القسم 8 من 12
VI. طبائع الأمّة
227

…من العسر بمكان أن يُستخرَج من صورةٍ زاهية الألوان، كثيرًا ما تُبهر العينَ بتضادّها وبسرعة تقلّب النور والظلمة فيها، ما هو مهمٌّ وما هو فاصل. غير أنّ العربيّ منفصلٌ من كلّ وجهٍ عن سائر الأجناس انفصالًا حادًّا، وهو من الاستقلال والتفرّد بحيث تبقى المهمّةُ التي وضعناها لأنفسنا، مع ذلك، غيرَ مستعصية.

وأوّلُ العلامات وأغربُها ممّا يميّز العربيّ عن الشعوب التي تشترك معه في الأصل نزعتُه المثاليّة البيّنة، وغلبةُ الخيال على الرويّة، والهوى على النظر الهادئ. فعنده مفهومٌ علّق عليه منذ أقدم العصور التاريخيّة أهمّيّةً عالية، وهو مفهومٌ يُعوز أبناءَ جنسه جميعًا، بل يُعوز الآسيويّين كافّةً إعوازًا تامًّا: أعني مفهوم الشرف (بالعربيّة: العِرض 1))، والشرفِ بالمعنى الآريّ للكلمة، أي الاعتدادَ المشروع بفضل النفس، والكرامةَ الخلقيّة التي عُدّ صونُها من كلّ تدنيسٍ بالدناءة أعلى الواجبات وأنبلَ فضائل الرجولة. فمن ذلك قولُ واحدٍ من أقدم الشعراء:

أصون عرضي ولا أدنّسه: فما ينفع المالُ إذا ضاع العِرض؟ والمالُ الضائع يُستطاع كسبُه من جديد، أمّا العرضُ إذا دُنّس مرّةً فلا يُكتسب ثانية. 2)

وهذا الشعورُ النبيل بالشرف حيٌّ إلى الغاية في أقدم العهود. وليس عند الشعراء القدماء موضوعٌ أكثرُ من هذا؛ فمن ذلك قولُ مسلم بن الوليد يمدح صديقًا له:

عطاياك جزيلة، ونِعَمُك شاملة، ومع ذلك فعرضُك مصون، ولا يُبذَّر منك إلّا مالُك. 3)

1) معناه الأصليّ: الرائحة. 2) حسّان بن ثابت. ابن حَمْدون I. Fol. 86. 3) مسلم بن الوليد، نشرة Goeje 147.

156*

228

وفي موضعٍ آخر:

حَمَوا حَرَمَ أعراضهم بالسيوف كما حموه بالعطاء: بذلوا أموالهم للناس جميعًا، أمّا العرضُ فمصون! 1)

ويقول شاعرٌ متأخّرٌ عنه قليلًا (عليّ بن الجهم، ت 249هـ) مثلَ ذلك: إنّها لبليّةٌ لا نظير لها أن يكون خصمُك من لا شرفَ له ولا دين، فإنّه يُسلم عِرضًا لا يحميه، ويطعن في مقابل ذلك عِرضَك الذي تحميه بعنايةٍ وحذر. 2)

و«تدنيسُ العِرض وبذلُ الوجه» عبارةٌ جاريةٌ سائرة 3). ولم يأخذ هذا الشعورُ الحيّ بالشرف في الضياع أكثرَ فأكثر إلّا مع الزوال التدريجيّ لخصائص الجنس القديمة، ولا سيّما عند سكّان المدن، وإن بقي المفهومُ واللفظُ الدالُّ عليه في الاستعمال. فالجيلُ المنحطّ لا يفقه حقَّ الفقه مثلَ هذه المجرَّدات الخلقيّة؛ أمّا في عصر الازدهار فقد كان حسُّ الشعب العربيّ لها حيًّا إلى الغاية، ونشأت عنه أجملُ ما عبّرت به الحياةُ الوجدانيّة عن نفسها. وممّا يدلّ على قوّة حياة هذه التصوّرات أنّ الرجل كان يجوز أن يُسقَط من الشهادة أمام القضاء بسبب فعلٍ غيرِ شريف، أو طعنٍ في سمعته، أو جُرمٍ استتبع عقوبةً مُخِلّةً بالشرف؛ على أنّ ذلك لم يمنع أن تُتَّخذ شهادةُ الزور أمام القضاء صنعةً للكسب منذ عهدٍ مبكّرٍ إلى حدٍّ ما 4).

وكان الشعورُ الحيّ بالشرف يحفز أيضًا إلى معالي الأفعال ويكفّ عن الدنايا. وقد وجد ذلك

1) مسلم بن الوليد 203 v. 47. وقارن أيضًا p. 93 v. 11.

2) الأصفهاني I. 159، 242.

3) يقول زياد لابنه عبيد الله: Lä todannisirdaka wa lä tabdilanna waghaka [لا تُدنّس عِرضك ولا تبذلنّ وجهك]. ابن حَمْدون I. Fol. 215 v.

4) الكامل 255، 256. الأصفهاني I. 128، 129.

229

تعبيرَه على الخصوص في الروح الحربيّة الوثّابة. يقول شاعرٌ قديم (بكر بن عبد العزيز): الموتُ على الفراش عارٌ وخِزي، أمّا الموتُ تحت السيوف فمَجد. ويقول أبو فِراس، وهو من أشدّ أمراء التاريخ العربيّ فروسيّة: إذا دنت الساعةُ التي قُدّر لي فيها الموت، فإنّي أريد أن أموت في زحام الرماح وخيلِ الأعداء! — 1)

وكانت الشجاعةُ والإقدامُ الرجوليّ الجريء يُعَدّان أعلى زينةٍ للرجل الكريم الحامي لعِرضه، ولا ينفصل عن ذلك تلك العادةُ الشرقيّةُ القديمة التي لم يرفعها شعبٌ ولا قدّسها كما فعل العرب: عادةُ حماية الجار. وقد نشأت من عادات النظام القبَليّ القديم الأبويّة، حيث يقوم الجميعُ للواحد والواحدُ للجميع، ولا سيّما أنّ كلّ امرئٍ كان يشعر بأنّه ملزَمٌ أن يمنح جاره، ساكنِ الخيمة المجاورة، الحمايةَ والنُّصرة في كلّ ما يعرض، إذ لا سبيل إلى وجودٍ آمنٍ على وجه التقريب في أزمنةٍ لا حقَّ فيها إلّا بمثل هذا التعاضد. ولذلك سُمّيت صلةُ التلازم هذه في الحماية والنُّصرة — لقيامها على التجاور في المسكن — «الجِوار»، ثمّ اكتسبت بالنقل معناها المتأخّر: حمايةَ الجار، أو على وجهٍ أعمّ: صلةَ الإجارة. وكان يُعَدّ أعلى الواجبات وأنبلَها أن يمنح المرءُ هذه الحماية لكلّ من طلبها، وأن يحمي من قبِلَه على هذا الوجه في جواره ويدافع عنه بكلّ قوّته، بل ببذل حياته. سُئل أعرابيٌّ: ما الجِوار عندكم؟ فأجاب: أن يدافع كلٌّ منّا عن جاره كما يدافع عن نفسه 2). وكان مثلُ هذا الرجل ينال الوصفَ المشرِّف: حامي

1) الأصفهاني II. 83. 2) ابن حَمْدون I. Fol. 81 r.

230

الجِوار أو حامي الذِّمار (hämy-lgiwär, hämy-ldimär)، وكانوا يجعلون فخرهم في أن يُمدَحوا ويُشادَ بهم لجوارٍ منحوه في كرم. وإذا صاح مستغيثٌ: أستجيرك! أو: أنا في عِرضك! 1) لم يجز للعربيّ الكريم ولم يستطع أن يجيب بغير القبول، وإلّا اكتسى عارًا لا يُمحى. ومديحُ مثل هؤلاء الكرماء الذين آمنوا المستغيثين أو الأسرى وأنقذوا حياتهم من الموضوعات المحبّبة في الأخبار الشعبيّة العربيّة القديمة وعند القُصّاص.

فمن ذلك ما يُروى أنّ رجلًا يُسمّى خِراشًا وقع في أسر بني ثُمالة. فأولم آسرُه يومًا وليمة، فرأى الأسيرَ واحدٌ من الضيوف فسأله: من أنت؟ فلمّا قصّ عليه خبره رقّ له وقال له: اقعد ورائي؛ ثمّ ألقى رداءه على الأسير علامةً على أنّه قد أجاره. فلمّا رأى ربُّ البيت ذلك سلّ سيفه ليحمل على الأسير ومُجيره؛ غير أنّ هذا وتّر قوسه وأعلن أنّه سيدافع عن نفسه وعن جاره! فكفّ الآخر 2).

وقد بلغ من تدقيقهم في أمر الجِوار وعدِّهم إيّاه من الشرف أنّه كان يكفي أن يستجير المستجيرُ عند قبر أبي من يطلب جواره، وأن يحمل من هناك بضع حصياتٍ دليلًا على ذلك 3). وكانوا يتعلّقون كذلك بالخيمة أو

1) «Ana fy dimmatika, ana fyirdika» [أنا في ذمّتك، أنا في عِرضك] هما الصيغتان المعتادتان، ولا تزالان إلى اليوم في غاية الشيوع ولم تفقدا أثرهما بعدُ، وهما في اللغة الدارجة الحديثة: ana fy dimmetak, ana fyardak. غير أنّ أشيعَ الصيغ: dachlak [دَخْلَك].

2) ابن حَمْدون I. Fol. 95 r. Cap. II.

3) Ibid. I. Fol. 93 r. الكامل 280.

231

بأطنابها، فيستحقّون بذلك الجِوار 1). وكان من واجب الشرف ألّا يُمنَع الجِوار، ولا تعوزنا الأمثلةُ على أنّ الأمر بقي كذلك في العهود المتأخّرة أيضًا. فقد كان يقع غيرَ نادرٍ أن يقبل ذوو النفوذ المستجيرين ويحموهم، ولو كان الخليفةُ نفسُه قد أصدر الحكم عليهم 2). على أنّه لم تكن تعوزهم في هذا الباب أيضًا، بطبيعة الحال، المبالغاتُ والمفاخراتُ الشرقيّةُ الصميمة: فيُقال إنّ زعيمًا من زعماء القبائل العربيّة بلغ من جدّه في حماية الجار أن أعلن الجرادَ الذي نزل بقرب مسكنه في جواره، فلم يأذن لأحدٍ أن يقتله، فنال بذلك اللقبَ المشرِّف: مُجير الجراد 3). وقد بقيت هذه العادةُ القديمة إلى عهدٍ متأخّرٍ إلى حدٍّ بعيد، كما تشهد بذلك واقعةٌ جرت في أيام الخليفة المعتصم. فقد جمع كاتبٌ نصرانيٌّ ثروةً تبلغ عشرين مليون درهم، فأراد الخليفة أن يصادرها. غير أنّ الوزير ابن أبي دُؤاد شفع له، وحجّتُه أنّه جارُه، إذ ليس بين داره ودار النصرانيّ إلّا دارٌ واحدة. فقبِل الخليفةُ هذا الاعتراض على أنّه في محلّه كلَّ المحلّ 4). ولا تزال هذه العادةُ القديمة الجميلة باقيةً إلى اليوم في قبائل البادية: فصيحةُ «أنا في عِرضك» أو «أنا في جِيرتك»، أي أستجير بك، لا تذهب عند ابن باديةٍ صريحٍ سُدًى. وفي سيرة عنترة، وهي تصف حياة البادية وصفًا مستفيضًا، تكثر إلى الغاية أمثالُ هذه المواضع التي يشدّ فيها الملهوفُ ثوبَه إلى أطناب الخيمة، أو يستجير بلسانه.

1) مسلم بن الوليد، نشرة Goeje p. 174 v. 16. 2) ابن حَمْدون I. Fol. 96 r. 3) Ibid. I. Fol. 96 v. 4) Ibid. I. Fol. 102 r.

232

ويتّصل بصلة الإجارة هذه أوثقَ الاتّصال الثأرُ (tar)، فقد كان من واجب المُجير، كما هو من واجب ربّ الأسرة أو شيخ القبيلة، أن يثأر لِما يقع على كلّ واحدٍ من جيرانه ومن أبناء قبيلته من ظلم. يخاطب شاعرٌ قديمٌ بني قبيلته فيقول: يا أيّها الفارس! قِف وبلّغ عنّي رسالةً إلى بطون عُكل (وقل لهم): إن لم تثأروا لأخيكم فما أنتم إلّا للأدهان والأصباغ، فبيعوا إذًا الرماحَ بحُليّ النساء، واقعدوا عن القتال، واشتروا بثمن سهامكم المغازل. 1)

وقانونُ الثأر والقصاص يحكم العصرَ العربيّ القديم كلَّه، وقد فنيت قبائلُ بأسرها بحروب الدم التي كانت تمتدّ وتتضاعف بلا نهاية 2). ولئن تصدّى مُشرِّع مكّة لهذه الآفة بقدر المستطاع، فإنّه لم يبلغ إلّا نجاحًا جزئيًّا، إذ سعى في طريق التشريع أن يضبط الثأر بأن جعل للقصاص قاعدةً شرعيّة. غير أنّ طبع الأمّة تمسّك بعاداته القبَليّة القديمة تمسّكًا شديد العناد؛ فمهما بالغ القرآن في الدعوة إلى أخوّة المسلمين جميعًا، فقد ظلّ حبُّ الانتقام والحقدُ الضاري الذي لا يلين من أبرز خصال العرب. وجاء في كتابٍ يصوّر روح الأمّة أشدَّ التصوير حياةً: إنّ ظمأ العرب إلى الثأر يزيد وينمو أبدًا بدل أن يزول وينقضي، لا يُبالي بما مضى من الزمن، ويصدق هذا على الخصوص في الرجال القادة والمقاتلين. 3)

وقد ملأ هذه الطبائعَ الجنوبيّة هوًى شيطانيّ في الحبّ كما في البغض، فإذا

1) ابن حَمْدون I. Fol. 333 v. 2) الأغاني II. 8. 3) عنترة VI. 323.

233

كان الأمرُ أمرَ ثأرٍ فلا رحمةَ ولا إبقاء. فكما شقّت هندٌ في وقعة أُحُدٍ كبدَ حمزةَ عمِّ النبيّ من جثّته وهي لا تزال ترتعش ومضغتها بأسنانها، فلعلّه وقعت في العهد القديم مذابحُ حقيقيّةٌ للأسرى ثأرًا؛ ومثلُ الأوصاف التي في سيرة عنترة، حيث يُروى ثأرُ بني عبسٍ الرهيبُ من بني بدر، صادقةٌ شعريًّا، فإنّ مثل هذه المشاهد ربّما وقعت حقًّا في بعض الأحيان 1). على أنّ الخوف من القصاص كان يكفّ في الأكثر عن سفك الدم بغير حاجة. وسعى الإسلامُ من جهته إلى تلطيف هذه العادات الوحشيّة بقدر المستطاع؛ ومع ذلك لم تخلُ العهودُ المتأخّرة من حالاتٍ يتتبّع فيها طالبُ الثأر ضحيّته سنين، ويقطع مسافاتٍ لا تُقاس في مشقّةٍ ليبحث عنه، ويترصّده، حتى يفجأه أخيرًا في لحظة غفلةٍ مخاطرًا بحياته هو، فيضربه الضربةَ القاتلة التي تُطفئ ظمأه إلى الثأر.

على أنّ ممّا يجب التنبيهُ عليه على الخصوص أنّه لم يكن يُعَدّ البتّة إخلالًا بالشرف أن يقتل المرءُ ضحيّته غِيلة، وإنّما كان لا بدّ أن يُنفَّذ الفعل في جرأةٍ وإقدام. فالشجاعةُ الشخصيّة والبسالةُ التي لا تنكِص أمام خطرٍ ظلّتا أبدًا أعلى صفات الكريم وأشدَّها ضرورة.

فيُروى أنّ أخا الخليفة المنازِع عبد الله بن الزبير، لمّا تخلّى عنه جنودُه في القتال مع جيوش الأمويّين، أبى إباءً ثابتًا أن يفرّ، فلمّا نصحه خادمٌ وفيٌّ أن ينجو بنفسه أجابه: لستُ عبدًا (جبانًا)! — ثمّ قتله في آخر الأمر جنديٌّ شاميّ وحمل رأسه إلى أخي الخليفة عبد الملك، وكان يقود الجيش. ويُروى أنّه حدّث

1) عنترة XXXVIII 64 وما بعدها. LXXXIV 292.

234

بعد ذلك بنفسه أنّه أحسّ في اللحظة التي كان الأميرُ ينظر فيها إلى رأس خصمه المَهيب بأقوى إغراءٍ أن يقتل هذا أيضًا، ثمّ أضاف: فكنتُ أكون قد قتلتُ في يومٍ واحدٍ ملكين من قريش، واشتهرتُ بأنّي أجرأُ العرب. — غير أنّ حبّ الحياة غلب 1).

وسواءٌ أكان هذا الخبر تاريخيًّا أم لم يكن، فإنّه يُثبت على كلّ حالٍ كيف كانوا يفكّرون يومئذٍ، وأيَّ اعتدادٍ جامحٍ بالنفس وأيَّ كبرياءَ ضاريةٍ كانت تسري في الأمّة الحاكمة. فما صدقت قاعدةُ noblesse oblige في موضعٍ صدقَها عند رجال هذا الشعب وتلك العهود. فلم يكن يكفي من أراد أن يُعَدّ كريمًا صريحًا أن يكون شجاعًا، بل كان لا بدّ أن يكون سخيًّا مِضيافًا؛ وقبل كلّ شيءٍ كان الوفاءُ الفروسيّ بالوعد من ذلك، ومن هنا المثلُ السائر: الكريمُ يفي بما وعد.

ومُثُلُ الخبر الشعبيّ القديم مصبوبةٌ كلُّها في هذا القالب. ولذلك كثر ما يُروى عن الصعاليك القدماء وفتيان البادية، الذين كانوا في حربهم مع الناس أجمعين يخاطرون بالحياة في جرأةٍ أبدًا، ويعيشون من الغزو والسلب، ويحمون مع ذلك الفقراءَ والمظلومين ويغدقون عليهم في كرم؛ كعروة بن الورد، اللصِّ الجريء المتربّص بالطريق، الذي كان على أعدائه من القسوة وقلّةِ الرحمة بقدر ما كان لأصدقائه رفيقًا جوادًا بل مبذّرًا؛ أو كعنترة، البطلِ الذي لا خوفَ فيه ولا معاب.

وفي مثل هذه الصور تجسّد مثالُ الأمّة؛ فلمّا انحطّ الجنسُ منذ زمنٍ طويل وفقد الشعبُ فضائلَه القبَليّة القديمة التي أعظمته، ظلّ الناس مع ذلك يتلذّذون بهذه الصور البطوليّة القديمة وبأفعالها الجليلة. فليس

1) الأغاني XVII. 163، 164.

235

شيءٌ رُوي بأكثرَ من هذا الشغف، ولا حُفّظ للصبيان بأكثرَ من هذه العناية، من الأشعار القديمة والأخبار الشعبيّة، التي وجدت فيها خصائصُ الجنس البارزةُ كلُّها تعبيرَها، والتي حُفظت بها الروحُ الحربيّة والاعتدادُ القوميّ وارتفعا. وليكن مكانُ هذه القطعة من شاعرٍ جاهليّ هاهنا مثالًا لهذا الشعر الشعبيّ القديم 1):

ليس على الأعقاب يسيل دمُ جراحنا، لا! بل من الأمام ينسكب دمُنا! — نشقّ هاماتِ رجالٍ لهم عندنا قدرٌ وحرمة، لكنّهم كانوا لنا صِلابًا لا يلينون. — ولمّا رأينا أنّ الثبات بعد ذلك عبث، وأنّ النجوم في يوم القتال هذا تلمع في ظلمة المعمعة — عندئذٍ ثبتنا أشدَّ الثبات، فالثباتُ خصلتُنا، والسيوفُ في القبضات تقطع الأيدي والمعاصم. — لا أشتري الحياة بالعار، ولا خوفًا من الموت أرتقي جسرَ الفرار. —

على مثل هذه المعاني رُبّيت الناشئة، وهي التي فتحت نصف الدنيا. ويقول شاعرٌ متأخّرٌ عنه، لكنّه من صدر الإسلام:

وهل الكرمُ شيءٌ غيرُ أن نبذل أنفسنا للسيوف ذواتِ الحدَّين! ومن أمسك الرمحَ بيدٍ ترتجف خوفًا من الموت لم ينل مجدًا باذخًا أبدًا. وهل الموتُ شيءٌ غيرُ رقدةٍ تُورث قومَك شرفًا ما حنّت الناقةُ إلى فَصيلها (أي أبدَ الدهر). 2)

وقد بقيت هذه النفسُ الأبيّة في البيوت القديمة الكريمة، حيث سمحت الأحوال، حتى في عهود الانحطاط، بعد أن كفّت جماهيرُ الشعب منذ زمنٍ طويل

1) حصين بن الحُمام من بني مُرّة. ابن حَمْدون I. Fol. 140. والقصيدةُ نفسُها في الحماسة p. 92، 187. والقطعتان المفصولتان تنتميان معًا، على ما أوردهما ابن حَمْدون.

2) ابن حَمْدون I. Fol. 79 r. Cap. III.

236

عن رعاية فضائل القبيلة القديمة. ومن أبهر الأمثلة على ذلك ذلك الأميرُ من بني حمدان، المشهورُ فارسًا وشاعرًا على السواء، وقد ملك هذا البيتُ في حلب من منتصف القرن الثالث إلى النصف الثاني من القرن الرابع للهجرة، فحمل في قتالٍ متّصلٍ مع الروم بسالةَ الأسلاف الجريئة إلى زمنٍ كان قد انحطّ من قبلُ. وسنذكر فيما بعدُ الشاعرَ الفارس الكريم أبا فِراس الحمدانيّ؛ وليكن هاهنا موضعُ قطعةٍ دالّةٍ على ما تقدّم:

مثلي إمّا أميرٌ يأمر، وإمّا عبدٌ يحمل ثِقلَ القيود، وكرامُ بيتي لا ينزلون إلّا قبرًا أو قصرًا. 1)

وهذه الكبرياء، وهذا الاعتدادُ بالنفس، وجهٌ متميّزٌ من وجوه طبائع الأمّة العربيّة. فقد عدّ العربُ أنفسهم أبدًا أكرمَ الأمم، وكانت الشعوبُ الأخرى كلُّها في أعينهم بربرًا قليلًا أو كثيرًا؛ وقد سنحت لنا من قبلُ، في الكلام على الأحوال الاجتماعيّة ولا سيّما على منزلة المسلمين الجدد والموالي، فرصةُ مسّ هذا الموضوع، فنقتصر هنا لذلك على جمع بعض المعطيات الجديدة.

وتظهر فكرةُ القوميّة هنا أيضًا الرافعةَ الحقيقيّة المنشئة للدول في بنية المجتمع البشريّ. ولذلك قسّموا الشعوب يومئذٍ إلى سُودٍ وحُمر (الأسود والأحمر)؛ فالأوّلون هم العرب، سُمّوا كذلك لسُمرة بشرتهم الداكنة وسواد شعورهم، وأمّا الحُمر فشعوبُ الشمال، سُمّوا كذلك لحُمرة وجوههم وفتحةِ شعورهم، بل لعلّها شقرة. وجمعوا الشعوبَ غيرَ العربيّة كلَّها تحت الاسم الجامع «العجم»، ومعناه في الأصل البربريّ الأعجميّ الذي لا يُفهم لسانُه،

1) ابن حَمْدون I. Fol. 77 r. والأبياتُ موجودةٌ أيضًا في نسختي الخطّيّة من شعر أبي فِراس الحمدانيّ.

237

على حين خُصّ به فيما بعدُ في المعنى الأضيق الفرسُ. أمّا الكبرياءُ القوميّة العربيّة، وقد نفذت في أوّل الأمر، في عصر الإسلام البطوليّ وفي عهد الفتوح الكبرى، إلى طبقات الشعب كلِّها، فقد بقيت حيّةً حقًّا حتى في عهود الانحطاط. وأريد أن أورد على ذلك دليلًا فاصلًا موضعًا من رسائل الهمذانيّ، وهو من أذكى أدباء العرب، إذ يرى فضلَ الأمّة العربيّة أمرًا بديهيًّا كلَّ البداهة، مع أنّه عاش في زمنٍ كانت الخلافةُ فيه تحت سلطان بني بُوَيه بتمامها، ومع أنّ العرب لم يكونوا يومئذٍ الأمّةَ الحاكمة، ومع أنّه من هَمَذان وكان يعيش في بلاد فارس. وهذا نصُّ كلامه، ولا أزيد عليه إلّا ملاحظةً واحدة، هي أنّ نثره المصنوع الذكيّ لم يُترجَم ترجمةً دقيقة، بل حُوكي محاكاةً لا غير:

«إذا تكلّمتُ في فضائل العرب قياسًا إلى الفرس وسائر الأمم، فإنّي أعني بالفضائل جودةَ الباطن، ولا أُنكر أنّ من الشعوب من يفوق العربَ في اللباس والزينة، وفي نفاسة الطعام، وسَعةِ الملك، وأُبّهةِ المسكن،

غير أنّ العربَ أوفى وأصفى — وأعلى وأسنى — وأمضى وأحمى — وأشدّ وأمدّ — وأكرم وأعظم — وأصلب وأصعب — وأخبر وأشهر — وأجسر وأجرأ — وأنضر وأحرّ — وألطف وأظرف — وأمنع وأرفع — وأحدّ وأليَن — وأرقّ وأدقّ — وأصدق وأحقّ — لا يُنكر ذلك إلّا أحمقُ أو من فقد البصيرة». 1)

والمثالُ الشعبيّ في العهد القديم فيه وجوهٌ جميلةٌ كثيرة، غير أنّه لا تعوزه الظلالُ القاتمة التي تثقله: فثمّة ميلٌ ما إلى المفاخرة

1) الهمذاني: الرسائل 279.

238

والمبالغة والكذب يظهر ظهورًا بيّنًا، والاستخفافُ بحنث اليمين كذلك من خصائصهم. نعم، إنّ أثر الإسلام غيرَ المحمود يظهر هنا، إذ لم يجعل في الحنث إلّا كفّارةً خفيفةً جدًّا. فمن حنث في يمينه فكفّارتُه أن يُعتق رقبةً ويكسو عشرةَ مساكين، فإن لم يجد فصيامُ مدّةٍ معلومة 1). على أنّه يجب أن يُلاحَظ أنّ الحلف كان منذ العصر القديم — كما لا يزال يُلاحَظ الآن عند شعوبٍ جنوبيّةٍ أخرى — عادةً من عادات الكلام حتى ما عادت اليمينُ تعني أكثر من توكيدٍ أشدَّ للقول، وأسلوبٍ أنفذَ في العبارة. وفي المذهب العربيّ القديم كانت كلمةُ الرجل الكريم الحرّ المجرّدة أعظمَ قيمةً من كلّ يمين. ثمّ سعوا فيما بعدُ إلى تشديد الأيمان بقدر المستطاع لتكون أشدَّ إلزامًا. فنشأت صورةٌ أثقلُ لليمين، يحلف فيها المرءُ على الأمر خمسين مرّة (القَسامة)، ثمّ صاروا يحلفون بشرط أن تُطلَّق نساؤهم شرعًا إن حنثوا. ويقال إنّ أوّل من ابتدع هذه الصيغة، التي عمّ استعمالُها فيما بعدُ، والٍ أمويّ، استحلف بها جنده 2). وكانوا في العهود المتأخّرة يحلفون في الشهادات على القرآن 3). ثمّ ظهر الحلفُ على القرآن والسيف 4). وكانوا في الأيمان المغلَّظة يضعون اليد على رأس الشخص الذي يُحلَف له 5). وأمّا أطولُ صيغ الأيمان فتلك التي كانوا يبايعون بها الخليفةَ على الوفاء عند توليته في عهد الانحطاط؛ إذ كان يُستنفَر لها جهازُ الإنشاء كلُّه في ديوان الحكومة ببغداد،

1) الموطّأ II. 340. 2) الأصفهاني I. 300. 3) ابن خلّكان، Slane III. 362. 4) ألف ليلة وليلة I. 251. 5) ابن خلّكان، Slane IV. 355.

239

ليكون اليمينُ في غاية الجلال والإلزام؛ غير أنّ الوسيلة لم تُغنِ شيئًا، فقد كان هذا اليمينُ من قلّة الأثر بمنزلة الأيمان المتنوّعة التي تحلفها الجيوش الأوروبّيّة نفسُها على الدستور. وكان لعربيّ العهد المتأخّر أبدًا، عن كلّ يمينٍ يحنث فيها أو كلِّ جرمٍ آخر، عذرٌ حاضر: وسوس إليّ الشيطان (waswasa ilajja-lshaitän، ألف ليلة وليلة I. 299). وأمّا صيغةُ اليمين المعتادة في الدعاوى المدنيّة فهي: والله الذي لا إله إلّا هو! 1)

على أنّ اليمين العربيّة لم تبلغ قطّ ذلك المعنى العميق الذي بلغته عند الشعوب الهندوجرمانيّة. ولم يكونوا يدقّقون كثيرًا في النذور أيضًا، فإنّ كلّ نذرٍ يُحنَث فيه كان من اليسير أن يُكفَّر، شأنَ اليمين، على جدول الكفّارات الذي وضعه علماءُ الدين. غير أنّه ممّا يجب ذكرُه على الخصوص أنّ أموال الكفّارات لم تكن تعود قطّ على الكهنة ولا على الكنيسة، بل كانت أعمالَ برٍّ أو صدقةٍ لا غير؛ وهذه الخصيصةُ في النظام الدينيّ المحمّديّ جديرةٌ على كلّ حالٍ بكلّ تقدير.

وبعد هذه النظرة في وجهٍ قاتمٍ من طبائع الأمّة، نلتفت إلى واحدةٍ من أجمل خصالها إذ نذكر قِرى الضيف، وهي فضيلةٌ كانوا يرفعونها رفعًا خاصًّا، وتتّصل بحماية الجار اتّصالًا وثيقًا، فإنّ الضيف كان ينال في الوقت نفسه حقَّ الحماية والنُّصرة من مُضيفه. فما إن يدخل المسافرُ خيمةَ ابن البادية ويجلس إلى ناره حتى يدخل في صلةٍ أوثقَ بالأسرة ويستحقّ حمايتها. ولذلك لا تزال المؤاكلةُ إلى اليوم عند قبائل البادية، ولو لم تكن إلّا كِسرةَ خبزٍ يابسٍ بملح، علامةً لا تُخطئ على

1) الأصفهاني I. 303.

240

الصداقة، وعبارةُ «أكلا الخبز والملح معًا» تعني: «عقدا بينهما صداقة». وفي الأشعار القديمة يُمدَح قِرى الضيف واحدةً من أنبل الخصال، ويُشاد في أشعارٍ وأناشيدَ شعبيّةٍ لا تُحصى بحاتم الطائيّ الجواد، الذي صار كرمُه المسرف مثلًا سائرًا في حياته بل بعد مماته. ويطيب للأخبار القديمة أن تروي أنّ زعماء القبائل المِضيافين كانوا يوقدون بالليل نيرانًا عظيمةً على تلٍّ إلى جانب مضاربهم، ليراها المسافرون المنفردون في البادية فيقصدوها. ولم يكن شيءٌ أشدَّ عارًا من أن يُقال عن رجلٍ إنّه يُطفئ ناره بالليل لئلّا يراها غريبٌ فيطلب القِرى. ولذلك جاء في شعر: يهدي ضيفي في الظلمة ضوءُ ناري ونُباحُ كلابي 1). ويقول شاعرٌ متأخّر (دِعبل، ت 246هـ): يعلم الله أنّه ما من شيءٍ يسرّني كضيوفٍ يطرقون بالليل — ولا أملّ من الترحيب بهم حتى يكاد المرءُ يظنّ أنّي أنا الضيفُ وأنّ ذاك ربُّ البيت 2).

أمر والٍ بجماعةٍ من الأسرى فأُحضروا، وأمر بقتلهم. فتقدّم واحدٌ منهم وسأل شربةَ ماءٍ أخيرة. فلمّا شرب قال: أتقتل أضيافك؟ فيقال إنّ ذلك أنقذ حياتهم 3).

وقد سعى كبراءُ العرب إلى الوفاء بهذه التصوّرات الشعبيّة القديمة، فكانوا لذلك يُبقون موائدهم مبسوطة. فقد حُفظ لنا خبرُ رجلٍ غنيٍّ كانت داره أبدًا ملأى بالضيوف، وله مطبخان، في كلٍّ منهما — على ما يُقال —

1) الأصفهاني I. 405. 2) Ibid. I. 401. 3) Ibid. I. 148.

241

بضعُ مئاتٍ من مواقد النار 1). وكان الوزير الصاحبُ بن عبّاد، وقد تقدّم ذكرُه، يبسط مائدته في شهر رمضان كلِّه لألف نفس 2). فكانت قصور الأقوياء لذلك ملأى أبدًا بالزائرين الجياع، تُسكَّن بطونُهم أو لا تُسكَّن بحسب كرم صاحب الدار.

وكما كان قياصرةُ روما القديمة يطلبون محبّة الناس بإطعام الشعب في الولائم العامّة، كذلك كان في دولة الخلفاء أفرادٌ من العظماء يُطعمون الشعب بجملته وعلى وجه العموم، إمّا حبًّا في الأُبّهة، وإمّا أشرًا، وإمّا في المناسبات الاحتفاليّة الخاصّة. فلمّا احتفل واحدٌ من كبار السادة بعرسه (جعفرُ بن يحيى بحفيدة عيسى بن ماهان) أمر فنُصبت الموائد في الطرقات، فمن شاء أخذ؛ بل كان أغلى الطِّيب (الغالية) موضوعًا في صحافٍ كبيرةٍ من ذهب، يتناول منه من شاء 3). وكان من غير المستغرَب في موسم الحجّ بمنًى عند مكّة أن يُطعم أهلُ البرّ الجمعَ المحتشد كلَّه ويسقوه. فمن ذلك أنّ رجلًا من العظماء أوقف ضيعته على أن يُقرى الحجّاجُ من غلّتها أربعةَ أيّامٍ كلَّ سنة، هي يومُ عرفة وأيّامُ منًى الثلاثة 4). ولعلّ الزهو وحبّ الذكر والسعيَ إلى التألّق ومغالبةِ أهل العصر أسهمت في ذلك أيضًا إسهامًا كبيرًا، فقد كانت هذه الخصلةُ في العربيّ منذ القِدم على أعلى وجه. ولذلك كان ذوو النفوذ يتغالبون بالكرم وجزيل الهدايا. وكان المثالُ الشعبيّ لِما يُسمّى noblesse بحيث يفرض على من أراد أن يفي به

1) ابن حَمْدون I. 132 v. والتنّور هو الموقد المكشوف: وللكانون العربيّ عدّةُ مواقدَ من هذا الضرب، لكلّ قِدرٍ واحد. وفي البيوت المتوسّطة يكون في الكانون عادةً من ستّة مواقدَ إلى اثني عشر.

2) Ibid. I. Fol. 77 r. 3) الأصفهاني I. 401. 4) ابن حَمْدون I. 86 v. وكانوا يُعطَون السمن والتمر والسويق. وقد بقي هذا الوقفُ قائمًا عدّةَ قرونٍ بعد ذلك.

242

تضحياتٍ ثقيلة. فقد كان على الرجل من قديم النسب الكريم وموفور البيت يومئذٍ من الواجبات ما لا يُقاس بما عليه في المجتمع الحديث، حيث يتمتّع بامتيازات طبقته ولا يلزمه من الأداء أكثرُ ممّا يلزم كلَّ مواطنٍ آخر بحسب سَعته. فكان لا بدّ للسيّد الكبير في ذلك الزمان أن يُبقي داره مفتوحةً وكيسه مفتوحًا، وإلّا شاع عنه البخل، وكفت هجويّةٌ واحدةٌ لتَسِمَه بالعار إلى الأبد. وأمّا بأيّ مقياسٍ كانوا يقيسون الهدايا، فيدلّ عليه ما حُفظ من الأخبار الكثيرة في ذلك، وهي — وإن كان أكثرُها غيرَ ثابتٍ بالأرقام — تدلّ على ما كانوا يتصوّرونه في هذا الباب من تصوّراتٍ مبالَغٍ فيها. فيُروى أنّ عائشة زوجَ النبيّ لمّا أعطاها الخليفةُ معاويةُ مرّةً 100,000 درهم فرّقتها من فورها على الحاضرين. فلمّا طلبت بعد ذلك غداءها وقُدّم إليها خبزٌ بزيتٍ قالت لخادمتها: كان ينبغي أن تحبسي لي من ذلك المال درهمًا واحدًا تشترين لي به لحمًا 1). ويروي المؤرّخُ المعروف الواقديّ أنّ أباه شكا مرّةً إلى الخليفة المأمون ثِقَل ديونه، فأمر له من فوره بـ100,000 درهم، وكتب إليه أن يتصرّف في المال بمثل كرمه السابق. وأعطى معنُ بن زائدة، والي العراق، شاعرًا مرّةً 200,000 درهم على بيتٍ واحدٍ استنهض به كرمه 2). على أنّ في الوسع أن يُرى هنا من جديد كم يقرب الضدّان أحدُهما من الآخر. فبمقدار ما كان المالُ يُبذَّر في كرمٍ من جهة، كان يُؤخَذ في نهمٍ من جهةٍ أخرى؛ ولعلّ الشرَه إلى المال والحرصَ الذي لا يشبع

1) حديثٌ عن محمّد بن المنكدر. 2) الإحياء III. 295.

243

من الوجوه الدالّة على طبائع الأمّة دلالةً مماثلة.

وفي الجملة يمكن أن تُوصَف أحوالُ ذلك الزمان في يقينٍ تامّ بأنّهم كانوا يكسبون بمثل ما كانوا يُبدّدون من السهولة. ومن أدرّ وسائل كسب المال صنعةُ الشعر، فإنّ الشاعر إذا وُفّق إلى دخول قصور الأغنياء أو البلاط وإلى إنشاد مديحه في مناسبةٍ مواتية، كانت الجائزةُ مضمونة. وهذا الاستعدادُ في الشعب العربيّ لتقبّل الشعر خصلةٌ بارزةٌ حتى إنّ الكتّاب من أهل البلد أنفسِهم لم يُغفلوها؛ يقول ابن حَمْدون: كانت العربُ في الجاهليّة كما في الإسلام، على ما فيهم من روحٍ حربيّةٍ وغِلَظ أكبادهم (ghilaz akbädihim)، يرقّون ويلينون لإنشاد شعر الغزل 1). وكانت في البلاط أيّامٌ خاصّةٌ للاستقبال يُؤذن فيها للشعراء: فيجلس الأميرُ على مجلسه، وعن يمينه وشماله تقف الحاشيةُ في صفّين طويلين (سِماطين) على امتداد الجدران، أيديهم على مناطقهم؛ ثمّ يتقدّم أحيانًا هذا الشاعرُ أو ذاك فيُنشد قصيدةً في مدح الأمير، وكان وقعُها في العادة أحسنَ كلّما كانت أشدَّ إغراقًا. ثم يُجيز الأميرُ الشعراء في الختام. والشرقيّ ينتظر في مثل هذه المناسبات أبدًا مبلغًا يوافق شرَهه إلى المال؛ فما كان يجوز لأميرٍ لا يريد أن يُشتهر بالبخل أن ينزل عن الألف قطّ.

على أنّه كلّما ساءت الأزمنة، وكلّما دنت هموم العيش من الأمّة الحاكمة أيضًا، عظمت قيمةُ المال، وتلاشت النفسُ الأبيّة القديمة، وقلّ التخيّرُ

1) I. Fol. 396 r.

244

في الوسائل والسبل، حتى صارت الرشوةُ في آخر الأمر أعظمَ وأعمَّ وأبدهَ، وهي العلامةُ التي لا تُخطئ على انحدار الدول والشعوب. ومن الدالّ على ذلك موضعٌ من رسالةٍ للهمذانيّ؛ يكتب إلى عاملٍ على الخراج لم يكفّ عن مضايقته بابتزاز الضرائب على الرغم من براءةٍ منحه إيّاها الوزير، ولم يهدأ إلّا بمالٍ دفعه إليه: وصلك كتابُ مولاي ألّا تتعرّضوا لي بشيء، ثم أردتم مع ذلك أن أصالحكم بنصف مقدار ضريبة الأحداث. فرأيتُ في التأنّي أنّ الصلح أنفع، فعملتُ بذلك في آخر الأمر، فانفصل الأمرُ وأُدّي النصفُ المشروط. ثم أخذتَ تسلخ جلدي من جديد لتنتزع منّي الباقي. فبعثتُ إليك بثلاثة دنانير (dynär) أتقرّب بها إلى فضلك، فبارك الله في هذه الدنانير وجعل لي منها حظًّا وافرًا، فهي أنفذُ من توراة اليهود وإنجيل النصارى: تُنقذ من كلّ خطرٍ حيث لا يُنقذ القرآن ولا تفسيرُه، وتنفع أكثرَ من جبريلَ وميكال. وأمّا جلالتُه ووزيرُه وبراءتُهما الطويلة فأسأل الله أن يقيني ذلك في المستقبل، والحمد لله بكرةً وأصيلًا 1).

وكانت رشوةُ القضاة على الخصوص ممّا يطيب لهم أن يجعلوه موضعَ السخرية. فيقول شاعر 2): يطلب الرشوة، فأعطِه إيّاها، عندئذٍ يسكت القاضي، وإلّا وشى بك؛ ولا يصدّنّك خِسّتُه، وألقِ إليه طُعمًا ما تيسّر. — ويقول الشاعرُ نفسُه في موضعٍ آخر، لمّا كان بأصفهان فيلٌ في مقابل

1) الرسائل في كتاب خزانة الأدب 545. 2) الأصفهاني I. 175.

245

… حين عُرِض عليه المال: شيئان عندنا بأصفهان يُعجَب منهما: الفيلُ والقاضي، لا يُدخَل على هذا ولا على ذاك بغير إذن؛ فمن أراد أن يرى الفيلَ أدّى إلى حارسه أجرَ الدخول؛ فأين حارسُك يا قاضي! —

ومثلُ هذه النكات الخبيثة خصلةٌ لازمةٌ لهذا الشعب على العموم؛ فالمزاح الوديع أندرُ عندهم كثيرًا من المزاح القارص اللاذع. ولم يكن القضاةُ وحدهم موضوعَ الفكاهة الشعبية، بل تلقّفت هذه كلَّ ما أتاح لها مادّةً، وأطلقت هواها في كلّ موضع. فسخِروا من تزمّت المحدِّثين وتعالُمهم، وهم لا يزنون شيئًا إلا بثقة الرجال وبسلسلة الرواية (الإسناد)، ووضعوا هذه الحكاية: خرج محدِّثٌ مسافرًا، فركب السفينة ومعه نصرانيّ. فملأ النصرانيُّ قدحًا خمرًا وشربه، ثم ملأه ثانيةً وناوله المحدِّثَ؛ فلمّا رفعه هذا إلى فيه نبّهه رفيقُه النصرانيّ إلى أنّها خمر. فسأله: ومن أين لك هذا؟ قال النصرانيّ: غلامي اشتراها من يهوديّ. فجرَع المحدِّثُ القدحَ جرعةً واحدة ثم قال للنصرانيّ: إنّك لأحمق! نحن معشرَ المحدِّثين نُضعِّف قولَ رجالٍ مثل سفيان بن عيينة ويزيد بن هارون، ونردّ ما جاء من طريقهم من الحديث، أفأصدِّق حديثًا مدارُه على نصرانيٍّ وعلى غلامه وعلى يهوديّ؟ والله ما شربتُ قدحَك إلا لضعف الإسناد.1)

وأقرصُ من ذلك نكتةُ أديبٍ في مدينة بروجرد: بروجردُ جنّة، ما فيها شيءٌ رديء إلا أهلُها، غير أنّ

1) ابن حمدون II. Fol. 160 v.

246

لؤمَهم وبخلَهم يجبره ما في نسائهم من إسعافٍ وتبذُّل.1)

وكان لسرعة البديهة وحُسن الجواب قدرٌ عظيم، ولا يكاد المرءُ يجد بُدًّا من عدّ العرب في هذا الباب من أذكى الأمم؛ فقد أوغلوا في التورية والجناس والأجوبة الظريفة، وللغتهم في ذلك عونٌ خاصّ؛ وحسبُنا مثالٌ واحد: خرج ذاتَ يومٍ سيّدٌ كبير يتمشّى مع زائرٍ له، فقال لصاحبه: ألستَ أكبرَ منّي؟ فأجابه من فوره: بل مولايَ أكبرُ منّي قدرًا، وإنّما أنا أزيدُ قامةً بعضَ الزيادة.2)

ومثلُ هذا التملّق ممّا يوافق طبعَ أهل الشرق، وقد كثُر في الطور المتأخّر من حياة الأمّة كثرةً بالغة. أمّا في الأصل فلم يكن الأمرُ كذلك. كانت المساواةُ سائدةً في معاملة الطبقات على اختلافها سيادةً ديمقراطية إلى أبعد حدّ، وذلك التطويلُ المنتفخ من الإطراء والجناس السخيف والتملّق الوضيع — على ما جرى به العُرف بعدُ عند الفرس والترك — بقي غريبًا عن العرب حتى في أزمنة الانحطاط. وكانت آدابُ اللقاء بسيطةً كلَّ البساطة. فالتحيّةُ مصافحةٌ باليد3)، والأصدقاءُ أو ذوو القربى يتعانقون ويتقبّلون أيضًا. وكان الرجلُ يخاطب من هو أعلى منه، بل يخاطب الخليفة نفسَه، بصيغة المفرد؛ ولم تكن صيغةُ الجمع للتعظيم معروفةً، وإنّما حدثت فيما بعد. وتقبيلُ اليد الذي صار الناسُ يفعلونه للخليفة فيما بعدُ كان في أيام الأمويّين وأوائل العباسيّين أمرًا غيرَ عربيّ البتّة. وأراد زائرٌ أن يقبّل يدَ الخليفة هشام فأنكر ذلك عليه وقال: ما

1) Mogam I. 596. [معجم البلدان]

2) ابن حمدون I. Fol. 67 v.

3) جاء في خبرٍ قديم من وصايا الحارث بن كعب: يا بنيّ! لقد مضت عليّ مئةٌ وستّون سنةً وما صافحت يميني قطُّ يدَ غادر. ابن حمدون I. Fol. 216.

247

يفعلها من العرب إلا جبان، ولا من العجم إلا متذلِّل. على أنّ العباسيّين فيما يظهر أدخلوا سريعًا هذه العادة الفارسيةَ الأصل. ودخلت قريشٌ على أوّل خليفةٍ من بني العبّاس تسلّم عليه، فأُشير عليهم أن يقبّلوا يدَ الخليفة، فيُروى أنّ رجلًا منهم قال للخليفة: لو كان تقبيلُ اليد يزيد في قرابتنا (منك) لفعلتُ، ولكنّك في غنًى عن فعلٍ لا ينفعك ويُذلّنا. فصدَّقه الأميرُ على قوله.1) ولم تطُل بهذه الأنَفة مدّة، فسرعان ما صار تقبيلُ يد الخليفة أو الأكابر عادةً عامّة2)، ويقول الشاعر الصولي في مدح رجلٍ من ذوي السلطان في ذلك العهد: للفضل بن سهل يدٌ لا نظيرَ لها: باطنُها معوَّدٌ العطاءَ، وظاهرُها معوَّدٌ التقبيل.3)

ثم مضَوا في التذلّل إلى أبعدَ من ذلك، فبدل أن يجترئ الرجلُ على تقبيل يد الخليفة صار يقبّل البساطَ الذي يجلس عليه.4) واشتدّت بذلك رسومُ البلاط، وصار محظورًا على المرء بحضرة الخليفة أن يبصُق أو يمتخط أو يتثاءب أو يسعُل أو يعطُس.5) ويقال إنّه استُحدث في أيام الأمويّين ألّا يبتدئ أحدٌ الخليفةَ بالكلام6)، وبقيت هذه العادة إلى زمن المعتصم.7) على أنّ الظاهر أنّ الناس لم يتشدّدوا في الواقع في مراعاة هذا الرسم،

1) الأصفهاني I. 190. وفي روايةٍ أخرى أنّ الخليفة أبى أن يُقبَّل يدُه. ابن حمدون II. Fol. 111 r.

2) ابن حمدون II. 211 r. في زمن الشاعر الصولي.

3) الأصفهاني I. 190.

4) أوّلُ ما يقع ذلك، فيما أعلم، في أيام الخليفة المنتصر. ابن حمدون I, 117 v., 118 r.

5) قارن الخبرَ الدالّ على ذلك، الأصفهاني I. 428.

6) على يد عبد الملك، ابن الأثير IV. 415.

7) Slane، ابن خلّكان I. 62.

248

فإنّا نرى من أخبارٍ كثيرةٍ لا شكّ فيها أنّ معاشرة الخلفاء لمن حولهم كانت في غاية التحرّر. ومع ذلك فإنّ الميل إلى الظواهر الموروثة وإلى التزمّت في الشكليّات، حتى في معاملة الحياة اليومية، يمثّل وجهًا خاصًّا من وجوه حياة الأمّة العربية. وهذا شأنُ كلّ أمّةٍ لها ماضٍ قوميّ طويل: فأشكالُ الحياة اليومية وعاداتُها، وما يتكرّر عند أفعالٍ ووقائعَ بعينها من عباراتٍ وحركاتٍ تجري على غير رويّة، تنتقل بالوراثة من جيلٍ إلى جيل، وتبقى أشدَّ عنادًا في البقاء ولو تبدّلت الأحوالُ كلَّ التبدّل، كلّما كانت الأمّةُ في جملتها أشدَّ محافظة. وقد امتاز العربُ دائمًا بشدّة تمسّكهم بعادات الآباء وبما ورثوه من الرسوم والسنن. والإسلامُ نفسه، وقد جاء موافقًا لروح الأمّة العربية كلَّ الموافقة، وصدر في جوهر مضمونه عنها، أسهم إسهامًا غيرَ قليل في إنشاء رسومٍ صارمةٍ تحكم الأفعالَ كلَّها حتى أتفهَها. وهي قائمةٌ إلى يومنا هذا على حالها تقريبًا، كما كانت قبل ألف سنة، عند الأمم المحمّدية جميعًا.

وهكذا كان كلُّ شيءٍ في ذلك المجتمع منضبطًا بقاعدة. وسادت في الطبقات المترفّهة آدابٌ متزمّتة: كيفيّةُ التحيّة المعتادة، ثم الدخولُ على مجلس، واستقبالُ الزائرين، وهيئةُ السلوك عند الأكل والشرب، بل حتى الوجهُ الذي يجوز للرجل أن يأتيَ منه امرأتَه؛ كلُّ ذلك محدَّدٌ بعاداتٍ وقواعدَ معلومة، ومن تفلّت من سلطانها فقد عرَّض نفسَه للّوم العامّ، وعُدّ شاذًّا، بل عُدّ عدوًّا للإسلام. ويُروى عن عمر الأوّل أنّه قال: ثلاثٌ يُصفين لك ودَّ أخيك: أن تبدأه

249

بالسلام، وتُوسِّع له في المجلس إذا دخل، وتدعوَه بأحبِّ كُناه إليه.1)

وإذا استقبل ربُّ البيت زائرًا قام عن مجلسه وحيّا الضيفَ، ثم أجلسه — إن أراد تكريمَه على الخصوص — في ركن الديوان حيث مجلسُ ربّ البيت (صدر الديوان). والوداعُ لا يقلّ عن ذلك تكلّفًا للرسم، يشيّع فيه ربُّ البيت ضيفَه على قدر منزلته ويودّعه بالعبارات المعتادة، فقد كان لكلّ أمرٍ عباراتٌ مقرَّرةٌ مطّردة: أطال الله بقاءك، حفظك الله، وما أشبهها ممّا جرت به العادة؛ فإن أكل الرجلُ وشرب قيل له: هنيئًا مريئًا، أي ليَهنئك؛ وإن خرج من الحمّام فالصيغة: عُوفيتم شُفيتم، أي دُمتَ في صحّةٍ وعافية! وإن أخذ الرجلُ عن ثوب صاحبه هامّةً قال: صرف الله عنك السوء. ولم يكن يجوز أن يبدأ الطعامَ من غير أن يقول بالدعاء: بسم الله! ولا يمدّ يدَه إلى القصعة إلا باليمنى؛ وعند الشرب يُمسك القدحَ بيمينه2)؛ فإن شرب من إناءٍ مكشوف أمسكه باليمنى وغطّاه باليسرى لئلّا يبصُق فيه الشيطان. وغسلُ اليدين قبل الطعام وبعده معروف. بل حتى تلك اللحظةُ الدقيقة التي يحلّ فيها للزوج الشابّ أن يدنو من امرأته أوّلَ مرّة، كان لها رسمٌ مقرَّر: يصلّي هو وهي ركعتين ويسألان الله البركةَ في قِرانهما.3)

1) ابن حمدون I. Fol. 300 v.

2) الإحياء IV. 117.

3) ابن حمدون II. Fol. 206 v.

250

وكانوا في أمر الأسماء أيضًا على تزمّتٍ شديدٍ ومراعاةٍ للرسم. فمن الأسماء ما عدُّوه ميمونًا ومنها ما عدُّوه مشؤومًا.1) وعُدّ من قلّة الأدب ومن الإهانة أن يُنادى الرجلُ بغير كنيته. فلكلّ امرئٍ ثلاثةُ أسماء: الاسمُ الأصليّ الذي سمّاه به أبواه، مثل سعيد وحسن وما إليهما؛ ثم النعتُ التكريميّ أو الكنية، وتُصاغ بأن يُنسب الرجلُ إلى ابنه أو ابنته أو أبيه أو إلى خصلةٍ بارزةٍ فيه، فيقال: أبو الحسن، أو ابن زياد، أو أبو المكارم، أي أبو الفضائل، وما أشبه ذلك. ثم هناك أسماءٌ أخرى تُلحق بالرجل نسبةً إلى حرفته أو إلى صفةٍ فيه أو إلى موضع مولده أو مسكنه، وفي الجاهلية نسبةً إلى القبيلة والأسرة (اللقب). ولا يُستعمل في المخاطبة إلا الكنية. وقد بقيت هذه العادة إلى اليوم؛ ففي أسرةٍ نصرانيةٍ بيروتيةٍ تربطني بها صداقة، ما كان ربُّ البيت يخاطب امرأته إلا بقوله: يا أمّ موسى. وذلك أنّ ابنه الأكبر اسمُه موسى، أو كما يلفظونها في بيروت: موسا.

وبلغت سطوةُ العادات والرسوم القديمة مبلغًا لم يُجدِ معه أمرُ النبيّ نفسِه شيئًا. فقد نهى مرارًا عن الإفراط في إظهار الجزع عند الموت.2) ولكن دون جدوى: بقيت العادةُ القديمة على حالها، وفضلًا عن النائحات اللواتي لا تخلو منهنّ جنازة، لم تتخلَّ النساءُ قطّ عن إعلان خبر الحزن بالصياح الحادّ المعتاد إذا مات في البيت أحدٌ من أهله. ولم يقفوا عند هذا الحدّ، بل تجاوزوه في فرط الجزع: يخرّبون البيتَ كلَّه، ويشقّون الثياب، ويُسوِّدون الجدران، ويكسرون

1) قارن الموطّأ IV. 205. 2) البخاري 815، 818، 822.

251

الأمتعةَ والأواني1)، ويُسوِّدون وجوهَهم، ويحلقون لحاهم.2)

ومن مظاهر هذا الجزع العنيف مراثي الشعر، وكثيرًا ما نجد فيها صدقَ عاطفةٍ يبلغ من النفس مبلغًا عميقًا، كمراثي الخنساء أخاها صخرًا، وقد اشتهرت عن استحقاق، أو ذلك الرثاء الذي لا نظيرَ له، رثت به أمٌّ بنيها الذين قُتلوا قتلةً وحشية، وقد حفظه لنا المبرّد.3) وحتى حيث لم يكن الحزنُ صادقًا، تمسّك الناسُ بالرسوم القديمة تمسّكًا لا يُخرَق، لأنّهم كانوا يجدون من كلّ إحداثٍ في هذا الباب رهبةً تقوم على الوهم. وكانوا يعلّقون على هذه الظواهر أهميّةً كبيرة؛ وانتقلت أوهامُ القرون الأولى إلى الأجيال المتأخّرة تركةً محفوظةً بعناية.

1) الهمذاني، الرسائل 569. وهذه العادة مذكورةٌ أيضًا في حكايات ألف ليلة وليلة. ويقول الهمذاني في وصيّته، متكلّمًا عن نفسه بصيغة الغائب: ويوصي أيضًا بأنّه إذا مات فلا يُقام عليه نَوح، ولا تُلطَم الخدود، ولا تُخمَش الوجوه، ولا تُنشَر الشعور، ولا تُشَقّ الثياب، ولا يُثار الغبار، ولا يُرفَع الصياح، ولا يُطلى بابٌ بسواد، ولا يُقلَع نبات، ولا يُهدَم بيت. — وقد بقي في مصر شيءٌ من هذه العادة. ولا أزال أذكر ذكرًا حيًّا دارًا كبيرةً جميلة قرب القاهرة، قائمةً وسط غرسٍ بديعٍ من البساتين في آخر شارع شبرا، وقعت عيني عليها حين كنت أطلب مسكنًا في الريف. فسألتُ عنها فعُرضت عليّ بثمنٍ رخيصٍ جدًّا. فأسرعت إلى معاينتها. ومررنا في بستانٍ قد أُهمل فتوحّش، غير أنّه يزهو بأخصب نبات، حتى بلغنا البناءَ الفخم: قاعاتٌ كبيرةٌ فسيحة، وممرّاتٌ باردةٌ مفروشةٌ بالرخام — كلُّ ذلك شديدُ الجاذبية، غير أنّ الجدران والأبواب كلَّها ملطَّخةٌ بالسواد. فترك ذلك في النفس أثرًا من الحزن لا يوصف، ولمّا سألت عن السبب قال لي قيّمُ الدار: إنّ السيّد الشابّ قد مات، وعن تلك الوفاة جاءت هذه العلامةُ من علامات الحزن. فأسرعتُ بالخروج من تلك الدار الكئيبة.

2) ابن تغري بردي I. 773. 3) الكامل S. 721.

252

ولم تكن روحُ الأمّة العربية تخلو من نزعةٍ إلى الشكّ، غير أنّها لم تبلغ من القوّة ما يحدّ حدًّا ذا بالٍ من سلطان الأفكار الموروثة. فقد كدّس العصرُ القديم منها ذخيرةً وافرة لم تملك الأجيالُ المتأخّرة إزالتَها، على ما ساد زمنًا من نزعةٍ عقليةٍ شكّية. ومثلُ هذه النباتات الطفيلية لا يُستأصل أبدًا استئصالًا تامًّا.

وكما عند أكثر الأمم القديمة، نسبوا إلى طيران الطير أو إلى حركات أصنافٍ من الحيوان وظهورها دلالةَ الفأل الحسن والفأل السيّئ. وقد جعل الإسلامُ هذا كلَّه كذبًا وزورًا أو من عمل الشيطان، ومع ذلك بقيت اللغةُ وفيّةً للوهم القديم، فظلّوا يقولون: طائرُه ميمون أو منحوس. وكانوا في العصر القديم يؤمنون بالزَّجْر إيمانًا تامًّا. وعُرفت قبيلةٌ عربية (بنو لِهْب) بالحذق البالغ في تأويل زجر الطير. فيُروى أنّ رجلًا هرب من السجن فرأى في هربه غرابًا واقعًا على شجرة بانٍ ينتف ريشَه وينعِق. فراعه هذا الفألُ السيّئ روعةً شديدة، ومرّ به بعد قليلٍ رجلٌ من بني لهب فسأله عن تأويل هذه العلامة، فقال له: تدلّ على أنّ صاحبَها كان في خطرٍ وقاسى السجن ثم نجا منه. ثم سار شوطًا آخر، فرأى على شجرة بانٍ غرابًا ينعِق وينتف ريشه. فقال له الرجلُ من بني لهب: إن صدق الطيرُ فسيُؤخَذ الرجلُ ثانيةً ويُقتَل ثم يُصلَب.1) ومثلُ هذه الأفكار

1) الأغاني XI. 45. قارن ريكرت: الحماسة I. 59.

253

أخذت تضعف شيئًا فشيئًا1)، ومع ذلك لم تزُل قطّ زوالًا تامًّا من روح الأمّة، بل بقيت في اللغة وفي الأمثال. وكذلك عُدّ من العلامات المشؤومة أن يقطع الصيدُ الطريقَ من اليمين إلى الشمال (البارح)، على حين عُدّ عكسُه (السانح) ميمونًا2)، وكان فألَ سوءٍ أن يستقبلك مواجهةً (الناطح).3) وكانت هذه الأفكار غالبةً على البدو، وأكثر الشعراءُ من استعمالها. ولكلّ كورةٍ ولكلّ ناحيةٍ أوهامُها الخاصّة. فمن ذلك أنّ وقوعَ الخُنفساء طائرةً على المرء كان يُعَدّ بالعراق فألًا حسنًا.4)

وأشدُّ ما خافوه العينُ، النظرةُ الشرّيرة، وهو وهمٌ باقٍ إلى اليوم. ورأَوا أنّ أعرضَ الناس لهذا الخطر من يجتذب الأنظارَ بجماله، فكانوا يسترونه بالحجاب اتّقاءً لذلك5)؛ أو يعلّقون عليه حرزًا من التمائم (قارن الكامل p. 329). ولذلك كانت الفتياتُ الحسانُ يشوّهن خدودهنّ بنقطةٍ سوداء.6) بل نرى من حكايات ألف ليلة وليلة أنّ الغلمان الحسان كانوا يُحبَسون خوفَ العين حتى يبدأ الشعرُ في نبات لحاهم.

وفي مجاميع الحديث القديمة أحاديثُ في العين (جمعها مسلم). ونسبوا إليها قوّةً مهلكة. فيروي كاتبٌ متأخّر أنّ رجلًا أهلك بعينه أسطولًا كبيرَ العدد.7) وكانت قدرتُها على قتل الناس والدوابّ

1) يقول بيتٌ قديم: ليست الطيرُ السريعةُ الطيران بجالبةٍ سعدًا، ولا في إبطائها نحس. الكامل p. 181.

2) Ibid. 182.

3) الأصفهاني I. 88.

4) ابن خلّكان، Slane I. 305، في مادّة جعفر البرمكي.

5) الأغاني VI. 33.

6) Ibid. XIV. 57.

7) المقّري IV. 439.

254

أمرًا لا يُشكّ فيه.1) على أنّ أشدّ الناس تعرّضًا للخطر أبدًا من كان جمالُه يأسر البصر. يقول شاعر: «تُخطئ العينُ من رأته فارتدّت عنه، وإنّما تصيب الصورَ التي تُهاج بها إلى الحبّ».2) — ومن ذا لا يذكر هنا الأسطورةَ القديمة عن أفاعي البازيليسك، أو رأسَ ميدوسا الذي كان نظرُه يقتل؟

ومن الطبيعيّ أنّهم التمسوا وسائلَ يتحصّنون بها من هذه الأخطار، وهي كثيرة. وقد ذكرنا قبلُ التمائمَ التي تُعلَّق على الأطفال؛ ويظهر أنّهم نسبوا إلى الرشّ بالدم أيضًا أثرًا حارسًا. ففي الجاهلية العربية كانت الأنصابُ والأصنام تُصَبّ عليها الدماء، كما عند العبرانيين، وفي العصر اليونانيّ القديم كانوا يرشّون بها تماثيلَ الآلهة والمذابح. وهو تصوّرٌ وثنيٌّ محض، بقي منه في الإسلام مثالٌ واحد لا يُبنى عليه شيءٌ البتّة. فلمّا سار موسى بن طارق إلى المغرب ليفتحه، وقع عليه طائرٌ فيما تقول الرواية. فأخذه موسى وذبحه ولطّخ ثيابَه بدمه، ثم نتف ريشَه ورمى به آخِرَ الأمر وراء ظهره وقال: هذا والله النصرُ الأكيد!3)

ولا يبعد عندي أن يكون طلاءُ أبواب البيوت بالألوان الحمراء، ولا سيّما بالحنّاء، على ما يُرى كثيرًا في بيوت الفلّاحين بمصر، ذا دلالةٍ من هذا القبيل، وأن يكون قد حلّ محلّ رشّ أبواب البيوت قديمًا بدم الأضاحي، تحصينًا للمساكن من العين؛ ولهذا الغرض نفسِه

1) ابن خلدون: المقدّمة II. 187.

2) سقط الزند I. 36.

3) IbnAdfry p. 26. وكان التلطّخ بدم الأضاحي معروفًا أيضًا في الجاهلية العربية، معجم البلدان II. 100.

255

يُعلَّق أيضًا أصلُ الصبِر، ويُرسم على الباب نفسِه خاتمٌ خماسيّ، ويُكتب معه في الغالب الطلسمُ: يا قِطمير.

ويظهر أنّ فكرة نجوم السعد ونجوم النحس المتحكّمة في مصائر الناس لم تصل إلى العرب إلا بمخالطة الأمم الأجنبية، ولم يسُد القولُ بأنّ هذا وُلد في طالع سعدٍ وذاك لم يُولد فيه إلا بانتشار النظرة الجبرية إلى العالم. ومن ذلك نشأ علمُ أحكام النجوم الذي يطلب استقصاء تأثيرات الكواكب.

أمّا الدورُ الأوّل في خيال العامّة فكان للشيطان، وقد دخل بالإسلام أوّلَ ما دخل ثم بلغ سريعًا شهرةً واسعة، وإلى جانبه بقي الإيمانُ الشعبيّ القديم بالأرواح، بالجنّ، الذين يعمرون الهواءَ والماءَ والأرض، حيًّا نضِرًا في روح العامّة. غير أنّ الشيطان أُقرّت له بوجهٍ ما السيادةُ على جنس الجنّ كلِّه، على حين أنّ الجاهلية العربية بنزوعها المناهض للملكية ونزعتها الديمقراطية الخالصة لم تكن تقبل جمعَ السلطات على هذا النحو في شخص سيّدٍ أعلى. وقد نقل العربُ فكرة الشيطان إلى دينهم تامّةً جاهزةً عن اليهودية والنصرانية. ولم ينسبوا إلى الشيطان أنّه يغري الناسَ بالمعصية ويجهد بلا انقطاع في صرفهم عن سبيل النجاة فحسب، بل عدّوه كذلك المفسدَ الخبيثَ الدائم الذي يجد لذّتَه في مشاكسة الناس وإغاظتهم حتى في أصغر الأمور. فإن سقط الإناءُ من يد مملوكٍ أخرقَ فانكسر، لعنوا الشيطانَ بوصفه المسؤولَ المعنويَّ عن هذه المُداعبة الخبيثة1)، وإلى يومنا هذا لا يزال

1) Goeje: Fragm. 337.

256

التصوّرُ نفسُه سائدًا. فإذا تناول رجلٌ من عامّة أهل دمشق الوقورين فنجانَ قهوته السوداء صباحًا على غير احترازٍ فأراقه، غمغم في لحيته بلعنةٍ على الشيطان، ولكن بصوتٍ خافت لئلّا يسمعه؛ فإن انقلبت عليه بعد ذلك نارجيلتُه فأحرق جمرُها المتّقد بساطَه أو حصيرَه، لم يعُد لضجره حدّ، وصاح بأعلى صوته مغتاظًا: بسّك يا ملعون1) (أي حسبُك هذه المرّة أيّها اللعين)، يريد أن يُفهم الشيطان أنّه قد أفرط اليومَ في لعبه الخبيث. ولعلّ الدمشقيّ الوقور يعزو هذه النكبة أيضًا إلى أنّه انتعل رجلَه اليسرى أوّلًا، فذلك ممّا كان يُتّقى أشدَّ الاتّقاء2)، تمامًا كما يُعرف عندنا أنّ النزول عن السرير بالرجل اليسرى أوّلًا مجلبةٌ للشؤم. ولهذا السبب نفسِه جرت القاعدةُ بأن تُتخطّى عتبةُ المسجد أو البيت باليمنى دائمًا.

واحتلّت الأرواحُ، الجنُّ، في حياة العامّة مكانًا يكاد يعدل مكانَ ذاك الذي يُكنّى عنه عندنا بـ«أعاذنا الله منه»، أي الشيطان. ويظهر أنّهم كانوا مستقرّين في معتقد العامّة قبل الإسلام، كما عند الأمم القديمة كلِّها، وبقي هذا الاعتقادُ على حاله في الأزمنة جميعًا إلى الحاضر. وفي أقدم مجاميع الحديث أنّ فتًى من أهل المدينة وجد حيّةً على فراشه فطعنها برمحه، ثم ركز الرمحَ أمام باب الدار والحيّةُ تلتوي على عوده في نزعها. وبينما هي في آخر اضطرابها خرّ الفتى ميتًا هو أيضًا. فلمّا حُدِّث النبيُّ بالخبر قال: إنّ بالمدينة جنًّا قد أسلموا. فتكون هذه

1) «بسّ» في لغة العامّة بمعنى «قط» في العربية القديمة. 2) الإحياء IV. 117.

257

الحيّةُ واحدًا من أولئك الجنّ.1) وكانوا يميلون على العموم إلى تصوّرهم في هيئة الحيّات. وعُدَّت الحيّاتُ البيضُ على الخصوص من الجنّ. ومرّ سيّدان بغيضةٍ ملتفّة، فعزما — كما تقول الرواية القديمة — على النزول بها، وأضرما فيها النار ليُصلحاها للزرع. فهربت منها حيّاتٌ بيضٌ كثيرة وطارت، ومات السيّدان بعد ذلك بقليل. فزعم الناسُ أنّ الحيّات كانت جنًّا.2) وكانت بمكّة روايةٌ قديمة أنّ جنّيًّا زار الكعبة في صورة حيّةٍ ليتعبّد فيها فقتله أهلُها، فكان ذلك سببَ حربٍ مهلكة بينهم وبين الجنّ. فمات المكّيّون من جرّائها خلقًا كثيرًا، غير أنّهم انتقموا منهم بقتل كلّ ما وجدوا من الحيّات والعقارب والخنافس ونحوها، حتى سأل الجنُّ آخِرَ الأمر الصلح.3) وكانوا على العموم يميلون إلى نسبة الأوبئة والطاعون إلى الجنّ. ومن هذه الأفكار نشأ لا شكّ في أقدم العصور تعظيمٌ للحيّات قائمٌ على الوهم؛ ولذلك نهى محمّدٌ أيضًا عن قتل حيّات البيوت4)، وربطت أقدمُ روايات مكّة المحلّية بالكعبة حيّةً ذاتَ سرّ. وتصوّروا هذه الكائنات في أشكالٍ شتّى، تظهر في صور الحيوان وصور البشر، وتعمر الهواءَ والأرض، بل تسكن أعماقَ البحر. وعند المفسّرين القدماء أنّها ترتفع إلى أبواب السماء لتسترق السمعَ إلى الأسرار الإلهية، فترميها الملائكةُ هناك برماحٍ من نار، تبدو لأهل الأرض في الليالي الصافية

1) الموطّأ IV. 209. 2) الأغاني XX. 1365. 3) ابن عربي: المسامرات II, 45.

258

شُهبًا منقضّة.1) واعتقدوا أنّ هؤلاء الجنّ يخالطون الناسَ أيضًا، تارةً لنفعهم وتارةً لضرّهم. فيُقال إنّهم اختطفوا أناسًا، وإنّ جنّيّاتٍ من جهةٍ أخرى تزوّجن بالإنس. وفسّروا الصرعَ بأنّه مسٌّ من الجنّ، وفي خبرٍ قديم2) أنّ رجلًا كانت تغلبه في السنة مرّةً ابنةُ ملك الجنّ وكانت تهواه، فيبقى مدّةً كالميت حتى تفارقه.

وزعمت العامّةُ أنّ الجنّ يتحوّلون إلى أيّ صورةٍ شاؤوا، أمّا الغيلان فتحوّلُها ناقص، تبقى لها أبدًا أرجلُ الحمير ولو تصوّرت في صورة امرأة.3) وكانت مراكبُ الجنّ من الحيوان كلِّه، ما خلا الأرنبَ والضبع. وأكثرُ ما تركب القنافذَ والوَرَل والجراد؛ ويُروى بيتٌ زعموا أنّهم سمعوه من الجنّ، وهو:

المراكبُ كلُّها عندنا سواء، وما شيءٌ أحبَّ إلينا وأطيبَ من ركوب الجراد؛ وكذلك ما يُقاس شيءٌ بقنفذٍ يخُبّ في مقدّمة قافلةٍ من عناكبَ ضخام.4)

وعند علماء الكلام أنّ جانبًا عظيمًا جدًّا من الجنّ أسلموا وبايعوا النبيّ.5) ولذلك جاء في حديثٍ قديمٍ جدًّا أنّ النبيّ أوصى الراعيَ، وهو وحدَه مع غنمه في البادية، أن يرفع الأذانَ بأعلى صوته إذا حضرت الصلاة، فإنّه

1) النيزك، والكلمة معرَّبةٌ عن الفارسية: نيزه، أي الرمح، ومنها نشأت الأسطورة.

2) الأغاني III. 119.

3) المسعودي III. 315، 319.

4) الأصفهاني II. 370، 371.

5) الشفا I. 305، 306.

259

لا يسمعه جنّيٌّ ولا إنسيٌّ إلا شهد له يوم القيامة.1) وكانت البادية على الخصوص مأوى الأرواح الخبيثة التي تطارد الإنسان، الغيلانِ والسعالي، ويُروى في الشعر القديم من مآثر غير بطلٍ نزالٌ ظفِر فيه بمثل هذه الشياطين.2) وقد وقع أيضًا أن تزوّجت سعالٍ بإنس. فيُروى أنّ عمرو بن يربوع كانت عنده سِعلاة. وزعموا أنّ السعالي لا تثبت إذا برق البرق، بل تهرب من فورها متى رأته. ولذلك كان هذا الزوجُ يحرص على أن تكون امرأتُه وراء الخباء متى برق. ويقال إنّها ولدت له عدّةَ أولاد؛ ثم برق البرقُ ليلةً وهي في العراء، فوثبت على قَعودٍ وهربت وهي تنادي زوجها:

يا عمرُو ارعَ البنينَ فإنّي راحلة: لقد لمع البرقُ فوق بلاد السعالي.3)

وهؤلاء سكّانُ البادية من الأشباح شغلوا خيالَ العامّة منذ القديم أشدَّ الشغل، ولهم في الشعر والحكايات موضعٌ كبير. فإذا سمعوا في الليالي الساكنة ذلك الصوتَ الذي لا يُحدّ وهو مع ذلك بيّنٌ جدًّا، ممّا تُحدثه أصواتُ الملايين من الحشرات وسائر حيوان البادية وقد تداخلت، ظنّوه عزيفَ الجنّ؛ ويصف عنترة ليلةً في البادية وصفًا بالغَ الشعرية فيقول:

والغيلانُ تغيب عنّي أحيانًا، ثم تعود فتبدو كضوء مصباحٍ يخفِق؛

1) البخاري 1991، 1992. 2) تأبّط شرًّا. 3) شرح سقط الزند II. 39.

260

زُرقُ العيون، سودُ الوجوه، ولها مخالبُ كحديد المناجل. والجنُّ تمرح في غياض البادية بأزيزٍ وعزيفٍ لا يُفهم.1)

وكانوا يتصوّرون على الخصوص أنّ مساكن هذه الكائنات المروِّعة هي الأوديةُ الصخرية الموحشة المنقطعة وسط البادية الخالية من الناس، أو الغياضُ الملتفّة، ويرون أنّ من ضلّ إليها فقد هلك لا نجاةَ له. وأدلُّ ما أعرفه من هذا الضرب من الوصف قتالُ عنترة الجنَّ، وفيه يذهب ابنُه غضبان ضحيّة. وأنا أورد هنا هذه الحلقة الشديدة الشعرية.

«سار عنترةُ في البادية ومعه فرسانُه من بني عبس، يقتفي أثرَ أخيه شيبوب، حتى انتهَوا إلى وادٍ صخريٍّ ضيّقٍ موحش. فإذا هم فجأةً بخمسة فرسانٍ سودِ الوجوه مقبلين عليهم، خلقًا كالعمالقة حقًّا؛ وخيولُهم أيضًا شديدةُ السواد. عليهم الدروع، وبأيديهم السيوفُ والرماح، وقد لاثوا على رؤوسهم عمائمَ ملوّنة. وأراد عنترةُ أن يعلم أأعداءٌ هم، فأمر ابنَه غصوبًا أن يخرج إليهم ويسائلهم. غير أنّ أخاه غضبان سبقه؛ فما تردّد أن نخس فرسَه بالمهماز2)، وأشرع رمحَه، وحمل عليهم كالعاصفة وهو يصيح بهم: أخبِرونا من أيّ قبائل العرب أنتم، وإلا فانزلوا عن الخيل واخلعوا الدروع والتمسوا النجاة بالفرار؛ فإن كنتم أصدقاء فأنتم في أمانٍ وحرّية!

وما كاد غضبان يفرغ من كلامه حتى حمل عليه أحدُ الفرسان السود يريد

1) عنترة LXXVIII. 111، وبدل «lä toghfal» يُقرأ: «lä tokal».

2) دفعًا لسوء الفهم أنبّه إلى أنّ الشرقيّ لا يعرف المهماز، وإنّما ينخس فرسَه بالركاب وحده. والركابُ نفسُه لم تعرفه الجاهليةُ العربية. قارن نصبَ Sadawam في Z. d. D. M. G. Bd. XXX.

261

أن يجتذبه عن سرجه، فلم يقدر على ذلك؛ وقاتله غضبان — ولم يلقَ قطُّ حملةً بهذه الشدّة — زمنًا طويلًا من غير أن ينال منه، ثم وجد الفرصةَ أخيرًا فضربه بالسيف ضربةً هائلة على عنقه، فنبا السيفُ عنه. فجمع غضبان قوّته كلَّها وكرّ ثانيةً وضرب ضربةً أخرى، فتحطّم النصل. فأخذ الرمحَ وطعن طعنةً عظيمة، فانكسر العود. وعندها انتقل الأسودُ إلى الهجوم، فقبض عليه واجتذبه عن سرجه ورفعه عاليًا في الهواء ثم ضرب به الأرضَ فتكسّرت عظامُه قطعًا… ثم زفر زفرةً عميقة تطاير معها الشررُ من عينيه ومنخريه. وسُمع من قرار الشِّعب عواءٌ مفزع وصياحٌ وحشيّ. ولمّا رأى عنترةُ ابنَه يلقى حتفَه على هذا النحو، أمر رفيقيه الشجاعين، عروةَ وابنَه غصوبًا، أن يحملا عليهم. فحملا بشجاعة، فتطايرت النصالُ قطعًا وتكسّرت الرماح. فلم يصبر عنترةُ بعد ذلك، بل انتزع رمحَه من الأرض وحرّك جوادَه وحمل على أحد الفرسان السود، فلمّا طعن برمحه طعنةً لا يُحسنها إلا عنترة، تطاير العودُ أربعَ قطع؛ ثم استلّ سيفَه المشهور وحمل على آخر، وتحامل بقدميه في الركابين وضربه على أمّ رأسه، فزلّ النصلُ عنه من غير أثر. فطاش عقلُه؛ ولم يبقَ من صحبه غيرُ خمسةٍ أحياء، ورأى أنّهم هالكون جميعًا بلا سيوفٍ ولا رماح، فما هو قتالُ إنسٍ بل قتالُ جنّ. فنادى أصحابَه: التمسوا النجاة بالفرار، فلا تنفع هنا جرأةُ المِقدام إذا خانت السيوف! فولّى عنترةُ مع ابنيه ومن بقي حيًّا من فرسان عبسٍ الخمسة

262

هاربين، وسمعوا خلفهم من الوادي صياحًا مروِّعًا، وتصاعدت سحائبُ الدخان، ورقد الغبارُ فوقها كسقف خباء».1) — أمّا كيف ثأر عنترةُ بعد ذلك لابنه وقتل الفارسَ الشبح بيده، فليس هذا موضعَه.2)

ولمثل هذه الحكايات عن الجنّ سلطانٌ هائل على خيال العامّة على الدوام، ولذلك عُني بهذا الباب عنايةً خاصّة في الأدب الخفيف، في الروايات والحكايات.

وأمّا أخطارُ عالم الأرواح هذا — ولم يكن أحدٌ يجرؤ على الشكّ في حقيقته — فقد رأَوا أنّ خيرَ ما يتحصّنون به منها أدعيةٌ بعينها وعزائمُ وتمائمُ وطلاسم؛ ونسبوا إلى السحرة قدرةً على النفع بفنونهم بقدر قدرتهم على الضرّ، بأنّهم يُحسنون تسخير الجنّ واستخدامَهم في أغراضهم. وأقدمُ ما بقي من صيغ العزائم سورتا القرآن C XIV (KIT und CIV): «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ. مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ. وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ3). وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ». — «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. مَلِكِ النَّاسِ. إِلَٰهِ النَّاسِ. مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ (أي الشيطان) الْخَنَّاسِ. الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ. مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ». —

ونسبوا إلى هاتين الصيغتين أعجبَ الأثر في كلّ شدّةٍ وخطر. وهذا الاعتقاد

1) عنترة CXVIII. 468. ff.

2) Ibid. CXLIV. 300.

3) كان النفثُ في العُقَد ضربًا من السحر، يعقد الساحرُ في خيطٍ عُقدًا، ويقول عند كلّ عقدةٍ صيغًا بعينها أو ينفث فيها.

263

قائمٌ حتى في زماننا هذا لم يضعف، ولم يمنع ذلك أن اختُرعت فيما بعدُ صيغٌ أخرى لا تُحصى من هذا النوع، نافعةٌ حارسة، بعضُها يعمل بالتلاوة والقراءة، وبعضُها — على ما جرت به العادة فيما بعد — بأن يُلعَق المكتوبُ أو يُغسَل ويُشرَب ماؤه. وكانت هناك أيضًا وسائلُ لا تُحصى لدفع السحر وعمل السَّحَرة.1) وكان الناسُ يخافون هذه الفنونَ خوفًا شديدًا، وأراد خيالُ العامّة أن يرى أثرَها في كلّ ما يمكن من الحوادث؛ فإن مرض أحدٌ قيل مسحور، وإن نزلت بأحدٍ نكبةٌ لم يحتسبها فالسحرُ في الأمر. وعُدَّت بابلُ على الخصوص موضعًا موقوفًا على السحر، فهناك — فيما زعموا — سُجن الملَكان الساقطان هاروتُ وماروت يقاسيان عقابَهما، ومن هناك كان الناسُ يأخذون عنهما تعليمَ السحر. وكانت الطريقة التي تنتقل بها الساحراتُ إلى هناك قريبةً جدًّا من الطريقة التي يُقال إنّ ساحراتنا استعملنها: فقد كنّ يركبن كلابًا سودًا ينتقلن عليها إلى بابل في لحظة.2) على أنّ الجبال العالية المنقطعة عُدَّت أيضًا مجتمَعًا للسَحَرة والساحرات، ومنها مثلًا جبلُ دماوند.3)

وعُدّ من مواضع السحر واستحضار الأرواح كذلك كهفٌ في جنوب جزيرة العرب يُسمّى Haud-Kowwir. واعتقدوا أنّ المرء يستطيع أن يتعلّم فيه السحر. وكان عليه لذلك أن يذبح عنزًا سوداء ويقطّعها سبعةَ أجزاء يحملها إلى الكهف؛ ثم يأخذ الأحشاء فيتلطّخ بها، ويتغطّى بالجلد

1) كانوا في السحر يضعون على رأس الشخص إناءً فيه ماء، ثم يصبّون فيه رصاصًا مذابًا، ثم يدفنونه في الأرض في مكانٍ مكشوف. تزيين الأسواق، Fol. 99 r.

2)Arkis 54.

3) ابن حوقل 265.

264

مقلوبًا، ويمضي إلى الكهف في جوف الليل. والشرطُ المتقدّم أن يكون المتعلّمُ عديمَ الأبوين. فيضطجع في الكهف وينام، وقد قرّر في نفسه قبل ذلك حاجتَه التي يريدها. فإن وجد عند استيقاظه أنّ بدنه قد طهُر من كلّ نجاسة، فتلك علامةُ أنّ مطلبه قد قُضي. ثم يخرج من الكهف، غير أنّ عليه أن يلزم الصمتَ ثلاثةَ أيامٍ لا يُخِلّ به. فإذا انقضى هذا الأجل صار ساحرًا.1)

وكانوا على كلّ حالٍ يفرّقون بين المعزِّمين والسَحَرة. فالأوّلون — فيما اعتقدوا — إنّما ينالون السلطانَ على عالم الأرواح بالتقوى وخشية الله وبالتقشّف وكبح الشهوات، على حين أنّ السَحَرة يسخّرون الأرواحَ الخبيثة بالقرابين وبالجرائم والموبقات.2) وعلى الأخصّ كانت معرفةُ اسم الله الأعظم هي التي نُسبت إليها القدرةُ على الإتيان بالخوارق وحملِ الأرواح على الطاعة. واتّخذ كثيرون من هذا الاعتقاد عند العامّة معاشًا، وصارت صناعةُ العزائم والتمائم والطلاسم حرفةً، ربحُها أوفر كلّما كان السُّذّجُ أسرعَ إلى قبول هذه الأكاذيب. وهذه الطائفةُ التي لا تُحصى من المعزِّمين والكهّان وقارئي الطوالع والمشعوذين وأصحاب الخفّة والمنجّمين وضاربي الرمل، وهي في الشرق قديمةٌ جدًّا، وجدت في مثل هذه الأفكار أرضَها وتربتَها فنبتت فيها نباتًا وارفًا. والإسلامُ الذي حارب سائرَ الموروثات الشعبية القديمة محاربةً جذرية، وقف أمام هذا الاتّجاه عاجزًا، واضطرّ إلى قبول تسامحٍ مفروضٍ عليه. وأخيرًا صارت قاعدةً مقرّرة عند علماء الكلام المحمّديين، وآراؤهم هي التي تحكم الدولة، أنّ

1) معجم البلدان II. 357. 2) الفهرست 308.

265

السحرَ والطلسمات من العلوم المباحة وإن كانت مذمومة.1) ولذلك لم يقع قطُّ اضطهادٌ منظَّم للساحرات والسَحَرة، وإن لم تخلُ الحالُ بالطبع من وقائعَ ساءت فيها عاقبةُ هذا المشعوذ أو ذاك الساحر. فمن ذلك ما يرويه مؤرّخٌ قديم: كان في قريةٍ قرب الكوفة يهوديٌّ يقال له بَطروني، مشتهرٌ بأنّه ساحرٌ حاذق. فأمر واليُ الكوفة باستدعائه إلى المسجد ليُريَه أعاجيبه. فأحضر اليهوديُّ نفرًا من الجنّ، وأخرج ليلًا في صحن المسجد بالسحر صورةَ ملكٍ على فرسٍ أعظمَ من خلق البشر2)، ثم أتى أيضًا بأعجوبةٍ أخرى: ضرب عنقَ إنسانٍ ثم أعاد رأسَه إلى موضعه. غير أنّ واحدًا من الحاضرين، رجلًا تقيًّا، غضب لهذه الأفاعيل الشيطانية، وأيقن أنّ السحر الحقيقيّ داخلٌ فيها، فاستلّ سيفه وضرب عنق الساحر ضربةً واحدة.3) وهذه الخاتمةُ دالّةٌ على ذلك العصر وذلك الشعب. فلو كان ذلك في القرون الوسطى النصرانية لمُجِّد الفاعلُ ولرُئي أنّ الساحر اليهوديّ لقي ما يستحقّ. أمّا الوالي العربيّ فرأى غير ذلك: أمر باعتقال الفاعل من فوره وأراد قتله.

وفي المدن الكبرى انحسر الوهمُ سريعًا إلى حدودٍ أضيق. وصار الكهّانُ والسَحَرة عمّا قليلٍ موضعَ السخرية، فإنّ أهل الريف وحدهم هم الذين لا ينفُذ إليهم الشكّ، على حين أنّ سرعة تناقل الأفكار وكثرة الاحتكاك في المدن تُنمّي السخريةَ والفكاهة والشكّ. ولعلّه كان ببغداد زمنٌ كانت فيه العامّةُ أشدَّ شكًّا ممّا عليه أهلُ باريس اليوم. وقد حفظ لنا ابنُ حمدون مشهدًا بديعًا من حياة الشارع في العاصمة،

1) الإحياء I. 36. 2) فقد كان الفانوسُ السحريّ إذًا معروفًا في ذلك الزمان. 3) المسعودي IV. 266.

266

وهو دالٌّ على ذلك حقًّا: كان بائعُ تمائمَ يجتذب الناسَ بحكاياتٍ مضحكة: فكانت العامّةُ تتلهّى بنوادره ولا تشتري منه شيئًا. فاحتال هذه الحيلة: نادى بأعلى صوته أنّهم إن اشتروا تمائمه واحدةً واحدةً بدرهم، فهو مستعدٌّ متى نفد ما عنده أن يُريَهم أعجوبةً لم يرَ الناسُ مثلها قطّ، وهي أن يغوص بلحمه وشحمه في المِحبرة القائمة أمامه، بقوّة اسم الله الأعظم المكتوب على التميمة. فكان لذلك الأثرُ المطلوب، ونفدت التمائمُ في لحظة، وحصّل بها مالًا حسنًا. فلمّا نفد صبرُ الناس ينتظرون غوصَه في المحبرة، قام ونزع ثيابه على مهل، وتقهقر خطوتين ليأخذ مدى الوثب، حتى ظنّ المتفرّجون أنّ الأمر قد بدأ. وإذا بامرأةٍ تشقّ صفوفَ الناس فجأةً وتتعلّق به وتصيح بصوتٍ حادّ: أيّكم أيّها المتفرّجون يضمن لي قوتي؟ وإلا فلن أدع زوجي يغوص، فإنّه فعلها العامَ الماضي فبقي في المحبرة ستّة أشهر، بقيتُ فيها بلا خبز!1)

وفي روح الأمّة العربية ميلٌ خاصّ إلى السخرية من كلّ شيء وإلى نقد كلّ شيء: «nil admirari» كانت هناك حكمةً قديمة في الحياة. ولذلك استيقظ الشكُّ باكرًا في المدن الكبرى. وكان القرنان الثاني والثالث بعد محمّد زمنَ ازدهاره، وفيهما وُجّهت أولى الطعنات إلى أوهام العامّة. فأنكرت مدارسُ من العلماء حقيقةَ السحر2)، وأنكر قومٌ وجودَ

1) ابن حمدون II. 129 v.

2) المعتزلة والرافضة والدهرية، على ما في الشعراني: اليواقيت I. 199.

267

الجنّ والأرواح.1) بل صيغ الشكُّ نظامًا علميًّا يقضي بأنّ المدركات الحسّية كلَّها غيرُ موثوقة، فيضع كلَّ شيءٍ موضعَ الرِّيبة.2) ولقيت هذه الآراءُ من القبول ما جعل أتباعَ هذا المذهب يظهرون في خلافة المأمون مدرسةً فلسفية قائمة بذاتها باسم الشُّكّاك (الحُسبانية).3)

بل يُنسب إلى واحدٍ من كبار أصحاب النظر العقليّ (أبي هاشم)4) قولُه: إنّ أوّلَ ما تقتضيه المعرفةُ الشكّ (awwal olwägibätiala-litlaki howa-lshakk).

على أنّ مثل هذه الأفكار لم تنتشر إلا في المدن وبين الطبقات المتعلّمة، على حين هبط جمهورُ غوغاء المدن إلى رعاعٍ منحطّين لا يعنيهم في صراعهم مع ضنك العيش شيءٌ من المسائل العقلية والدينية، ولا ينحازون إلى جانبٍ إلا إذا رجَوا فرصةً للنهب. أمّا في الريف، عند أهل الفلاحة، فقد ساد أفظعُ الوهم دائمًا، ونبتت تحت الغطاء المحمّديّ أفكارٌ وموروثاتٌ كثيرة من الوثنية القديمة السابقة على محمّد. ولم يبقَ

1) النظّام: الشهرستاني I. 59.

2) أبو الهذيل العلّاف، تُوفّي 227هـ (841—42م)، ألّف كتابًا في الشكوك. قارن ابن خلّكان طبعة فوستنفلد Nr. 617؛ Slane II. 668.

3) في العقد I. Fol. 97 و98 خبرٌ دالٌّ حقًّا عن مناظرةٍ جرت بين واحدٍ من هؤلاء الشُّكّاك وبين ثمامة بن أشرس، خرج منها ثمامةُ ظافرًا وختمها بأبياتٍ ارتجلها يسخر فيها من الشكّ؛ ومنها هذا على سبيل المثال: لعلّ آدم أمُّنا وحوّاء أبونا — ولعلّ الطيور التي تراها بيضًا غربان — ولعلّك إذا جلستَ كنتَ سائرًا، ولعلّك إذا أقبلتَ كنتَ مبتعدًا — ولعلّ البنفسج نبتٌ منتن، ولعلّ المنثور ليس إلا سَذابًا — ولعلّك تأكل القذَر وأنت تحسبه زبيبًا. —

4) أبو هاشم تُوفّي 321هـ (983م)؛ وبخطأٍ في الكتابة ذُكر في مقدّمة المجلّد الأوّل IV وفي S. 482 النظّامُ على أنّه صاحبُ هذه المقولة. قارن الطرسوسي: الأنموذج Fol. 35 v.

268

من ذلك إلا القليل، غير أنّ واقعةً عجيبةً جدًّا دخلت مع ذلك في حوليّات ذلك الزمان. كان ذلك سنة 456هـ، وفي شهر ربيع الأوّل منها، إذ شاع أنّ الناس رأوا في البادية بالعراق وخوزستان والبلاد المجاورة لهما خيامًا سودًا يخرج منها العويلُ والنياحة، وسُمع فيها منادٍ ينادي بأعلى صوته: مات صيدوك ملكُ الجنّ، وكلُّ بلدٍ لا يُبكى عليه فيه ولا تُقام النياحةُ إكرامًا له فسيَهلك!

فلم يتوانَ الغوغاءُ عن امتثال الأمر، فخرجت النساءُ إلى المقابر ينُحن ناشراتِ الشعور، وشارك في ذلك رجالٌ كثيرون أيضًا.

فإن شكّ شاكٌّ أهذا آخرُ صدًى شعبيّ لعيدٍ وثنيٍّ قديم للحزن أم لا، فإنّ كلّ ريبةٍ تزول بأنّ حادثةً مثلها تكرّرت سنة 600هـ (1203—4م). فقد ظهر بالموصل وما حولها، وكذلك بالعراق، داءٌ خبيث في الحلق أهلك خلقًا كثيرًا. فشاع أنّ امرأةً من الجنّ فقدت ابنَها واسمُه عنقود، وأنّ من لم يقم عليه النياحةَ أدركه الداء. فخرج الناسُ جموعًا بالصياح والنُّواح وهم ينشدون: يا أمّ عنقود لا تغضبي علينا، ما علمنا أنّ عنقود قد مات!1)

1) ابن الأثير X. 28. ابن الوردي I. 371. وشهرُ ربيع الأوّل من سنة 456هـ يوافق 22 فبراير إلى 23 مارس 1064، فيقع إذًا مع آخر الشتاء وأوّل الربيع؛ فالأرجح أنّ النَّوح كان على السنة الراحلة، جريًا على عادةٍ شعبية فارسية قديمة. ويُحتمل أنّ الأهالي كانوا يقيمون هذا العيد في كلّ سنةٍ في خفاء، ولكنّه لم يلفت المؤرّخين — وهم عادةً قليلو الاكتراث بمثل هذه الأمور — إلا في ذلك الحين، ولعلّه أُقيم يومئذٍ بحشدٍ أكبر من المعتاد.

269

أمّا القسمُ الأصيلُ من الأمّة العربية الذي بقي غيرَ مختلط، أي القبائلُ التي ظلّت على حياة الرعي والبداوة، البدوُ، أهلُ وسط جزيرة العرب، وهم وحدهم في الحقيقة من حفظ الروحَ القومية القديمة — إذ كان سائرُ سكّان المدن والكور المفتوحة قد اختلط بالعناصر الأجنبية اختلاطًا بالغَ الحدّ — فقد بقُوا في أمور الدين على لامبالاةٍ تامّة، لا يراعون من أشكال الإسلام إلا ظاهرَها، ويتمسّكون بعادات الأمّة القديمة وموروثاتها تمسّكًا يُعجب المرءَ صلابتُه. ولذلك لم يتسرّب إليهم الفسادُ الخلقيّ الذي حلّل سكّان المدن، وإنّه لصادقٌ جدًّا ما يُروى من أنّ بدويًّا أجاب سيّدًا كبيرًا من أهل المدينة عيّر قبيلتَه بما ارتكبته من قطع الطريق على درب الحاجّ بين مكّة والبصرة، فقال: على الأقلّ ليس فينا نقّابو بيوت، ولا نبّاشو قبور، ولا شهودُ زور، ولا مغوو غلمان.1) ويقول شاعرٌ ذكيّ (المعرّي) في بعض مقطوعاته، ساخرًا من دَغَل أهل المدن وغشّهم:

في البادية يسكن سُرّاقُ الإبل، وفي المدينة منهم أصنافٌ أُخَر، هؤلاء يُسمَّون العدولَ والتجّار، وأولئك يقال لهم ببساطة: بدو!2)

ولئن كان أهلُ المدن قد ألِفوا شيئًا فشيئًا أن يتضاحكوا من الأوهام القديمة في السَحَرة والساحرات والجنّ، بل أن يرتابوا في ميدان العقائد نفسِه في بعض ما أُفرط فيه من الدعاوى، فقد حلّ سريعًا محلَّ الأوهام التي طرحوها وراءهم سلسلةٌ من

1) ابن حمدون I. Fol. 335.

2) اللزوميات. وقد نشرتُ نصَّ القصيدة منذ ذلك الحين في المجلّد XXX من Z. d. D. M. Ges. S. 49.

270

أفكارٍ جديدةٍ حديثةِ النشأة، ولّدتها أحوالُ الزمان بعد تغيّرها. ويظهر أنّه لا بدّ من قدرٍ معيّنٍ من الوهم، وأنّ عمل الخيال يُنتج مثلَ هذه الصور بغير إرادةٍ كما لا بدّ لعقل أفظّ الأمم أن يُنتج اللغة، مهما تكن ناقصة.

وهكذا نشأ في الأمّة المحمّدية نفسِها الاعتقادُ بالأولياء، وقد بدأ بتعظيم النبيّ وأقربِ أهله وخلفائه وأصحابه، ثم أنشأ عمّا قليل مجمعًا كاملًا من الأولياء، وأخذ تعظيمُهم القائم على الوهم يزداد شأنًا حتى وجد المفكّرُ الكبير المعرّي نفسَه مدفوعًا إلى محاربته، فقال:

يُعظِّم الناسُ رُفاتَ رجلٍ ميّت في اعتقادٍ من التقوى، وهي إذا مرّت عليها السنون صارت هباءً منثورًا.1)

ومنذ ذلك الحين طردت النزعةُ التعبّدية في الوهم سائرَ ضروبه، واشتدّت مع تزايد الانحطاط اشتدادًا بلغ بها أن تملّكت روحَ الأمّة تملّكًا يكاد يكون خالصًا. فلم يقتصر الناسُ على تعظيم رُفات المشايخ الصالحين الراحلين تعظيمًا يكاد يكون عبادة، بل بذلوا للزهّاد والنسّاك والسادة الصالحين من الأحياء تعظيمًا بلا حدّ؛ وكلّما هبطت الحضارةُ درجةً ازداد ضياعُ الروح العربية القديمة — وقد كانت من قبلُ يقظةً، جريئةً في التفكير، شامخةً في تحليقها — في أَجَمَةِ نزعةٍ تعبّديةٍ محضة تلتفّ عليها التفافًا يزداد شيئًا فشيئًا، تُكسِب النظرةَ إلى الحياة كلَّها طابعًا جديدًا وتخنق كلَّ وثبةٍ نضِرةٍ للعقل؛ فيصير طبعُ الأمّة كئيبًا، حالمًا، نافرًا من الناس؛ وبدل مجالس الطرب والأعياد المرحة صار

1) اللزوميات. Z. d. D. M. Ges. Bd. XXIX. S. 310.

271

الناسُ يملؤون ساعاتِ فراغهم بالرياضات الزهدية والأوراد الصوفية (الذِّكر)، بعد أن كان الغالبُ عليهم فرحَ الحياة وطِيبَ الاستمتاع والأنس. وبدل المناهدة1) — وهي أن يُسهم كلُّ واحدٍ بنصيبه في وليمةٍ مشتركة — صاروا فيما بعدُ لا يجتمعون إلا على أورادٍ دينيةٍ تُميت العقلَ وعلى إنشاد الأناشيد. وجاء حكمُ الأجانب وتعاطي المخدّرات المستحدثة من البَنْج (الأفيون) والحشيش فأتمّا ما بقي، حتى أوهنا أمّةً من أوفر الأمم استعدادًا وهنًا تامًّا. وذهبت الأنَفةُ التي كانت من قبلُ حيّةً ذهابًا كاملًا؛ وحلّ الدهاءُ الوضيع والتصنّع محلَّ الكبرياء القديمة الرجولية والصراحة النبيلة. فبينما يقول شاعرٌ من زمن الصلاح (إبراهيم بن العبّاس): دَعِ التصنّعَ لغيرك وامضِ على الطريق المستقيم، حتى يعرفك العدوُّ والصديق2) — أمكن شاعرًا متأخّرًا أن يقول: القَ عدوَّك بوجهٍ لا قَطوبَ فيه، يقطر من ماء البِشر، فإنّ أعقلَ الناس من لقي أعداءه وهو يُضمر الحقدَ في صدره تحت ثوب المودّة.3)

وأخذ الاستسلامُ الجبريّ للقضاء المحتوم يشلّ قوّةَ العمل شيئًا فشيئًا، ويطبع حياةَ الأمّة بخاتم الموت. وبدل النشاط القديم الواثق بنفسه، صار من الشائع أكثرَ فأكثر أن يُترك الأمرُ كلُّه لله (التوكّل)، وأن يقعد المرءُ واضعًا يديه في حِجره. وهكذا فسد الشعبُ خلقيًّا وأدبيًّا، بل فسد بدنيًّا أيضًا، فإنّ الظاهر أنّ النمط العِرقيّ قد تبدّل شيئًا فشيئًا تبدّلًا كبيرًا؛ فبينما يقول شاعرٌ قديم4) واصفًا رجال العنصر الكريم:

1) الأصفهاني I. 430.

2) Ibid. II. 6.

3) Ibid. I. 157.

4) حسّان بن ثابت، وكان معاصرًا لمحمّد. قارن الجواليقي 101. الأصفهاني II. 171.

272

«بيضُ الوجوه، كرامُ النسب، دقيقو الأنوف (شُمّ الأنوف): على الطريقة القديمة» — أمكن متأخّرًا أن يقول في أهل زمانه، معارضًا هذه الأبيات: «سودُ الوجوه، لئامُ النسب، غلاظُ الأنوف (ضُخم الأنوف): على الطريقة المتأخّرة».1)

1) كانوا يَعُدّون بياضَ الوجوه على العموم علامةَ كرم المحتِد. والأنفُ الطويلُ الدقيق سِمةٌ من سمات العِرق الساميّ، لفتت انتباهَ الصينيين أنفسِهم. يقول المؤلّفون الصينيون في زمن أسرة تانغ (618—907م) عن دولة الخلافة (Ta-shi-kuo): كانت بلادُهم فيما مضى جزءًا من فارس. وللرجال أنوفٌ كبيرة ولحًى سود: Bretschneider: On the knowledge possessed by the Chinese of the Arabs and Arabian Colonies. London 1871. ويقول الشاعر الفرزدق واصفًا الأنباط: أنوفٌ أعجمية تغطّيها لحًى نبطية. Divan de Ferazdak p. 30.

273

التجارة والصناعة.

لا بدّ أن تكون النهضةُ العظيمة التي نهض بها المجتمعُ المحمّديّ في ظلّ الخلافة، وقد حاولنا وصفَها في الفصول السابقة، قد أثّرت أثرًا باقيًا في تداول السِّلَع، في التجارة، وكذلك في القدرة على الاستهلاك وفيما يتوقّف عليها من الإنتاج. وتكرّرت تلك الظاهرةُ التي تلازم دائمًا عصورَ ازدهار الحضارة: أن تتضافر أسبابٌ شتّى فتسقط فجأةً الحواجزُ القومية والدينية الفاصلة بين البلدان والأمم، وتنشر حرّيةُ التبادل الكاملة بركاتها بلا عائق. كذلك كان الأمرُ حين أعطت رومةُ سيّدةُ العالم شرائعَها للأمم وجعلت البحرَ المتوسّط بحيرةً لاتينية داخلية، تسير عليها أساطيلُ التجارة من أقاليم الدنيا الثلاثة تتبادل منتجاتها في سِلْم. ووقع عصرٌ مثله من النهوض حين بلغت الخلافةُ ذروةَ مجدها. فقد ساد شرعُ القرآن من سواحل الهند إلى جبال البرانس، وغطّت سفنُ التجارة العربية البحرَ المتوسّط والمحيطَ الهنديّ جميعًا، وشقّت طرقُ القوافل الكثيرةُ الأقاليمَ المتاخمة فحملت تجارةَ البرّ. وأمّا ما كان يعسّر تبادلَ السلع تعسيرًا شديدًا في العصور القديمة — أي المكوسُ الداخلية والرسومُ والأعباءُ المحلّية — فقد أزاله

274

الإسلامُ إزالةً جذرية؛ وسادت بين كور الدولة كلِّها حرّيةُ التنقّل التامّة، فلم تكن هناك مكوسُ طرقٍ ولا ضرائبُ استهلاك؛ فإنّ هذه من مخترعات الأزمنة المتأخّرة، ومع أنّ الناس أفرطوا في تطبيقها إفراطًا بالغًا حينئذٍ، فإنّ فقهاء الأحكام السلطانية المحمّديين ظلّوا مع ذلك يقرّرون ظُلمَ مثل هذه المغارم مبدأً ثابتًا.

ويوافق أعلى ازدهار التجارة قيامَ دولة العباسيّين، حين نشأت في بغداد — وهي المركزُ الطبيعيّ لتلك الإمبراطورية العالمية — عاصمةٌ كبرى تقع في ملتقى أهمّ طرق التجارة القديمة. فإنّ هذه النواحي قد امتازت بحركة تبادلٍ نشطة حتى قبل الحكم العربيّ. ففي القرن الخامس من تاريخنا كانت الحيرة، الواقعةُ جنوبَ غربيّ بابل القديمة على أحد فروع الفرات، مجتمعَ السفن القادمة من جزيرة العرب والبحر الأحمر والهند والصين؛ وكانت المدينةُ غنيّةً مزدهرة.1) ولم يكن أقلَّ أهميةً منها مرفأُ الأُبُلّة، أسفلَ ملتقى الفرات ودجلة، وهي Apologos القديمة (وتُسمّى عند العرب الأُبُلّة أو أبُلّة أيضًا)؛ هنا كانت ترسو كلُّ السفن الصاعدة في أحد النهرين أو الهابطة فيه، وهنا تُجمع بضائعُ الهند، وهنا كانت المخازنُ الكبرى للـ lignum sagalinum، أي خشبِ الساج، الوارد من الساحل الهنديّ أو الأفريقيّ، وهو خشبٌ عاليةٌ قيمتُه في أرض بابل العارية من الغابات، ولا شكّ أنّه كان يُحتاج إليه في بناء السفن بقدر ما يُحتاج إليه في بناء البيوت. وأدلُّ ما يدلّ على أهمّية المدينة أنّها حُصّنت منذ أيام آخر ملوك الساسانيين

1) وكان يُقام بها قبل الإسلام سوقٌ تجاريةٌ سنويةٌ كثيرةُ الرُّوّاد. الأغاني XVI. 99.

275

تأمينًا لها من غارات قراصنة الهند.1)

وكانت الملاحةُ في تلك النواحي قديمةً جدًّا. ولعلّ العرب أدخلوا عليها بعضَ التحسينات، ويذكر كاتبٌ قديمٌ موثوقٌ في غير هذا أنّ الحجّاجَ الواليَ الأمويّ أوّلُ من سيّر في البحر سفنًا مقيَّرةً منجورةً مشدودةً بالمسامير، بعد أن كانت من قبلُ لا يشدّها إلا الحبال2)، على ما لا يزال يُرى بعضُه إلى اليوم في قوارب الساحل الأفريقيّ من البحر الأحمر؛ ولكن على الرغم من هذا الخبر فإنّ الثابت أنّ حركة الملاحة كانت في تلك النواحي في أنشط حالٍ قبل الإسلام بزمنٍ طويل. وسرعان ما ألِف العربُ البحر.3) وكانت صُحار، وقد حلّت مسقطُ محلَّها اليوم، أعظمَ مرافئ البحر في العصر القديم ومحطَّ السفن الداخلة إلى الخليج الفارسيّ أو الخارجة منه. وفي عهد العباسيّين نهض أمرُ البحر نهضةً عظيمة جدًّا، وتقدّمت البصرةُ سريعًا على الحيرة والأُبُلّة، فصارت مدينةَ بحرٍ وتجارةٍ من الطراز الأوّل. وهنا كان المقرُّ الرئيس للأسطول التجاريّ العربيّ، وقد اجتذب سريعًا طبقةً بالغةَ الكثرة من البحّارة والملّاحين، لا يُوفّي أحدٌ معارفَهم وشجاعتَهم وروحَهم الإقدامية حقَّها من الإعجاب، ولا يقاس بهم إلا بحّارةُ مدن الشام ومصر الساحلية.

1) Reinaud: Relations des voyages faits par les Arabes et les Persans I. XV—XXXVII.

2) الجاحظ: كتاب الحيوان Fol. 15 v.

3) وامتاز أهلُ عُمان على الخصوص برحلاتٍ بحريةٍ جريئة. ومن أعجب الأمثلة على ذلك تصديرُ العرب جوزَ الهند من جزر المالديف. فقد كانوا يبحرون من الساحل الجنوبيّ الشرقيّ لجزيرة العرب إلى تلك الجزر، فيقطعون هناك أشجارَ جوز الهند، وينجرون منها قواربَ ويشحنونها بالثمر. ثم يُبحرون بها عائدين إلى جزيرة العرب مستفيدين من الرياح الموسمية. Reinaud: Relations des voyages faits par les Arabes et les Persans p. 136.

15*

276

وانتشر العنصرُ العربيّ بالنسبة نفسِها في جزر الخليج الفارسيّ كلِّها وفي سواحله، بل في شرق أفريقيا، ولا أقلَّ من ذلك في سيلان. فقد استقرّت هناك جاليةٌ من التجّار العرب في أواخر القرن السابع من تاريخنا. وأدلُّ ما يدلّ على مدى ما بلغته أسفارُ هذه السفن التجارية أنّ أسطولًا صغيرًا عربيًّا فارسيًّا هاجم كانتون سنة 758م.1)

ثم نشأت فيما بعدُ على ساحل كرمان — دون أن ينتقص ذلك من أهمّية البصرة انتقاصًا يُذكر — مدينةٌ بحرية هي سيراف، فصارت عمّا قليلٍ من أزهر مراكز التجارة الهندية الصينية. بل كانت تُرى في مرفأ سيراف تلك السفنُ الصينية التجارية الكبرى راسيةً، وقد كانت تَرِد الخليجَ الفارسيّ في ذلك الحين وعلى متنها في الغالب من 400 إلى 500 رجل؛ وكانت مسلَّحةً تسليحًا جيّدًا اتّقاءً لهجمات القراصنة، وتحمل معها النفطَ أيضًا لإحراق سفن الأعداء به.2) على أنّ هؤلاء الضيوف الأجانب قلّوا شيئًا فشيئًا، إذ صارت السفنُ العربية والفارسية تُبحر بأعدادٍ متزايدة إلى مرافئ الهند والصين وتتولّى النقلَ بنفسها. وكانت تخرج من الأُبُلّة أيضًا في عهد العباسيّين قوافلُ كاملة من السفن التجارية العربية إلى الصين.3)

وتغطّى الساحلُ الغربيّ للهند في القرنين السابع والثامن الميلاديّين بمستعمراتٍ تجارية عربية، ثبتت أقدامُها هناك تارةً بالسِّلْم وتارةً بقوّة السلاح. ورحّالتان عربيّان زارا تلك السواحل

1) Reinaud: Relations etc. I. XLII، ومعها التصويباتُ في Bretschneider: On the knowledge possessed by the ancient Chinese etc. p. 10.

2) Reinaud: Mémoire sur l’Inde p. 200 في Memoires de l’Academie des inscriptions.

3) ابن حمدون 1X. Fol. 210 v.

277

(المسعودي، ابن حوقل) يعدّان أهمَّ المدن البحرية، مثل كنباية (Cambaye) وسُبارة وصَيمور، وهذه الأخيرة لم تكن على الأرجح بعيدةً عن بومباي. ويذكران أنّ الإسلام كان يستطيع أن يظهر هناك ظهورًا تامًّا؛ وأنّ للمسلمين مساجدَهم في المدن، يقيمون شعائرهم فيها بحرّيةٍ وعلانية؛ وأنّ عدد المسلمين المقيمين بأهليهم في صَيمور نحو 10,000، ولهم قاضٍ خاصٌّ بهم.1)

ولم تكن حركةُ التجارة مع بلاد الغرب أقلَّ نشاطًا، وانتشر السكّانُ العرب هناك أيضًا بالسرعة نفسِها على مساحاتٍ واسعة من البلاد. فنشأ في الغرب عالمٌ عربيٌّ جديد، ظلّ على ما بينه وبين الشرق من بُعدٍ عظيم في تبادلٍ دائمٍ نشطٍ مع النصف الشرقيّ من الدولة. غير أنّه تبيّن سريعًا أنّه كما كان العراقُ مركزَ الرقعة العربية الشرقية، فكذلك احتلّت مصرُ مكانةً مماثلةً غالبةً بالنسبة إلى بلاد غرب أفريقيا. فطرقُ التجارة الأفريقية تلتقي كلُّها في مصر، ومنها تتفرّع بعد ذلك في الاتّجاهات المختلفة. فمن طنجة، عقدةِ المواصلات مع إسبانيا، يمتدّ طريقُ القوافل الكبير بمحاذاة الساحل الأفريقيّ الشماليّ عبر القيروان (قوريني) وطرابلس وبرقة إلى وادي النيل. وهنا ينقسم عند الفسطاط (مصر القديمة): طريقٌ يمضي عبر البرزخ إلى الفَرَما (Pelusium)، ثم يمتدّ عبر بادية سيناء إلى الرملة بفلسطين، ثم إلى دمشق، ومن هناك عرضًا في بادية الشام إلى الكوفة وبغداد. وطريقٌ تجاريّ آخر يمضي من الفسطاط صاعدًا في النيل إلى قُوص (Apollinopolis Parva)، وهي مدينةٌ كبيرة كثيرةُ السكّان على النيل غيرُ بعيدةٍ عن قِفط القديمة، بالقرب من بلدة قِنا المعروفة اليوم بصناعة الفخّار.

1) Reinaud: Relations I. XLVII.

278

ومن هنا تُقطع البادية على الجمال إلى البحر الأحمر، وفي مدينة عيذاب المرفئية، على مسيرة ثمانية أيامٍ جنوبَ القُصير الحالية، يجري شحنُ البضائع والمسافرين في السفن إلى البلاد الشرقية.1) وطريقٌ آخر يمضي من بلاد البحر المتوسّط إلى الساحل الشاميّ الشماليّ، ثم يمتدّ عبر أنطاكية وحلب إلى الفرات، فيُنحدَر فيه بالسفن إلى بغداد. على أنّ حركةً قويّة كانت تمرّ أيضًا عبر برزخ السويس: ترسو السفنُ في الفَرَما (Pelusium)، ويُنقل الحملُ على الجمال إلى القُلزُم (Klysma) قرب السويس، ومن هناك يستأنف الشحنُ بالسفن في البحر الأحمر. وأمّا السفنُ القادمة من الخليج الفارسيّ أو من الساحل الهنديّ فكانت أفضلَ مرافئها عدن، ثم الجار2) جنوبَ ينبع، والقُلزُم. وأمّا من بغداد، مركزِ الدولة، فكانت الطرقُ تتفرّع كالأشعّة في الاتّجاهات المختلفة. وقد ذكرنا طريقَ الشام عبر الكوفة، وأمّا إلى البصرة فكانت الحركةُ على دجلة؛ وكانت القوافلُ تجوز بلادَ سواحل الخليج الفارسيّ، وخوزستان وفارس وكرمان ومكران، إلى حدود الهند. وأمّا نحو الشمال والشمال الشرقيّ فكان يخرج من العراق شريانان رئيسان لتداول السلع. أحدهما يصعد عبر أرمينية إلى طرابزون، وهي المستودعُ الرئيس للتجارة مع بيزنطة، والطريقُ الآخر يمضي من بغداد نحو الشمال الشرقيّ وعبر الرَّيّ إلى خراسان من جهة، وإلى شواطئ بحر قزوين من جهةٍ أخرى، ومنه يجري الإرسالُ بالسفن إلى

1) عيذاب تقابل بموقعها Berenice القديمة. وعن هذا الطريق القديم من قِفط إلى Berenice قارن Sprenger: Alte Geographie von Arabien. S. 10.

2) على ما ذكر ياقوت، كانت ترسو هناك سفنُ الصين والهند والحبشة. معجم البلدان II. 5. وعن موقع الجار قارن Sprenger: Die alte Geographie Arabiens. S. 36, 37.

279

مختلف البلاد المطلّة عليه. ومن هنا تفرّعت صلاتُ العرب التجارية إلى أقصى الشمال، على ما يشهد به كثرةُ ما يُعثر عليه في روسيا والسويد من الدراهم العربية الفضّية المضروبة في زمن أوائل العباسيّين.

وبينما كان التجّارُ العرب أو وكلاؤهم يتوغّلون بعيدًا في آسيا الوسطى، ويجوبون بلادَ بحر قزوين والبحر الأسود، ويقيمون من إسبانيا وصقلّية تبادلًا نشطًا مع أوروبا، نشأت على أرض أفريقيا حركةٌ تجارية لا تقلّ عن ذلك نشاطًا: فالمدنُ العربية التي ازدهرت سريعًا وتسنّمت مكانةً عالية، وقد تطوّقت بها كلُّ الساحل الشماليّ إلى المحيط الأطلسيّ، أرسلت قوافلَها التجارية عبر الصحراء إلى قلب أفريقيا: فبلغت صلاتُها أنهارَ وسط أفريقيا الكبرى من جهة، وبحيرةَ تشاد من جهةٍ أخرى، على حين كانت السفنُ العربية تَرِد الساحلَ الأفريقيّ الشرقيّ من مصر وجزيرة العرب. وسرعان ما نشأت هناك مدنٌ تجاريةٌ كثيرة، أنشأها وعمرها العربُ في الأغلب: زيلع، ومقديشو (Magadoxo)، وكِلوة، وسفالة. وكان تصديرُ العاج والرقيق على الخصوص هو ما يُتعاطى من هذه الجهات.1)

وكما تحتلّ اليومَ دولُ الحضارة القديمة في شرق آسيا — الهند والصين واليابان — بصناعتها الراقية وإنتاجها الضخم وسكّانها الغِزار المكانَ الأوّل في التجارة العالمية، فكذلك يبدو أنّ تبادل السلع مع أقصى الشرق كان يومئذٍ أهمَّ عند دولة الخلافة من كلّ ما عداه. وكانت البصرةُ على الخصوص أوفرَ المدن حظًّا من هذه التجارة الهندية الصينية، ولم تتغيّر هذه الأحوالُ إلا قليلًا، حتى إنّ تاجرًا من أهل البلد

1) وحركةُ الملاحة بين جنوب جزيرة العرب والساحل الأفريقيّ كانت قائمةً بلا شكّ قبل الإسلام، وترتقي إلى عصورٍ موغلةٍ في القدم.

280

تعرّفتُ إليه قال لي، واصفًا أهمّية مدينته: البصرة بابُ الهند والصين. وقد كان ذلك في تلك الأزمنة أصدقَ بكثيرٍ ممّا هو اليوم. ويؤكّد لنا هذا أيضًا مؤرّخو الصين، وأخبارُهم تتّفق على نحوٍ عجيبٍ مع أخبار مصادرنا العربية.

فهم يذكرون سفاراتٍ عربية قدمت الصينَ سنة 615م، ثم سنة 713، وهذه الأخيرة برئاسة رجلٍ يُدعى Su-li-man (سليمان بالعربية). ثم تلتها سفاراتٌ أخرى في السنوات 726 و756م، وفي الأخيرة قدّم الرسولُ العربيّ إلى الإمبراطور خيلًا حسانًا وحزامًا نفيسًا هديّةً له. وفي سنة 798 يُذكر ما لا يقلّ عن ثلاث سفاراتٍ من «التا-شي السود»، وهي تسميةٌ تفسيرها اللونُ الأسود الذي اتّخذه العباسيّون يومئذٍ لثياب الدولة ورايتها.1) ومن البيّن على كلّ حالٍ أنّ هذه السفارات المزعومة لم تكن في أكثرها سوى بعثاتٍ تجارية، يقدّم رؤساؤها الهدايا إلى ابن السماء، ويزعمون بالطبع — رفعًا لقدر أنفسهم ما استطاعوا — أنّهم رسلُ سيّد التا-شي، أي العرب.2) وكانت مرافئُ الصين التي تكثر فيها السفنُ العربية الفارسية هي كانتون وفوكيين. ويذكر مؤرّخو الصين أيضًا أسماءَ أوائل الخلفاء العباسيّين (A-po-lo-pa = أبو العبّاس، A-pu-cha-fo = أبو جعفر، Mi-ti = المهدي، A-lun = هارون). وفي أيام أسرة سونغ (960—1280م) تُذكر عشرون سفارةً عربية لا أقلّ، قدمت الصينَ في طريق البحر.

ويسمّي الصينيون من بضائع الوارد العربيّ، فيما يسمّون: المصنوعاتِ الزجاجية، والتمرَ، والسكّرَ الرمليّ الأبيض (pai-sha-tang، وبالعربية الفانيد)، والقطنَ

1) Bretschneider 8—10. 2) Ta-shi هو الفارسيّ: tâzy، أي العرب.

ملاحظات المترجم

1. الأشعار كلُّها في هذه الصفحات — أبياتُ حسّان، ومسلمِ بن الوليد، وعليِّ بن الجهم، وبكرِ بن عبد العزيز، وأبي فِراس، وشاعرِ بني عُكل، وقطعتَي الشعر الجاهليّ وما بعدها — منقولةٌ عن صياغة كريمر الألمانيّة، لا عن الأصل العربيّ. ولم أُعِد بناء بيتٍ عربيّ فأنسبه إلى قائله وإن كان بعضُها مشهورًا معروفَ اللفظ، إذ إعادةُ البناء ونسبتُها إلى شاعرٍ بعينه اختلاق.

2. الاصطلاحاتُ التي يفسّرها كريمر بنفسه أُعيدت إلى أصولها العربيّة: Ehre = العِرض (وهو يثبت اللفظ)، Nachbarschutz / giwär = الجِوار، hämy-lgiwär / hämy-ldimär = حامي الجِوار / حامي الذِّمار، Blutrache / tar = الثأر. وأثبتُّ ألفاظه المنقولة بالحروف اللاتينيّة بين قوسين حيث كانت هي موضوعَ كلامه.

3. رقمُ الصفحة في ترويسة الصفحة 228 مطبوعٌ في الأصل «298» بخطأ قراءةٍ آليّة؛ أثبتُّه على صوابه 228. وأُبقيت علامةُ الملزمة «*156» في أسفل الصفحة 227 كما هي بخطئها.

4. أخو عبد الله بن الزبير، وأخو الخليفة عبد الملك القائدُ للجيش: لم يُسمِّهما كريمر، فلم أُسمِّهما.

5. «noblesse oblige» تُركت بلفظها الفرنسيّ كما هي عند كريمر.

6. يسمّي كريمر ابنَ أبي دُؤاد «الوزير» (der Wezyr)، وأحمدُ بن أبي دُؤاد كان قاضيَ القضاة في أيام المعتصم والواثق لا وزيرًا، وإن بلغ من النفوذ ما بلغ. أُثبت اللفظُ على ما ساقه كريمر وأُشير إلى الخطأ هنا ولم يُصلَح في المتن.

7. أحكامُ كريمر على «الجنس» العربيّ وانحطاطِه، وعلى «المفهوم الآريّ» للشرف، وقولُه إنّ الآسيويّين جميعًا يُعوزهم هذا المفهوم — منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ هي رأيه هو.

1. بيتا أبي فِراس الحمدانيّ، وأبياتُ دِعبل، وبيتُ ضوءِ النار والكلاب، وبيتا هجاء القاضي — منقولةٌ كلُّها عن صياغة كريمر الألمانيّة، لا عن أصلٍ عربيّ؛ ولم أُعِد بناءها بيتًا عربيًّا منسوبًا إلى قائلٍ بعينه.

2. الموضعُ المنقول من رسائل الهمذانيّ في فضل العرب (ص 237): يقول كريمر صراحةً إنّه لم يُترجم نثرَه المصنوع ترجمةً دقيقة، بل «حاكاه محاكاةً» بسجعٍ ألمانيٍّ من نظمه هو. فما أثبتُّه هنا ترجمةٌ لمحاكاة كريمر لا للأصل العربيّ، وقد جاريتُ سلسلةَ أفعال التفضيل المزدوجة عنده زوجًا بزوج (أربعةَ عشر زوجًا) محافظةً على أثرها، ولم أزعم أنّها ألفاظُ بديع الزمان. وكذلك الرسالةُ في العامل والرشوة (ص 244) مترجَمةٌ عن سجعه الألمانيّ.

3. «(Gafar Ibn Jahja mit einer Enkelin desYsh Ibn Mähän)»: الاسمُ الثاني مشوَّشٌ في الأصل بخطأ القراءة الآليّة، والمرجَّح أنّه عيسى بن ماهان، فأثبتُّه على هذا الوجه مع التنبيه.

4. الاصطلاحاتُ التي يُثبت كريمر ألفاظَها العربيّة أُعيدت إلى أصولها: alkasämah = القَسامة، ghälijah = الغالية، Sawyk = السويق، simätain = السِّماطان، ghilaz akbädihim = غِلَظ أكبادهم، waswasa ilajja-lshaitän = وسوس إليّ الشيطان، Ahdät-Taxe = ضريبة الأحداث.

5. «Steuerbeamter» أثبتُّها «عاملًا على الخراج» لأنّ السياق سياقُ جبايةٍ في الإقليم، وهو الاصطلاح الذي كان كريمر يترجم عنه.

6. السطران «v. Kremer, Culturgeschichte des Orients. II. 16» و«*16» ليسا من المتن، بل من أسطر توقيع الملازم في أسفل الصفحة، وقد أُبقيا كما هما.

7. أحكامُ كريمر على العرب — المفاخرةِ والمبالغةِ والكذبِ والاستخفافِ باليمين والشرهِ إلى المال — وحكمُه على أثر الإسلام في ذلك، منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ هي رأيه هو.

1. بيت الصولي في الفضل بن سهل («باطنُها معوَّدٌ العطاء، وظاهرُها معوَّدٌ التقبيل») منقولٌ عن صياغة كريمر الألمانية النثرية للبيت، لا عن أصله العربيّ؛ ولم أُعِد بناء اللفظ العربيّ ولا نسبتُه إلى الشاعر بعينه.

2. يَعُدّ كريمر «ابن زياد» في باب الكنية. وهذا في الاصطلاح العربيّ نسبٌ لا كنية. أُبقي نصُّه على ما هو عليه.

3. أرقامُ الحواشي في الأصل مشوَّهةٌ في التصوير الضوئيّ (تظهر ')‏ و!)‏ و*)‏ و°)‏ مكان الأرقام). أُعيدت إلى تسلسلها الصحيح داخل كلّ صفحة، من غير تغييرٍ في عددها ولا في ترتيبها.

4. «Mogam» في حواشي كريمر هو معجم البلدان لياقوت؛ أُبقي سِيَاق الإحالة (الجزء والصفحة) على صورته الأصلية.

5. «عمر الأوّل» صيغةُ كريمر (مقابل عمر الثاني، أي عمر بن عبد العزيز)، وأُبقيت كما هي ولم تُستبدل بـ«عمر بن الخطاب».

1. الأبيات الثلاثة المنقولة هنا — بيتُ الجنّ في مراكبها، وبيتُ السِّعلاة عند فراقها عمرو بن يربوع، وأبياتُ عنترة في وصف ليل البادية — منقولةٌ عن صياغة كريمر الألمانية، لا عن أصولها العربية. ولم أُعِد بناء ألفاظها العربية ولا نسبتُها بلفظها إلى قائليها.

2. «Musa Ibn Tärik» صيغةُ كريمر كما طُبعت، وقد أثبتُّها كما هي («موسى بن طارق»). والظاهر أنّها خلطٌ بين موسى بن نصير وطارق بن زياد، فاتحَي المغرب والأندلس. لم أصحّح النصّ.

3. «IbnAdfry» (حاشية ص 254) لم أتبيّنه على وجه اليقين، فأبقيتُ صورةَ كريمر بحروفها ولم أنقلها إلى العربية.

4. كذلك أبقيتُ «Sadawam» (حاشية ص 260) على صورته اللاتينية، وهو اسمُ نصبٍ سبئيّ لم أتحقّق من ضبطه العربيّ.

5. حاشيةُ ص 260 تصحّح قراءةَ لفظتين في ديوان عنترة، وقد جاءتا مشوّهتين في التصوير الضوئيّ («1& toghfal» و«18 tokal»)؛ أثبتُّهما كما هما دون ترميم.

6. ترجمتُ «Gottseibeiuns» — وهي كنايةٌ ألمانية عاميّة عن الشيطان معناها الحرفيّ «كان الله معنا» — بكنايةٍ عربية مقابلة، حفظًا لطبقة الأسلوب.

1. سورتا المعوّذتين: أثبتُّ النصَّ القرآنيّ العربيّ (الفلق والناس) لأنّه هو الأصلُ الذي ترجم عنه كريمر، ولا يجوز أن تُقدَّم للقارئ العربيّ ترجمةٌ عكسية عن الألمانية على أنّها قرآن. وأمّا التفسيرُ المُقحَم بين قوسين («أي الشيطان») فهو من كريمر نفسه، أبقيتُه في موضعه.

2. رقمُ السورتين في الأصل مشوَّهٌ في التصوير الضوئيّ: «C XIV (KIT und CIV)». أثبتُّه كما هو ولم أصحّحه؛ والمقصود بلا شكّ السورتان 113 و114.

3. أبياتُ المعرّي (في سُرّاق الإبل، وفي رُفات الموتى)، وأبياتُ ثمامة بن أشرس في حاشية ص 267، منقولةٌ عن صياغة كريمر الألمانية لا عن أصولها العربية. ولم أُعِد بناء ألفاظها العربية.

4. مقولةُ أبي هاشم: أثبتُّ ترجمةَ صياغة كريمر الألمانية، وأتبعتُها بنقله الصوتيّ كما طبعه («awwal olwägibätiala-litlaki howa-lshakk»)، ولم أُعِد بناء العبارة العربية لأنّ النقل الصوتيّ مضطربٌ في موضع «‘ala- litlaki».

5. كذلك أبقيتُ على صورتها اللاتينية أسماءَ لم أتحقّق منها: كهفُ «Haud-Kowwir» بجنوب الجزيرة، ومصدرُ «‘Arkis 54»، ومصدرُ «تزيين الأسواق» أثبتُّه بالعربية لوضوحه.

6. يذكر كريمر وفاةَ أبي هاشم سنة 321هـ ويقابلها بـ«983م»؛ والموافقة الصحيحة 933م. أثبتُّ رقمَه كما هو ولم أصحّحه في المتن.

7. لفظة «Kebib» في حاشية ص 267 غيرُ مؤكّدة الضبط، والأرجح أنّها «زبيب»، وعلى ذلك ترجمتُها.

8. صفحة 269 من الأصل مشوّشةٌ بحواشٍ وخربشاتٍ التقطها التصوير الضوئيّ وتخلّلت أسطرَ النصّ؛ أهملتُها ولم أُدخل منها شيئًا في الترجمة، والنصُّ الألمانيّ نفسُه متّصلٌ سليم.

1. الأبياتُ المنقولة في هذا القسم — بيتُ إبراهيم بن العبّاس، وبيتُ الشاعر المتأخّر في مداراة العدوّ، وبيتُ حسّان بن ثابت ومعارضتُه، وبيتُ الفرزدق في الأنباط — كلُّها منقولةٌ عن صياغة كريمر الألمانية لا عن أصولها العربية. ولم أُعِد بناء ألفاظها العربية ولا نسبتُها بلفظها إلى قائليها. وقد أبقيتُ نقلَ كريمر الصوتيّ للتعبيرين «شُمّ الأنوف» و«ضُخم الأنوف» لأنّه أثبتهما هو في متنه.

2. يُتبع كريمر «القيروان» بتفسيرٍ بين قوسين هو «(Cyrene)»، أي قوريني. وهذا خطأٌ في الأصل: قوريني في برقة، لا بإفريقية. أثبتُّ تفسيرَه كما هو ولم أصحّحه في المتن.

3. «Bang (Opium)» عند كريمر: يُطابق بين البَنْج والأفيون، وهما في الاصطلاح العربيّ غيرُ مترادفين. أبقيتُ مطابقتَه على حالها.

4. الأعدادُ التي هي كمّيات نُقلت بالفاصلة (10,000 مسلم في صَيمور، و400 إلى 500 رجل على متن السفينة الصينية)، وأمّا السنون (758، 615، 713، 726، 756، 798، 960—1280، 618—907) فبلا فاصل، وأمّا سِيَاق الإحالات (أرقام الأجزاء والصفحات وعناوين المراجع الأوروبية) فأُبقيت على صورتها الأصلية.

5. «lignum sagalinum» و«Apologos» و«Pelusium» و«Klysma» و«Apollinopolis Parva» و«Berenice» و«Magadoxo» و«Cambaye»: أبقيتُها بحروفها اللاتينية كما وضعها كريمر إلى جانب الأسماء العربية، لأنّها جزءٌ من تعريفه بالمواضع.

6. «ابن حمدون 1X» في حاشية ص 276 كذا في الأصل المصوَّر، والمراد ظاهرًا IX. أُبقيت الصورةُ كما طُبعت.