ المتوفّى سنة 322هـ، 934م، فسعى إلى تصحيح رسومه للخرائط، ووسّع الكتاب في بعض أجزائه، ولا سيّما في الفصل الخاصّ ببلاد فارس، وقد صار مصنَّفًا مفردًا بالفعل، يعرض هذه البلاد في ذلك الزمان عرضًا مستوعبًا حتى ليُعَدّ من أحسن ما كُتِب عنها قطّ. والذي يمتاز به الإصطخريّ التفاتُه الدائم إلى التجارة والغَلّات والصناعة، وكذلك إلى أحوال الشعوب. بل بلغوا يومئذٍ الخرائطَ الأرضيّة نفسَها، وإن كانت فجّةً جدًّا؛ فإنّ كاتبًا قديمًا، كتب في أواخر القرن العاشر لتقويمنا، يُخبِر عن خريطةٍ كبيرة للعالم على كتّان رآها.(1)
ويدلّ على مبلغ إقبال الناس على الأدب الجغرافيّ تلك النشرةُ الجديدة والتهذيبُ اللذان صنعهما ابن حَوْقَل (عاش نحو 366هـ، 976—7م) لكتاب الإصطخريّ؛ وقد أهّله لهذا العمل ترحالٌ دام ثمانيًا وعشرين سنة، كان يحمل فيه دائمًا معه كتب من سبقه (ابن خُرْدَاذبه وقُدامة والجَيهانيّ).
Nota 1. الفهرست، 285.
429على أنّ هذه الأعمال كلَّها تتوارى تواريًا بعيدًا أمام الإنجاز العظيم للمُقَدَّسيّ (وأصحُّ منه: المَقْدِسيّ، كتب سنة 375هـ، 985—6م). يقول الدكتور Sprenger، وأنا هنا تابعٌ له، وله الفضل الكبير في أنّه أوّلُ من نبّه إلى كتابه: إنّه لم يكن قطّ في رأيه جغرافيٌّ رحل مثل رحلته، ولا رصد بمثل حدّة نظره، ولا عالج في الوقت نفسه ما جمعه بمثل هذه الخطّة المرسومة. نعم، قد فاقه غيرُه رحلةً، كابن بطّوطة مثلًا، بما قطعوه من المسافات الطويلة، غير أنّ أحدًا ممّن تركوا تجاربهم مكتوبةً لم يجُبْ مثله بلاد المحمّديّين في جميع الجهات، ولم يُقِم مثله في كلّ موضعٍ ذي شأنٍ زمنًا طويلًا يقصد إلى معرفة الحياة وخصائصها. صحيحٌ أنّه لم يزُر السِّند ولا إسبانيا، ولا يبدو أنّه دخل سِجِستان قطّ، غير أنّه حيثما حلّ خالط الطبقات جميعًا وصرف نظره إلى ما فيه نفعُ الناس. فلنسمع ما يقوله هو نفسه في هذا في مقدّمة كتابه.
«كتابي على ثلاثة أقسام: أوّلُها ما رأيتُه بنفسي، والثاني ما سمعتُه من ثقات، والثالث ما وجدتُه في الكتب. ولم أدَعْ خزانةَ كتبٍ صغيرةً ولا كبيرةً إلا انتفعتُ بها، ولا مذهبًا في الكلام إلا عرفتُه، ولا رجلًا صالحًا إلا خالطتُه، ولا واعظًا إلا سمعتُه، حتى بلغتُ ما جئتُ لمعرفته. وقد حملتُ أسماءً كثيرةً جدًّا: المَقدِسيّ، والفلسطينيّ، والمصريّ، والمغربيّ، والخراسانيّ، والمُقرئ، والفقيه، والصوفيّ، والوليّ، والمُتَبَتِّل، والحاجّ، والكاتب، والمُجَلِّد، والتاجر، وواعظ الأخلاق، والدليل، والمؤذّن، والخطيب، والغريب، والعراقيّ، والبغداديّ،
430والشاميّ، والحنفيّ، والأديب، والمُستأجِر، وطالب الكلام، والمتعلّم، والفَرَضيّ، والأستاذ، والحكيم، والشيخ، والرئيس، والفارس، والرسول؛ وذلك كلُّه لأنّي زرتُ من البلاد كثيرًا وأقمتُ في مواضعَ شديدة الاختلاف. بل ليس ممّا يُقاسيه المسافرون شيءٌ لم يكن لي منه نصيب، ما خلا حِرفةَ السؤال وكبائرَ الذنوب. وقد كنتُ فقيهًا وأديبًا وزاهدًا ومُتَبَتِّلًا، ودرّستُ الكلام واللغة؛ وقمتُ واعظًا، وأذّنتُ للصلاة من منارة المسجد، وأمَمتُ الناس في المسجد، وخطبتُ في المعبد خطبَ الوعظ، وحضرتُ مجالس الدرس، وصلّيتُ في الجماعات، وألقيتُ الدروس في المدارس. وأكلتُ الحساء مع الصوفيّة، والعصيدة مع الرهبان، وطعامَ السفن مع البحّارة؛ بل أُخرِجتُ مرّةً ذات مساءٍ من المسجد، وتِهتُ في البادية، وضللتُ في الصحراء لا أهتدي. وكنتُ مرّةً غايةً في التقشّف، ثم أكلتُ مرّةً أخرى الطعام الحرام وأنا أعلم. وعاشرتُ نُسّاك لبنان، ثم عشتُ بعد ذلك في بلاط الأمراء. ومَلَكتُ مرّةً مماليك، وسعيتُ مرّةً أخرى (بائعًا متجوّلًا) والقُفّة على رأسي. وأشرفتُ مرارًا على الغرق، ونُهبت قافلتي مرّاتٍ عديدة. ومَثَلتُ بين يدي القضاة والكبراء، وأصغى إليّ أمراءُ أقوياءُ ووزراء، ثم انضممتُ بعد ذلك إلى عصابة لصوص، أو قعدتُ بائعًا صغيرًا في السوق. وسُجِنتُ، وأُلقيتُ في الحبس بتهمة الجاسوسيّة. وشهدتُ حروب الروم البحريّة في سُفُنهم، وسمعتُ قرع نواقيس النصارى في الليل. وكسبتُ عيشي مرّةً بتجليد الكتب، ودفعتُ مرّةً أخرى في
431شربة ماءٍ فِضّة. وركبتُ المَحامل والخيل، ومشيتُ كذلك على قدميّ في الحرّ اللافح أو في الثلج. ونزلتُ في أروقة الأمراء بين الوجهاء، ثم قعدتُ بعد ذلك بين الغوغاء في سوق الحاكة. فكم نلتُ من كرامةٍ وجاه! وفي مقابل ذلك تُشُووِر في أمر قتلي غيرَ مرّة. وحججتُ إلى الحرمين، وشهدتُ الغزو في بلاد العدوّ، وأعنتُ على حراسة الثغر. وشربتُ بمكّة السويق، وأكلتُ الحُمُّص في السوق؛ ونلتُ ضيافة إبراهيم (بالخليل)، كما نلتُ تِينَ عسقلان الذي يجتنيه كلُّ أحد. ونلتُ من الأمراء خِلَعًا وهدايا، ولكنّي كنتُ كذلك مرّاتٍ فقيرًا عاريًا. وكاتبني الكبراء واستشاروني، ولكنّي كذلك سمعتُ الشتائم واضطُرِرتُ إلى أن أُذِلَّ نفسي بالحلف حين اتُّهِمتُ بالزندقة أو بسوء الفعل. وأقامني الأمراءُ والقضاة وكيلًا عنهم، وجُعِلتُ وصيًّا في غير وصيّةٍ واحدة. وعرفتُ حِيَل الطرّارين وقُطّاع الطريق. وتبعني الفقراء، ولكنّ الحُسّاد كذلك نصبوا لي الشِّراك ووشوا بي إلى السلطان. ودخلتُ حمّامات طبريّة الحارّة، كما دخلتُ قصور فارس. وشهدتُ عيد الينابيع، وعيد القدّيسة بربارة (بأنطاكية)، ورأيتُ بئر بُضاعة وقصر يعقوب، وشهدتُ عيد المِهرَجان وعيد السيّدة، وكذلك رأس السنة بمراسمه في عَدَن، أو عيد القدّيس سِرجِس. — وفي وسعي أن أمضي في الحديث، غير أنّ هذا يكفي لبيان أنّ كتابي ثمرةُ التجربة، وأنّه يختلف اختلافًا بعيدًا عن الكتب المؤلَّفة على السماع وحده. وقد أنفقتُ في
432أسفاري أكثر من 10,000 درهم كفّارةً لكثرة ما فاتني من الصلاة، فقد اضطُرِرتُ أن آخذ بجميع الرُّخَص التي تُجيزها الفِرَقُ المختلفة. وما وقع لي قطّ، ونحن نسير على طريق القوافل الكبرى وبيني وبين مدينةٍ عشرةُ فراسخ أو دونها، أن لم أفارق القافلة وأُسرِع إلى المدينة لأراها؛ ولقد كنتُ أستأجر لذلك الأدلّاء كثيرًا وأسير الليل كلَّه لألحق برفقتي، وكلُّ ذلك كلّفني مالًا كثيرًا وعناءً كبيرًا.»
والمقدسيُّ ليس بريئًا من العُجْب، غير أنّ ما يقوله عن كتابه ليس تبجّحًا فارغًا. فقد رحل رحلتين كبيرتين وبذل في تحرّي الحقّ جهدًا لا ينتهي. وبعد الرحلة الأولى (985م) كتب كتابه، ثم أخرج منه بعد الرحلة الثانية نشرةً جديدةً مزيدة.(1)
وهو يعرض في كتابه آراءً خاصّةً جديرةً بالنظر. فأكثرُ الأرض الإسلاميّة يشبه جملةً من الواحات تفصل بينها الصحاري والقِفار. ويبدو أنّ هذا هو الذي حمله على أن يُعلّق أهمّيةً خاصّة على تقسيم البلاد. فقد أراد أن يتجنّب ضمَّ الأصقاع المختلفة السِّيماء اختلافًا تامًّا بعضِها إلى بعض. وهو ينطلق من قاعدةٍ مؤدّاها أنّ البلد يُشبَّه بجيش. فالقرى تُقابِل عامّة الجند، ومدنُ الريف — وهي مركزُ العمران لعدّة قرًى — تُقابِل صغار الضبّاط، وحواضرُ الأقاليم تُقابِل قادة الفِرَق، والمدنُ الأمّهات تُقابِل القوّاد الكبار، إذ يتركّز فيها عمرانُ عدّة أقاليمَ مختلفةِ الطباع.
Nota 1. كلُّ ذلك عن مقالة de Goeje: Eenige Mededelingen over de arabische Geographen.
433وأخبارُه عن المناخ والغَلّات والتجارة والنقود والمكاييل والموازين وعادات السكّان والخراج والمُكوس في كلّ بلدٍ من أهمّ ما أُسهِم به في تاريخ حضارة الشرق.(1)
والمقدسيُّ آخرُ كاتبٍ وصف الدولة الإسلاميّة كلَّها واستحقّ اسم الجغرافيّ الكبير. أمّا ياقوت وأبو الفداء فجامعان عالِمان أصابتهما تلك الروحُ الضيّقة عند لغويّي العرب، فعلّقا على اللفظ وعلى سعة الاطّلاع الأدبيّ أهمّيةً أكبر ممّا علّقاه على الوقائع.
على أنّ النشاط الأدبيّ في الميدان الجغرافيّ لم يفتُر كمًّا إلا بعد زمنٍ طويل، وإن لم يعد عصرُ ازدهار الحضارة يطبع هذه المصنّفات — مصنّفاتِ الخَلَف المُنحَطّين — بطابع الأصالة العقليّة.
ومع ذلك فإنّ ياقوت يستحقّ ذكرًا كريمًا، بوصفه المثالَ الأخير للعالم العربيّ الذي يقف حياته كلّها على أعماله الأدبيّة، وهو مع ذلك في سفرٍ دائم يجوب بلاد المحمّديّين جميعًا. فهؤلاء العلماء الرُّحَّل ظاهرةٌ في الحضارة الشرقيّة أشدُّ خصوصيّةً من أن يسعنا إغفالها.
وقد وُلد ياقوت لأبوين يونانيّين (نحو 574هـ، 1178—9م)، فأُسِر غلامًا وحُمِل إلى بغداد، حيث اشتراه رجلٌ تاجر. فأحسن تعليمه ليستعمله في تجارته. ولم يكد يبلغ الرابعة عشرة حتى صحب مولاه في أسفارٍ كبيرة، وكان قد زار قبل سنة 590هـ، 1194م، ثلاث مرّاتٍ
434جزيرة كِيش في الخليج الفارسيّ. أمّا ببغداد فقضى صباه وأكثر سنيّ نضجه إلى سنة 610هـ، 1213م.
وكان قد اختلف مع مولاه قبل ذلك بعشرين سنة (590هـ، 1194م)، فسعى — تبعًا لميوله الأدبيّة — أن يكسب خبزه بنسخ الكتب، وهو في ذلك مكبٌّ على الدرس، مشتغلٌ خاصّةً بالنحو والحديث. وفي سنة 596هـ صالح مولاه الأوّل ورحل رحلةً رابعةً إلى كِيش. فلمّا رجع وجد مولاه قد مات. فابتدأ عملًا مستقلًّا في بيع الكتب، واشتغل إلى جانبه بالتأليف.
ومن سنة 610هـ، 1213م، تبدأ أسفاره الكبرى، أوّلًا من بغداد إلى تبريز، ومنها مضى عبر الموصل إلى الشام ومصر. فتابع هنا دروسه الأدبيّة، ورحل سنة 612هـ إلى دمشق، غير أنّه اضطُرّ إلى تقصير إقامته فيها بسبب جدلٍ دينيّ. ومضى عبر حلب إلى إربل، ومنها إلى أُرمية وتبريز، ثم اندفع من هناك إلى خراسان، وطاب له المقام بنيسابور حتى عزم على الإقامة بها زمنًا (613هـ). واشترى جاريةً تركيّةً شابّة يقول إنّ الله لم يخلق أجمل منها، وأكرمها إكرامًا عظيمًا. غير أنّ ماله لم يكفِ طويلًا لحياة البيت، فاضطُرّ إلى بيع الجارية الفاتنة، وقد بلغ به الأسى على ذلك كلَّ مبلغ. فعاد إلى عصا الترحال، فمضى عبر هَراة وسَرَخس إلى مَرْو. فوجد هنا حسن الاستقبال، وكان أهلُها يُعينون العالِم الفقير عن طيب نفس، والأهمّ من ذلك أنّه وجد لميوله الأدبيّة أتمَّ ما يُرضيها، فقد كان بالمدينة ما لا يقلّ عن عشر خزائن كتبٍ لا نظير لها في غنى ذخائرها ونفاستها. وكانت اثنتان من هذه المجاميع
435في المسجد الجامع، إحداهما تُسمّى العزيزيّة، وفيها 12,000 مجلّد، سُمّيت باسم رجلٍ غنيّ كان يُورِّد الخمر للسلطان سنجر ووقفها؛ وأمّا سائر الخزائن فكانت في المدارس المختلفة. وكان القوّامُ عليها من السماحة في الإذن بالانتفاع بها بحيث كان رحّالتُنا يحتفظ في مسكنه بنحو مئتي مجلّدٍ دائمًا، مع أنّ بعض الكتب كان يساوي 200 دينار.
وقد نَعِم بهذه الذخائر نعيمًا حقيقيًّا، حتى نسي بها تركيّته الجميلة. وهنا جمع أكثر موادّ معجمه الجغرافيّ الكبير، إذ أقام بمَرْو قريبًا من ثلاث سنين. ثم خرج (616هـ) في نزهةٍ إلى ناحية بادغيس، ورجع إلى مَرْو، ثم قصد شمالًا ليرحل إلى خوارزم (خِيوة) وهي التي لم يكن قد زارها بعد. وجعل عودته صاعدًا مع جيحون، فمضى أوّلًا إلى بلخ، غير أنّه لم يمكث بها طويلًا، فقد كان خبرُ غزو المغول الوشيك ينشر الرعب في كلّ مكان. ويبدو أنّه أراد أن يعود مرّةً أخرى إلى مَرْو ليأخذ ما بقي له هناك من متاع، غير أنّه لم يبلغ إلا شبُرقان، فإنّ خبر تقدّم المغول، وقد فتحوا سمرقند في السنة نفسها (617هـ)، حمله على الفرار إلى خراسان من أقصر طريق.
ومضى عبر شهرستان وسَمَلْقان وبِسطام إلى الرّيّ، فوجدها قد خربت في أكثرها، ثم انصرف منها إلى قزوين، ومنها إلى تبريز، حيث وصل بعد زيارته الأولى بسبع سنين. ثم تابع رحلته فسلك من هنا طريق إربل، وبلغ آخر الأمر الموصلَ مجرَّدًا من كلّ شيء، فكسب فيها بالنسخ قوتًا شحيحًا. أمّا أصدقاؤه بحلب، وقد أعلمهم بحاله المحزنة، فبعثوا
436إليه مالًا فاستطاع الرحيل إليها (619هـ). غير أنّه لم يلبث أن رجع إلى الموصل ليُتِمّ معجمه الجغرافيّ، وقد اشتغل به أكثر من سنتين (620—21هـ). ولم يكد يفرغ منه حتى استيقظ فيه حبُّ الترحال القديم من جديد؛ فزار فلسطين ومصر مرّةً أخرى (624هـ)، ثم رجع إلى حلب (625هـ)، حيث ابتدأ نسخةً مبيَّضةً من معجمه الجغرافيّ لخزانة راعيه الرفيع، وزيرِ المدينة. غير أنّ الموت فاجأه في السنة التالية في خانٍ خارج المدينة، وهو — فيما يُرجَّح — على وشك أن يبدأ رحلةً جديدة.(1)
ولستُ أعرف وصفًا يُقدِّم إلى أعيننا صورةً لسيرة هؤلاء العلماء والباحثين المسلمين ولعملهم أوضحَ وأقربَ إلى الواقع من هذا الرسم لأسفار آخرِ كاتبٍ جغرافيٍّ كبير في الأدب العربيّ. فها هي عاصفةُ المغول المُنذِرة تُقبِل، وهي التي ستُغطّي آسيا الأماميّة كلَّها بالدم والأنقاض، وتُهلِك عرشَ بني العبّاس وبغدادَ القديمة، وهو لا يزال مكبًّا في خزائن كتب مَرْو يجمع ويُلخِّص. ثم ينقذ في فراره أكثر موادّه، ولا يكاد يستقرّ حتى يأخذ في التحرير، فما إن يفرغ منه حتى يبدأ هو أيضًا رحلته الأخيرة التي لا عودة منها.
وفي الأدب العربيّ عددٌ لا ينتهي من هؤلاء العلماء المولَعين بالسفر. وكان الحجُّ إلى مكّة أوّلَ دافعٍ إلى ذلك،(2) ثم كان جمعُ
Nota 1. عن Wüstenfeld, Zeitschrift der deutschen morgenländischen Gesellschaft. XVIII. 397 وما بعدها. Nota 2. ولم يكن نادرًا أن يكتب الحجّاج مذكّراتٍ يوميّةً دقيقةً عن رحلتهم من بلادهم إلى مكّة، ثم يُخرِجوا بعد العودة كتابًا يصفون فيه ما لقوه في سفرهم وما زاروه من البلاد والمدن؛ ومن ذلك رحلةُ ابن جُبَير، وهو حاجٌّ إسبانيٌّ من غرناطة.
437الحديث سببًا في أقدم الرحلات العلميّة، ثم انضافت إلى ذلك بعد حينٍ سائرُ فروع الدرس. فقد جرت العادة، وبقيت إلى القرون المتأخّرة، أن يكون التعليمُ العلميّ شفويًّا في المقام الأوّل. فلم يكن يكفي أن يدرس المرءُ كتاب عالمٍ مشهور، بل كان لا بدّ في عُرف العرب أن يكون قد سمعه من المؤلّف نفسه يُمليه، أو قرأه بحضرته وتحت نظره؛ فبهذا وحده كان يستطيع أن يطلب الإجازة، وهي أشبهُ بشهادة الدرس، يُعلَّق عليها قدرٌ كبير، ويصير بها أهلًا لأن يجعل الكتاب نفسه موضوعًا لدروسٍ يُمليها هو.
وعددُ هؤلاء الرحّالة من العلماء كبير، وقد أفرد المقّريّ في كتابه عن تاريخ إسبانيا في عهد المُوريّين بابًا طويلًا للرحّالين الذين لم يهابوا لمثل هذه المقاصد مشقّة السفر إلى المشرق البعيد. وكانت مثلُ هذه الرحلات تُعَدّ كذلك من الأعمال المرضيّة لله، بل عُدّت فريضةً دينيّة. وكانوا يستشهدون بقولٍ لمحمّد، رُوي أنّه قال: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع» (أي كالمجاهد في الحرب الدينيّة). ويُروى قولٌ آخر: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنّة». ورُويت أخبارٌ أنّ الصالحين في صدر الإسلام كثيرًا ما كانوا يسافرون الشهور لينالوا حديثًا واحدًا جديدًا، بل ليَظفَروا برواية أخرى له.(1) ثم اشتدّ حبُّ الترحال بعد ذلك لبواعثَ شتّى، فضلًا عن أسفار التجارة والأعمال. فإلى جانب المشاهد المقدّسة التي لا بدّ من زيارتها، مكّةَ والمدينة، كانت قد
Nota 1. الإحياء II. 288.
438استُحِبّت زيارةُ مسجد بيت المقدس كذلك استحبابًا خاصًّا منذ زمنٍ مبكّر، ثم لمّا ظهر تعظيمُ الأولياء تكاثرت مواضعُ الزيارة من الرتبة الأدنى تكاثرًا لا حدّ له. وأمّا العلماء فكانت المدارسُ وخزائنُ الكتب وشخصُ أستاذٍ مشهور تجذبهم جذبًا قويًّا. فكلُّ طالبٍ يقصد إلى نيل منصبٍ رفيعٍ في بلده كان لا بدّ أن يكون قد سمع الدروس في المساجد الكبرى بمكّة أو بغداد أو دمشق أو القاهرة أو في غيرها من مجامع الحياة العلميّة والدينيّة الكبرى.
وكان الذي يُرتحَل من أجله في البدء خاصّةً الحديثَ والتفسير والفقه والكلام. ثم انضافت بعد ذلك فروعٌ أخرى من المعرفة بعثت في طلّابها حماسةً لا تقلّ عن تلك. ويصدق هذا خاصّةً على الدرس اللغويّ، وذلك أوّلًا لاتّصاله بالفنون الدينيّة على الأرجح. فلمعرفة اللغة العربيّة في أنقى صورها، ولجمع الشعر الشعبيّ القديم أو الأمثال، كان اللغويّون ينزلون على الأعراب؛ حتى إنّ الأزهريّ، وقد هُوجِمت قافلتُه ونُهبت في سفرٍ عبر الصحراء ووقع هو نفسه في الأسر واضطُرّ إلى العيش زمنًا بين الأعراب، عدّ ذلك حظًّا خاصًّا.
بل جاء مثلُ هؤلاء الباحثين اللغويّين المتعطّشين إلى العلم من الهند البعيدة؛ وقد أصاب عارفٌ ثاقبُ النظر بالحياة العربيّة(1) إذ لاحظ أنّ هذا الاندفاع إلى السفر كان في نشر الحضارة العربيّة بالغَ الأهمّية. فلمّا كانت العربيّة هي اللغة السائدة في جميع الدروس العلميّة، استطاع كلُّ قادمٍ من أقصى امتداد
Nota 1. Haneberg في بحثه عن التعليم والمدارس عند المحمّديّين؛ في مطبوعات الأكاديميّة البافاريّة، 1850.
439بلاد المحمّديّين أن يَفهَم ويُفهَم في كلّ مسجدٍ وكلّ قاعة درس. وبهذا أدخل ترحالُ طلّاب العلم وأهلِ الفضول وطُلّابِ الحكمة وذوي الطموح جيئةً وذهابًا بلا انقطاع تنوّعًا كبيرًا في الحياة العقليّة. فقد حمل الرحّالة إلى الآفاق البعيدة، مع ذكر الشيوخ حسنِه وسيّئه، آراءَهم كذلك. فلم تكن نسخُ الكتب الجديدة وحدها تنتشر بسرعةٍ كبيرة، بل الآراءُ والأفكار الجديدة كذلك. وعلى الخصوص انتقلت مثلُ هذه المُحرِّكات إلى العامّة بسرعةٍ بالغة من درس الفلسفة اليونانيّة، وقد عُني به ببغداد في القرنين التاسع والعاشر عنايةً شديدة. ويروي القُشَيريّ كيف اسْتُقبِل في شرق خراسان أوّلُ رسولٍ حمل هذه الآراء الجديدة، وكيف اضطُرّت مكّةُ من جهةٍ أخرى أن تسمع من عالمٍ رحّال، كان قد نبذ ببغداد تلك التصوّرات الفجّة في التشبيه التي كانت سائدةً من قبل، أنّ نجمًا جديدًا في علم الدين قد طلع ببغداد.(1)
وأمّا أنّ العلم الذي كان أكثر ما انتفع بهذه الأسفار انتفاعًا مباشرًا هو الجغرافيا، فلا يحتاج بعد ما تقدّم إلى دليل.
وقد كان في أوثق اتّصالٍ بتقدّم الجغرافيا — كما هو بيّنٌ من نفسه — الدرسُ الرياضيّ والفلكيّ وسائرُ الدرس في العلوم الطبيعيّة، وقد بلغت في مدرسة بغداد نموًّا رفيعًا.
فمنذ أوّل حكم بني العبّاس أخذ الناسُ بحماسةٍ عظيمة يدرسون ما صنعه نصارى السريان من ترجمات الكتب اليونانيّة، وكذلك ما نُقِل إلى العربيّة عن الفارسيّة أو الهنديّة بوساطة علماء الفرس. فأُثير التشوّق إلى المعرفة، وزال زوالًا تامًّا ذلك الاحتقارُ
Nota 1. Haneberg، الموضع نفسه، ص 16.
440العربيُّ القديم لكلّ ما هو أجنبيّ.
ويبدو أنّ التنجيم، وقد كانوا يُعظّمون شأنه، هو أوّلُ ما دفع إلى درس كتب الفلك والرياضيّات، فلم تلبث هذه المساعي أن أخرجت نهوضًا رفيعًا في النشاط العلميّ، ونما أدبٌ واسعُ المدى في موضوعات الرياضيّات والعلوم الطبيعيّة والفلسفة.
وليس من مهمّتنا هنا أن نُتعِب القارئ بتعداد الأسماء وعناوين الكتب؛ فالغرضُ الذي نقصده إنّما هو بيانُ المسالك التي جرى فيها النشاط العقليّ، والإشرافُ على التقدّم الجوهريّ الذي يُعَدّ من فضل العمل الحضاريّ الشرقيّ يومئذٍ.
ومعرفةُ العرب بالرياضيّات قائمةٌ على «أصول» إقليدس، وقد درسوها بأشدّ الحماسة ما إن توافرت ترجماتُها، ثم مضوا في العمل على الأرض التي كسبوها بذلك. وأخذوا عن الهنود في القرن التاسع لتقويمنا نظامَ الأعداد العشريّ وأشكالَ الأرقام الهنديّة وعلمَ الحساب.(1) وأمّا الجبر فإن لم يكن العربُ أصحابَ نشأته فهم أصحابُ تحريره؛ وهم أوّلُ من طبّقه على حلّ المسائل الهندسيّة، إذ حلّوا المعادلات التكعيبيّة حلًّا هندسيًّا.(2)
وقد صنّف الرياضيُّ محمّد بن موسى، المعروف عادةً بالخوارزميّ، نحو سنة 820م بطلب الخليفة المأمون رسالةً وجيزةً عالج فيها أشهرَ ما كان يومئذٍ من مسائل الجبر وألزمَها لحياة الناس اليوميّة؛ وهذا
Nota 1. قارن Woepcke في Journal Asiatique 1863 ص 27. 234. 442 وما بعدها. Nota 2. Sédillot: Matériaux pour servir à l’histoire des sciences mathématiques ص 367 وما بعدها.
441الكتابُ الجامع، وموضوعُه — كما يُنبِّه هو نفسه — أكثرُ الحالات شيوعًا لا غير، هو المَعينُ الذي عرفت منه أوروبّا الجبرَ أوّل مرّة؛ فقد كانت الترجماتُ اللاتينيّة لكتاب الخوارزميّ كتابًا مدرسيًّا لعلماء أوروبّا في القرن السادس عشر، منه استقَوا أوّلَ ما عرفوه من الجبر.(1)
وصحيحٌ أنّ معرفة الخوارزميّ لا تتجاوز بعدُ معادلات الدرجة الثانية، غير أنّ العرب تعلّموا بعد ذلك حلّ مسائل الدرجة الرابعة، بل بلغوا المعادلات ذوات الحدّين من الدرجة الخامسة والسادسة. وعلى كلّ حالٍ فمن فضل العرب العظيم أنّهم ابتكروا استقلالًا نظامًا بديعًا جدًّا في عرض الصيغ الجبريّة، قبل أن يخطر ذلك ببال أهل أوروبّا بزمنٍ طويل.(2)
ولم يكن فضلُهم في الهندسة بأقلّ، ولا سيّما في تحرير حساب المثلّثات الكرويّ. فقد استعملوا في القرن التاسع جيبَ القوس بدلًا من وتر ضِعف القوس. ثم بسّطوا بعد قليلٍ عرضَ نسب الدائرة بإدخال الظلّ.(3)
وفي علم البصريّات والميكانيكا أحرزوا تقدّمًا كبيرًا استقلالًا.(4) فقد حرّر ابنُ الهيثم، صاحبُ البصريّات،
Nota 1. قارن Kholâçat al hissâb ou Quintessence du calcul par Behâ-eddin al-Aamouli، ترجمة A. Marre، روما 1864؛ ثم Partie géométrique de l’Algèbre par Abou Abdallah Mohammed ben Mousa، بقلم A. Marre في Nouvelles Annales des Mathématiques، تشرين الأوّل (أكتوبر) 1846. Nota 2. Woepcke: Omar Alkhayyami ص 88 وما بعدها. Journal asiat. Oct. 1858 ص 323، Oct. Nov. 1854 ص 351. Nota 3. Sédillot: Matériaux ص 378. وممّا يدلّ على أنّ العرب أخذوا الجوهريّ في الهندسة كذلك عن الهنود اللفظُ العربيّ للجيب: «جيب»، وهو يقابل الهنديّ jivā. واللفظُ الأوروبّيّ Sinus ليس إلا ترجمةً للمصطلح العربيّ. Nota 4. بل اخترع صانعٌ إسبانيّ آلةَ طيرانٍ ارتفع بها في الهواء بالفعل، غير أنّه سقط في آخر الأمر. المقّري II. 873.
442أفكارًا صحيحةً جدًّا في نظريّة الإبصار، وفي انكسار الضوء، وفي موضع الصورة الظاهر في المرايا المنحنية، وفي مركز المرايا المُحرِقة، وفي الحجم الظاهر للأشياء وتضخّم صورة الشمس والقمر عند الأفق.(1) وهو يُبيّن أنّ انكسار الشعاع الضوئيّ يزداد بازدياد كثافة الجوّ. ويُبرهن على أنّ أثر الانكسار يظهر في أنّ ضوء الشمس يبلغنا وهي قد غابت تحت الأفق. وله كذلك فضلُ أنّه أوّلُ من حدّد على وجه التقريب ارتفاعَ طبقة الهواء المحيطة بالأرض.
وكان ما أنجزه العربُ في ميدان الفلك أعظمَ من ذلك شأنًا. فقد تولّى الخوارزميُّ المذكورُ آنفًا بطلب الخليفة المأمون أن يُخرِج في صورةٍ مختصرة الأزياجَ الفلكيّة الهنديّة (السند هند)، وكان الفَزاريّ قد ترجمها قبل ذلك.(2) ولعلّهم في الوقت نفسه أخذوا يدرسون بطلميوس، ثم لم يلبثوا — اعتمادًا على هذه الأعمال التمهيديّة — أن أخذوا يعملون بأنفسهم مستقلّين. وأمر المأمونُ بمراجعة أزياج بطلميوس الفلكيّة، وكانت الأزياجُ المصحَّحة، ويُعَدّ صاحبها يحيى بن أبي منصور، قائمةً على أرصادٍ أُجريت في وقتٍ واحد ببغداد ودمشق. وقِيست درجةٌ من درجات خطّ الزوال.(3) وصحّحوا أزياج بطلميوس، وعرفوا تغيّرات أوجِ الشمس،
Nota 1. Sédillot: الموضع نفسه، ص 367. Nota 2. وكان منجّمُ هذا الخليفة والقائمُ على جميع المراصد يهوديًّا أسلم على يده. الفهرست ص 275؛ وفي الفَزاريّ قارن Hammer-Purgstall: Lit.-Gesch. der Araber, III. 253. Nota 3. قارن مقالات Sprenger في Ausland سنة 1867: Zur Geschichte der Erdmessung im Alterthume، الأعداد 43، 44، 45؛ ثم die Erdmessung der Araber، العدد 50.
443وحدّدوا ميل فلك البروج بـ23° 33′ 52″؛ وأتاح لهم رصدُ الاعتدالين بعنايةٍ أن يُحدّدوا طول السنة تحديدًا دقيقًا؛ ورُصِدت الكسوفاتُ والمذنّبات وسائرُ ظواهر السماء، بل زعموا أنّهم لاحظوا يومئذٍ كَلَفَ الشمس.(1)
وفي ذلك الزمان عاش الفَرغانيّ، الفلكيّ المشهور، وقد دُرِست كتبه في القرون الوسطى الأوروبّية بترجمةٍ لاتينيّة، وعُدّ باسم Alfraganus حجّةً كبيرة.
ولم تفتُر الحماسةُ لهذا الدرس الجميل بعد عهد المأمون الزاهر. وقد نبغ خاصّةً الإخوةُ الثلاثة محمّد وأحمد والحسن بنو شاكر: أسرةُ علمٍ بحقّ. وكانوا يرصدون من مرصدهم ببغداد؛ وهنا أثبتوا رقم 23° 35′ لميل فلك البروج.(2)
ويُحسِن Sédillot إذ يقول: إنّ الذي يُميّز مدرسة بغداد هذه منذ البداية هو حِسُّها العلميّ؛ فالصعودُ من المعلوم إلى المجهول، وتحصيلُ حسابٍ دقيقٍ لظواهر السماء، وألّا يُعترَف بصدق شيءٍ لم تُثبِته التجربة — تلك هي القواعد التي كان يُعلّمها يومئذٍ أساتذةُ العلم.
ولا بدّ أن يُذكَر هنا من أعظم الفلكيّين شأنًا ذلك الرجلُ الذائع الصيت في القرون الوسطى الأوروبّية باسم Albategnius (البَتّانيّ، ت 317هـ، 929م). وقد رصد في مرصد الرقّة سنة 880م. وكتبه — مع الأسف — غيرُ موجودةٍ بنصّها الأصليّ، والترجماتُ اللاتينيّة المصنوعة في القرون الوسطى بالغةُ الخطأ.
Nota 1. Sédillot: Prolégomènes des tables astronomiques d’Oloug-Beg. باريس، 1847. I. VIII—XIII. Nota 2. Sédillot: الموضع نفسه، XXI.
444ولا يجوز أن يُغفَل اسمُ آل أماجور: فقد تابع عليُّ بن أماجور وابنُه أبو الحسن الأرصادَ بصبرٍ لا يكِلّ نحوَ نصف قرن (885—933م).(1) وقد تتبّعا بأشدّ العناية مسير مختلف الكواكب في فتراتٍ بعينها، وسجّلا الفروق التي ظهرت في مسيرها قياسًا إلى الجداول الفلكيّة. يقول في ذلك فلكيٌّ معاصرٌ لهما: أخبرني عليُّ بن أماجور، وهو ممّن يُوثَق بهم كلَّ الثقة، أنّه لم ينقطع عن مواصلة أرصاده الفلكيّة ثلاثين سنة، وأنّه كان يجد أبدًا في مواضع الكواكب السيّارة والثوابت فروقًا، في الطول كما في العرض، وفي الوضع من فلك البروج عامّةً، إذا حسب على الأزياج المصحَّحة الجديدة؛ وأنّه وجد كذلك للقمر في أوقاتٍ مختلفة 16′ في الطول وحده أقلَّ ممّا يعطيه الحساب، وأضاف أنّه لا يعرف سبب ذلك.
وقد تابعت الأجيالُ التالية هذه الأبحاث بحماسة، ولا سيّما في عهد سلاطين بني بويه، إذ نهضت هذه المساعي العلميّة ببغداد نهوضًا أعظم، فقد كان عضدُ الدولة مُحبًّا للفلك مُشجِّعًا له كثيرًا. وفي أيّام حكمه صنّف عبد الرحمن الصوفيُّ كتابه في صور الكواكب.(2) على أنّ مجد السابقين جميعًا أخفاه الفلكيّان الكوهيُّ وأبو الوفاء البوزجانيُّ، وكلاهما عاش في عهد
Nota 1. Sédillot: الموضع نفسه، XXXVI. Nota 2. من الفضل العظيم للأكاديميّة الإمبراطوريّة الروسيّة أنّها أتاحت نشر كتابٍ مهمّ لهذا الفلكيّ، هو فهرسُه للكواكب الثابتة: Description des étoiles fixes par Abdalrahman al-Sufi, traduction littérale avec des notes par H. C. F. Schjellerup, St-Pétersbourg, 1874. وتبيانًا لأهمّية البحث في مثل هذه الكتب العربيّة ونشرِها أُحيل فقط على ما لوحِظ في ص 25 من هذا الكتاب في تغيّر لون الشِّعرى المزعوم، وكذلك في التغيّر الذي وقع بالفعل في لون النجم β Persei (الغُول). وقد مات الصوفيّ سنة 376هـ، 986م.
445أوائل حكّام بني بويه ببغداد (949—989). وبفضل ولوع هؤلاء الحكّام بالفلك جُمِعت يومئذٍ آلاتُ رصدٍ باهظة الثمن. من ذلك أنّ ميل فلك البروج رُصِد سنة 996م برُبع دائرةٍ نصفُ قطره خمس عشرة ذراعًا. وكان لفلكيٍّ آخر في أرصاده سنة 992 سُدسُ دائرةٍ نصفُ قطره أربعون ذراعًا.(1)
أمّا أبو الوفاء الكبير (وُلد سنة 328هـ، 939م، ببُوزَجان، ولذلك سُمّي البوزجانيّ) فقد استقرّ سنة 348هـ، 959م، بالعراق،(2) وبسط نشاطًا علميًّا عظيمًا. وفي «مِجَسطيه» اكتشافاتٌ بالغةُ الأهمّية. فنجد فيه صِيَغ الظلّ والقاطع، وقد استعملها مهندسو العرب كما تُستعمَل اليوم في حسابات المثلّثات. وكانوا في زمن البَتّانيّ قد أحلّوا الجيوب محلّ الأوتار؛ فبسّط أبو الوفاء بعد قرنٍ عرضَ نسب الدائرة بإدخال الظلّ.(3) بل يبدو بحسب أبحاث Sédillot أنّه اكتشف في درسه لنظريّة القمر عند بطلميوس — إلى جانب معادلة المركز والإعواج (Evection) — تفاوتًا ثالثًا ليس شيئًا آخر غير التغيّر (Variation) الذي حدّده تِيخو براهه بعد ستّ مئة سنة.
ومن غير أن أجزم بصحّة هذا الخبر الأخير، فقد نُوزِع فيه، وإن كان ذلك — على قدر ما أستطيع الحكم — بحُجَجٍ سطحيّة،(4) فإنّ
Nota 1. Sédillot: Matériaux ص 358. Nota 2. الفهرست 283. 328. Nota 3. Sédillot: Proleg. LIX. Nota 4. يُبيّن ما يلي مبلغَ ما ينبغي من الحذر في مثل هذه الأمور: يرد في رسائل «إخوان الصفا» موضعٌ يبدو أنّ موضوعه تأرجحُ محور الأرض. ونصُّه بحسب Dieterici: Die Lehre von der Weltseele، ليبتسغ 1872، كما يلي: يذكر العلماء أنّ الأرض تتأرجح
446الثابت على كلّ حالٍ أنّ مدرسة بغداد في القرنين التاسع والعاشر أغنت الفلك اليونانيّ بكثيرٍ من الاكتشافات الجديدة، وقدّمت بسلسلةٍ متّصلةٍ من الأرصاد دامت قريبًا من مئتي سنة مادّةً غنيّةً لفهمٍ جديدٍ أصحَّ لظواهر السماء.
ورغم التقلّبات السياسيّة، وجد الفلكُ بعد ذلك أيضًا مَن يرعاه بحماسة ومن يُمثّله من الموهوبين، وإن لم تعد بغدادُ تنفرد فيه بالمكان الأوّل. ويكفي أن نذكر من الفلكيّين المتأخّرين نصيرَ الدين الطوسيّ، وقد أقام مرصدًا بمَراغة،(1) وأُلُغ بك، آخرَ فلكيٍّ كبير في القرون الوسطى الشرقيّة، وقد أنشأ مرصدًا بسمرقند.
وكانت مدرسة القاهرة تلي مدرسة بغداد، بل نافستها منذ القرن العاشر. وصاحبُ المقام الأوّل فيها ابنُ يونس، وأزياجُه الفلكيّة لا تزال باقية، وهو تلميذُ أبي الوفاء الكبير. ويُظهِر كتابه أنّ العرب أحرزوا في العلوم الرياضيّة تقدّمًا لم يكن يُظَنّ إلى عهدٍ قريب. فقد استعمل طرائقَ وقواعدَ كثيرة قرّبت حسابَ المثلّثات العربيّ من الحديث تقريبًا كبيرًا؛ ونجد عنده استعمال الظلّ والقاطع الذي كان قد اقترحه
Nota 4 (تتمّة). مرّةً من الجنوب إلى الشمال، ومرّةً من الشمال إلى الجنوب، غير أنّ الناس لا يشعرون بذلك لعِظَم الأرض. — وقد يُستنتَج من ذلك أنّ العرب عرفوا تأرجح محور الأرض قبلنا بزمنٍ طويل. غير أنّه يُحسِن المرءُ أن ينظر دائمًا هل أُقيم الدليل في مثل هذه الأقوال أم لا؛ فحيث يُفقَد الدليلُ وجب أن نفترض أنّ الأمر ظنٌّ لا معرفةٌ يقينيّة. بل قد يجد المرء عند العرب إرهاصاتٍ بقانون نيوتن في الجاذبيّة. قارن الموضع عند Dieterici: Die Naturanschauung der Araber ص 145. Nota 1. وقد حدّد هو نفسه عرض مرصده قرب مَراغة بـ37° 20′، على حين يُذكَر الموضعُ اليوم عند 37° 21′.
447أبو الوفاء وسيلةً في بعض الحالات المعقّدة، كما نجد عنده حِيَلًا في الحساب لم تُبتكَر في أوروبّا إلا في القرن الثامن عشر.(1)
ولم تخلُ سائرُ البلاد التي سادتها الحضارةُ العربيّة من ممثّلين نابهين لهذا العلم: ويكفي أن نذكر أسماء بعض فلكيّي إسبانيا: Arzachel (الزَّرقاليّ)،(2) ومَسْلَمة المَجريطيّ، وابن رشد. ويقال إنّ الأوّل أجرى ما لا يقلّ عن 402 رصدٍ لتحديد أوجِ الشمس، وأرصادًا أخرى حدّد بها بدقّةٍ كبيرة القيمة الحقيقيّة لتقدّم الاعتدالين، وذلك بـ 49½—50″ (على حين تُعطي جداولُنا الحديثة 50″,1).(3) وكما مجّد هذا العلمَ العربيّ في المغرب البعيد، مجّده اسمُ البيرونيّ الكبير في أقصى المشرق.
ومن البديهيّ أنّ صنع الآلات اللازمة للفلك سار في الخطوة نفسها مع النهوض السريع للدرس الفلكيّ. فصُنِعت أُكَرٌ سماويّة من نحاسٍ بل من فضّة. وكان البيرونيُّ يستعمل رُبعَ دائرةٍ من خمس عشرة ذراعًا.(4) وكانت عندهم فضلًا عن ذلك ذواتُ الحِلَق والأسطرلابات وآلاتٌ أخرى.(5) على أنّ أحسن ما يدلّ على البراعة الصناعيّة الأسطرلاباتُ الكرويّة، وقد أحسنوا صنعها ببغداد والقاهرة كما
Nota 1. Sédillot: Proleg. LXV. Nota 2. وتحديدُه لعرض طليطلة دقيقٌ إلى حدّ الدقيقة: 39° 51′. Nota 3. Sédillot: Proleg. I. LXXX. Nota 4. Ibid. Matériaux ص 307 وما بعدها. Nota 5. الموضع نفسه، 337. وكانت الآلاتُ الفلكيّة تُصنَع خاصّةً بمدينة حرّان. الفهرست ص 284. وكانت عندهم أسطرلاباتٌ مسطّحة وأخرى نصفُ كرويّة. الموضع نفسه ص 237. قارن ابن خِلِّكان في ترجمة: بديع الأسطرلابيّ.
448أحسنوه بإسبانيا، ولا تزال منها نسخٌ كثيرة باقية.(1)
وكانت عندهم إلى جانب هذه الآلات آلاتٌ أخرى، بعضُها كان معروفًا في العصر القديم، وبعضُها لم يخترعه ويُدخِله في الاستعمال إلا العرب؛ ويُرَجَّح أن يكون من الأخيرة سُدسُ الدائرة، وقد استُعمِل لرصد ميل الشمس،(2) ولا سيّما المرايا من المعدن المصقول.(3)
وإلى جانب هذه العناية العلميّة بعلم النجوم قام التنجيم. وهو أقدمُ من الأوّل، تمامًا كما سبقت الخرافةُ المعرفةَ العلميّة. فلمّا أراد ثاني بني العبّاس أن يبني بغداد، أمر منجّمًا أن يستطلع أوّلًا مواضع النجوم ليبدأ عمله في ساعةٍ سعيدة. ولا يزال للمنجّمين إلى اليوم شأنٌ بارزٌ في بلاطات الشرق.
وتحت تأثير كتب الأمم الآسيويّة المتحضّرة الأقدم، وقد عرفها العربُ سريعًا، أخذوا يُحرِّرون نظريّةً في تأثير النجوم في الأرض وفي مصائر الناس؛ ولم يلبث الرأيُ السائد عمومًا أن صار أنّ أحداث حياة الإنسان كلَّها واقعةٌ تحت تأثير النجوم وقِراناتها: فرَبطوا تبدّلَ الأديان بما يُسمّى القِرانات الكبرى الواقعةَ كلَّ ألف
Nota 1. Sédillot: الموضع نفسه، 338. Nota 2. قارن الوصف الدقيق: Sédillot، الموضع نفسه، ص 362. Nota 3. يقول المعرّي، وقد درس ببغداد ولا شكّ أنّه زار مراصدها، في «اللزوميّات»: خُذ المرآة وارقُب النجوم التي تُمِرّ عليك أطيبَ العسل: فإنّها تدلّ على الموت بلا ارتياب، ولكنّها لا تدلّ على النشور. Chod ilmir’äta wachtabir noguman, tomirro bimat‘ami-l’arji-lmashuri, todillo ‘alā-lhimämi bilā-rtijäbin, wa lakin lä todillo ‘alā-lnoshuri. ويقول في موضعٍ آخر: مرآةُ الفلكيّ، على صغرها، تُريه كلّ شيء، عامرًا كان أو خرابًا. وفي الآلات الفلكيّة عند العرب انظر Reinaud: Introduction à la géographie d’Aboulfeda CXXXVI وSédillot: Matériaux ص 304 وما بعدها.
449سنةٍ تقريبًا، وتبدّلَ الدول بالقِرانات الواقعة كلَّ 240 سنةً تقريبًا، وتبدّلَ أشخاص الحكّام بالقِرانات المتكرّرة كلَّ 20 سنة.(1) بل إنّ مصير الناس أيضًا مقدَّرٌ سلفًا بهيئة السماء وموضع الكواكب لحظةَ الولادة. وقد استولت هذه الأفكار حتى على المثقّفين، وإن لم تنعدم أصواتٌ تقول إنّه لا خير للإنسان في أن يعرف المستقبل.(2)
ويدلّ على مبلغ بقاء مثل هذه التصوّرات الخرافيّة في بلاد الغرب أيضًا تلك الأوهامُ التي لم تَزُل بعدُ زوالًا تامًّا في شأن الأيّام السعيدة والنَّحِسة؛ بل نجد في تقاويم القرن الماضي تأثيراتِ الكواكب مسجَّلةً بعناية.
وكانت العلاقةُ بين الكيمياء القديمة (الخيمياء) والكيمياء شبيهةً بالعلاقة بين التنجيم والفلك. فالأولى قائمةٌ على ما كان يُعَدّ في الشرق يومئذٍ صحيحًا عند الجميع، وهو أنّ الكبريت والزئبق أصلا المعادن كلِّها. وكانوا يظنّون أنّهم يستطيعون بخلطهما على الوجه الصحيح توليد الذهب.
وقديمٌ هو الجشعُ اللعين إلى الذهب (auri sacra fames). فيقال إنّ الإمبراطور كاليغولا حاول صنع الذهب. ويبدو أنّ الخيمياء نشأت بمصر،
450ومن هناك جاء اسمُها فيما يُرجَّح. وقد أصدر الإمبراطور دِيوقلِطيانوس قانونًا بإحراق كلّ الكتب المصريّة في صنعة الذهب. أمّا العرب فأوّلُ اشتغالهم بهذه الدراسات الخادعة كان في عهد الدولة الأمويّة؛ وإن لم يتحقّق النجاحُ المرجوّ، فقد عرفوا بالخيمياء معالجة المعادن والأحجار، فنشأ عن ذلك تقدّمٌ كبير في الجانب الصناعيّ، وفي الجانب الصيدلانيّ خاصّةً: وبالعرب انتشرت الخيمياء في القرون الوسطى بأوروبّا عن طريق إسبانيا، وبذلك عرفنا جملةً من الموادّ الكيميائيّة والمعدنيّة والنباتيّة، دخلت أسماؤها من العربيّة إلى لغات الغرب (مثل Alkohol «الكحول»، وAlkali «القِلي»، وElixir «الإكسير»، وAlambik «الإنبيق» وما إليها).
وأقدمُ كيميائيّي العرب الأميرُ الأمويّ خالد بن يزيد، وقد ضاعت كتبه، غير أنّه بقيت له قطعةٌ من أرجوزةٍ تعليميّة، يُرى منها أنّ غايته كانت اكتشاف أعظم الصنائع، أي صنعة الذهب. وقد عدّ الكيميائيّون المتأخّرون وصيّته تلك، وهي في صورةٍ شعريّةٍ غامضة، تركةً بالغة القيمة. ونصُّ القطعة القصيرة: خُذ حجر الطَّلق مع النَّشادر وما يوجد في الطرقات، ثم شيئًا يُشبِه البُورق، واخلِطه على القدر الصحيح من غير خطأ؛ فإن كنتَ تُحبّ إلهك نلتَ بذلك السلطان على الخلق.(1)
ويلي هذا جابرُ بن حيّان (Geber)،
Nota 1. المسعودي VIII. 176.
451ولا تتوافر — مع الأسف — أخبارٌ دقيقة عن حياته؛ غير أنّه على ما يُحيط به من ظلامٍ أسطوريّ، لا بدّ لكلّ من أراد تتبّع نموّ الكيمياء أن يعرف الكتب المنسوبة إليه، فإنّ ما أُودِع فيها من آراءٍ وتعاليمَ ظلّ سائدًا في القرون الوسطى الأوروبّية كلِّها تقريبًا، وكتبُه تحوي فيضًا من المعارف الكيميائيّة لا يُعرَف له قبله أثر. فهو يعرف طرائق الصهر والحلّ، أو تحويل الموادّ السائلة إلى موادَّ جامدة، ويعرف عمليّات الترشيح والتبلور والتقطير والتصعيد، ويصف بدقّة تصفية المعدن بالرماد، ويعرف الزاج والشَّبّ ومِلح البارود والنُّشادر والقِلي المستخرَج من رواسب الخمر ورماد الخشب، وكذلك الصودا وما إليها. وأوّلُ ما تُوجَد معرفةُ الأحماض المعدنيّة عنده: ولعلّه عرف حمض الكبريتيك غيرَ نقيّ، وعرف يقينًا حمض النِّتريك والماء الملكيّ.(1)
وهو يخاطب التلميذ في كتابه: Summa collectionis complementi secretorum naturae أو: Summa perfectionis magisterii بصوت الأستاذ المُجرِّب الناصح: «انقُش في ذهنك جميع تفاصيل عملياتك، واجتهد أن تُحصِّل حسابًا لما يجري تحت عينيك من الظواهر. — وإنّه لَمُحالٌ علينا أن نُحوّل المعادن إلى معادنَ أخرى، كما يستحيل علينا أن نُحوّل بقرةً إلى عنزة؛ فإذا كانت الطبيعة تحتاج إلى ألف سنة لتُكوِّن المعادن، فكيف نجترئ نحن على ذلك ونحن قلّما نعيش فوق مئة سنة! — ومن ذا الذي يعرف تأثير النجوم في المعادن، وهو تأثيرٌ يستحيل علينا محاكاته. — أمّا الصنعةُ فتستطيع أن تُحاكيها بل ينبغي لها ذلك، بقدر ما تسمح به الحدودُ المضروبة لها».(2)
ويتبيّن من كتب جابر أنّهم انطلقوا من رأيٍ مؤدّاه أنّ المعادن مركَّبةٌ من أصلين إلى ثلاثة
Nota 1. Kopp: Beiträge zur Geschichte der Chemie. برونشفيغ 1875. I. الجزء 1، ص 39، 40. Nota 2. Hoefer: Histoire de la chimie. باريس 1842. I. 312.
452أصول، وأنّ النسبة وحدها هي المختلفة في الأنواع المختلفة: فمن قدر على استخراج الأصول مفردة وأحسن مزجها في الحرارة الصحيحة، فله كذلك القدرةُ على توليد مختلف المعادن؛ هذه هي الفكرة الأساسيّة في الخيمياء، وهي على خطئها قد دفعت مع ذلك إلى أبحاثٍ من أعظم الأبحاث أثرًا. وقد أضاف جابرٌ إلى أصلَي المعادن، الكبريت والزئبق، أصلًا ثالثًا هو الزِّرنيخ.
ولا يكاد يُشَكّ في أنّهم عرفوا في أعمال الخيمياء أثر الغازات كذلك. فجابرٌ يتكلّم في غموضٍ على «الأرواح» التي تتّحد بالمعادن وتتصاعد عند تأثير النار. وليس تحويلُ الأجسام ممكنًا إلا بهذه الأرواح. غير أنّه يعرض الصعوبات عظيمةً جدًّا، فكثيرًا ما تفرّ الأرواح، وكثيرًا ما تزول مع الأجسام معًا.(1)
ولا شكّ أنّ كثيرًا من قوارير التقطير والأنابيق قد تشقّقت وفرّ الغازُ منها بفرقعةٍ ولهب، قبل أن يجمع الكيميائيُّ الذي لا يكِلّ هذه التجارب.
وبقي هذا الدرس بعد ذلك موضع أشدّ العناية؛ ومع قلّة ما غربله أهلُ الاختصاص من هذا الباب في الأدب العربيّ، فإنّ في الوسع أن يُقال إنّ الشرق سبقنا في كثيرٍ من الاكتشافات البالغة الأهمّية. فالرازيّ (Rhazes)، وسنعرفه فيما بعدُ طبيبًا كبيرًا، يتكلّم على تحضير «ماء الحياة»، والمرادُ به صناعةُ السوائل الكحوليّة، وقد حضّر زيت الزاج بتقطير زاج الحديد.(2) وأودّ أن أذكر كذلك اختراعًا لم يُعرَف في أوروبّا قبل النصف الأوّل من القرن السادس عشر؛ أعني
Nota 1. Hoefer I. 313. Nota 2. الموضع نفسه، 324.
453صناعة الثلج.(1) ففي كتابٍ عربيٍّ قديم(2) هذا الخبر: «يُؤخَذ من أجود مِلح البارود اليمانيّ (shabb، ويُستعمَل اليوم للشَّبّ) رِطلٌ، فيُسحَق سحقًا جيّدًا، ثم يُلقى في قِدرٍ خزفيّةٍ جديدة، ويُصَبّ عليه ستّةُ أرطالٍ من ماءٍ نقيّ، ويُوضَع في التنّور ويُسَدّ، ويُترَك حتى يتبخّر ثلثا الماء؛ فيُحفَظ الثلثُ الباقي من السائل في قارورةٍ تُسَدّ سدًّا جيّدًا. فإذا أُريد صنعُ الثلج أُخِذ إناءٌ جديدٌ مملوءٌ ماءً، وخُلِط فيه عشرةُ مثاقيلَ من ماء مِلح البارود، ويُترَك قليلًا فيصير ثلجًا.
وفضلُ العلم العربيّ أنّه أوّلُ من أدخل المنهج التجريبيّ في درس الطبيعة.
وأمّا ما أنجزه العربُ في الطبّ فأقلُّ نُبوغًا، غير أنّه ليس بقليل الشأن البتّة. ولمّا كان علمُ التشريح لم يُعْنَ به لأسبابٍ دينيّة، فقد اعتمدوا اعتمادًا يكاد يكون مقصورًا على جالينوس، وظلّ نظامُه سائدًا إلى أواخر القرون الوسطى. ومع ذلك لا يصحّ أن يُوصَف الطبُّ العربيّ بأنّه مأخوذٌ عن غيره بالكلّية. فليس يعوزه كثيرٌ من الخصوصيّة ممّا جاءت به طريقةُ عيش الأمّة وعاداتُها. وقد جمع الأطبّاءُ العرب، وهم أصحابُ تجربةٍ متحمّسون، كثيرًا من الملاحظات القيّمة. على أنّهم بلغوا في الصيدلة خاصّةً أبعدَ ممّا بلغه القدماء. فقد قامت مبكّرًا طائفةٌ خاصّة للصيادلة، بل كان في الجيوش عادةً صيادلة.(3) وابتكروا إلى ما ورثوه عن اليونان من الأدوية المجرَّبة جملةً
Nota 1. Beckmann: Beiträge zur Gesch. d. Erfindungen V. 187. Nota 2. الموضع في ابن أبي أُصَيبِعة: تاريخ الأطبّاء، الورقة 54 ظ، وهو ينقل الخبر عن كتابٍ قديم: «كتاب المقدّمة» لابن نَخْتَوَيه. Nota 3. أبو الفرج 256.
454أحدثُ عهدًا، والأسماءُ: Sirop (شراب أو رُبّ)، وJulep (جُلّاب)، وSief (شِياف)، وكثيرٌ غيرها من هذه التسميات، تُقيم الدليل على أنّ الغرب لم يعرف هذه الأشياء إلّا بمخالطته الحضارةَ العربيّة. وقد عُني أطبّاءُ المسلمين بعلم الأدوية أشدَّ العناية في الحقيقة، فوضعوا منذ وقتٍ مبكّر الأقرباذينات ودوائرَ المعارف الطبّية والكنانيشَ الجامعة؛ ويتّصل بهذا اتّصالًا وثيقًا علمُ السموم والترياق، وقد أكثروا الاشتغال به.
فإذا صرفنا النظر عن المترجمين الذين نقلوا في عهد أوائل العبّاسيّين الكتبَ السريانيّة واليونانيّة والهنديّة إلى العربيّة، ولا سيّما كتبَ الطبّ والعلوم الطبيعيّة (أبقراط، وديسقوريدس، وشرح نيقولاوس على أرسطو، بل المؤلَّفات الهنديّة كذلك، مثل «آيورفيدا» سُشروتا وكتاب Chäraka وغيرهما)، فإنّ أوّل من يُذكَر من كبار مصنّفي الطبّ هو الرازي (Rhazes). عاش ببغداد طبيبًا مزاوِلًا، وتولّى حينًا مِنَ الزمان طِبَّ الخليفة المقتدر الخاصّ، وله فضلُ ملاحظاتٍ ليست بالقليلة الشأن(1)؛ كما يُظهِر في الجراحة والعمل باليد تقدّمًا كبيرًا على اليونان. ومن أنفع ما كتب رسالتُه في الجُدَريّ، وهي من أهمّ آثار الطبّ العربيّ، وهي في الوقت نفسه من أجود ما كُتِب في موضوعها.(2) وعالج في كتبه العشرة المهداة إلى منصور جملةَ نظام الطبّ العربيّ، ويكفي أن نذكر هنا أنّ الكتاب التاسع المشهور منها ظلّ إلى القرن السادس عشر مادّةَ دروسٍ في جامعات أوروبّا.
Nota 1. Sprengel II. 315. Nota 2. Haeser: Lehrbuch d. Gesch. d. Medicin. 1875. p. 572.
455ويُذكَر بعد الرازي الفارسيُّ عليُّ بن العبّاس المجوسيّ، وقد ألّف كُنّاشًا كبيرًا جامعًا أهداه إلى السلطان عَضُد الدولة. ويُنبِّه خاصّةً على أنّه جمع كثيرًا من ملاحظاته في البيمارستانات، ويجعل أوّلَ واجبٍ على الطبيب المبتدئ أن يدرس الحالات واحدةً واحدةً عند سرير المريض نفسِه.(1) وتدبيرُه للأغذية عملٌ مُتقَنٌ بمقاييس ذلك الزمان.
ومن ذوي الشأن الخاصّ طبيبًا وجرّاحًا أبو القاسم الزهراويّ القرطبيّ، المعروف في القرون الوسطى بـ Albucasis أو Abulcasis، وقد وضع كتابًا يستوعب الطبّ كلَّه، قِسمُه الجراحيّ جديرٌ بأعظم الالتفات، إذ يُبيِّن أنّهم بلغوا في هذا الباب مهارةً كبيرة.(2)
غير أنّ هذه الأسماء كلَّها يُخفيها ابن سينا العظيم، فقد ظلّ نظامُه في صناعة الطبّ سائدًا في أوروبّا أيضًا نحوَ ستّمئة سنة. و«القانون» في الطبّ عملٌ ضخم، دائرةُ معارفَ تجمع علمَ الطبّ كلَّه في زمانه، ويمتاز في الوقت نفسه بترتيبٍ بالغ الوضوح والإحكام. وهو أكبرُ ممثّلٍ للطبّ العربيّ، وهو جالينوسُه.(3) وقد بقي من تعاليمه إلى اليوم أثرٌ أخير: فإنّه نسب إلى الذهب والفضّة فعلًا خاصًّا، ومن ذلك — على أرجح الظنّ — نشأت عادةُ تذهيب الحبوب الدوائيّة أو تفضيضها.(4)
ويُستفاد من كتبه أنّهم كانوا في زمانه يُحسِنون علاج الماء الأبيض في العين بالاستخراج، غير أنّهم كانوا يَعُدّون هذه العمليّة خَطِرة،
Nota 1. Sprengel II. 332. Abulfarag 326. Haeser p. 575. Nota 2. Haeser p. 580. Nota 3. Haeser p. 586. وقارن كذلك في ابن سينا: Meyer, Gesch. der Botanik III. 193. Nota 4. Sprengel: Gesch. d. Arzneikunst II, 355.
456ولذلك يُصرِّح ابن سينا هو أيضًا برفضها، ويُوصي بالقَدْح.(1)
وفي هذا القدر كفايةٌ لِرَسم النشاط العلميّ في هذه الميادين في أعمّ خطوطه. وعلى كلّ حال لن يشتدّ نفورُ المرء بعد اليوم من أن يوافق مؤرِّخًا حضاريًّا حديثًا حين يقول: إنّ العربيّ طبع أوروبّا بطابعه العقليّ، وهو ما سيضطرّ العالمُ المسيحيّ إلى الإقرار به في أمدٍ ليس ببعيد؛ وقد كتب ذلك بخطوطٍ لا تُمحى على أديم السماء، كما يرى كلُّ من يقرأ أسماء النجوم على كرةٍ سماويّةٍ عاديّة.(2)
ولكي نختم الكلام على العلوم الطبيعيّة، من حيث جعلها العربُ موضوعًا لرسائلَ علميّة، بقي أن نذكر النبات والمعادن والحيوان. غير أنّ أيًّا من هذه الفروع لم يُنظَم في نسقٍ ولا عُولِج من وجهةٍ شاملة، وإن كانت المكتبةُ العربيّة تُظهِر فيها سلسلةً من الأعمال المستقلّة. كانوا يرصدون ويجمعون بدأبٍ ومثابرة، غير أنّهم لم يتجاوزوا معرفةً تجريبيّةً محضة. كتبوا في خواصّ النبات والمعادن والحيوان، لكن لا سبيل إلى حكمٍ موثوقٍ في قيمة هذه الأعمال، لأنّ هذا الميدان لم يَنَلْه أهلُ الاختصاص إلّا بأقلّ القليل. وكانت الوجهةُ الطبّية والصيدلانيّة هي الغالبة في أكثر الأحوال. وأقدمُ من يُذكَر من علماء النبات العرب الدينوريّ (المتوفّى 282هـ، 894م)، ولا بدّ أن يكون «كتاب النبات» له، بحسب ما بقي من مختصراته، حاويًا ملاحظاتٍ نفيسةً كثيرة. وقد صرف عنايته إلى الجغرافيا النباتيّة كذلك. وكانت كتبُ ديسقوريدس، وقد ظهرت مبكّرًا في
Nota 1. Haeser: Gesch. d. Med. p. 589. Nota 2. Draper: Gesch. d. geist. Entwickl. Europas. II. Cap. XVI.
457ترجماتٍ عربيّة، أساسَ علم النبات. ولعلّ ممّا اختصّ به العربُ ملاحظاتِهم — وبعضُها مصيب — في اختلاف الجنس في نباتاتٍ بعينها (النخلة، القِنَّب). وكانوا يعرفون دورةَ العُصارة وأوقاتها.(1) وقسّموا النبات ثلاثةَ أقسام: ما ينبت من الساق، وما ينبت من البِزر، وما ينشأ من تلقاء نفسه.(2)
ومع كلّ نقصٍ وكلّ أحاديّةِ نظر، فإنّ ما أحرزه العربُ في علم النبات كبيرٌ قياسًا إلى الرومان واليونان؛ فقد مضى العربُ في البحث مستقلّين، ورصدوا الطبيعة، وجمعوا بدأبٍ لا يعرف الكلال. أمّا وظائفُ أعضاء النبات والنظرُ الفلسفيّ فيه فمعدومان عندهم كما هما معدومان عند القدماء. غير أنّ العرب يفوقون القدماء فوقًا بعيدًا بكثرة ما جمعوا ودقّةِ ما رصدوا.(3)
ولم يُنجَز في علم الحيوان شيءٌ يُذكَر؛ وكان أرسطو فيه المرجعَ الأوّل؛ نعم، كتبوا في خواصّ الحيوان وسيرته وعاداته،
Nota 1. Journal Asiat. 1870. Jan. Febr. p. 1 ff. Nota 2. المصدر نفسه 1853. Febr. März. p. 263. والقولُ بالنفس النباتيّة الذي يعرضه ابن سينا ليس من ابتكاره، بل يستند إلى ما يقوله أرسطو في الكتاب الثاني، في آخر الفصل الرابع من رسالته في النفس. قارن Meyer: Geschichte der Botanik III. 197. والنظرُ الثاقب في طبيعة النبات فضلٌ خاصٌّ لعالم النبات الإسبانيّ المتأخّر أبي العبّاس النباتي، وقد رحل رحلاتٍ نباتيّةً كبيرة، وعاش في القرن الثالث عشر. وزار الإسكندريّة سنة 613هـ (1216م). قارن Meyer، الموضع نفسه، p. 225. وقد فاقه بعدُ مواطنُه ابن البيطار المالَقيّ (المتوفّى 646هـ، 1248م). وكتابُه في الأدوية المفردة أثرٌ مشرِّفٌ لدأبه. ويجد المرءُ عنده وصفَ نحو 1,400 نبتة، من الواضح أنّه عرف كثيرًا منها بنفسه. وقد رحل رحلاتٍ كبيرة، وكثيرًا ما يُلحِق بوصف النبتة أنّه لم يجدها إلّا في هذا البلد أو ذاك. وصرف عنايته إلى الجغرافيا النباتيّة كما صرفها سلفُه أبو العبّاس النباتي. Meyer، الموضع نفسه، p. 238. Nota 3. Meyer: Gesch. d. Botanik III. p. 326.
458غير أنّ ذلك كلَّه بلا خطّة، وأكثرُه من الخُرافة، ولم يُحرِزوا تقدّمًا مهمًّا إلّا في البَيْطَرة، فبلغوا فيها مهارةً كبيرة.
وقسّموا الحيوان ثلاثةَ أقسام: ما يبيض، وما يلد حيًّا، وما يتولّد من تلقاء نفسه.(1)
وأُنجِز في علم المعادن ما هو أعظمُ من ذلك، وإن لم يُتَح لنا منه إلى اليوم إلّا القليلُ جدًّا ممّا عالجه أهلُ الاختصاص. ومع ذلك نستطيع أن نذكر عملًا بارزًا، هو أبحاثُ البيرونيّ — وقد سبق ذكرُه فلكيًّا كبيرًا ورياضيًّا وباحثًا في الطبيعة — في الوزن النوعيّ للأجسام المعدنيّة. أمّا نظريّاته في أصل المعادن وتكوّنها فتقوم على الأفكار اليونانيّة السائدة يومئذٍ، ولا سيّما أفكار أرسطو، غير أنّ أعماله في استخراج الوزن النوعيّ بالغةُ النفع: فقد وضع القاعدة القائلة إنّ حجم الماء المُزاح هو الذي يُحدِّد الوزنَ النوعيّ للجسم، وذلك بأن يُوزَن الجسمُ نفسُه في الهواء أوّلًا ثم في الماء، فيكون الفرقُ بين الوزنين وزنَ حجمِ الماء المُزاح. وقد أجرى البيرونيّ موازناته على ثمانيةَ عشرَ جسمًا: تسعةِ فِلِزّاتٍ وتسعةِ أحجارٍ كريمة، وأعجبُ ما في الأمر أنّ أرقامه في الوزن النوعيّ تكاد تُطابِق أحدثَ الموازين الأوروبّية، ولا يفصل بينها إلّا فروقٌ يسيرة.(2) ويصف لنا كذلك ميزانَ الماء الذي صنعه لهذا الغرض، وهو ميزانٌ ناقصٌ على كلّ حال، حسّنوه بعده تحسينًا كبيرًا.(3)
Nota 1. Journal Asiat. 1853. Febr. März. p. 263. Nota 2. المصدر نفسه 1858, April — Mai. p. 379 ff. Nota 3. قارن مقالة Khanikoff في Journal of the American Oriental Society Vol. VI، وبها يتأكّد بعضُ ما جاء في البحث المُحال عليه آنفًا في Journal Asiatique ويُصحَّح بعضُه.
459وفي تكوّن الحجارة والجبال آراءٌ جديرةٌ بالنظر تحويها رسالةٌ تُنسَب خطأً إلى ابن سينا(1)، وقد نُقِلت من العربيّة إلى اللاتينيّة. يُبيَّن فيها أنّ الجبال تنشأ على وجهين: إمّا برفع قشرة الأرض، وإمّا بفعل الماء، يشقّ لنفسه مسالكَ تحت الأرض، فيَجرُف الأوديةَ ويُرسِّب في مواضعَ أخرى ما يحمله من تراب. — فيُرى من ذلك أنّ المفكّرين العرب كانوا قد شارفوا وضعَ نظريّات الرفع، والنارِيّة (Plutonismus)، والمائيّة (Neptunismus).(2)
وقد اشتغل علماءُ المعادن العرب بالأحجار الكريمة اشتغالًا خاصًّا. وحاولوا تعليل تكوّنها من الفِلِزّات بتأثير الحرّ واليُبس والبردِ والرطوبة. فزعموا أنّ الياقوت متولِّدٌ من الذهب: فإن غلب الحرُّ واليُبس فاحمرّ الحجرُ كان ياقوتًا أحمر، وإن ضعف الحرُّ خرج منه ياقوتٌ لا لون له. وإن غلب البردُ واليُبس نشأ حجرٌ داكنُ اللون أو أسود. وعدّوا النحاسَ أصلًا للدَّهنَج واللازَورد والفيروزج؛ والحديدَ أصلًا لحجر المغناطيس والجمشت وحجرِ الدم. وعُدَّت الفضّةُ أصلًا لليَشْم واليَشْب، كما عُدَّ الرَّصاصُ أصلًا للغاغات والسَّبَج (sabag)، على حين زعموا أنّ الماسَ متولِّدٌ من الذهب.(3)
فإذا انتقلنا الآن إلى ذلك الميدان الذي تتلاقى فيه الدراساتُ الطبيعيّة والفلسفيّة، أمكن أن تُعرَض نظرةُ العرب الفلسفيّة إلى العالم في الخطوط التالية تقريبًا.
Nota 1. De congelatione et conglutinatione lapidum. Nota 2. Hoefer I. 327. قارن Kopp: Beitr. III. p. 56. Nota 3. Journal Asiat. 1868. Jan. p. 7, 8.
460في عالم الموجودات، أعني عالم الأجسام، يقع المعدنُ في أدنى المراتب، ويليه النبات، ثم الحيوان، ويتّصل به الإنسان. فهو بجسمه من العالم الحسّيّ المادّيّ، وبنفسه الناطقة من العالم الروحانيّ غير الجسمانيّ. ولا يعلوه إلّا الموجوداتُ الروحانيّةُ المحضة، أعني الملائكة، وهي أعلى مراتب الوجود، ليس فوقها إلّا الله. وهكذا تصل سلسلةٌ من الارتقاء المتدرِّج أدنى الموجودات بأعلاها. غير أنّ النفس الإنسانيّة تنزع أبدًا، مُطاوِعةً دافعًا في باطنها، إلى خلع قيود الحسّ؛ فإذا تحرّرت حلّقت صاعدةً لترجع إلى الله الذي صدرت عنه.
وقد انتشرت مثلُ هذه الأفكار، وفيها صلاتٌ كثيرة بشطحات الفلسفة الأفلاطونيّة المحدَثة، انتشارًا واسعًا في مدرسة التصوّف المتأخّرة، ووُفِّق بينها وبين الدين المُنزَل والقرآن بتأويلٍ رمزيٍّ متكلَّفٍ في قليلٍ أو كثير.
وبينما يربط سُلَّمُ الارتقاء الصاعد أدنى الأشياء بأعلاها، تُظهِر نظريّةُ نشأة الكون وتكوّنِ الأشياء سلسلةً معاكسة، نازلةً على التدريج، من القوى الأولى العليا. ومن الظاهر أنّهم استندوا في آرائهم في أصل العالم إلى نظريّات الفيض عند فلسفة الإسكندريّة. والمراتبُ على هذا النحو: الباري، ثم العقل، ثم النفس الكلّية، ثم الهَيولى.
وباتّصال النفس الكلّية بالهيولى تكوّنت الأشياء كلُّها في زعمهم.
غير أنّ عالم الموجودات ذو وجهين: وجهٍ مادّيٍّ جسمانيّ تُدرِكه أدواتُ الحسّ، ووجهٍ روحانيٍّ لا يُدرَك إلّا
461بالعقل. وهذا العالمُ الأرضيّ وذاك العالمُ الروحانيّ يقابلان الثنائيّةَ بين الجسم والنفس.
وهذا الفصلُ الحادّ بين الروحانيّ والجسمانيّ صرف البحث بطبيعة الحال إلى فعل العقل المفكِّر وقوّةِ الحكم، فاختِيرت كتبُ أرسطو في المنطق دليلًا لذلك، ولا سيّما مدخلُ فُرفوريوس، ودُرِست دراسةً حثيثة.
وسرعان ما صار الاشتغالُ بالمنطق دراسةَ المفكّرين العرب المحبَّبة، فإنّ هذا التشريح المصنوع لعمليّات الفكر، والتمييزَ الحادّ بين المفهومات، واللعبَ بحِيَل الأقيسة الصحيحة والفاسدة، كلَّ ذلك وافق موافقةً خاصّةً عقولًا مجبولةً على التنطّع وتشقيق المسائل. فاشتغل بالمنطق اشتغالًا حثيثًا كلُّ الرجال البارزين: الكِنديّ، والفارابيّ، وابن سينا. بل طوّر الأخيرُ فيه آراءً مبتكَرة. وكان المنطقُ يُدرَّس في جميع المدارس العليا بوصفه مقدّمةً لا غنى عنها، وظهرت فيه كتبٌ ورسائلُ لا تُحصى، وهي أبدًا مستندةٌ روحًا ومنهجًا إلى أرسطو.
وعلى هذا النحو رِيضَ العقلُ، ورُسِمت له السبلُ والمسالكُ التي عليه أن يسير فيها، وضُبِط بذلك تصريفُ فعل الحكم، ونُظِّم دولابُ آلة التفكير؛ وكان ما بعد الطبيعة — أو كما يترجم العربُ اللفظَ اليونانيّ ترجمةً حرفيّةً: علمُ ما وراء الطبيعة — ميدانًا مُشرَعًا لأشدّ الأخيلة تحكّمًا، حتى صار في وسع كلّ امرئٍ أن يصوغ آراءه في العالم غير المادّيّ كما يشاء. أمّا من لم يكن له إلى ذلك استعدادٌ ولا وقتٌ ولا ميل — وهم الكثرةُ الغالبة أبدًا — فقد سلك في يُسرٍ دروبَ مذهب أهل السنّة الموطوءةَ الواسعة، ووجد في ذلك راحته، على حين
462كانت أشدُّ الآراء اختلافًا تجد مَنفَذًا للتعبير في الفِرَق والأحزاب الكلاميّة الكثيرة.
وإلى هذا الميدان الذي لا حدّ له، وقد فلسف في النفس وطهارتها وغايتها الأخيرة ودخولِها آخرَ الأمر في نعيم الجنّة — محسوسةً كانت أو معقولة — أو اتّحادِها في النهاية بالنفس الكلّية، أي بالله، انضمّ موضوعٌ آخرُ لا تحديد لحدوده ولا لمضمونه، هو موضوع الأخلاق، وسرعان ما صار له أدبٌ خاصٌّ به واسعُ الأرجاء.
على أنّ دائرة الدراسات الفلسفيّة لم تتّسع هذا الاتّساع إلّا شيئًا فشيئًا. فمقرُّ أقدمِ جدلٍ علميّ كان — على ما ذُكِر من قبلُ — في الأحزاب الدينيّة والسياسيّة، وكانت المناظرةُ تحمل صبغةً دينيّةً في الغالب. فلمّا اطّلع العربُ في عهد أوائل العبّاسيّين على كتب فلاسفة اليونان، وأقبلوا على دراسة العلوم الطبيعيّة، دخل في الحركة العقليّة خميرةٌ جديدة: شحذ المنطقُ سلاحَ الجدل، ونهض العقلُ السليم في وجه الإيمان الأعمى، وانتصرت براهينُ الرياضيّات على البراهين المستمَدّة من القرآن، وأدّى النظرُ في الطبيعة ما عليه إزاء عِناد أهل الكلام وقلّةِ فهمهم.
فنشأت أوّلُ مدرسةٍ عقليّة، وظلّ أصحابُها، وهم المعتزلة، حينًا من الدهر الحزبَ الغالب. غير أنّ خصومهم أحسنوا سريعًا إدارةَ السلاح نفسِه، فخرج من ذلك علمُ الكلام، وهو فلسفةُ الدين على الحقيقة، وسرعان ما صار وقفًا على الذبّ عن مذهب أهل السنّة وعن العقيدة. على أنّ الدرس الفلسفيّ كسب في هذه الحركة من الأرض ما جعله يُمارَس لذاته، ولو في دائرةٍ ضيّقة؛ فدُرِست علومُ القدماء، وطُلِب المضيُّ قُدُمًا في الطرق التي سلكوها،
463وأُجريت أبحاثٌ مستقلّة، وأقصى ما سُعِي إليه أن يُوفَّق عَرَضًا بين هذه الدراسات الجديدة وبين النظام الدينيّ السائد.
على أنّنا لا يجوز أن نحرم الفلسفة العربيّة اعترافًا بأنّها امتازت بطهارةٍ خُلُقيّةٍ عالية وبعقلانيّةٍ جريئة. من ذلك قولُ الشاعر المعرّي، وقد سمع ببغداد دروس الفلاسفة ومال إلى آراء الماديّين: «اصنع الخير واصنعه لجماله، ولا تحسبنّ أنّ الله يجزيك عليه: ذلك له إن شاء، فقُدرتُه عظيمة؛ وإلّا فالموتُ لنا خيرُ الجزاء». — ويقول في موضعٍ آخر: «افعل الخير للخير على كلّ حال، وكن عدلًا لا طمعًا في مغنم».(1)
ويقول ابن رشد: «إنّ من أخطر الأوهام ذلك الذي يجعل الفضيلة وسيلةً إلى نيل السعادة. فالفضيلةُ في هذه الحال لا قيمة لها، إذ لا يكفّ المرءُ عن الشهوة إلّا على رجاء أن يُعوَّض عنها يومًا بأرباحٍ وافرة. والشجاعُ حينئذٍ لا يطلب الموت إلّا فرارًا من شرٍّ أكبر؛ والعادلُ لا يحترم مال غيره إلّا ليأخذ (فيما بعد) ضِعفَه». — ويقول ابن رشد: إنّ هذه الخُرافات تُفسِد عقل العامّة، ولا سيّما عقول الصبيان، من غير نفعٍ حقيقيٍّ في إصلاحهم. ويُضيف: «إنّي أعرف رجالًا بلغوا تمام الخُلُق، يرفضون هذه الأوهام كلَّها، وليسوا دون من يُقِرّونها في الفضيلة».
وما كان للنفس في رأي هؤلاء الأخلاقيّين القدماء أن تحلّق صاعدةً إلى المنبع الأوّل الذي صدرت عنه، أعني النفسَ الكلّية، إلّا بالتطهير الباطن؛
Nota 1. اللزوميّات: قافيةُ الزاي، وقافيةُ «بها».
2!
464وفي هذا الاتّحاد رأى أولئك الفلاسفة الغايةَ العليا لمصير الإنسان. ذلك أنّهم لم يَعُدّوا النفس الإنسانيّة إلّا فيضًا من النفس الكلّية العليا التي تسري في الحياة الروحانيّة كلِّها. فالنفسُ في تصوّرهم ليست شيئًا سوى قطرةٍ من الروح الأوّل الإلهيّ. يقول صاحبُ «رسالة حيّ بن يقظان»: إنّ الروح الحيّ الذي يسري في هذا الجنس البشريّ كلِّه واحدٌ بعينه، لا يختلف إلّا بأنّه يتوزّع على نفوسٍ إنسانيّةٍ كثيرة؛ ولو استُطيع جمعُ أجزائه المتفرّقة كلِّها وضمُّها في إناءٍ واحد، لألّفت هذه الأجزاءُ المفردة كلًّا واحدًا، كما يُوزَّع الماءُ الواحد أو الشرابُ الواحد على أوانٍ كثيرة ثم يُجمَع من جديد. فهو في حال الافتراق وفي حال الاجتماع جوهرٌ واحد بعينه.(1)
وقد لزمت هذه التصوّراتُ لزومًا ضروريًّا عن الفلسفة القائلة بوحدة الوجود، وهي التي انتقلت من الإسكندريّين إلى العرب فتمسّكوا بها أبدًا في المدارس الفلسفيّة.
ويلي هذا القولَ بوحدة النفوس الأولى في الأهمّية أعظمُ مسائل الفلسفة العربيّة، وهو القولُ بأزليّة العالم وقِدَمِه، وهو رأيٌ يحمل أصحابُه اسم الدهريّة، وقد وقعوا — كما يسهل فهمه — في أعنف صراعٍ مع أهل السنّة، إذ لم يعتمدوا إلّا على شهادة الحواسّ وأنكروا وجود العالم الروحانيّ.(2)
Nota 1. رسالة حيّ بن يقظان، ص 74. Nota 2. «دَهْريّ»، وعند آخرين «دُهْريّ». والمنازعاتُ في اختلاف الضبط ممّا يُولَع به علماءُ العرب ولوعًا شديدًا. قارن «مَنديل» و«مِنديل»، و«دَهليز» و«دِهليز»، و«مُقَدَّمة» و«مُقَدِّمة» وما إلى ذلك. غير أنّ اللغة الحيّة تقضي في الأكثر على خلاف علم المدارس.
465ويسهل أن يُتبيَّن أنّ الفكرة الأصليّة عند هؤلاء الماديّين القدماء هي في الحقيقة عينُ المذهب المادّيّ في زماننا، وهو الذي بلغ في أيّامنا — بتقدّم العلوم الطبيعيّة — السيادةَ في دوائرَ واسعة.(1)
وفي هذا أيضًا يظهر توافقٌ بين مسار الدراسات الفلسفيّة في المشرق ومسارِها في الغرب الأوروبّيّ، فقد نالت كلتاهما سريعًا شرفَ أن تُحارِبها بأشدّ الحَنَق طبقةُ رجال الدين التي صارت لها السيادة؛ إذ سرعان ما أُدرِك ما يترتّب على مثل هذا الاتّجاه العقليّ من خطرٍ على الإيمان المطلق الذي قام عليه الإسلام. وكانت ردّةُ فعل أهل السنّة على المعتزلة، وقد ظهرت ظافرةً في عهد المتوكّل، بدايةَ استعباد الفكر الحرّ. ووقفت السلطةُ الزمنيّة منذ ذلك الحين في صفّ أهل السنّة أبدًا، وصدرت مِرارًا أوامرُ حكوميّةٌ صارمة ضدّ الدراسات الفلسفيّة. وبعد المتوكّل كان المعتضدُ هو الذي عُرِف بحماسته للسنّة، فحرّم سنة 279هـ (892م) بيعَ الكتب الفلسفيّة والجدليّة.(2) ثم جاء
466القادرُ المتعصّب بمرسومٍ رسميٍّ صريحٍ بنبذ الزنادقة وأهل الفكر الحرّ.(1)
فإذا ألقينا نظرةً أخرى إلى الوراء تبيّن أنّ أعظم ما يقدر عليه العربُ إنّما يظهر في ميدان المعرفة التجريبيّة، معرفةِ ما رأوه وجرّبوه بأنفسهم. فهناك يرصدون ويبحثون، ويجمعون ما عاشوه أو ما رُوي لهم ويُرتّبونه بدأبٍ لا يُصدَّق. فأبرزُ نشاطهم إذًا هو السرد والوصف؛ والتاريخُ والجغرافيا يحتلّان المرتبة الأولى في أدبهم. ولمّا كانوا ثاقبي الفكر دقيقي الرصد أنجزوا في الرياضيّات والفلك ما أنجزوا من عظيم، وللسبب نفسِه وُفِّقوا إلى أن يضعوا للفقه نظامًا شاملًا، كما وضعوا لعلم اللغة والنحو. وأمّا في نشاطهم العقليّ المِثاليّ، في التفكير المجرَّد، فإمّا أنّهم لم يخرجوا قطّ من أخاديد الفلسفة الأرسطيّة والأفلاطونيّة، وإمّا أنّهم حيث حاولوا الخروج استهواهم خيالٌ غيرُ منضبط إلى أحلامٍ وأوهامٍ حِسّية أفضت آخرَ الأمر إلى تصوّفٍ لا مضمون له.(2)
وبعد أن مضينا بجَولتنا على المساعي العلميّة إلى هذا الحدّ، لم يبقَ لنا إلّا أن نتكلّم على
Nota 1. Gesch. d. herrsch. Ideen ص 127. وفيما بعدُ صاروا يُلقون في النار ببساطةٍ كلَّ كتابٍ فيه خطرٌ على مذهب أهل السنّة (الموضع نفسه 98). Nota 2. لمّا لم يكن غرضُ هذا الكتاب إعادةَ المعروف، فإنّي أُحيل في تاريخ تطوّر الفلسفة العربيّة على G. Ritter: Die christl. Philosophie، وكذلك على الكتاب الممتاز لـ Steiner: Die Mutaziliten, Leipzig 1865, S. 1—24، وعلى Renan: Averroès. غير أنّ الكتاب الأخير غيرُ خالٍ من الأغلاط، ولا سيّما حيث يتكلّم مؤلِّفُه العالم على الفِرَق الدينيّة. تنقصه سعةُ الاطّلاع في الميدان العربيّ، وإلّا لَما وقع له — مثلًا في ص 102 (الطبعة 2، Paris 1861) — أن يَعُدّ الـSomanites فرقةً إسلاميّة؛ فإنّ اسم «السُّمَنيّة» يدلّ عند المؤلّفين العرب على البوذيّين، أي الشَّمَنيّين، وأصلُه الهنديّ cramana. وما يقوله Renan في الفلسفة العربيّة إنّما يصحّ في ابن رشد ومذهبه، أي في أحدث أدوار التطوّر.
467علوم اللغة في تطوّرها المتأخّر، وعلى الأدب عامّةً، ثم نُتبِع ذلك في الختام بعرضٍ للمؤسّسات العلميّة، وبهذا يكون قد استُوفي — على قدر ما يُتيحه إطارُ هذا العمل — العرضُ الحضاريّ للنشاط في ميدان الدراسات العلميّة والأدب.
لقد نالت علومُ اللغة عند العرب تقدّمًا على الدراسات الواقعيّة لا تستحقّه بحال. والسببُ في ذلك اتّصالُها الوثيق بدراسات القرآن وبما يرتبط بها من علم الكلام.
وكانت المعالجةُ المنهجيّة للغتهم نفسِها في المقام الأوّل موضوعَ أشدّ الجهود؛ وكما بيّنّا في الكلام على الأعمال العقليّة في القرن الأوّل للإسلام، فإنّ الأعاجم المستعربين هم الذين انصرفوا فيما بعدُ كذلك إلى هذا الفنّ بحماسةٍ خاصّة، إذ كان الانصرافُ إلى هذه الدراسات يُعَدّ في وجهٍ من الوجوه واجبًا دينيًّا، لأنّ بها يُصان القرآنُ والحديثُ من فساد القراءة وسوء التأويل. ولا بدّ أن يكون دأبُ هؤلاء اللغويّين الأوّلين وحماستُهم الدائبة أمرًا يستحقّ العجب حقًّا؛ ويُروى عن أحدهم أنّ مجاميعه — وأكثرُ ما فيها أقوالُ أهل البادية وأمثالُهم — كانت تملأ حجرته إلى السقف. وجُمِع كذلك بأشدّ الحماسة الشعرُ الجاهليّ القديم وقِطَعُ الأبيات؛ ويُخبر الأصمعيُّ عن ذلك العالم نفسِه، وقد لزم دَرسَه عشر سنين كوامل، أنّه لم يسمع منه في تلك المدّة كلِّها بيتًا واحدًا شاهدًا على قاعدةٍ نحويّة إلّا وهو من زمن ما قبل الإسلام.(1)
Nota 1. Flügel, Grammatische Schulen der Araber p. 32.
468ومن هذه المدرسة، وهي المسمّاة مدرسة البصرة، خرج أشهرُ أهل هذا الفنّ: سيبويه، وهو فارسيُّ الأصل كما يدلّ اسمُه، وقد ظلّ كتابُه في النحو إلى أواخر الأزمان يُعَدّ الأصلَ الأوّل الحاكم. وبينما بلغت مدرسةُ البصرة بذلك ذروةَ مجدها، لم تتخلّف عنها مدرسةُ الكوفة، ومن الدلالة بمكانٍ أنّ رجالها الموجِّهين كانوا فُرسَ الأصل هم أيضًا. فالكسائيُّ ابنُ رجلٍ فارسيّ؛ غير أنّ نشاطه العلميّ يبدو — على ما ناله من سلطانٍ عظيم — فيه شيءٌ من التمويه، إن جاز لنا أن نصدّق ما يُروى من مصادر البصريّين. فلا ينبغي أن يغيب عنّا أنّ أكثر هؤلاء اللغويّين كانوا يتّخذون الفنّ صنعةَ عيش، وهناك كان كلٌّ منهم — على الأرجح — يطلب أن يفوق صاحبه بتكلّف العلم، وبالحدود التي تشقّ الشعرة، وغيرِ ذلك من ألاعيب البهلوانيّة المهنيّة. وبين أيدينا كذلك شهادةُ كاتبٍ معاصرٍ لهم تُبيّن بيانًا تامًّا كيف كان بعضُ هؤلاء اللغويّين العلماء يُدير التعليم إدارةَ تجارةٍ ليكسب المال. سأل صديقٌ الأخفشَ النحويَّ الذي أُطنِب في مدحه بعد ذلك: كيف لا تكتب كتبك على وجهٍ أقربَ إلى الفهم؟ فأجاب: لستُ أكتب كتبي لله (عملًا صالحًا)؛ ولو كتبتُ أوضحَ لَما اضطُرّ قرّائي إلى سؤالي إلّا نادرًا؛ وإنّما غرضي كسبُ المال؛ فأنا أكتب بعض الشيء على وجهٍ سهل الفهم، ليَحمِل ما يفهمه القارئُ من لذّةٍ على أن يشتهي ما لا يفهمه، فبهذا الوجه أكسب المال، وهو الغرضُ الذي أطلبه.(1) وقد شاع
Nota 1. النصّ العربيّ لهذا الموضع في كتابي Culturgeschichtliche Streifzüge p. 68.
469مثلُ هذا التمويه الأدبيّ فيما بعدُ وذاع في أشكالٍ شتّى. غير أنّنا، كي لا نظلم الأخفشَ الرجلَ الصالح، لا بدّ أن نُشير إلى أنّ نحويًّا بصريًّا قبله (خلفًا الأحمر، عاش نحو 155هـ) قد تعاطى تزييف مجاميع الشعر، فحاكى ديباجة الشعراء القدماء ودسّ في المجموعة قصائدَ بأسرها من صنعته.(1)
وكتبُ هؤلاء النحاة القدماء من أخلى ما يُقرأ من الرُّوح وأشدِّه إمْلالًا، غير أنّ لها فضلَها كذلك؛ فقد أسّسوا صناعة المعاجم بتفسير الغريب من الألفاظ ومن القرآن والحديث، وبجمع الشواهد، وهم أوّلُ من وضع نظام العَروض، وهم الذين تولّوا أوّل مجاميع الشعر الشعبيّ القديم وشرحوها، وجمعوا الأمثال بدأبٍ لا يُصدَّق، وعالجوا الاشتقاق.(2)
ثم لمّا اعتاد الناسُ أن يُعلّقوا قيمةً خاصّة على الكلام المتكلَّف والبلاغةِ المصنوعة المخروطة، خرجت من ذلك فروعُ علم الأسلوب المختلفة (علم البديع، والمعاني والبيان، والإنشاء وما إليها). ومن هذا كلِّه تألّف ذلك العلمُ الذي سُمّي علم الأدب. وكما تكون الكتّابُ الكلاسيكيّون عندنا أساسًا لذلك، كذلك عُلِّقت هناك أعظمُ قيمةٍ على دراسة الشعراء القدماء، ونشأت من هذا الاتّجاه سلسلةٌ من الأعمال تكاد لا تُستقصى، وفيها كثيرٌ
Nota 1. في «الحماسة» ص 382 وما بعدها بقايا من عمل هذا الرجل المجدّ. Nota 2. من أراد أن يستيقن كيف كان هؤلاء اللغويّون القدماء يكتبون، فلينظر «كتاب السَّرْج واللِّجام» لابن دُرَيد في Wright's Opuscula arabica، أو «كتاب السحاب والمطر» وما شاكله. وعلى الرُّوح نفسِه تمامًا رسائلُ الأصمعيّ الباقية.
470ما له قيمة. ولا بدّ من الاعتراف خاصّةً بذلك الدأب الذي لا يعرف الكلال في جمع ثروة اللغة وترتيبها ترتيبًا معجميًّا، وقد خرجت من ذلك أعمالٌ ضخمةٌ حقًّا.
على أنّ غلبة الدراسات الأدبيّة على الدراسات الواقعيّة هي كذلك علامةُ عصر الانحطاط. فقد وُضِع الثِّقَلُ الأكبر على التصنّع اللغويّ، وصناعةِ النظم، وسعةِ الاطّلاع في الأدب الشعريّ. وللتباهي بهذه المعارف تُوضَع المجاميع (النوادر، والمحاضرات، والمسامرات)، فيُحشَد فيها كلُّ ممكنٍ في الأكثر بلا خطّةٍ ولا ترتيب، والغالبُ عليها العرضُ على طريقة النوادر.(1)
ونشأت من ذلك طبقةٌ من صعاليك الأدب؛ يخرج الأدباءُ الشُّبّان المعدَمون إلى الدنيا غيرَ مُبالين بالغد، مُتزوِّدين بالاستشهادات وقِطَعِ الشعر وسائرِ نوادر اللغويّين؛ يشقّون طريقهم من مدينةٍ إلى مدينة، ومن قريةٍ إلى قرية، بالنادرة والقصيدة؛ فحيثما كان مجلسٌ من أهل الظَّرف كانوا مستعدّين لمساجلة اللسان ومعركة الكلام. وكان الأغنياءُ وأهلُ السلطان يُبادرون أبدًا إلى صِلَتهم وإجازتهم، فإنّ مثل هذا الأديب كان في ذلك الزمان خصمًا بالغ الخطر، يستطيع أن يُنزِل بمن أثار حَنَقه أبغضَ شهرةٍ بقصيدة هجاء؛ وفي أسوأ الأحوال كان الأديبُ الجوّال يتّخذ في المسجد مسكنَه.(2)
وأحسنُ من يُمثِّل هذه الطبقة من الناس، وقد صوّرها الحريريُّ تصويرًا صادقًا، هو الهمذانيُّ ذاك الذي اتّخذه الحريريُّ نفسُه قدوةً في مقاماته.(3) فقد ترك مدينته في أوّل صباه وطاف في بلاد الإسلام؛ ونرى من رسائله أنّه صار آخرَ الأمر إلى
Nota 1. كتاب الأغاني نفسُه يُظهِر هذا الاتّجاه. Nota 2. الإحياء III، 489. Nota 3. تُوفّي سنة 398هـ (1007–8م) بهَراة.
471البلاد الشرقيّة، إلى نيسابور ومَرْو وهَراة، حيث وجد في وزير السلطان القويّ محمود الغَزنويّ راعيًا حارّ العناية، وأقام لنفسه أخيرًا عيشًا لا بأس به فيما يبدو.
وهو يروي لنا بنفسه كيف رحل إلى نيسابور ليلقى بليغًا وشاعرًا كان مشهورًا يومئذٍ في تلك المدينة، اسمُه أبو بكر الخوارزميّ، وليُساجله عند الفرصة نثرًا ونظمًا. فلندَعْه الآن يروي بلفظه ما جرى له في تلك المناسبة:
«لمّا وطئتُ خُراسان جعلتُ وجهةَ سفري نيسابور — ولم أبتغِ جيرةً سوى جيرةِ أولئك النيسابوريّين الكرام البُدور — هنالك أردتُ أن أحطَّ عن البعير رَحْلي — وأن أضربَ في تلك الرحاب أطنابي وحَبْلي — إذ بلغني منذ زمانٍ خبرُ ذلك العلّامة أبي بكر الجليل، فرغبتُ في لقائه — وبذلتُ له على غير رؤيةٍ خالصَ ودّي وإخائي. — وحسبتُ أنّي إن دخلتُ مدينته — نضا عن لُبّه قِشرته — وخلع من فرط الوجد حجابه — وطار إليّ مُحيّيًا مُرحِّبًا: — فرباطُ الأدب يجمعنا — وغُربةٌ واحدةٌ توحّد شوقنا. — غير أنّ هذا الرجاء خدعني — فقد أبدى لي من الأخلاق ما راعني. — ذلك أنّ قَدَري قد أذِن — أن يسلبنا الأعرابُ في الطريق ما نملك؛ — فنُشِر متاعُنا من أوعيته — وحُشِر ذهبُنا وفضّتُنا في أكياسهم، — فقدِمنا نيسابور واليدُ — أخلى من الجدار المُجرَّد، — والكيسُ أنضبُ من الرمال، — والثوبُ أبلى من قميص مُعلِّم الصبيان — بل أسوأُ منه بثُلُثين. —
وما تطفّلتُ في دخولٍ ولا ازدحام، — بل أردتُ أن أكون في جواره لا غير، — وأن أرى عتبةَ داره — ثم أنصرف كما جئت. — وكنتُ قد بعثتُ إليه من قبلُ رُقعةً صغيرة، — مُزيَّنةً بالملاطفات
472مُزخرَفةً مُرقَّعةً بالمُنمَّق من الكلام — لكنّه مضى في سبيله — فسقاني من دَنّه ثُفالَه. — أمّا أنا فأغضيتُ عنه، — وتركتُه يصنع ما بدا له — وأقبلتُ عليه — كلّما أعرض عنّي، — وطلبتُ أن أَلُمّ — ما فرّق، — وشربتُ الكأس التي يسقيها — على مرارة مذاقها، — ولبستُ البُردَ الذي يُرسله — على قلّة ما يستر، — وحمّلتُ الذنبَ كلَّه رثاثةَ هيئتي — وخُروقَ ثوبي. — ثم كتبتُ إليه ثانيةً على هذا النحو أستميل مودّته — وأُليِّن نفسه الجامحة:
بسم الله الرحمن الرحيم!
السيّدُ الأجلُّ أبو بكر — أطال الله أيّامه! — يُثقِل على ضيفه المقام، — فيأتي إليه من الأذى ألوانًا — ويُريه من الاحتقار ألوانًا: — كالغَمْز بنصف عين، — والإشارةِ بنصف يد، — ومَنعِ الضيوف أن ينهضوا — إذا دخلتُ أنا عليهم، — وابتلاعِ نصف الكلام، — وتحيّةٍ لا تخرج إلّا بتشنّج. — ومع ذلك احتملتُ الأمر — بنفسٍ متواضعة، — فالمرءُ يُوزَن بكيسه — وبرقّةِ الثوب الذي لبسه؛ — وأنا في هذا الثوب الممزَّق — ليس فيّ من الرِّقّة مَسحة؛ — ولو ذاق السيّدُ أبو بكر مرّةً عيشَ الترحال، — لَسَرّه أن يُصغي إلى الغريب، — وأن يحطّ عنه الرحلَ عن بعيره — وأن يُحييه بحُسن القِرى. — ثم إنّ للسيّد الكريم أن يحكم في هذا العَتْب، ومضمونُه صداقة، وإن كان ما فيه من مرارةٍ ممزوجًا بالعسل. —
هنيئًا مريئًا، إن شاء الله!
فكان جوابُه عن هذا الكتاب باردًا قاطعًا — فتجنّبتُ كلَّ مماسّةٍ بعدها، — وتركتُه لعُجْبه يصنع ما شاء — وطويتُه على غَرِّه، — ومحوتُ ذكره
473من خِزانة الذاكرة، — وألقيتُ اسمه في النهر.
وهكذا مضى أسبوع؛ — طارت الأيّام — وسارت الليالي، — حتى انقضى الشهر، — وذلك النبيلُ في خلاله يقول أقوالًا — تُنقَل إليّ عنه. — فأخذتُ القلم — وواجهتُه بذلك كلِّه. — أمّا هو فجمع حوله جيشًا من الطلبة والخدم — وأقبل في أُبَّهةٍ ومعه صاحبُه. — وكان اللقاءُ في دار الإمام أبي الطيّب. — فحضرتُ أنا هناك كذلك — ولم أتوانَ في شكره على مَقدَمه — وفي إظهار ما عندي من رغبةٍ في الصلح. — غير أنّه كان بَرْقًا بلا مطر، — وسرابًا من سراب البادية بلا خير، — فما خطا نحوي خطوة، — كأنّما أراد أن يُطبِّق البيت تطبيقًا عمليًّا:
أنا للفراق والهجران: فذاك وحده ما نشترك فيه!
فلمّا انجلى الغبارُ عن ساحة النزال، — رأى أعلى فرسٍ دخلتُ الحربَ أم على حمار، — وعلم أيُّنا يبسط مِخلبه أوّلًا، — وأيُّنا يصرع صاحبه. — وأراد الوسطاءُ في تلك الأثناء — أن يُذهِبوا الجِدّ بالمُزاح، — فقلتُ: من نزل ساحةَ النزال — وحسِب نفسه لا يُجرَح، — فليس بعاقل — ولا يستطيبُ طعامي، — فإنّ لك فيّ خصمًا — وحشيَّ الطبع، — يطعن — ويكسر، — يصعق ويُرعد.
ثم ذكرتُ أنّ النبيّ قد قال: — «والصلحُ خير»، و«إن جنحوا للسِّلم فاجنح لها»، فأنشدتُ البيت:
خُذِ السِّلمَ وارضَ به فما نلتَ من أخطار الحرب إلّا الفزع.
474غير أنّه ظنّ بي المكر — وتركني واقفًا كأنّي قلتُ: كفى! —
ثم جُرِّبت محاولةُ صلحٍ أخرى: — كان أبو عليّ هو الذي جَرُؤ عليها؛ — فقد تكفّل بالأمر — ولمّا سألني أجبتُه بما يشتهي، — قلتُ: هذا اللقاءُ هو الذي أطلبه، — وهو الذي أسعى إليه — منذ نزلتُ بينكم. — أمّا أبو بكر فتمنّع — وتمخّط، — ولم يُغنِ عنه التمنّع، — فقد أحسنّا حصره في الزاوية — فجاء آخرَ الأمر، ذلك الجِلْف البليد، — في عِنادٍ لئيم، — يحفّ به حشدٌ — من ركّاب الحمير — ولابسي الأقبية، — كلُّهم على بَكرة أبيهم أوغادٌ كاملون. — وجالت أعينُنا في هذا الزحام — فحسِبنا — والسماءِ — أنّه يريد أن يُبيد جيشًا معاديًا — أو أن يُقيم مذبحة. — فلمّا رأيناهم ببطونٍ توشك أن تنفجر — ورؤوسٍ حليقةٍ ملساء — أدركنا أنّ هذا الاستعراض كلَّه — ليس ممّا يُخاف منه. —
فنهضتُ لاستقباله — فجلس على الديوان، — أمّا أنا فتركتُ غيظه ينساب، — وتركتُه يرمي سهام الضجر كلَّها من كِنانته — ثم لم أُخاطبه إلّا بعد ذلك، فقلتُ: — يا رجل الله — سكِّن روعك — واملِك خوفك، — وهدِّئ وثبتك — واكبح قفزتك، — لا ترقص من غير مِزمار، — ولا تَقدَحْ شررًا بلا سببٍ ولا داعٍ، — فإنّا حين دعوناك إنّما دعوناك — لنستفيد من علمك؛ — فأطلِق جوادك يجرِ — وأرِنا قوّة ذهنك. —
قال: وكيف ذاك؟ فقلتُ: أرِنا قوّة حفظك — أو نتساجل قوافيَ — أو نتبارز نثرًا، — فإن كان أحبَّ إليك اخترنا الارتجال. — فاختار
475الأخير — وكان البيتُ الذي جعلتُه مثالًا — من شعر المتنبّي:
ساهرًا ليلةً بعد ليلة؛ آهِ لمن سهرها مثلي! حيث فيضُ الدمع من العين لا يزيد الجَوى في الحشا إلّا اضطرامًا!
فبدأ أبو بكر من غير إبطاء — يُقفّي على ذلك كما يلي:
إذا ابتدأتُ ارتجالي رأيتُ الغضبَ يستيقظ فيك، وإن صقلتُ الشعرَ في مِضمار النظم رأيتُ ذلك يسوءك. وأنا إذا قلتُ الشعرَ قلتُه سريعًا، وأنت تقوله ثقيلًا غليظًا.
فانقطع به الخيطُ هنا، — أمّا أنا فبدأتُ بلا وَجَل:
رويدك يا صاحِ، خرجتَ إلى الحرب، بسيفٍ كليل، فأغمِدْه قبل أن يُضحَك منك، ينضب عندك القول ويفيض عندي، كأنّي أدفع لك عنه أُجرة. ومهما اشتدّت ضرباتي عليك فإنّي أحفظ حدود الأدب أبدًا. خُذ أقسى ما قلتُ: فهو مع ذلك يصون العِرض عن قصد. كفاك يا أحمقُ ما لحقك من عار، فالنارُ التي أضرمتَها هي التي تُحرقك!
فلمّا أحرقه لهيبُ هذه الأبيات — وضايقه وخزُها، — أخذ من الغيظ يُماري — في الفروع والصغائر، — فلمّا نسبه الجميعُ إلى الخطأ — وأعاروني تصفيقهم، — اشتدّ غضبه حتى نسي الأدب كلَّه — وكال لي من أخشن ما في مِكياله. — أمّا أنا فلزمتُ الصمت، — لأُري المجلس — أنّي أغلبُ نفسي — وأسلك طريق الحِلم. —
476وهذه المبارزةُ الأدبيّة بين الهمذانيّ الذَّرِب اللسان وخصمِه، وقد أوردناها هنا مختصَرةً اختصارًا كبيرًا في ترجمةٍ حرّة، قد طالت بعد ذلك طويلًا، غير أنّها تنتهي بطبيعة الحال بهزيمة الأخير هزيمةً مُخزية. وهي تُطلِعنا إطلاعًا حسنًا على حركة الأدب، ولهذا السبب لزم إيرادُها هنا، لِتُبيِّن إلى أيّ ضلالٍ انتهت آخرَ الأمر هذه الأمّةُ الموهوبةُ موهبةً عجيبة. فالنُّكتة، والذهن، وسرعةُ الجواب، وطلاقةُ اللسان نظمًا ونثرًا، ومع ذلك حافظةٌ جيّدة تستوعب عيون الأدب وتُعيدها متى شاء صاحبُها — تلك هي الخصالُ التي بها يلمع المرءُ عالمًا كبيرًا وأديبًا ظريفًا. وتحت مثل هذه الثقافة التي ليس منها إلّا ظاهرُها هلك كلُّ سعيٍ أعلى. وثرثرةُ الهمذانيّ والحريريّ الذكيّةُ المُلحة هي آخرُ وميضٍ للعقل العربيّ.
على أنّه لا يجوز لنا أن نُتمّ رسمنا لأحوال العلم والأدب من غير أن نُشير إلى أنّه، إلى جانب ما تقدّم الكلامُ عليه من فروع النشاط العقليّ والتأليفيّ، نشأ كذلك منذ وقتٍ مبكّر أدبٌ فنّيٌّ واسعُ الأرجاء في الصناعات والحِرَف المختلفة. وقد أُورِد في باب التجارة بعضُ ما يتّصل بالصناعة والزراعة، غير أنّه كان هناك كذلك، وليس بأقلّ، كتبٌ من كلّ ضرب في أشدّ فروع الكسب والحِرَف تنوّعًا. فقد كان هناك أدبٌ فنّيّ في السلاح وآلات الحرب، وفي فنّ النار والمكائن الحربيّة(1)، وفي البَيزَرة وجوارح الصيد، وفي السموم والعقاقير، وفي الجواهر والأحجار النفيسة، وفي صناعة الفولاذ، وفي الخَزَف الصينيّ، وفي الفِلِزّات (sojub)، وفي السحر وتعبير الرؤيا والكهانة بأنواعها، وفي الشعوذة والحِيَل.(2) والتوسّعُ في هذا هنا لا يُخرِجنا عن الحدّ فحسب،
Nota 1. الفهرست 314، 315 وما بعدها. Nota 2. أحسنُ ما في الشعوذة كتابُ الجَوْبَريّ، وقد عرّف به de Goeje تعريفًا مستوفًى في Zeitschrift der Deutschen Morgenländ. Gesellschaft.
477بل تُعوِزنا كذلك المادّة، فإنّه لم يبقَ من هذه الكتب إلّا القليل، إذ لم يكن لها إلّا اهتمامٌ عابر، ووُضِعت لدوائرَ ضيّقة، ولم تنعم قطّ بهالة العلم التي تخدع الجمهور، والتي لم يعرف خواءها إلّا القليلون.
وكذلك نشأ منذ وقتٍ مبكّرٍ جدًّا أدبٌ واسع في الموسيقى والغناء: فجُمِعت الأغاني والألحان، بل طُلِب تصنيفُها بحسب اختلاف النغم والمقامات؛ وفي الوقت نفسه عُنُوا بالموسيقى كذلك علمًا من العلوم، اعترفوا له بشأنٍ عظيم اقتداءً باليونان.(1)
ولمّا كنّا قد عالجنا الأدبَ الشعريّ المنظوم معالجةً مستوفاة، فلم يبقَ لنا هنا، ممّا يدخل في الأدب العامّ، إلّا أن نذكر كتب التسلية، والحكايات الرُّوائيّة، والخرافات، والأقاصيص، والروايات. وأمّا مجموعة «ألف ليلة وليلة» الفاتنة فيعرفها كلُّ أحد، وقد ثبت منذ زمنٍ طويل أنّها أُنشئت على مثال القصص الفارسيّ والهنديّ. وهي وحدها تكفي على كلّ حال لتكوين تصوّرٍ صحيح عن هذا الفرع من الأدب.
وقد نشأ أدبُ الحكايات الرُّوائيّة في بلاط الأمويّين بدمشق.(2) أمّا في عهد
Nota 1. يجد المرءُ تفصيل ذلك في Kosegarten: Alii Isphahanensis liber cantilenarum magnus, Greifswalde 1840. Nota 2. الأغاني XVI. 103, 108. قارن كتابي في Die Südarabische Sage p. 43. ولمّا رأى الأستاذ W. Ahlwardt في مقدّمة طبعته للشعراء الستّة أن يُبدي — بذلك العُجْب المرَضيّ الذي عُهِد من هذا العالم — ملاحظاتٍ قادحةً في أعمالي (القصيدة الحِميَريّة، والأسطورة العربيّة الجنوبيّة)، فإنّي مضطرٌّ إلى قول كلماتٍ للتصحيح هنا. فإن زعم الأستاذ Ahlwardt أنّ نَشوان ليس صاحبَ القصيدة، لأنّه لم يذكرها في موضعٍ من كتابه «شمس العلوم»، فليس في ذلك إلّا الدليلُ على تسرّع هذا العالم في عمله؛ إذ إنّ نسخة برلين من كتاب «شمس العلوم» I. 66 v.، في مادّة «بلقيس»، تنقل صراحةً الأبيات 44—46 من القصيدة الحِميَريّة. وأمّا الأسطورةُ العربيّة الجنوبيّة فقد جاءت الأعمالُ الحديثة منذ ذلك الحين مؤكِّدةً لنتائج بحوثي لا غير. فحكمُ الأستاذ Ahlwardt إذًا حكمٌ ذاتيٌّ محض، وهو أبعدُ ما يكون عن استحقاق الالتفات، إذ لم يعمل شيئًا في الميدان التاريخيّ.
478العبّاسيّين فقد ظهر ظهورًا بيّنًا عند أهل اليسار من سكّان بغداد والبصرة الميلُ إلى مثل هذا الغذاء الأدبيّ. فأُعجِبوا أوّلًا إعجابًا خاصًّا بخُرافات الحيوان الهنديّة، وبادروا إلى محاكاتها بالعربيّة، ثم جاءت الحكاياتُ الرُّوائيّة والخياليّة؛ ولعلّ أصل حكايات السِّندباد البحريّ يُطلَب بالبصرة. وسرعان ما نما هذا الأدب نموًّا هائلًا. غير أنّه لم يبقَ من عصر ازدهار الخلافة شيءٌ يُذكَر سوى القسم الأقدم من حكايات «ألف ليلة وليلة». أمّا «سيرة عنترة» الكبرى فهي في رأيي، على الصورة التي وردت بها في طبعة بيروت، قد نشأت في زمن الحروب الصليبيّة، وكذلك روايتا «ذات الهمّة» و«سيف بن ذي يزن»، وقد ظهرت للأخيرة ترجمةٌ فرنسيّةٌ شائقة حقًّا. وفي هذا الزمن نفسِه تقريبًا ينبغي أن يقع نشوءُ «قصّة بني هلال»، تلك القبيلةِ البدويّة التي اقتحمت شمال إفريقية من ناحية مصر في منتصف القرن الحادي عشر لتاريخنا(1)، وهو حدثٌ صِيغ بعد تزويقٍ شعريّ روايةً واسعة(2)، لم تُتَح لي معرفتُها عن قرب. ومن هذه البدايات نشأت الروايةُ التاريخيّة، حيث تُعالَج الوقائعُ الحقيقيّة معالجةً رُوائيّة، مثل تاريخ الفتوح الأولى المنسوب إلى الواقديّ المنحول، أو تاريخ الخليفة الفاطميّ الحاكم.(3)
Nota 1. قارن Geschichte der herrschenden Ideen des Islams p. 404. Nota 2. ابن خلدون: التاريخ العامّ VI. 18. Nota 3. يوجد مجلّدٌ منه في المكتبة الإمبراطوريّة بفيينّا.
479ولا تزال آحادٌ من هذه الكتب («عنترة»، و«ذات الهمّة»، و«بنو هلال») تنعم بقبولٍ عظيم إلى اليوم، وقد صارت كتبًا شعبيّةً حقًّا.
وسيلزم زمنٌ طويل وعملٌ كثير حتى يستطيع المرءُ أن يُطِلّ على هذا الميدان الشائق من الأدب العربيّ إطلالةً واثقة كإطلالته اليومَ على الميدان التاريخيّ والجغرافيّ.
وقد دفع النشاطُ الأدبيّ والعلميّ منذ وقتٍ مبكّرٍ نسبيًّا إلى اجتماع حلقاتٍ صغيرة من الأدباء والعلماء. فقد عرفنا من قبلُ نادي التقدّم الحرّ الفكر بالبصرة، وقد بقي لنا كتابٌ من الواضح أنّه خرج من اتّحاد جماعةٍ من الرجال العلماء المجدّين. أعني ما يُسمّى «رسائل إخوان الصفا»، وهي مجموعةٌ من المذكّرات العلميّة تستوعب ميدان العلوم الطبيعيّة والفلسفة كلَّه على ما كان مطروقًا يومئذٍ.(1)
وإلى جانب مثل هذه الجمعيّات الخاصّة بين المتوافقين، كانت المساجدُ خاصّةً مُلتقى المساعي الدينيّة والعلميّة جميعًا، وفيها نشأت أوّلُ دُور التعليم والمدارس. وما كان الاجتماعُ فيها لمذاكرة المسائل العلميّة وحدها، بل السياسيّةِ كذلك. هنا كان يجلس هذا العالمُ أو ذاك على الأرض المفروشة بحصيرٍ من الأسَل أو ببساط، مستندًا إلى سارية من السواري الحاملة للسقف، فتتكوّن حوله حلقةٌ من السامعين والأصدقاء والمعارف. وكذلك الأمرُ إلى اليوم في مساجد المدن الكبرى بالشرق، وعلى هذا النحو تُلقى الدروسُ في جامع القاهرة الأعظم إلى هذه الساعة. وإن شُرِح متنٌ وُضِع الكتابُ على كُرسيٍّ قائمٍ أمام الأستاذ؛ فيقرأ
Nota 1. تصدّى الأستاذ Dieterici للمهمّة الشاقّة، مهمّةِ إخراج هذه المجموعة بالألمانيّة.
480المتنَ بنفسه ويشرحه شفاهًا، أو يقرأ أحدُ التلاميذ ويُعلّق الأستاذُ على ذلك. وكان لغير واحدٍ من هؤلاء الأساتذة في الزمن القديم حلقةٌ كبيرة من السامعين. وكان التعليمُ بغير أجرٍ البتّة، ولم يكن المعلّمون يأخذون أجرًا إلّا على تعليم الصبيان في مكاتب الكتابة والقراءة، فإنّ هذه المدارس الدنيا (الكُتّاب) كانت خاصّةً محضة، والمعلّمُ يتّخذ تعليم الصبيان كسبًا للعيش.
وفي الزمن الطيّب كان يُدرَّس في المساجد لا العلومُ الدينيّة الصِّرفة وحدها، بل العلومُ اللغويّة المتّصلة بها كذلك، بل بعضُ العلوم الفلسفيّة والرياضيّة.
غير أنّه سرعان ما نشأت دُورُ تعليمٍ مستقلّة، هي ما يُسمّى المدارس، أي الكلّيّات أو أكاديميّات التدريس. ويبدو أنّ الباعث الأوّل على إنشاء هذه الدُّور لم يكن اكتظاظَ المساجد بكثرة الطلبة وصرفَها بذلك عن غرضها الأصليّ بيوتًا للصلاة فحسب، بل الأرجحُ أن تُطلَب العلّةُ في أنّه، مع تزايد الميل إلى الدراسات العلميّة، تكوّنت طبقةٌ كبيرة من العلماء لزمها يومئذٍ — كما يلزمها اليوم — أن تُجرِّب التجربة المُرّة: أنّ كسب الخبز بالعلم المجرَّد عسير. فلكي يُقام لمثل هؤلاء الرجال عيشٌ آمنٌ من الهمّ، ويُمكَّنوا من التفرّغ لفنّهم كلَّ التفرّغ، وكذلك لكي يُعان الراغبون في التعلّم على دراستهم، نشأت تلك السنّة الجميلة: إنشاءُ المدارس. وأُنشئت أوّلُ دارٍ من هذا القبيل ببغداد سنة 383هـ (993م)(1)؛ ونشأت أخرى سنة 400هـ
Nota 1. ابن الأثير IX. 71. وبحسب السيوطي: حسن المحاضرة II. 141 كان نظامُ الملك، الوزيرُ الأوّل للسلطان ألب أرسلان، هو الذي بنى أوّل مدرسةٍ ببغداد سنة 457هـ.
481(1009–10م) بنيسابور، وسرعان ما تكاثر عددُها، فأُنشئت في المدن الكبرى كلِّها معاهدُ شبيهةٌ بها. وكان بناءُ المدرسة وإجراءُ ما يلزمها من دخلٍ عليها بالأوقاف يُعَدّ عملًا صالحًا يُؤجَر عليه صاحبُه، ومن ذلك الدخل تُنفَق نفقاتُ الصيانة، ورواتبُ المدرّسين، ومَنَحُ الطلبة كذلك؛ بل كثيرًا ما وجد فيها السُّكنى والطعامَ بغير عِوَضٍ لا المدرّسون وحدهم، بل الطلبةُ أيضًا. وكانت المدارسُ نُزُلًا طبيعيًّا خاصّةً للأدباء الجوّالين والعلماء المرتحلين. ولم تخلُ واحدةٌ منها قطّ من مُصلًّى ومن خزانة كتب.
وتبدو المدرسةُ ظاهرةً للعيان من مَنظرها الخارجيّ، فهي تُبنى في العادة بالحجر المنحوت، وفوق بابها كتابةُ الوقف منقوشةً في الحجر؛ وداخلُها في الأكثر قاعةُ صلاةٍ أمامها صحنٌ مكشوف، يشغل وسطَه حوضُ ماءٍ كبيرٌ مرفوع؛ وحول هذا الصحن، وهو محفوفٌ بالأروقة في كلّ حال تقريبًا، تمتدّ الأبنيةُ الملحقة، وفيها حُجُراتٌ صغيرة تنفتح على الصحن، وفيها يسكن المدرّسون والطلبة؛ وثَمّ أماكنُ أخرى تُتّخذ قاعاتٍ للدرس أو لحفظ خزانة الكتب. ولمدارس القاهرة في أكثر الأحوال في الطبقة العليا قاعةٌ مفتوحة بنافذةٍ مزدوجةٍ مَعقودة، ترتكز على عمودٍ في الوسط. وتُسمّى هذه الشُّرفة «المَنظَرة»، ويبدو أنّ هذا النمط من البناء كان مألوفًا ببغداد أيضًا.
482ولم تكن تُمارَس في المدارس الدراساتُ الدينيّة وحدها، بل كان في المدن الكبرى — دمشق والقاهرة وبغداد — مدارسُ يُدرَّس فيها الطبّ، وكان في مدرسةٍ بالمدينة الأخيرة كرسيٌّ خاصٌّ لعلم اللغة العربيّة.(1)
ويذكر مُخبِرٌ ليس بالموثوق كلَّ الثقة أنّ أوّل من أنشأ البيمارستان هو الخليفةُ الوليد الأوّل.(2) ويبدو أنّ البيمارستانات قامت ببغداد منذ وقتٍ مبكّر. وفي عهد المقتدر كان طبيبٌ نصرانيّ (سنان بن ثابت) قيّمًا على بيمارستانات العاصمة كلِّها. وأنشأ الخليفةُ نفسُه (306هـ، 918–19م) بيمارستانًا جديدًا فخمًا كانت نفقتُه مئتَي دينارٍ في الشهر(3)، كما فرض على الأطبّاء امتحانًا إلزاميًّا يُجريه ناظرُ البيمارستانات المذكور، فلا يأخذ الإجازةَ إلّا من نجح في ذلك الامتحان.(4) ولم يشأ سلاطينُ بني بُوَيه أن يتخلّفوا، فأقاموا هم أيضًا بيمارستانات في العاصمة.(5) واحتُذي هذا المثالُ في مدنٍ أخرى.(6) وكانت الدراساتُ الطبّية تُرعى في هذه المؤسّسات جميعًا في الوقت نفسه.
ولنهوض الدراسات الفلكيّة بُنيت المراصد. فأمر المأمونُ بإقامة مرصدٍ فلكيّ ببغداد، وكان ثَمّ مرصدٌ خاصّ يُنسَب إلى بيت بني الأعلم؛ وقام آخرُ على الحدّ الشاميّ بالرقّة، وأنشأ الحاكمُ بالقاهرة مرصدًا.(7) أمّا مرصدُ مَراغة الذي اشتهر فيما بعدُ فلم ينشأ إلّا في عهد الإمبراطور المغوليّ هولاكو.
Nota 1. تولّى هذه الوظيفة اللغويُّ الجَواليقيّ. Nota 2. الثعالبي: اللطائف 13. Nota 3. قارن ابن تغري بردي II. 203. Nota 4. ابن أبي أُصَيبِعة Fol. 133. Nota 5. ابن الأثير IX. 12. ابن خلّكان في مادّة: عضد الدولة. Nota 6. المقريزي: الخطط II. 405. Nota 7. فوات الوفيات II. 189، في ترجمة نصير الدين الطوسي.
483وأخيرًا نريد أن نذكر خزائن الكتب. يُقال إنّ أوّل مجموعةٍ عامّة للكتب نشأت ببغداد سنة 381هـ.(1) على أنّ المأمون كان قد أنشأ قبل ذلك مَجمعًا علميًّا (يُسمّى بيت الحكمة) اقترنت به مجموعةُ كتبٍ كبيرة. واحتُذي هذا المثالُ عند حاكمٍ فاطميٍّ بمصر، أُنشئت في عهده بالقاهرة «دارُ العلم».(2) وقُبَيل الدمار الذي أنزله المغولُ ببغداد كان فيها ستٌّ وثلاثون خزانةَ كتبٍ لا أقلّ.(3) وأمّا أنّ المدن الإسلاميّة الأخرى لم تُعوِزها كذلك خزائنُ الكتب فيدلّ عليه ما تقدّم من خبر خزائن مَرْو.
ويروي رحّالةٌ من أهل تلك البلاد في ذلك الزمان، وهو المقدسيُّ الذي كثُر ذكرُه، أنّه وجد برامهُرمُز خزانةَ كتبٍ لا تختلف اختلافًا يُذكَر عن خزانة البصرة، إلّا أنّ هذه الأخيرة أكبر وفيها كتبٌ أكثر. وكان على خزانة رامهُرمُز عالمٌ يُلقي في الوقت نفسه دروسًا في علم الكلام على مذهب المعتزلة.
ووجد الرحّالةُ نفسُه خزانةً كبيرةً أخرى بشيراز، في قصرٍ بناه أميرٌ بُوَيهيّ؛ ويُوصَف البناءُ بأنّه من أفخم أبنية ذلك الزمان وأوسعِها، وكان فيه بضعُ مئاتٍ من الحُجُرات. ويصف المقدسيُّ الخزانة على هذا النحو: تشغل مجموعةُ الكتب قسمًا خاصًّا من البناء. وفيها ناظرٌ وخازنٌ ومُشرِف، يُختارون من وجوه أهل المدينة. وقد زوّد الواقفُ نفسُه الخزانةَ بكتبٍ من كلّ ضرب. والقاعةُ الكبرى موضعٌ طويلٌ مَعقود، قائمٌ في
Nota 1. ابن الأثير IX. 246. Nota 2. المقريزي: الخطط I. 458. Nota 3. Reinaud: Introduction à la Géogr. d’Aboulfeda CXLII.
484صُفّةٍ كبيرة (أي مِسطبةٍ مبنيّةٍ من ثلاث جهات). وعلى كلّ جانبٍ من جوانب القاعة خزائنُ مركَّبةٌ في الجدار، على قامة الرجل وثلاثةِ أذرعٍ عرضًا؛ والخشبُ مُزَيَّنٌ بالألوان والذهب، وفيها الكتبُ مصفوفةٌ بعضُها فوق بعضٍ على ألواحٍ مُعترضة. ولكلّ فنٍّ من فنون الأدب خزانتُه، ولكلّ خزانةٍ فهرسُها الذي تُقيَّد فيه الكتبُ على التحديد؛ ولا يُؤذَن بالدخول إلّا لأهل الهيئة الحسنة.(1)
ولم يكن الناسُ يدرسون في خزائن الكتب فحسب، بل يبدو كذلك أنّها كانت مُلتقًى محبوبًا للعلماء والأدباء وأهل الظَّرف، وأنّ المذاكرات والمناظرات العلميّة كانت تجري فيها. ويُصوِّر لنا الحريريُّ في مقاماته (المقامة الثانية) مشهدًا في خزانة كتب بلدة حُلوان، حيث يُقلِّب أحدُ القُرّاء ديوان أبي عُبادة، فينتهز أبو زيدٍ الأديبُ الجوّال هذه المناسبة ليُظهِر مهارته في الارتجال.
Nota 1. يذهب الدكتور Sprenger إلى الظنّ بأنّ «الفهرست» الذي نشره الأستاذ Flügel هو فهرسُ خزانةٍ من هذا القبيل.
485أسباب الانحطاط
—
إذا نظرنا إلى الوراء في صورة الحضارة الإسلاميّة كما تبدو في جملتها، وجب قبل كلّ شيءٍ أن يستوقفنا ذلك الاتّصالُ الوثيق بين المدنيّة وبين الأسس المادّية لحياة الشعب والدولة. فتبرز لنا واضحةً لا يشوبها شكٌّ حقيقةُ أنّ الحضارة العليا — وكم يودّ المرءُ أن يَرُدّ نشأتها إلى فعل القوى الروحيّة وحدها — إنّما تنمو صاعدةً على أرض الأحوال الاجتماعيّة والاقتصاديّة قبل كلّ شيء. والشرطُ الأوّل لذلك اجتماعُ جماهيرَ كبيرةٍ من الناس في مساكنَ ثابتة، وما ينشأ عن ذلك من تلقاء نفسه في مثل تلك المراكز من تدفّق الأموال، ومنه ينبع اليَسارُ والغنى والتَّرَف.
فالمدنُ الكبرى مهدُ الحضارة. وأمّا ما كانته مكّةُ ودمشقُ وبغدادُ في تاريخ حضارة الشرق الإسلاميّ فبيّنٌ ممّا تقدّم من صُوَر. لقد كانت هي المواقدَ الحقيقيّة والبؤرَ لذلك الازدهار العالي للحياة العقليّة والمادّية، وهو ازدهارٌ لم يبلغ الشرقُ مثلَه بعد ذلك قطّ، وقد اعتاد الناسُ أن يفهموه تحت اسم المدنيّة العربيّة، والأصوبُ أن تُسمّى المدنيّة السَّرَسينيّة (saracenisch). فإنّ العرب وإن كانوا قد أسّسوا دولة الخلافة، وملكوا أكبر
486جزءٍ من البلاد القابلة يومئذٍ للحضارة، فما كان العربُ الخُلَّص وحدهم بحالٍ هم الذين أدّوا هذه المهمّة التاريخيّة العالميّة، بل صدرت مدنيّةُ دولة الخلافة قبل كلّ شيءٍ عن ذلك الجنس المختلط الذي نشأ بالمدن الكبرى وبما وقع فيها شيئًا فشيئًا من امتزاج العرب بالشعوب المغلوبة. وكانت اللغةُ العربيّة، وقد صارت لها السيادةُ في الدولة كلِّها، رِباطًا جامعًا يُيسِّر انتقال الأفكار؛ ونبت في ازدهارٍ استوائيّ أدبٌ قلّما عرفت اليونانُ ورومةُ مثله في هذه الغزارة؛ وقامت في المدن الكبرى دُورُ العلم والكلّيّاتُ والمجامعُ وخزائنُ الكتب والمراصدُ والبيمارستانات، ووجد كلُّ سعيٍ عقليٍّ فيها رعايةً حثيثة.
ومنذ عهد أوائل العبّاسيّين وثب ولاةُ بعض الأقاليم إلى مرتبة أشباه المستقلّين، وصار بعضُهم مؤسِّسي دُوَيلاتٍ صغيرة، بقيت أوّل الأمر في حمى الخلفاء وذمّتهم، ثم سرعان ما بقيت رغم أنفهم وعلى ضررهم. فتكاثرت بذلك مراكزُ الحركة. وهذا التحلّلُ، وقد ظهر أوّلَ ما ظهر في البلاد الواقعة على أطراف الدولة، سرعان ما بان بيانًا أشدّ ومضى لا يقف له شيء. وعلى مسارٍ شبيهٍ بهذا كلَّ الشَّبَه — نضرب مثلًا من الحاضر — تدين مصرُ وتونسُ بمكانتهما المستقلّةِ عن الحكومة المركزيّة بالقسطنطينيّة استقلالًا يكاد يكون تامًّا.
وبينما لم يكن في الزمن الأوّل إلّا عددٌ محدود من المدن صاحبةِ الكلمة، نرى دائرتها بعد ذلك تتّسع شيئًا فشيئًا. فكسبت المدنيّةُ السَّرَسينيّة بذلك مواطئَ ومُجتمَعاتٍ أكثرَ فأكثر. وأمّا ما كان عليه نشاطُ العقول والنَّهَمُ إلى التحصيل الأدبيّ في عصر ازدهار الإسلام من حيويّة، وما كان للدرس
487والأدب من سلطانٍ عظيم على النفوس، فأحسنُ ما يدلّ عليه تلك السرعةُ الخُرافيّة التي ضربت بها لغتُهم وأدبُهم وشعرُهم وعلومُهم بجذورها حتى في بلادٍ من أجناسٍ غريبة، حيث ثبتت أقدامُ الفاتحين العرب. وليس بعد إسبانيا وفارس بلدٌ يظهر فيه ذلك أوضحَ منه في صقلّية. ففي مدّةٍ قصيرةٍ لا تُصدَّق تعرّبت هذه الجزيرةُ في أكثرها، وازدهرت في مدنها — ولا سيّما بَلَرْم، وهي مقرّ الحكم العربيّ — حضارةٌ عربيّةٌ خالصة، أو سَرَسينيّةٌ إن شئت، وسرعان ما أخذت صقلّيةُ تُخرِج عددًا معتبَرًا من العلماء والشعراء، وقد صنع غيرُ واحدٍ منهم لنفسه بأعماله اسمًا مُشرِّفًا، ويُذكَر في تاريخ الأدب العربيّ بنسبة «الصِّقِلّي»، أي الصقلّيّ.
وهكذا بدا أنّ المدنيّة المشتركة تُمسِك ما تصدّع سياسيًّا، ووجدت لا مركزيّةُ الدولة في ذلك كابحًا جزئيًّا. غير أنّا إذا وازنّا بين المنافع والمضارّ هبطت الكفّةُ إلى جانب هذه الأخيرة.
نعم، كان لكلّ أميرٍ من الأمراء وأصحابِ الإقطاع بلاطُه، وشجّع كثيرون منهم الفنّ والعلم، كغير واحدٍ من حُكّام بيت بُوَيه، وآحادٍ من الفاطميّين، وغيرِهم كثير. وكانت في العواصم خزائنُ كتبٍ كبيرة يستطيع فيها غيرُ عالمٍ أن يعكف على درسه في هدوء، بعيدًا عن ضجيج الدنيا. فببُخارى درس ابنُ سينا في خزانة الكتب الكبرى هناك.
وفي بلاط حاكم خُوارِزم وفي كنف رعايته السامية عاش البيرونيُّ المشهور، وأجرى بالجُرجانيّة — في خانيّة خِيوَة اليوم، وقد صارت منذ ذلك الحين مقرَّ أعظم البربريّة — أبحاثه في الوزن النوعيّ للمعادن. وللسلطان السلجوقيّ سنجر (1117–1157م) ألّف عالمٌ آخر «كتاب ميزان
488الحكمة»، وهو رسالةٌ تبني على أبحاث البيرونيّ، وموضوعُها نظريّةُ الثِّقَل وصناعةُ الموازين المختلفة المُعَدّة للأرصاد العلميّة. وأعمالٌ أخرى كثيرة، أُلِّفت بأمر أمراءَ بأعيانهم أو أُهديت إليهم لأنّهم أجروا على مؤلِّفيها صِلاتهم، تُقيم الدليل على أنّ اللامركزيّة السياسيّة رفعت من النشاط الأدبيّ والعلميّ.
على أنّه لا يجوز إغفالُ المضارّ: فتلك الدُّوَل التي نبتت سريعًا في كلّ مكان لم تستطع — إلّا في القليل النادر — أن تثبت زمنًا طويلًا، واختفت في الأكثر بالسرعة نفسِها، وبالعنف نفسِه مع الأسف، الذي به نشأت. ومضى التحلّلُ إلى غير نهاية، فبين سلطناتٍ كبرى معدودة قام عددٌ كبير من صغار المتغلّبين، بعضُهم مستقلٌّ تمامًا وبعضُهم نصفُ مستقلّ، بارونات لا سلطان عليهم إلّا سلطانُ الدولة، يحكمون من معاقلهم الحصينة ما حولهم من الأرض ويمتصّونه، في عداوةٍ دائمة بعضهم لبعض، فأهلكوا يَسارَ الجماهير. وهكذا انقلبت منافعُ اللامركزيّة إلى ضدّها، وحلّت الفوضى محلَّها. وظهر الانحطاطُ الاقتصاديّ العامّ ظهورًا أشدّ فأشدّ، وضيّق على الحركة الحضاريّة حدودها شيئًا فشيئًا.
وإذا كان الفقرُ وما يزيد به من اضطراب الأحوال الاجتماعيّة أبينَ ما يكون في هذه الأزمنة الأخيرة، فلا يجوز مع ذلك أن نظنّ أنّ بدايات هذا الهبوط البطيء لم تكن محسوسةً قبل ذلك بكثير.
لقد أثقلت دولةُ الخلافة أهل الملل الأخرى بضرائبَ ثقيلة، غير أنّ بساطة قانون الضرائب، ورفعَ كلّ عائقٍ أمام الحركة — من المكوس الداخليّة والرسوم المحلّية ومكوسِ الطرق — قد شجّع تبادل السلع وأنعش التجارة. على أنّ هذه المنافع سرعان ما عكّرتها الحروبُ الحزبيّة الداخليّة، الدينيّةُ
489والسياسيّة، وقد خرّبت أقاليمَ بأسرها. ومن غير أن يسعني هنا الدخولُ في تفاصيل التاريخ السياسيّ، أرى أن أُشير فقط إلى تلك الصُّوَر التي يُقدِّمها واحدٌ من أقدم الكُتّاب وأحسنِهم اطّلاعًا لأحوال العراق، كما تكوّنت في أواخر الدولة الأمويّة نتيجةَ الحروب المتّصلة بين جند الحكومة والخوارج، وكذلك المعاركِ الدمويّة بين سائر الأحزاب. تظهر الأوبئةُ المُهلِكة فتحصد أعدادًا كبيرة من الناس، ويُضاف إلى ذلك المجاعةُ والغلاء، وتجوب البلادَ عصاباتُ قُطّاع الطرق واللصوص والخنّاقين الذين يخنقون بالأُنشوطة المسافر الآمن ليسلبوه، وبلغت الشدّةُ في المدن مبلغًا أُكِل معه لحمُ الإنسان.(1)
نعم، انتهت هذه الأحوال بجلوس العبّاسيّين على العرش، إذ حفظ حُكّامُ هذه الدولة النظام بيدٍ قويّة، وبفضل الأموال التي انصبّت على بغداد وسامرّاء لتتوزّع منهما في قنواتٍ لا تُحصى، بلغ هذا الجزءُ من الدولة على الأقلّ سريعًا ازدهارًا عاليًا ويسارًا من جديد.
ومع ذلك لم يكفّ الطاعونُ والمجاعة عن التكرار؛ ولمّا كانت هذه الظاهرةُ بالغةَ الأهمّية من الوجهة الحضاريّة التاريخيّة، فإنّي أُثبِت هنا جدولًا جمعتُه من المصادر، وسيكون مَدعاةً لبعض النظرات المفيدة.
Nota 1. الجاحظ في «كتاب الحيوان» Fol. 67 v. وما بعدها 106 r. ويبدو أنّ عصابات الخنّاقين عاثت خاصّةً في زمن ثورة المغيرة بن سعيد على الأمويّين، حيث سادت العراقَ أعظمُ فوضى. قارن ابن قتيبة p. 300، وهو يَعُدّ الخنّاقين من أتباع أبي منصور الكِسْف.
490هجريّ — ميلاديّ
17هـ (638م). مجاعةٌ في الحجاز (الذهبي).
18هـ (639م). طاعونُ عَمْواس، ينتشر من فلسطين إلى الشام والعراق كذلك. يُقال إنّه حصد نحو 25,000 نفس. (الذهبي، ابن الأثير).
50هـ (670م). طاعونٌ بالكوفة (ابن الأثير، ابن تغري بردي).
65هـ (684–5م). طاعونٌ بالبصرة، وهو المسمّى العامّ (الطاعون الجارف، ابن الأثير).
66هـ (685–6م). وباءٌ بمصر (الذهبي).
69هـ (688–9م). طاعونٌ عامّ (الأغاني، XI, 124، ابن قتيبة)، وبالبصرة كذلك (الذهبي).
70هـ (؟ 689–90م). وباءٌ بمصر (الذهبي).
79هـ (698–99م). طاعونٌ بالشام (الذهبي، ابن تغري بردي، ابن الأثير).
80هـ (699–700م). طاعونٌ عامّ بالشام والعراق والجزيرة ومصر والحجاز (المسعودي V, 384).
86هـ (705م). طاعونٌ بالشام والعراق، وخاصّةً بمدينتَي واسط والبصرة (طاعون الفتيات أو القَيْنات، ابن قتيبة، ابن الأثير).
87هـ (706م). طاعونٌ جارف بالبصرة (ابن الأثير وحده).
100هـ (؟ 718–9م). طاعون (ابن قتيبة).
107هـ (725–6م). طاعونٌ ووباءٌ في الماشية بالشام (Goeje: Fragm. 89).
108هـ (726–7م). طاعونٌ بالشام (ابن الأثير).
114هـ (732–3م). طاعونٌ بواسط (ابن الأثير).
115هـ (733م). طاعونٌ بالشام (ابن تغري بردي).
116هـ (734م). طاعونٌ بالعراق، وخاصّةً بواسط (ابن تغري بردي).
126هـ (؟ 743–4م). طاعونٌ ووباءٌ بإفريقية (ابن الأثير)، وبحسب ابن عِذاري سنة 129هـ، ودام سبع سنين.
127هـ (744–5م). طاعونٌ بالشام (ابن تغري بردي I, 338).
1. حديثُ افتراق الأمّة: يذكر كريمر «اثنتين وسبعين فرقة»، والمشهور في الرواية «ثلاث وسبعون». نُقل عددُه كما هو، وكذلك حكمُه بأنّ الحديث موضوع؛ فهو رأيه هو.
2. الأذانُ وسورةُ الإخلاص: يوردهما كريمر بترجمةٍ ألمانيّة، وقد أُعيدت هنا الصيغتان العربيّتان اللتان كان يترجم عنهما، لا صياغةً منّي. وكذلك «أصول» و«توحيد» أثبتهما كريمر بحروفٍ لاتينيّة (osul، tauhyd)، فأُبقيت بحروفها إلى جانب المقابل العربيّ صونًا لجهاز المصطلحات.
3. «الشروط التي كتبوها على أنفسهم في عهد عمر الأوّل» هي ترجمة Unterwerfungs-Urkunde عند كريمر، والمقصود بها الشروط العمريّة. و«عمر الأوّل» ترقيمُ كريمر للخلفاء، أُبقي على حاله.
4. حروفُ الحركات «a، i، o» على رسم كريمر الصوتيّ، وo عنده هي الضمّة. ولم تُترجَم إلى «فتحة وكسرة وضمّة» في المتن لئلّا يُفسَد نظامُ النقل الذي يقيم عليه كلامَه في نقط الإعجام بعد قليل.
5. «كتاب التصحيف للعسكري»: يرسمه كريمر Kitäb altaChyf، وهو رسمٌ مضطرب لِـ«التصحيف»؛ أُثبت العنوان على وجهه المعروف.
6. أحكامُ كريمر على النصّ القرآنيّ («فساد النصّ»، «أخطاء الكتابة والقراءة والحفظ»)، وعلى «بدعة الإسلام»، وعلى «الكِبْر البيزنطيّ» و«مدرسة التعصّب» عند النصارى، منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ وهي آراؤه هو، من مستشرقٍ نمساويٍّ من القرن التاسع عشر.
7. «السَّراسِنة» (Saracenen) اسمُ كريمر ووسطِه الأوروبّيّ للعرب المسلمين، أُبقي على حاله كما في سائر الكتاب.
8. سطرُ «v. Kremer, Culturgeschichte des Orients. Il. 26» وسطرُ «26*» ليسا من المتن، بل هما سطرا توقيع الملزمة، وقد أُبقيا كما هما بخطأ القراءة الآليّة فيهما (Il. بدل II.).
1. «تعاليم رجلٍ كواصل أو عمرو بن عُبَيد» (ص 412): في المطبوع «den Lehrern» أي «معلّمي»، وهو سهوٌ ظاهر عن «den Lehren» أي «تعاليم»، بدليل نظم الجملة وسياقها؛ أُثبت المعنى الذي يقتضيه السياق وسُجِّل الرسمُ هنا.
2. الخبرُ المنقول عن الواقدي في الحاشية الأولى من ص 417 مترجَمٌ عن صياغة كريمر الألمانيّة، لا عن نصٍّ عربيّ بين يديّ؛ وكذلك قولُ المؤرّخ القديم في ص 412 عن شيوع الكتب المترجَمة. ولم يُثبَت لهما لفظٌ عربيّ منسوبٌ إلى قائله.
3. «المنزلة بين المنزلتين» (ص 411): يترجمها كريمر بعبارةٍ وصفيّة («موضعٌ وسط بين الإسلام والكفر»)، فأُعيد المصطلحُ إلى أصله المعروف عند المعتزلة.
4. «السُّمَنيّة» (somanijjah): كذا يُثبتها كريمر مفسِّرًا إيّاها بـ«البوذيّين»، وهو تفسيرُه هو، أُبقي كما هو.
5. أحكامُ كريمر — أنّ تعاليم المعتزلة «منافرةٌ في أصلها لروح الإسلام»، وأنّ العامّة اتّخذت القرآن «معبودًا»، ووصفُه لأهل السنّة بـ«نظريّة الإيمان الوَجِلة» و«الجبريّة» — منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ وهي آراؤه هو.
6. المراجع الأوروبيّة (Hammer-Purgstall، Houtsma، Sprenger، Weil، Loth) وعناوينُ الكتب الأوروبيّة تُركت بحروفها اللاتينيّة صونًا لجهاز الإحالات.
1. النصّ المسوق بين الشرطتين في ص 418—419 («يقول كاتبٌ قديم…») منقولٌ عن صياغة كريمر الألمانيّة، وهو يُحيل عليه بحاشيةٍ إلى «ابن قُتَيبة ص 3»؛ لم يُثبَت له لفظٌ عربيّ منسوبٌ إلى ابن قُتَيبة، وإنّما تُرجم عن الألمانيّة، وأُعيدت فيه المصطلحاتُ التي كان كريمر يترجمها («أيّام العرب»، «بطن»، «فَخِذ»).
2. تاريخُ وفاة الهَمْدانيّ (ص 421): يُثبِت كريمر «384هـ، 945—6م»، وبين التاريخين تعارض؛ فسنة 384هـ توافق 994م، وسنة 945—6م توافق 334هـ. أُبقي ما في الأصل ولم يُصحَّح.
3. مولدُ البيرونيّ (ص 424): يقول كريمر إنّه وُلد «في شماليّ غربيّ الهند»، والمعروف أنّه من خوارزم. نُقل قولُه كما هو.
4. «أبو نصر Hirry» (ص 421): كذا رسم كريمر اسمَ راويه الحِمْيَريّ، ولم يتيسّر لي تحقيقُ صورته العربيّة على وجه اليقين، فأُبقي رسمُه اللاتينيّ ولم يُستنبَط له اسمٌ عربيّ.
5. أسماءُ الكتب أُعيدت إلى صيغها العربيّة المعروفة حيث كان كريمر يترجمها إلى الألمانيّة: «كتاب المعارف» (Buch der Kenntnisse)، «كتاب البلدان» لليعقوبيّ (Buch der Länder)، «تجارب الأمم»، «مروج الذهب» (Goldene Wiesen)، «كتاب التنبيه»، «القانون المسعوديّ».
6. في صفحات هذا المقطع من الأصل المصوَّر خربشاتُ حواشٍ وحروفٌ مبعثرة أنتجتها القراءةُ الآليّة («hy Fa»، «jäm NH Dh»، «1x x. A» وأمثالها) ليست من المتن في شيء، فلم تُنقَل. أمّا سطرُ «27*» فهو سطرُ توقيع الملزمة وقد أُبقي.
1. كلامُ المقدسيّ المسوق بين قوسين (ص 429—432) مترجَمٌ عن الصياغة الألمانيّة التي أوردها كريمر، لا عن نصّ «أحسن التقاسيم» العربيّ؛ فما فيه من ألفاظٍ عربيّة هو مقابلٌ اخترتُه للترجمة الألمانيّة، لا نقلًا عن أصل المقدسيّ. وقد أثبت كريمر نفسه بعض الألفاظ العربيّة بحروفٍ لاتينيّة (fakyh، sawyk) فأُعيدت إلى أصلها: «الفقيه»، «السويق».
2. أسماءُ الأعياد في هذا الكلام («عيد الينابيع»، «عيد السيّدة»، «عيد القدّيسة بربارة»، «عيد القدّيس سِرجِس») على ما سمّاها كريمر بالألمانيّة، ولم أُقابِلها بأسماءٍ عربيّةٍ مصطلحٍ عليها لأنّي لم أرجع إلى الأصل.
3. «10,000 درهم» و«12,000 مجلّد» كمّيّاتٌ فأُثبتت بالفاصلة، على خلاف السنين (590هـ، 617هـ) التي تُكتَب بلا فاصل.
4. بعضُ أسماء المواضع في طريق ياقوت مرسومةٌ على ما كتبها كريمر (Samalkän = سَمَلْقان، Shoborkän = شبُرقان)، ولم أُقحِم عليها ضبطًا لا يقوم عليه دليل.
5. حكمُ كريمر على ياقوت وأبي الفداء بأنّهما «جامعان» أصابتهما «الروح الضيّقة عند لغويّي العرب»، ووصفُه المتأخّرين بـ«الخَلَف المُنحَطّين»، منقولان كما هما بلا تلطيف؛ وهما رأيه هو.
6. سطرا «v. Kremer, Culturgeschichte des Orients. II. 28» و«28*» ليسا من المتن، بل هما من توقيع الملازم في أسفل الصفحة، وقد أُبقيا.
1. الحديثان في ص 437 («من خرج في طلب العلم…»، «من سلك طريقًا…») يوردهما كريمر بترجمةٍ ألمانيّة، وقد أُعيدت هنا الصيغتان العربيّتان المرويّتان المعروفتان اللتان كان يترجم عنهما، لا صياغةً منّي. وما بين القوسين («أي كالمجاهد في الحرب الدينيّة») تفسيرُ كريمر نفسه، لا زيادةً من المترجم.
2. «الإجازة» (Licenz) و«التشبيه» (Anthropomorphismus) و«صور الكواكب» (Uranographie) و«السند هند» (Siddhanta): أُعيدت المصطلحاتُ العربيّة التي كان كريمر يترجمها.
3. خبرُ عليّ بن أماجور في ص 444 مترجَمٌ عن صياغة كريمر الألمانيّة نقلًا عن Sédillot، لا عن نصٍّ عربيّ.
4. أرقامُ الأرصاد (23° 33′ 52″، 23° 35′، 16′) وأرقامُ الصفحات والأعداد في الحواشي أُبقيت على صورتها في الأصل، ولم تُعامَل معاملة الكمّيّات.
5. المراجع الأوروبيّة (Sédillot، Woepcke، Sprenger، Haneberg، Wüstenfeld، Hammer-Purgstall، Schjellerup) وأسماءُ الأعلام في صورتها اللاتينيّة (Alfraganus، Albategnius) تُركت بحروفها صونًا لجهاز الإحالات، مع إثبات الاسم العربيّ (الفَرغانيّ، البَتّانيّ) في المتن.
6. تاريخُ طبع كتاب Sédillot في الحاشية الأولى من ص 443 يرد في الأصل المصوَّر «1347»، وهو خطأُ قراءةٍ آليّة ظاهر عن 1847، وقد أُثبت على وجهه.
1. بيتا خالد بن يزيد في الكيمياء (ص 450) وقولُ المعرّي في «اللزوميّات» (حاشية ص 448) مترجَمان عن الصياغة الألمانيّة عند كريمر. أمّا نصّ المعرّي فقد أثبته كريمر نفسه منقولًا بالحروف اللاتينيّة، فأُبقي نقلُه كما هو ولم يُردَّ إلى الرسم العربيّ، إذ ردُّه إلى الحروف العربيّة إعادةُ بناءٍ لبيتٍ منسوبٍ إلى شاعرٍ بعينه، وليس ذلك من عمل المترجم.
2. النصُّ المنقول عن جابر بن حيّان (ص 451) مترجَمٌ عن الألمانيّة، وكريمر نفسه ينقله عن الفرنسيّة عند Hoefer، عن ترجمةٍ لاتينيّةٍ من القرون الوسطى؛ فهو على ثلاث وسائط، وأُبقيت عناوينُ الكتاب اللاتينيّة كما هي. وكذلك خبرُ صناعة الثلج (ص 453) مترجَمٌ عن الألمانيّة لا عن نصّ ابن أبي أُصَيبِعة.
3. المصطلحاتُ الفلكيّة والكيميائيّة الأوروبيّة التي لا مقابل عربيّ قديم مستقرًّا لها أُثبتت بمقابلٍ عربيّ مع الأصل بين قوسين (Evection «الإعواج»، Variation «التغيّر»)، صونًا للدقّة العلميّة.
4. «مِلح البارود اليمانيّ»: يكتب كريمر «Salpeter (shabb، ويُستعمَل اليوم للشَّبّ)»، أي إنّه يفهم اللفظ العربيّ على أنّه مِلحُ البارود في الأصل والشَّبُّ في الاستعمال المتأخّر؛ فأُثبت في المتن ما اختاره هو (Salpeter) وأُبقي تعليقُه كما هو من غير ترجيح.
5. «تاريخ الأطبّاء» لابن أبي أُصَيبِعة (Gesch. d. Aerzte) هو ترجمةُ كريمر لعنوان الكتاب، وهو «عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء»؛ أُبقيت صيغةُ كريمر ولم تُستبدَل بالعنوان المشهور.
6. الأرقامُ الفلكيّة (49½—50″، 50″,1، 37° 20′) والدرجاتُ والدقائق أُبقيت على صورتها في الأصل. و«78,000 سنة» كمّيّةٌ فأُثبتت بالفاصلة، على خلاف السنين (949—989، 992) التي تُكتَب بلا فاصل.
7. سطرُ «v. Kremer, Culturgeschichte des Orients. II. 29» ليس من المتن، بل هو سطر توقيع الملزمة، وقد أُبقي.
1. أسماءُ العقاقير التي يوردها كريمر بحروفٍ لاتينيّة (Sirop، Julep، Sief) أُبقيت كما رسمها، وأُثبت إلى جانبها ما ذكره هو من أصولها العربيّة: «شراب أو رُبّ»، «جُلّاب»، «شِياف».
2. «Chäraka»: أُبقي الاسمُ بحروفه اللاتينيّة كما رسمه كريمر؛ والمقصود مؤلِّفُ «الچَرَكَ» الهنديّ، غير أنّ صورته العربيّة المتّفق عليها غيرُ ثابتة، فلم يُستحدَث لها رسمٌ عربيّ. وكذلك «سُشروتا» و«آيورفيدا» نُقِلا صوتيًّا عن اللاتينيّة عند كريمر.
3. «Depression» في جراحة العين (ص 456) هي إنزالُ العدسة المُعتَمة، وهي «القَدْح» في مصطلح الكحّالين العرب، فأُعيد المصطلح إلى أصله.
4. «Corindon (Jäkut)» عند كريمر هو الياقوت؛ وقد فرّق هو بين Rubin (الياقوت الأحمر) وبين «ياقوتٍ لا لون له». وأسماءُ الأحجار الأخرى أُثبتت بمقابلاتها المعروفة في كتب الجواهر العربيّة: الدَّهنَج (Malachit)، واللازَورد (Lapis lazuli)، والفيروزج (Türkis)، والجمشت (Amethyst)، وحجرِ الدم (Blutstein)، واليَشْم (Jade)، واليَشْب (Jaspis). وأمّا Gagat فأُثبت «الغاغات» على لفظه، إذ لا يستقرّ له مقابلٌ عربيّ واحد، وأُبقي رسمُ كريمر «sabag» للسَّبَج (Obsidian) كما هو.
5. أرقامُ الحواشي في الأصل المصوَّر مشوّشة بأخطاء القراءة الآليّة: ترد علامةُ الحاشية الثانية في ص 454 «7)»، وعلامةُ الأولى في ص 456 «!)». وقد أُثبتت الأرقام هنا على ترتيبها الصحيح في كلّ صفحة.
6. أحكامُ كريمر على «عقولٍ مجبولةٍ على التنطّع وتشقيق المسائل»، وعلى «عِناد أهل الكلام وقلّةِ فهمهم»، وعلى «الإيمان الأعمى» — منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ هي رأيه هو.
1. ما نُسِب إلى المعرّي (ص 463) — «اصنع الخير واصنعه لجماله…» و«افعل الخير للخير…» — منقولٌ عن الصياغة الألمانيّة التي أوردها كريمر، لا عن أصلٍ عربيّ. ولم يُثبِت كريمر لفظًا عربيًّا ولا رقمَ قصيدة، بل أحال على «اللزوميّات» بقافيتَيها فقط، فلم يُستَرَدّ للبيتين نصٌّ عربيٌّ منسوبٌ إلى الشاعر.
2. كذلك ما نُقِل عن ابن رشد (ص 463) وعن صاحب «رسالة حيّ بن يقظان» (ص 464) — مترجَمٌ عن الألمانيّة عند كريمر، لا عن الأصل العربيّ؛ وقد أحال في الثاني على «رسالة حيّ بن يقظان، ص 74» دون تسميةِ صاحبها (ابن طُفَيل أو ابن سينا).
3. مقامةُ بديع الزمان الهمذانيّ مع أبي بكر الخوارزميّ (ص 471 وما بعدها) يُوردها كريمر في ترجمةٍ ألمانيّةٍ مسجوعةٍ حرّة من إنشائه هو، ويُصرِّح فيما بعدُ بأنّه اختصرها اختصارًا كبيرًا وترجمها ترجمةً حرّة. والنصُّ المسجوع المُثبَت هنا ترجمةٌ عن سَجْع كريمر الألمانيّ، لا عن لفظ الهمذانيّ العربيّ؛ ولم يُعَد بناءُ الأصل العربيّ ولا نُسِب إليه.
4. أرقامُ الحواشي في الأصل المصوَّر مشوّشة بأخطاء القراءة الآليّة (ترد «')» و«?)» موضعَ «1)» و«2)»)، وقد أُثبتت هنا على ترتيبها الصحيح في كلّ صفحة.
5. السطر «2!» أسفل ص 463، والسطر «30*» أسفل ص 467، والسطر «v. Kremer, Culturgeschichte des Orients, 30» أسفل ص 465 — ليست من المتن، بل هي علاماتُ المَلازم في أسفل الصفحات، وقد أُبقيت كما هي بأخطاء القراءة الآليّة فيها.
6. حُذِفت من صدر ص 468 أسطرُ التشويش الآليّ («a»، «Ya»، «AanN») لأنّها ليست نصًّا.
7. أحكامُ كريمر في هذا الفصل — «تصوّفٌ لا مضمون له»، و«صعاليك الأدب»، و«ألاعيب البهلوانيّة المهنيّة»، ووصفُ الكسائيّ بالتمويه — منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ هي رأيه هو.
1. مقامةُ الهمذانيّ (ص 472–475) — ومنها كتابُه إلى أبي بكر الخوارزميّ، والأبياتُ المُنشَدة كلُّها — منقولةٌ عن الصياغة الألمانيّة المسجوعة الحرّة التي وضعها كريمر، لا عن لفظ الهمذانيّ العربيّ؛ وهو نفسُه يُصرِّح (ص 476) بأنّه أوردها «مختصَرةً اختصارًا كبيرًا في ترجمةٍ حرّة». فلم يُعَد بناءُ الأصل العربيّ ولا نُسِب إليه.
2. البيتُ المنسوب إلى المتنبّي (ص 475) والأبياتُ المنسوبة إلى أبي بكر الخوارزميّ وإلى الهمذانيّ مترجمةٌ كذلك عن نظم كريمر الألمانيّ، ولم يُذكَر لها أصلٌ ولا مصدر؛ فلم يُثبَت لها لفظٌ عربيٌّ منسوبٌ إلى شاعرٍ بعينه.
3. «بسم الله الرحمن الرحيم» و«الصلحُ خير» و«إن جنحوا للسِّلم فاجنح لها»: صِيَغٌ استُعيدت إلى أصلها العربيّ الذي كان كريمر يترجم عنه. على أنّ كريمر ينسب الأخيرتين إلى النبيّ، وهما من القرآن (النساء 128، والأنفال 61)؛ أُثبت كلامُه كما هو وسُجِّل الوهم هنا.
4. «sojub» (ص 476): أُبقي رسمُ كريمر كما هو، إذ لا يستقيم له مقابلٌ عربيٌّ مؤكَّد؛ وهو يُفسِّره بـ«الفِلِزّات».
5. أرقامُ الحواشي في الأصل المصوَّر مشوّشة بأخطاء القراءة الآليّة (ترد «')» و«?)» موضعَ «1)» و«2)»)، وقد أُثبتت هنا على ترتيبها الصحيح في كلّ صفحة.
6. حُذِفت من صدر ص 474 أسطرُ التشويش الآليّ («-»، «A»، «N») لأنّها ليست نصًّا.
7. أحكامُ كريمر — «هذه الأمّة الموهوبة موهبةً عجيبة» وقد انتهت إلى الضلال، و«آخرُ وميضٍ للعقل العربيّ»، و«هالةُ العلم التي تخدع الجمهور» — منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ هي رأيه هو. وكذلك حملتُه على الأستاذ Ahlwardt في الحاشية الثانية من ص 477 نُقلت بحدّتها.
1. جدولُ الأوبئة (ص 490 وما بعدها) يُثبته كريمر في عمودين: «A. H.» و«A. Ch.»، أي السنة الهجريّة والسنة الميلاديّة. وقد جُمِع العمودان هنا في سطرٍ واحد لكلّ سنة على صيغة «17هـ (638م)» جريًا على ما اطّرد في هذه الترجمة، مع حفظ التاريخين والمصادر بحروفها وأرقامها كما هي.
2. ترد قبل بعض السنين الميلاديّة في الأصل المصوَّر رقمٌ زائد («2689—90»، «2718—9»، «2743-—4») هو في الغالب علامةُ استفهامٍ في المطبوع أساءت القراءةُ الآليّة قراءتها؛ وقد أُثبتت هنا علامةَ استفهام «؟» على ما يقتضيه المعنى، ولم تُحذَف ولم تُقرأ رقمًا.
3. المصطلحاتُ التي يُثبتها كريمر بحروفٍ لاتينيّة في الجدول أُعيدت إلى أصلها العربيّ الذي كان يترجم عنه: tä‘un ‘Amwäs = طاعون عَمْواس، tä‘un gärif = الطاعون الجارف، tä‘un alfatajät / alkainät = طاعون الفتيات أو القَيْنات، wabä’ = وباء.
4. العدد 25.000 في الأصل الألمانيّ كمّيّة، فأُثبت «25,000» على قاعدة الفاصلة العشريّة في هذه الترجمة؛ أمّا السنون فبلا فاصلة.
5. «saracenisch» عند كريمر: يُميّزها هو عن «العربيّة» عمدًا، ويرى أنّها الوصفُ الأصوب لتلك المدنيّة؛ فأُثبتت «السَّرَسينيّة» مع اللفظ الأصليّ بين قوسين صونًا لقصده.
6. الأسطرُ «v. Kremer, Culturgeschichte des Orients. 1. 81» أسفل ص 481، و«81*» أسفل ص 483 ليست من المتن، بل هي علاماتُ المَلازم، وقد أُبقيت كما هي بأخطاء القراءة الآليّة فيها (والصوابُ فيهما 31 و31*).
7. أحكامُ كريمر — «خانيّة خِيوَة… وقد صارت مقرَّ أعظم البربريّة»، ووصفُ الجنس المختلط، وقولُه إنّ التسمية الأصوب «السَّرَسينيّة» لا «العربيّة» — منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ هي رأيه هو.