بورقه الرقيق الشفّاف، يؤلّف في الصحراء غُيَيضاتٍ صغيرة، يُحدِّد سائرَ طابعِها ذلك الشوكُ العجيب وضروبُ النبات ذات الحَسَك (العَوسَج، والسِّدر البرّيّ Paliurus، والعَرفَج، والأَلاء)، وفيها للإبل والمعز مَرعًى طيّب.
وكما تُبهِر الشمسُ بالنهار، كذلك يُشرِق القمرُ بالليل ومعه جيشُ الكواكب من تلك السماء الشديدة الزُّرقة بجلالٍ لا يوصف؛ فإذا خرج الحيوانُ من مكامنه، واختلط نداءُ طير الليل بعُواء ابن آوى وبضَحِك الضَّبُع القبيح الأبحّ، أو ضاعف صدى الجبال زئيرَ أسدٍ جائعٍ ونَمِرٍ عَطِشٍ إلى الدم، خُيِّل إلى السائر الوحيد أنّه يسمع أصوات عفاريت الصحراء، فيحثّ جَمَله على الإسراع، ويشتدّ قبضُه على الرمح والسيف ليلقى أهوال الليل في القفر بشجاعة. وأهوالُ السُّرى في الصحراء هذه من الموضوعات المحبَّبة إلى شعراء العرب الأقدمين. من ذلك ما جاء في شعرٍ قديم:(1)
أنا الجوّابُ لا أفتُر عن شِعاب الصخر،
تلك التي يغشاها النعامُ، وفَحيحُ الجنّ، والغِيلان.
كانت ليلةً حالكةَ السواد كالجواد الأدهم،
قد جُلِّلَت بجُلٍّ من القارِ واسعِ الأطراف.
سهرتُها ورفاقي تَخفِق رؤوسُهم قد غلبهم
النومُ، كما تميل تِيجانُ زهر الخِروَع.
ولئن أطلّت عليّ الظلمةُ كأنّها لُجّةُ البحر،
وصحراءُ لا آخِرَ لها، فيها من الأخطار ما يتّقيه كلُّ أحد،
Nota 1. ديوان الهُذَليّين، رقم 99، البيت 28.
345حيث يصيح البومُ، ويضلّ الدليلُ نفسُه،
ويخلط الخوفُ على السائر بصرَه.
غير أنّ أخطارًا أخرى تتهدّد السائرَ فوق ذلك، بمعزلٍ عن قُطّاع الطريق والقبائل المعادية: فكثيرًا ما يضطرب الجوُّ اضطرابًا عنيفًا من حرّ النهار الرهيب ومن تيّاراتٍ هوائيّة أبردَ تهبّ فجأةً، فتدفع العاصفةُ سُحُبًا هائلةً من الرمل تُثير بحرَ الرمال بقوّةٍ مُدمِّرة أمواجًا عالية، تتدحرج وتتقلّب ويصطدم بعضُها ببعضٍ ويركب بعضُها بعضًا، فتُهلِك كلَّ ما يعترض سبيلها. أو تُقبِل السُّحُبُ المشحونة بالكهرباء من الأفق في سرعة البرق فتستحيل بحرًا من نار، ينهمر منه المطرُ أو البَرَدُ انهمارَ الإعصار، فإذا مياهٌ هادرة تندفع فجأةً من مضايق الجبال الصخريّة ومن أخاديد الصحراء، تُخرِّب كلَّ ما يقع في طريقها، ثم تَغيض في الرمل بالسرعة نفسها.
في مثل هذه المشاهد الطبيعيّة، التي لا نظير لها في جمالها كما لا نظير لها في أهوالها، نشأ شعبٌ قويٌّ مفتولُ العَصَب، خصيبُ الخيال، معتدٌّ بنفسه — هو شعبُ القبائل العربيّة الشماليّة.(1) ولذلك كانت النظرةُ إلى الطبيعة، العميقةُ الشعورِ الحميمةُ، أبرزَ ما في أقدم ما عبّر به عن وجدانه شعرًا.
من ذلك وصفُ امرئ القيس لانهمار المطر:
قعدتُ مع الصَّحْبِ بين العُذَيبِ وضارِجٍ أرقُبُ البُعْدَ، أنظرُ إلى المطر.
فأفرغ يمينُ صَوبِه سَيلَه على قَطَن، وأفرغ يسارُه على يَذبُلَ والسِّتار.
Nota 1. «من لم يُكرِم نفسه لم يُكرِمه غيرُه» — يقول ذلك زهير XVI، البيت 57 من قبلُ. على أنّ الأشعار المنسوبة إليه مدخولةٌ جدًّا بالزيادات، غير أنّ فيها مع ذلك مواضعَ كثيرةً بالغةَ القِدَم.
346ثم جرف الماءُ عند كُتَيفةَ الزَّبَدَ والطين، وكبّ على وجهه جِذعَ البلّوطة العالية.
ومرّ أمامه وابلٌ على القَنان، فأنزل وُعولَ الجبل إلى السهل.
وأمّا بتَيماءَ فلم يترك جِذعَ نخلةٍ ولا بناءً إلّا ما كان من حجرٍ راسخ.
ورأيتُ ثَبيرًا في ذلك السَّيل كأنّه أميرٌ شيخٌ قد التفّ في بُردٍ مُخَطَّط.
وبدت أسنانُ صخر المُجَيمِر، وقد اشتبك بها غُثاءُ السيل، كأنّها الصوفُ الملفوفُ على المِغزَل.(1)
ولعلّ القطعة التالية أصدقُ من هذه في تصوير الطبيعة:
سحابةٌ ممدودةُ الذيل، تُطوِّق الأرضَ، وقفت ساكنةً تصبّ الماء،
تُبدي وَتِدَ الخيمة إذا خفّ صَبُّها، وتُغطّيه إذا أفرغت غزيرًا.
ورأيتَ العَظاءَ خبيرةً خفيفةً تُجذِّف بأكُفِّها ولا قرارَ تحتها.
وأطلّت الشُّجَيراتُ من الماء كأنّها رؤوسٌ مقطوعةٌ قد أحاط بها خِمار.(2)
ولا بدّ أنّ الشعب العربيّ الشماليّ كان بالغَ التأثّر بمثل هذه الانطباعات عن الطبيعة، فإنّ صُوَرًا كهذه مأخوذةً من حياة الصحراء والرَّعي هي الغالبةُ في أقدم الشعر وهي طابعُه المميّز. على أنّ ما يجري في حياة الحيوان والنبات قد استرعى الانتباه كذلك في وقتٍ مبكّر. فمن ذلك أنّ شاعرًا قديمًا من شعراء الطبيعة، وهو يندب فناءَ الأشياء الأرضيّة، يصف كيف أنّ العُقاب الهَرِم الساكن في الأجواء لا يُفلِت هو أيضًا من قدره؛ يصف العُقابَ يُطعِم فِراخَه في الوَكْر في عنايةٍ لحمَ الأرانب وقلوبَ الطير؛(3) ثم ينقضّ على ظبيةٍ فيصطكّ بحرف صخرةٍ فينكسر جناحُه، فيبقى ملقًى لا حيلة له، مُسلَمًا إلى مصيره.
Nota 1. امرؤ القيس XLVIII. 67 وما بعده. Nota 2. القطعتان كلتاهما عن Rückert: Amrilkais, der Dichter und König. قارن امرأ القيس XVII. 1 وما بعده. Nota 3. الصورةُ نفسها في ديوان امرئ القيس LII. 56.
347أمّا الفِراخ في الوَكْر فقد بقيت مهجورة، تصيح صياحًا عاليًا من الجوع كلّما سمعت هزيمَ الريح أو صرخةَ طائرٍ جارح: ولكن بلا جدوى، فتهلك هي أيضًا.(1)
ويُشبِّه آخرُ جملَه الذي يحمله في الصحراء بالظليم الشارد، خرج عن عُشّه يلتمس القُوت، فطاب له المُقام تحت شوك الصحراء المُرّ يتغذّى ببِزره، ثم يذكر ما خلّف من بيضه فيأخذ في العَدْو على ساقيه العاريتين من الريش.(2)
ولوصف أهوال الصحراء يُؤثِر الشعراءُ الإطالةَ في وصف الأفاعي السامّة التي تسكنها، وكانوا يُولَعون بربطها بالجنّ لما فيها من طبعٍ شبيهٍ بالأشباح.
ويصف عَلقمة سُراه ليلًا في الصحراء، فيقول إنّه لا يهديه سبيلَه في تلك القِفار الخالية من الأنيس إلّا الفَرقَدان، وذلك الدربُ الواسع الذي وطئته القوافل، ولا يزال يُعرَف أحيانًا على ظهور الآكام، وعليه هياكلُ الإبل التي سقطت من الإعياء، قد بيّضت الريحُ والمطرُ عظامَها في حين اسودّ الجلدُ وانكمش من لَفْح الشمس.(3)
على أنّ المشاهد الأخرى لا تنقص لتصوير حياة الصحراء تصويرًا مليئًا بالألوان. ويحلو للشعراء أن يَعرِضوا علينا حيوانَ الصحراء على اختلاف أصنافه: الظبيَ الشاردَ المذعورَ الذي ما إن يقع بصرُه على العدوّ حتى ينطلق كالريح ليلوذ بأمنع القِفار، أو ذلك الصنفَ الكبيرَ من الظِّباء الذي يسمّيه العربيّ البقرةَ الوحشيّة، أبيضَ البطن كالثلج، تعلوه نحو الظهر
Nota 1. ديوان الهُذَليّين، رقم 2، البيت 17 وما بعده. Nota 2. عَلقمة XII، البيت 17. Nota 3. المصدر نفسه II، البيت 18.
348صُفرةٌ مُشرَبةٌ بحمرة؛ وكثيرًا جدًّا ما يُشبِّه الشعراءُ جماعةً من الفتيات في خُمُرهنّ البيض بقطيعٍ من البقر الوحشيّ. ويحلو لهم كذلك، لوصف سرعة السير في الصحراء، أن يذكروا الطيران السريع لسِربٍ من طير القَطا، وهو ضربٌ من دجاج الصحراء يزعم العربُ أنّه يقصد المناهلَ طائرًا بالليل من أبعد الأصقاع وأقلِّها ماءً. وأمّا سرعةُ العَدْو فكان الحمارُ الوحشيّ خاصّةً هو الذي يُوصَف بأنّه لا يُبارى فيها، ولذلك أكثروا من وصفه وصفًا مُسهَبًا.
وكان صناديدُ الصحراء الأقدمون يُشبِّهون أنفسهم بالذئب، سالبِ القُطعان:
أغدو بعد زادٍ زهيد،
كذئبٍ أغبرَ ضامرٍ يجوب الوادي إلى الوادي،
يُصبِح طاويًا يستقبل الريحَ بأنفه،
ثم يهوي في شِعاب الجبال يلتمس ما ينهب.(1)
على أنّ أحبَّ ما كان يشغل البدويّ القديم دائمًا هو الحيوانان الأليفان اللذان لا غنى له عنهما: الفرسُ والجمل. فأمّا الأوّل فيُشَبَّه في السرعة بطيران القَطا أو بالسحابة تسوقها العاصفة. من ذلك أنّ شاعرًا يصف مطاردة البقر الوحشيّ فيقول: أبصرنا بقرًا وحشيًّا يرعى في الرمل، يمشي كالعذارى في ثيابٍ فاخرة الحواشي. وبينما نحن نتلبّث ونشدّ أعِنّة الخيل، وثبت نحونا صفًّا واحدًا كاللؤلؤ في السِّلك. فأرخى فارسٌ العِنانَ لجواده الواثق الطِّرْف، فانطلق كأنّه انهمارُ سحابةِ المساء الغزيرة.(2)
Nota 1. Rückert: الحماسة I. 182. Nota 2. عَلقمة I، البيت 32 وما بعده. وفي زهير XV، البيت 13 وصفُ صيدٍ جميل كذلك، غير أنّ الأصمعيّ يشكّ في صحّة نسبة القصيدة.
349وليست الصورُ الحيّة لحياة البادية والرَّعي بأقلَّ من ذلك: فرحيلُ القبيلة إلى مراعٍ جديدة، والوقوفُ على البئر، وما شاكل ذلك من المشاهد، تُصوَّر تصويرًا كثيرًا ما يكون ساحرَ النَّضرة حقًّا. من ذلك أنّ شاعرًا قديمًا يصف لنا ما عنده من زرعٍ وضَرْعٍ متواضع: «هيّا، إن لم تكن لك إبلٌ فاقنَعْ بالمعز، معزٍ لتُيوسها العتيقة قرونٌ كالعِصِيّ؛ ترعى مَربَع الربيع من السِّتار إلى غِسْل تحت انهمار مطر الأرض الغزير؛ فإذا جاءها الراعي ليحلبها ثَغَت كأنّ في القطيع واحدًا تندبه بنُواحها: تمشي بضروعها المُمتلئة مُتَرَنِّحةً حتى يُخال أنّها علّقت على خواصرها دِلاءَ البئر المُترَعة إظهارًا للحُزن. تملأ لي البيتَ قِشدةً وزُبدًا، فاقنَعْ بهذا الغِنى، فإنّه يكفي من جوعٍ وعطش!»(1)
ويمكن الاسترسالُ في هذا الموضوع أبعدَ من ذلك، غير أنّا لا نريد الوقوف عنده أكثر، وحسبنا أن نُبرِز من الآن أنّ هذه الأوصاف المُصوِّرة للطبيعة علامةٌ مميّزة لأقدم الشعر العربيّ الشعبيّ، في زمنٍ لم يكن فيه لشعرٍ فنّيٍّ بالمعنى الصحيح ذكرٌ البتّة.
وإلى جانب هذا القسم الواصف للطبيعة قسمٌ ثانٍ لا يقلّ عنه أهمّيّةً، يستقبلنا في خطوطٍ راسخة مميّزة، وموضوعُه ليس الطبيعةَ بل الحياةَ والمجتمع. وهنا أيضًا دائرةُ المعاني صغيرةٌ محدودة: الحربُ، والغارةُ، ووصفُ التمتّع المَرِح بالعيش، والصيدُ، ومجالسُ الشراب، ثم الثأرُ والحبُّ والصداقة، والفخرُ المُعتَدّ بالنفس، والكرمُ وقِرى الضيف، وأخيرًا الهجاءُ والسِّباب، وكذلك المديحُ والنَّوحُ على الموتى
Nota 1. امرؤ القيس LXVIII، والقصيدة قديمة ولكنّها ليست له.
350والرثاءُ — هذه هي الموضوعات التي يشتغل بها أقدمُ الشعر قبل غيرها.
وكانت الحربُ هي تلك المُنافرةَ التي لا تكاد تنقطع بين القبائل، وأسبابُها متنوّعة: فتارةً للظَّفَر بالقُطعان، وتارةً لإحراز مراعٍ أفضل، وأكثرُ ذلك للأخذ بالثأر، فإنّ الثأر كان العنصرَ الغالبَ المحرِّك في حياة الشعب في العصر القديم. وكان أحبَّ ما يستفزّ حماسةَ أولئك المُنشِدين القدماء دائمًا النساءُ الحِسانُ الرقيقات، أو شجاعةُ الأبطال الرجوليّة الجريئة، والوقائعُ والمعاركُ الدامية. ويحلو لهم أن يُشبِّهوا المعركة بالرَّحى، فإنّ الجيشين المتعاديين يستديران ويكرّ أحدهما على الآخر مرّةً بعد مرّة كما يتحاكّ حجرا الرحى.(1) ويُسمَّى قائدُ الجماعة الكَبشَ المُقَدَّم، وهي صورةٌ لا بدّ أن تكون أطبعَ الصور في نفس البدويّ صاحبِ الماشية. وكانوا يتصوّرون الحرب كذلك شخصًا حيًّا، فإذا أوشك أن ينشبَ نشوبُها واحتشدت الكتائبُ جموعًا كثيفة قالوا: كشّرت الحربُ عن أنيابها. وفي القتال تتداخل الرماحُ ويشتبك بعضُها ببعضٍ اشتباكًا؛ وكانوا يُحبّون تشبيهها كذلك بحبال البئر التي يُستَخرَج بها الدَّلْو، إلّا أنّها تُخرِج الدمَ بدل الماء. ويوم المعركة يُسقى الدمُ كما يُسقى الخمرُ في الوليمة، وتُطعَن الأجسادُ كما تُطعَن زِقاقُ الخمر. وأمّا الفرسانُ المُقبِلون في دُروعهم اللامعة فيُشبَّهون بالجمر المتوهّج.(2)
Nota 1. قارن الحماسة، ترجمة Rückert، I. 47. يقول عنترة واصفًا معركةً: دُرْنا كما تدور الرحى على قُطبها، غير أنّ السيوف كانت تدور فوق رؤوس المقاتلين. Ahlwardt: The Divans، ص 36، البيت 13. وتُشَبَّه جماعاتُ الفرسان المُدرَّعين بسيول المطر الهادرة في الشِّعاب. المصدر نفسه I، البيت 11. Nota 2. عنترة XXIII، البيت 2.
351وأمّا ما يخصّ هذا الشعرَ العربيّ القديم، وما يصنع فتنته وهو في الوقت نفسه أضعفُ جوانبه، فهو خُلوُّه من التأمّل ومن الفكر المُنكفئ على ذاته: تُتلقَّى الانطباعاتُ الخارجيّة في يُسرٍ طفوليّ، وتُؤدَّى أداءً شعريًّا، وليس غير ذلك. ولا تطلّ هنا وهناك إلّا نادرًا تجربةٌ من تجارب الحياة أو نصيحةٌ في تلك الصورة المُوجَزة المُقتَضَبة التي يسمّيها العربُ الحِكَم.(1)
وكلُّ فكرٍ وكلُّ سعيٍ مأخوذٌ بانطباعات الحياة الظاهرة، يتمتّع المرءُ بها ملءَ جَوانحه غيرَ عابئٍ بالغد. ويبدو لي دالًّا على ذلك اعترافُ شاعرٍ قديم: «ودّعتُ الشبابَ، ومع ذلك فإنّي ما زلتُ ألتمس من العيش أربعَ لذّاتٍ أظفر بها: أوّلُها أن أقول للرفاق الأدنَين: طيبوا نفسًا! فيمدّون أيديهم في فرحٍ إلى الكأس الطافحة، — ثم أن أحفز الخيلَ إلى الجَرْي، تندفع في الرَّكض على سِربٍ من الظباء آمِنٍ يرعى، — ثم أن أسوق ركائبي في الليلة الحالكة إلى الصحراء الواسعة التي لا طريق فيها، تحملني عبر القفر إلى الحاضرة ألتمس أصدقاءَ أو أقضي حاجاتي، — ثم أن أطلب امرأةً فاتنة قد بلّلها نَدى الليل (وهي تنتظرني)، وهي في الوقت نفسه تحرس رضيعَها المُعَلَّقةَ عليه التمائم.(2) —
Nota 1. طَرَفة وحده من الشعراء القدماء هو الذي يجد المرءُ عنده مثلَ ذلك كثيرًا (طرفة I، الأبيات 1—9، و IV، الأبيات 65—67)، وأقلُّ من ذلك عند زهير (III. 44، X. 28، XVI. 50—59)، وعَلقمة (XIII. 29 وما بعده)، وامرئ القيس (LXV. 5). غير أنّ هذه المواضع ليست في مأمنٍ من تهمة الانتحال. فزهير III يُحكَم بأنّه منحول، و XVI مدخولةٌ بالزيادات على كلّ حال، ويبدو الموضعُ المُشار إليه خاصّةً إقحامًا متأخّرًا. فصحّةُ أكثر هذه الحِكَم عندي إذًا مشكوكٌ فيها شكًّا شديدًا. أمّا الصحيحُ فيما يظهر فوصايا ذي الإصبع العَدْوانيّ لابنه. الأغاني III. 6. 7. Nota 2. امرؤ القيس XXXVI.
352وكما لا تعرف اللغةُ إلّا الحاضرَ والماضي، كذلك لا يعيش العربيُّ القديم إلّا في الحاضر والماضي؛ أمّا الآتي فسواءٌ عنده تمامًا؛ إنّه يأخذ الحياةَ والحاضرَ بإقبالٍ أتَمَّ من أن يبقى فيه نزوعٌ إلى شيءٍ وراء ذلك. لا يعنيه ما تقسمه له الأقدارُ غدًا، ولا يحلم بمستقبلٍ جميل، ولا بنعيمٍ رَغَدٍ بين أهله، ولا بمجدٍ وشرفٍ عليه أن يكسبهما بعدُ؛ إنّما ينعم بالحاضر وحده ولا يوجّه بصره إلّا إلى الوراء. غنيٌّ بالصور وانطباعات العيش، فقيرٌ بالأفكار: يُفرِغ كأسَ الحياة الفائرة في عَجَلة، ويُحسّ إحساسًا عميقًا مُتَّقِدًا، غير أنّه كأنّه لا يشعر قطّ باقتراب الشيخوخة المُتَرَوِّية، تلك التي تُحبّ أن تُطِلّ على أحداث الماضي، ولكنّها كذلك تُصَوِّب نظرَها المتأمّل إلى المجهول الآتي لتحدس ما كُتِب للجيل القادم. فإن جرى ذلك مع هذا واضطُرّ إلى أن يُصَرِّف فكرَه إلى ما هو آتٍ، جرى في غايةٍ من اللامبالاة بالمستقبل المجهول.(1)
وغايةُ ما يُبرَز فوق ذلك أنّ الموتَ، الذي تنتهي عنده الهمومُ كلُّها، خيرٌ من شيخوخةٍ عاجزةٍ كالطفولة: من ذلك قولُ عُروة بن الوَرد: أليس ينتظرني أن أمشي مُتَرَنِّحًا على العصا، حتى لا يهابني أعدائي بعدُ ويستخفَّ بي أهلي، فأقعد بالمساء في مؤخّر الغرفة، ويعبث بي الصبيان، وأمشي مُنحَنيًا كفَرْخ النعام! فلذلك،
Nota 1. من العجيب أنّ الموتَ يُتصوَّر عند أقدم الشعراء دائمًا من غير أيّ خاطرٍ عن بقاءٍ روحيّ. من ذلك ما يُنسَب إلى زهير III. 44: تهيّأ للموت، فإنّ النفس وإن كرهته فهو الموعدُ الأخير. قارن عنترة XIII، البيت 7.
353يا بني لُبنى، أَلجِموا ركائبكم (للغزو)، فإنّ الموت خيرٌ من العار! —
ويُعبِّر شاعرٌ قديم آخر (لَبيد) عن هذا المعنى نفسِه فيقول: أليس ينتظرني، إذا ذهبت قُوّةُ حياتي، أن أقبض على العصا بيدٍ مُرتَعِشة وأحدّث بأخبار الزمان الماضي، وأمشي مُنحَنيًا حتى يُخال، إذا نهضتُ، أنّني أريد الانحناء.(1)
وصنديدٌ قديم وقع في أسر الأعداء فأيقن بالموت، يُعبِّر عن آخر خواطره على هذا النحو:
لا تدفنوني! حرامٌ عليكم أن تدفنوني؛
ولكن كوني أنتِ يا ضَبُعُ رفيقةَ القتيل!
سيُحمَل رأسي، وهو خيرُ ما في جسدي،
فيُلقى في ساحة الوغى مع سائر الأشلاء.
لا أرجو هناك حياةً تسرّني،
يلُفّني الليلُ، وأرقُد تحت وِزر ما سفكتُ من دم.(2)
ومن هنا يأتي في كثيرٍ جدًّا من شعر الزمان القديم الالتفاتُ إلى الماضي بتلك العبارة الجارية: كم من كتيبةٍ فرّقتُ! أو: كم من صحراءَ قطعتُ؛ وكم من كأسٍ أفرغتُ؛ وكم من حسناءَ ضَمَمْتُ. ثم أكثر المتأخّرون من تقليد هذه الصيغة القديمة.(3)
وأمّا الشاعر الذي يظهر عنده أوّلَ ما يظهر في وضوحٍ أثرُ اتّساع الأفق في الزمن الإسلاميّ، فهو امرؤ القيس. إنّه واقفٌ على عتبة العهد الجديد؛ وصحيحٌ أنّ النزعة الواصفة للطبيعة هي الغالبةُ عنده هو أيضًا، غير أنّه مع ذلك غنيٌّ بصورٍ لا عهد للمدرسة القديمة بها: فقد عاش في بلاط الأمراء التابعين بالشام وفارس،
354وعرف هناك عيشَ المدن الكبرى المُترَف؛ ورأى القصورَ الفخمة بتماثيلها الرخاميّة (XX. 11)، وعرف سفنَ البحر المطليّة بالقار تشقّ الماء. فبصرُه إذًا يحيط بمجالٍ أوسعَ كثيرًا من مجال أولئك الشعراء الصحراويّين القدماء. غير أنّه مع ذلك كلِّه لا تخرج نظرتُه إلى الحياة عن التمتّع التامّ بالحاضر، من غير أن يُعذِّب نفسه قطُّ بالتفكير في المستقبل. من ذلك قولُه: «تمتّعْ بالعيش، فإنّك مقضيٌّ عليك بالفناء: (فانعَمْ) إن في مجالس الأنس، وإن عند النساء الحِسان، البِيضِ كأنّهنّ صغارُ الظباء، أو السُّمْرِ كأنّهنّ تماثيلُ الآلهة (من البُرونز)؛ سواءٌ أكنّ من العفيفات أم من البَغايا المُستهتِرات!»(1)
وهكذا يمتاز هذا الشعرُ في الزمن الإسلاميّ بنظرةٍ إلى الطبيعة عميقةٍ حميمة، كما يمتاز بنَهَمٍ إلى الحياة واللذّة فائضٍ متدفّق؛ ولكن كلّما ازداد العقلُ استسلامًا للانطباعات الخارجيّة، ازداد فقرًا في الأفكار، وقلّت قدرتُه على فهم ما تمتّع به وما عاشه وما أحسّه وإدراكِه. بل إنّه لا يرى ذلك جديرًا بالعناء أصلًا.
وقد أصلح علماءُ اللغة العرب هذه الأشعارَ القديمة في مواضعَ كثيرة، حيث فسدت أو حيث استغلقت عليهم. فكان مثلُهم مثلَ كثيرٍ من المُتَطَفِّلين يريد ترميم لوحةٍ قديمة فلا يزيدها إلّا فسادًا؛ ولكن رغم هذه المحاولات الخرقاء، ورغم طلاء الأزمنة المتأخّرة، تلمع في كلّ موضعٍ صافيةً بيّنةً تلك الروحُ الغَضّة الجَسور، روحُ شعر الطبيعة القديم.(2)
Nota 1. امرؤ القيس LXIV. 6. 7. Nota 2. وقد زوّر علماءُ اللغة القدماء كثيرًا جدًّا، لا خلفٌ الأحمر وحده، بل حمّادٌ الراوية قبله، وابن الكلبيّ، وكثيرون غيرهم، تعاطوا هذه الصنعةَ النظيفة عن زَهْوٍ أو طلبًا للكسب. الأغاني V. 173، 174. IX. 17.
355وقد بلغ هذا الشعرُ الجاهليّ نهايته بقيام الدين الجديد: فقد صار أسلوبُ العيش وطريقةُ التفكير شيئًا آخر.(1) على أنّ الانتقال لم يجرِ إلّا شيئًا فشيئًا. فحلّت محلَّ شعر الطبيعة القديم نزعةٌ جديدة تسلك دروبًا مختلفةً في جوهرها.
أمّا القبائلُ العربيّة التي شغلتها حروبُ الفتح في أوّل عهد الخلافة شُغلًا تامًّا، فقد بقيت فيها زمنًا طويلًا تلك الأناشيدُ الحربيّة القديمة الجَسور، تصف الوقائعَ والمعاركَ والأخطارَ المُحتَمَلة؛ غير أنّه ظهر في المدن، ولا سيّما بمكّة، شعراءُ مثلُ عمر بن أبي ربيعة(2) بعبادته للنساء، أو العَرَجيّ(3)، ذلك الشريفِ المُقبِل على اللذّة المُنحَرِف، الذي يحلو له أن يفخر بمغامراته في خدمة الغرام. وأخذ فنُّ الغزل يكسب أرضًا على الدوام؛ أمّا الشكوى من الشباب الذاهب حين ينقطع الحظُّ من النساء فتوجد عند القدماء بالفعل (امرئ القيس، وعَلقمة)، غير أنّها صارت الآن أكثرَ ورودًا بكثير. وتلك النزعةُ الرقيقةُ الشاكية، الغريبةُ كلَّ الغرابة عن المدرسة القديمة، إنّما تنبع من المدرسة الحَضَريّة، في حين كان الشعر القديم الوحشيّ الحربيُّ في أغلبه مستقِرًّا في الجيش خاصّةً، كما أنّ القبائل التي بقيت على حياة البادية حفظت شعرَ طبيعتها القديم على وجهه المعروف لم يتغيّر.
وقد بقي من هذه الأزمنة الأولى من الإسلام غيرُ قليلٍ من القِطَع الدالّة. من ذلك ما ينشده مقاتلٌ قديم شهد فتح الشام:
Nota 1. ومع ذلك ظلّت أشعارُ الجاهليّة هي الغالبةَ في القرنين الأوّلين، وبقيت على ألسنة العامّة. قارن الأغاني X. 128، حيث يُنشِد حمّارٌ قصيدةً للمُرَقِّش الأكبر. Nota 2. قارن قصيدته في الكامل 570. Nota 3. هذا — أي العَرَجيّ (‘Aragy) — هو الضبطُ الصحيح، كما علمتُ بعدُ من «لزوم ما لا يلزم» للمعرّي، لا العَرْجيّ (‘Argy) على الوجه الذي كتبتُه في المجلّد I ص 33.
23*
356أما رأيتَ كيف ثبتنا باليرموك؟
ثبتنا ثباتَنا في أرض العراق.
وقد كنّا قبلُ اقتحمنا بُصرى سريعًا،
أسوارَ حصنٍ منيعٍ محروس.
وأسلمت عَذراءُ (‘Adrä-lmadäin) لجيوشنا،
وقاتلنا بمَرْج الصُّفَّر قتالَ الكِرام.
وحيث يقف الأعداءُ نظفر بهم
ونُحرِز الغنائمَ الوافرة بسيوفنا الحِداد.
ثم هزمنا الرومَ، وسدّت اليرموكَ
تِراسُ القتلى ودُروعهم.
وفرّ رجالُهم وفرسانُهم جميعًا
بالواقوصة من حدّ سيوفنا.(1)
ويصف مقاتلٌ حارب بأرمينية، في قصيدةٍ وجّهها إلى امرأته، بأيّ اندفاعٍ حملوا مساءً على فرسان الأرمن بمَرْعَش فهزموهم.(2) ويروي آخرُ كيف دعا الأعداءَ إلى المبارزة في وقعة القادسيّة، وقد جعل لنفسه علامةً خاصّةً يُعرَف بها، على عادة المقاتلين الشجعان.(3)
وإلى جانب مثل هذه الفيوض الشعريّة التي أثارها الزمانُ والحال، تناقلت جيوشُ الخلفاء أناشيدَ القبائل القديمة، تُغَنّى وتُنشَد في المسير وفي المنزل وفي المعسكر وحتى قُبَيل المعركة. وكان لا يزال جاريًا في عهد الأمويّين أن يتقدّم المُنشِدون قبل المعركة فيُنشِدوا الشعرَ القديم. وقد بقي لنا خبرٌ أنّ قائدًا لمّا لم يتقدّم أحدٌ من الرواة قبل المعركة، أمر فنودي: ليتقدّمْ كلُّ من يحفظ شعر عنترة.(4) وأمّا أيُّ روحٍ جَسور تتنفّس من أشعار عنترة هذه، فتُبيّنه القطعةُ التالية. يصف الشاعرُ فيها وقعةَ فرسانٍ قاد فيها
Nota 1. ابن كثير IV. Fol. 30 r. Nota 2. الحماسة، ترجمة Rückert، I. 36. Nota 3. البلاذري 817. Nota 4. ابن الأثير IV. 341.
357بني قبيلته: طوّقتُ كتيبةً من الفرسان بجُندي المُدَجَّج الشجاع الذي يُتَّقى صَدْمُه؛ يُقبِل بلا صوت، وسلاحُه يلمع، كأنّه نارٌ يشتعل حطبُها بلَهيبها؛ وهؤلاء (أي جماعتي) صناديدُ بنو صناديد، ويكاد المرءُ يحسب خيلَهم، إذا تعثّرت في زحام القتال بالرماح، جِذاءَ نارٍ في أيدي حَمَلة المشاعل، إذا هزّوا في أيديهم الأعوادَ المتوهّجة أضاءوا بلمعانها ظلمةَ الليل. صُبُرٌ هؤلاء (أي مقاتليّ)، وقد أعدّوا (للحملة) خيلَهم المُلْسَ الشعرِ السريعةَ ورواحلَهم النحيلةَ ضامرةَ الخواصر: تحمل هذه الفرسانَ المُدَرَّعين في عَدْوٍ سريع، على تبرّمٍ منها وطاعة، تشكو مشقّةَ السَّير الطويل وأوجاعَه. من هذا الضرب مراكبُ تحمل مقاتلين عارفين بطعن الرماح، يثقُلون في الميدان حين ترفرف رايةُ الحرب خفيفةً في الهواء. ....(1) وبعثتُ رفاقَ حربٍ شُمَّ الأنوف في ساعةٍ من الليل، وقد أمال النعاسُ رؤوسهم، ومضيتُ بهم في أكثف الظلام وقُدتُهم (طويلًا) حتى ظننتُ أنّ الشمس قد فقدت ضياءها. فاعترضني قُبَيل اشتداد حرّ الظهيرة رهطٌ من الفرسان، فطعنتُ بالرمح أوّلَ فارسٍ فيهم، وضربتُ كبشَهم (أي قائدهم) بين قرنيه فخرّ صريعًا، ودفعتُ جوادي إلى وسطهم فاخترقهم بي؛ وما زلتُ أقاتل حتى رأيتُ أشباحَ الخيل الداكنةَ قد صُبِغت بحمرة دماء الجرحى: تتعثّر حوافرُها نافرةً في بِرَك الدم، وتطأ في زحام القتال أجسادَ الصرعى. أمّا أنا فعُدتُ بجُمجمة قائد الأعداء، وتركتُ سائرهم
Nota 1. سقط بيتٌ واحد.
358طعامًا لـ(السباع) التي تشتهي ذلك.(1)
وعلى كلّ حالٍ كانت سيرةُ عنترة في ذلك الحين موضوعَ كثيرٍ من الشعر الحربيّ. وأحسَب كذلك أنّ كثيرًا من الأناشيد الحربيّة الموجودة في «رواية عنتر» الحديثة تنقل إلينا نقلًا أمينًا إلى حدٍّ ما مضمونَ ذلك الشعر الجُنديّ القديم من القرن الأوّل ومجرى أفكاره. غير أنّه لا ريب أنّ أناشيدَ أخرى من دائرة الأساطير العربيّة الشماليّة كانت واسعة الانتشار كذلك، وقد دخلت في شعر العامّة.
وكانت للقبائل العربيّة الجنوبيّة دائرةُ أساطيرَ خاصّةٌ بها، مختلفةٌ كلَّ الاختلاف عن دائرة الشماليّين، لا بدّ أنّها لقيت عنايةً مبكّرة ببلاط دمشق وأنّها دُوِّنت سريعًا كذلك. وكان الأبطالُ هنا من صنفٍ آخر بالكلّية غيرِ أبطال القبائل الشماليّة. فملوكُ سبأ وحِمْيَر القدماء، وسلطانُهم ومجدُهم، وغزواتُهم وفتوحُهم العجيبة، وما كانوا يعودون به من الغنائم الوافرة، هي الموضوعُ المُفَضَّل لشعر جنوب الجزيرة الشعبيّ، وهو شعرٌ يمتاز بخصائصَ كبيرة، وإن كانت اللغةُ لا تكاد تختلف البتّة عن لغة الشماليّين، فإنّ اللهجة العربيّة الشماليّة كانت قد ملكت زمامَ الجنوب كذلك قبل الإسلام بزمنٍ طويل.
Nota 1. The Divans، ص 33. على أنّ الروايةَ التي وصلت بها أشعارُ عنترة تحمل آثارًا واضحةً من التنقيح الإسلاميّ (القصيدة VIII. 4، وفيها اسم «عبد الله»)؛ وكثيرٌ منها، إن لم يكن أكثرُها، منحول. ومطلعُ معلّقة عنترة غيرُ صحيح، فإنّه يرنّ كتَنَهُّد شاعرٍ محدَثٍ يشكو أنّ كلّ المعاني الأخّاذة قد طُرِقت قبله. وقد أحسّ علماءُ اللغة القدماء بذلك فأبدلوه بمطلعٍ آخر. والمطلعُ الصحيح على الأرجح هو البيت 4. على أنّ بقيّة القصائد تدعو إلى التوقّف كذلك، مثل XXVI. 11، حيث يَرِد ذكرُ الموالي على وجه الازدراء، وهو خاطرٌ غريبٌ عن العصر القديم، فإنّ بُغض الموالي لم ينشأ قبل القرون الأولى من الإسلام. وكذلك XVII. 2 منحولة، وفيها ذكرُ كتبٍ قديمة من زمن ملوك الفرس. — وليست سائرُ قصائد المجموعة نفسِها بأحسنَ حالًا. أمّا قصيدةُ زهير XVI فلا بدّ من الحكم عليها بالنَّحْل أو بالزيادة، بسبب البيت 27 الذي يتكلّم على الحساب يوم القيامة. وأنا أرجّح الثاني، فإنّ البيت 49 يُفصِح عن المعنى القديم الصحيح، وهو أنّ المرء لا يعلم من الغيب شيئًا. ومن مفاخر الأصمعيّ الشيخ أنّه حكم بنَحْل قصيدة زهير XX، وهي التي سجّلتُ فورًا بعد أوّل قراءةٍ أنّها منحولة، من غير أن ألتفت إلى ذلك المُتَشدِّد الكبير من أهل البصرة. فهي إسلاميّة، وبعضُ أبياتها مُقحَمٌ في وقتٍ متأخّرٍ إلى حدٍّ ما، فإنّ الصيغة «اخلَولَقَ» في البيت 25 غيرُ معروفة عند أصحاب المعاجم القدماء. وأرى لزامًا أن أنبّه إلى أنّني تعمّدتُ ألّا أطّلع على رسالة الأستاذ Ahlwardt في صحّة الشعر العربيّ القديم إلّا بعد فراغي من عملي. وهذا الناقدُ العالم أشدُّ اعتدادًا بنفسه من أن يقدر على حكمٍ موضوعيّ. نعم إنّه يتكلّم دائمًا عن اقتناعٍ تامّ، غير أنّه يبدو لي أنّ هذا الاقتناع كثيرًا جدًّا ما يكون خاطئًا.
359ومن ذلك ما جاء في أنشودةٍ من هذه الأناشيد الجنوبيّة: عُدنا بغنيمةٍ وافرة على خيلٍ قويّةٍ صَهّالة: سُقنا معنا فتياتٍ حِسانًا لم تُصِب الشمسُ وجوهَهنّ قطّ، حِسانَ الخدود، ناصعاتِ البياض، رقيقاتِ الأبدان، مُمتَلئاتِ السُّوق، ضامراتِ الأوساط؛ كأنّهنّ البدرُ يخرج من سحابة الرعد؛ حملناهنّ إلى الديار على الإبل، وقد نُهِكن فلم يبقَ لهنّ سِوارٌ ولا خِلخال. وتركنا أعداءنا نُزِع سلاحُهم فكادوا يكونون موتى، لم يبقَ لهم مسكنٌ ولا سيّد.(1)
ولم يكن أثرُ مثل هذه الأناشيد في خيال قبائل الجنوب وفي شهوتها إلى الغنيمة أقلَّ اشتعالًا من أثر أشعار عنتر الحربيّة في حماسة العربيّ الشماليّ. غير أنّ عنصر القبيلة القوميّ في مقابل الشماليّين بارزٌ هنا بقوّةٍ شديدة: القحطانيّون — كما جاء في شعرٍ قديم — أُسودٌ وأبطالٌ عربٌ كرام، من لقيهم امتلأ خوفًا؛ سلاحُهم السيوفُ الحِداد والرماحُ اللَّدْنة، ولهم آلافٌ من الخيل النحيلة تطير
Nota 1. قارن كتابي: Südarabische Sage 76.
360كالنسور.(1) وخاصّةُ دائرة الأساطير الجنوبيّة هذه صورتُها المَلحَميّة، وهي بادية في قِطَعٍ متفرّقة بقيت منها. ويظهر ذلك خاصّةً في سيرة التُّبَّع (الملك) أسعد كامل.(2)
وقد تجلّى التنافسُ القبَليّ في أشعار هذه القبائل المختلفة تجلّيًا واضحًا جدًّا، ووجد تعبيره خاصّةً في الهجاء. ولذلك يحتلّ هذا الضربُ من المنشورات الشعريّة والمَثالب المُقفّاة مكانًا بارزًا في القرون الأولى، وتبارى فيه شعراءُ القبائل المختلفة، وعلى الأخصّ الفرزدقُ وجرير.(3)
ويظهر الشعرُ الحربيّ القديم أوضحَ ما يظهر في حروب الخوارج على الأمويّين، وقد ترك لنا عالمٌ من علماء اللغة (المُبَرِّد) مجموعةً حافلة في ذلك.(4) من ذلك ما ينشده خارجيٌّ من سجنه: ليتني بينكم على ظهر جوادٍ سريعٍ شديدِ عضل العنق، وليتني لابسٌ الدرعَ غيرَ أعزلَ كما أنا الآن. آهِ لو أستطيع أن أقاتل معكم أعداءكم، ولو سُقيتُ كأسَ الموت أوّلَ الناس. يشقّ عليّ أن تَجبُنوا وتُرَدُّوا على أعقابكم ولا أسلّ أنا السيفَ على الفاجرين، إلى آخره.(5)
Nota 1. الهمْداني: الإكليل. Nota 2. ذهب ناقدٌ عالم في حينه، في معرض كلامه على كتابي Südarabische Sage وما يتّصل به من أشعار، إلى رأيٍ غريبٍ مؤدّاه أنّ هذا الضرب من الشعر من صُنع «مصنعٍ أدبيّ». ولا حاجة إلى دفع هذه الدعوى. وأكتفي بالتنبيه إلى أنّني وجدتُ بعدُ في «الإكليل» للهمْدانيّ أهمَّ القِطَع التي كنتُ نشرتُها من قبل، ولا سيّما سيرةَ أسعد كامل. والهمْدانيّ نفسُه يوردها على أنّها قديمة! Nota 3. قارن القصيدة في الكامل 526. Nota 4. قارن مثلًا الكامل ص 699. Nota 5. ابن الأثير III. 359.
361ويقول مقاتلٌ آخر شهد غزو تركستان (سنة 94هـ، 712—713م): سَلْ فقط المقاتلين بخُجَندة(1)، هناك تحت بريق أسنّة الرماح الحِداد، هل لم أجمعهم حين هُزِموا، وهل لم أتقدّمهم أوّلَ الحملة في القتال.(2) ويقول آخرُ في مدح قائده قُتَيبة فاتحِ سمرقند (سنة 93هـ): كلَّ يومٍ يُحرِز قُتَيبةُ غنيمةً ويزيد المال، رجلٌ من باهلة ظلّ يلبس التاج حتى بدأ الشيبُ يغزو المفارقَ السُّود.(3) وقد اقتحم الصُّغدَ بجموع الفرسان حتى قعد أهلُها في العراء لا مالَ لهم.(4)
على أنّه كانت تتصاعد أحيانًا من بين جموع المقاتلين هؤلاء المبعوثين إلى أقصى الأصقاع أصواتُ التبرّم والشكوى: من ذلك ما ينشده رجلٌ مستورُ الحال من أهل الكوفة أُكرِه على الخدمة العسكريّة في البعث وأُمِر بالمسير إلى كورة مُكران النائية، قال: «قولا لي ما شئتما أيّها الرفيقان في السفر: ما أبعدَ دار الفتاة التي تذكرها! كانت تسكن الكوفة، وأصلُها على الفرات؛ تسكن هناك تارةً المدينةَ وتارةً البادية، وأنت أيّها المسكينُ تمضي الآن إلى مُكران، حيث لا كسبَ من غزوٍ ولا من تجارة. وقد حدّثوني عن تلك الأرض قبل أن أراها، فما زال ذكرُها منذئذٍ يملؤني رُعبًا: أنّ قومًا هناك يصارعون الجوع وآخرين يَهلِكون في البؤس، وأنّ اللِّحى تنبت من شدّة الحرّ نباتًا سريعًا حتى يضطرّ المرءُ إلى قصّها أو ضَفْرها. ويقول الذين كانوا هناك قبلنا إنّ الذي ينتظرنا
Nota 1. هي خُجَندة التي فتحها الروسُ الآن. Nota 2. ابن الأثير IV. 460. Nota 3. فقد أخذ القائدُ العربيّ إذًا بالعادة الفارسيّة ولبس التاج. Nota 4. ابن الأثير IV. 455.
362أن نُرشَق بالسهام أو نُذبَح بالسكاكين، ويقولون إنّنا لن نُستَدعى من هناك سنين، حتى يشيب أبناؤنا ويموت الأصدقاءُ والمعارف منذ زمنٍ طويل. وما اشتهيتُ قطُّ الخروجَ إلى تلك الأرض، فإنّ عندي ما أعيش به، ولكنّي أُكرِهتُ على المسير(1) وأُمِرتُ بالذَّهاب إلى هناك؛ وكان عليّ أن أفرح بأن أنجوَ بنفسي كذلك، فإنّ بطشَ أولئك المتسلّطين مُرَوِّع؛ فقد جُرِّد السيفُ من غِمده، وليس عند ذلك خِيار. وكم من صديقٍ شيّعني وقد كادت العَبرةُ تخنقه: يودّعني ويبكي بكاءً غزيرًا؛ لن أراه بعدُ أبدَ الدهر. ثم ها هي ذي الشائعةُ تنتشر أنّنا سنعبر البحر الذي لم يُعبَر قطّ إلى السِّند، وأهلُ الهند في بلادهم أشرارٌ كالشياطين، بل أشدُّ شرًّا. وما خطر قبلنا لجبّارٍ من عادٍ أو حِمْيَر أن يغزو تلك الأصقاع.(2)
وإلى جانب هذا الشعر المُساوق لأحداث اليوم، وينبوعُ حياته في معسكرات الجيش والحاميات، وهو شعرُ واقعٍ بأتمّ معنى الكلمة، نشأ ضربٌ يمكن أن نسمّيه شعرَ الحِرفة. فقد وُجِد منذ أقدم العهود ناظمون طُلَقاءُ الألسنة يبذلون المديح لمن يدفع أكثر. وكان تفاخرُ رجال الدولة العرب وأصحابِ السلطان في تلك الأزمنة، وزَهْوُهم الذي لا حدّ له، يجعلان هذه التجارةَ مُربِحةً جدًّا، حتى إنّ نبيّ العرب نفسه كان له شاعرُ بلاطه. وكان الشاعر المُتَوَّج المشهور (poeta laureatus) لبلاط دمشق في عهد الأمويّين نصرانيًّا، هو الأخطل، وقد كان فيما يبدو راضيًا في ذلك كلَّ الرضا.
Nota 1. على يد الوالي الصارم الحجّاج، وهو الذي أنفذ التجنيدَ العامّ. Nota 2. الأغاني V. 149. والشاعرُ هو أعشى هَمْدان.
363على أنّ كلَّ حزبٍ من الأحزاب السياسيّة كان له كذلك مُحاميه من الشعراء: أهلُ السنّة كما المرجئةُ (ثابت قُطنة)، والشيعةُ (السيّد الحِمْيَري، ويزيد بن مُفَرِّغ) كما الخوارجُ (عمران بن حِطّان، والطِّرِمّاح)، وكذلك كان لكلٍّ من القبائل العربيّة المختلفة ممثّلُه الشاعر، على تفاوتٍ في الموهبة والشهرة. وقد أمطر شعراءُ الأحزاب هؤلاء بعضُهم بعضًا هجاءً ومَثالبَ وأشعارَ سُخرية، كلُّه شديدُ الغِلظة، فِطريّ، لا قيمة له إلّا قيمةُ اللحظة. وقد جرّب هؤلاء الشعراء أنفسهم بالطبع في جميع فنون النَّظم الجارية يومئذٍ: الهجاءِ، والمديحِ، والفخرِ، والتشبيبِ بالنساء.(1)
على أنّه وُجِد في هذه الجملة المضطربة بعضُ الطبائع الشاعرة حقًّا. فقد اتّسعت دائرةُ المعاني شيئًا فشيئًا، وتراجع الضربُ القديمُ الواصف للطبيعة أمام شعرِ وجدانٍ يصارع في طلب التعبير.
من ذلك قصيدةٌ جُرِح صاحبُها (أعشى هَمْدان) في جِيلان النائية ووقع في أسر العدوّ، يقول فيها:(2) أتشتهين الغرامَ بعدُ يا نفسُ، وقد علا بك السنُّ وشاب المَفرِق؛ ذهب الشبابُ ولذّتُه، وعَسُرَ العذرُ في مثل هذا الحنين الأحمق. لا تحزني على ما مضى، ولا تأسَي على ما ذهب، فإنّ الأقدار تُبلي الرجلَ والزمانَ يعبث به؛ اليوم يلقى شرًّا وغدًا يُصيب فرحًا؛ كلُّ ذلك يقع بالإنسان ويُعطى ما قدّره له القَدَر. آهِ، يُخَيَّل إليّ الآن كأنّي ما ركبتُ بعيرًا قطُّ ولا أجهدتُه حتى ذهب لحمُه (من
Nota 1. قارن Hammer-Purgstall, Litt.-Gesch. II. 283. Nota 2. القصيدة مختصرةٌ في الترجمة.
364النَّصَب). لقد ركضتُ عليه في كثيرٍ من القِفار حتى عرفَتْه كلُّ باديةٍ لا حياة فيها؛ ويُخَيَّل إليّ كأنّي ما شهدتُ يومَ الوقعة في الدرع والبَيضة. أوَلم أخترق يومئذٍ الصفَّ حتى تزلزل المُدَرَّعون ومن قاتلوا عُزْلًا؟ ركبتُ جوادًا سريعًا، خُماسيًّا يسبح في الهواء؛ وطعنتُ بالرمح حتى سال الدمُ الأحمر فوق الصدر. فإن كنتُ قد شِبتُ يا صاحبتي، فإنّ اسمي معروف. لقد نعمنا بلذّة العيش حين كان الزمانُ لنا مواتيًا، حين كنتُ في نَضْرة الشباب أفرح بالمزاح وأحاديثِ الليل. كنتُ أطلب الفتياتِ ويطلبنني؛ وأُعجَبُ بالفتاة الحسناء النَّهد: كانت بيضاءَ كالبقرة الوحشيّة على الكثيب، لا عيب فيها لناظر؛ فإذا بدا عنقُها وقد زانه اللؤلؤُ ورقائقُ الذهب والجواهر، خُيِّل إليك أنّك ترى عنق ظبيةٍ من أرض الجبال (نجد) قد مدّته في فضولٍ لأنّ خِشْفًا أسودَ العين ظهر فجأةً. وكأنّ رَحيقَ العسل والزنجبيلَ والبَلَسانَ(1) قد أُفرِغ على فمها، مخلوطًا بالعسل والعنبر. تلك هي الحسناءُ التي أضناني حبُّها وحملني على أكثرَ ممّا أُطيق. فلا تلوموني على هذا الحبّ، فإنّي والله لأهلٌ للعُذر!
وفي قصيدةٍ أخرى ينشد، بعد أن وصف محاسن محبوبته: هكذا هي التي إليها حبّي وشوقي: ليت القدرَ يجمع المحبَّين كذلك؛ فإن أصابتك من الحوادث محنةٌ فاصبر، فإنّ لكلّ بلاءٍ آخرًا؛ ولئن بكيتُ من الفراق يائسًا، فإنّي أقول: إنّ الرجل الذي يبكي جديرٌ باللَّوم. ما أعجبَ تقلّبَ
Nota 1. في النصّ بدل «البَلَسان»: «فارسيّة»، وهو طِيبٌ غيرُ معروف.
365الأيّام: نجتمع مرّةً ونفترق أخرى. فها أنا ذا الآن راقدٌ أسيرًا مُثقَلًا بالسلاسل، أعرُج في القيود صباحًا ومساءً، بين كَلَيسِم وكَيول وكامان والجَبَلين؛ ومَضجَعي ضيّق، وسلسلةُ جبال وَيْما شاهقةٌ في السماء؛ آهِ لو تهدّمت جبالُ وَيْما!(1)
ويُحسّ المرءُ من هذا أنّ نشاطًا عقليًّا قائمًا على التأمّل أكثرَ قد أخذ يظهر هنا؛ وحكمةُ القول التي تبرز في صورةٍ مُوجَزةٍ في أبياتٍ مفردة علامةٌ دالّة على هذه المدرسة الأحدث، وقد وجدت بعدُ نُموًّا لا يُخطئه النظر.
أمّا من يَعنيهم مصيرُ الشاعر فنقول لهم إنّه أفلح في الهرب بعون ابنةِ واحدٍ من رؤساء الأعداء ظفر بحبّها، وعاد إلى وطنه(2)، غير أنّه سرعان ما ألقى بنفسه هناك في الصراع السياسيّ، فتحزّب على الوالي (الحجّاج)، فأخذه ذلك السياسيُّ المشهور بشدّة حكمه وضرب عنقه.(3)
ويظهر أوضحَ من ذلك رِقّةٌ في الإحساس واللغة تختلف شيئًا فشيئًا اختلافًا شديدًا عن الخُشونة القديمة، وذلك في غزل وضّاح (وقد عاش بعد أعشى هَمْدان بقليل)، وهو الذي عرفناه من قبل بقصيدته البديعة في رَوْضة (المجلّد I ص 145). إنّها معانٍ بسيطةٌ عميقةُ الإحساس يُعبِّر عنها بلغةٍ جميلةٍ غيرِ متكلّفة؛ إنّه شعرٌ صحيح لا صنعةٌ لفظيّة(4)؛ وبهذا يفضُل الجمهرةَ الكبيرة من شعراء أمّته، ممّن يصحّ أن يقال فيهم
Nota 1. الأغاني V. 147. Nota 2. المصدر نفسه V. 147. Nota 3. المصدر نفسه V. 146. Nota 4. قارن الأغاني VI. 32 وما بعده.
366بحقٍّ إنّهم جميعًا حسبوا أنّهم مدعوّون، ولكنّ القليلَ منهم كانوا كذلك بالفعل. فلتُدرَج له لذلك القطعةُ التالية:
آهِ! يطاردني من جانبٍ جمعُ العُذّال،
ومن جانبٍ طيفٌ ما رأيتُ أفتنَ منه!
زارني في قصور صنعاء، فإنّه يطير
فوق ما بيننا من أخطار الطريق والجبال.
يتبعني فوق حجارة الصخر وبحر الرمل،
وإن كان بيني وبين الحبيبة مسيرةُ ثمانيةِ أيّام.
ولمّا نمتُ أقبل يعاتبني،
فما أعذبَ وقعَ عتابه! وقال لي فوق ذلك أشياءَ كثيرة.
فناديتُ: مرحبًا بك أيّها الطيفُ
الحبيبُ الجميل، أُحيّيك ألفَ تحيّةٍ إذا زرتني في مثل هذا اللُّطف.
كلُّ حبٍّ لا بدّ أن يذهب على طول الزمان شيئًا فشيئًا،
أمّا حبّي لرَوْضةَ فلا يذهب، بل يبقى أبدًا!
وقد بدأ يظهر كذلك في وضوحٍ إلى حدٍّ ما ذلك الشعرُ الدينيّ الذي تسرّب إلى العامّة من الإسلام شيئًا فشيئًا، كما يتبيّن من الموضع التالي:
يا وضّاحُ، لماذا لا تُسمِعنا إلّا أغاني الحبّ؟
ألا تخاف الموتَ المكتوبَ على الناس أجمعين؟
اعبُدِ العليَّ بالصلاة، واجتهد أن تُقَوِّيَ خُطاك،
تلك التي تُنجيك يوم يحكم اللهُ بالأعمال.(1)
ثم لقيت هذه النزعةُ التقيّة بعد ذلك قبولًا متزايدًا على الدوام، وخرج منها ضربٌ خاصّ من
Nota 1. الأغاني VI. 42.
367الفيوض الشعريّة يُسمّى «الزهديّات»، أي أشعارَ التخلّي عن الدنيا، وقد شاعت شيوعًا شديدًا فيما بعد.
وهكذا يتبيّن بوضوحٍ، حتى من الآثار الشعريّة التي لم يبقَ منها إلّا شذراتٌ من العهد الأوّل للخلافة الأمويّة، كيف اتّخذ النشاطُ الشعريّ كذلك، في ظلّ ما تغيّر من الأحوال والأفكار، صورًا جديدة، وسلك دروبًا جديدة، وأخذ يجول في دوائرَ جديدة من المعاني. وسيقودنا إلى بعيدٍ أن نتتبّع هذا التحوّل في تفاصيله، ونستخرج الأمثلة، ونُحلِّل مضامين أهمّ القصائد. ثم إنّ مثل هذا المشروع تعترضه عقباتٌ تكاد لا تُذلَّل؛ فأشعارُ أكثر شعراء العهد الأمويّ لم تُحفَظ، وحيث نجت مجاميعُ كبيرة من التلف فهي في أكثرها لا تزال نائمةً في غبار المكتبات.
ومن أبرز شعراء ذلك الزمان الفرزدق. والطابعُ الأساسيّ للشعر القديم الفِطريّ هو الغالب عنده في نَضارةٍ طبيعيّةٍ عتيقةٍ تامّة. وبلغةٍ رفيعةٍ شعبيّةٍ مع ذلك، مفعمةٍ بالحياة، يُعطي المعاني الموروثة أجملَ تعبير: فالغزلُ، وأخبارُ الصيد والسفر، والكرمُ، والحربُ، والهجاءُ والمديحُ، والفخرُ المُعتَدّ، والرثاءُ، وشعرُ المكابرة، ولا سيّما التنافسُ بين القبائل، هي موضوعاتُ فيوضه الشعريّة. ونادرةٌ هي المواضعُ التي يوجد فيها صدًى للنظرة الإسلاميّة إلى العالم.(1)
ولا يستقبلنا من الأدب الشعريّ فجأةً روحٌ أخرى بالكلّية، في غاية الوضوح، إلّا مع انقضاء العهد الأمويّ وابتداءِ الخلافة العبّاسيّة،
Nota 1. Le Divan de Férazdak, publié par Boucher، ص 249، وفيه: اجمع لنفسك ثوابَ الأعمال الصالحة، فليس أحدٌ يستطيع أن يُغني عن نفسك شيئًا إذا أدركها بحُكم الموت السيفُ الحادّ. — ويوجد في موضعٍ آخر جبريّةُ الإسلام على تمامها، ص 252، والنصّ ص 93.
368وهي روحٌ تُرينا على أتمّ وجهٍ وأوضحه ذلك التبدّلَ في المزاج الذي جرى شيئًا فشيئًا. فتظهر الآن تلك النزعةُ الرقيقةُ الجديدة التي سلكها مُطيع بن إياس منذ قصيدته في نخلتَي حُلوان، وبها نال شهرةً سائرةً مَسِيرَ المَثَل. وقد عاش في آخر عهد الأمويّين، وكان مُقَرَّبًا في البلاط، ولقي بعد سقوط تلك الدولة عند العبّاسيّين قَبولًا لا يقلّ عن ذلك لُطفًا. وقد نشأ في هواء بلاطٍ شرقيٍّ فاسدٍ كلَّ الفساد، فجاءت أشعارُه شاهدةً في مواضعَ كثيرة على ما كان يسود يومئذٍ من فسادٍ رهيبٍ في الأخلاق في أعلى الأوساط. وأمّا في الدين فقد وقف موقفَ اللامبالاة التامّة. وكان مملوءًا بالفُكاهات الماجنة والمزاح المُستَهتِر، فنال سريعًا في هذا الباب شهرةً ما في يومه، وعُدّ من أفسد أهل الكوفة. غير أنّ ذلك لم يمنعه من أن يُفلِح، بمواهبه في مجالس الناس، في دخول بلاط بغداد وفي أن يكسب حُظوةً خاصّة عند ابنٍ للخليفة القائم. ولم يبقَ من شعره إلّا شذراتٌ قليلة، غير أنّها موافقةٌ كلَّ الموافقة لهذه الصورة: مدائحُ ومراثٍ في أصحاب السلطان أو ذويهم، وأشعارُ مناسبات، ومُلَحٌ وسُخْفٌ وسَفاسِف، وإلى جانب ذلك أيضًا لمحاتٌ من إحساسٍ صادقٍ حميم. يصف مجلسَ شرابٍ فيقول:
يا يومَنا ببغداد، ما أبهجَ ما قضيناه
مع تلك الفتاةِ السوداءِ العينين التي تُسعِدنا!
لمعت كؤوسُ البِلَّور في المجلس
تدور بين الشاربين كنجوم الليل.
يصبّها الساقي صِرفًا مرّةً وممزوجةً أخرى،
فما ألذَّ الخمرَ التي يمزجها وما أروَحَها!
ويعبق في رؤوسنا دُهنُ الزعفران،
وقد أحاط بها إكليلٌ من ياسمينٍ ذهبيّ.
وما زال الشُّربُ بين الصُّنوج والعود
حتى غابت الشمسُ في المغرب.
369وقد يَرِد عنده أحيانًا إحساسٌ أنبلُ وأعمق؛ من ذلك قوله لابنته يُعَزّيها عند الوداع:
مَهْلًا! لقد نفذت الدموعُ
إلى قلبي،
فما زالت دموعُك تسيل
منذ زمنٍ طويل.
كُفّي عن أن تُقَطِّعي
قلبي أكثرَ من هذا،
وأن تُثَقِّلي علينا
فراقنا كلَينا.
لعلّ الله يمنحني برحمته
عِصمةً
من الخطر المخوف، ولعلّي
أعود قريبًا؛
فما من شيءٍ يريده العليُّ،
ربُّ القُوى،
يَعسُر عليه. فادعيه، فهو المُجيب،
الأزليُّ القديم،
واذكري: أنا في يد الله،
سواءٌ
أكنتُ قريبًا منك أم بعيدًا.(1)
ومثلُ هذه الخصال تجعل مُطيع بن إياس صورةً طبقَ الأصل من أبي نُوَاس الذي بلغ الشهرةَ العالية بعده مباشرةً، ولعب دورًا رئيسًا في بلاط هارون الرشيد والأمين والمأمون. وكان — إن أمكن — أشدَّ منه فسادًا في الأخلاق، وقد فاقه في الموهبة الشعريّة والذكاء وحضور البديهة، كما فاقه في اللامبالاة الدينيّة. فقد كان يُباح يومئذٍ في البلاط بالفعل أن يُهزَأ بالإسلام نفسِه، على أن لا يؤمن المرءُ بشيءٍ آخر. ومُطيعٌ وأبو نُوَاس هما أوّلُ شاعرين في الأدب العربيّ يجرؤان حقًّا على التغزّل بالحبّ غيرِ الطبيعيّ كما يتغزّلان بالغرام المباح. ويفوق أبو نُوَاس هاينه في الوقاحة بكثير، غير أنّه يكاد يساويه في سحر اللغة، وفي غزارة نغمات الوجدان الشعريّة الصادقة، والالتفاتاتِ البارعة، وفي فيض
370الظُّرف، ويفوقه في خلاعةٍ عبقريّةٍ شاعرة. وكما هي عادةُ المُستَهتِرين، صار في شيخوخته مُتَزَمِّتًا فلم ينظم إلّا في الزهد. وإنّما يَدين بشهرته الكبيرة التي يتمتّع بها لخمريّاته قبل كلّ شيء، ولذلك تحتلّ المقامَ الأوّل في مجموع شعره. وليس له فضلُ ابتداع هذا الضرب أوّلَ مرّة، فقد كانت هذه النزعةُ محبوبةً جدًّا من قبل، غير أنّ خمريّاته حُكِم لها بالتقدّم. وهي أصدقُ مرآةٍ للعيش المَرِح المُقبِل على اللذّة في بغداد، حاضرةِ الدنيا يومئذٍ.
على أنّ هذه الأعمال، على ما فيها من جاذبيّة، لا ينبغي المبالغةُ في تقديرها. فهي دائرةٌ ضيّقةٌ إلى حدٍّ ما من المشاهد والصور يدور فيها: مدحُ نُدَماء الشراب الذين لا يزالون عِطاشًا، تدور بينهم كأسُ البِلَّور المملوءةُ خمرًا مُتَلألئةً ناريّة بلا انقطاع، ولا يصرفهم أذانٌ؛ ووصفُ الخمر التي عتَقت في دَنٍّ قديمٍ نسجت عليه العناكب، اشتُرِيت بمالٍ غالٍ من خمّارٍ نصرانيٍّ أو يهوديّ، تصبّها فتاةٌ فاتنة من إبريقٍ بديع الصنعة طويلِ العنق في الكأس، فتُضيء بلمعانها الناريّ ظلمةَ الليل: هذه هي الصورُ التي تعود دائمًا في أشكالٍ شتّى. ويصل بذلك ببراعةٍ معنًى رِثائيًّا، فيذكر الأزمنةَ الخالية والنُّدماءَ الأعزّاء الذين مضَوا، ممّن لم يعد يُوَفَّق إلى مثلهم ولا يُعوَّض فَقدُهم. يذكر هؤلاء النُّدماء بأشجى الأحاسيس، ثم يعود آخر الأمر إلى الكأس يلتمس العزاءَ والسَّلوة؛ أو يصف لنا كيف رقب وحده في الليل لمعانَ البرق في الأفق البعيد، أو كيف أصغى إلى هديل الحمامة في كثيف
371الأغصان، ثم التمس من الحزن الذي دبّ إليه عزاءً في لُجَج شراب الآلهة الذي طال تخمّرُه في الدَّنّ، حتى إنّ من أصغى إليه خُيِّل إليه أنّ قِسّيسًا نصرانيًّا يُتَمتِم بصلواته أمام المذبح. أو يَعرِض علينا نُزهةً مَرِحة، تخرج فيها جماعةٌ من الفتيان الظُّرفاء منذ الصباح الباكر إلى حانة نصرانيٍّ أو يهوديّ: فينزلون هناك في الخُضرة تحت الشُّجَيرات المُزهِرة، ويقضون النهار على الكأس، تُطرِبهم الموسيقى المَرِحة وغِناءُ الجواري الحِسان.
هذه هي الصور التي تُعرَض علينا في تنوّعٍ زاهي الألوان، وهي تُظهِر بالفعل كمالًا فنّيًّا رفيعًا وغزارةً في الوَثْبة الشعريّة. وأمّا أنّه لم يكن أوّلَ من سلك هذه الدروب، فأحسنُ ما يدلّ عليه القطعةُ التي تقدّمت من شعر مُطيع.
وأقلُّ من ذلك قيمةً من الوجهة الشعريّة مدائحُه، فإنّ الصنعة الحِرَفيّة بادية فيها بقوّة، في حين أنّ في مراثيه من عمق الشعور ومن لونٍ رِثائيٍّ مؤثّرٍ ما يجعلنا نغفر له عن طيب خاطرٍ نقائصَ غيرَ قليلة، ولا سيّما اللغةَ المتكلّفة والمبالغةَ الشرقيّة. وفي غزله من الإحساس الرقيق ومن الشعر الصحيح بقدر ما فيه من الوقاحة والابتذال. وأمّا أشعارُ الهجاء فغليظةٌ فَظّةٌ أحيانًا، قاطعةٌ ظريفة، ولكنّها كثيرًا ما تكون سُوقيّة؛ وهذا الأخير يصدق كذلك على المُلَح والنوادر (المُجون)، في حين تعود أشعارُ العِتاب فتُظهِر مَسلكًا أجدَّ. وثمّة ضربٌ خاصّ من الشعر هو الطرديّات، وكلُّها أوصافٌ شعريّة للحيوان مصوغةٌ في لغةٍ شديدة التكلّف، ولا سيّما ما كان منها للصيد، مثل: البازي، والصقر، والفهود، وكلاب الصيد، والخيل، وكذلك الأسود والدِّيَكة الحبشيّة وغيرها. ومن الواضح أنّ هذه الأشعار كانت مقصودةً لمن كثر في تلك الطبقات
24*
372العالية من المجتمع يومئذٍ من مُحبّي هذه الرياضة الشريفة.
ومثلُ هذه الأوصاف للصيد والحيوان ليست نادرةً في الشعر القديم كذلك، ولم يكن أبو نُوَاس أوّلَ من نظم فيها.(1)
ويختم أشعارَه بالقِطَع الدينيّة (الزهديّات)، وموضوعُها التخلّي عن الدنيا. وهي بالغةُ الفائدة من الوجهة النفسيّة: فقد فقد الشاعرُ الشيخ ما كان له من مَرَحٍ وجُرأةٍ في العيش، ومن فرحٍ باللذّة؛ وحيث كان يرى من قبلُ كلَّ شيءٍ يتلألأ في شمس الشباب وفي خيالٍ لا لجام له، صار الآن يرى كلَّ شيءٍ في ظلّ الليل المقبِل القاتم. فأمسى مؤمنًا من أهل السنّة؛ وأنّه كان يعتقد القَدَر تشهد به الأبياتُ التالية:
لا يقدر الإنسانُ على شيء
إلّا ما أمر به الله:
ليس للإنسان أن يختار،
فإنّ الاختيارَ لله وحده.(2)
وثَمّ رجلٌ آخر أعظمُ منه وأنبلُ، تحفّه إشراقةٌ شعريّةٌ أصدق، عاصر أبا نُوَاس، ولم يَفُقْه شاعرًا فَوقًا بعيدًا فحسب، بل هو كذلك بالغُ الخطر في طَورٍ جديد من أطوار الشعر العربيّ.
فأبو العتاهية لم يلقَ عند معاصريه ما لقيه معاصرُه أبو نُوَاس من الاعتراف؛ ولم يبقَ من شعره إلّا شذرات، غير أنّه كان شاعرًا أصدقَ منه. فقد تجنّب كلَّ تكلّفٍ لفظيٍّ عديمِ الذوق، ونظم للناس جميعًا، وللعامّة قبل كلّ شيء؛ ولكنّ أعظمَ ما يصنع مجده
Nota 1. تبدأ هذه الأشعارُ عادةً بصيغة: «قد اغتدي». وقد بقيت قصيدةٌ لشَمَرْدَل (ابن حمدون I. 347)، وكان معاصرًا للفرزدق، يصف فيها بازيًا مبتدئًا بالألفاظ نفسِها. وليُقارَن في شأنه: Hammer-Purgstall: Lit. Gesch. d. Araber II. 336. والأغاني XII. 117 وما بعده. Nota 2. أشعار أبي نُوَاس، طبعة القاهرة، ص 93، الزهديّات XIV.
373هو أنّه أوّلُ شاعرٍ فيلسوفٍ في أمّته، وأنّه أوّلُ من عاب — وآخرُ من عاب فيما أحسَب — التكلّفَ اللفظيَّ والتقليد، ووضع المبدأ القائل إنّ على المرء أن يكتب كتابةً يفهمها الناسُ جميعًا.
وُلِد بالكوفة، وكان يعيش من تجارةٍ صغيرة في أواني الخَزَف. وقد نمت فيه النزعةُ الشعريّة مبكّرًا. غير أنّ مجرى فكره كان جادًّا تأمّليًّا. ولذلك رماه معاصروه بأنّه مُتَّبِعٌ لمذاهب الفلاسفة مُنكِرٌ للبعث، ويُقال إنّه أفصح عن رأيٍ مؤدّاه أنّ الله خلق من العدم جوهرين متضادّين تتركّب منهما كلُّ الموجودات وإليهما تعود كلُّها بالانحلال؛ وأفصح عن اعتقاده أنّ المعارف يمكن أن يكتسبها الناسُ بالنظر والبحث على الطريق الطبيعيّ بسعيهم هم (أي من غير وحي).
وقد قال هو في شعره: أعمالي ضعيفة، فإنّ الشعر ينبغي أن يكون كما نظم الأساتذةُ القدماءُ المشهورون، أو على الأقلّ كما نظم بشّارُ بن بُرد أو ابنُ هَرْمة؛ فإن لم تكن الأبياتُ كذلك، فالشاعرُ مُصيبٌ إذا قصد إلى لغةٍ يسهل على عامّة الناس فهمُها، كما أصنع أنا في شعري، ولا سيّما في الشعر التقيّ، فإنّ فنّ الزهد لا يُعجِب السادةَ الكبار ولا الرواةَ ولا علماءَ اللغة النَّهِمين إلى غريب الألفاظ؛ وإنّما يجد هذا الضربُ من الشعر قَبولًا عند أصحاب حياة التأمّل، والمحدِّثين، والفقهاء، والنُّسّاك، وكذلك عند عامّة الناس: فإنّ أحبّ الأشياء إلى هؤلاء ما يفهمونه.(1)
Nota 1. الأغاني III. 161.
374وقد حكم أبو نُوَاس، وكانت بينهما صحبةٌ ومودّة، بأنّه أعظمُ الشعراء، وهي مجاملةٌ لم تكن على الأرجح جادّةً كلَّ الجدّ. ويقال إنّه استعمل أوزانًا جديدة كذلك.(1)
ولا أستطيع للأسف أن أُحيل هنا على معروفٍ سابق كما فعلتُ في أبي نُوَاس، فلا بدّ أن أُورِد مختاراتٍ من شعره. قال في مناسبة صَدٍّ لقيه:
انقطع حبلُ الرجاء بيني وبينك،
فحططتُ الرَّحلَ عن الراحلة المُتعَبة.
وبرد قلبي من اليأس:
فقد استرحتُ الآن من عناء السُّرى ومن وقفات النهار.
يا أحمقُ، لعلّك بعد ساعاتٍ قلائل
راقدٌ في القبر مكسورَ الجسد مُغَطًّى بالجراح:
يقصُر الحكيمُ طلبَه فيتواضع،
أمّا رغائبُك فتجرّ ذيولًا طوالًا.
ابنُ آدمَ فَطِنٌ حاذقٌ في أمورٍ كثيرة،
غير أنّ الموت يُوقِع كلَّ حيلةٍ في حبائله.
وزنتَ سؤالي فوجدتَه أثقلَ
من كلّ ما يطلبه سائلٌ مُقتَصِد.
فإن طُلِب إليك أن تستر أحدًا بشرفك،
فلا تمنحه إلّا الكريمَ الفاضل.
وإن خشيتَ في مكانٍ لقاءً غيرَ كريم،
فارتحلْ ولا تُطِلِ المقام هناك.
واصبرْ أبدًا على حسد الدهر ومكره،
فإنّها تنحلّ كما تنحلّ العُقَد في الحبل.
وأدلُّ شعره على نفسه قصيدتُه الكبرى التعليميّة، ومنها هذه النماذج:
اقنَعْ يا أخي بقُوت يومك:
فهو يكفي؛ فإنّ كلَّ حيٍّ في الأرض ميّت.
فقيرٌ من طلب فوق حاجته؛
ومن عبد الله عاش بين الرجاء والخوف.
Nota 1. الأغاني III. 181.
375هكذا القَدَر وإن أنكره مُنكِر:
قد أُخطئُ أنا، أمّا القَدَرُ فلا يُخطئ.
أصغرُ الأشياء يُؤلِمنا إذا جرحنا؛
وما أطولَ زحفَ الليل إذا لم يُنعِشنا نوم.
العقلُ يُشير على الإنسان بالحكمة:
وأجملُ ما يُكتَسَب فِعلٌ كريم.
الشرُّ ضدُّ الخير؛
وكثيرًا ما يُخلي المزاحُ مكانَه للجِدّ.
من صدّق الوُشاةَ هلك؛
ومن خان غيرَك فقد أقسم أن يخونك.
الشبابُ والفراغُ وسَعةُ العيش
مُفسِداتٌ تُورِث المَلال.
وخيرُ ما يعصم من الإثم التركُ،
وعلى العقل أن يهتدي بالشكّ.
فمن الناس من يُثقِله طولُ العمر،
ومنهم من يُضنيه استعجالُ العيش.
يا ربِّ: إذا آذانا مكرُ الأشرار،
فأنت تُنجينا من غير صُنعهم.
ما تطلع الشمسُ ولا تغيب على الأرض
إلّا وفي ذلك عجائبُ من الفعل والصَّيرورة.
لكلّ شيءٍ مضمونٌ وصورة:
وسطٌ وأصغرُ وأكبرُ هي القاعدة.
من يُخلِص لك الحقَّ حيث اختلط كلُّ شيء،
وحيث يخترق المكرُ والخداعُ الحواسّ.
لكلّ شيءٍ قِوامٌ خاصّ به،
حيث يجد أصغرُه أكبرَه.
وتبقى الدنيا أبدًا دارَ عذاب،
كأسًا نقيّةً مُلِئت قذَرًا.
الخيرُ والشرُّ زوجان
نسلُهما كثير.
من يَعرِض عليك الحقّ؟ فليس بحقٍّ
أن يختلط الخيرُ بالشرّ.
لكلّ ابنِ آدمَ طبعان:
خيرٌ وشرٌّ، وهما متعاديان،
376هل شممتَ قطُّ كيف يفوح البُخل؟
ما أعرف رائحةً أقبحَ منها.
الخيرُ والشرُّ، إذا عُرِفا،
بينهما بُعدُ ما بين السماء والأرض.
عجبتُ صامتًا حتى ضاق بي الصمتُ
وصرتُ كالمأخوذ بالجنون،
هكذا قدّر الله: فماذا أصنع؟
الصمتُ أبلغُ من كلّ اللغات.(1)
ويظهر هذا الميلُ نفسُه إلى شعر الحِكمة في قصائدَ أخرى كذلك:
إذا لم تحتج إلى الصديق
أراك ودًّا،
فإذا احتجتَ إليه
لفَظك فوه.
ما لم يتخفّف الرجلُ من المال
بقي عبدًا للمال الذي كسبه؛
إنّما مالي ما أنفقتُه في القِرى،
لا ما أُخَلِّفه للورثة.
فإن كسبتَ مالًا فأعِنْ به الطاويَ،
وأعِنْ قبل أن تفوتك الفرصة.
ولمّا مات الخليفةُ الهادي، وكان شديدَ التعلّق به، أبى أن ينظم شعرًا خفيفًا بعده. وقد ساء ذلك هارون الرشيد فظنّ أنّه يستطيع إكراهه عليه بالأذى والسجن، لكنّه نذر أن يعيش سنةً كاملةً للصلاة والتوبة لا غير. وفي آخر يومٍ من السنة زاره صديقٌ فسأله: أما نظمتَ بعدُ شعرَ غزل؟ قال أبو العتاهية: بلى، وفي امرأتي!
وهكذا يقف أبو نُوَاس وأبو العتاهية إمامَين وهاديَين إلى عهدٍ جديد. فالأوّلُ مؤسِّسُ شعر اليوم الخليع وأنبغُ من يمثّله، شعرِ ذلك المجتمعِ العالي الرقيقِ الفاسدِ من أعماقه:
Nota 1. الأغاني III. 143.
377غزلٌ وخمريّاتٌ لا آخر لها، وسُخْفٌ منظوم، هي القُوتُ الذي زاد الناسُ استطابةً له على الدوام؛ وغايةُ ما يظهر فيه جِدٌّ أعمقُ في المراثي أو في قِطَعٍ متفرّقة من الزهد، وأكثرُ ذلك أفسده تَزَمُّتٌ يقتل الروح. وأمّا أبو العتاهية فيمثّل — إن جاز التعبير — صوتَ ضمير روح الشعب، وسَخَطَ الطبقات الدُّنيا الخُلُقيَّ على فسق الطبقات العليا الذي لا حدّ له. غير أنّ نظرته إلى العالم هي أيضًا بعيدةٌ كلَّ البعد عن نظرة العرب القديمة؛ فقد استقرّ الإسلامُ بجهازه المُرَوِّع من نارٍ وموتٍ وشيطان، وبنظرته المتشائمة إلى العالم، على روحه كما يستقرّ نَدى الليل السامّ. إنّه ينظر إلى الحياة بلا رجاء، وإلى المستقبل — لعلّه — بأقلَّ من ذلك رجاءً، وإن كان لا يجرؤ على قوله. لقد فقد روحَ العرب القديمة: الثقةَ بالنفس، وقلّةَ الاكتراث، والتمتّعَ الجريء بالعيش؛ وأبو نُوَاس، وهو صاحبُ هذه الخِصال، قد فقد في مقابلها أنَفةَ الشعراء القدماء واعتدادَهم بأنفسهم وحياءَهم وإحساسَهم بالشرف فَقْدًا تامًّا. غير أنّهما كليهما النمطان الفاصلان لعصرهما، ولم يكن أمام من جاء بعدهما إلّا أن يختار بين الدربين اللذين سلكاهما. فأبو نُوَاس هاينه زمانه، وأبو العتاهية هو Rückert كما يستقبلنا في «حكمة البرهميّ». على أنّ الأذهان السطحيّة أشدُّ ميلًا بما لا يُقاس إلى تقليد الأوّل، حسنًا كان تقليدُها أو رديئًا، منها إلى تقليد الثاني. وهكذا جرى الأمرُ يومئذٍ أيضًا: فقد بقيت الغلبةُ للفنّ الخفيف.
وأكتفي بمثالٍ واحد، فأشير إلى مسلم بن الوليد، وقد عاش في ذلك الزمان كذلك. كان شاعرَ مناسباتٍ مُحتَرِفًا، كسب بذلك مالًا كثيرًا في البلاط وعند عظماء الدولة، فإنّ كِبرَ الأمراء والعظماء في الشرق واعتدادَهم بأنفسهم لم يجدا تعبيرًا عنهما منذ القديم إلّا في المقياس الذي يكيلون به
378عطاياهم. فكان الخليفةُ يُعطي مثلَ هؤلاء الشعراء على المديحة المُجيدة 100,000 بل 200,000 درهم. ولم يكن الوزراءُ والولاةُ يرضَون بالتخلّف عنه في ذلك. وقد أحسن مسلم بن الوليد استغلالَ نقائص زمانه هذه، فصاغ المدائح في لغةٍ متكلّفة وكسب بها مالًا كثيرًا.(1) وكان إلى جانب ذلك يُطلِق الهجاءَ على هذا أو ذاك ممّن لا يخشاه وممّن لم يُعطِه ما يكفي. وفي ساعات فراغه كتب في الخمر والغزل على وجهٍ مُحلِّق، غير أنّه في أكثر ذلك شديدُ الاتّكاء على النماذج القديمة من عهد البادية. ولولا أبو نُوَاس لعددناه أبرزَ من يمثّل المدرسة الخفيفة، في حين بقيت نزعةُ أبي العتاهية الجادّة مُهمَلةً تقريبًا، ولم يظهر أثرُها إلّا بطريقٍ غير مباشر، بأنّ الشعر اتّخذ في الجملة طابعًا أميلَ إلى التأمّل، وحلّ التأمّلُ محلّ المحاكاة البسيطة للأحاسيس والمُدرَكات.
ومن أئمّة المدرسة المتأخّرة ابنُ المعتزّ، ابنُ الخليفة المعتزّ؛ ولم ينظم في الأغلب إلّا الشعر الخفيف، غير أنّه امتاز فيه — على قول ناقدٍ عربيٍّ قديم — بأناقةٍ أرستقراطيّة، وبغزلٍ فاتن، وبشيءٍ من التصنّع كما هو شأنُ المُحدَثين. ويجد المرءُ عنده كثيرًا ممّا يُعَدّ في أجود ما قيل وممّا لا يخشى المقارنةَ بالشعراء القدماء. وطابعُ شعره — إن جاز التعبير — طابعٌ أميريٌّ صحيح لا يوجد إلّا عند أميرٍ. ولا يصحّ بالطبع أن يُطلَب إليه
Nota 1. تظهر في المدائح خاصّةً أوضحَ ما تظهر آثارُ الذوق الرديء الذي أخذ يستفحل شيئًا فشيئًا. فلم يعد النظمُ يجري في لغةٍ يفهمها الناسُ جميعًا كما كان في الزمن القديم، بل صار المرءُ يقصد إلى الإبهار بغريب الألفاظ وإلى إظهار سَعة العلم. وفي هذا الأسلوب نظم أبو تمّام الذي مُدِح بغير حقّ، وكذلك البُحتُري وإن كان أقلَّ منه فسادًا في الذوق. وكلاهما شاعرُ مناسباتٍ مُحتَرِف. وقد أسهم علماءُ اللغة بالكوفة والبصرة وبغداد بنصيبهم في إفساد الذوق، إذ لم يكونوا يمدحون إلّا الشعر الذي فيه مواضعُ مُظلِمة وألفاظٌ مستغلقة تحتاج إلى شرح. وقد ظهرت هذه النزعةُ الذوقيّة الفاسدة كلَّ الفساد في أوّل عهد العبّاسيّين، وتبرّأ منها السيّدُ الحِمْيَريّ صراحةً (الأغاني VII. 11). غير أنّه سرعان ما ساد الرأيُ القائل إنّ القصيدة لا تُعَدّ جيّدةً إلّا إذا صيغت في لغةٍ عَسِرة الفهم مُظلِمة.
379أن يلتزم نماذج الشعراء القدماء وهو يصف مجلسَ صَبوحٍ في جماعةٍ أنيقة، بين النُّدماء والقَيْنات، على عُشبٍ يغطّيه البنفسجُ والنرجسُ وسائرُ الزهر، أو ما شاكل ذلك من المجالس، أو حين يصف لنا فخامةَ فرش المجالس ونفاسةَ الأثاث وأناقةَ الخدم. ففي مثل هذه الموضوعات لا يصحّ أن يُطلَب إليه أن يعدل عن اللغة الصافية الأنيقة التي يصف بها هذه المشاهد، وهي لغةٌ يفهمها كلُّ أحد، إلى القول المُلتَوي الغليظ عند الشعراء القدماء، فيتغزّل بالصحاري والقِفار والظباء والنعام والإبل أو بالأطلال المهجورة.(1)
ثم لم يلبث أن كثر مثلُ هؤلاء الشعراء الأمراء أهلِ البيوت الرفيعة حتى لا يُحصَون، فجرّب كلٌّ منهم نفسه في النَّظم، غير أنّ أحدًا منهم لم يأتِ بما يُذكَر، كما حاصر من الجانب الآخر جيشٌ من المُطرين الناظمين أبوابَ الأمراء وأعتابَ الأغنياء. نعم، إنّ هذا أو ذاك أحسن التصرّف في اللغة تصرّفًا أمهر، أو امتاز بتشبيهاتٍ جريئةٍ غريبة، أو ابتكر التفاتاتٍ وتجنيساتٍ جديدة؛ غير أنّه لم يُوَفَّق أحدٌ فيما يبدو إلى سلوك مسالكَ فكريّةٍ مُبتَكَرة ولا إلى فتح ميدانٍ لم يُطرَق بعدُ في هذا الفنّ. وهذا الحكمُ، وهو قائمٌ على انطباعاتي الشخصيّة وعلى معرفتي التي ليست بالمُستوفاة قطعًا
Nota 1. الأغاني IX. 140.
380— إذ لم تُعرَف هذه الجحافلُ من الشعراء والناظمين حتى الآن، إلّا القليلَ منهم، إلّا من شذراتٍ ومختاراتٍ بلا خطّة — لعلّه لا يحتاج إلى تصويبٍ جوهريّ إذا دُرِس هذا الميدانُ يومًا دَرْسًا أوفى. على أنّه لا يزال يقف عند مُنعَطَف مسار التطوّر الحضاريّ ثلاثةُ رجال: أحدُهم مُجَّد بغير استحقاق، والثاني وحده وُفِّي حقَّه، والثالثُ لم يُوصَف وصفًا كافيًا. أعني المتنبّي (ت 354هـ، 965م)، وأبا فراس الحَمْداني (ت 357هـ، 968م)، وأبا العلاء المعرّي (ت 449هـ، 1057—1058م).(1)
فأمّا الأوّل، وشعرُه المجموع بين أيدينا تامًّا، فهو واحدٌ من أولئك الشعراء من أهل البلاط وأهلِ البلاط من الشعراء، الذين جعلوا من صناعة القوافي وطلاقةِ اللسان بابَ رزق.
وُلِد بالكوفة، ولزم منذ وقتٍ مبكّر حياةَ التنقّل، وطلب رزقه شاعرًا جوّالًا، حتى قال فيه ناقدٌ عربيّ: إنّه قبل أن يصل إلى بلاط حلب مدح القريبَ والبعيد، وصاد الكُركيَّ كما صاد البُلبل. ولم يُوَفَّق في أوّل أمره؛ فقد أعطاه رجلٌ كبيرٌ مدحه بقصيدةٍ طويلة دينارًا واحدًا جائزةً. غير أنّه وجد بحلب راعيَه في سيف الدولة، رأسِ تلك الدولة الصغيرة شِبهِ المستقلّة، دولةِ الحَمْدانيّين التي حكمت هناك وامتازت بميلها إلى الحرب ودوامِ نزالها للبيزنطيّين، فحفظت بذلك خِصالَ العرب القديمة القبَليّة: شجاعةَ الحرب والإقدامَ على النزال. وقد سُرّ صاحبُ حلب سرورًا عظيمًا بأن يكون له شاعرُ بلاطٍ بمثل هذه الموهبة. وقد تغنّى المتنبّي
Nota 1. الفضلُ في التنبّه أوّلَ مرّةٍ إلى مكانة المعرّي شاعرًا فيلسوفًا يرجع إلى Hammer-Purgstall: Lit. Gesch. d. Araber VI. 900 وما بعده. أمّا المختاراتُ من شعره المُثبَتة هناك فناقصةٌ جدًّا بالطبع.
381بمآثر أميره الحربيّة وخِصاله الكريمة في مقالاتٍ شعريّةٍ افتتاحيّةٍ لا تُحصى، لقيت في العالم الإسلاميّ قَبولًا عظيمًا وخلّدت اسم راعيه. وقد حَسُن حالُ الشاعر حتى بطِر وفارق ذلك البلاطَ المِضياف. وذهب إلى مصر فتسوّل حُظوة وزيرها المُطلَق السلطان هناك، فلم يُفلِح، فهجاه بالمَثالب. ثم توجّه إلى بغداد، فلم يُحالفه التوفيقُ فيها كذلك. ثم سافر إلى شيراز إلى بلاط البُوَيهيّ الحاكم بها. غير أنّه لقي حَتفه في هذا السفر على يد جماعةٍ من الأعراب اللصوص اعترضوا القافلة.
ويمتاز شعره بأفدح المبالغات عُدْمًا للذوق، وبتكلّفٍ لغويٍّ عنيف وليٍّ للألفاظ، فأتاح لعلماء اللغة سريعًا مادّةً لشروحٍ مُطَوَّلة. ولم يتحرّج كذلك من أن يستفيد لنفسه معاني الشعراء السابقين. وهو يتباهى، إظهارًا للعلم، بالمصطلحات وألفاظِ الصناعات، حتى إنّ بعض أبياته لا يُفهَم البتّة بغير شرح. ولا تُعَوَّض هذه العيوبُ إلّا في قدرٍ يسير بمواضعَ جميلةٍ حقًّا، وأوصافٍ بالغةِ الشاعريّة، ومعانٍ نبيلة. غير أنّ ثَمّ خصيصةً لا بدّ أن نُبرِزها خاصّةً، وهي حِكَمُه الجميلة الموجزة في الرثاء والعزاء والحكمة، وهي علامةٌ مميّزة للشعر المتأخّر في مقابل شعر الطبيعة القديم: إنّه ذلك النشاطُ العقليّ التأمّليّ المُتَبَصِّر المُجَرِّد الذي كان ينقص القدماء والذي ظهر أوّلَ ما ظهر في وضوحٍ عند أبي العتاهية.
ويختلف عنه كلَّ الاختلاف معاصرُه أبو فراس، الذي لا بدّ أنّ المتنبّي كان يلقاه بحلب كلَّ يوم، والذي يُقال إنّ المتنبّي نفسه، على كلّ زَهْوه، حكم له بالتقدّم شاعرًا. وكان أبو فراس ابنَ عمّ
382الأمير سيف الدولة صاحبِ حلب في ذلك الزمان. وكان مُقطَعًا مدينةَ مَنبِج (Hierapolis) وأعمالَها، فعاش سيّدًا كبيرًا وشارك بحماسةٍ في حروب البيزنطيّين. صحب سيف الدولة في غزواته، ونابه في الحكم مرارًا في غيبته، ووقع في أسر الروم مرّاتٍ عدّة. أخذوه في المرّة الأولى إلى خَرشَنة على الفرات، فنجا إذ وثب بفرسه من سور الحصن إلى النهر؛ ووقع في الأسر مرّةً ثانية حين حاصر الرومُ مَنبِج وهو يدافع عنها. فحُمِل إلى القسطنطينيّة، فوجّه من أسره إلى أهله بحلب ومَنبِج عددًا من أشدّ الشعر تأثيرًا في النفس، حتى فُودي بعد أربع سنين.(1) ولمّا مات سيف الدولة أراد الاستيلاء على الحكم، فغُلِب وقُتِل في المعركة وهو في تمام قوّة العمر.
وهذا الرجلُ الفارس هو في الوقت نفسه من أبرز شعراء العصر المتأخّر، والنقّادُ العرب — وأنا لا أُعوِّل كثيرًا على حكمهم في غير هذا — يصفونه بأنّه من أعظم الشعراء، بل بأنّه آخرُ الشعراء.(2)
ولغتُه، على خلاف المتنبّي كلَّ الخلاف، بالغةُ النُّبل والرِّفعة في كلّ موضع، ومع ذلك ليست متكلّفةً ولا مستغلقة؛ وبينما يختلق الأوّلُ صُوَره الحربيّة في جميع المواضع تقريبًا، يتحرّك أبو فراس حيث يجري ذكرُ القتال والحرب في دائرة ما رآه هو وما عاشه. والحقُّ أنّ شعره ليس في الواقع إلّا يوميّاتٍ شعريّة لحياته، القتالُ والنزال فيها أكثرُ بكثيرٍ من الغرام ومجالسِ الشراب.
Nota 1. ابن خِلِّكان، رقم 152. Nota 2. الثعالبي في «اليتيمة». وثَمّ بضعُ عشراتٍ من الشعراء، كلٌّ منهم يصفه هذا الناقدُ المحلّيّ أو ذاك بأنّه أعظمُ الشعراء.
383على أنّ المشاعر الرقيقة ليست غريبةً عنه، وإن لم ترد إلّا نادرًا.
فقصيدةٌ مؤثّرةٌ جميلة وجّهها إلى أمّه من القسطنطينيّة، حيث كان محبوسًا أسيرًا، إلى مَنبِج، تُظهِر كم كان مُعَلَّقًا بها وكم كانت مُعَلَّقةً به. ويتكرّر هذا المعنى نفسُه في قصيدةٍ أخرى من الأسر. وليحكُمِ القارئُ بنفسه:
لولا الأمُّ بمَنبِج،
تلك العجوز،
لما ردّني عن الإقدام
خوفُ الموت.
ولأجبتُ عمّا تطلب: أن أفتدي
نفسي بالمال —
رافضًا في كِبرياء:
كلّا!
غير أنّي لا أستطيع، وإنّما أفعل
ما أرادته هي دائمًا،
ولو غطّاني ذلك
بالعار.
وأرى ذلك واجبًا
أدين لها به:
أن أحرص على ألّا تُقاسيَ
وحشيّةَ الحرب.
بمَنبِج تقعد العجوزُ
في خوفٍ وقلق،
مملوءةً حُزنًا عليّ،
قد أحاط بالمسكينة الهمّ.
آهِ، لو كان مكرُ القَدَر
وأهوالُ الليل
يُدفَعان بقوّة إرادة
البشر،
لَما نزل قطعًا بالمكان
الذي تسكنه المسكينةُ
غمُّ
النَّكْبة!
غير أنّ تدبير الله القادر
وحُكمَه العليّ
يملكان البشرَ ولا
يُدفَعان.
384وصبرُ المُحتَمِل يزداد
في كلّ امرئٍ
كلّما نزل به البلاءُ
بغتةً ثقيلًا.
آهِ، لو تطير هذه السحبُ
إلى مَنبِج
فتحمل إليها سلامي
مرّةً بعد مرّة.
التقوى والتسليمُ الصادق
لأمر الله
مجتمعان في القلب الطيّب
من هذه النفس الكريمة.
يا أُمّاه، إليك أُنادي:
لا يذهبنّ عنك الجَلَد،
فلله ألطافٌ خفيّة
يقسمها أحسنَ قِسمة!
كم صرف عنّا من هَولٍ،
وكم أعفانا من محنةٍ مُرّة.
فاصبري يا أُمّاه
صبرًا جميلًا،
فهذه النصيحةُ في الشدّة
خيرُ مَغنَم!(1)
ويقول في قصيدةٍ أخرى:
بلائي ثقيل، واحتمالُه أثقل،
وأرجو الله مُعزِّيًا.
جراحي عميقة، والأطبّاءُ في هَمّ،
والداءُ داءان: ظاهرٌ وباطن.
أرقُد أسيرًا والليلُ طويل:
لا تميل النجومُ إلى المغيب،
والساعاتُ السريعة تزحف مُعَذِّبةً،
فإنّ الزمن في البؤس يبدو أبدًا بلا نهاية ....(2)
ومن وراء السِّتر أسمع بكاءَ
أمّي، مهما طالت عليّ الساعات.
يا أُمّاه، دَعي لي الأجرَ عند الله،
أصبرُ صبرًا جميلًا فأنالُه ....(3)
Nota 1. هذه القصيدة ترجمها الأستاذ Ahlwardt ترجمةً موزونة في رسالته في شعر العرب وعِلم شعرهم، ونشر نصّها، غير أنّه أسقط منها ستّة أبياتٍ من غير تنبيه. Nota 2. أُسقِطت تسعةُ أبيات. Nota 3. الديوان، طبعة بيروت، ص 29.
385ويظهر في غير هذا كذلك طبعٌ رقيقٌ وأبيٌّ معًا، كما في قصيدته هذه إلى محبوبته:
يا حبيبةُ، دَعي النَّدْب،
فلكلٍّ أجلٌ مقدور.
فاصبري يا حبيبةُ في جَلَد،
واحتملي ما سلبك الحبيب.
أمّا الأبُ الذي مات فابكيه
أبدًا وأنتِ في خِمارك،
فإذا ناديتِني فسكتُّ،
لأنّي راقدٌ في القبر، فقولي:
أبا فراس، أيّها الفتى الحافلَ بالمجد والفضل!
ما قُسِم لك أن تنعم بشبابك.(1)
ومن أدلّ الشعر على نفسه الأبيّة الفارسة قولُه كذلك:
لا أنسى قولَ الفتيات:
هذه الطعنةُ شوّهت وجهه!
فقالت حبيبتي في غضب:
أتَبخَلْنَ عليّ بحبّه؟
وما الفارسُ بأحبَّ إليّ منه
إذا حمل الأثرَ في وجهه!
وهو لا يبيع مدائحه كما يفعل المتنبّي، فيقول في كِبرياءَ لابن عمّه أمير حلب:
لو لم يكن مجدي ومجدُك
شيئًا واحدًا،
ما رجع أحدٌ من عندي
بمديح.
ولكن لا يصحّ أن أمنع القولَ
عن رجلٍ
أُشارِكه المجدَ
وأتولّاه معه.
والحقُّ أنّه لا توجد في مجموع شعره مدائحُ بالمعنى الصحيح إلّا في ابن عمّه.
وهكذا كان أبو فراس صورةَ ذلك الزمن المضطرب الذي عاش فيه؛ تتجسّد فيه مرّةً أخرى روحُ العصر القديم الأبيّةُ الحربيّة، وليست المشاعرُ الأرقّ
386إلّا زيادةً من الحضارة المتأخّرة. والحقُّ أنّ التاريخ الباطن للشعر العربيّ كان لا بدّ أن ينتهي عنده، لولا أن ظهر بعدُ عقلٌ كبيرٌ رفيع، طوّر تطويرًا مستقلًّا، على وجهٍ جديدٍ عظيم، تلك النزعةَ الفلسفيّة التأمّليّة التي سلكها أبو العتاهية أوّلَ مرّة.
وأبو العلاء، من مَعَرّة النعمان، ولذلك سُمّي المعرّي، هو الرجلُ الذي يستحقّ مجدَ أن يكون أعمقَ مفكّري أمّته وأجدَّهم، والذي يقف بطلًا أخيرًا لعملٍ حضاريٍّ هائلٍ على حدّ الانحطاط، كأنّه أثرٌ جليل من آثار الفنّ القديم بقي بعد الانحلال العامّ، وظلّ في القرون المتأخّرة يشهد على ماضٍ عظيمٍ بائد.
وقد أبصر المعرّي النورَ (سنة 363هـ، 973م) في مدينة مَعَرّة النُّعمان الصغيرة بشمال الشام. تقع البلدةُ على مرتفَع، وتحيط بها منطقةُ آكامٍ تتخلّلها حُطامُ الصخر، لا يقطع رتابةَ المنظر فيها — عدا حقولِ قمحٍ متفرّقة — إلّا مغارسُ صغيرة من الزيتون والتين. ولم تكن البلَيدةُ على اتّصالٍ بالعالم الخارجيّ إلّا بطريق القوافل المارّ بها من حلب إلى دمشق. وكان أهلُها في أكثرهم من نسل القبائل العربيّة الجنوبيّة القديمة التي وفدت إلى البلاد في الفتح، ومن قبيلة تَنوخ خاصّةً، وإليها ينتسب بيتُ المعرّي، ولذلك تلقّب بالتَّنوخيّ. وقد فقد إحدى عينيه في الجُدَريّ وهو في أوّل الصِّبا، ثم كُفّ بصرُه بعد ذلك في الأخرى كذلك. ومع هذا نال تربيةً دقيقة، على يد أبيه نفسِه في البداية، وقد خلّد ذكراه في مرثيّةٍ جميلة. فلمّا شبّ قصد حلب واشتغل هناك أشدَّ الاشتغال بعلوم الأدب واللغة،
387فحصّل فيها ذُخرًا غيرَ عاديٍّ من المعرفة. قرأ فحول الشعراء (أبا تمّام والبُحتُريّ والمتنبّي) وشرح دواوينهم؛ وأعانه على ذلك خاصّةً حفظٌ قويٌّ إلى حدٍّ غير عاديّ، كما هو غيرُ نادرٍ في العُمْيان. ثم أخذ يقول الشعر بنفسه سريعًا. وكانت هذه الأشعارُ كلُّها مصروفةً إلى مدح العظماء والأمراء الحاكمين والقادة المُظَفَّرين، كما كان يقتضي ذوقُ العصر وكما كان يفعل الشعراء السابقون، ولا سيّما المتنبّي. غير أنّ ثَمّ فرقًا جوهريًّا بين المعرّي وسابقيه في نقطةٍ واحدة: فقد كان قانعًا بمِلكٍ صغيرٍ يكفيه للعيش، فلم ينظم هذه القصائد طلبًا للمال، بل نظمها ببساطةٍ عملًا فنّيًّا، والتزم الصورةَ الموروثة التي جرت بأن يصوغ المرءُ فيوضه الشعريّة في قالب شعر المناسبات. وكان قد عاد من حلب إلى بلده مَعَرّة نحو سنة 384هـ (994م)، أي وهو في نحو العشرين من عمره، وهنا فقط يبدو أنّ نشاطه الأدبيّ ابتدأ.
غير أنّه ما كان ليتعلّم سلوكَ تلك الدروب العالية في هذا لولا أن عزم على زيارة بغداد، وكانت يومئذٍ مَقَرَّ أنشط المساعي العلميّة وأشدِّ الأعمال العقليّة حماسةً. سافر إليها سنة 398هـ (1007—1008م)، غير أنّه وقع هناك في حالٍ سيّئة، وأحسّ من الغُربة والشقاء ما جعله يحنّ إلى الوطن، حتى قال في بعض شعره: يا بَرقَ (اللامعَ من ناحية المَعَرّة)، ليس الكَرْخُ (ضاحيةُ بغداد) وطني، وإنّما ألقى بي القَدَرُ إلى هنا منذ قريب. فهل عندك (أيّتها السحابةُ) قطرةٌ من ماء المَعَرّة تبلّين بها ظمآنَ لا يجد سُلوًى؟
25*
388وبعد أشهرٍ قليلة رجع إلى المَعَرّة. غير أنّه عزم بعد سنةٍ واحدة على زيارة بغداد مرّةً أخرى، فدخل فيها الآن في حالٍ أفضلَ بكثير. عرف عددًا من كبار الأدباء والعلماء، فأجلّوه وأحاطوه بالتوقير. وأوثقُ ما نشأ له من صِلاتٍ صلتُه بعبد السلام البصريّ، صاحبِ إحدى الخزائن الكبرى من الكتب. وكانت تقوم عنده، ولعلّها في قاعات الخزانة، مجالسُ أدبيّة كلَّ جمعة. فاجتمعت هنا حول المعرّي نفسِه حَلْقةٌ من التلاميذ المُخلِصين، في حين اشتغل هو كذلك اشتغالًا حيًّا بتلك العلوم التي كانت تُعنى بها بغدادُ يومئذٍ، أعني الفلسفةَ والجدلَ في علم الأديان. هنا عرف آراءَ أهل النظر وآراءَ الدهريّين؛ وهنا فقط يبدو أنّ الشكّ دخل قلبه، ودخله معه أخلاقُ المعتزلة النقيّة. وهذا هو الذي حكم وجهتَه العقليّة كلَّها بعد ذلك.
ثم قطع هذه الدراساتِ نبأُ حُزن، فإنّه لم يكد يمضي له ببغداد عامٌ ونصفُ عامٍ ونيّفٌ حتى بلغه خبرُ مرض أمّه الخطير. فأسرع إلى بلده، فلم يُدرِكها حيّة. فبكى موتها بأبياتٍ عميقة الإحساس.(1) ومن ذلك الحين بقي إلى آخر عمره في بلده، وأسلم نفسه في تأمّلاته المنفردة شيئًا فشيئًا إلى نظرةٍ إلى العالم قاتمةٍ مملوءةٍ باليأس؛ ومن هذه خرج شعرُه المتأخّر الذي جمعه في ديوانٍ خاصّ («لزوم ما لا يلزم»)، ونشره تلاميذُه، في حين ظهر شعرُه من العهد الأوّل في ديوانٍ آخر («سِقط الزَّند»). فإن كان يلتزم في هذا عُرفَ العصر الأدبيّ،
Nota 1. Rieu: De Abul-Alae vita et carminibus commentatio. بون 1843، ص 33.
389فإنّه في ذاك أصيلُ الطابع في كلّ موضع. إنّه ضربٌ من الشعر التعليميّ الفلسفيّ، ولكن بلا رابطٍ سوى الرابط الباطن، في أعلى ما تكون اللغةُ تحليقًا، وفي جُرأةٍ نادرة في تحليق الفكر، يُعبِّر فيه عن نظرته إلى العالم، وهي نظرةٌ متشائمة كلَّ التشاؤم. وقد بذل معاصروه، ولا سيّما العلماءُ المتعصّبون وأهلُ الكلام وأصحابُ الأوقاف السَّمينة — وهم من كان لا بدّ أن تبدو لهم مثلُ هذه الآراء بالغةَ الخطر — كلَّ ما في وسعهم لإهلاكه، ورموه بالزَّندقة والإلحاد. غير أنّ أتباعه المتحمّسين دافعوا عنه بنجاح، وكان لهم إلى ذلك سبيلٌ أوسع، إذ في شعره الفلسفيّ مواضعُ كثيرة يمكن حملُها حملًا تامًّا على معنى مذهب أهل السنّة، وهي مع ذلك مصوغةٌ دائمًا صياغةً تجعلها عند التمحيص موافقةً كلَّ الموافقة لمذهبه الفلسفيّ. وهذا ما نريد الآن أن نحاول رسمه في إيجاز.
هو مُثبِتٌ للألوهيّة من حيث إنّه يعترف بالله مبدأً أعلى للموجود:
اللهُ الذي لا نقصَ فيه غارقٌ في الغَيب،
وهو مع ذلك ظاهر، والطبيعةُ كلُّها تهدي إليه.
غير أنّ فكرته عن الله من التجريد بحيث يبقى المرءُ دائمًا في شكٍّ: هل وضع مكانَ إلهٍ شخصيٍّ ببساطةٍ سلطانَ الطبيعة أو القَدَر المُهَيمِن؟ ولا يبدو أنّ شكوكه في هذا حُلَّت قطّ. ومثلُ هذا التصوّر هو الذي جعله قادرًا كذلك على أن يتكلّم مرارًا على تقدير الله على معنى أهل السنّة تقريبًا:
يقضي اللهُ بما يكون فيكون كما ارتضاه،
فيظهر علمُ الحكماء عاجزًا وعقولُهم حائرة.
390غير أنّ في مقابل ذلك من جهةٍ أخرى شكَّه، كما يظهر بوضوحٍ في القطعة التالية التي أُترجمها بتمامها:
سألتُ العارفين من مَعَدٍّ(1)
ورجالَهم
عن ملوك سبأ، وما الذي
دبّروا وما الذي أحرزوا.
فقالوا: كلُّه باطلٌ زائل؛
فإنّ سلطان الأزمنة
لا يُبقي على مَلِكٍ ولا على تقيٍّ
يُحيي الليالي.
أرى فوقُ فَلَكًا
في دورانٍ أبديّ،
غير أنّ شرطه الباطن
محجوبٌ عنّا.
فهيّا! دَعِ الدنيا وابتعد عنها
إن كنتَ عاقلًا،
فإنّي والله لا أرضاها
لأصدقائي.
كيف الأقدار؟ — هي
كفرسانٍ راحلين،
أو كجيوشٍ تنتصر مرّةً
وتفرّ أخرى.
ويكاد المرءُ يظنّ أنّه كان يرى الزمنَ وحده الأزليَّ الباقي، على ما كانت تُعَلِّم مدرسةٌ فلسفيّة من مدارس ذلك العصر:
الساعاتُ وعاءٌ يضمّ
الأقدار،
فإذا سقط الغطاءُ ظهرت
للأبصار.
والزمنُ الجاري أبدًا
كالقصيدة:
غير أنّ الشاعر لا يُعيد
القافية نفسها.(2)
ويتّفق مع هذا كلَّ الاتّفاق أنّه يُصَرِّح بأشدّ العبارات ضدّ قول أهل الكلام إنّ الزمن مُوشِكٌ على الانقضاء، وإنّ الساعة قريبة، وإنّ
Nota 1. اسمٌ جامع للشعب العربيّ الشماليّ. Nota 2. قارن النصّ في Zeitschrift der D. M. G.، المجلّد XXX، ص 4.
391الدنيا صائرةٌ إلى الفناء. ومعلومٌ أنّ التخويف بقُرب يوم الحساب كان من أحبّ وسائل الترهيب في أوّل عهد الإسلام. ويقول المعرّي في وجه هذه الخرافة بجُرأةٍ لا تُبارى:
أفيقوا أيّها المخدوعون بالوَهْم،
أفيقوا من وَهْمكم!
فإنّ عقائدكم أساطيرُ
اختلقها الأوّلون مكرًا.(1)
إنّما أرادوا كسبَ متاعٍ من الأرض فكسبوه:
ماتوا، ومات معهم
شرعُ البائسين.
قالوا: إنّ الزمنَ قد قارب الآخِرَ،
آخِرَ الدنيا،
وإنّه لم يبقَ من الأيّام إلّا قليلٌ
إلى الساعة الأخيرة.
كذبوا! فمن أين لهم أن يعلموا
أنّ الأوان قد جاء؟
سُدّوا آذانكم عن الأكاذيب
التي سمعتموها منهم.
وغنيٌّ عن البيان أنّ الوحيَ ونبوّةَ محمّد لم يكن يستقيم أمرُهما مع مثل هذا التصوّر؛ وقد أفصح الشاعرُ في الأمرين كليهما بصراحةٍ عجيبة:
على رجلٍ من رجال الله علّق القومُ
رجاءهم،
يهديهم إذا حارت الجماعةُ
تتلمّس المُنقِذ.
وهو وَهْمٌ باطل، فإنّ العقل وحده
هو الهادي الإلهيّ،
الذي يقودكم صباحًا ومساءً
دليلًا خبيرًا بالطريق.
Nota 1. المسلمُ من أهل السنّة يفهم من لفظ «المخدوعين» أتباعَ الأديان الأخرى، ولا شكّ أنّه يفهم البيت كذلك؛ غير أنّه لا شكّ عندي أنّ المعرّي يستعمل اللفظ على معنًى أوسع. قارن Zeitschrift d. D. M. G. XXX.
392وكثيرًا ما يجمع كذلك بين الأديان مقارنًا: النصرانيّةِ واليهوديّة والإسلام، من غير أن يذكر للأخير فضلًا خاصًّا بحال. وأمّا النبيّ نفسه فيذكره مرّةً أو مرّتين، ولكن بغير أيّ زيادة، في حين يُدين صراحةً ما يُصنَع عند قبره من عبادةٍ شبيهةٍ بعبادة الأوثان، فيقول:
يُكرِمون في اعتقادٍ تقيٍّ
رُفاتَ رجلٍ ميّت،
تصير ذرّاتٍ منثورة
إذا مرّت عليها السنون.
ويقول في البعث:
كيف يعود إلى الحياة
ما بلغ آخره مرّةً،
بعد أن أشعل القَصَبُ اليابس
آخِرَ حريقٍ مُهلِك؟
النومُ موتٌ قصير يعود عنه صاحبُه.
والموتُ نومٌ طويل لا ينقضي.
فإن صحب العقلُ(1) نفسي
بعد أن خرجت،
فلك والله الحقُّ
أن تعجب؛
أمّا إن فنيت في بحر الهواء الواسع
في أعالي السماء
كما يفنى الجسدُ في التراب،
فيا لَلأسف!
على أنّ الذي يمتاز به المعرّي خاصّةً هو ذلك الحسُّ الخُلُقيّ الصحيح الذي يبلغ في كلّ موضعٍ أقوى تعبير، رغم شكّه في الدين، وميلُه إلى الرِّفق، وبُغضُه لكلّ رياء وللتديّن الآليّ الظاهريّ عند أهل الإسلام.
ويقول فيما كان يجري في الحجّ إلى مكّة من مناكرَ:
Nota 1. لعلّه استعمله بمعنى الوعي.
393مَهْلًا أيّتها الفتاة! فإنّ الحجّ
ليس يقينًا
فريضةً لازمةً
على النساء والفتيات.
ففي وادي مكّة الصخريّ يسكن
قومُ سَوءٍ،
حُرّاسٌ لا يستأهلون حراسةَ البيت
والمواضعِ المقدّسة.
بنو شَيبة(1) هم المُوَكَّلون
بحراسة البيت.
فإذا جمع الحجُّ الأممَ
عند الكعبة،
دفعوا الناس أزواجًا
إلى الحُجرة المقدّسة،
وهم أنفسُهم يترنّحون
من صُداع الخمر.
كلُّ سعيهم أن يحتالوا
على المال،
يُدخِلون بالمال الكعبةَ
حتى اليهودَ والنصارى.
فأبدِلْ من الحجّ الخيرَ
الذي تفعله،
فإذا طُلِب منك معروفٌ
فبادِرْ وقُلْ: نعم!
ولا يقلّ عن ذلك دلالةً قولُه في قصيدةٍ أخرى:
كم من مُصَلٍّ في المسجد
يرتعد
خشيةَ أن يُشَمَّ أثرُ
مجالسه بالليل.
وبدل أن يؤدّي الصلاة
في زُور،
خيرٌ له أن يدَعها
بالكلّيّة.
الدينُ أن تكون عادلًا
مع الناس أجمعين.
أفَثَمّ دينٌ يمنع المرءَ
حقَّه؟
Nota 1. شَيبة اسمُ ذلك البيت الذي كان له ولا يزال إلى اليوم امتيازُ حجابة الكعبة.
394صومُ شهرٍ بلا حَمْلٍ
للذنوب
يَعدِل صومَ شعبانَ ورجبٍ(1)
كليهما.
على أنّه لا بدّ لنا الآن أن ننتقل إلى الوجه المُظلِم من صورة هذا المفكّر الكبير، وأن نتكلّم على نظرته إلى العالم، وهي نظرةٌ لا عزاء فيها مملوءةٌ باليأس. فلمّا كان كلُّ شيءٍ في الحياة باطلًا، ولم يكن لشيءٍ بقاء، وكان القَدَرُ الذي لا يرحم يتعقّب الكرامَ خاصّةً أكثرَ من غيرهم، فقد رأى حياةَ الإنسان عمومًا بلا غاية، ورأى أنّ الخلاص منها بالموت أمرٌ يُتمنّى كلّما عُجِّل كان أحبّ. ولهذا السبب كان من الموضوعات التي عاودها مرارًا موضوعُ تناسل الجنس البشريّ، وهو ينهى عنه:
الوالدُ يحمل الوِزرَ في أن
يدخل الأبناءُ الحياةَ،
ولو صاروا أصحابَ سلطانٍ في المدائن،
فالوِزرُ يلحقه لا أقلّ.
وليس ذلك إلّا زائدًا في وحشتك
من ثمرات صُلبك،
وزائدًا في نقمتهم عليك إن كانوا
من الكرام وذوي العقول الكبيرة:
فإنّهم يرون الأبَ الذي طردهم
بلا ذنبٍ
إلى بلبلة الحياة التي لم يجرؤ
حكيمٌ على حلّها.(2)
وقد صدّق الشاعرُ اعتقادَه المتشائم بحياته كذلك، فلم يتزوّج قطّ، بل أمر أن يُكتَب على قبره:
هذا ما جناه عليّ أبي،
وما جنيتُ على أحد.(3)
ولم يظهر بعد المعرّي شاعرٌ عربيٌّ كبير؛ فقد وُجِد صُنّاعُ ألفاظ، وناظمون على تفاوتٍ في
Nota 1. شهران من شهور السنة العربيّة القمريّة. Nota 2. وقد نشرتُ القصيدة كاملةً بعد ذلك في المجلّد XXIX من Zeitschrift der Deutschen Morgenländischen Gesellschaft. Nota 3. أي بأن أدعوَه إلى الحياة.
395المهارة، غير أنّ الشعر الصحيح، والتحليقَ الحرّ الجريء لعقلٍ مُنطَلِقٍ يسعى دائمًا إلى سلوك دروبٍ جديدة، قد ذهب. وسار الانحطاطُ الأدبيّ يدًا بيد مع الانحطاط الاقتصاديّ والسياسيّ.
ولنُلقِ نظرةً أخيرة إلى الوراء على تطوّر الشعر العربيّ في مساره الحضاريّ.
فأقدمُ الأطوار طَورُ المحاكاة البسيطة بالألفاظ للانطباعات الخارجيّة والمُدرَكات الحسّيّة؛ أمّا التأمّلُ، أي معالجةُ الانطباعات الخارجيّة لتصير أحكامًا مستقلّة، فمعدومٌ فيه معدومًا تامًّا تقريبًا. ثم أخذ ينقلب الأمرُ في هذا شيئًا فشيئًا، فصار عنصرُ الوجدان أقوى تعبيرًا وأخذ يُنَحّي الجانبَ الواصف شيئًا فشيئًا. وحلّت محلّ أوصاف الطبيعة القديمة مُدرَكاتٌ خاصّة، وأفكارٌ، وحِكَمٌ، وأحكامٌ، ومعتقدات. فانقسم الشعرُ الآن إلى شعرِ وجدانٍ وفنٍّ خفيف، وشعرٍ جادٍّ تأمّليّ.
وقد أثّر هذان القسمان، وهما قائمان جنبًا إلى جنب، أحدُهما في الآخر تأثيرًا متنوّعًا. غير أنّ الشعر الخفيف، وإن أفسده التكلّفُ المفرط وعُدْمُ الذوق إفسادًا تامًّا، ظلّ مُستَشرِيًا، في حين بلغ الشعرُ الفلسفيّ الجادّ عند المعرّي نهايةً مفاجئة، فإنّ الجيل الذي تلاه مباشرةً لم يعد قادرًا على فهمه ولا على تقديره.
396العلوم والآداب
أنشأ الإسلامُ دولته العالميّة سريعًا؛ وبدا أنّ سلطان هذا الدين الجديد، المُتَجَلّي في بهاء النصر، سيسحق كلَّ اعتراضٍ وكلَّ حركةٍ عقليّةٍ مستقلّة. ومع ذلك ظهرت مثلُ هذه الحركات سريعًا جدًّا. فمن أحوال الأزمنة نشأت إمّا مفاهيمُ جديدة اختُلِف في فهمها ومداها اختلافًا واسعًا، وإمّا أفكارٌ معيّنة أوجدها الدينُ الجديد وامتصّها الناسُ من قراءة القرآن، فأثار تحديدُها منازعاتٍ كبيرة. وهذه التصوّرات التي شغلت نفوس الجيل الإسلاميّ الأوّل قبل غيرها هي: مفهومُ وحدة الذات الإلهيّة (التوحيد)، والسيادةُ العليا (الإمامة) والخلافُ في أنّها لبني أميّة أم لعقب عليّ (المفاضلة)، ثم فهمُ اللفظين الواردين في القرآن: الإيمان والكفر، والعقابِ في الحياة الآخرة (الوعيد)، والقَدَر.(1) كانت هذه أفكارًا جديدة نزلت بين الجماهير، ولم تكن حدودُها المنطقيّة قد تقرّرت بعد. فكان أوّلَ عملٍ عقليٍّ أن تُحَدَّد، ولَعَمْري إنّه لعملٌ عسير.
Nota 1. ابن حزم Fol. 204, v.، غير أنّه يُسقِط الكفر.
397وأوّلُ ما طُرِح للبحث مسألةُ السيادة العليا، وذلك على يد الخوارج والشيعة(1)، وقد ملأت حروبُهم زمنًا طويلًا أجملَ الأقاليم دمًا وخرابًا؛ وفي الوقت نفسه كثُر الأخذُ والردّ في الإيمان والكفر والعقاب في الحياة الآخرة. وكان الخوارجُ مُتَشدِّدين مُتَعَصِّبين، يُكَفِّرون كلَّ من لم ينضمّ إلى حزبهم، ويستحلّون دمه، ويُحَرِّمون كلَّ صلةٍ به، بل زعموا كذلك أنّ كلَّ مسلمٍ ارتكب كبيرةً يقع في الخلود في العذاب، بل إنّ أطفال الكافرين الأبرياء عندهم مكتوبٌ عليهم المصيرُ نفسُه. ولم يكن للإيمان وحده قيمةٌ في أعينهم إن لم يقترن بالعمل.
أمّا الشيعة، وهم أعداءٌ للخوارج وللدولة الأمويّة معًا، فسرعان ما وقعوا في ضلالاتٍ مقابلة. فقد بلغوا بحماستهم لحقّ أهل البيت مبلغًا نقلوا معه إلى أئمّتهم الموروثين أفكارًا فارسيّةً قديمة وهنديّةً بوذيّة عن تجسّد الألوهيّة في صورة إنسان، فانتهَوا بذلك إلى أشدّ التصوّرات غلوًّا.(2) على أنّ عقائدَ نصرانيّةً يهوديّة وجدت عندهم مدخلًا كذلك. وأعجبُ الأمثلة على ذلك عقيدةُ الرجعة الشائعةُ شيوعًا شديدًا عند شيعة العصر الأقدم. والإيمانُ بالرجعة معناه اعتقادُ أنّ عليًّا سيقوم من الموت، وأنّ المرء نفسه سيعود إلى الحياة
Nota 1. لمّا كنتُ لا أُحبّ إعادة المعروف، فإنّي أُحيل في هذا على كتابي Geschichte der herrschenden Ideen des Islams. Nota 2. ممّا يقطع بأنّ أصل هذه الأفكار أجنبيّ أنّ واحدًا من أقدم الشيعة من العرب يردّ هذه الفكرة ردًّا حاسمًا. Culturgesch. Streifzüge 11.
398بعد الموت في مدّةٍ معيّنة (أربعين يومًا في العادة). وليس من العسير إقامةُ الدليل على أنّ هذه الفكرة يهوديّةُ الأصل نصرانيّتُه، كما تُبيّن ذلك أخبارُ قيامة عيسى. وقد وُجِد هذا الاعتقاد مبكّرًا. فالنبيّان أخنوخُ وإلياسُ لم يموتا في اعتقاد العامّة، بل كانوا يرَون أنّ جسديهما راقدان حيّين في كهفَي قبرهما بالخليل. وعددُ الأربعين يومًا موجودٌ كذلك في الروايات النصرانيّة، كما هو عند أقدم فِرَق الإسلام. وأخيرًا فإنّ مدّة بقاء عيسى على الأرض بعد قيامته تُحَدَّد في «أعمال الرسل» بأربعين يومًا.(1)
وبينما كانت مسألةُ حقّ السيادة العليا هي الغالبةَ الأهمّيّةِ عند هذين الحزبين اللذين تقدّم الكلامُ عليهما، فأعطت بذلك الحركةَ الصادرةَ عنهما كلَّها طابعًا سياسيًّا حاسمًا، غلب عند فرقة المرجئة المذهبُ الدينيُّ الخالص. وقد نشأت هذه الفرقةُ بالشام أو بشمال جزيرة العرب. فيُقال إنّ مؤسِّسها ابنٌ لعليّ (محمّد ابن الحنفيّة) كان يقيم في هذه البلاد ومات آخرَ أمره بالشام. ثم انتشروا سريعًا إلى العراق وسائر الأقاليم؛ فقال بمذهبهم كذلك سعيدُ بن جُبير التقيّ(2) الذي كان يعيش بالكوفة، ونظم في الوقت نفسه تقريبًا ضابطٌ كبير من ضبّاط الجُند الأمويّ بخراسان(3) قصيدةً يدافع فيها عن أصول هذا الحزب. وهي على الأرجح أقدمُ وثيقةٍ تُعطينا خبرًا موثوقًا عن آرائهم. ونرى منها أنّ الذي شغل المرجئة خاصّةً هو تحديدُ الإيمان. فقد أنكروا ما أعطاه الخوارجُ للعمل من وزنٍ مُفرِط،
Nota 1. أعمال الرسل 1. 3. قارن لوقا 24. 33—43. Nota 2. المقريزي II. 350. ومات سنة 95هـ على ما في «التهذيب» ص 279. Nota 3. ثابت قُطنة، قارن الأغاني XIII. 52. Culturgesch. Streifzüge ص 4.
399وأنكروا إنكارًا حاسمًا سفكَ الدماء لأجل مسائل الدين؛ وعلّموا، على خلاف الخوارج المتعصّبين، أنّ المسلم لا يقع في الخلود في العذاب بسبب ما ارتكب من ذنوب، ولا يجوز لذلك أن يُسمَّى كافرًا لاختلافه في العقيدة. وقد تمسّكوا في الجملة بآراء أهل السنّة في الدين، ولم يقعوا معهم في شقاقٍ في الحقيقة قطّ؛ وأخصُّ ما أولَوه أهمّيّةً خاصّةً الإيمانُ بالقَدَر.
وخالفهم في ذلك القدريّة، وهم فرقةٌ يُرَجَّح أنّها وثيقةُ الصلة بالتي تقدّم ذكرُها، ويُظَنّ أنّها خرجت منها.(1)
وأصولُ هذه الفرقة تدلّ على دمشق.(2) وممّا يشهد بأنّها وجدت هناك أرضًا مواتية ذلك الخبرُ الذي جاء فيه أنّ الخليفة يزيد الثاني قال بمذهب القدريّة (الذهبي: العِبَر)، لولا أنّ هذا الخبر يبدو مشكوكًا فيه لأسبابٍ أخرى. أمّا الأصلُ الذي يحكم آراء هذه الفرقة فهو حرّيّةُ الإرادة، في مقابل الاعتقاد الجامد بالقَدَر عند القرآن وأهلِ السنّة ومعهم المرجئة. فقد أنكر القدريّةُ الجبرَ، أي ضرورةَ أفعال الإنسان المقدّرةَ سلفًا تقديرًا لا يتبدّل، فأدخلوا بذلك فكرةً جديدة في الصراع العقليّ في ذلك الزمان، وكان ذلك دفعًا إلى تطوّراتٍ لاحقةٍ بالغةِ الأثر.
Nota 1. غيلان، مؤسِّس فرقة القدريّة، كان مُرجِئًا في الوقت نفسه. Nota 2. على ما في ابن قتيبة ص 244 كان غيلانُ الدمشقيّ أوّلَ من قال بحرّيّة الإرادة بعد معبدٍ الجُهَنيّ. ويُقال إنّه كان نصرانيًّا من أصلٍ مصريّ. وأمّا معبدٌ الجُهَنيّ فلا يمكن إثباتُ المكان الذي ظهر فيه أوّلَ مرّة إثباتًا دقيقًا. غير أنّه بقي خبرٌ أنّ يونس، والدَ غيلان المذكور، علّم معبدًا وابنَه كليهما مذهبَ حرّيّة الإرادة. قارن Hammer-Purgstall, Lit.-Gesch. I. 1532.
1. الأشعار في هذا الفصل مترجمةٌ عن الصياغة الألمانيّة التي أوردها كريمر — وأكثرُها من نظم Rückert كما يُصرِّح هو في الحاشية — لا عن أصلٍ عربيّ. ولم يُثبَت لبيتٍ واحدٍ منها لفظٌ عربيّ منسوب إلى شاعرٍ بعينه، ولا أُعيدت صياغةُ مُعَلَّقةٍ أو قصيدةٍ معروفة، وإن كان بعضُ المواضع (وصفُ المطر عند امرئ القيس) مأخوذًا عن نصٍّ مشهور. وهذا يجري على سائر ما يأتي من الشعر في الفصل.
2. أسماءُ المواضع في قطعة المطر أُعيدت إلى صيغها العربيّة المُثبَتة: Odaib = العُذَيب، Därig = ضارِج، Katan = قَطَن، Jadbol = يَذبُل، Alsitär = السِّتار، Kotaifa = كُتَيفة، Alkannan = القَنان، Taimä = تَيماء، Tabyr = ثَبير، Mogaimir = المُجَيمِر. وكذلك Sitär = السِّتار وGhisl = غِسْل في قطعة المعز. أمّا الألفاظ فمن الألمانيّة كما تقدّم.
3. رقمُ الفصل في تراويس الصفحات مشوّشٌ بأخطاء القراءة الآليّة (VI., VII., VHI., VIIf., VINMN.)، والصوابُ VIII في جميعها، وقد أُثبت كذلك.
4. أرقامُ الحواشي في الأصل المصوَّر مشوّشة كذلك: ترد علامةُ الحاشية تارةً «1)» وتارةً «')» أو «!)» أو «?)» أو «2?)». وقد أُثبتت على ترتيبها الصحيح في كلّ صفحة.
5. في إحالة ص 347: «Ibid. IL v. 18» — و«IL» خطأُ قراءةٍ آليّة عن «II»، وقد أُثبتت II.
6. «der Führer» في القطعة الهُذَليّة تُرجمت «الدليل»، وهو الهادي في السفر لا القائد.
7. أحكامُ كريمر على «فقر الفكر» عند العرب القدماء وعلى «اليُسر الطفوليّ» في تلقّيهم الانطباعات هي رأيُه هو، مستشرقٍ نمساويٍّ من القرن التاسع عشر، ونُقلت كما هي بلا تلطيف.
1. الأشعارُ كلُّها في هذا القسم مترجمةٌ عن الصياغة الألمانيّة عند كريمر — وبعضُها عن نظم Rückert وNöldeke كما تُصرِّح الحواشي — لا عن أصلٍ عربيّ، ولم يُثبَت لبيتٍ منها لفظٌ عربيّ منسوب إلى شاعرٍ بعينه.
2. في أنشودة فتح الشام (ص 356) يكتب كريمر «‘Adrä-lmadäin»؛ والشطرُ الأوّل عَذراء التي قرب دمشق بلا شكّ، أمّا الشطرُ الثاني فلم أتحقّقه، فأُثبتت «عَذراء» وأُلحق بها رسمُ كريمر بحروفه ولم يُخترَع لها اسم. وكذلك «Marg alsoffarain» أُثبت «مَرْج الصُّفَّر»، وهو الموضعُ المعروف، والزيادةُ في رسم كريمر لم تُتَحقَّق.
3. أسماءُ المواضع والأعلام أُعيدت إلى صيغها المُثبَتة: Jarmuk = اليرموك، Bosrä = بُصرى، Wäkusa = الواقوصة، Mar‘ash = مَرْعَش، Kädisijja = القادسيّة، Choganda = خُجَندة، Soghd = الصُّغد، Mokrän = مُكران، Morakkish alakbar = المُرَقِّش الأكبر، Chalaf alahmar = خلف الأحمر، Hammäd = حمّاد الراوية، Ibn Kalby = ابن الكلبي.
4. «Clienten» في حاشية ص 358 = الموالي، وهو المصطلح الذي كان كريمر يترجمه.
5. رقمُ الفصل في تراويس الصفحات مشوّشٌ بأخطاء القراءة الآليّة (VI., VIl., VIll.)، والصوابُ VIII، وقد أُثبت كذلك. وكذلك رقمُ الملزمة في أسفل ص 355 يرد في الأصل المصوَّر «28%»، وهو خطأُ قراءةٍ عن «23*»، وقد أُثبت على الصواب موافقةً لسطر التوقيع في ص 353.
6. سطرُ «v. Kremer, Culturgeschichte des Orients. 23» ليس من المتن، بل هو سطرُ توقيع الملزمة في أسفل الصفحة، وقد أُبقي كما هو.
7. يقول كريمر في امرئ القيس إنّه «شاعرُ الزمن الإسلاميّ» (der mohammedanischen Zeit)، ثم يصف الشعرَ نفسَه بعد سطورٍ بأنّه «هذا الشعرُ في الزمن الإسلاميّ» (diese mohammedanische Poesie)، على حين يفتتح الصفحة 355 بقوله «وقد بلغ هذا الشعرُ الجاهليّ نهايته بقيام الدين الجديد» (Diese vorislamische Poesie). وامرؤ القيس جاهليّ، والكلامُ كلُّه في الشعر الجاهليّ، فالوصفُ متناقضٌ في موضعيه الأوّلين. أُثبت اللفظُ على ما ورد في الأصل ولم يُصلَح في المتن، والتنبيهُ هنا.
8. تسميةُ كريمر شعرَ الهجاء «منشوراتٍ شعريّة» (poetische Pamphlete) وحُكمُه على العَرْجيّ وعلى «الصنعة النظيفة» لعلماء اللغة من كلامه هو، نُقل كما هو بلا تلطيف.
1. الأشعارُ في هذا القسم مترجمةٌ عن الصياغة الألمانيّة عند كريمر، لا عن أصلٍ عربيّ؛ ولم يُثبَت لبيتٍ منها لفظٌ عربيّ منسوب إلى شاعرٍ بعينه (قصيدةُ أعشى هَمْدان، وغزلُ وضّاح في رَوْضة، ومجلسُ الشراب وقصيدةُ الوداع لمُطيع بن إياس).
2. مواضعُ سجن أعشى هَمْدان (ص 365) يكتبها كريمر: Kalaisim، Kajul، Käman، Wyma. ولم أتحقّق صيغها العربيّة المُثبَتة، فنُقِلت نقلًا صوتيًّا: كَلَيسِم، كَيول، كامان، وَيْما، على رسم كريمر.
3. «Färisijjah» في حاشية ص 364 أُثبتت «فارسيّة» على ما رسمه كريمر؛ وهو نفسُه يقول إنّها طِيبٌ غيرُ معروف.
4. في الأصل المصوَّر حواشٍ هامشيّة بخطّ اليد تسرّبت إلى القراءة الآليّة فقطعت المتن في ص 367 («fra ‘ N | bis A» قبل اسم الفرزدق) وفي ص 368 («M K &», «ur. A», «dm Ayod») وفي ص 369 («/ 197»). وهي أسماءُ الشعراء مكتوبةً على الهامش لا من النصّ، فلم تُثبَت.
5. رقمُ الفصل في تراويس الصفحات مشوّشٌ بأخطاء القراءة الآليّة، والصوابُ VIII في جميعها. وسطرُ «v. Kremer, Culturgeschichte des Orients. II. 24» سطرُ توقيع الملزمة لا من المتن، وقد أُبقي.
6. أحكامُ كريمر على مُطيع بن إياس وأبي نُوَاس («فسادٌ رهيب في الأخلاق»، «خلاعةٌ عبقريّة»، ومقارنتُه أبا نُوَاس بهاينه) وعلى «هواء البلاط الشرقيّ الفاسد» رأيُه هو، مستشرقٍ نمساويٍّ من القرن التاسع عشر، ونُقلت كما هي بلا تلطيف.
1. الأشعارُ في هذا القسم — قطعةُ أبي نُوَاس في القَدَر، وقصائدُ أبي العتاهية كلُّها بما فيها القصيدةُ التعليميّة الكبرى — مترجمةٌ عن الصياغة الألمانيّة التي أوردها كريمر، لا عن أصلٍ عربيّ؛ ولم يُثبَت لبيتٍ منها لفظٌ عربيّ منسوب إلى الشاعر.
2. أسماءُ الفنون أُعيدت إلى مصطلحاتها العربيّة التي كان كريمر يترجمها: Zohdijjät = الزهديّات، mogun = المُجون، ‘itab = العِتاب، Jagdlieder = الطرديّات، Weisheitssprüche = الحِكَم؛ وكذلك «kad aghtady» = «قد اغتدي» في حاشية ص 372.
3. «Weihe (bäzy)» و«Falken (sakr)» أُثبتا «البازي» و«الصقر» على ما يقتضيه رسمُ كريمر نفسِه، لا على المقابل الحيوانيّ الألمانيّ (Weihe = الحِدَأة).
4. اسمُ الشاعر الألمانيّ Rückert (ص 377) أُبقي بحروفه اللاتينيّة صونًا للإحالة، والمقصود بـ«حكمة البرهميّ» ديوانُه Die Weisheit des Brahmanen.
5. الأرقامُ 100,000 و200,000 درهم كمّيّاتٌ فأُثبتت بالفاصلة، على خلاف السنين وأرقام الإحالات.
6. في الأصل المصوَّر حواشٍ هامشيّة بخطّ اليد تسرّبت إلى القراءة الآليّة في ص 372 و373 و377 و378 و379 («AE ' A IR a», «Jam s», «A VL'L», «% Mai»، وغيرها)، وهي أسماءُ الشعراء مكتوبةً على الهامش لا من النصّ، فلم تُثبَت.
7. أحكامُ كريمر على أبي تمّام («مُدِح بغير حقّ») وعلى «الفن الخليع» وعلى الإسلام «بجهازه المُرَوِّع» و«نَدى الليل السامّ» رأيُه هو، مستشرقٍ نمساويٍّ من القرن التاسع عشر، ونُقلت كما هي بلا تلطيف.
1. أشعارُ أبي فراس وبيتُ المعرّي في الكَرْخ مترجمةٌ عن الصياغة الألمانيّة التي أوردها كريمر، لا عن أصلٍ عربيّ؛ ولم يُثبَت لبيتٍ منها لفظٌ عربيّ منسوب إلى الشاعر. وقصيدةُ الأمّ خاصّةً يُصرِّح كريمر في حاشيتها بأنّ Ahlwardt ترجمها ترجمةً موزونة، وأنّ في ترجمته سقطًا.
2. أسماءُ الأعلام والمواضع أُعيدت إلى صيغها المُثبَتة: Motanabby = المتنبّي، Abu Firäs Hamdäny = أبو فراس الحَمْداني، Saif aldaulah = سيف الدولة، Abul‘alä Ma‘arry = أبو العلاء المعرّي، Ma‘arra alno‘män = مَعَرّة النعمان، Tanuch = تَنوخ، Manbig = مَنبِج، Charshana = خَرشَنة، Karch = الكَرْخ، Ta’äliby / Jatymah = الثعالبي / يتيمة الدهر، Ibn Challikän = ابن خِلِّكان، sakt alzand = سِقط الزَّند، lozum mä lä jalzam = لزوم ما لا يلزم.
3. «Rationalisten» و«Materialisten» في ص 388 تُرجمتا «أهل النظر» و«الدهريّون»، وهما ما كان كريمر يترجمه من مصطلحات المِلَل والنِّحَل؛ ولم يُسَمِّ هو الفِرَق بأسمائها العربيّة.
4. «Hierapolis» أُبقيت بحروفها اللاتينيّة كما وضعها كريمر تعريفًا بمَنبِج.
5. السنون أُثبتت بلا فاصلة (363هـ، 384هـ، 398هـ)، وأرقامُ الإحالات على مصادر كريمر تُركت على حالها بلا تغيير.
6. رقمُ الفصل في تراويس الصفحات مشوّشٌ بأخطاء القراءة الآليّة (YIlL., VII., VHI., YM., VI.)، والصوابُ VIII، وقد أُثبت كذلك. وسطرُ «v. Kremer, Culturgeschichte des Orients. II. 25» سطرُ توقيع الملزمة لا من المتن، وقد أُبقي.
7. أحكامُ كريمر على المتنبّي («مُجَّد بغير استحقاق»، «أفدح المبالغات عُدْمًا للذوق») وعلى النقّاد العرب هي رأيُه هو، ونُقلت كما هي بلا تلطيف.
1. أشعارُ المعرّي كلُّها في هذا القسم مترجمةٌ عن الصياغة الألمانيّة التي أوردها كريمر، لا عن أصلٍ عربيّ؛ ولم يُثبَت لبيتٍ منها لفظٌ عربيّ منسوب إلى الشاعر — بما في ذلك البيتُ المشهور المنقوش على قبره، فقد نُقل عن الألمانيّة ولم يُستَعَد لفظُه المرويّ.
2. المصطلحاتُ الكلاميّة أُعيدت إلى ألفاظها العربيّة التي كتبها كريمر بنفسه بين قوسين: tauhyd = التوحيد، imämah = الإمامة (وهي «السيادة العليا» عنده)، mofädalah = المفاضلة، ’ymän = الإيمان، kofr = الكفر، wa‘yd = الوعيد، kadar = القَدَر، rag‘ah = الرجعة. وكذلك أسماءُ الفِرَق: Chärigiten = الخوارج، Shy‘iten = الشيعة، Morgiten = المرجئة، Kadariten = القدريّة، Mo‘taziliten = المعتزلة، Rechtgläubige = أهل السنّة.
3. أسماءُ الأعلام أُعيدت إلى صيغها المُثبَتة: Ma‘add = مَعَدّ، Shaiba = بنو شَيبة، Sha‘bän und Ragab = شعبان ورجب، Ibn Hazm = ابن حزم، Mohammed Ibn alhanafijja = محمّد ابن الحنفيّة، Sa‘yd Ibn Gobair = سعيد بن جُبير، Täbit Kotnah = ثابت قُطنة، Makryzy = المقريزي، Tahdyb = التهذيب، Dahaby ‘Ibar = الذهبي: العِبَر، Ghailän = غيلان الدمشقي، Ma‘bad Gohany = معبد الجُهَني، Junis = يونس، Jazyd II. = يزيد الثاني.
4. إحالةُ ص 398 على إنجيل لوقا ترد في الأصل المصوَّر «Luc. 24. 383—43»، وهو خطأُ قراءةٍ آليّة ظاهر عن «24. 33—43»، وقد أُثبتت على الصواب. وكذلك رقمُ الصفحة في إحالة ص 390 على مجلّة الجمعيّة الشرقيّة الألمانيّة ورد في الأصل المصوَّر «Ss a.»، وأقربُ قراءةٍ له «S. 4»، وعليها أُثبت.
5. عنوانُ الفصل التاسع «Wissenschaft und Litteratur» أُثبت «العلوم والآداب» على ما جرى عليه سائرُ الكتاب. ورقمُ الفصل الثامن في تراويس الصفحات مشوّشٌ بأخطاء القراءة الآليّة (VINI., VIIL., VI.)، والصوابُ VIII.
6. أحكامُ كريمر على «تعصّب» الخوارج و«غلوّ» الشيعة، ونسبتُه عقيدةَ الرجعة إلى أصلٍ يهوديٍّ نصرانيّ، ووصفُه تديّنَ المسلمين بأنّه «آليٌّ ظاهريّ»، وحديثُه عن «أصحاب الأوقاف السَّمينة» — كلُّها من رأيه هو، مستشرقٍ نمساويٍّ من القرن التاسع عشر، ونُقلت كما هي بلا تلطيف ولا تصحيح.