(kie-pei، ولعلّه نقلٌ للفظ العربيّ: كِرباس، أي نسيج القطن)، والحديدُ الصلب (pin-tie)، وماءُ الورد، وأخيرًا الكافور 1).
وهذا التعدادُ للسلع التي كانت تُصدَّر إلى الصين على الخصوص يُتيح لنا أن ننظر في هذه المواد نظرًا أقرب.
فلا بدّ أن تكون صناعةُ الزجاج قد توطّنت عند العرب مبكّرًا، إذ عُرفت في العهد القديم أكوابُ البِلَّور 2)؛ ومن الهدايا النفيسة التي بعث بها أوّلُ الأمويّين إلى بطريقٍ روميّ يُذكر كوبٌ من زجاجٍ مصقول (زجاج مخروط) 3). وكان الزجاجُ الشاميّ مشهورًا 4)، وكانت صناعةُ الزجاج تُمارَس ببغداد أيضًا 5). وقد تعلّمت الصناعةُ الفنّيّة سريعًا استعمال هذه المادّة في إنتاج سلع الترف. وعرفوا أنواعًا شتّى من الزجاج: ففي القرن الثاني للهجرة كانوا يُحسنون صنع الزجاج المطليّ بالمينا والزجاجِ المصهور (التلويحات)، وكذلك سيولِ الزجاج، حيث تُوصَل كتلٌ زجاجيّةٌ مختلفةُ الألوان بعضُها ببعض. ويُذكر من أهل الخبرة بهذه المعالجة كيميائيٌّ عالِم ألّف في ذلك مصنّفاتٍ خاصّة، بل حاول أن يصنع من الزجاج لؤلؤًا زائفًا، وأخرج في ذلك رسالةً مفردة 6). وصنعوا كذلك الزجاجَ المجرور واتّخذوا منه أواني الترف. ولا بدّ أنّ التحف التي كانوا يوردونها لقصور الأغنياء والعظماء — من قطرميز البلّور، ومن كتلة المينا — كانت في غاية النفاسة، إذ تُذكر أوانٍ من
1) Bretschneider: l. c. p. 12. 2) آنيةُ زجاج، الكامل p. 692. 3) المسعودي VIII. 80. 4) الثعالبي: لطائف المعارف 95. 5) الهروي، نشرة Seligmann p. 24 يُشبّه الماسَ ببلّور زجاج بغداد. 6) إسحاق بن نُصير، الفهرست 360.
282المينا المُجرَى بالذهب، ومن الزجاج المجرور، ومن زجاج بغداد. ويحدّثنا العالِم المقريزيّ عن كوب خمرٍ من بلّور، أصلُه من خزائن الفاطميّين، بيع بما لا يقلّ عن 360 دينارًا (3,600 فرنك) 1). وكانوا يصنعون في العراق كذلك تلك القناديلَ الزجاجيّة الجميلة المزيَّنة بالكتابات، التي جرت العادةُ بتعليقها في المساجد، وأكثرُها أبيضُ بزخارفَ زرقاء 2).
وأمّا مبلغُ ما بالغوا فيه من الترف بهذه الأواني فلعلّ أدلَّ ما يدلّ عليه أنّه لمّا بيعت ذخائرُ الفاطميّين بالقاهرة في المزاد بيع في زمنٍ قصير 18,000 إناءٍ من زجاج 3). وكانت التحفُ منها تُزيَّن في العادة برسومٍ من ظاهرها وباطنها، محفورةٍ أو مطليّةٍ بمادّةٍ ملوّنةٍ ثم محروقة. وكانت الأواني على كلّ ما يمكن من الأشكال: الجِرارُ (الباطية)، والباطياتُ الكبيرة (الخُردادي) وتسع الواحدةُ منها من ثمانية أرطالٍ إلى عشرة، والصِّحافُ والأقداحُ والأكوابُ على اختلاف ضروبها وأشكالها بحسب الاستعمال، والقواريرُ الضيّقةُ العنق أو المعقوفتُه كتلك التي كانت تُتّخذ للفُقّاع، وغيرِ ذلك 4).
وأمّا ثاني السلع المذكورة آنفًا للتصدير فالتمر. وهو كما هو معلومٌ يجود جودةً فائقةً بالبصرة، وكان يُجلَب إليها من جزيرة العرب أيضًا بكمّيّاتٍ كبيرةٍ للتصدير. وكان جِدادُ النخل في المدينة المذكورة عيدًا ريفيًّا، تمتلئ فيه المزارعُ التي لا يحدّها بصرٌ حول المدينة بالعمّال، يشتغلون بجمع الثمر الناضج وكبسِه في قِفافٍ كبيرةٍ من الخوص، ثم يُرسَل بها إلى أبعد الأصقاع 5). على أنّ بعض
1) المقريزي: الخطط I. 414. 2) ابن جُبَير 81. 3) المقريزي: الخطط I. 413. 4) Ibid. الخطط I. 414. الأصفهاني I. 440. 5) المسعودي VIII. 132.
283كُوَر خوزستان وفارس كانت تُنتج أصنافًا رفيعة، وكانت كازرونُ على الخصوص مشهورةً بتمرها الفائق، حتى كان يُرسَل به في الآفاق تُحفةً نفيسة 1). فلعلّ تصديرَ التمر وحده كان يكفي لأن يُغذّي تجارةَ تصديرٍ ذاتَ شأن.
ويلي ذلك السُّكّر، وكان موطنُه خوزستانَ والساحلَ الفارسيّ كلَّه إلى سِيراف وإلى مُكران. ولمّا كانت صناعةُ تكرير السكّر قد اختُرعت في تلك الأصقاع أوّلًا وأُديرت فيها إدارةً مصنعيّة، وبها وحدها أمكن أن يُصنَع السكّر في صورةٍ صُلبةٍ ويُرسَل به، فمن اليسير أن يتصوّر المرءُ أيَّ ثرواتٍ لا بدّ أن تكون هذه السلعةُ الجديدة، وقد تزايد استهلاكُها أكثرَ فأكثر، قد جلبت إلى البلد.
وأمّا صناعةُ الحديد فنعلم أنّها كانت تُمارَس في أقاليمَ شتّى؛ وأمّا أنّ اللفظ الصينيّ pin-tie لا يُفهم منه الحديدُ الخام بل المشغول فذلك ممّا لا يكاد يُشكّ فيه. وكان الحديدُ موجودًا في جزيرة العرب نفسِها، كما كان في فارس وكرمانَ على الخصوص 2). ولذلك سادت هناك منذ العهود القديمة صناعةٌ معدنيّةٌ بالغةُ التطوّر. ولا بدّ أنّ العرب تعلّموا في ذلك كثيرًا من الفرس، فإنّ اسم الفولاذ فارسيّ.
ومن هذه الصناعة، على أغلب الظنّ، جاءت تلك المصنوعاتُ الحديديّة التي كانت تُحمَل في السفن إلى الصين. على أنّ فَرغانةَ كانت مشهورةً على الخصوص بمصنوعات الحديد، وكانت ترسل منها كمّيّاتٍ كبيرةً حتى إلى بغداد 3).
1) معجم البلدان IV. 225.
2) كانت عند دَمِنْدان بكرمانَ مناجمُ كبيرة، يُستخرج فيها الحديدُ والنحاسُ بل الذهبُ والفضّة. معجم البلدان sub voce. وكانوا يحفرون على الحديد عند البصرة أيضًا. Journal Asiat. 1853, Jan. p. 79.
3) ابن حَوْقَل 384.
284وأمّا الاختصاصُ الذي امتاز به العراق، وكذلك البحرينُ وعُمانُ واليمن، فصناعةُ السلاح والدروع. يقول مؤلّفٌ قديم 1) إنّ الدروع الروميّة كانت أضعفَها، على حين كانت دروعُ العراق والبحرين وعُمان واليمن أشدَّ صلابة. وقد قطعوا في صناعة السلاح شوطًا بعيدًا، ولم يُهملوا في ذلك بطبيعة الحال تقاليدَ الصناعة الشرقيّة القديمة. وكانت السيوفُ تُصنَع بالشام، وذلك في موضعَي مؤتةَ ودِياف، في الناحية الجنوبيّة المتاخمة لجزيرة العرب (مشارف الشام)، ولذلك سُمّيت هذه السيوفُ المشرفيّة؛ وكانت نصالُ اليمن مشهورةً على الخصوص، وكذلك نصالُ شُبُرقانَ بخراسان 2)؛ ومع ذلك كانوا يجلبون بعضها من الهند أيضًا. وكانت سيوفُ جنوب جزيرة العرب عريضةً مستقيمة، أمّا سيوفُ البصرة فمعقوفةٌ كسيوف الشرق الحديثة 3). وأمّا ما يُسمّى النصالَ الدمشقيّة، التي اشتهرت في أوروبّا منذ زمن الحروب الصليبيّة شهرةً عظيمة، فلم تكن في العهد الأقدم موضعَ تقديرٍ خاصٍّ البتّة، إذ إنّ هذه الصناعة لم تنشأ بدمشق إلّا متأخّرةً نسبيًّا، وتعبيرُ «النصل الدمشقيّ» غريبٌ عن كتّاب العرب الأقدمين. وقد بلغوا في صنع الدروع أيضًا شأوًا بعيدًا؛ فمن ذلك الأقبيةُ الفارسيّة ذواتُ الحَرَشِف (الكَزاغَند)، مبطَّنةٌ من الداخل بحَرَشِفٍ من معدنٍ ومكسوّةٌ من الخارج بالديباج، والدروعُ الصدريّة المذهَّبة المبطَّنةُ من الداخل، والزَّرَديّاتُ الطويلة وما يتبعها من مغافر، والخُوَذُ المكفَّتة بالذهب، والرماحُ ذواتُ
1) الهمداني: الإكليل VIII. Fol. 105.
2) قارن Journal Asiat. 1854, Januar p. 71، حيث تُذكر مواضعُ صناعةٍ أخرى.
3) يقول الخبرُ القديم إنّ أقدم السيوف صُنعت من حديد الشُّهُب. كذلك يُروى على الأقلّ في سيف عنترة.
285القنا الخَيْزُرانيّ، والدَّبابيسُ المذهَّبة أو المدهونةُ لا غير (القنطاريّات)؛ وقد قطعوا في المقذوفات شوطًا كبيرًا: فكانت لهم القِسيُّ العربيّةُ المعتادة، ثمّ صنعوا مبكّرًا قِسيًّا شديدةً تُرمى بالرِّجل (قِسيّ الرِّجل والرِّكاب)، ثمّ قِسيَّ اللولب، وكان وزنُ سهمها خمسةَ أرطال؛ وكان لهم من النبال والسهام، وقد عُنُوا بإتقان صنعها عنايةً كبيرة وكان لها صُنّاعٌ مشهورون، أنواعٌ شتّى، منها نوعٌ يحمل اسم الجراد، طولُه شِبر، ويُرمى بقوس اللولب 1).
وكانوا يصنعون من الفولاذ المرايا أيضًا، إذ لم يكن يُستعمَل يومئذٍ إلّا ما كان منها من معدن 2). وأمّا أنّهم بلغوا في معالجة المعادن على العموم درجةً عاليةً من الإتقان فتشهد به البقايا المحفوظة، وإن لم تتوافر معطياتٌ أدقُّ عن فروع هذه الصناعة فرعًا فرعًا 3).
والسلعةُ التالية سلعةُ المنسوجات. وأمّا هل يُقصَد بأقمشة القطن المذكورة سلعةً للتصدير إلى الصين هذه وحدَها أم الأقمشةُ الصوفيّة على العموم، فذلك موضعُ شكّ. وقد كانت صناعةُ القطن منتشرةً في العراق نفسِه منذ عهدٍ مبكّر، فكانوا يزرعون فيه الشجيرة ويشتغلون بالقطن على وجهٍ صناعيّ.
ولا بدّ أن تكون صناعةُ النسيج قد بلغت في عهد العبّاسيّين، في أهمّ أقاليم الدولة، درجةً عاليةً من التطوّر، أعطت تجارةَ التصدير من غير شكٍّ دفعةً قويّة. فكانوا يشتغلون بصوف الغنم والقطن ووبر الإبل
1) المقريزي: الخطط I. 417. 2) Ibid. 415. 3) وكذلك يرتدّ مجدُ نصال طُليطلة إلى زمن حكم العرب، وقد بقي ذوقُهم الفنّيّ في إسبانيا في المصنوعات المعدنيّة والخزفيّة إلى اليوم، كما تبيّن ذلك بوضوحٍ في المعرض العالميّ الأخير بفيينا.
286فيصنعون منها أشدَّ الأقمشة اختلافًا، من أرقّ الأصناف إلى أخشنها. ومن خصائص بلاد آسيا الأماميّة أنّها كلَّها، بحكم تكوينها الجغرافيّ، معتمدةٌ اعتمادًا شديدًا على تربية الماشية. فهي تنتمي في الأغلب إلى النطاق الجافّ، والمطرُ فيها قليل، ومن ثمّ لا تصلح هضابُها العالية للزراعة ولا يمكن الانتفاعُ بها إلّا في تربية الماشية، على حين تكون المنخفضاتُ، حيث تنال الأرضُ رطوبةً كافيةً من مسايل الجبال، عظيمةَ الخصب في الأغلب على وجهٍ يكاد يكون خرافيًّا. فأغنى بلاد آسيا الأماميّة وأبركُها كانت لذلك معتمدةً أبدًا على تربية الماشية اعتمادَها على الزراعة والصناعة. وأمّا الأنواعُ التي كانوا يُعنَون بها على الخصوص فالجملُ والفرسُ والحمارُ والشاةُ والمعزُ والجاموس؛ وأمّا البقرُ فقد أُهمل نسبيًّا، إذ لا يجود على الخصوص في البلاد الحارّة، ولا يكاد يُستعمَل للطعام البتّة، فإنّ الشرقيّ يكره لحم البقر، وهو في الشرق أيضًا دون لحم الضأن والحملان بكثير. ولا بدّ أنّ هذا الحُكم المسبق قديمٌ جدًّا، إذ يُنسَب إلى طبيب الخليفة المأمون قولٌ بأنّه مُضِرّ 1). فكانوا لذلك يُقبلون على تربية الحيوانات الأخرى: الغنمِ والحملانِ والمعزِ والإبل، وكلُّها تُوفّر الصوف والوبر بسَعة، وقد جرت العادةُ أوّلَ الأمر بأن يُشتغَل بها في البيت. غير أنّه نشأت فيما بعدُ في أكثر البلاد الشرقيّة صناعةُ نسيجٍ في غاية النشاط، بقي منها إلى اليوم شيءٌ غيرُ قليل. ولمّا اتّسعت زراعةُ القطن أيضًا فوفّرت مادّةً إضافيّة، لم تزدد هذه الصناعةُ إلّا نهوضًا. وكان لكلّ إقليمٍ فيها
1) قال: لا تأكل لحم البقر، فإنّي إذا مررتُ به راكبًا في الطريق غطّيتُ عينيّ وعينَي فرسي، لشدّة ضرره. ابن حَمْدون I. Fol. 215 v.
287اختصاصٌ ما؛ فكانت أردية جنوب جزيرة العرب، التي نُسبت فيما بعدُ إلى عدنَ حيث كانت تُصنَع وتُصدَّر 1)، وكذلك ثيابُ هَراة، مشهورةً على الخصوص منذ عهدٍ مبكّر 2). وكانت أقمشةُ القطن تُصنَع، خلا العراق، في فارس أيضًا، وذلك في يزدَ وأبَرقوه، وكانت سلعةَ تصديرٍ عظيمةَ الشأن 3). وازدهرت صناعةٌ لا تقلّ عنها نشاطًا في كرمان، وذلك في مدينة بَمّ، إذ كانوا يصنعون فيها من القطن ثيابًا في غاية الرقّة تُرسَل إلى الأقطار كلِّها؛ وكان من اختصاص هذه المدينة الطيالسةُ المنسوجةُ نسجًا مخصوصًا بحواشيَ جميلة، تبلغ القطعةُ منها نحوَ ثلاثين دينارًا؛ وكانت تُصنَع فيها كذلك أقمشةُ عمائمَ فاخرة، وتجد هذه المصنوعاتُ سوقها في خراسانَ والعراقِ ومصر؛ وكانوا يُثنون على أقمشة بَمّ على الخصوص لمتانتها، إذ كانت — كأقمشة عدنَ وصنعاء — تدوم خمس سنين على الأقلّ، بل تدوم في الغالب إلى عشرين 4). ولم تكن ولايةُ فارس بأقلَّ امتيازًا في نشاط الصناعة: فكانت تُصنَع فيها أقمشةُ الثياب والمناديل في جودةٍ فائقة، وأمّا هذه الأخيرة فبجَنّابةَ على الخصوص، على حين كانت أقمشةُ توَّجَ وفَسا تُعَدّ ممّا لا يُبارى 5) وتُصدَّر تصديرًا كثيفًا جدًّا. ولعلّ صناعة النسيج كانت أنشطَ من ذلك في خوزستانَ المجاورة؛ ويبدو أنّهم اشتغلوا فيها على الخصوص بالحرير والقطن 6). وأمّا أنّ هذا الفرع من الكسب لم يكن في العراق بأقلَّ همّة، فذلك ممّا لا يكاد يحتاج إلى ذكر؛ فقد كانت أقمشةُ بغداد مطلوبةً حتى إنّها كانت تُقلَّد في مواضعَ أخرى وتُباع على أنّها
1) رداءٌ عدنيّ، ابن حَمْدون I. Fol. 86. 2) الكامل 656. 3) ابن حَوْقَل 214. 4) معجم البلدان I. 737. ابن حَوْقَل 223. 5) ابن حَوْقَل 213. 6) الإصطخري 91.
288أصليّة 1). بل كان ثمّة نشاطٌ كبير في باب النسيج حتى في أقاليمَ فقدت منذ ذلك الحين صناعتها الخاصّة كلَّها تقريبًا، كشمال الجزيرة الفراتيّة وأرمينية 2). وازدهرت صناعةُ صوف الغنم على الأخصّ في طبرستان 3)، حيث كانوا يصنعون البُسُط والأردية. أمّا جنوب جزيرة العرب فقد ظلّ مشهورًا حتى في العهود المتأخّرة بديباجه ونسيجه الكتّانيّ وأقمشته الحريريّة 4)، وكذلك عُمان (ولا سيّما قطر)، حيث بقيت هذه الصناعةُ إلى الوقت الحاضر.
ويستحيل، مع ما بقي لنا من المعطيات، أن يُقطَع في كلّ قماشٍ من المذكورة أكان من صوف الغنم أم من القطن أم من الكتّان أم من الحرير، فإنّ المخبرين الشرقيّين يُهملون عادةً ذكر ذلك؛ ولعلّ الثياب الرقيقة كانت في أكثر الأحوال من قطنٍ أو حريرٍ أو منهما مخلوطين، على حين لم يكن صوفُ الغنم يُستعمَل إلّا للأردية والثياب الفوقيّة وللبُسُط وأقمشة الأثاث واللُّبود 5)، وكان وبرُ الإبل يُشتغَل به في ذلك غيرَ نادر. وكانت لُبودُ طالَقانَ مشهورةً على الخصوص. وأمّا أقمشةُ الكتّان فكانت تُستهلَك استهلاكًا كثيفًا في الكسوة 6).
ويبدو أنّ الصناعة الشرقيّة أجادت منذ القِدم في إنتاج أقمشة الترف الرقيقة النفيسة. وقد ذكرنا في موضعٍ سابق من هذا الكتاب الديباجَ الموشّى (الوشي) الذي ظهر أوّلَ ما ظهر بدمشق؛ ومن هذه المدينة جاء
1) الإصطخري 98. 2) ابن حَوْقَل 246. 3) Ibid. 272. اليعقوبي 54. 4) ابن خلدون: المقدّمة II. 966. 5) ابن حَوْقَل 213. 6) يقول صاحبُ كتاب الموشّى في ذلك: اعلم أنّ من عادة الظرفاء والوجوه أن يلبسوا من الثياب الغلائلَ الرقاق والقُمُصَ المُحكَمةَ النسج، تُصنَع من أجود أصناف الكتّان الرقيق وتكون فوق ذلك نقيّةَ الألوان، كالأقمشة الدَّبيقيّة والجَنّابيّة ونحوها. Fol. 121 v.
289على الأرجح ذلك الاسمُ القديم الوارد عند الشعراء «دِمَقْس» للقماش الذي نسمّيه نحن الدَّمَسْك. وقد كانوا يصنعون مثلَ هذه الأقمشة الحريريّة الثقيلة منذ العهد القديم في اليمنِ ومصرَ والعراق، ولا سيّما بالإسكندريّة والكوفة 1). وكان من أقمشة الترف هذه، وصناعةُ بعضها لا بدّ أن ترتدّ إلى العصور الموغلة في القدم، شيءٌ كثير. وكانت مدينةُ تِنّيسَ الواقعةُ على بحيرة المنزلة موضعًا رئيسًا لذلك على الخصوص، حيث كانوا يصنعون أشدَّ أنواع أنسجة الترف اختلافًا، من ذلك: الوشيُ، والكتّانُ (دَبيقي)، وقماشُ الذهب (قصب) وأنواعُه الفرعيّة المختلفة، كالمخمَّل والخُسْرَوانيّ وغيرِهما 2). وازدهرت صناعةٌ مماثلةٌ في دمياط 3)، وكانت هذه الصناعةُ في المدينتين كلتيهما بأيدي السكّان النصارى الأصليّين، أي الأقباط. وكان اختصاصُ تِنّيسَ على الخصوص أقمشةَ الشَّرْب الرقيقة، واختصاصُ دمياطَ الديباجَ المذهَّب الثقيل (قصب)؛ وكانوا هنا لا يشتغلون إلّا بالأبيض، وهناك لا يشتغلون إلّا بالملوّن؛ وكان الثوبُ الأبيضُ البسيط بلا تطريزٍ بالذهب يُدفَع فيه بدمياطَ إلى ثلاثمئة دينار. وكانت تُصنَع فيها كذلك أقمشةُ الأثاث ذاتُ النقش الملوّن (الفُرُش القلمونيّ)، والأقمشةُ المطرَّزة، والمناشف 4). وكان كثيرٌ من هذه المنسوجات حريرًا كلَّه أو نصفَه، منسوجًا فيه رقشٌ ملوّن، مشتغلًا بخيوط الذهب؛ وكان للقماش بحسب اختلاف النقوش أسماءٌ خاصّة، فمنها ما نُقش بصور الحيوان المختلفة: الخيلِ والفِيَلة والطيرِ والطواويسِ والأسودِ وغيرِها (مخيَّل، مفيَّل، مطيَّر، مطوَّس، مسبَّع) 5). وأمّا الحريرُ كلُّه فهو
1) المسعودي V. 400.
2) المقريزي: الخطط I. 417. وكانت في أسيوطَ بصعيد مصر أيضًا صناعةُ كتّانٍ نشطة. معجم البلدان I. 272.
3) اليعقوبي 126.
4) معجم البلدان sub voce: دِمياط.
5) المقريزي: الخطط I. 417، 418. وبقايا مثلِ هذه الأقمشة النفيسة نادرةٌ جدًّا اليوم. قارن وصفَ ثياب تتويج أباطرة الرومان الألمان لـBock، وكذلك المقالةَ في Journal Asiat. 1855, Octob. Nov. p. 234.
290قماشُ الديباج الرفيعُ القدر، وهو حريرٌ ثقيل امتاز بنقوشه الملوّنة، وأحسبُ أنّ طرازه بقي إلى أيّامنا في الزخارف الملوّنة الكبيرة الزهور التي على ثياب القدّاس الكاثوليكيّة. وأخفُّ منه الخَزّ، ويبدو أنّه يقابل الأطلس عندنا 1)، وكان يُصنَع على أجود وجهٍ في أرمينية على الخصوص 2). وكانت المناديل، ولعلّها تشبه كثيرًا ما يُسمّى اليوم الكوفيّة، تُصنَع في اليمنَ ومصرَ ومواضعَ أخرى 3). وثمّة صنفٌ من القماش أقلُّ نفاسةً لكنّه كثيرُ الاستهلاك جدًّا، امتازت مصر في إنتاجه على الخصوص، هو الصنفُ الذي يُسمّى الخَيْش. وكانت ناحيةُ الفيّوم على الأخصّ تُنتج منه شيئًا كثيرًا 4). وهو نسيجٌ غليظٌ خشن كان الطلبُ عليه شديدًا، إذ جرت العادةُ ببغداد في حرّ الصيف أن يقيم الناسُ في أخصاصٍ من الخَيش، يُرَشّ القماشُ بالماء ويُبقى رطبًا أبدًا ليُحدث بذلك بردًا مستطابًا 5). وكانوا يلفّون جِرارَ الخمر أيضًا بالخَيش المبلول لتبريدها 6). وقد بقيت هذه الصناعةُ على غرابة الأمر إلى أيّامنا في مصر 7).
وكانوا يحبّون قبل كلّ شيء، كما تشهد النماذجُ الباقية من الأقمشة العربيّة القديمة، الألوانَ الصارخة والنقوشَ الكبيرة الملوّنة وكثرةَ نسج الذهب، أو كذلك الرسومَ المخطَّطة والمربَّعة البسيطة كتلك التي بقيت إلى اليوم في الاستعمال في أقمشة الحرير الشاميّة. فكان ثمّة أقمشةُ ثيابٍ نفيسة مثَّلوا عليها مشاهدَ صيد: فعلى العباءة الحريريّة الفاخرة التي نُسجت بيدٍ عربيّة في باليرمو سنة 528هـ،
1) معجم البلدان IV. 258، والمقريزي I. 417 يذكره صراحةً بين الأقمشة الحريريّة. 2) خَزٌّ تاروني: ابن حَمْدون I. Fol. 406 v. 3) الكامل 315. 4) اليعقوبي 119. 5) الثعالبي: لطائف المعارف p. 14. الأغاني XII. 100، XX. 76. 6) ديوان مسلم بن الوليد 161. 7) قارن كتابي: مصر II. 215.
291أي 1134م، وهي من ذخائر الدولة الرومانيّة الألمانيّة وكانت عباءةَ تتويج أباطرة الرومان الألمان، مثلُ هذا المشهد من الصيد على أرضيّةٍ أرجوانيّة، مصوَّرًا في طرازٍ فنّيٍّ ناضجٍ إلى الغاية، وهو أسدٌ أو نَمِرٌ يفترس جملًا. وبالحروب الصليبيّة عرفت أوروبّا، وكانت يومئذٍ تكاد تكون بربريّة، هذا الفخارَ الشرقيّ في اللباس؛ فما لبث الولوعُ بأقمشة الشرق النفيسة وما بولغ به فيها من ترفٍ أن ارتفع ارتفاعًا حمل الحكوماتِ في بلدانٍ بعينها، ولا سيّما في فرنسا، على أن تتّخذ في ذلك تدابير. وسرعان ما جعل الطلبُ المتزايد تقليدَ هذه الأقمشة الشرقيّة تجارةً مربحةً جدًّا، أُديرت في شمال إيطاليا إدارةً صناعيّة؛ ولم يقلّدوا هناك الأقمشة وحدها، بل قلّدوا كذلك الكتاباتِ العربيّة التي جرت العادةُ بتزيينها بها. بل انتقلت مع الأقمشة إلى أوروبّا أسماءُ أصنافها الشرقيّةُ نفسُها.
وقد بلغت الصناعةُ الفنّيّة في الشرق في زخرفة الأقمشة كمالًا لا يُبارى. فتنافست مصرُ والشامُ والعراقُ وفارسُ وخراسان، ثمّ برزت في ذلك صِقلّيّةُ وإسبانيا ما دام حكمُ العرب فيهما. غير أنّ السبب في ذلك إنّما هو في عادات الشعب وأعرافه. فأُبّهةُ الثياب وبهاءُ المظهر خصلةٌ آسيويّةٌ قديمة، وقد أخذ العربُ مع العادات الأجنبيّة ذلك الولوعَ الفارسيَّ بالثياب المتلألئة بالألوان والذهب. على أنّ هذا وحده ما كان ليكفي في رفع هذه الصناعة إلى هذا الحدّ العظيم. وإنّما كان أعظمَ ما أسهم في ذلك ترفُ البلاط المتزايد، وتلك العادةُ الشرقيّة القديمة قِدَمَ الدهر: أن يخلع الحاكم في مناسباتٍ
19*
292احتفاليّةٍ بعينها خِلَعَ التشريف، لا على أهل خدمته في البلاط وحدهم، بل على أرباب الرتب جميعًا، تكون نفاستُها على قدر سلطان الأمير ومنزلته.
ونُحيل في ذلك إلى ما تقدّم من كلامنا 1)، وحسبُنا أن ننبّه إلى أنّ هذه الصناعة قد نهضت بمقدار ما ارتفع استهلاكُ الأقمشة النفيسة ارتفاعًا هائلًا. فلم يكن الأمراءُ وحدهم يخلعون على مَن دونهم مثلَ هذه الثياب النفيسة، بل الولاةُ أيضًا، ولكلٍّ منهم بلاطٌ صغير، وكذلك عظماءُ الدولة، فقد حاكوا هذه العادة جميعًا كلٌّ على قدره؛ وأمّا أنّ حِسان الحريم أسهمن من جانبهنّ أيضًا في نهوض هذه الصناعة فذلك ممّا لا يحتاج إلى دليل. وبموازاة ارتفاع أُبّهة الأقمشة انتشر أكثرَ فأكثر فنُّ تزيينها بالتطريز بالذهب، وقد استُعمل فيه اللؤلؤُ والجواهر أيضًا. وقد نشأت مبكّرًا العادةُ بأن يأمر الخليفةُ الحاكم بأن يُطرَّز اسمُه وألقابُه بالذهب أو يُنسَجا في كلّ ما يهبه من الثياب والأقمشة؛ وكانت هذه الكتابةُ الذهبيّة تُسمّى: الطِّراز، ونحن نرى واحدًا منها في عباءة تتويج أباطرة الرومان الألمان المذكورة آنفًا، المحفوظةِ في خزانة الذخائر الإمبراطوريّة بفيينا. ويُخبر عن هذه العادة كاتبٌ من أهل البلد، بالغُ الخبرة، فيقول: كان من شارات السيادة أن يأمر الأمراءُ بتطريز أسمائهم أو شعاراتهم على ما يُعَدّ لهم من ثياب الحرير والديباج. وكانت هذه الكلماتُ تُوضَع بالذهب أو بالحرير، لكن بلونٍ مخالفٍ للثوب أبدًا. وكان ذلك يُعَدّ شارةً للسيادة، خاصّةً بالأمير نفسِه أو بمن يأذن له
1) Bd. II. S. 139.
293في ذلك أو يقلّده الرتب العالية. ويقال إنّ هذه العادة فارسيّةُ الأصل، ولم يأخذ بها أمراءُ المسلمين إلّا فيما بعد. وقد عُني الخلفاء، من بيت الأمويّين ومن بيت العبّاسيّين على السواء، بالطِّراز عنايةً كبيرة، وكانت لهم في ذلك دُورُ صناعةٍ خاصّة. وكان العاملُ الموكَّل بالنظر فيها وإدارتها يحمل لقب: صاحبِ الطِّراز. وكانت هذه الوظيفة، وتُعَدّ من أرفع خدم البلاط، تُسنَد أبدًا إلى صاحب رتبةٍ عالية أو إلى واحدٍ من خاصّة الأمير وأهلِ حظوته 1). وكانت وظيفةُ صاحب الطِّراز في بلاط الخلفاء الفاطميّين بالقاهرة من وظائف البلاط المهمّة 2). وسادت في بلاط بغداد العادةُ نفسُها تمامًا، وكانت في أهمّ مواضع الصناعة بالعراقِ وخوزستانَ وفارسَ دُورُ طِرازٍ أميريّة 3). بل حاكى بعضُ العظماء فيما بعدُ عادةَ اقتناء مثلها، وقد حُفظ خبرٌ بأنّ واليًا على خوزستان (الراسبيّ، ت 301هـ) كانت له ثمانون دارَ طِراز — ولعلّ المقصود أنوالٌ — تصنع الثيابَ المعدَّة له 4). ومن البيّن بنفسه أنّ الأمر هنا ليس أمرَ ثيابٍ يحتاج إليها هو وأهلُ بيته، بل أمرُ خِلَع التشريف التي كان يوزّعها، وأقمشةِ الأُبّهة التي كان يتّخذها هدايا.
1) ابن خلدون: المقدّمة II. 66.
2) المقريزي: الخطط I. 469.
3) ابن حَوْقَل 213، 214 وفي مواضعَ أخرى. وكانت الأقمشةُ المطرَّزة تُصدَّر من فارس إلى خراسان تصديرًا كثيفًا جدًّا (معجم البلدان I. 890). أمّا التطريزُ بالذهب، وتطوّرُه الرفيع الباقي في الشرق إلى اليوم يسهل تفسيرُه ممّا تقدّم، فلم يكن يُستعمَل للثياب وأقمشة الأثاث ونحوها فحسب، بل خدم أغراضًا أخرى كثيرة؛ فقد كان الترفُ عظيمًا في السروج والجِلال المطرَّزة وعُدَدِ الخيل المحلّاة بالذهب؛ وكانت السروجُ النفيسة المطرَّزة بالذهب من المخمل أو الحرير أو الديباج المذهَّب محبوبةً يومئذٍ أكثرَ ممّا هي اليوم، إذ يضع الفقرُ العامّ في الشرق اليوم للترف حدودًا. قارن المقريزي I. 418.
4) ابن تَغري بَردي II. 192.
294وقد جرت العادةُ يومئذٍ بأن يُضَمّ إلى هدايا السفارات إلى البلاطات الأجنبيّة أنفسُ ما يُنتجه البلدُ نفسُه من الصناعات وأغلاه؛ وكانت الأقمشةُ الثمينة، التي لم يكن يُستطاع صنعُها في مثل ذلك الكمال في مكانٍ كما في دولة الخلافة، ممثَّلةً في مثل هذه المناسبات أبدًا على أوسع نطاق. وأمّا أنّه قامت في ذلك تجارةُ تصديرٍ عظيمةُ الشأن فحقيقةٌ تاريخيّة. وكان الإرسالُ إلى أوروبّا يجري في الأغلب عن طريق الإسكندريّة، ومنها تُشحَن السلعُ إلى المدن التجاريّة الإيطاليّة، وقد كان هذا النقلُ يومئذٍ في أيديها واحتكرته ما استطاعت. وكانت «الأقمشةُ الإسكندريّة» (Panna Alexandrina)، كما سُمّيت يومئذٍ، غاليةَ الثمن، وانتشرت في أوروبّا في القرون الوسطى أوسعَ انتشار. على أنّ البنادقة والجنويّين لم يكونوا يستوردون من موانئ الشام مثلَ هذه الأقمشة فحسب، بل كذلك مغزولاتِ الذهب، ولا سيّما خيوطَ الحرير والذهب للتطريز، وهي التي لم تكن أوروبّا تُحسن صنعها فكان لا بدّ لها أن تجلبها بلا استثناءٍ من الشرق، حيث كان صنعُها يُدار على أوسع نطاقٍ لارتفاع صناعة التطريز 1). وهذه الخيوطُ الذهبيّة، منها الأملس ومنها المغزول، لم تُدرَس دراسةً دقيقةً إلّا في العهد الأخير، فتبيّن أنّها من أغشية أمعاء الماشية المذبوحة، يُطلى عليها الذهب. وكانت هذه الأغشيةُ تُذهَّب في الشرق بكمّيّاتٍ كبيرةٍ على وجهٍ واحد، وتُورَّد إلى منسوجات الغرب سلعةً جاهزةً إلى أواخر القرون الوسطى 2).
1) Bock: تاريخ الثياب الطقسيّة I. 209. وكانت جزيرةُ قبرص مستودعَ ذلك، ومنها كانوا يجلبون أقمشةَ الحرير النفيسة، ولعلّها من صنع الشام، ومغزولاتِ الذهب والخيوطَ الذهبيّة الشرقيّة.
2) قارن Karabacek: الثياب الطقسيّة في كنيسة مريم بدانتسيغ. ص 9.
295ويبدو أنّ هذه الصناعة كانت تُدار في العراق على الخصوص إدارةً نشطةً جدًّا، فإنّ المقريزيّ في وصفه لثياب الخلفاء الفاطميّين الفاخرة يتكلّم أبدًا على الذهب العراقيّ، ويذكر في الثياب التي يصفها عددَ خيوط الذهب، فمن ذلك شاشيّةٌ من قماش الذهب (تميم): سبعون خيطًا من ذهبٍ عراقيّ 1). وكانت أجرةُ تحويل مثقالٍ من الذهب إلى خيوطٍ دينارًا واحدًا.
وكلّما ازداد إقبالُ الناس على هذه المنسوجات النفيسة عظُم الإنتاج، واشتدّ السعيُ إلى تجويد المصنوعات وإلى إرضاء الذوق المتقلّب بضروبٍ جديدة.
وسنتكلّم فيما بعدُ على صناعة البُسُط، وليس علينا هنا إلّا أن نذكر استعمالَ المنسوجات الفنّيّة في تزيين المساكن والغُرَف. فكما قيل في موضعٍ سابقٍ من هذا الكتاب، جرت العادةُ بكسوة الجدران بالأقمشة النفيسة. وكانت هذه أصنافًا ثقيلةً من الوشي والديباج وأقمشةِ البُسُط، وهي صناعةٌ نشأت في الشرق هي أيضًا. ولا بدّ أنّهم بلغوا فيها منذ عهدٍ مبكّرٍ مهارةً عالية، وقد ذُكر مثلُ هذه الستائر الفاخرة في وصف أثاث قصور الخلفاء الفاطميّين بالقاهرة؛ كانت تُنفَّذ عليها صورٌ كاملة، من تصاوير الأشخاص ومن تصاوير المدن؛ بل كان على واحدةٍ من هذه الستائر ضربٌ من مشهدٍ للعالم، تُرى فيه المدنُ المهمّةُ كلُّها بالألوان 2). وكانت المدينتان المقدّستان مكّةُ والمدينةُ مصوَّرتين عليها على الخصوص تصويرًا دقيقًا. وكان الشرحُ منسوجًا بالذهب أو الفضّة، وعلى الحاشية كتابةٌ تذكر أنّ هذه الستارة صُنعت سنة 353هـ
1) المقريزي: الخطط I. 410. 2) Ibid. I. 417.
296(964م) بأمر الحاكم الفاطميّ المعزّ، وأنّها كلّفت 22,000 دينار 1).
وبينما كانت مثلُ هذه المنسوجات النفيسة تكسو الجدران في قصور الأغنياء، كانت الدواوينُ والأرضُ مفروشةً بتلك البُسُط الفاخرة التي لا تزال الصناعةُ الفنّيّة في الشرق تحتلّ في إنتاجها المرتبةَ الأولى وتكون قدوةً للصناعات الأوروبّيّة. وهذه الصناعةُ ليست أطولَ الصناعات الشرقيّة عمرًا وأشدَّها مقاومةً فحسب، بل هي بلا شكٍّ من أقدمها أيضًا. فبينما تكون صناعةُ القطن وصناعةُ الورق من فضل العرب، ترتدّ صناعةُ البُسُط بعيدًا في أقصى العصور الآسيويّة القديمة، وكذلك صناعةُ صوف الغنم والكتّان. فإذا كانت فارسُ لا تزال تتألّق ببُسُطها على الرغم من انحطاطها الذي لا نجاةَ منه، فليس ذلك إلّا لقِدَم هذه الصناعة الموغل، وقد تعشّشت في حياة الشعب حتى لم تستطع نوائبُ الدهر كلُّها أن تُفني قوّتها على المقاومة. ففي أوّل حروب فتح العرب لبلاد فارس غنموا بساطًا فاخرًا مساحتُه ستّون ذراعًا في مثلها، أثار العَجَب بألوانه ورسومه العجيبة، وكان من قصرٍ من قصور ملوك الساسانيّين 2). وكانت هذه المصنوعاتُ تمتاز، كما لا تزال إلى اليوم، بمتانةٍ تكاد لا تفنى. وقد بقيت هذه الصناعةُ بعد سقوط دولة الفرس. فمن ذلك أنّه كان في أثاث قصر الخلافة بسامرّاءَ في أيام الخليفة المنتصر (ت 248هـ، 862م) بساطٌ يروي عنه مخبرٌ قديم ما يلي: دخلتُ يومًا قاعاتِ الطبقة العليا في قصر الخلافة، فوجدتُ حجرةً مفروشةً ببساطٍ فارسيٍّ سُوسَنجِرديٍّ كبير؛
1) المقريزي: الخطط I. 417. 2) ابن الأثير II. 403.
297وأمام الديوان بساطٌ أصغر (مصلّى) مبسوط، وعلى الجدار نفسِه مساندُ بنقوشٍ حمراءَ وزرقاء. وكان للبساط الكبير من حوله إطارٌ عريضٌ من حقول، في كلّ حقلٍ منها صورٌ عليها كتاباتٌ فارسيّةٌ استطعتُ قراءتها. فعن يمين صدر الديوان كانت على البساط صورةُ رجلٍ على رأسه تاج. فلمّا قرأتُ الكتابة رأيتُ أنّها صورةُ شيرويهَ الذي قتل أباه بَرْويز، ثمّ تلتها صورٌ أخرى، غير أنّي قرأتُ عن يسار صدر الديوان تحت صورة: هذه صورةُ يزيد بن الوليد، قاتلِ ابن عمّه الوليد بن يزيد. — وعلى هذا البساط نفسِه قُتل المتوكّلُ أبو المنتصر، حتى اضطُرّوا إلى غسل البساط لإزالة بقع الدم 1).
وقد امتازت ولايةُ فارس في صناعة البُسُط. فكانوا يُصدّرون منها أرقَّ البُسُط وأجملَها على كلّ حجمٍ وضرب 2). وكان أشهرُ الأصناف يأتي من جَهرم، وصنفٌ آخر يُسمّى سُوسَنجِرد (أي المصنوع بالإبرة) 3). وأمّا في كُوَر شمال فارس، ولا سيّما في طبرستان، فقد بلغ صنعُ أقمشة الأثاث (فُرُش) شأوًا بعيدًا 4). وكانت هذه الصناعاتُ أقلَّ انتشارًا في البلاد الغربيّة، ولا نعلم إلّا أنّه كانت تُصنَع بأسيوطَ في صعيد مصر أقمشةُ أثاثٍ أرجوانيّةٌ في غاية الجمال (فُرُش القِرمِز)، تشبه الأقمشة الأرمنيّة 5).
1) المسعودي VII. 290.
2) الكبيرةُ جدًّا منها تُسمّى بِساطًا، والمربّعةُ نَخًّا، والطويلةُ مصلّى، وأمّا ما كان منها كالمخمل بعُراه المقطوعة، كبُسُط إزمير اليوم، فيُسمّى زِلّيّة. وتسميةُ الطُّنفُسة خاصّةٌ باللهجة الشاميّة على الخصوص.
3) ابن حَوْقَل 214. 4) اليعقوبي 54. 5) Ibid. 119.
298ولمّا كانت البُسُط لا تُطاق في البلاد الحارّة في الصيف، جرت العادةُ بأن يُستعاض عنها بحُصُر التِّبن أو البَرْديّ، ومادّتُها ذلك النبتُ الحَلْفائيّ الذي ينبت في بلادٍ شتّى من الشرق 1). وكانت مثلُ هذه الحُصُر تحمل اسمًا خاصًّا (سامان)، فتُسمّى حُصُرَ سامان (عند Goeje: Fragm. I. 366)، وهنا أيضًا وجدوا سبيلًا إلى إطلاق العنان لحبّ الأُبّهة، إذ نسجوا في هذه الحُصُر خيوطَ الذهب فصنعوا على هذا الوجه حُصُرًا ذهبيّةً باهظةَ الثمن. ومثلُ هذه الحُصُر السامانيّة المنسوجةِ أو المطرَّزة بالذهب والفضّة مذكورةٌ كذلك في أثاث قصور الخلفاء الفاطميّين بالقاهرة 2)، وكانت دارُ صناعةٍ لها خارج القاهرة. وثمّة ضربٌ آخر من ضفائر البَرْديّ 3) يُسمّى العَبَدانيّ، ولا يزال يُصنَع في مصر إلى اليوم بالاسم نفسِه. وقد بقي فنُّ ضفر التِّبن والبَرْديّ في أنحاءَ أخرى من الشرق أيضًا إلى اليوم على كماله القديم، ولا تزال حُصُرُ دمشق الجميلة تلقى إقبالًا تستحقّه.
وكذلك بقي الشرق إلى الآن غيرَ مُبارًى في فرعٍ آخر من فروع الصناعة، هو صناعةُ الخيام 4). فحياةُ الشرقيّ، وكثرةُ أسفاره، وبُعدُ المسافات، وقلّةُ الفنادق، وقبل كلّ شيءٍ فريضةُ الحجّ إلى مكّة، تجعل من الطبيعيّ جدًّا أن يحرص المرءُ على أن يتزوّد بالخيام؛ وقد بلغوا في صنعها مهارةً كبيرة سريعًا. فكانوا يُحسنون أن يصنعوا من قطعةٍ من خيش الخيام الخشن للحاجّ الفقير مأوًى خفيفَ الحمل يقيه لهيبَ الشمس وسوءَ الطقس، كما كانوا يصنعون…
1) يُسمّى في مصر الحَلْفا (spica tenacissima). 2) المقريزي: الخطط I. 417. 3) Ibid. I. 487. 4) كانت لهم في العصر العربيّ القديم خيامٌ من جلد. البخاري 3129.
299…صنع للعظماء وذوي السلطان قصورًا ساحرةً حقًّا من أنفَسِ الأقمشة، تُضرَب في ساعاتٍ معدودة وتُحَلّ في مثلها من السرعة ثم تُحمَل على ظهور الإبل. ولهذا دأب ملوك الشرق على الإسراف في الخيام والمباهاة بها. أما الخيمة التي عرضتها فارس في المعرض العالميّ الأخير بفيينا، وأُعجِب الناس بها إعجابًا شديدًا، فلم تكن إلا من أضعف ما أُنجز في هذا الباب، ولم تَعْدُ أن تكون صورةً صادقة لذلك الابتذال الذي لا يُجارى في كلّ ما تُطلّ به إيران. وأقربُ منها إلى النماذج القديمة خيمةُ سعيد باشا والي مصر الكبيرة، كان يأمر بضربها في الأعياد الكبار لتكون قاعةَ طعامٍ لضيوفه. حملها عمودٌ واحد يبلغ ارتفاعه 40–50 قدمًا، وكانت كلّها من الحرير الثقيل، وتَسَعُ عدّة مئاتٍ من الناس في يُسر. غير أنّ أصحاب السلطان الأقدمين في الشرق قد فاقوه على كلّ حال. ففي بيت مال الفاطميّين بالقاهرة كانت تُحفَظ، من نفائس الذخائر، خيمةُ الخليفة المتوكّل، وهي كلّها من قماشٍ أرمنيّ أُرجوانيّ مَنسوجٍ بالذهب.(1) ويقال إنّ خيمة هارون الرشيد التي استعملها في سفره إلى طوس كانت كلّها من الخزّ الأسود. ولم يكن ثَمّ قماشٌ يُعَدّ أنفسَ من أن يُتَّخَذ لها. أما أعمدةُ هذه الخيام الفاخرة فكانت تُصَفَّح بالفضّة، وحِلَقُها من ذهب، وحبالها مَلْفوفةٌ بالصوف أو الحرير المصبوغ ألوانًا، وبطانتُها من داخلٍ من أبهى نسيج الشِّيلان.(2)
وكانت أنواعها كثيرة تختلف باختلاف الشكل والحجم. فالفُسطاط خيمةٌ مستديرة يحملها في وسطها عمودٌ واحد؛ والوسط منها في الحجم كان يُنقَل على عشرين جملًا.(3) والشكل المربّع اسمه المُسطَّح، وله أربعة
Nota 1. المقريزي: الخطط I. 417. Nota 2. المصدر نفسه 418. Nota 3. المصدر نفسه 419.
300جدرانٍ وسقفٌ يقوم على ستّة أعمدة، اثنان منها يحملان الجدار الأمامي والباقية في الأركان الأربعة. وللمسافرين من ذوي القِلّة كانت المِشْرَعة، وهي ظُلّةٌ من الشمس تُثبَّت على عمود ويُشَدّ أمامها جدارٌ واحد بسيط يُجعَل في وجه الشمس أو الريح. وأبسطُ ذلك كلّه الشِّراع، وهو كتّانٌ يُمَدّ بين عمودين على هيئة القِلْع — ومن هنا جاء اسمه — يُنصَب في وجه الشمس أو المطر. وعلى النقيض من ذلك كانت خيام الملوك الفاخرة آياتٍ في الصنعة حقًّا. ففي خزائن الفاطميّين خيمةٌ كبيرة يحملها عمودٌ واحد ارتفاعه خمسٌ وستّون ذراعًا، ودائرةُ سقفها المستدير عشرون ذراعًا، وأمّا القطع التي تُؤلَّف منها جدرانها فلم تكن أقلّ من أربعٍ وستّين قطعة، وكان نقلها يحتاج إلى مئة جمل. وأكبر منها خيمةُ العزيز بالله الفاطميّ، إذ بلغ ارتفاع عمودها الأوسط سبعين ذراعًا.(1)
ومن الطبيعيّ تمامًا أن تسير صناعةُ الذهب والفضّة جنبًا إلى جنبٍ مع هذه الصناعات الفنّية، ولا سيّما مع تعدّد وجوه استعمال الذهب في أغراض الصناعة. فقد كانت نساء العرب يومئذٍ يُحبِبن، كما يَفعَلْن إلى اليوم، أن يُثقِلن أنفسهنّ بالحُليّ. وقد أطلعني أحدُ وجهاء البصرة، ممّن أتيح لي أن أعقد معه صحبةً ودّية، على ما يلقاه الزوج البصريّ المُثقَل من عناء. قال: أوّلُ ذلك أنّ كلّ امرأةٍ تلبس في كعبيها حِجْلَين غليظين من ذهب، ثم خواتمَ في كلّ أصابع القدم، وفي المِعصَم سِوارًا غليظًا يزن خمسة عشر إلى عشرين جنيهًا على الأقلّ، ثم في العَضُد ثلاثةً أو أربعةً من الأساور المُصمَتة من ذهب، ومثلَها قلائدَ في العنق. وحسناوات
Nota 1. المقريزي: الخطط I. 419.
301القاهرة وحلب ودمشق ما زِلْنَ إلى اليوم يُسرِفن في هذا الباب إسرافًا. وقد كان هذا الإثقالُ بالحليّ عامًّا شائعًا في الزمن القديم، على ما مرّ ذكره. ولو لم يكن للصاغة من العمل إلا هذا وحده لكفاهم، غير أنّه شاع مع ذلك ولَعٌ عظيم بدقائق ما تُخرجه صنعةُ الصياغة، فنشأت من ذلك صناعةٌ فنّية بالغةُ الرقيّ حقًّا. وقد سبق أن ذكرنا الشجرةَ الذهبيّة المشهورة القائمة في إحدى قاعات دار الخلافة ببغداد. ونال أحدُ كبار رجال البلاط في عيد المِهرَجان هديّةً هي فيلٌ من ذهب عيناه ياقوتتان.(1) وفي خزائن الفاطميّين بالقاهرة عدّةٌ من هذه التحف: طاووسٌ من ذهب عيناه ياقوتتان وريشُه من الزجاج المينا مُكَفَّتٌ بالذهب؛ وديكٌ من ذهب عُرْفُه من ياقوت مُرَصَّعٌ باللؤلؤ وسائر الجواهر؛ وظبيةٌ كُسِي بطنُها كلُّه باللؤلؤ محاكاةً للبياض. وأبدعُ من ذلك كلّه النخلةُ الذهبيّة، ثم البستان الذهبيّ: تحفةٌ فريدة تُمثِّل بستانًا، كلُّه من ذهبٍ وفضّة مُرَصَّعٍ بالأحجار الكريمة والمينا.(2)
ولو أنّي أثبتُّ هنا ذلك الوصف الطويل الذي يسوقه لنا المقريزيّ لهذه النفائس، بما يليق بمُحِبّ للآثار صادقٍ في حُبّه من التبسّط والاستمتاع، لكان في ذلك ما يُمِلّ؛ على أنّه لا بدّ من إضافة شيءٍ منه لِيَستبينَ على وجهه تعدُّدُ وجوه الصناعة الفنّية يومئذٍ، وأعني بذلك صنعةَ الأحجار الكريمة. فقد رُوِي لنا خبرُ مرآةٍ كان مِقبَضُها قطعةً من زُمُرّد؛ ويبدو أنّ اليَشْبَ (jasb) كان محبوبًا بوجهٍ خاصّ، فإنّ
Nota 1. ابن حمدون I. Fol. 78 r. Nota 2. المقريزي: الخطط I. 416.
302المقريزيّ يذكر مائدةً صغيرة للطعام من يَشْب أرجلُها من الحجر نفسه، ومائدةً أخرى أكبر منها من الجَزْع خُرِطَت أرجلُها من الحجر نفسه.(1) وكانت الأواني وأدوات الترف المصنوعة من مادّةٍ نفيسة محبوبةً بوجهٍ خاصّ؛ فقد كان لهارون الرشيد عددٌ كبير من أقداح الشراب من حجر البادزهر.(2) وانتقل بضعُ مئاتٍ منها فيما بعد، بعضُها من بادزهر وبعضُها من يَشْب، إلى خزائن الفاطميّين بوصفها طُرَفًا نفيسة، وقد وُجِدَت فيها حين بِيعَت الخزائن؛ وكان على أكثر هذه الأقداح اسمُ هارون منقوشًا. وكان اليَشْبُ يُتَّخَذ بكثرةٍ نُصُبًا للسكاكين والملاعق، وكذلك العقيق. ومن صافي البلّور كانت تُصنَع الأواني، كالطُّسوت والأباريق. وأحسنوا كذلك التصرّف في العاج والآبنوس والصندل وسائر الأخشاب النفيسة، فصنعوا منها أصنافًا شتّى من الأشياء الصغيرة؛ فمن ذلك رِقاعُ الشِّطرَنج والنَّرد، كانوا يصنعونها من العاج والآبنوس صنعةً بالغةَ الحُسن. وكذلك عُرِف مبكِّرًا ذلك العملُ الجميل المشبَّك من ذهبٍ وفضّة، وهو إلى اليوم زينةُ صياغة الشرق (ذهب مُشَبَّك)، ولم يقلّ عنه شأنًا تحليةُ السلاح والسيوف والرماح والخُوَذ والدَّرَق بالذهب أو الفضّة.(3)
ولمّا كان التذهيبُ يُستعمَل كذلك استعمالًا واسعًا في تزيين جدران المجالس وسُقوفها، نشأت مبكّرًا صنعةُ التذهيب والتصوير الزخرفيّ.(4)
Nota 1. المقريزي I. 416. وفي النصّ في كلّ موضع خطأٌ: nasb بدل jash. Nota 2. تحتفظ ديرُ سان موريس عند فالوا بإناءٍ مطليّ بالمينا، يقال في الرواية إنّ هارون الرشيد أرسله هديّةً إلى شارلمان. Lenormant: Melanges d'archéologie 3. 125. Nota 3. الخطط I. 414 وما بعدها. Nota 4. كان في أوساطٍ بعينها نُفورٌ شديد من تصوير ذوات الأرواح، غير أنّ الفقهاء لم يُفلحوا
303ويبدو أنّ هذه الصنعة جاءت من المشرق، فإنّ المقريزيّ يتحدّث عن مدرسةٍ بصريّة في التصوير، ويجعل آلَ المُعلِّم أبرزَ ممثّليها، ويصف لنا أحدَ أعمالهم بالقاهرة: تصويرًا معماريًّا على قواعد المنظور. ويذكر كذلك اسمَي مصوِّرَين مشهورَين (القصير وابن عزيز) عاشا في أيّام الوزير اليازوريّ، وكان صديقًا خاصًّا للتصوير، وهو الذي استقدم من العراق إلى القاهرة ابنَ عزيز المشهور جدًّا يومئذٍ. غير أنّ الغَيرة اشتدّت بينه وبين القصير، حتى إذا التقيا مرّةً أراد كلٌّ منهما أن يَغلِب صاحبه بآيةٍ من آيات الصنعة. فقال الأوّل: أنا أُصوِّر صورةً يُخَيَّل إلى الناظر أنّها خارجةٌ من الحائط. فردّ عليه منافسُه: وأنا أُصوِّرها حتى يُخَيَّل أنّها داخلةٌ في الحائط. فدعاهما الوزير إلى الوفاء بما قالا، فصوّرا في مِحرابَين متقابلين في الجدار صورتَي راقصتَين: فإذا إحداهما تبدو حقًّا داخلةً في الحائط، والأخرى وَاثِبةً منه. صوّر القصيرُ راقصتَه في ثيابٍ بيض وأرضيّةُ المحراب سوداء، أمّا ابن عزيز فصوّر صورته في ثيابٍ حُمر على أرضيّةٍ صفراء، حتى بدت خارجةً من المحراب
إلا في زمنٍ متأخّر في تغليب القول بتحريمها. وبحسب حديثٍ قديم في المُوَطَّأ تُباح صورُ ذوات الأرواح، وإنّما تحرم التماثيل. وعند البخاريّ مواضع عدّة ظاهرُها العموم في التحريم. ويُروى أنّ محمّدًا نفسه ذمّ الصور، ولا يبدو أنّ ثَمّ شكًّا في أنّه كان يُتلِفها حيثما وجد إلى ذلك سبيلًا. وأخيرًا صاغ كتابُ مشكاة المصابيح التحريمَ لصور البشر صياغةً قاطعة. غير أنّ الناس لم يلتزموا ذلك التزامًا دقيقًا قطّ؛ فقد دخلت الصورُ في الاستعمال مبكّرًا لأغراض الزخرفة. وفي قصر الخلفاء بسامرّاء كانت الجدران مُزَيَّنةً بالتصاوير والصُّوَر (سُوَر). وقد نالت موضوعاتٌ بعينها موروثةٌ عن الشرق القديم معالجةً ثابتةً اصطلاحيّةً منذ وقتٍ مبكّر؛ فالهَمَذانيّ يعرف صُوَرَ الكواكب على الهيئة نفسها التي تُرى بها في المنمنمات الشرقيّة المتأخّرة.
304خروجًا. فأدّى كلاهما ما التزم به على هذا النحو أداءً بارعًا، حتى أجزل لهما الوزيرُ المحبُّ للفنّ العطاء.(1) كذلك بلغوا في التصوير المائيّ لتزيين المخطوطات شوطًا غيرَ يسير، وثَمّ مخطوطٌ مُزَيَّن بمثل هذه التصاوير — وإن كان زمنه بعد عهد الخلافة — يدلّ على صنعةٍ بلغت مبلغًا لا بأس به من التقدّم.(2)
ومن الصناعات التي برزت فيها بلادُ الشرق بروزًا خاصًّا، وكان لها فوق ذلك من الأهمّية ما لا يُقاس بسبب أثرها في نشر المعارف: الورق. وعلى قلّة ما بين أيدينا من أخبار زمن الخلفاء في هذا الباب، فإنّها تكفي على كلّ حالٍ لتكوين تصوّرٍ صحيح عن نموّ هذا الفرع من الصناعة، وهو فرعٌ سيطر به الشرقُ زمنًا طويلًا على السوق الأوروبّية.
فلمّا فتح العربُ فتوحهم كان النشاط الحربيّ آخذًا بمَجامِعهم دون سواه، ولم يكونوا يَعنُون بالصناعة البتّة. وكان الشعبُ يومئذٍ لا يزال في ذلك الزمن السعيد الذي لا حاجة له فيه إلى ورقٍ أصلًا؛ لم يكن لهم إلا كتابٌ واحد: القرآن، وكانوا يكتبونه على جلود
Nota 1. المقريزي: الخطط II. 318. Nota 2. Flügel: فهرس المخطوطات الشرقيّة في المكتبة الإمبراطوريّة رقم 372. والمخطوط مؤرّخ بسنة 734هـ وهو في بابه فريد. ومن الطبيعيّ أنّ التصوير لم يستحلّ فنًّا قائمًا بذاته، شأنُه في ذلك شأن نحت الحجر ونقش الخشب؛ فقد بقيت هذه كلّها وسائلَ زخرفيّة في خدمة الصناعة والعمارة، وقد أفادت منها العمارةُ أوفرَ إفادة، وبلغت في الأرابيسك خاصّةً — المرسومِ منه والمنحوتِ في الحجر والمحروقِ في الطين — كمالًا لا يُبارى. واستُخدم نقشُ الخشب للغرض نفسه، ولا يزال المرء يرى بالقاهرة بقايا بديعةً منه، في حين أنّ منقوشات دمشق، وبعضُها مُطَعَّم بالصدف أو العظم، تشهد بذوقٍ رفيع وتقوم دليلًا على تقليدٍ فنّيّ قديم راسخ.
305الحيوان المدبوغة على تفاوتٍ في الجَودة، أو على الرَّقّ، أو على الأديم(1) الخارج من دُور الصناعة في جنوب الجزيرة، وكان يمتاز بالنعومة والرِّقّة. غير أنّ البَرْديّ دخل في الاستعمال سريعًا. ذلك أنّ العرب وجدوا عند فتح مصر صناعةً موروثةً عن العصور القديمة بالغةَ الرقيّ في تحويل نبات البرديّ إلى مادّةٍ للكتابة. ولم تَزِد هذه الصناعةُ بالفتح العربيّ إلا نهوضًا، إذ إنّ نظام الدولة والإدارة في الإسلام القديم — على ما سبقت الإشارة إليه — لم يكن يعرف ضريبةً على الحِرَف ودُور الصناعة. وكان مركز هذه الصناعة في الدلتا، وعلى التحديد في بلدةٍ تُسمّى بُورة، وهي موضعٌ ساحليّ من كورة دمياط.(2) فهنا كان نباتُ البرديّ — ولعلّه كان ينبت بكثرةٍ في بحيرة المنزلة القريبة — يُعالَج ثم يُطرَح في التجارة. بل إنّ العرب أبقوا للنبات اسمَه القديم فسمّوه «فافير»، أمّا المنتَجُ المصنوع منه فأخذ من اليونانيّة المتأخّرة (χάρτης) اسمَ القِرطاس.(3)
أمّا الدولة الرومانيّة الشرقيّة، وقد استفحل فيها الوَلَعُ بالكتابة استفحالًا بالغًا بحكم سيطرة الكَتَبة البيزنطيّين، فقد ظلّت هي والغربُ سواءً معتمدةً على دُور الصناعة الإسلاميّة في مصر مصدرًا وحيدًا لا ثانيَ له. ولذلك قام تصديرٌ للبرديّ من مصر إلى بيزنطة على قدرٍ عظيم من الضخامة، وكان ثمنُه يُدفَع نقدًا.(4) على أنّه يبدو أنّ المصريّين اهتدوا مبكّرًا إلى ضربٍ آخر من صناعة الورق من موادّ أخرى، وإلا لتعذّر تفسيرُ الخبر الذي يسوقه كاتبٌ قديم جدًّا: أنّ الخليفة المعتصم، وقد أسكن في
Nota 1. الفهرست 40. Nota 2. اليعقوبي 126، 127. Nota 3. ابن البيطار I. 127. Nota 4. البلاذري 240.
306دار مُلْكه الجديدة سامرّاء صُنّاعًا من كلّ أنحاء الدولة، استقدم إلى سامرّاء كذلك صُنّاعَ الورق (القِرطاس) من مصر(1)؛ فإنّ نبات البرديّ كان معدومًا هناك بالكلّية، فلم يكن يمكن إذن أن يُصنَع الورق إلا من موادّ أخرى: من قطنٍ أو كتّان. وأمّا استعمال هذه المادّة الأخيرة في صناعة الورق فلم يتعلّمه العربُ إلا فيما بعد؛ فلا يكاد يبقى تفسيرٌ آخر إلا أن نفترض أنّ أصحاب دُور الصناعة في مصر، مع انتشار زراعة القطن التي نشرها العرب، تعوّدوا شيئًا فشيئًا أن يَغُشّوا البرديَّ الخالص بالقطن، حتى انتهوا آخر الأمر إلى اكتشاف صناعة الورق من القطن وحده. وظلّ الناس في بغداد يستعملون في جميع دواوين الدولة الرَّقَّ أو البرديَّ المصريّ إلى مطلع القرن الثاني للهجرة، وكانوا في أيّام الأمين والمأمون يكتبون على الرَّقّ (الطُّروس) عامّةً. ولمّا نُهِبَت الدواوين في الحرب بين الأخوين، أُخرِجت منها الأوراقُ المحفوظة فيها، وكانت كلّها على رَقّ، ثم بِيعَت بعد غسلها مادّةً للكتابة. ويقال إنّ هذه الأرصدة من الرَّقّ كفت زمنًا طويلًا حاجةَ الناس إلى ما يكتبون عليه.(2)
غير أنّ تغيّرًا كبيرًا وقع في المدّة الممتدّة من مطلع القرن الثالث إلى منتصف الرابع للهجرة. فلم يقتصر الأمرُ على استيراد الورق الصينيّ — وكان ثمنه دائمًا غاليًا جدًّا — بل نشأت كذلك في شمال الجزيرة (تِهامة) صناعةٌ وطنيّة للورق.(3) ويقال إنّ صناعة الورق أُدخِلت في بغداد نفسها
Nota 1. اليعقوبي 39. Nota 2. الفهرست 21. Nota 3. المصدر نفسه 40. ولا يمكن أن يكون المقصود هنا إلا ورق القطن.
307بإشارةٍ من الوزير الفضل بن يحيى.(1)
وأوّل من حمل صناعة الورق من الكتّان إلى أقصى ولاية في شمال شرق دولة الخلافة رجلٌ صينيّ مِقدام. وفي كتابٍ يرجع إلى النصف الثاني من القرن الرابع للهجرة (الفهرست) نجد بالفعل تعدادًا مطوّلًا لأصناف الورق المصنوع من الكتّان. وبلغت هذه الصناعة الجديدة في سمرقند أوجَ ازدهارها، وسرعان ما غَنِيَت المدينة وازدهرت بالتجارة، وكان لتصدير الورق فيها مكانٌ بارز. ومع الاتّساع المطّرد في استهلاك الورق، بحكم النهضة السريعة لأدبٍ قوميّ والعناية الشديدة بالدراسات العلميّة، أخذ إنتاجُ هذه السلعة والتجارةُ فيها امتدادًا هائلًا، وقامت مصانع الورق في كلّ مكان. على أنّه لا ينبغي أن يفوتنا أنّ الغلبة، في الصراع بين ورق الكتّان في المشرق وورق القطن في المغرب، كانت لهذا الأخير، ولا شكّ أنّ ذلك لأنّه كان أرخصَ صناعةً، فأخرج مُنافِسَه الغاليَ من الميدان.
ولمّا فتح المسلمون شيئًا فشيئًا، انطلاقًا من مصر، ساحلَ شمال إفريقية كلَّه، ثم إسبانيا، ثم صقلّية آخرًا، حملوا معهم — مع زراعة نبات البرديّ الذي أدخلوه إلى صقلّية، وشجيرة القطن التي وطّنوها في إسبانيا وصقلّية جميعًا — صناعةَ الورق، فبلغت في صقلّية وإسبانيا معًا ازدهارًا عظيمًا.(2) وكانت مصانعُ شاطبة في القرن الثالث عشر للميلاد ذائعةَ الصيت في الآفاق بأصناف الورق التي تصنعها من القطن، وكان يُحمَل كذلك إلى بلاد
Nota 1. هذا الخبر الأخير مصدره ابن خلدون، المقدّمة II. 407، وقد عاش في زمنٍ متأخّر جدًّا عن أن يُعَدّ فيه ثقةً. Nota 2. الإدريسي: الجغرافيا، ترجمة Jaubert ص 37. المقّري I. 80. قارن Amari: Storia dei Musulmani III. 8065.
308الغرب النصرانيّة، في حين كان الجزء الشرقيّ من أوروبّا يجلب أوراقه — ولا شكّ أنّها هي أيضًا ورقُ قطن — من بلاد الشام، ولعلّه من دمشق، على ما يدلّ الاسمُ الذي عُرِف به: Charta Damascena.
وفي القرنين الحادي عشر والثاني عشر أزاح هذا المصنوعُ الإسلاميّ الرَّقَّ القديمَ من أوروبّا إزاحةً تامّة، حتى اضطرّ الإمبراطور فريدريش الثاني سنة 1224 إلى أن يمنع ورق القطن منعًا صريحًا في وثائقَ عامّة بعينها لقلّة بقائه؛ غير أنّ مسألة الثمن أبطلت أثر مثل هذه المناهي. ولم يظهر ورق الكتّان في أوروبّا إلا في النصف الثاني من القرن الثالث عشر، ويبدو أنّه نشأ من أنّ الناس، طلبًا لأصنافٍ أرخص، خلطوا بورق القطن أجزاءً من الكتّان؛ ولعلّه أيضًا من اختراع المُوريّين، فإنّ زراعة الكتّان كانت عندهم واسعةً جدًّا.(1)
وكيفما كان الأمر — إذ لا سبيل اليوم إلى تحقيق شيءٍ على وجه اليقين — فإنّ صناعة ورق الكتابة والتجارة فيه، وما صحبها من هبوطٍ في ثمن مادّة الكتابة، واقعةٌ بالغةُ الخطر من وجهة تاريخ الحضارة. فقد كانت الكتب على الرَّقّ أو البرديّ من الغلاء بحيث لا تصل إليها إلا فئةٌ ضيّقة جدًّا؛ فلمّا صنع العربُ مادّةً رخيصة للكتابة وأمدّوا بها لا أسواقَ المشرق وحدها بل أسواقَ الغرب النصرانيّ أيضًا، صار العلمُ في متناول الجميع، وكفّ عن أن يكون امتيازًا لطبقةٍ مغلقة، وبذلك أُعطيت الدَّفعةُ الأولى لنهضةٍ سريعة في النشاط العقليّ، أخذت تشتدّ وتشتدّ حتى حطّمت آخرَ الأمر القيودَ التي أراد التعصّبُ والخرافة
Nota 1. ولا سيّما في ناحية باجة بإسبانيا. المقّري I. 78.
309أو الاستبدادُ أن تُلقى عليها. وبهذا انفتح عهدٌ جديد من عهود المدنيّة، وهو العهد الذي نحيا نحن فيه.(1)
وقد تعلّقت بصناعة الورق فروعٌ ثانوية من الحِرَف، منها مثلًا صناعة المِداد بألوانه المختلفة، وقد ذُكِر في هذا الباب مصنَّفٌ خاصّ مبكِّرًا (الفهرست 359)، ومنها صناعة تجليد الكتب. وكانت الأغلفة في الأصل غليظةً غايةَ الغِلَظ؛ كانوا يُجلِّدون الكتب في جلدٍ مدبوغٍ بالنُّورة، غير أنّه كان لسوء المعالجة شديدَ اليُبس والقسوة، ثم اهتُدِي بعد ذلك في الكوفة إلى ضربٍ أنجعَ من الدباغة بالتمر، فلان به الجلد.(2) وتقدّم الناس كذلك في تزيين الغلاف والكتب؛ فقد زُيِّنت المصاحف بالذهب مبكّرًا(3)، وبلغ التجليد شيئًا فشيئًا حذقًا أعظم في الصنعة، وإن كانت أقدمُ الأغلفة العربيّة الباقية لا تمتاز بأكثر من حُسن رسم الأرابيسك المضغوط في الحاشية وفي الحِلْية الوسطى، وهي فيما عدا ذلك بالغةُ البساطة. ولم يعرف الشرقُ الزخرفةَ الأفخم للأغلفة إلا في عهدٍ متأخّر، والفضل في ابتكارها راجعٌ في هذا الباب إلى الفرس.
ويبدو أنّ بلدة الطائف كانت في صدر الإسلام تُخرِج أعمالَ تجليدٍ جيّدة، فقد ذُكِر في أحد المجاميع(4) مخطوطٌ نفيس
Nota 1. لمّا اتّسعت صناعة الورق في أوروبّا في أواخر القرون الوسطى، أفلحت في سدّ حاجتها هي، ووضعت حدًّا لاستيراد الورق الشرقيّ؛ غير أنّ هذه الصناعة بقيت في الشرق زمنًا طويلًا بعد ذلك، وفيما أستطيع الحكم به لم تبدأ التجارةُ الأوروبّية — بتصدير الورق الأوروبّيّ، ولا سيّما من مصانع إيطاليا وفرنسا وهولندا — في دفع الصناعة الشرقيّة الوطنيّة إلى الوراء شيئًا فشيئًا إلا منذ نحو قرنين. Nota 2. الفهرست 21. Nota 3. المصدر نفسه 9. Nota 4. الأصفهاني I. 70.
310كُتِب على رَقٍّ من الكوفة وجُلِّد بالطائف.
وسرعان ما نشأت تجارةُ الكتب على وجه الاحتراف. يروي كاتبٌ قديم جدًّا (اليعقوبيّ) أنّه كان ببغداد في زمانه أكثرُ من مئة وَرّاق. على أنّه لا ينبغي للمرء أن يخدع نفسه في هذا الباب. فتجارة الكتب في الشرق ليست إلى اليوم شيئًا سوى ما نسمّيه نحن تجارةَ الكتب القديمة. للتاجر دكّانٌ صغير، يقوم عادةً بجوار المسجد، حيث تتلاصق حوانيتُ الكتب واحدًا إلى جانب آخر، على ما يُشاهَد إلى اليوم في القاهرة ودمشق وسائر مدن الشرق. هناك يُكدِّس كتبه — وهي في ذلك الزمان مخطوطاتٌ لا غير بطبيعة الحال — ولا يُجدِّد ما عنده إلا بأن يستنسخ المخطوطات لحسابه، أو يشتري ما يُعرَض منها للبيع، وذلك في الشرق لا يجري إلا على أيدي الدلّالين. وربّما نسخ الورّاقُ بنفسه المخطوطاتِ النادرة. وياقوت المشهور، الذي نشر كتبه الجغرافيّة ف. فوستنفلد الذي لا يعرف الكلل، كان يعمل عند ورّاق ينسخ له المخطوطات، ومن هناك جمع معارفه الواسعة. وكثيرًا ما كان الورّاقون أنفسهم من أهل الأدب، يؤلّفون المجاميع والمختصرات، وامتاز كثيرٌ منهم بسعة الاطّلاع على الآداب. فبين أيدينا فهرسٌ أدبيّ وضعه ورّاقٌ بغداديّ في أواخر القرن العاشر للميلاد، جمع فيه كلّ ما اتّصل بعلمه من الكتب في طول مباشرته لهذه التجارة، مع أخبارٍ عن أصحابها، ونستفيد منه أيَّ مبلغٍ يبعث على الدهشة كان قد بلغه الأدبُ العربيّ في ذلك الزمن المبكّر. ونرى منه أنّه كان ثَمّ بالفعل عُشّاقٌ للكتب حقًّا، يجمعون خطوطَ المؤلّفين وبقايا الكتابات القديمة. فهو يخبرنا
311أنّه لقي في حديثة، وهي بلدةٌ صغيرة بالعراق، رجلًا من مُحبّي الكتب، عنده من المخطوطات القديمة في مختلف فروع الأدب كنزٌ حقيقيّ، غير أنّه كان يحرسه في غَيرةٍ وارتياب. كان عنده في صندوقٍ كبير نحوُ ثلاثمئة رطل من الكتابات والرِّقاق والوثائق القديمة: كتاباتٍ على البرديّ المصريّ، وعلى الورق الصينيّ، أو على ورقٍ من تهامة ومن خراسان، بل على لفائفَ من جلد. وعلى كلّ كتابٍ منها اسمُ ناسخه، وفوق ذلك تعليقاتُ التصديق لأجيالٍ متعاقبة من العلماء؛ وكان بينها كثيرٌ من خطوط رجالٍ مشهورين في التاريخ من صدر الإسلام.(1)
وقد اقتضت طبيعةُ الأمر أن تكون الكتب — وهي لا تتكاثر إلا بالنسخ — غاليةَ الثمن. وكان الأمرُ يتوقّف كذلك إلى حدٍّ بعيد على دقّة النسخة. يروي لنا عالمٌ أنّه رأى مرّةً في مزادٍ عامّ لتَرِكةٍ شرحَ الإسكندر الأفروديسيّ على «أكرواسيس» أرسطو (ويُسمّى بالعربيّة السماع)، فعُرِض عليه الكتابُ بمئةٍ وعشرين دينارًا (1,200 فرنك). ولم يكن المالُ معه، فسعى في الحال في تحصيله، فلمّا عاد كان قد بيع مع كتبٍ أخرى لرجلٍ فارسيّ (خُراسانيّ) بثلاثمئة دينار.(2) وبِيعَت نسخةٌ من كتاب العين للفراهيديّ في ثمانٍ وأربعين كرّاسة، أي أربعمئة وثمانين ورقة، سنة 248هـ (862م) بخمسين دينارًا، إذ كانت تُعَدّ من النوادر الكبار، وقد وردت إلى سوق الكتب بالبصرة على يد ورّاقٍ من خراسان.(3)
Nota 1. الفهرست 40. Nota 2. ابن أبي أُصَيبِعة Fol. 46. Nota 3. الفهرست 42.
312وسرعان ما أصبحت هذه التجارةُ من الإغراء بحيث دخلها التدليس؛ فربّ ورّاقٍ داهيةٍ نَحَل مؤلِّفًا قديمًا مشهورًا كتابًا مُحدَثًا ليبيعه غاليًا. فمن ذلك أنّ ورّاقًا أخرج بعد وفاة الموسيقيّ المشهور إسحاق الموصليّ كتابًا في الأغاني جمعه من مصنّفاته ونسبه إلى الرجل بعد موته.(1) ثم شاعت مثلُ هذه الحِيَل الخادعة شيئًا فشيئًا حتى صارت مألوفة، ولم ينسَها ورّاقو الشرق إلى أيّامنا هذه، على ما لا بدّ أن يكون قد خَبَره كلُّ من عالج جمع المخطوطات في الشرق.
وكان الولوعُ بالكتب عامًّا مبكّرًا جدًّا. أنشأ المأمون مكتبةً كبيرة ببغداد، وكان الصاحبُ بن عبّاد رجلُ الدولة المشهور يحتاج في أسفاره دائمًا إلى نحو أربعمئة جمل لنقل كتبه: خبرٌ فيه على كلّ حالٍ مبالغةٌ شديدة.(2) ومن أدلّ الوجوه على روح الأمّة العربيّة في ذلك العهد المبكّر أنّ هذا الولوع بالكتب يظهر في البلاد العربيّة كلّها؛ فقد كان حبّ الكتب والخزائن في إسبانيا تحت الحكم العربيّ، مثلًا، لا يقلّ انتشارًا عنه في العراق مركزِ الدولة. وكانت قرطبةُ يومئذٍ أوّلَ سوقٍ للكتب في إسبانيا؛ فإن مات عالمٌ في إحدى الكُوَر أُرسِلت كتبُه إلى قرطبة لتُباع.(3)
ويروي لنا عالمٌ الحادثةَ التالية، وهي من الدلالة بحيث لا يسع المرء إلا إثباتها هنا: «كنت مقيمًا بقرطبة، وكنت أتردّد زمنًا طويلًا على سوق الكتب بها، إذ كنت أطلب كتابًا ظللت أتتبّعه أطولَ زمان. ثم عُرِض أخيرًا للبيع منه نسخةٌ بخطٍّ بديع،
Nota 1. الفهرست 141. Nota 2. ابن حمدون I. Fol. 77. Nota 3. المقّري I. 76 عن التيفاشي.
313فأخذت أزايد عليها فَرِحًا، غير أنّ المنادي كان يعود إليّ في كلّ مرّةٍ بزيادةٍ أعلى، حتى جاوز الثمنُ قيمةَ الكتاب الحقيقيّة مجاوزةً بعيدة. فقلت للمنادي: أرِني هذا المُزايِد الذي يبذل في الكتاب كلّ هذا. فأخذني إلى رجلٍ عليه هيئةٌ جليلة، فلمّا خاطبته بالشيخ العالم وقلت له إنّي مستعدّ أن أترك له الكتاب إن كان محتاجًا إليه حقًّا، إذ لا معنى للاستمرار في رفع الثمن، أجابني بما يلي: لستُ عالمًا ولا أدري في أيّ شيءٍ هذا الكتاب، ولكنّي أُنشِئُ الآن خزانةً وأبذل في ذلك المال لأتميّز به بين وجوه المدينة؛ وقد بقي عندي في الرفّ موضعٌ خالٍ يملؤه هذا الكتاب. ثم إنّه، فوق ذلك، حَسَنُ الخطّ جميل التجليد، فأعجبني، ولا أُبالي بما يكلّفني، فإنّ الله قد رزقني رزقًا واسعًا».(1)
ولمّا كنّا سنتكلّم فيما بعدُ كلامًا مفصّلًا على الخزائن وسائر المؤسّسات العلميّة، فالمناسبُ هنا أن نُبرِز كيف كان لا بدّ لتجارة الكتب، في مثل هذه الأحوال ومن الوجهة التجاريّة المحضة، أن تنهض نهضةً بالغة. وقد كان بالفعل لكلّ مدينةٍ عربيّة كبيرة سوقُ كتبٍ خاصّةٌ بها. وبمقدار ما نمت هذه التجارة تهذّب الخطُّ العربيّ كذلك، وكان في أوّله شديدَ اليُبس والتزوّي، فصار إلى صورٍ أجمل. وكان أهلُ المعرفة يُقدِّرون الكتب تقديرًا خاصًّا إذا كُتِبت بخطوط الأئمّة الموثوقة، وهي عند العرب أبعدُ شيءٍ عن الجمال. وكلّما زادت تجارةُ الكتب وعظُم الطلب، كثُرت كذلك طبقةُ
Nota 1. المقّري I. 218.
314من يكسبون خبزهم بالنسخ. وقد بدأ الناسُ مبكّرًا نوعًا ما يُعنَون بحُسن الخطّ. وأقدمُ من يُذكَر من المُجيدين (خالد بن أبي الهيّاج) عاش في أيّام الخليفة الأمويّ الوليد الأوّل، ووُلِّي نسخَ المصاحف وكتب التاريخ. وهو الذي كتب الكتابة الذهبيّة في مسجد النبيّ بالمدينة، وفيها من السورة التسعين إلى آخر القرآن. وبرز كذلك أحدُ الموالي (مالك بن دينار، توفّي 130هـ، 747–748م) فكان ينسخ بأجر. ثم نشأ سريعًا، بحكم تعاظم شأن الكَتَبة شيئًا فشيئًا، عددٌ كبير من صنوف الخطوط؛ فكان ثَمّ خطٌّ كبير خاصّ (خطّ الجليل) لكتب الدولة، وخطٌّ آخر للوثائق القضائيّة، وأصنافٌ أخرى كثيرة. وكان الخطُّ المعتاد لنسخ الكتب هو ما يُسمّى المُدَوَّر الصغير.(1) وأخذ خطُّ العراق يزداد انتشارًا حتى استُعمِل في المصاحف أنفسها(2). ولمّا نهضت في خلافة المأمون الآدابُ وتجارةُ الكتب والدراسات نهضةً عظيمة، بدأ الناس يُولُون تجويدَ الخطّ عنايةً كبيرة. فأوّل من أدخل على تلك الصور، وهي بعدُ شديدةُ التزوّي، شيئًا من الاستدارة رجلٌ من رجال الدولة عالمٌ رفيعُ المنزلة (الوزير ابن مقلة، توفّي 328هـ، 940م)، وابتكر بعض الوَصلات الجديدة؛ ثم بلغ الخطّاط ابن البوّاب (توفّي 423هـ، 1032م) بالاستدارة الأنيقة ووصل الحروف غايةَ الكمال، وسطع في هذا الباب فيما بعدُ من أساتذته الخطّاطُ المشهور ياقوت (توفّي 618هـ، 1221م). أمّا إسبانيا، وقد انفصلت سياسيًّا عن الأرض الأمّ، فقد حفظت خطَّها الخاصّ الذي بقي إلى اليوم في غرب إفريقية، وفيه يُبسٌ قديم
Nota 1. الفهرست 4–8. Nota 2. المصدر نفسه 8.
315وغِلَظ.(1) ثم تكاثرت أصنافُ الخطوط بعد ذلك، وظهر التعليقُ الجميلُ، وهو مع جماله شديدُ الإفساد لدقّة المخطوطات، ثم النستعليق وهو أصعب منه بكثير.
ولا أريد أن أُطيل في هذا الموضوع، وإنّما أضيف ملاحظةً واحدة: أنّ العرب، وقد تقهقروا في كلّ شيءٍ منذ انحلال دولتهم، لم يتقدّموا إلا في الخطّ وحده. لقد رأيت بالقاهرة في مجموعة المستر أَيرتُن — وهي فيما أظنّ الآن بالمتحف البريطانيّ في لندن — خطوطًا لابن البوّاب وأخرى لياقوت، وأستطيع أن أشهد بأنّ خطّاطي القاهرة المُحدَثين يفوقون الأوّل ويُساوون الثاني على أقلّ تقدير. غير أنّه لا بدّ من إضافة ملاحظةٍ أخرى: أنّ الكتاب كلّما كان أجملَ خطًّا كان نصُّه في الغالب أقلَّ ثقة. وأسلمُ النسخ من الخطأ هي مخطوطاتُ العلماء القديمة الغليظة. على أنّ ذلك لم يمنع أن يكون للنسخ الجميلة عند الناس قدرٌ كبير، وأن يُكثِروا من جمع النسخ الفاخرة ما استطاعوا، ولا سيّما في الخزائن الملكيّة أو مجموعات الأغنياء من أهل الخاصّة. وبهذا وجدت طبقةٌ عريضة من فقراء العلماء والطلبة رزقها، وأغنت مخازنَ الورّاقين بثمرة كدّها، حتى صار نسخُ الكتب والخطّ حِرفتَين قائمتَين بذاتهما، تُمارَسان كسائر المِهَن.
وقد تكلّمنا حتى الآن على أهمّ الصناعات: الزجاج والمنسوجات والمعادن والورق، غير أنّه كان يفوتنا واحدٌ من أهمّ أبواب الكسب وسِلَع التجارة لو لم نذكر الطيب. وقد سبق الكلام على حبّ أهل الشرق للطيب وشدّة تأثّرهم به، وعلى دلالة ذلك في تاريخ الحضارة.
Nota 1. قارن ابن خلدون: المقدّمة II. 399.
316وعلينا هنا أن نصف الوجه المادّيّ من هذه الصناعة وصلتها بالتجارة وبأسباب الكسب.
إنّ بلاد المنطقة القاحلة — ومنها جزيرة العرب وأكثرُ الكُوَر العربيّة الأخرى — غنيّةٌ بالنباتات والزهور العَطِرة وأصناف الثمار الطيّبة الرائحة، تُكسِبها حَمْوةُ الشمس، ولعلّ تركيبَ التربة كذلك، عَرْفًا خاصًّا. فنشأت من ذلك، في بعض جوانبه، صناعةٌ مهمّة منذ العصور القديمة السحيقة، وتجارةُ تصديرٍ ذاتُ شأن. ويكفي أن نُشير هنا إلى أهمّية اللُّبان في العصور القديمة وإلى تلك الحركة التجاريّة العظيمة التي قامت على تصديره.(1) على أنّ جزيرة العرب فقدت جانبًا كبيرًا من فوائد تجارة التصدير هذه، لأنّ التجّار اليونان والرومان تولّوا هذا العمل بأنفسهم؛ فلمّا قامت دولة الخلافة وبلغت في مدّةٍ قصيرةٍ لا تكاد تُصدَّق درجةً عالية من الحضارة، عادت الحاجةُ إلى الطيب مضاعَفةً.
وفي فارس، ولا سيّما في إقليم فارس نفسه، وكذلك في سوسيانا (خوزستان) حيث كان الطبّ والعلوم الطبيعيّة يُدرَسان بهمّةٍ في مدرسة جُنْدَيسابور العالية، ازدهرت مبكّرًا صناعةُ استخراج الأطياب. ويأتي في المرتبة الأولى في هذا الباب ماءُ الورد الفارسيّ، وكان يُحمَل إلى أبعد البلاد، حتى إلى إسبانيا والصين. ومن نظائره ماءُ الطَّلع (ويُعرَف اليوم بالبصرة باسم ماء اللِّقاح)، وماءُ الزعفران، وماءُ القيصوم (والقيصوم نبتةٌ عَطِرة، Achillea falcata Forsk.)، وماءُ الخِلاف. وكانوا يستخرجون على النحو نفسه أدهانًا عَطِرة تُستعمَل مراهمَ أو دُهونًا
Nota 1. قارن عمل شبرنجر الرائد: Die alte Geographie Arabiens. برن 1875.
317تُدهَن بها، وكان الطلبُ عليها شديدًا جدًّا، حتى إنّ دهن الخِلاف — وأجودُه ما يأتي من مراغة بأرمينية — بلغ من غلاء ثمنه أنّ المَنّ(1) منه بعشرة دنانير؛ ويليه في الجودة ما يأتي من جُور بفارس.(2) ومن سابور، وهي كذلك مدينةٌ بفارس، كان يأتي أرفعُ أصناف الأدهان العَطِرة، ولم يكن يُعَدّ أرفعَ منها إلا دهنُ المَنثور ودهنُ البنفسج من الكوفة. ومن داراب جِرد كان يأتي الدُّهنُ الرازقيّ المشهور. وكان استهلاكُ هذه السلع شديدًا بوجهٍ خاصّ، لأنّ المطبخ الشرقيّ لم يكن وحده يستعمل المياه العَطِرة في إعداد الطعام (ماءُ الورد وماءُ البنفسج(3))، بل لأنّ أصنافًا كثيرة منها كانت تُستعمَل كذلك في الطبّ، مثل دهن الورد، ودهن البنفسج، ودهن فُقّاح الخِلاف، ودهن الياسمين، ودهن المنثور وغيرها. فقد كان دهنُ الأمْلَج يُذكَر أنّه يُقوّي إنباتَ الشعر(4)، ونُسِب الأثرُ نفسه إلى دهن الأُترُجّ.(5)
وانتشرت هذه الصناعة سريعًا في جميع بلاد اللسان العربيّ؛ فكانت القيروان، في إيالة تونس اليوم، تُنتِج أجودَ دهن الأُقحُوان، وكان يُصنَع في بيت المقدس دهنُ الكَنْدُل من نبتةٍ تنبت هناك في الجبال، في حين كانت الشامُ ومصر تُخرِجان أجودَ دهن السوسن.(6)
وعُنِي المُوريّون في إسبانيا باستخراج ماء الورد، وقد وصف كاتبٌ إسبانيّ عربيّ في الفلاحة طريقةَ تقطيره وصفًا مفصّلًا، وعلّمنا كذلك
Nota 1. وزنٌ يزن رطلين. Nota 2. ابن حوقل 213. Nota 3. وكان الماءان يُشرَبان أيضًا شرابَين مُبَرِّدَين. Nota 4. ابن البيطار I. 446. Nota 5. المصدر نفسه I. 455. Nota 6. المصدر نفسه I. 430، 432، 445.
318كيف يُقوّى بإضافة الصَّبِر والقرنفل والزعفران والمسك.(1)
لقد أتت الصناعةُ العربيّة في هذا الباب بما هو خارقٌ حقًّا، ويلوح لي أنّه يستحقّ العناء أن نُحاكي شيئًا منه، فإنّ لأهل الشرق في العطر أشياءَ كثيرة يقينًا يمكن أن يُفيد منها صُنّاعُنا الأوروبّيّون. ولذلك أقتصر هنا على إيراد جدولٍ بالأدهان العَطِرة المُفضَّلة بوجهٍ خاصّ، سواءٌ ما استُعمِل منها للزينة أو ما استُعمِل في الطبّ: دهن الإذخِر، ودهن المَرْزَنجوش، ودهن الباذَروج، ودهن الشِّبِتّ، ودهن النرجس، ودهن الزعفران، ودهن الحنّاء، ودهن الناردين، ودهن النَّسرين، ودهن البابونج، ودهن السَّفَرجَل، وغيرها.(2) ولم يتخلّف كذلك صُنعُ الأطياب المغشوشة؛ فكانوا يصنعون ماءَ كافورٍ زائفًا من خشب الصنوبر(3) وما شاكل ذلك.
وكان العراقُ وفارس في هذه الفروع الصناعيّة المختلفة، في صدر الخلافة، هما اللذَين برزا بوجهٍ خاصّ وسيطرا على السوق. ثم لمّا قوّضت الفتنُ والحروبُ الرخاء، تصدّرت إسبانيا في جميع سلع الترف. ويقول واحدٌ من أنفذ المُلاحِظين نظرًا (ابن خلدون) عن إسبانيا في زمانه إنّ سكّانها العرب كانوا يمتازون بوجهٍ خاصّ في صنائع الترف والنعيم: في صناعة البناء والتشييد (الحمراء)، وفي الغناء والرقص
Nota 1. ابن العوّام: Clém. Mullet II. 380، 405. وكذلك وُصِف صُنعُ دهن الآس وصفًا دقيقًا. II. 232. Nota 2. ابن البيطار I. 429–445. وترجمةُ Sontheimer، وقد اضطُرِرت إلى الإفادة منها، ناقصةٌ جدًّا مع الأسف، ولا تُستعمَل إلا بحذر. Nota 3. ابن العوّام، طبعة Banqueri II. 407.
319والموسيقى، وفي صناعة فَرْش القصور وتزيينها بالبُسُط، وفي صنع الأواني من الخَزَف والمعدن، وأدوات البيت وغيرها. وكانت تونسُ في هذه الأمور شبيهةً كلَّ الشَّبَه بمدن إسبانيا.(1)
ويتّفق مع هذا اتّفاقًا تامًّا ما نعرفه من الأخبار من مصادر أخرى. فبحسبها كان أهلُ إسبانيا يُحسِنون بوجهٍ خاصّ إعدادَ أصنافٍ مختلفة من الأشربة والفواكه المُخلَّلة، من ذلك مثلًا رُبُّ الزبيب، والكَبَر المُخلَّل بالخلّ (المكبَّر، بالإسبانيّة alcaparrado)، والمُجَرْجَر (بالإسبانيّة orugado)، والخردل (المُصنَّب، بالإسبانيّة mostazado). بل كانت في صُنع المُربّيات مصنّفاتٌ خاصّة.(2)
Nota 1. ابن خلدون: المقدّمة II. 361. ويلوح لي أنّ المناسب هنا أن أُنَبِّه إلى أنّي لم أُدخِل العمارة في إطار هذا الكتاب، لأنّ المرء يجد جوهر الأمر فيها في كتب تاريخ الفنّ؛ ثم إنّنا نفتقد الآثار من عصر ازدهار حكم الخلفاء نفسه. فقد دُمِّر كلُّ شيءٍ تقريبًا. ولعلّ العمارة الإسلاميّة التي نُعجَب بها في الحمراء وسائر بقايا بناء حكم المُوريّين في إسبانيا تصلح دائمًا لأن تُعطينا فكرةً عن الطور الأقدم من العمارة العربيّة. أمّا في بغداد فقد ذهبت جميعُ الأبنية التي ترجع إلى عصر الخلافة الزاهر ضحيّةَ التدمير. وكانت موادّها في الأغلب الآجُرَّ والخشب، ولم يكن يُستعمَل التكسية بالحجر إلا من الخارج، ولذلك زال كلُّ شيءٍ بلا أثر. وقد أثّرت في نشأة طراز البناء العربيّ نماذجُ بيزنطيّة في الشام ومصر، ونماذجُ فارسيّة على الأرجح في العراق والبلاد الشرقيّة، ولا سيّما من عهد الساسانيّين. وأمّا أطوار طراز البناء العربيّ فأُحيل فيها إلى ما قلته في «طوبوغرافية دمشق» (المجلّد V من مذكّرات الشعبة التاريخيّة الفلسفيّة بالأكاديميّة الإمبراطوريّة للعلوم). وأمّا كم بكّرت يقظةُ فنّ البناء، وإلى أيّ مدًى بلغوا في زخرفة القصور، فيتبيّن من مواضعَ كثيرة في هذا الكتاب. وأضيف إلى ما ذكرته في مواضعَ أخرى عن قصور الأمويّين بدمشق والعبّاسيّين ببغداد أنّ مثل هذه الأبنية الفاخرة قامت كذلك مبكّرًا في الكُوَر. فقد بنى والٍ للموصل في أيّام الأمويّين لنفسه هناك قصرًا استُعمِل فيه الرخامُ وخشبُ الساج والفُسَيفِساء. ابن الأثير V. 99. وأقدمُ الآثار الباقية جامعُ قرطبة الكبير وجامعُ ابن طولون بالقاهرة. وفي تاريخ فنّ البناء العربيّ قارن Amari: Storia dei Musulmani in Sicilia III. 817 وما بعدها. Nota 2. ابن العوّام: Libro de Agricoltura II. 414.
320وكانوا يصنعون من قِشر شجرة الكَبَر وأصلها، بإضافة العصير الحديث، شرابًا لذيذًا جدًّا يُبهِج ولا يُسكِر.(1) ويبدو أنّه كان محبوبًا عند الجميع؛ يأخذون له خمرًا فتيّة فيغلونها، ويضيفون إليها كفًّا من الريحان، ثم كفًّا من الحَبَق القرنفليّ، وشيئًا من قشر لسان الثور يُعَلَّق فيها في كِيسٍ من كتّان. فكان إذن ضربًا من شراب الربيع.(2) ولا يبقى علينا إلا أن نضيف أنّ المُوريّين، وهم أهلُ إقبالٍ على الحياة، عرفوا كذلك خمرَ مالقة النفيسة وأحسنوا تقديرها كلَّ الإحسان.(3)
وصنعوا في إسبانيا كذلك ضروبًا من الطيب لا توجد في غيرها، منها ضربٌ من العطر من قشر التفّاح.(4)
ومن البيّن أنّ الصناعة التي تكلّمنا عليها آنفًا تفترض مقدّمًا زراعةً تقوم على أصولٍ عقليّة. فماءُ الورد وحده يقتضي كمّياتٍ ضخمة من الورد لا بدّ من غرسها وتعهّدها، وكثيرٌ من سائر ما ذكرناه من المنتجات الصناعيّة أو ما هو في بابها يفترض غرسًا صناعيًّا مقصودًا. بل إنّ حضارةً بلغت هذا المبلغ من الرقّة لا تكاد تُتصوَّر بغير عهدٍ طويل من التقدّم المادّيّ في مختلف ميادين الاقتصاد. وقد احتلّت الزراعةُ بالفعل، على النحو الذي بلغته في عصر ازدهار الخلافة، مكانًا بارزًا في حياة الناس، فما إن ترك العربُ سبيلَ الفتح حتى كانت
Nota 1. ابن العوّام: Libro de Agricoltura II. 415. Nota 2. المصدر نفسه II. 415. Nota 3. المقّري II. 794. يُروى أنّ خليفةً إسبانيًّا حضرته الوفاة فدعا الله ألّا يَحرِمه في الجنّة خمرَ مالقة والنبيذَ الزبيبيّ الحلو من إشبيلية. والحكاية دالّةٌ جدًّا على كلّ حال. Nota 4. ابن العوّام: Libro de Agricoltura II. 403.
321الزراعةُ هي التي صرفوا إليها أعظمَ عنايتهم. وقد دخلوا في ذلك مدرسةً جيّدة، فإنّ البلاد التي فتحوها كانت الحراثةُ والزراعة فيها قد نَمَتا وتهذّبتا منذ أقدم العصور بتجارب أجيالٍ كثيرة (مصر والشام وبابل والجزيرة وفارس). ولعلّ الأمر كان كذلك في أجزاءَ بعينها من جزيرة العرب (اليمن وعُمان والبحرين)، وإن كانت هذه البلاد تعتمد أساسًا على تربية الماشية. أمّا الصيدُ برًّا وبحرًا فلم يكن يقوت إلا أقلَّ القليل؛ وصيدُ اللؤلؤ في الساحل الشرقيّ من الجزيرة، وإن كان يُغِلّ غَلّةً وافرة، لا يمكن أن يكون بابًا للكسب ذا شأنٍ إلا لأهل الساحل. وكانت تربيةُ الماشية وغَلّةُ التمر دائمًا، كما هي اليوم، المَورِدَ الأساسيّ الذي يعتمد عليه القسمُ الأكبر بكثير من سكّان الجزيرة.(1) أمّا تلك النواحي التي تجمّعت فيها، بحكم الظروف، أعدادٌ كبيرة من الناس، على أنّ طبيعة أرضها قليلةُ الصلاح لإنتاج الأقوات على نطاقٍ واسع، فقد اضطُرّت إلى جلب حاجتها من الحبوب من البلاد المجاورة. فكانت مصرُ يومئذٍ، كما هي اليوم، المَورِدَ الذي يستمدّ منه الحجازُ القاحل حبوبَه. وكذلك سدّت دولُ شمال إفريقية فيما بعدُ حاجتها من الغلال من صقلّية.
ولم يكن في شمال الجزيرة سبيلٌ إلى شيءٍ بالرَّيّ، إذ الماء معدوم. أمّا في مصر وعلى الفرات، حيث كان الرّيُّ الصناعيّ مستعمَلًا منذ أقدم العصور، فقد أخذ المستوطنون العربُ بهذه الوسيلة الحضاريّة سريعًا،
Nota 1. أمّا تصديرُ الخيل من الساحل الشرقيّ للجزيرة إلى بلاد الفرات والهند، وهو اليوم رائجٌ جدًّا، فلم يكن معروفًا في الزمن القديم. لم تكن عندهم خيلٌ تكفي. وقد جلب الحجّاجُ الخيلَ لجنده من زَرَنج بسِجِستان. وكان ثمنُ الخيل مرتفعًا جدًّا أيضًا.
322وعرفوا قدرها حتى نقلوها إلى بلادٍ بعيدةٍ جدًّا كإسبانيا. فالناعورة مُحدَثةٌ لم يحملها إلى إسبانيا إلا العرب، وقد أبقت اللغةُ الإسبانيّة على لفظها العربيّ دون تغيير (noria أو anoria بالإسبانيّة)، وكذلك اللفظُ الآخر المستعمَل في الرّيّ بالجداول الصناعيّة: acequia (بالعربيّة: الساقية).(1) ولو لم تكفِ مثلُ هذه البقايا اللغويّة للدلالة على شدّة عناية العرب بالرّيّ الصناعيّ، لكفتنا كتبُ أقدم الفقهاء دليلًا: فنستفيد منها بأيّ حرصٍ حاولوا ضبطَ كلّ المسائل المتعلّقة بالرّيّ (قارن المجلّد الأوّل ص 201(2))، وكيف جعلوا للاهتداء إلى عيونٍ جديدة، وحفر آبارٍ جديدة، وإحياء الموات، جوائزَ صريحة (المجلّد الأوّل ص 444)، وكيف عالج الشرعُ كلَّ المسائل المتّصلة بالزراعة بأشدّ العناية.
أمّا النباتات الغذائيّة التي كانوا يزرعونها في صدر الإسلام فقد ذكرناها من قبل، ولا نضيف إليها هنا إلا أنّ الذرة (zea mais L.)، وهي اليوم في الشرق
Nota 1. الناعورة أوّلُ مثالٍ للآلات الزراعيّة، غير أنّي لا أكاد أعتقد أنّ اختراعها من فضل العرب. ولا أستطيع أن أقول ذلك كذلك في شأن الأرحية، فهي موجودةٌ في الشرق منذ زمنٍ مبكّر. ويُذكَر ببغداد رَحًى على نهر الصَّراة كانت تطحن بمئة حجر. وكانت تُسمّى رحى البِطريق، لأنّه يقال إنّ بِطريقًا يونانيًّا قَدِم بغداد في رسالةٍ من الإمبراطور البيزنطيّ هو الذي بناها. اليعقوبي 14، المعجم في مادّة: رحى البِطريق. ويلزم من هذا أنّ مثل هذه الأرحية التي تُدار بقوّة الماء إنّما عرفتها شعوبُ الشرق عن اليونان. وبالفعل لا تظهر الأرحيةُ المائيّة العامّة إلا في عهد هونوريوس وأركاديوس، وأقدمُ القوانين التي تذكرها (نحو سنة 398م) تدلّ دلالةً واضحة على أنّها لا بدّ أن تكون يومئذٍ أمرًا مُحدَثًا. Nota 2. وقد عقد قدامةُ في كتابه في الخراج بابًا في الشِّرب (shirb)، وقد أخطأ سلان فترجمه: des boissons.
323على هذا القدر من الأهمّية قوتًا وسلعةَ تصدير، لم تصل إلى أوروبّا إلا بعد اكتشاف أمريكا، ومن هناك إلى الشرق.
وللعرب في زراعة النبات ونشره فضلٌ عظيم. فالأرزّ، وقد كان يومئذٍ في رحلته البطيئة من موطنه الهنديّ قد بلغ الفراتَ إلى بابل، وربّما إلى الساحل الشرقيّ من الجزيرة، حملوه إلى مصر، ويبدو أنّهم أوّلُ من زرعه بها، وإن كان معروفًا فيها ثمرةً منذ عهد البطالمة. ثم إنّ الاسم القبطيّ arros مأخوذٌ من العربيّة بلا شكّ. ومن مصر انتشرت زراعةُ الأرزّ مع فتوح المسلمين إلى صقلّية وإسبانيا. وكذلك يدين لهم الماشُ (phaseolus mungo) بانتشاره، فقد كان هذا الصنف من البقول — على ما يقول عالمُ النبات ابن البيطار — أصلُه من اليمن، ومنها نُقِل إلى سائر بلاد الشرق، حيث كانوا يزرعونه في البساتين. ولهم كذلك فضلٌ لا يقلّ في زراعة قصب السكّر، وقد كان قد انتشر شيئًا فشيئًا من الهند الشرقيّة على طول ساحل الخليج الفارسيّ، وبلغ مع مطلع الإسلام خوزستان، أي قريبًا من دجلة، ومن هناك نُقِل في عهد الخلفاء إلى غربيّ آسيا. فكان يُصَدَّر في أواخر عهد الخلافة سكّرٌ كثير جدًّا من غور الأردنّ(1)، وهي زراعةٌ لم تنشأ هناك إلا منذ الإسلام ثم عادت فانحطّت بعد ذلك.
فإذا انتقلنا إلى ميدان النبات الأهمّ لأغراض الصناعة، وجب أن نذكر في المقام الأوّل ما يُستعمَل منه في الصِّباغ، وهو لذلك شرطٌ سابق لازدهار
Nota 1. المعجم I. 201.
324الصناعة. أمّا النِّيلَة فلم يكن العربُ فيها إلا وسطاء، يجلبونها من الهند ويشحنونها إلى أوروبّا عبر الإسكندريّة وموانئ الشام. وكانت البندقيّة مركزَ خزنها الأكبر، حيث تُفرِغ السفنُ القادمة من بلاد الشام حمولتها، ومن هناك يتولّى البنادقة توزيعها على مختلف بلاد أوروبّا.
أمّا زراعة الزعفران فقد لقيت في البلاد العربيّة نفسها عنايةً كبيرة. وقد كان لون الزعفران بصُفرته الحادّة صِبغًا رفيع القدر منذ العصور القديمة، وكانت الثيابُ المصبوغة به تُعَدّ في القيمة عِدلَ الأرجوان؛ وكان الأصفرُ الزعفرانيّ عند العرب والهنود لونَ الملوك. ونقلُ زراعة هذا النبات إلى أوروبّا وتوطينه بها من فضل العرب. بل إنّ اسمه العربيّ (الزعفران) انتقل بغير تغييرٍ يُذكَر إلى جميع اللغات الأوروبّية. ونُسِبت إلى الزعفران كذلك قوّةٌ شافية، فاستُعمِل في الطبّ في المراهم والدُّهون. فامرأةٌ عربيّة تُظهِر شكرها لعنترة المنتصر بأن تَطلي فرسه إلى مَنكِبه بمرهمٍ من مسكٍ وعنبرٍ وزعفران. ولمّا هزم عنترةُ جيشَ ملك الحيرة استقبلت عَبلةُ الأبطالَ العائدين بأن طلت صدور خيولهم بمرهم الزعفران.
وللعرب علينا كذلك فضلُ العُصفر (carthamus tinctorius، وبِزرُه يُسمّى القُرطُم). فقد حملوا زراعته إلى أوروبّا وعلّموا استعماله في الصباغ بالأحمر والأصفر. ومن نبات الصِّباغ الأخرى، وهو لا ينبت إلا في جنوب الجزيرة، لا بدّ أن نذكر الوَرْس (memecylon tinctorium). يُخرِج صُفرةً مُلتَهِبة، وكان يُصَدَّر سلعةً تجاريّة نفيسة حتى إلى خارج حدود الجزيرة إلى العراق. غير أنّه لم يُفلَح قطّ في توطين النبات
325في غير موطنه، أو لم يُحاوَل ذلك أصلًا. وقد بلغ ولوعُهم بالأصفر على اختلاف درجاته أنّهم استوردوا من الهند نباتَ صِباغٍ رابعًا، وهو الكُركُم (Curcuma lunga). وزُرِعت الفُوّة كذلك زراعةً واسعة، ولا يزال ذلك حالها في مصر إلى اليوم.(1) وفي إسبانيا عُنِي المُوريّون بزراعة الفُوّة.(2)
أمّا الحنّاء (Lawsonia inermis)، وهي من نبات الجزيرة الأصيل وإن كانت معروفةً في مصر القديمة، فيبدو أنّها كانت تُستعمَل قبل كلّ شيءٍ لأغراض التزيّن وصبغ الشعر، شأنها شأن الكَتَم (Buxus dioica) الذي يُكسِب اللحيةَ لونًا أسودَ مُشرَبًا بحمرة.(3) بل استُعمِلت الحنّاء دواءً كذلك، وهي — كما هو معروف — الوسيلةُ التي لا غنى عنها في زينة نساء الشرق، لصبغ باطن الكفّ وأظافر اليد وباطن القدم وأظافرها بلونٍ أحمر ضاربٍ إلى البُنّة. وكانوا يظنّون أنّهم يتّقون بذلك العينَ، ولذلك كانوا يصبغون في المناسبات الخاصّة الإبلَ والخيل، فتُكسِبها لونًا برتقاليًّا كَدِرًا. ولعلّ هذا هو السبب في أنّ الفرس الأشهب الذي كان شاه فارس يركبه في الاحتفالات خلال جولته الأوروبّية كان مصبوغًا بالحنّاء في البطن والذَّنَب: أُريد بذلك صرفُ العين عن ملك الملوك. ومن موادّ الصِّباغ الأخرى، ويبدو أنّها كانت تُستعمَل بوجهٍ خاصّ في المصابغ ومصانع الأقمشة الكثيرة جدًّا يومئذٍ بأرمينية، القِرمِز.(4)
ويأتي القطنُ في المرتبة الأولى بين الموادّ النباتيّة ذات الشأن في صناعة النسيج. وقد
Nota 1. أقدمُ أصحاب المعاجم يعرفون اسم هذا النبات. Nota 2. ابن العوّام. Nota 3. الحنّاءُ إذا خُلِطت بورق شجيرة البَشام مسحوقًا أعطت اللحيةَ لونًا أسود. Nota 4. ابن حوقل 244، الجواليقي 123. ومادّةُ الصِّباغ عُصارةُ دُوَيْبّة.
326توطّن في جزيرة العرب مبكّرًا، بنوعَيه الشُّجَيْريّ والشَّجَريّ جميعًا، وكانت في جنوب الجزيرة صناعةُ قطنٍ نشطة منذ القرن السادس للميلاد؛ غير أنّ هذا النبات لم ينل أهمّيةً أبعدَ مدًى، ولم تبدأ زراعتُه المنظّمة، إلا في عهد الخلفاء. وقد سبق الخبر بأنّه توطّن في بابل في أيّام هارون الرشيد. ثم امتدّ بعد ذلك شمالًا امتدادًا بعيدًا، وكانت في مدينة عَرَبان على نهر الخابور بالجزيرة، في زمن ابن حوقل، زراعةُ قطنٍ واسعة جدًّا(1)، تُعالَج غَلّتها في المكان نفسه. وعن طريق المسلمين عرفت أوروبّا في القرون الوسطى القطنَ من جديد، وذلك في وقتٍ كان فيه الاسمُ العربيّ القديم (الكُرْسُف = gossypium) قد أزاحته التسميةُ الأحدث: القُطن، ومنها جاءت اللاتينيّة المتأخّرة cottonum، وأوّلُ ما نجدها في «حَوليّة» ياكوبوس أوريا(2)، حيث يُروى في حوادث سنة 1289م أنّ سفينةً بحمولةٍ من الفلفل والقطن أُخِذت عند مصبّ الأرنو. ومن الواضح أنّها كانت قادمةً من موانئ الشام أو من صقلّية، حيث وطّن العربُ شجيرة القطن. ثم انتشر الاسمُ من إيطاليا إلى سائر أوروبّا. وفي القرن الثاني عشر كان العربُ — بشهادة عالِم الفلاحة المشهور الإشبيليّ ابن العوّام — يزرعون القطن في صقلّية، وعلى سواحل الأندلس، وفي مصر، وفي فلسطين عند غزّة، وعند مصبّ دجلة قرب البصرة، حيث كان النباتُ يجود جودةً بالغة في التربة الرمليّة مع الرّيّ الصناعيّ.(3)
أمّا زراعة الكتّان فقديمةٌ جدًّا في الشرق؛ وكانت في الشام ومصر منتشرةً انتشارًا واسعًا منذ
Nota 1. ابن حوقل 150. Nota 2. Muratori: Scrip. rer. ital. VI. 580. Nota 3. ابن العوّام: Clément-Mullet II. 102.
327مبدأ حكم الخلفاء، وكانت أقمشةُ الكتّان الشاميّة أو المصريّة (البَزّ) لباسًا لجند العرب (المجلّد الأوّل ص 62). وكانوا يصنعون منه كذلك الحبال والقُلوس.(1) وزُرِع القنّبُ أيضًا، وإن كان يبدو أنّ الساميّين عرفوه متأخّرًا عن الكتّان بكثير. ولا تتوافر لدينا أخبارٌ عن استعماله في أغراض الصناعة. وكانوا يعرفون في مصر ثلاثة أنواعٍ منه(2)، يقال إنّ أحدها لا يوجد خارج مصر؛ ومن ورق النبات تعلّم الناس فيما بعدُ صُنعَ الحشيش المُهلِك، وقد كان أثره في تبليد الجماهير مُفزِعًا.
وأمّا الحرير فقد كانت تربيته تجري قبل كلّ شيءٍ في الكُوَر الشماليّة من فارس: طبرستان وجرجان، إذ كانت تربيةُ دود القزّ وغرسُ التوت تتقدّم من المشرق نحو المغرب، على ما يدلّ عليه كذلك الاسمُ العربيّ القديم للحرير: السَّرَق، وهو من الفارسيّة sarah، ثم حلّ محلّه بعد ذلك اللفظُ العربيّ: الحرير. ومع ذلك كان للعرب فضلٌ مذكور في نشر دود القزّ وشجر التوت، فحملوهما إلى إسبانيا.(3)
أمّا النبتةُ التي كانت أشدَّ ارتباطًا بحياة الأمّة العربيّة، والتي رافقت العربَ في كلّ موضعٍ لم يقُم فيه المناخُ عقبةً لا تُذلَّل، فهي النخلة.
هذه الشجرة العجيبة، ولعلّ موطنها الأوّل عند الخليج الفارسيّ، كانت قد انتشرت
Nota 1. «أمراس كتّان» وردت في ديوان امرئ القيس، طبعة Ahlwardt ص 148 البيت 46. وعن العرب عرفت أوروبّا قُلوسَ السفن المُحكَمة الصنع، ولذلك كان اسمُ حبل المِرساة في لغات جنوب أوروبّا: câble بالفرنسيّة، cable بالإسبانيّة، مأخوذًا من الكلمة العربيّة «حبل». ومن ثَمّ ورد في ملحمة Gudrun ذكرُ حبل مِرساةٍ عربيّ (ankersail von Arabe). Nota 2. عن ابن البيطار II. 328. Nota 3. ابن العوّام I. 270 (Clem. Mullet).
328في جزيرة العرب كلّها خلال تلك الأزمان التي لا تُقاس بين أوّل انتشارها وظهور الإسلام، وصارت إلى حدٍّ ما النبات المميّز لهذه البلاد.(1) وقد هذّب التلقيحُ الصناعيّ الشجرة وزاد في إثمارها، وكان مجهولًا في العصور الساميّة القديمة. وهذا الاكتشاف من فضل سكّان بابل الآراميّين القدماء، غير أنّه انتقل إلى العرب في وقتٍ مبكّر؛ على أنّ بعض الذكريات القديمة تدلّ دلالةً واضحة على أنّ عهدَ الجهل بزراعة النخيل لم يكن قد مُحِي من الذاكرة محوًا تامًّا. فقد جاء في خبرٍ قديم أنّ الجنّ كانت في الزمن الأوّل تتولّى تلقيح النخل(2)، ومعنى ذلك على الأرجح أنّ أيدي الناس لم تكن يومئذٍ تلي ذلك، بل كانت الرياحُ تقوم به. وجاء في روايةٍ قديمة أخرى(3) أنّ العرب لم يكونوا في الزمن الأوّل يُحسِنون تسلّق النخلة. فلمّا صارت النخلةُ آخرَ الأمر رفيقًا لا يُفارِق كلَّ منزلٍ عربيّ، وأخذ ساكنُ البادية يزداد وعيًا بما تُغدِقه عليه من خير، تعوّد أن يراها هبةً خاصّة من هبات العناية. ويُروى عن محمّدٍ نفسه أنّه قال: أكرِموا النخلة فإنّها خالتكم؛ فمن تربة الصحراء الحَجِرة تفتح لكم مَورِدًا غزيرًا من الرزق.(4) وقد كانت بالفعل لا غنى عنها لساكن البادية، وكانت من التداخل في حياته بحيث أخذ خيالُه يشتغل بها مبكّرًا، وأضفى عليها من المشاعر والأحاسيس الإنسانيّة
Nota 1. قارن مقالي: Semitische Culturentlehnungen im Ausland 1875. ص 1 وما بعدها. Nota 2. المعجم I. 127. Nota 3. الكامل 441. Nota 4. الأصفهاني II. 345.
329ما لم يُضفِه على نبتةٍ سواها. واللغةُ شاهدةٌ على ذلك، ومن ذلك الرُّكام الذي لا ينتهي ممّا كدّسه أصحابُ المعاجم العرب من علم المدارس أُخرِج شاهدًا واحدًا: تجد في المعاجم هذا التعبير مثبتًا: «نظرت النخلتان»، أي نظرت إحداهما إلى الأخرى وقصرت عليها ميلها فلم تقبل لقاحًا من شجرةٍ أخرى. فلمّا جاء الإسلام عُدَّت النخلةُ هبةً من الله لم يمنحها إلا المؤمنين وبلادَ الإسلام.
وما زالت الاستراحةُ في ظلّ النخل على حافّة ماءٍ جارٍ أعلى اللذّات في نظر الشرقيّ؛ وفي هذه الغابات النخليّة التي تَحِفُّ حفيفًا رقيقًا لأخفّ نسمةٍ سحرٌ خاصّ حقًّا، حيث يتصارع شعاعُ الشمس والظلُّ البارد أبدًا، وتَدَعُ الجذوعُ النحيلة تحت القِباب العالية من تيجان السَّعَف — وهي ترتفع 40–50 قدمًا عن الأرض — مجالًا واسعًا في كلّ ناحيةٍ للضوء والهواء.
ونسبةُ مثل هذا النخيل المشرق المشمس إلى غابة البلّوط الشماليّة المُظلِمة كنسبة المسجد المفتوح للضوء والهواء إلى الكنيسة القوطيّة الكئيبة الحزينة.
وليتعلّمَ المرءُ قدرَ النخلة لا بدّ أن يكون قد قاسى في صحارى العرب المُلتَهِبة بالشمس كلَّ حرمان ومشقّةٍ في سفرٍ طويل. فبأيّ بهجةٍ يُحيّي عند ذاك في الأفق البعيد تلك النقط الداكنة الزرقاء الخضرة الناتئة من صفحة الرمل الصفراء، تُنبِئ عن غرسٍ من النخل يجد فيه ظلًّا وبردًا وماءً، ويجد فيه في الغالب مأهلًا للناس كذلك. ومثلُ هذه المواضع، ولو لم تكن إلا نخلاتٍ معدودة، كانت تُفرَد لها دائمًا أسماءٌ خاصّة؛ وما أكثرَ المواضعَ المذكورة في الكتب الجغرافيّة تحت مادّة
330«الروضة»، أي الغَيْضة أو المَغرِس، وليست هي شيئًا سوى محطّاتٍ متفرّقة من هذا القبيل في الصحراء، في ظلّ بضع نخلاتٍ مِضياف.
ونقلُ النخلة عبر مسافاتٍ شاسعة من البلاد فضلٌ عظيم للعرب، فلم يشاؤوا أن تفوتهم شجرتُهم المحبوبة في مكان. فمن البصرة، وقد امتدّت حولها غاباتُ نخلٍ لا يُدرَك مداها، ارتحلت النخلةُ شيئًا فشيئًا نحو الشمال. ومن الغريب جدًّا أنّه لم تكن ببغداد نخلٌ حين أُسِّست، فإنّ كاتبًا قديمًا يروي على وجهٍ لا لَبْس فيه أنّ النخلة حُمِلت من البصرة إلى بغداد وغُرِست هناك(1). بل حمل المُوريّون شجرتهم المحبوبة إلى إسبانيا؛ فعبد الرحمن، أوّلُ الأمويّين حكمًا هناك، استجلب من موطنه الشاميّ البعيد فسيلةَ نخلٍ غرسها في بستان قصره بقرطبة، وكان كلّما رأى النخلة تعلو شيئًا فشيئًا وتزداد علوًّا ذكر بحسرةٍ موطنَه الشاميّ البعيد، وهي خواطر عبّر عنها في قصيدةٍ عميقة الشعور خاطب بها نخلته.
ولا تزال النخلة، وهي تجود في إسبانيا في الشريط الساحليّ وفي البرتغال (جنوبيّ التاجُه)، وتبلغ حدَّها الشماليّ في أستورياس، الهديّةَ الوحيدة من هدايا الحضارة العربيّة التي تُذكِّر بأزمان حكم المُوريّين الجميلة.
وليس قليلًا يقينًا عددُ سائر النباتات التي انتشرت من موطنها الأوّل إلى بلادٍ بعيدة بوساطة الحكم العربيّ. فقد حمل المسلمون نباتَ البرديّ وشجرَ السُّمّاق إلى صقلّية وسردينية(2)، وأمّا خِيار شنبر، وكان يوجد بمصر خاصّة، فقد انتشر
Nota 1. اليعقوبي 16، 24. ولم تكن النخلة منتشرة في الجزيرة الفراتيّة أيضًا. المعجم III. 724 في مادّة: ‘Omr kaskar. Nota 2. Hehn: Hausthiere und Culturpflanzen، الطبعة II، 310.
331منها — على ما يقول ابن البيطار — إلى الشام والعراق(1)، في حين أنّ الجُمَّيز، وموطنه إفريقية، لم يتوطّن فيما أعلم إلا في فلسطين المجاورة. ولعلّ العرب حملوا كذلك إلى إسبانيا الرودودندرون (Rhododendron ponticum) ونخلَ الدَّوم، فإنّ هذا الأخير ينبت هناك ولكنّه لا يُنضِج ثمرًا (المُقْل)، في حين يأكل الناس ثمرَه بمكّة مطبوخًا.(2)
وبعد ما تقدّم يكون قد ثبت — فيما أحسب — ثبوتًا مُقنِعًا أنّ الحراثة والزراعة بجميع فروعها بلغتا رقيًّا عاليًا، وإن كان يتفاوت بطبيعة الحال تفاوتًا غيرَ يسير باختلاف بلاد الدولة. ولم تُهمَل البستنةُ كذلك، فكانت تُلذّ حَنَكَ أهل الذوق بنفيس الثمار، أو تُمتِع العين والشمّ بتنوّع الأزهار البهيّة العَطِرة. وقد أفاد العربُ من تجارب الأقدمين، فدرسوا كتبهم في هذا الفنّ بهمّة، وحفظوا بعناية ما تواتر عن قدماء فلّاحي مصر والشام وبابل من الخبرة وقواعد الفلاحة، بل نقلوها إلى بلادٍ بعيدة. فقد طبّق فلّاحو إسبانيا المُوريّون هناك وصايا ما يُعرَف بالفلاحة النبطيّة، ويبدو أنّهم أفلحوا في ذلك، فإنّ ازدهار الزراعة في إسبانيا المُوريّة لم تَفُقْه أرضٌ أخرى في ذلك الزمان.(3) وخيرُ ما يُطلِعنا على هذه الأحوال أدبُ هذا الفنّ، وفيه أقام فلّاحو الأندلس العرب لأنفسهم أشرفَ نُصُب. ويُرى منه أنّ نظام التسميد والرّيّ وترك الأرض بورًا (hotäm) كان مدروسًا مُلتزَمًا بدقّة. بل كانوا يستعملون
Nota 1. ابن البيطار I. 401. Nota 2. المصدر نفسه II. 526. Nota 3. ابن خلدون: المقدّمة II. 286.
332فضلاتِ الإنسان في تخصيب التربة، ولم يكن ذلك في إسبانيا وحدها بل في مواضعَ أخرى كذلك. فقد بقي خبرٌ بأنّ ما في مَراحيض البصرة كان يُباع بالمزاد من حينٍ إلى حين على الفلّاحين، وكانوا يَقدَمون المدينة لذلك خاصّةً ليدخلوا في المزايدة.(1)
وعرفوا كذلك ضروبًا كثيرة من طرق حفظ الحبوب وسائر غَلّات الأرض، ودرسوا خصائص أنواع التربة وما تقتضيه من وجوه الزراعة. وكانت تقاويمُ الفلاحة تُحدِّد بدقّة أفضلَ أوقات مختلف البُذور. وأولوا البقولَ عنايةً خاصّة. فكان الهِلْيَون يُزرَع في مصر في البساتين زراعةً صناعيّة(2)، وانتشر الباذنجان، وهو بقلٌ فارسيّ(3)، إلى غربيّ آسيا، وزُرِعت البامية (Hibiscus esculentus)، وهي بقلٌ مصريّ، في البلاد المجاورة أيضًا؛ ويَرِد مبكّرًا ذكرُ مَشارات البقول المنتظمة في البساتين، ويعطي ابنُ العوّام إرشاداتٍ مفصّلة في إنشاء بساتين البقول.
على أنّهم أولوا تربية الثمار بوجهٍ خاصّ عنايةً كبيرة؛ وكانت لهم طرقٌ خاصّة في معالجتها لتهذيب أصنافها أو لإنضاجها في غير أوانها. واقتضى الترفُ المتزايد مع النعيم أن يعكفوا على استنبات ضروبٍ صناعيّة وأشكالٍ هجينة، فربَّوا شجرًا يحمل صنفَين من الثمر على ساقٍ واحدة، وحاولوا إنبات أزهارٍ بألوانٍ غير طبيعيّة، كالورد الأزرق والأصفر. وعرفوا طرقًا خاصّة لإكساب
Nota 1. المعجم I. 648. Nota 2. ابن البيطار II. 570. Nota 3. المصدر نفسه I. 116.
333العنب طعمَ ما شاؤوا من الأفاويه.(1) وأنبتوا عنبًا ذا لونين على ساقٍ واحدة، أو خَوخًا ونارَنجًا بل كُمَّثرى بأشكالٍ غير مألوفة كما يشاؤون.(2) وكان التطعيمُ والتلقيح في الشجر شائعًا جدًّا؛ فمن ذلك أنّهم كانوا يُطعِّمون الورد على شجر اللوز فتُنال به أزهارٌ بالغةُ الجمال، وهي طريقةٌ كانت شائعة في إشبيلية وسائر أنحاء إسبانيا.(3) ويبدو أنّهم بلغوا شوطًا بعيدًا بوجهٍ خاصّ في حفظ مختلف ثمار الحقل والبستان، وراجت رواجًا عظيمًا صناعةُ المُربَّيات وحفظِ الثمار في السكّر أو العسل. ولا تزال مُربَّيات دمشق النفيسة المحفوظة في السكّر تستحقّ الذِّكر بالثناء إلى اليوم؛ وإن لم يُسعِدها في معرضٍ أوروبّيّ عالميّ ميداليّةٌ ولا شهادةُ شرف، فهي جديرةٌ بأن تُوضَع في صفّ أجود ما تُخرِجه أوروبّا في هذا الباب. بل شغلوا أنفسهم باستنباط البدائل: من أصول الشجر البرّيّ أو بُذوره ما يمكن أن يُستعمَل في زمن المجاعة عِوَضًا عن الأقوات المعتادة.(4) ولم تقلّ عن ذلك عنايتُهم باستنباط ما يقي من الحشرات المُضِرّة.
وبحثوا في أمراض النبات والحيوان، وشغلوا أنفسهم كثيرًا بأدويتها. فقد كانوا يُعالِجون تربية الماشية بمثل ما يُعالِجون به الحراثة من الجِدّ. وأحبّوا بوجهٍ خاصّ ذلك اللهو الكريم، فربَّوا كرائم الخيل ودرّبوها للسباق. ولم يَنسَوا تربية النحل، وهو ما لا يُستغرَب من فلّاحين حقًّا. وعُنُوا كذلك بتربية الطير عنايةً شديدة، ولا سيّما الحمام والدجاج، وكانوا يُقدِّرونها لجودة سمادها
Nota 1. ابن العوّام، Banqueri I. 640. Nota 2. المصدر نفسه I. 645. Nota 3. المصدر نفسه I. 420. Nota 4. المصدر نفسه II. الباب 29، عن الفلاحة النبطيّة.
334ولأنّ لحمها أكثرُ ما يُستعمَل في مطبخ الشرق. فكانوا يُربّون في كَسكَر دجاجًا يُعَدّ من أطايب الطعام، تكاد الدجاجةُ منه تزن ما يزنه الجَدْيُ الصغير؛ وكان البطُّ الصينيّ يُتَّخَذ هديّةً مستحسَنة، وكانوا يُمسِكونه ببغداد أيضًا زينةً للبساتين ومَرابض الدجاج.(1)
ومع هذا الولوع الظاهر بالزراعة، فمن البديهيّ أن تعمّ سريعًا بساتينُ الزينة كذلك؛ وقد أسرف كبراءُ العرب في هذا اللهو الباهظ إسرافًا بلا حدّ.
ويُوصَف بستانُ خُمارَوَيه، الحاكمِ الفاطميّ بالقاهرة، على النحو التالي: كان في البستان جميعُ أصناف الزهر العَطِر والشُّجَيرات وكرائم الشجر المُثمِر. وكانت جذوعُ النخل مكسوّةً بصفائحَ من معدنٍ مُذهَّب، وتحتها قنواتٌ من نحاس تسوق الماء إلى كلّ ناحية، حتى يُخَيَّل أنّه ينبع من جذوع النخل. وتجمعه أحواضٌ ثم تُوزِّعه في جداولَ على البستان كلّه. وكانت السَّاحاتُ الكبرى مبذورةً بالزهر تُمثِّل بألوانها المختلفة رسومًا وكتاباتٍ بتمامها، لا يزال البستانيّ يُقلِّمها بالمِقَصّ حتى لا تزيد ورقةٌ واحدة ولا يُفسِد شيءٌ الأثرَ العامّ. وكان يُرى في هذا البستان فوق ذلك أصنافُ اللوتس: الأحمرُ والأزرقُ والأصفر، وكثيرٌ غيرها من نوادر النبات من خراسان وسائر البلاد. وكان فيه شجرُ مِشمشٍ طُعِّم عليه اللوز، وما شاكل ذلك. ومن أعجب ما يُرى فيه جَوسَقٌ من خشب الساج مُخَرَّم الصنعة: داخلُه مصبوغٌ بأبهى الألوان المختلفة، وأرضُه مفروشةٌ بألواح الرخام؛ تنحدر من دعائم جُدُره شلّالاتٌ صغيرة، في حين تَسرَح فيه أصنافُ اليمام والحسّون والشحارير وسائر الطير المُغَرِّد، وقد اتّخذت أعشاشها في
Nota 1. قارن الأغاني XIII. 130.
335أقفاصٍ مفتوحة في الجدران. وكانت الطواويسُ ودجاجُ الحبش وسائرُ نوادر الطير تمشي في أرجاء البستان بأعدادٍ كثيرة.(1)
وسادت ببغداد كذلك هذه المحبّةُ للبساتين، فأحاط الخلفاءُ قصورهم بمَغارسَ واسعة، امتلأت في ذلك الزمان بالليمون والكرم.(2)
ولا يزال المرءُ يتبيّن بوضوحٍ في تخطيط البساتين العربيّة، حيث لم يَطمِس التأثيرُ الأوروبّيّ الحضارةَ الشرقيّة القديمة، ملامحَ المدرسة القديمة: كانوا يُحبّون الممرّات المستقيمة القائمة الزوايا المفروشة بالحجر، وأحواضَ الزهر المستطيلة المُطَوَّقة بالحجر، والشجيراتِ القصيرةَ التقليم الشديدةَ العَرْف على الحوافّ (المَرْيَميّة، الصَّعتَر)، والشجرَ المستقيم ذا الزوايا كالسَّرو الجامد والنخلة النحيلة وشجر الليمون والنارنج الأملس الساق؛ ويُربّى الكرمُ في عرائشَ ظليلة؛ ويُؤثَر في الأدواح شجرُ الدِّفلى والآس والغار والرمّان بأزهاره المُلتَهِبة، والرودودندرون، والأرجوان الفارسيّ. غير أنّ كلّ شيءٍ مرتَّبٌ في جمودٍ وتكلّف، وبين ذلك تُخَرِّر المياهُ منحدرةً على شلّالاتٍ صناعيّة في أحواض الرخام. أُريد لكلّ شيءٍ أن يكون صَنعةً، وحُشِرت الطبيعةُ في قوالب المراسم الشرقيّة الصارمة. وأمّا الأزهار المفضّلة، فيما نعلم، فهي الوردُ والسوسن والنرجس والزعفران والنيلوفر والخشخاش والبنفسج والياسمين والمنثور.(3)
ولهذا الولوع بالبستنة نَدين بنقل نباتاتٍ شتّى، منها مثلًا التُّرْبُد (Convolvulus Turpethum L.)، وهو
Nota 1. المقريزي: الخطط I. 316. ابن تغري بردي II. 56. Nota 2. المعجم II. 665. Nota 3. في الأزهار قارن الأصفهاني II. 339، 342.
336بحسب ابن البيطار أصلُه من خراسان، ومنها نُقِل إلى العراق، ومن هناك وجد طريقه إلى إسبانيا. وكذلك نُقِل البابونج (Matricaria chamomilla)، بحسب عالم النبات نفسه، من شمال إفريقية إلى إسبانيا. وأمّا الثمار فمنها النارَنج (citrus aurantium amarum) وسائرُ الحوامض، وهي التي حملها العربُ إلى المغرب. وكانت الثمرةُ الأولى منها قد انتشرت منذ الزمن القديم من الهند موطنِها الأوّل نحو الغرب، وتوطّنت — شأنَ الموز — في الساحل الشرقيّ من جزيرة العرب، حتى إنّ أكبر علماء النبات العرب، الدينوريّ، يَعُدّها من نبات تلك الأرض الأصيل. ومع الحكم الإسلاميّ نُقِل النارنجُ إلى صقلّية وإسبانيا وجنوب إيطاليا، وليس اسمُنا Orange إلا تحريفًا للفظ العربيّ «نارنج»، وهو بدوره متّصل بالهنديّ närenga. أمّا النارنج الحلو، أي البرتقال، فقد حمله البرتغاليّون — كما هو معروف — من الهند إلى البرتغال في زمنٍ متأخّر، ومنها بلغ غربيّ آسيا، على ما يشهد به الاسمُ الإيطاليّ portugallo وبالعربيّة «برتقال» أو «برتقان». وأمّا الأُترُجّ فقد زُرِع بجزيرة العرب، ولكنّه لم يكن يجود إلا في البساتين (ابن البيطار). ولم تكن الشجرةُ من نباتها الأصيل بحال، والاسمُ «أُترُجّ»، وبالفارسيّة «ترنج»، يدلّ على أصلٍ فارسيّ.
ولا بدّ أن نذكر هنا التمر الهنديّ، وهو ينبت بحسب الدينوريّ في جنوب الجزيرة وفي السودان وفي الهند، غير أنّه كان يوجد كذلك قرب البصرة، ومن الواضح أنّه نُقِل إليها. وفي الشام عرف العربُ المِشمِشَ أوّلَ مرّة، وذلك باسمه القديم praecoqua (πραικόκκια)؛ ومن هناك ارتحل باسمه العربيّ المشتقّ منه: «بَرقوق» (وبأداة التعريف albarkuk) إلى صقلّية وجنوب إيطاليا وإسبانيا، حيث عُرِف بالأسماء المأخوذة عن العربيّة: albercocco وalbicocco وalbaricoque وغيرها.
337وكذلك لم يعرف العربُ الخَوخَ (malum persicum) إلا في الشام، فسمّوه لذلك «فِرسِخ» أو «فِرسِك». غير أنّهم استنبتوا منه صنفًا رفيعًا خاصًّا سمّوه «الدُّراقِن»، فوصل عن طريق صقلّية وجنوب إيطاليا إلى أوروبّا وعُرِف باسم duracina.(1) وأمّا إدخالُ صنفٍ جديد من شجر الرمّان إلى إسبانيا فقد جرى في عهد المُوريّين.(2) وأمّا الكَبّاد، ويُسمّى بالعربيّة كذلك تفّاح اليمن، فقد انتشر من جنوب الجزيرة، غير أنّ موطنه الأوّل كان الهند يقينًا. وأهلُ دمشق يُحسِنون حفظه في السكّر إحسانًا بالغًا. وعلى النقيض من ذلك لم يكن البَشام (amyris opobalsamum) — وهو ينبت في الهند — يجود إلا في الحجاز، حيث كان بِزرُه يُستعمَل في الطيب، في حين أنّ شجيرة البَلَسان نفسها لم تكن تُعنَى بها إلا المَطَريّة قرب القاهرة.(3) ومن مكّة كان حبُّ البَشام يُرسَل إلى جميع البلاد. وظلّ البَلَسان يُزرَع بالمَطَريّة قرب القاهرة إلى أواخر القرن الثامن للهجرة، ثم نُقِل منها إلى الحجاز، حيث جادت النبتة جودةً بالغة، بينما انقرضت في المَطَريّة.(4)
وامتازت بغدادُ بصنفٍ نفيس من السَّفَرجَل، وكذلك بصنفٍ من الرمّان بالغِ الرِّقّة، من الواضح أنّه لم يُنَل إلا بالعناية في التربية.(5) ولعلّ «كُمَّثرى القيصر» أيضًا من الميراث الذي نَدين به لهؤلاء العارفين بالثمار من المسلمين القدماء، فإنّ ابن سينا يقول: في بلادنا (خراسان) صنفٌ من الكُمَّثرى يُسمّى شاه أَمرود، وهو صنفٌ كثيرُ الماء، مستديرٌ تمامًا، رقيقُ القِشر، يكاد
Nota 1. Hehn: Culturpflanzen und Hausthiere، الطبعة II، 312. Nota 2. ابن العوّام: Clem. Mullet I. 253. Nota 3. ابن البيطار I. 160. Nota 4. Lane: Arabic Lexicon. Nota 5. Travels to Tana and Persia by Josafa Barbaro and Ambrogio Contarini. Hakluyt Society. London 1873، ص 79.
338يكون شفّافًا، جميلُ اللون.(1) أمّا الليمون، وقد تمّت رحلته من الهند نحو المغرب في عهد الخلافة(2)، فكان منتشرًا في القرن السادس للهجرة بالعراق(3)، وزُرِع في الوقت نفسه بمصر في قِفْط (Koptos) كذلك(4)، غير أنّه لم يكن قد توطّن في أوروبّا في القرن الثالث عشر للميلاد بعد.(5) وكان الخشخاشُ يُزرَع خاصّةً في أسيوط، وكان الأفيون في القرن السادس للهجرة سلعةَ تصديرٍ مهمّة من هذه المدينة.(6) ويقال إنّ خِيار شنبر نُقِل كذلك من مصر إلى الشام، ومنها انتشرت الشجرةُ إلى العراق.(7) وقد نُقِلت بعضُ نباتات الهند الشرقيّة من ساحل مَلَبار إلى شرق الجزيرة فجادت هناك، غير أنّها لم تنتشر أبعد من ذلك، ومنها نخلةُ الفَوفَل (Areca catechu، وعند كريمر: kaukal)، وهي أجملُ النخل وأرشقُه، ولا تزال إلى اليوم غيرَ نادرةٍ في ساحل الجزيرة الشرقيّ؛ ومنها كذلك الزنجبيل(8)، والتَّامول الذي كان يُزرَع بحسب الدينوريّ(9) في عُمان. وكانوا يمضغون ورقه، وعُصارتُه تُحدِث أثرًا مُخَدِّرًا، وجرت العادةُ باليمن أن تُحفَظ الأوراق في العسل. ولم ينتشر هذا المُنَبِّه أبعدَ من ذلك، ولهذا السبب لم يُدرَج في قائمة المُنَبِّهات الواردة في الفصل السابق.
إنّ أوروبّا تَدين لمثل هذا العمل الحضاريّ المتّصل عبر أجيالٍ متعاقبة بأكثر ممّا كان يُظَنّ حتى الآن. ففي عهد شارلمان نفسه
Nota 1. ابن البيطار II. 389. Nota 2. المجلّد الأوّل ص 312، الحاشية 1. Nota 3. الأصفهاني II. 340 يذكره بالفعل. Nota 4. المعجم IV. 152. Nota 5. قارن Hehn: Culturpflanzen und Hausthiere. Nota 6. المعجم I. 272. Nota 7. ابن البيطار I. 401. Nota 8. الجواليقي 78. Nota 9. ابن البيطار I. 200.
339أثارت إعجابَ الغرب تلك الهدايا النفيسة التي أرسلها هارون الرشيد إلى إمبراطور الفرنجة العظيم حين عاد رسولُه من بغداد. وكانت — بحسب إجينهارد مؤرِّخه — على النحو التالي: فيلٌ، وخيمةٌ فاخرة من أدقّ الأقمشة، وبَخورٌ نفيس، ومَنارتان كبيرتان، وساعةٌ مائيّة، وهي يومئذٍ تحفةٌ مجهولة في أوروبّا كلَّ الجهل.
ويُرى من هذا أنّ الأدوار كانت في ذلك الزمان موزّعةً بين المشرق والمغرب على غير ما هي عليه اليوم. فبينما تُدهِش أوروبّا اليومَ الشرقَ باختراعاتها الجديدة وأعمالها البارعة، كان الجديدُ والنادرُ والبديعُ يأتي يومئذٍ من المشرق. ثم لمّا نشأت فيما بعدُ صِلاتٌ أقربُ وأكثرُ ترددًا بين أوروبّا والمشرق — بحكم علاقات مدن التجارة الإيطاليّة، والحجّ إلى الأرض المقدّسة، وقبل كلّ شيءٍ بحكم الحكم الإسلاميّ في صقلّية وإسبانيا — نفذت اختراعاتُ الشرق العالي الحضارة ولطائفُه إلى حياة أوروبّا الشعبيّة، وهي تكاد تكون بربريّة، من مئة طريقٍ وطريق. فهناك عرفوا أقمشةً جديدة، مثل: الأطلس (بالعربيّة «أطلس»، أي الأملس)، وBarchent (بالعربيّة «برّكان»، وبالإسبانيّة barragana)، والدمَقْس (ولعلّه panna damascena)، والموسلين (أي «موصليّ»، أقمشة من الموصل)، وricamo (بالعربيّة «رَقْم»، أي القماش المُطَرَّز)؛ بل أسماءَ ثيابٍ كذلك، مثل: giuppa وjupe وjupon وJoppe، بالعربيّة «جُبّة»؛ ومصطلحاتٍ تجاريّة، مثل: تعريفة Tarif، بالعربيّة «تعريفة»؛ وعددًا كبيرًا من التسميات الأخرى، مثل: Tasse وtasse وtazza، بالعربيّة «طَسّ»؛ وMaterazze وmatelas، بالعربيّة «مَطرَحة»؛ والعود Laute وlutb وluto، بالعربيّة «العود»؛ وثوبُ الحفل Gallakleid، بالعربيّة «خِلعة»؛ والقبّة Kuppel وKuppe وcoupole وcuppola، بالعربيّة «قُبّة»، ومنها Alcove وبالإسبانيّة alcoba؛ والطِّلَّسم Talisman، بالعربيّة «طِلَّسم»؛ والحمائل Amulette، بالعربيّة «حمائل»؛ وسكّرُ النبات alfenique بالإسبانيّة، بالعربيّة «الفانيذ»؛ وجملةٌ كبيرة من مصطلحات
340الفلك والرياضيّات والكيمياء والعلوم الطبيعيّة، وأسماءُ أصنافٍ شتّى من السِّلَع والعقاقير والأدوية وغيرها، دخلت في ذلك الزمان إلى اللغات الأوروبّية، وهي كلُّها معالمُ طريقٍ تُقيم الدليل على أنّ سُبُل الحضارة كانت يومئذٍ تمضي من المشرق إلى المغرب.
وبهذا نترك ميدان المساعي المادّية وننتقل إلى ميدان النشاط العقليّ، إذ نعتزم أن نتكلّم أوّلًا على الشِّعر، ثم على العلم والأدب عامّةً.(1)
Nota 1. في تجارة العرب يجد المرءُ أشياءَ كثيرة في كتاب Stüwe النافع: Die Handelszüge der Araber unter den Abbasiden، برلين 1836، وإن كان قد قَدُم كثيرًا.
341الشِّعر
—
إنّ أوّل ما يمرّ بالمرء في الصِّبا يَطبَع في النفس آثارًا لا تُمحى، وله أقوى الأثر فيما يتكوّن بعد ذلك ممّا نسمّيه الطبع. فالطفولةُ المرحةُ المُنعَّمةُ الخاليةُ من الهمّ تضع في نفس الرجل — الذي يشبّ إليه الغلامُ البشوش الذي لم تمسّه هموم الحياة قطّ — بذرةَ نظرةٍ إلى العالم واثقةٍ من نفسها، مطمئنّةٍ، جريئة، تركن إلى سعد طالعها. ومن هؤلاء تخرج الطبائعُ القويّة المَرِنة. أمّا حيث تُفزِع الفاقةُ والبؤسُ، وضرورةُ الانحناء والإذعان والحرمان حين يسكت الآخرون، مرحَ الطفولة قبل أوانه، فيبقى في النفس قطرةٌ من مرارة تصوغ طبع الرجل صياغةً أخرى بالكلّية. فهو لا ينسى قطّ نسيانًا تامًّا صباه الذي أُفسِد عليه بغير ذنب، ولا ينسى كم كان جَورًا من القَدَر أن يقسم له ما قسم. وقد يصير بعد ذلك على أيّ قدرٍ من الغنى والسلطان، غير أنّه يبقى في نفسه دائمًا صدًى من الكآبة والضِّيق بتلك الساعات الكدِرة من ذلك الزمن الجميل الذي لا يعود. وقد تخرج من مثل هذه الأحوال طبائعُ راسخة أيضًا، غير أنّ الهزّات المبكّرة وما يُنفَق من قوًى في الصراع على البقاء كثيرًا جدًّا ما تُوهِن قوّةَ الوثوب، وتُلقي ذكرياتُ ما قُوسِي وما احتُمِل ظلالَها الداكنة على شفق
342الشيخوخة.
ومثلُ هذه الأمزجة تنتقل بطريق الوراثة إلى الأعقاب كذلك، وتشتدّ بتأثير أحوالٍ مشابهة. وكما يجري الأمر في الفرد يتكرّر بعينه في الأمم بأسرها. وأسلوبُ العيش، والتكوينُ السياسيّ، والمناخ، والغذاء، هي في هذا الباب الشروطُ الحاكمة الأهمّ.
فلنطبّق الآن ما عرضناه فيما تقدّم بإيجازٍ من مبادئ على تلك الأمّة التي هي موضوع هذا العمل. بعيدًا عن ضجيج العالم الكبير، غيرَ مُضطَربين بأكثر الهزّات الكبرى التي أصابت سائر أمم آسيا، عاش العربُ في هواء صحاريهم النقيّ الجافّ عيشةَ فطرةٍ سعيدةً خاليةً من الهمّ، لأنّها خاليةٌ من الحاجات. راضيةً بما عندها، نافرةً من كلّ غريب، تجتاز الأمّةُ سِنِيَّ طفولتها من غير مؤثِّراتٍ خارجيّة ضارّة، مقصورةً على نفسها وحدها؛ فلمّا بلغت سنّ الرجولة كانت قد نمت فيها نفسٌ جريئةٌ وثّابةٌ أبيّة أهّلتها لأرفع الأمور.
أمّا القبائل العربيّة الشماليّة، التي خرج منها الإسلامُ ودولةُ الخلافة، فقد عاشت بحكم التكوين الجغرافيّ لبلادها عيشةَ بداوة، شأنَ كلّ الشعوب التي تكون تربيةُ الماشية على نطاقٍ واسع مَورِدَها الأوّل في المعاش. وقد انتظمت في قبائل منذ وقتٍ مبكّر، تنتجع الكلأ؛ ويقول في هذا شاعرٌ هو في الوقت نفسه أعمقُ مفكِّري أمّته (المعرّي)، مُلَمِّحًا إلى ماضي قومه:
ولعاد الناسُ كما كانوا: تحت انهمار الغمام يَرعَون المراعي، ويَعُدّون ذلك أعلى النعيم.
343وتنقسم جزيرةُ العرب بحسب تكوينها الجغرافيّ إلى قسمين كبيرين يفصل بينهما فصلًا حادًّا اختلافاتٌ جوهريّة. فصحراءُ صَيهَد تعترض بين الجنوب (اليمن) الذي امتاز منذ أقدم العصور بحضارةٍ رفيعة، وبين الشمال البدويّ في أغلبه. وكان المناخُ المداريّ والرخاءُ وسهولةُ العيش والحركةُ البحريّة النشطة هي الأسبابَ التي عجّلت نُضجَ حضارة جنوب الجزيرة. غير أنّها سرعان ما خضعت للقبائل الشماليّة التي يقع مركزُ ديارها في نجد المرتفعة، وهي من أصحّ بقاع الأرض هواءً. وتنعدم فيها المجاري المائيّة الكبيرة انعدامًا تامًّا. فمن الجنوب صحراءُ الجزيرة الوسطى الممتدّة باسم الدهناء إلى الخليج الفارسيّ، ومن الشمال بحرُ الرمل النَّفود، وهما اللذان يُطوِّقان هذه الديار الشماليّة ويعزلانها عن سائر العالم. وهي أرضٌ حَجِرةٌ قليلةُ النبات، غنيّةٌ مع ذلك بنباتٍ صحراويّ خاصّ يصلح لتربية الماشية صلاحًا بيّنًا، فكأنّها مخلوقةٌ لذلك بالطبع. الهواء فيها حادٌّ جافٌّ نقيّ، والطبيعةُ — على شُحّ النبات — ذاتُ جلالٍ لا يُبارى. هضابٌ واسعة حَجِرة أو رمليّة، ترتدّ فيها الشمسُ عن كُثبان الرمل الصفراء بلَفْحٍ مُحرِق وتُولِّد تلك السرابات الخادعة التي كثيرًا ما يصفها الشعراء العرب، تتعاقب مع سلاسلَ جبليّة وحشيّة مُسَنَّنة شاهقة، كثيرًا ما تَحُدّ مُنحدَراتُها الحادّة السهلَ كأنّها أسوارُ العماليق. وعلى هذه القِمَم الصخريّة يسكن العُقابُ والنَّسر، وكذلك الوَعِل والبقرةُ الوحشيّة، في حين تُحبّ الغزالةُ والظبيُ النزولَ إلى المنخفض حيث تُسابِق النعامَ في السرعة. وحيث يخترق التربةَ اليابسةَ عِرقُ ماءٍ في أعماق طبقات الصخر، تُرَجِّح نخلاتٌ معدودة رؤوسها في الهواء، وليس ثَمّ فيما عدا ذلك إلا الطَّلحُ الشائك والأثلُ الذي لا ظلّ له
1. أعدتُ إلى أصولها العربيّة كلَّ اصطلاحٍ يُثبت كريمر لفظَه منقولًا بالحروف اللاتينيّة، وأبقيتُ اللفظ بين قوسين حيث كان هو موضوعَ كلامه، وحذفتُ القوسين حيث كان ما بينهما عينَ اللفظ العربيّ الوارد قبله، إذ لا يفيد القارئَ العربيّ شيئًا وإنّما وضعه كريمر لقارئه الألمانيّ: كِرباس، زجاج مخروط، التلويحات، سيول الزجاج، مجرور، قطرميز بلّور، مينا، باطية، خُردادي، فُقّاع، فولاذ، مشارف الشام، المشرفيّ، الكَزاغَند، مبطَّنة، الزَّرَديّات، خُوذة، القنطاريّات، قِسيّ الرِّجل والرِّكاب، قِسيّ اللولب، جراد، الطيالسة، المناديل، الوشي، الدَّبيقي، القصب، المخمَّل، الخُسْرَوانيّ، الشَّرْب، الفُرُش القلمونيّ، مخيَّل ومفيَّل ومطيَّر ومطوَّس ومسبَّع، الغلائل الرقاق، النقيّة الألوان.
2. بعضُ هذه الألفاظ لا يُقطَع بضبطه، إذ نقلها كريمر عن نسخٍ خطّيّة وأثبتها بالحروف اللاتينيّة وحدها؛ وأخصُّها «خُردادي» (chordädy) و«القنطاريّات» (kantärijjat) و«الكَزاغَند» (kozäghand)، فأثبتُّها على أقرب وجهٍ مع التنبيه.
3. «Dijäf» (ص 284) موضعٌ لم أتبيّنه على وجه القطع، فأثبتُّه «دِياف» على صورته عند كريمر ولم أستبدل به اسمًا آخر.
4. الأرقامُ: الكمّيّاتُ أُثبتت بالفاصلة (18,000 إناء؛ 3,600 فرنك)، وأمّا أرقامُ الإحالات وأجزاءُ المصادر (الخطط I. 417، معجم البلدان IV. 225) فتُركت على حالها بلا تغيير، وكذلك الإحالاتُ الأوروبّيّة بحروفها اللاتينيّة صونًا لجهاز الإحالات.
5. السطر «v. Kremer, Culturgeschichte des Vrients. 11. 19» ليس من المتن، بل سطرُ توقيع الملزمة في أسفل الصفحة، وقد أُبقي كما هو بخطأَي القراءة الآليّة فيه.
1. أعدتُ إلى أصولها العربيّة الاصطلاحاتِ التي يُثبت كريمر ألفاظَها منقولةً بالحروف اللاتينيّة، وأبقيتُ اللفظ بين قوسين حيث كان موضوعَ كلامه، وحذفتُ القوسين حيث كان ما بينهما عينَ اللفظ العربيّ الوارد قبله، إذ لا يفيد القارئَ العربيّ شيئًا وإنّما وضعه كريمر لقارئه الألمانيّ: الديباج، الخَزّ، المنديل، الخَيْش، الحَلْفا، الطِّراز، الشاشيّة، المثقال، البِساط، النَّخّ، المصلّى، الزِّلّيّة، الطُّنفُسة، الفُرُش، فُرُش القِرمِز، سامان وحُصُر سامان، العَبَدانيّ، سُوسَنجِرد.
2. «tamym» (ص 295) في وصف الشاشيّة: أثبتُّه «تميم» على صورته عند كريمر، ولم أقطع بضبطه، فهو منقولٌ عنده بالحروف اللاتينيّة وحدها عن الخطط.
3. تُركت «Panna Alexandrina» بلفظها اللاتينيّ كما هي عند كريمر، وأثبتُّ إلى جانبها ترجمتَه لها.
4. أرقامُ الصفحات في التروايس مطبوعةٌ في الأصل بأخطاء قراءةٍ آليّة (تُقرأ «VI» بدل «VII» في ص 291، و«YIl» في ص 298)؛ أثبتُّها على صوابها. وأُبقيت علامةُ الملزمة «*19» في أسفل الصفحة 291 كما هي.
5. الأرقام: الكمّيّاتُ أُثبتت بالفاصلة (22,000 دينار)، والسنون بلا فاصل (528هـ = 1134م، 353هـ = 964م، 248هـ = 862م، 301هـ)، وأمّا أجزاءُ المصادر وأرقامُ صفحاتها فتُركت على حالها، وكذلك الإحالاتُ الأوروبّيّة (Bock, Karabacek, Goeje) بحروفها اللاتينيّة صونًا لجهاز الإحالات.
6. «كتابي: مصر» في حاشية ص 290 هو كتاب كريمر نفسِه Aegypten، أحلتُ إليه على ما أحال هو.
7. أحكامُ كريمر على «أوروبّا البربريّة» يومئذٍ، وعلى انحطاط فارس «الذي لا نجاةَ منه»، وعلى «الفقر العامّ في الشرق» اليوم — منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ هي رأيه هو.
1. «مطلع القرن الثاني للهجرة» (ص 306) هكذا في الأصل المطبوع، وهو مُعارَضٌ بما يليه في السطر نفسه من ذكر أيّام الأمين والمأمون (نحو 198–218هـ)، وبما يقوله كريمر بعد أسطر عن «مطلع القرن الثالث إلى منتصف الرابع». والأشبه أن يكون الصواب «الثالث»، وقد أُبقي النصّ على حاله ولم يُصحَّح. 2. «Saracenen / saracenisch»: عبارةٌ أوروبّية وسيطة عن المسلمين عامّةً، وقد نُقلت هنا بـ«المسلمين» أو «الإسلاميّة» بحسب السياق، إذ لا يقصد بها كريمر قومًا بعينهم. 3. اسمُ الوزير «Bäzury» هو اليازوريّ، وزير المستنصر الفاطميّ، وقد أُثبت بصورته العربيّة المعروفة. 4. «Fäfyr»: أُبقيت صورةُ الكلمة كما نقلها كريمر عن العربيّة («فافير»)، ولم تُردّ إلى صورةٍ أخرى محتملة، منعًا من الافتراض.
1. «مئةٌ وعشرون دينارًا (1,200 فرنك)» (ص 311): التقديرُ بالفرنك من كريمر نفسه، وهو صرفٌ تقريبيّ إلى عملة زمانه، لا رقمٌ في المصدر العربيّ. 2. «Antiquariat»: نُقلت بـ«تجارة الكتب القديمة»، وهي عند كريمر مقابلةٌ بتجارة النشر الأوروبّية الحديثة، لا بالوِراقة بمعناها العربيّ الواسع. 3. «Schönschreiber / Kalligraph»: مُيِّز بينهما بـ«المُجيد» و«الخطّاط» بحسب السياق، ولا فرق اصطلاحيًّا عند كريمر. 4. حكمُ كريمر على خطوط الأئمّة («أبعد شيء عن الجمال») وعلى الخطّ الأندلسيّ المغربيّ («جفاف وغِلَظ») رأيٌ له، نُقل كما هو دون تلطيف.
1. «المعجم» في حواشي كريمر هو «معجم البلدان» لياقوت، وقد أُبقي على صورته التي أثبتها هو (Mo'gam) دون ردّه إلى عنوانه الكامل في متن الحاشية. 2. حاشية ص 322: في المطبوع «shirh»، والصواب البيّن «shirb» (الشِّرب)، إذ عليه تقوم مؤاخذةُ كريمر على دي سلان في ترجمته «des boissons» (المشروبات). أُثبتت القراءةُ الصحيحة في المتن وسُجِّل هنا رسمُ المطبوع. 3. «Mogargar (spanisch orugado)»: لم يتيسّر تحقيقُ صورته العربيّة على وجه اليقين، فأُثبت «المُجَرْجَر» على ظاهر نقل كريمر، مع لفظه الإسبانيّ. 4. «دهن الكَنْدُل» (ص 318): نقلٌ لِما كتبه كريمر (Kandulöl) دون تعيينٍ للنبات، إذ لم يُعيِّنه هو. 5. خبرُ عنترة وعبلة يسوقه كريمر بلا إسناد، وظاهرُه أنّه مأخوذ من سيرة عنترة الشعبيّة لا من مصدرٍ تاريخيّ.
1. الحديث المنسوب إلى النبيّ في صفة النخلة (ص 328) نُقِل هنا عن صياغة كريمر الألمانيّة، ولم يُثبَت له لفظٌ عربيّ منسوب، إذ لم يَسُق كريمر لفظه ولا إسناده، وإنّما أحال على الأصفهاني II. 345. وكريمر يكتب «mütterliche Tante»، أي الخالة، فأُثبت ما كتبه؛ واللفظ المشهور في المرويّ العربيّ «عمّتكم» لا «خالتكم»، ولم يُصحَّح متنُ كريمر عليه. 2. «hotäm»: هكذا نقلها كريمر عن العربيّة في معنى ترك الأرض بورًا، ولم يُعيِّن رسمها؛ فأُبقيت بحروفها اللاتينيّة بين قوسين إلى جانب المعنى، تحرّزًا من افتراض صورةٍ عربيّة بعينها. 3. مادّةُ المعجم في حاشية ص 330 («‘Omr kaskar») أُبقيت بصورتها اللاتينيّة، إذ لم يتّضح رسمُها العربيّ على اليقين. 4. قصيدةُ عبد الرحمن الداخل في النخلة يذكرها كريمر ولا يورد منها شيئًا، فلم يُثبَت لها نصّ. 5. تشبيهُ كريمر النخيلَ بالمسجد والبلّوطَ الشماليّ بالكنيسة القوطيّة، وحكمُه على «تبليد» الحشيش للجماهير، من آرائه، نُقلت كما هي.
1. يصف كريمر خُمارَوَيه بأنّه «صاحبُ الفاطميّين بالقاهرة» (ص 334)، وهو وهم: خمارويه بن أحمد بن طولون طولونيّ، تُوفّي سنة 282هـ، أي قبل قيام الدولة الفاطميّة بمصر بنحو تسعين سنة. أُبقي النصّ كما هو وسُجِّل الخطأ هنا. 2. البيتان المنسوبان إلى المعرّي (ص 342) مترجمان عن الصياغة الألمانيّة التي أوردها كريمر، لا عن أصلٍ عربيّ؛ ولم يُسَمِّ كريمر القصيدة ولا أحال عليها، فلم يُثبَت لهما لفظٌ عربيّ منسوب إلى الشاعر. 3. رقمُ الفصل في المطبوع «VII.» في صدر ص 341، وهو سهوٌ ظاهر يُصحِّحه عنوانُ الصفحة الجاري «VIII»؛ أُثبت «VIII» موافقةً لسائر الكتاب. 4. اسم النخلة «kaukal» (ص 338) كما رسمه كريمر؛ والمقصود بالفَوفَل (Areca catechu) لا شكّ، وقد أُثبت الاسمُ العربيّ المعروف مع تسجيل رسمه. 5. ما في هذا الفصل من أحكامٍ على «طفولة الأمم» وعلى حياة أوروبّا «التي تكاد تكون بربريّة» من رأي كريمر وروح عصره، نُقل كما هو من غير تلطيف.