سيّئاً جدّاً في أوّل الأمر. وكان هناك نُزلٌ كبير عامّ للنصارى (دار الروم) ينزل به كلّ تجّار النصارى؛ وبالقرب منه كان مقرّ الأسقف أيضاً. فأشار عليه هذا فاستأجر حانوتاً وضع فيه أدويته وكان يستقبل المرضى. وقد أُحسن اختيار الموضع، إذ لم يكن قصر الوزير الأعظم بعيداً عنه. ووُفّق إلى شفاء مملوكٍ من أهل دار الوزير، فكان في ذلك حظّه؛ فأخذ المرضى يقصدونه أكثر فأكثر، وذاع صيته، حتى أجرى عليه أخيراً أستاذه القديم في بيمارستان جُنْدَيسابور، وقد صار من ذلك الحين طبيبَ البلاط، راتباً. ولمّا وُفّق فيما بعد إلى علاج الخليفة هارون الرشيد من عِلّةٍ في عينه، أجرى عليه هذا راتباً شهرياً قدره 2,000 درهم وأرزاقاً قيمتها 20,000 درهم في السنة؛ وصار في آخر أمره ثانيَ كحّالَي الخليفة بعد جبرائيل بن بختيشوع. 1) وقد زاول الطبّ العملي أيضاً يهودٌ وفرسٌ بل هنودٌ كذلك، لكنّ العنصر النصراني كان الغالب بلا مِراء. ولم يبدأ المسلمون هم أيضاً بالنبوغ أطبّاءَ ممارسين إلا حين اضطرّهم اختلاطُ العرب بالشعوب المغلوبة اطّراداً متزايداً — وقد سبق الكلام فيه — إلى الانصراف إلى شتّى موارد الكسب؛ ولعلّ بعضهم كانوا من المخالفين في الدين ممّن أسلم، أو من أعقاب هؤلاء. 2)
وكان لجبرائيل المذكور آنفاً دخلٌ صافٍ من أملاكه قدره 800,000 درهم في السنة. 3) وقد أحسن ابنُه أن يعيش على قدر هذا الثراء. يحكي شاهدُ عيان ما يلي: زرتُ ابن جبرائيل في يومٍ شديد الحرّ
1) هامر-بورغشتال III. ص 284. 2) ولعلّه يُذكر هنا: طيفوري، هامر-بورغشتال: تاريخ الأدب III. 275. ابن جُلجُل III. 280. الحَكَم 282. يعقوب السيرافي، وهو فارسي، 283. عيسى بن الحكم 287. 3) ابن أبي أُصَيبِعة ورقة 86 ظ.
182فوجدته في مقصورةٍ صيفية مفروشة بالبُسط، نوافذُها مسدودة بالخَيش؛ وسقفُها على هيئة قبّة مغطّاة بحُصر القصب، مكسوّةً من خارج بأرقّ الكتّان (الدَّبيقي). وكان عليه قفطانٌ ثقيل من حرير يماني، وفوقه رداءٌ قد التفّ به. فعجبتُ من هذا اللباس في مثل هذا الحرّ، فما إن جلستُ حتى أحسستُ ببردٍ لافت. فضحك وأمر أن يُؤتى لي بقفطان ورداء، وأمر خادماً أن يرفع البُسط عن الجدار. فرأيتُ حينئذ أنّ في الجدار فتحاتٍ تُفضي إلى غرفةٍ خلفية مملوءة كلّها ثلجاً. وكان الخدم لا يفترون عن أن يروّحوا بمراوح كبيرة الهواءَ البارد المتجمّع هناك إلى المقصورة. ثم قُدّم الطعام؛ وكانت المائدة مغطّاة بأشهى الأطعمة، وقُدّم فيما قُدّم لونٌ من الدجاج المشويّ يتفتّت قطعاً بمجرّد أن يمسّه الطبّاخ. وكانت هذه الدجاج قد سُمّنت باللوز وبَزْر القُطُونا (القُطُونا: Plantago psyllium)، ولم تُسقَ ماءً بل عصير الرمّان لا غير. 1) وزاره الرجلُ نفسه مرّةً أخرى في يوم شتاءٍ بارد فألفاه جالساً في بيت زجاجٍ للنبات كأنّه في بستان؛ وأمامه مِجمرةٌ من فضّة يُذكى فيها الجمر بالعود وسائر الأخشاب الطيّبة. فلمّا عجب الزائر من ذلك الدفء اللطيف، أمر صاحبُ الدار برفع البُسط عن الجدران، فرأى أنّ خلف المقصورة مماليك مشغولين بإذكاء النار على الدوام، وحرارتُها هي التي تملأ المقصورة.
وكان طبيبُ البلاط سَلمويه، وهو نصراني شامي، في أرفع الجاه نحو سنة 226هـ (840م)، وكان
1) ابن أبي أُصَيبِعة ورقة 87 ظ. هامر-بورغشتال: تاريخ الأدب IV. 336.
183الخليفةُ لا يخاطبه إلا بقوله: يا أبتِ! 1) وكان نحو سنة 250هـ (864م) واحدٌ من بني بختيشوع طبيبَ الخليفة الواثق ثم المتوكّل بعده. وفي عهد المعتضد شغل هذا المنصبَ الذي هو موضعُ ثقة فارسيٌّ (سابور بن سهل)، وهو من أساتذة بيمارستان جُنْدَيسابور. 2) لكن أخذ من ذلك الحين مسلمون من العرب والفرس ينافسون المخالفين في الدين في صناعة الطبّ، ومع مطلع القرن الرابع الهجري كفّ الطبّ عن أن يكون فنّاً يتعاطاه النصارى واليهود والمجوس وحدهم؛ فالرازيّ الكبير، المتوفّى سنة 311 أو 320هـ (932م)، يفتتح موكب الأطبّاء والباحثين في الطبيعة من المسلمين، وهو الموكب الذي بلغ ذروة مجده بابن سينا، وختامه بالجرّاح الأندلسي أبي القاسم الزهراوي وبالطبيب الفيلسوف ابن زهر. ومع ذلك ظلّ فنّ الطبّ في العهود المتأخّرة أيضاً ممّا يُعنى به النصارى واليهود، وكان لهم في بيوت أهل القوّة والكبراء جاهٌ رفيع أبداً. وقد نشرتُ في موضعٍ آخر شكوى الغزالي من أنّ النصارى واليهود وحدهم هم الذين يشتغلون بالطبّ. 3)
ولم يكن الأمر في سائر أبواب الكسب مختلفاً كثيراً. فالعرب، بوصفهم الطبقة الحاكمة، كانوا يجعلون الشعوب المغلوبة تخدمهم؛ ولم تنتشر مزاولةُ الحِرَف بين المسلمين أيضاً إلا مع اندماج طبقات الشعب المختلفة شيئاً فشيئاً، ومع تزايد الفقر ونشوء سكّان عرب من أهل المدن. 4) وفي صدر الإسلام لم تكن ثمّة إلا
1) هامر-بورغشتال، تاريخ الأدب III. 289. 2) وهو مؤلّف كتابٍ في الصيدلة (الأقرباذين) بقي مستعمَلاً قروناً عدّة في صيدليات بغداد وبيمارستاناتها. تاريخ الحكماء، ورقة 133. 3) تاريخ الأفكار السائدة، ص 180. 4) يُروى أنّ المأمون قال: الطبقةُ تجمع أهلها: فالعربي الكريم أقربُ إلى الفارسي الكريم من
184حِرَفٌ قليلة جدّاً، وأقلّ من ذلك أن تكون هناك طبقةُ صُنّاع؛ ففي البيت العربي في ذلك العهد كان الرقيق يقومون بكلّ شيء، فتُنسج الثياب في البيت وتُقَدّ وتُخاط، وكان الرقيق يزاولون الخِياطة كذلك. وفي المقابل كان محبَّباً منذ وقتٍ مبكّر، على وفق ما في طبع القوم من روح التجارة، أن يزاول المرء تجارةً صغيرة، ولم يكن هذا يحطّ من قدره البتّة: فوالد فقيهٍ مشهور (سعيد بن المسيَّب) كان يعيش من تجارة زيتٍ صغيرة، وكان للشافعي، صاحبِ المذهب المنسوب إليه، متجرٌ في أقمشة الثياب. ومع ازدهار صناعة الكتّان المبكّر، لا عجب أن تكون التجارة به قد زُووِلت احترافاً منذ العهد الأوّل 1)، وقد زاول حرفة النحّاس في مبتدأ الإسلام مولىً فارسيّ أسلم. 2)
وكان من أوسع الأعمال انتشاراً وأقدمها التجارةُ بالبخور وبالأدهان والأطياب، وقد كان لها في الجاهلية أيضاً أعلى القيمة. 3) ويُذكر أيضاً نحو سنة 190هـ عملُ العطّار أو الصيدلاني (saidaläny). 4) لكنّه طال الزمن قبل أن يبلغ اختلاطُ السكّان العرب بسائر الشعوب مبلغاً، وقبل أن ينمحي النظام القبَلي القديم انمحاءً،
العربي الكريم إلى العربي العامّي، والفارسي الكريم أقربُ إلى العربي الكريم من الفارسي الكريم إلى الفارسي العامّي، فالكرام طبقةٌ والعامّة كذلك. ابن حمدون I. ورقة 81. ويُستفاد من هذا القول أنّ الشعور القومي العربي المنغلق كان قد زال بالكلّية.
1) ابن سيرين، هامر-بورغ.: تاريخ الأدب II. 130. الثعالبي: لطائف ص 77. ابن قُتَيبة 273. 2) هامر-بورغ.: تاريخ الأدب II. 129. 3) قارن ابن قُتَيبة ص 233، حيث يجب أن يُقرأ في كلّ موضع «حَنّاط» بدل «خَيّاط»، كما يتبيّن من المقارنة بالثعالبي، لطائف ص 77. 4) هامر-بورغ.: تاريخ الأدب III. 273.
185بحيث يُلحق المرءُ باسمه اسمَ حرفته. فهذه العادة — أن يُسمّى المرء بالحرفة التي يزاولها — لا تظهر إلا في القرن الثاني الهجري، وتبقى مع ذلك نادرةً إلى حدٍّ ما، ولا تعمّ إلا فيما بعد؛ وبالقدر نفسه تختفي أسماءُ الأسر القديمة المنسوبة إلى القبيلة التي تنتمي إليها كلّ أسرة. ذلك أنّ النظام القبَلي القديم لم يزُل إلا شيئاً فشيئاً، بسبب الاختلاط المتزايد بالشعوب المغلوبة. أمّا فيما بعد فقد صارت التسمية بالحرفة مألوفةً إلى أبعد حدّ.
فبينما كان أفقرُ العرب من قبلُ يتسمّى فخوراً بقبيلته: عبد الله بن فلان الأسدي (أي من قبيلة أسد)، أو ثور بن فلان الهُذَلي (أي من قبيلة هُذَيل)، صارت تكثر الآن أسماءٌ من قبيل: محمد بن الخيّاط، أو جعفر البَقّال، أو أحمد الحدّاد. وأوّلُ اسمٍ أعرفه لمسلمٍ يُذكر بأنّه صيرفيّ (sairafy) يرد نحو سنة 330هـ (941—42م). 1)
فحرفةُ الصيرفة الدنِسة كانت في الشرق أبداً بابَ كسبٍ للنصارى واليهود، ولا تزال. والأرجح أنّ الرجل المذكور آنفاً كان من ذرّية أسرةٍ نصرانية أو يهودية أسلمت، وكانت تزاول الصيرفة جيلاً بعد جيل.
وأوّلُ خيّاطٍ يَرِد في النصف الثاني من القرن الثاني. 2) وأوّلُ خَرائطيّ (charäity) يُذكر نحو سنة 327هـ (939م). 3) ومن الحِرَف الأخرى التي كان يزاولها النصارى واليهود بشغف، ثم زاولها المسلمون فيما بعد،
1) هامر-بورغ.: تاريخ الأدب IV. 168. 2) المصدر نفسه III. 166؛ وفي ديوان أبي تمّام أيضاً، المتوفّى سنة 228هـ (843م)، تجد في ص 79 قصيدةً في رجلٍ اسمه جعفر الخيّاط. 3) المصدر نفسه IV. 1265.
186صناعةُ الصياغة (صائغ) وتجارةُ الجواهر (جوهري).
ولمّا تطوّرت الحياة المدنية أكثر، تكاثرت الحِرَف تكاثراً لا حدّ له: فهناك السقّاؤون (سَقّاء)، وبائعو الفُقّاع (فُقّاعي)، والسماسرة ودلّالو الأسواق (دلّال)، والخيّاطون، والأساكفة، والقصّابون — وقد كانوا يومئذ مشهورين بغلظةٍ خاصّة — وباعةُ السلاح (صَيقل)، والدبّاغون (دبّاغ)، والصبّاغون، وصانعو الجَواليق (جَواليقي)، وصانعو الأنماط (أنماطي)، والحلّاجون (حلّاج)، والزجّاجون أو باعة الزجاج (زجّاج)، وباعةُ الورق (قِراطيسي أو ورّاق)، والنسّاجون (نسّاج أو حائك). وأمّا الحلّاق فقد ظهر حرفةً قائمة بذاتها في آخر الأمر (مزيّن). 1) وكان الخبّازون معدومين في أوّل الأمر، إذ كانت كلّ أسرة تصنع خبزها بنفسها. وأشدُّ ما احتُقر من طبقات الحِرَف: النسّاجون والدبّاغون والأساكفة والندّافون (ندّاف، ويُسمّى اليوم مُنَجِّد)، والحجّامون والمزيّنون، وهاتان الطبقتان الأخيرتان مذمومتان لكثرة كلامهما. 2) وكان ببغداد فوق ذلك حِرَفٌ كثيرة تتّصل بالبناء، مثل: البنّائين والنجّارين والمزوّقين (مزوّق) والمذهّبين والمهندسين (مهندس) وغيرهم 3)، إذ كان أكثر الخلفاء مولَعين بالبناء.
وكلّما تطوّرت هذه الحِرَف في المدن الكبرى، ظهر أوضحَ فأوضحَ نزوعٌ غير واعٍ إلى تجمّع أهل الحرفة الواحدة. وقد صاغ التشريع هذه الفكرة أيضاً صياغةً فقهية واضحة، إذ حلّ نظامُ «العاقلة» محلّ نظام تقسيم الشعب على القبائل الآخذِ في الوهن شيئاً فشيئاً. وبمقتضى هذا النظام قُسّم المجتمع أوّلاً، من جهة
1) هامر-بورغ.: تاريخ الأدب IV. 271، نحو سنة 328هـ. وكان الناس من قبلُ يحلقون بالرقيق ويصبغون الشعر عندهم، وكانت الجواري خاصّةً هنّ اللواتي يتولّين هذا الأخير. 2) الأصفهاني: محاضرات I. 284، 285، 286. 3) عن قُدامة: كتاب الخراج.
187المسؤولية الشرعية وتحمّل التَّبِعة وأداء الدية، إلى جماعاتٍ بعينها، تُعَدّ هيئاتٍ فقهية مغلقة، ويُرجع إليها في تحمّل ما يجنيه واحدٌ من أفرادها. 1)
فكان أهل الحرفة الواحدة يكوّنون جماعة العاقلة أو الطائفة، وعليها بجملتها أن تعقل عن كلّ واحد من أفرادها في الجنايات. فإن انعدمت رابطة الحرفة المشتركة، عُدّ أهلُ القرية الواحدة أو المحلّة الواحدة جماعةً واحدة.
ولا شكّ أنّ الأصناف نشأت من هذه البدايات شيئاً فشيئاً. فقد جرت العادة منذ وقتٍ مبكّر جدّاً في مدن المشرق الكبرى أن تكون حوانيت أهل الحرفة الواحدة كلّها في الأسواق مجتمعةً في صفٍّ واحد؛ ويُسمّى كلّ سوقٍ باسم الطائفة الغالبة فيه، فيُقال مثلاً: سوق الصاغة، وسوق النخّاسين، وسوق العطّارين، وهكذا. ولهذا كانت تلك الهيئات تُسمّى في أقدم العصور باسم «الصفّ»، ومعناه صفّ الحوانيت؛ وقد ذكر المسعوديّ من قبلُ (VIII. 188) سوقاً للديباج في بغداد. وكان لكلّ هيئةٍ من هذه رؤساءُ صنفها. حتى إنّ اللصوص ببغداد كان لهم شيوخُ طائفتهم. 2) وكانت أسواق القيروان منذ نحو سنة 153هـ (770م) منظَّمةً بحيث يكون لكلّ طائفةٍ موضعها الخاصّ. 3) وفي الفتن التي كانت بغداد مسرحها في عهد المكتفي، وُفّقت طائفةُ اللصوص إلى الاستيلاء على الحاضرة وإقامة ضربٍ من حكم الكومونة زمناً قصيراً. وكان رؤساءُ هذه الطائفة الكريمة يجولون في شوارع المدينة على الخيل،
1) قارن المجلد I. ص 463. 2) المسعودي VIII. 152. 3) دوزي: ابن عذاري 68.
188ويجنّدون الجند؛ والتمس والي بغداد النجاةَ بأن أدخل ابنَ أخيه في هذه الطائفة النظيفة على يد شيخها في احتفال، وكان ذلك بإلباسه «سراويل الفتوّة»، فأُقِرّ بذلك عضواً ذا حقّ في الطائفة، وعُدّ إلى حدٍّ ما معلّماً فيها. 1) وكانت في بغداد والمدن الكبرى منذ وقتٍ مبكّر جدّاً تلك العشيرةُ الخفيفة المرحة من المشعوذين والحُواة وأصحاب السحر. وقد أعطانا فهرسُ ورّاقٍ بغدادي من القرن الرابع الهجري، وقد بقي إلى اليوم، قائمةً طويلة كاملة من الكتب يُتعلَّم منها فنّ الشعوذة بورق اللعب، وابتلاعِ السيف أو العصا، وأكلِ الحجارة أو الصابون أو الزجاج، وأمثال ذلك. 2) وأمّا جماعةُ الحوّائين العجيبة فقد كانت في الشرق منذ أقدم الأزمنة، كما هي اليوم في القاهرة. 3) لكن كان في المدن الكبرى خاصّةً، فضلاً عن أهل هذه الطوائف، سُوقةٌ كثيرون شديدو الخطر، وعددهم يتزايد على مرأى العين، فإذا ساءت الأحوال في الداخل قضَوا شهوتهم في النهب والسلب على أشدّ ما يكون تخريباً. 4)
ومن هذه الطبقات الدنيا من المجتمع، حيث ساد البؤسُ والضيق دائماً قليلاً أو كثيراً — إذ ليس في التاريخ عصرٌ لم يكن فيه فريقٌ يعاني وفريقٌ ينعم — ننتقل الآن إلى عرض حياة الطبقات العليا.
1) ابن خلدون: التاريخ العامّ III. 513. 2) الفهرست 312. 3) المقريزي: الخطط II. 319. 4) وكانوا يسمّون هذه الطبقة في بغداد «أهل الدعارة». وقد أحسن حمزة الأصفهاني وصف عبث الغوغاء ببغداد وما ساد فيها من الفوضى قُبيل احتلال بني بويه لها مباشرةً. حمزة الأصفهاني 201 وما بعدها.
189كان المجتمع الأعلى مؤلَّفاً من عناصر شديدة الاختلاف: فالتجّار الموسِرون، ممّن أفادتهم مضارباتُهم الموفَّقة دخلاً عظيماً، كانوا يشغلون فيه مكاناً بارزاً. فيروي رحّالةٌ أقام في البصرة بعض الوقت نحو منتصف القرن الرابع الهجري أنّه عرف هناك تاجراً كبيراً له ثروةٌ تبلغ 2—3 ملايين دينار (20—30 مليون فرنك). وما من سفينةٍ من سفنه تمضي إلى الهند أو الصين أو الساحل الإفريقي إلا وفيها شريكٌ من شركائه أو وكيلٌ من وكلائه. 1) ثم العلماء، أعضاءُ طائفة أهل الدين التي بلغت شيئاً فشيئاً جاهاً عظيماً، ممّن حصّلوا دخلاً كبيراً بالتمتّع بالأوقاف السمينة أو بالمناصب المُدِرّة، قضاةً ومفتين ونُظّاراً على الأوقاف أو أصحابَ وظائف مهمّة في الدولة؛ ثم عمّالُ الدولة على اختلاف مراتبهم، ممّن كانوا يسيئون استعمال مناصبهم الرسمية، كما لا يزال الأمر في الشرق إلى اليوم؛ وأخيراً أصحابُ البيوتات القديمة الموسِرون وملّاكُ الأرض، أو كما نقول اليوم: أشرافُ الريف — هؤلاء هم الذين كوّنوا المجتمع الأعلى. ولا يجوز أن ننسى كذلك ذلك العددَ الذي لا ينتهي ممّن كانت لهم صلةٌ بالأسرة الحاكمة أو ببلاط الخليفة، فاستغلّوا ذلك ليضمنوا لأنفسهم أطيبَ عيشٍ ممكن.
وأمّا طبقةُ المحاربين، أي الجند، فيجب أن يُلاحَظ أنّ المصادر التي أعرفها، وهي وافيةٌ جدّاً، تفيد أنّ الكبراء وحدهم، أي كبارَ القوّاد، هم الذين أثرَوا على أفحش وجه؛ أمّا المراتب الدنيا فيبدو أنّ حظّها كان أسوأ بكثير. فقد كان عليها أن تقنع برزقها، وهو يُدفع عادةً على أشدّ ما يكون من عدم الانتظام، وبالغنيمة في الحرب، وبما تستطيع أن تعتسفه من أهل الريف المسالمين وأهل المدن الصغيرة
1) ابن حَوْقَل، طبعة دي خويه 207.
190190 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
على ذلك. ولم يستغلّ مناصبَه استغلالًا مدبَّرًا غيرُ كبار رجال الدولة، فجمعوا ثرواتٍ لا تُحصى، غير أنّها كانت تتبدّد بالسرعة نفسها؛ فالغنيّ في المشرق يعيش أبدًا عيشًا باهظ النفقة، وتلتهم نفقةُ بيته مبالغَ خرافية، ولا تلبث الثروةُ المجموعة في يدٍ واحدة طويلًا؛ ولم يكن لديهم نظامُ حبسِ التركات على الورثة (Fideicommiss) (1)، فتنقّلت الأملاكُ تنقّلًا سريعًا إلى الغاية، وكانت دورةُ المال بالغةَ السرعة. وإلى هذه الحال يرجع في اعتقادي ذلك الازدهارُ العجيبُ السرعةِ للحضارة في ظلّ الخلافة، ويرجع إليها كذلك انهيارُها المتعجّل. كان الأمرُ أشبهَ ببيتٍ زجاجيّ يندفع فيه كلُّ شيء إلى الإزهار تحت حرارةٍ ورطوبةٍ مصطنعتين، ثمّ يذبل بالسرعة نفسها. وقد ضخّ إسرافُ الخلفاء الأحمقُ مبالغَ هائلة في التداول؛ فما كاد أحدٌ منهم يورّث ثروتَه ابنَه، وكان الحالُ يومئذٍ قريبًا ممّا هو عليه في عصر مضاربات البورصة الأوروبية الحديثة، حيث يَثرى المرءُ بالسرعة التي يخسر بها كلَّ شيء من جديد. غير أنّ الشرقيّ يحتمل مثلَ هذه التقلّبات بهدوءٍ يفوق كثيرًا هدوءَ الأوروبيّ؛ فللقول بالقدر في هذا الباب منفعتُه أيضًا.
وقد أشرتُ في موضعٍ آخر إلى الثروات الضخمة التي اكتسبها كبارُ الرجال في مبتدأ الإسلام. ولم يتغيّر من ذلك شيء كلّما ازداد نظامُ الدولة رسوخًا في صورته واتّساعًا في رقعته. فكان لهاشميٍّ غنيٍّ في أيام الخليفة المهديّ، يسكن البصرة، دخلٌ يوميّ قدرُه 100,000 درهم (2). ويقال إنّه كان له 50,000 مولى. أمّا الأموالُ الطائلة التي كان العربُ الحاكمون يجتذبونها من البلاد الخاضعة لهم يومئذٍ، فقد بدّدوها بالخفّة نفسها. وبذلك انحطّت قيمةُ النقد انحطاطًا مصطنعًا، وارتفعت الأسعار
Nota 1. الأصل: Fideicommisse، أي الأوقاف الذرّية التي تحبس التركة على الورثة على وجه التأبيد في القانون الأوروبيّ. (ملاحظة المترجم؛ انظر آخر الفصل.)
Nota 2. ابن حمدون I. Fol. 75 v.
191الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 191
ارتفاعًا مصطنعًا. باع رجلٌ وجيهٌ دارَه من معاوية بـ 60,000 درهم، فلمّا قيل له إنّه أرخصها، أجاب بأنّه اشتراها قبل الإسلام بزِقّ خمر (1).
وهكذا لم تلبث رواتبُ كبار عمّال الدولة أن ارتفعت سريعًا، وقد كانت في أوّل الأمر معتدلةً جدًّا. فالوالي في أيام عمرَ الأوّل لم يكن يتقاضى غير 12,000 درهم (2)، على حين نجد في أيام الأمويّين عاملًا دون الوالي راتبُه 48,000 درهم (3). وفوق ذلك كان كلُّ واحدٍ منهم يحصّل لنفسه مكاسبَ جانبيةً كبيرة؛ فيقال إنّ واليَ العراق (خالدًا القسريّ) كان يجني في السنة ثلاثةَ عشر مليون درهم (4). وأجرى المأمون على وزيره الأوّل ثلاثةَ ملايين في السنة (5). على أنّهم أخذوا بعد ذلك بالاقتصاد. فمنذ أيام المقتدر، حين بدأت الضائقاتُ المالية ثمّ لم تنقطع، شرعوا يحطّون من الرواتب (6). وكانوا في البلاطات الصغيرة لمختلف الأُسَر الحاكمة في الأقاليم أقدرَ على التزام القصد: فراتبُ وزير أمير بلخ في أوائل القرن الرابع الهجريّ 1,000 درهم في الشهر، وكاتبُه يأخذ النصف (7). وكان صغارُ العمّال أسوأَ حالًا في الأجر، أعني الكُتّاب، وهو اسمٌ جمعوا تحته سائرَ الدرجات. ويقال إنّ وزيرَ المأمون الأكبر، المذكورَ آنفًا بذلك الراتب الوفير، أوّلُ من أجرى لهم زيادةً في الرواتب؛ إذ كان راتبُ كاتب الديوان
Nota 1. ابن حمدون I. Fol. 86.
Nota 2. الكامل 88.
Nota 3. المصدر نفسه 595. والموضعُ يُفهم على أنّ راتبه كان 48,000 درهم، وأنّه كان يأخذ فوق ذلك من دخل الخراج في كورته 100,000 درهم في السنة زيادةً على راتبه. قارن الكامل 258. وكان ليزيد بن عمر بن هُبَيرة، والي العراق، راتبٌ سنويّ قدرُه 600,000 درهم. قارن ابن خلّكان في مادّته.
Nota 4. ابن خلدون: التاريخ العامّ III. 96.
Nota 5. ابن تغري بردي 1. 558.
Nota 6. ابن خلدون III. 373.
Nota 7. Z. d. D. M. G. XXV. 55.
192192 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
قبل ذلك، في أيام الأمويّين وأوائل العباسيّين، ثلاثمائةَ درهمٍ في الشهر. ولم يرتفع هذا المقدارُ إلّا في أيام المأمون (1). غير أنّهم أحسنوا تعويضَ أنفسهم تعويضًا وافرًا؛ فمكانتُهم في الديوان كانت تُقعدهم موقعَ من يوزّع الحمايات ويُسدي الخدمات، ويتقاضى عليها أجرًا سخيًّا (2). ويكفي المثالُ التالي لتقرير ما كان لمثل كاتب البلاط هذا من نفوذ: ففي سنة 292هـ (905م)، لمّا جرى النظرُ في انتخاب جاثليقٍ نسطوريّ جديد، بلغ أحدُ المرشّحين لهذا المنصب — بعون كاتبٍ في الديوان نسطوريِّ الأصل أسلم — أن وقع عليه الاختيارُ فعلًا. أمّا ما كلّفه ذلك، فيُستدلّ عليه من أنّ الجاثليقَ الجديد رسم في سنةٍ واحدة ثلاثةَ مطارنةٍ لنَصيبين، أخذ منهم 170,000 درهم، ليملأ جيوبَه الخاوية ويُبقيَ راعيَه راضيًا. وظلّ نفوذُ كاتب الديوان بعد ذلك هو الفاصلَ في انتخاب البطريرك (3). ولم يكن مثلُ هذا النفوذ العظيم بطبيعة الحال إلّا لمن عُيّن من العمّال في وظائف البلاط، أو في دواوين الجهات المركزية الكبرى: ديوانِ الخراج، وبيتِ المال، ونظرِ القصر، وديوانِ الرسائل، وما إليها.
وكانت مناصبُ القضاء جيّدةَ الأجر منذ البدء، وكانوا يضمّون إلى القضاء عادةً ولايةَ الشرطة والنظرَ في ديوان القصص (وهو ديوان الرقاع الواردة بالشكاوى)، أو النظرَ في هذا الديوان وحده. فقاضٍ تولّى هذه الأعمال في القاهرة سنة 88هـ (707م) (4) كان أجرُه على القضاء
Nota 1. الثعالبي: لطائف 17.
Nota 2. ولذلك قالوا أيضًا: باعةُ السوق والصنّاع سَفِلة، والتجّار بخلاء، أمّا الكُتّاب فهم ملوك الناس. ابن حمدون I. 81 r. ومن شعر ابن الروميّ بيتٌ معناه: قضى اللهُ أن يكون السيفُ تابعًا للقلم. المصدر نفسه I. Fol. 285 v.
Nota 3. Assemani: II. 440, 441.
Nota 4. كذا في الأصل «القاهرة» في سنة 88هـ، والمدينةُ يومئذٍ الفُسطاط. (ملاحظة المترجم؛ انظر آخر الفصل.)
193الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 193
1,000 دينارٍ في السنة (1). وقاضٍ آخر لهذه المدينة نفسِها، ولّاه الخليفةُ المنصور، أخذ راتبًا قدرُه ثلاثون دينارًا في الشهر. وكانت تلك أوّلَ مرّةٍ يولّي فيها الخليفةُ نفسُه القاضيَ، إذ كان الولاةُ هم الذين يولّونهم من قبلُ (2). على أنّ راتبَ قاضي القاهرة ارتفع منذ سنة 212هـ (827—828م) إلى 4,000 درهمٍ في الشهر (أي 48,000 درهمٍ في السنة) (3).
أمّا من شغلوا في البلاط مواضعَ الثقة حول شخص الأمير فكانوا يتناولون مبالغَ خرافية. وقد بيّنّا من قبلُ مقدارَ ما كان ينالُه أطبّاءُ الخاصّة. وكان مثلُ هؤلاء المتّصلين بالبلاط اتّصالًا وثيقًا أو رخوًا يُعدّون بالألوف؛ فلم يكن الخدمُ وسكّانُ القصر وحدهم عدّةَ آلاف، بل كذلك أقاربُ البيت الحاكم. ولم يكن الوفاءُ بمطالبَ بهذه الضخامة ممكنًا إلّا بميزانيةٍ هائلة كالتي كانت في يد الخلفاء في الزمن الطيّب. فإذا كان الأميرُ يتصرّف تصرّفًا حرًّا في 300 إلى 400 مليون فرنكٍ في السنة، بعد خصم نفقات الإدارة منها، سهُل عليه أن يُنفّذ أشدَّ خطرات الإسراف جنونًا وأشدَّ صور الجود المتباهي. فقد كان لأمّ هارون الرشيد وحدها دخلٌ سنويّ قدرُه 160 مليون درهم (4). وعلى ضخامة المبالغ الخرافية التي كانت تتدفّق إلى بيت المال من الأقاليم، وهي يومئذٍ غنيّةٌ عامرة، فقد بدّدوها في أقصر مدّة؛ وإن اقتصد حاكمٌ منهم، أتلف خلفُه ما ورثه من الذخائر، حتى قالوا تلك الملاحظةَ التي صارت مثلًا فيما بعد:
194194 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
ما جمعه السفّاحُ والمنصورُ والمهديُّ والهادي والرشيدُ بدّده الأمين، وما جمعه المأمونُ والمعتصمُ والواثقُ بدّده المتوكّل، وما ادّخره المنتصرُ والمعتزُّ والمهتدي والمعتمدُ والمعتضدُ والمكتفي أتلفه المقتدر (1).
وهكذا تدفّقت كنوزُ قارّتين إلى العاصمة، حيث عادت من خزانة الخليفة إلى التداول عبر مئات القنوات. وآثارُ ذلك يسيرةُ التقدير. ففي ذلك الإقليم الذي كان قلبَ الدولة، ولا سيّما في العاصمة، حيث صبّت ينابيعُ الثروة تلك — وهي في الظاهر لا تنضب — سيولَها الذهبية، نشأ ترفٌ لا حدّ له، وحياةُ لذّةٍ مجنونة، وازدحامُ بشرٍ لا نرى مثلَه ينشأ في ظروفٍ مشابهة إلّا في رومةَ القديمة أو في المدن الحديثة العملاقة: لندن وباريس.
ولم تكن فخامةُ الدُّور دون فخامة قصر الخليفة. ففي الأحياء الأنيقة يتلو القصرُ القصرَ، وترى على أبواب الدُّور ثروةَ أصحابها المولعة بالمباهاة. وكان يُفضي إلى الدار العربية دِهليزٌ عالٍ واسع، إذ لا بدّ أن يكون من العلوّ بحيث يدخله الراكبُ على جمله، وبحيث يجلس فيه الزوّار قبل أن يُؤذن لهم في الدخول إلى الحُجَر الداخلية (2). وكانت مصاريعُ الباب أحيانًا من خشبٍ ثمين: من الأبنوس، مصفَّحةً بصفائح الذهب (3). والصحونُ مفروشةٌ بالرخام، مزيَّنةٌ بفسيفساء الحجر؛ وفي مجالس الاستقبال أُسودٌ من ذهبٍ تقذف الماءَ من أفواهها في أحواض الرخام فتملؤها (4). وكُسيت جدرانُ القاعات بالجصّ الناصع البياض، وتلألأت سقوفُ الحُجَر بكامل زينة الألوان في الزخرفة العربية؛
Nota 1. الثعالبي: لطائف 71.
195الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 195
وغطّى الأرضَ أرقُّ البُسط، وقامت على الأفاريز حولها مزهرياتٌ صينيةٌ ثمينة، وأوانٍ مطليّةٌ بالدهان اللمّاع (1)، وسائرُ تُحف الترف؛ بينما تدلّت على النوافذ والأبواب ستائرُ حريريةٌ ثقيلةٌ زاهيةُ الألوان، فيها كتاباتٌ وأرابيسك مطرَّزةٌ بالذهب، وكست الجدرانَ أقمشةُ الذهب. وقامت في الأركان مناراتٌ عاليةٌ من ذهبٍ وفضّةٍ عليها شموعٌ غليظة، وتدلّت من القبّة التي كانت تزيّن معظمَ الحُجَر من عَلُ قناديلُ ثقيلةٌ من ذهبٍ أو فضّةٍ أو بلّورٍ نفيس، معلَّقةً بسلاسلَ من نحاسٍ أصفر؛ وهو ترفٌ لم يعرفه العربُ إلّا عن اليونان، كما يعلّمنا بيتُ شاعرٍ قديم يشبّه النجومَ بالقناديل فيقول: «والنجومُ (اللامعة) كقناديل البلّور اليونانية» (2). وكانت قاعاتُ الاستقبال تعبق بأغلى ضروب الطيب: العودِ والصندلِ يحترقان على مهلٍ في مجامرَ فضّيةٍ كبيرة من عمل الطَّرق. ولم يُعدَم الأثاثُ الثمين: أَسِرّةٌ من رخامٍ مرصَّعةٍ بالذهب، مكسوّةٍ بأثقل الديباج، لا تخلو من أليَن الوسائد محشوّةً بزَغَب الريش (3)؛ وفي حُجَر النوم نُصبت فوقها كِلَلٌ للبعوض من أقمشة الأطلس الثقيلة (4). واتّصلت بالصحن وبحُجَر السكنى بساتينُ واسعةٌ ملأى بالنبات النادر، يغذّي خضرتَها الكثيفةَ ونبتَها الوارفَ جريانُ الماء الدائم. وكانت أروقةٌ باردةٌ معقودة تصل بين صحنٍ وصحن، وحالت أسوارٌ عاليةٌ من الخارج دون كلّ نظرةٍ فضولية.
Nota 1. سمّاها صاحبُ كتاب الموشّى: المدهون الصينيّ المذهَّب. Fol. 175 v. Nota 2. الجواليقي 96. Nota 3. المسعودي VII. 1658. Nota 4. ألف ليلة I. p. 25. (N. 9), p. 231. (N. 109.) وقد ورد ذكرُ الأسِرّة ذوات السقوف وكِلَلِ البعوض في كتاب الموشّى. Fol. 175 v.
13*
196196 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
هكذا كان يبدو تقريبًا، بحسب ما تفرّق من الأخبار، بيتٌ من بيوت الأغنياء. وقد حفظ لنا كاتبٌ قديم الوصفَ التاليَ لمعيشة رجلٍ غنيٍّ من غير أصحاب المناصب في ذلك العهد. ولندع الراويَ يتكلّم:
زرتُ محمدَ بنَ نصرٍ في يومٍ باردٍ من الشتاء. فاستقبلني في قاعةٍ كبيرةٍ معقودة، جدرانُها مطليّةٌ كلُّها بالطين الأرمنيّ الأحمر، ملساءَ حتى لتحكيَ المرآة. وفي وسط قاعة القبّة، وعرضُها نحو عشرين ذراعًا وعمقُها مثلُ ذلك، كانونٌ ضخم من معدنٍ محيطُه عشرةُ أذرع، يتّقد فيه فحمُ شجر الغَضا (1). وفي صدر هذا المجلس جلس ربُّ الدار في ثوبٍ طويلٍ من نسيج تُستَرَ الفارسيّ. والأرضُ مفروشةٌ ببُسطٍ من حرير. فأجلسني إلى جانبه، غير أنّي كدتُ أهلك من الحرّ حقًّا، فما كان همّي إلّا أن أتخلّص بأسرع ما يمكن إلى البرد الذي كان يسود في الخارج. ثمّ زرتُه بعد حين؛ فألفيتُه هذه المرّةَ في حُجرةٍ أخرى، في وسطها حوضُ ماءٍ جميل، وفي صدرها ديوانٌ على مصطبةٍ مرتفعة، يتمتّع المرءُ منه عبر نوافذَ مفتوحة بالإطلال على حظيرةٍ تمرح فيها الظباء، وعلى قفصٍ كبيرٍ تلعب فيه اليمامُ وسائرُ الطير. يقول الراوي: فلم أملك أن قلتُ إنّ العيش ههنا في نعيمٍ كنعيم الجنّة. فأجابني أن أُقيم عنده إلى الغد أُؤنسه. فأقمتُ، فما لبث الخدمُ أن جاؤوا بمائدةٍ من الجَزَع فاقت كلَّ ما رأيتُ قطّ؛ في وسطها كأسٌ من جزعٍ ملوَّن مطوَّقةِ الحواف بالذهب، مملوءةٍ بماء الورد، وإلى جانبها صحفةٌ فيها صدورُ دجاجٍ مرصوفةٌ طبقةً فوق طبقةٍ على هيئة الفطير،
Nota 1. شجرةٌ من شجر البادية، كان الناسُ يطلبونها طلبًا شديدًا لطيب رائحة فحمها.
197الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 197
وعلى المائدة كذلك صحافٌ من الجزع مملوءةٌ بالمرق وضروبِ الأطايب؛ ثمّ قُدّمت السنبوسة (1) وهي بعدُ تغلي في الدهن، وأخيرًا جاءت أقداحٌ ملأى بحلوى اللوز، فخُتمت بها المائدة. ثمّ نهضنا وخرجنا من وراء الستر (الفاصلِ بين مجلس الطعام ومجلس الاستقبال)؛ فوُضعت أمامنا هناك في الختام مِزهريّةٌ كبيرة من الخزف الصينيّ الأبيض، مملوءةٌ بالبنفسج والمنثور، وفي وسطها كُوّم تفّاحٌ شاميٌّ فاخرٌ عَطِر. — فقال ربُّ الدار: هذا فَطورُنا! — (2)
وقد أذكت الثروةُ الشغفَ باللذّة؛ وكما أحسن هذا الرجلُ من عامّة الموسرين أن يعيش هذا العيش، فكذلك تمتّعت الطبقاتُ العليا عمومًا بنِعَم الله. فيا لَبُعد الشُّقّة إذا عاد المرءُ بذهنه إلى عادات المجتمع العربيّ القديم، حيث كان التقشّفُ والقناعةُ في المطعم والمشرب من أحسن خصال هذا الشعب وأعمّها.
كان قوتُ الرجل من الطبقة الوسطى في الزمن القديم خبزًا، ويأتدم به زيتًا (التابَل). ولم يكن الخبزُ يجيء مع لحم الجمل إلّا في المناسبات الخاصّة (3). غير أنّ الحياة في المدن الكبرى، وفي العاصمة خاصّةً، لم تلبث أن رقّقت العادات. وقد نبغ أميرٌ عبّاسيّ (إبراهيمُ بنُ المهديّ) بكتابٍ في الطبخ ألّفه (4). وفي أيام الخليفة المعتضد قطعوا خطوةً أبعدَ من ذلك،
Nota 1. هذا الطعامُ الفاخر، وكانوا يسمّونه قديمًا: سنبوسجة، يُسمّى اليوم في دمشقَ حيث يُقبَل عليه إقبالًا شديدًا: سنبوسة، وهو ضربٌ من الأقراص الخفيفة المقليّة في الدهن. Nota 2. المسعودي VIII. 268. Nota 3. الكامل 88, 329. Nota 4. الفهرست 116.
198198 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
إذ ظهر كتابٌ في الطبخ رُتّبت فيه الأطعمةُ المختلفة على شهور السنة وأيامها، فيجد المرءُ لكلّ يومٍ ما يناسبه من قائمة الطعام (1). بل بدأوا في أيام المعتمد، سَلَفِ الأمير المذكور آنفًا، يؤلّفون كتبًا يتعلّم منها المرءُ بنفسه كلَّ ما يتطلّبه عيشُ الطبقة الرفيعة (high life)؛ فكان فيها، على ما يروي المسعودي، وصفاتُ إعداد الأطعمة المستحدثة، والإرشادُ إلى تركيب الأفاويه المختلفة وطرقِ استعمالها، وسائرُ ما يلزم الذوّاقةَ من البيانات (2).
ويبدو أنّ طعام الطبقات الموسرة كان وفيرًا جدًّا. أمّا مسلكُ رجلٍ من رجال الدولة عاش في أواسط القرن الثاني الهجريّ — وقد اشتُهر على كلّ حالٍ بشدّة الأكل — فيوصف على النحو التالي: كان يتناول في الصباح قبل صلاة الفجر قَدَحًا من لبن الإبل محلّى بالعسل أو السكّر، ثمّ يتبعه بعد ساعةٍ الفطورُ الحقيقيّ، وهو دجاجتان أو حمامتان، ونصفُ جَدْيٍ، وطبقٌ آخر من اللحم. وكانت الوجبةُ الكبرى عند الظهر، وفي المساء تُمَدّ المائدةُ لمن حضر. وكان ربُّ الدار يأكل حينئذٍ مع نُدمائه على مصطبةٍ نُصبت لهم عليها المائدة، وهو متّكئٌ على سرير، بينما يُبسط لسائر الضيوف سِماطٌ على الأرض لا غير. ويُدار عليهم اللبنُ بالعسل شرابًا (3).
وفي المناسبات الكبرى كانوا يتباهون خاصّةً بغلاء الأطعمة. فلمّا نال الأميرُ المذكورُ آنفًا صاحبُ كتاب الطبخ شرفَ إضافة الخليفة الرشيد عنده مرّةً، قدّم إليه سمكًا منقوعًا في الخلّ والتوابل، غير أنّه لفت النظر بـ
Nota 1. الفهرست 262. Nota 2. المسعودي VIII، المقدّمة 8. Nota 3. Slane: Ibn Khallikän في مادّة يزيد بن عمر بن هُبَيرة، IV. 211.
199الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 199
صِغَر قطعه. فلمّا علّق الخليفةُ على ذلك، قيل له إنّ هذا الطعام لم يُصنع إلّا من ألسنة السمك. وقد كلّف ألفَ درهم (1). أمّا مائدةُ المكتفي في كلّ يومٍ عند الظهر — وقد اشتُهر ببخله — فكانت على هذا النحو: عشرةُ ألوانٍ في اليوم، وفي كلّ جمعةٍ يُزاد عليها جَدْيٌ وثلاثةُ ألوانٍ من الحلوى (2). وبلغت نفقةُ مائدة الخلفاء الأقدمين إلى أيام المهتدي عشرةَ آلاف درهمٍ في اليوم وسطًا (3). وجرت العادةُ أيضًا أن يزيّنوا المائدةَ في المواسم بتماثيلَ يصنعونها من العنبر والكافور، وهما يومئذٍ من أغلى الموادّ؛ فكانوا يعجنون من مثل هذا الخليط صورَ الحيوان والإنسان، أو ثمارًا كالبطّيخ مثلًا، فتملأ رائحتُها النافذة قاعةَ الطعام (4). وفوق ذلك كانوا يزيّنون المائدةَ بالزهر، وينثرون على أرض المجلس وعلى الضيوف أنفسهم ورقَ الورد. وبلغوا في تنويع الأطعمة ما لا يكاد يُصدَّق، ولا سيّما في الحلوى؛ فكانت هناك أبراجٌ كاملة وقصورٌ مبنيّةٌ صناعةً من السكّر، زينةً للمائدة ومتعةً لعيون الضيوف (5). وكلُّ وليمةٍ خلت من الحلوى عُدّت ناقصةً فاشلة (6).
ولذلك العهد يدين المشرقُ بأصنافه من الحلوى، وهي إلى اليوم محبوبةٌ عنده جدًّا، وهي في الحقّ رفيعةُ المذاق: كالمهلَّبية، وهي ضربٌ من أرزٍ باللبن، سُمّيت باسم القائد المشهور المهلَّب؛ والقطائفِ اللذيذة، والكنافةِ والبقلاوة تتنافس فيها دمشقُ والقسطنطينيةُ والقاهرة؛ والمعمولةِ الطيّبة العسيرة الهضم، وهي في حلب
Nota 1. المسعودي VI. 350. Nota 2. المصدر نفسه VIII. 226. Nota 3. المصدر نفسه 20. Nota 4. المقريزي: الخطط I. 415. Nota 5. «القصور المعمولة من السكّر». المقريزي: الخطط I. 443. Nota 6. ابن حمدون II. Fol. 188 v.
200200 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
على وجه الخصوص جديرةٌ بالتوصية؛ على حين وجدت الحلاوةُ القسطنطينية الساذجة طريقَها حتى إلى محالّ المأكولات الفاخرة في أوروبا باسم «راحة لقوم» (راحة الحلقوم، أي ما يُريح الحلق). وقد صاغ غيرُ واحدٍ من ذوّاقة العرب القدماء حماستَه شعرًا وصل إلينا، لا أُورد منه هنا إلّا مثالًا واحدًا: قطائفُ محشوّةٌ باللوز — وبأطيب العسل ممزوجًا بالموز — تعوم في طوفانٍ من دهن الجوز — فابتهجتُ حين وضعتُ يدي عليها — كما ابتهج عبّاسٌ بقرب الظَّفَر (1).
يُرى من ذلك أنّهم بلغوا في صناعة الحلوى الرفيعة شأوًا معتبَرًا، حتى إنّ طبقةَ القضاة الرزينة نفسَها استطابته؛ فثمّة ضربٌ خاصّ من المعجَّنات يُسمّى: لقيمات القاضي (2)، وقاضٍ خلّد اسمَه باختراع الفستق المُلبَّس (لُبّ الفستق المُلبَّس) (3).
وفي هذا أيضًا لم يخرج المشرقُ الحديث على العادات القديمة، إذ يفتتح ولائمَه بالأطعمة الحامضة (بالعربية: الكامخ، وبالتركية: ekşi) ويختمها بالحلو (4). وكانت العاصمةُ أبدًا هي القدوةَ للأقاليم، وكانت أُسَرُ الأقاليم الحاكمة المختلفة تحاول، متى ملكت الوسائل، أن تسبق الخلفاءَ أنفسهم: فيقال إنّ أميرَ مصر خُمارويه كان ينفق على مطبخه 23,000 دينارٍ في الشهر (5).
ومع ارتفاع مستوى العيش، ازداد استطابتُهم لملذّات المائدة، فنشأت في بغداد لذلك عشيرةٌ قائمةٌ برأسها من قومٍ كانوا يتطفّلون تطفّلًا حقيقيًّا،
Nota 1. المسعودي VIII. 239، قارن 244, 394. Nota 2. ألف ليلة I. 25. (N. 9.) Nota 3. المقريزي: الخطط I. 332. II. 453. السيوطي: حسن المحاضرة II. 93. Nota 4. المسعودي VI. 392. Nota 5. ابن تغري بردي II. 64.
201الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 201
فيقتحمون كلَّ موضعٍ يُحسَن فيه الأكلُ والشرب. وقد سمّوا هؤلاء القوم — وقد نفعهم كثيرًا ما عند الناس من كرم الضيافة — الطُّفَيليّين؛ ويُروى عن فُرسان الاحتيال هؤلاء في مدينة الخلافة عددٌ لا يُحصى من الحكايات المضحكة، وهي لذلك دالّةٌ على ذلك العصر، إذ تُرينا حياةَ الشعب والمجتمع من وجهها الفكِه. ولهذا السبب أُثبت فيما يلي ترجمةً مختصرة لقطعةٍ بالغة الدلالة لِما فيها من صبغةٍ فكهةٍ ساخرة؛ فقلّما يجد المرءُ في الأدب العربيّ مثلَ هذه الفيوض العفوية من المرح، وقد ذهب المرحُ سريعًا جدًّا بما نزل بالناس من ضيق الزمان وشدّته. وهذه القطعةُ عهدٌ فكِهٌ يوجّهه طُفيليٌّ قديم إلى أصاغر أهل صناعته، يبثّهم فيه تجاربَه في الحياة. ونصُّه كما يلي:
هذا عهدُ فلانٍ لفلان، كتبه وهو صحيحُ الجَنان، — عليلُ الجوف والأركان، — واهي المَضْغ، — مشفقٌ على الهَضْم، — عند مخرج العمر، — ومدخل الحشر، — موعظةً ومشورةً لنُجَباء هذه الصَّنعة، — وإخوانِ الطائفة الصوفية في هذه الحِرفة، — لاحسي الصِّحاف، — ومن لا يشبعون من الأطراف، — من جماعة الطُّفَيليّين لا تفتُر لهم رحًى، — ولا يقف لهم شَرَهٌ على مدى، — أصحابِ الأفواه الفاغرة، — والحلوقِ الفاغِرة. — سلامٌ عليكم! — وأحمد اللهَ معكم، — الواحدَ الذي سلّحكم بالأسنان للقَضْم والمَضْغ، — ومنحكم الأشداقَ الواسعةَ والحلوقَ العميقة، — وأُثني على النبيّ، — الذي رفع رايةَ الإسلام، — وأمر بإكرام ذوي القربى، — وبمقاسمة الفقراء الطعام! —
وأُعلمكم بهذا أنّي رأيتُ رجالَ حِلْف الأكل، — وأساتذةَ فنّ الالتهام، — يقلّون في الأرض عامًا بعد عام، — ورأيتُ نجمًا بعد نجمٍ يغيب؛ — فما يكاد يوجد في حاضرةٍ ولا باديةٍ منهم أحد، — ممّن يُحسن هذه الصناعةَ
202202 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
الرفيعة، — ويعي حِيَلَها كلَّها والذريعة، — كيف ينسلّ المرءُ إلى قاعة الطعام، — ويبلغ المائدةَ الممدودةَ على التمام. — وغايةُ ما يبلغه الواحدُ اليوم أن يتعرّض للأغنياء؛ — ثمّ يقعد على موائدهم في تخشّعٍ وحياء، — يشمّر ثوبَه تشميرًا أنيقًا، — ويلتقط بأنامله من الصحفة لقمًا رقيقًا. — وذلك كلُّه خلافُ قواعد المدرسة القديمة الرشيدة، — التي تأمر بكبار اللقم وتعيب القصدَ والزهيدة. — فإذا نال هذا المتخلّفُ طيّبَ اللقم، — أمسك كأنّه قد شبع من التُّخَم، — فإن هو زاد في الأكل، — تصنّع أنّه جليسٌ ورفيقُ الشَّكْل. — ومثلُ هذا الغُمْر لا يبلغ في الأكل في مثل تلك الولائم — أكثرَ ممّا يبلغه واحدٌ من الضيوف القوائم. — وهذا، أيّها السادةُ الكرام، هو الذي أهلك الصناعة، — وأذهب جاهَها في الجماعة، — حتى صار تلاميذُها لا يعرفون القواعد، — ولا يحفظون من دقائقها فائدة، — وجهلوا حِيَلَ الأساتذة القدماء البارعة، — ونوادرَ صنعتهم الرائعة. — وأنا في هذا الكتاب مبيِّنٌ ذلك كلَّه بلسان الشَّرَه، — ومُهدٍ أوّلَ الأمر تحيّتي إلى شيطان النَّهَم لا يشبع أبدًا. —
فاعلموا يا أصحابَ المائدة والقِدر: — أنّ الرجل كلّما كان أحقرَ قَدْر، — كان أسهلَ عليه أن يملأ الحوصلة، — وكلّما كان أجفى وأغلظ، — كانت تجارتُه أربحَ وأحفظ؛ — فادخلوا الحمّامَ في كلّ يوم، — وادهنوا المعِدةَ بالدُّهون، — وعليكم بالتمطّي والتقلّب، — تستريحون بهما من ليالي السَّهَر والتعب، — ثمّ لا تَدَعوا شارعًا ولا زاوية، — ولا جدارًا ولا سياجًا ولا ناحية، — ولا مَرْبِطَ حمار — كونوا في كلّ دار! — وتعهّدوا الخاناتِ والحاناتِ خاصّة، — وطوفوا بها ليلًا ونهارًا في كلّ ساعة، — واعتنوا قبل كلّ شيءٍ بولائم العُرس، — أو بالدُّور التي نزلت بها تركةُ ميتٍ بالأمس، — أو حيث يُسهَر على النَّرد والقمار، — ولا تبتعدوا عن حِلَق المُضحِكين
203الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 203
والسُّخّار، — ولا عن مواقف أهل الرياء من الأخيار، — واحضروا نِطاحَ الكِباش عن رغبة (1)، — وكذلك أصحابَ الأرزاق في الأديرة، — وسكّانَ مواضع النُّسك المقدّسة؛ — وعند العجائز ذوات العُكّازات — قد يقع لكم صيدٌ من الصَّيدات، — وتفقّدوا عند باب كلّ دار — أيَّ رائحةٍ تخرج منه إلى الجوار. — ولا يصرفنّكم لومٌ ولا هُزْء: — فما ينطق به أعداؤكم إلّا الحسدُ والبُغْض؛ — ولا يَغِظْكم وعيدُ خادمٍ من الخدم، — ولا يُغلقنّ في وجوهكم بوّابٌ بابًا بالرَّتَم، — بل افتحوا لأنفسكم الباب؛ — فإن كانت دونه مزاليجُ وأقفال، — فاصعدوا إلى النافذة على كلّ حال. —
فيا كم خاصمتُ — وكم قاسيتُ! — ضربتُ وضُربتُ، — ورفستُ ورُفستُ! — واليومَ لا يُرى منّي إلّا البقيّة، — فقد مضى خيرُ ما فيّ من الحال والفتيّة، — رأسي أملسُ من الصَّلَع، — وعيني كليلةٌ من الكِبَر والوجع، — غير أنّ ذلك عندي كلَّه هزلٌ ولعب، — ما دام هناك طعامٌ شهيٌّ يُطلب! — فأُوصيكم، أيّها الشُّبّان والشُّيوخ، — أن تحفظوا ذلك كلَّه في الصدور والحلوق، — وأستودعُ اللهَ أفكاكَكم وبطونَكم — في كلّ ما هو آتٍ من أيّامكم! — (2)
وللمرء أن يستخلص من هذه القطعة إلى أيّ حدٍّ تطوّرت حياةُ اللذّة يومئذٍ، وكيف عاش الناسُ في مرحٍ وخلوّ بال، وكيف نظروا إلى الحياة نظرةً منشرحة، على رغم القرآن والعقيدة القويمة.
ولا يُدهش بعد ما تقدّم أنّهم قرنوا بمسرّات المائدة شربَ الخمر وسائرَ ما ينبّه الأعصاب من الأشربة. وسيكون هذا الرسمُ في الحقّ ناقصًا جدًّا لو لم أذكر الأشربةَ التي لها في تطوّر الشعب الحضاريّ
Nota 1. كان نِطاحُ الكباش، ومهارشةُ الدِّيَكة والكلاب، محبوبًا جدًّا، وكانوا يراهنون عليه أيضًا. الجاحظ: كتاب الحيوان. Fol. 67 v. Nota 2. ابن حمدون I. 224 r.
204204 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
شأنٌ عظيم جدًّا، وكذلك الطِّيبَ الذي لا يكاد أثرُه يقلّ عنها، إذ هو من منبّهات الأعصاب على مثل فاعليّتها تقريبًا.
لقد لقي تحريمُ القرآن الرسميُّ للخمر مخالفاتٍ كثيرة على الدوام، ولذلك وضعوا على مخالفته عقوبةً بالغةَ الشدّة نسبيًّا من عقوبات الشرطة. غير أنّ ذلك لم يُجدِ إلّا قليلًا، حتى إنّ عمرَ الثاني، ذلك التقيَّ الحالم، اضطُرّ في كتابٍ عمّمه على الناس، وحرّم فيه الخمرَ المختمرة نفسَها، أن يدلّهم بدلًا منها على العسل والسَّرمَق ونبيذ الزبيب والتمر (النبيذ). فلم يكن المحرَّمُ إلّا الشرابَ المختمرَ المسكرَ لذلك (1). على أنّه يبدو لي راجحًا جدًّا أنّ هذه البدائل المذكورةَ آنفًا كانت تمرّ هي أيضًا بتخمّرٍ يقع في البلاد الحارّة في أقصر مدّة، فتكتسب به أثرًا مسكرًا وإن يكن أضعف. وكانت هناك فوق ذلك أنواعٌ مختلفة من الأشربة لا شكّ في احتوائها على الكحول، وقد تشابكت بحياة الناس تشابكًا وثيقًا حتى لم تُزِلْها أيُّ تحريمات. فقد أبقت مصرُ، على دخولها في القرآن، مِزْرَها القديمَ المحبوب، وهو ضربٌ من الجِعَة يُصنع من الحنطة والذرة والشعير (2)، وكان مستعملًا عامّةً، حتى صار في العصور المتأخّرة موضوعًا مرغوبًا للجباية فأُثقل بضريبة (3). وبقي هذا الشرابُ في جنوب الجزيرة مستعملًا كذلك (4)، شأنَ الشراب الوطنيّ القديم،
Nota 1. قارن نصَّ هذا الكتاب في «جولات في تاريخ الحضارة» (Culturgeschichtl. Streifzüge) ص 68. أمّا الشرابُ المسمّى السَّرمَق فلا يُعرف عنه شيءٌ على وجه التحديد. Nota 2. ابن البيطار II. 513. Nota 3. المقريزي: الخطط I. 105. Nota 4. البخاري 2218.
205الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 205
أعني شرابَ العسل (1) (البِتْع، ويسمّى أيضًا المادي)، الذي يُحكم بحسب اسمه المتّصل بالهنديّ «madhu» أنّه مستوردٌ من الهند، وذلك دليلٌ ذو دلالةٍ على الطريق الذي جاءت منه إلى جنوب الجزيرة حضارتُها. أمّا شرابٌ مسكرٌ آخر يسمّى الداذي (الكامل 72)، فلا نعلم عنه، على ما ذكر ابن البيطار، إلّا أنّ هذا الاسم يدلّ على ضربٍ من البذر مرّ الطعم، يشبه الشعيرَ في منظره، غير أنّه أدقّ منه وأطول (2).
وكان أقلَّ ضررًا منها الفُقّاع، وهو ضربٌ من الشراب المبرّد يُصنع من دقيق الشعير والفلفل والسنبل (Spica nardus) والقرنفل (Caryophilla aromatica) والسَّذاب والكرفس (Opium graveolens)؛ وأصدقُ ما يدلّ على سلامته أنّهم كانوا يبيعونه علانيةً في أسواق بغداد وسامرّاء (3). وله على ما ذكر ابنُ ماسويه أربعةُ أنواع: الأوّل من دقيق الشعير بزيادة الفلفل والسنبل والقرنفل والسَّذاب والبقدونس، والثاني من الخبز والبقدونس والنعناع، والثالث من العسل، والرابع من السكّر (4). وثمّة خليطٌ آخر على مثل هذه السلامة، وهو ذلك الشرابُ المبرَّد المحبوب في المشرق إلى اليوم، يُتّخذ من سكّر الورد مذابًا في الماء ومبرَّدًا بالثلج (5). وكانت هناك فوق ذلك، كما هي الحالُ اليوم، طائفةٌ كبيرة من الأشربة المبرِّدة والمنعشة الأخرى، كماء البنفسج أو ماء الصفصاف، وشرابِ زهر الصفصاف وما إليهما (6). وكان السَّويقُ محبوبًا خاصّةً، وهو ماءُ شعيرٍ يُحسى من الإناء بأنابيبَ من القشّ أو
Nota 1. الكامل 763. وكان البِتْع عند اللغويّين القدماء مسكرًا يُصنع من العسل، أو على ما ذكر ابن البيطار I. 22 من التمر. Nota 2. قارن Reinaud: Relations des voyages faits par les Arabes et les Persans. Paris 1845, 565. ويبدو أنّه مستعارٌ من الهند كذلك. قارن Reinaud نفسَه I. p. 129. Nota 3. اليعقوبي 35. وفي صنعة هذا الشراب المرجعُ هو ابنُ البيطار II. 259. وعلى ما ذكر Sacy: Chresth. ar. I. 150 فإنّ الفُقّاع هو اليونانيّ ζῦθος، والمِزْر هو κοῦρμι، وفي ذلك عندي شكّ. Nota 4. Sacy نفسُه 153. Nota 5. ألف ليلة I. 164, 188, 189. Nota 6. المصدر نفسه I. 163, 164.
206206 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
القصب؛ وقد جرت به العادةُ للمرضى خاصّةً (1). غير أنّ هذه البدائل كلَّها لم تستطع أن تُزيح نبيذَ التمر الكحوليّ، فضلًا عن الخمر الحقيقيّة. فقد كان الأوّلُ لرخصه شرابَ طبقات العامّة، ولا سيّما في العراق، حيث يسهل صنعُه جدًّا لوفرة التمر؛ إذ كانت صنعتُه في غاية البساطة: يصبّون الماءَ على التمر ويتركون الخليطَ يتخمّر. وكان شرابًا فيه حموضةٌ ينعش، غير أنّه يسكر بسهولة أيضًا. وثمّة صنفٌ آخر منه هو السَّكَر (2)، وكانوا يصنعونه كذلك من التمر المجفَّف مع خلطٍ من أعشابٍ مُرّة (الكَشوث، وهو ضربٌ من cuscuta) ومن الآس. وكان يفعل فعلَ نبيذ التمر. ولعلّ مرارةَ طعمه هي التي حبّبته خاصّةً في مناخٍ حارّ (3). وكان هناك أيضًا ضربٌ من نبيذ التمر يُزاد فيه الداذي والدِّبس (أي العصير المطبوخ)، ويسمّى هذا الخليط الدُّوشاب (4)، وهو اسمٌ لا تزال تجري تحته اليومَ في الولائم التركية أنواعٌ مختلفة من الأشربة المبرَّدة الحلوة. وأخيرًا يُذكر — وهو أقلُّ انتشارًا — شرابُ الغُبَيراء، وهي الجِعَةُ الحبشية، وقد وصلت إلى بلاد العرب مبكّرًا، غير أنّ محمدًا حرّمها على وجه الخصوص إذ سوّى بينها وبين الخمر (5).
على أنّهم كانوا يفضّلون الخمرَ الحقيقيّة على كلّ شيءٍ أبدًا. يقول شاعرٌ قديم (أبو مِحجَن): «إن متُّ فادفنوني إلى جنب كَرمةٍ، حتى تسقيَ عروقُها عظامي في التراب؛ ولا تدفنوني في الفلاة، فإنّي أخشى إن متُّ
Nota 1. كانوا يشربونه «بقصبةِ يَراع». ابن حمدون I. Fol. 169، وهو يضيف في موضعٍ آخر: «شرابُ الحزين والمستعجل والمريض». Nota 2. Goeje: Fragm. Hist. Arab. p. 126. Nota 3. قارن Lane: Arabic Lexicon في مادّة سكر. Nota 4. المسعودي VIII. 243. ويذكر صاحبُ كتاب الموشّى في Fol. 92 هذه الأشربة: المعسَّل، والدُّوشاب، والمطبوخ (الخمر المطبوخة)، والمشمش أي عصير المشمش، ونبيذ السكّر، والكِشمِش وهو ضربٌ من العصير. Nota 5. الجواليقي 108. وكانت تُسمّى أيضًا السُّكُرْكَة أو السُّكُرْكَع.
207الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 207
ألّا أذوق هناك ماءَ الكَرْم بعدُ». — وكانوا يشربونها ممزوجةً بالماء وصِرفًا، ومطبوخةً كذلك (الطِّلاء)، أو ممزوجةً بالعسل والأفاويه (1)، وعلى أصنافٍ مختلفة تعلّموا أكثرَها من اليونان — كما تدلّ التسمياتُ — مثل: الإسفنط (ἀψίνθιον)، والخَنْدَريس (χόνδρος)، وما إليهما.
وعلى أنّه ليس من الأشربة، فإنّا نذكر هنا منبِّهًا آخر للأعصاب، لم يبقَ اليومَ مستعملًا إلّا في جنوب الجزيرة، وقد كان معروفًا في الزمن الأقدم ببغداد أيضًا. وهو ورقُ شجيرة «الكادي» (Catha edulis)، وهي نبتةٌ لا توجد إلّا في جنوب الجزيرة، إذا مُضغ أحدث أثرًا مُبهِجًا منبِّهًا، ويفوق الشايَ نفسَه في تنبيه الأعصاب. ويدلّ على تعاطيه ببغداد هذان البيتان في ديوان أبي نُوَاس: اشربِ الخمرَ الصافيةَ متّكئًا على الورد، فهي تُنسي كلَّ لبيبٍ عقابَ الله، كما يفعل الكادي (2).
فإذا كانوا قد بلغوا بهذه الوسائل أثرًا مخدِّرًا ومنبِّهًا، وتأثّر بذلك النشاطُ الذهنيُّ وقوّةُ الانطلاق العقليّ تأثّرًا غيرَ يسيرٍ قطعًا، فذلك صادقٌ على الطِّيب بمثل هذا القدر، بل لعلّه بأقوى منه. وإنّ المرءَ ليكاد يشمّ في شعر العصر العباسيّ آثارَ الخمر والطِّيب المنبِّه للأعصاب.
وإذا لاحظ كاتبٌ إنكليزيٌّ لبيبٌ أنّ حالةَ شعبٍ حضاريًّا يمكن الحكمُ عليها بمقدار ما يستهلكه من الصابون، فإنّي أزعم — وأحسبني أوْلى منه بالحقّ — أنّ التذوّقَ للطِّيب أدلُّ من ذلك بكثير
Nota 1. الجواليقي: 14, 71. Nota 2. الديوان، طبعة القاهرة 162؛ وقد حكم الصُّولي على القصيدة بأنّها منحولة، وإلى رأيه أذهب.
208208 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
على ذلك. والحسُّ بالطِّيب في الحقّ علامةٌ على رهافةٍ عصبيةٍ بالغةِ النموّ، ولا يستشعر مثلَ هذه اللذّات — وهي لا تقدّم من الإغراء الماديّ إلّا أقلَّ القليل — إلّا الشعوبُ الأرقى تنظيمًا. وقد كانت بلادُ العرب، كما علم هيرودوتُ من قبل، أغنى البلاد بالطِّيب، وكان الشغفُ بجيّد البَخور والطِّيب شائعًا حتى في أقدم العصور. فكانت القوافلُ بأسرها تخرج من جنوب الجزيرة محمّلةً بشُجَيرات اليمن العطرية وطيبِها إلى الشمال. وكانت تسير إلى فارسَ قبل الإسلام بزمنٍ طويل قوافلُ سنويةٌ عبر وسط الجزيرة، تحمل البَخورَ والعطورَ وأنسجةَ الكتّان المرغوبةَ يومئذٍ إلى فارس (1). وكان النبيُّ ذا شغفٍ ظاهرٍ بجيّد العطور، ويُروى أنّه قال إنّه لا يُحبَّب إليه من الدنيا إلّا شيئان: النساءُ والطِّيب، وأضاف: غير أنّ أحبَّ الأشياء إليّ الصلاة. ويُوصف في الأشعار القديمة أشرافُ الرجال بشعورٍ يفوح منها المسك (2)، وكذلك الحِسانُ من النساء يملأن الهواءَ طيبًا. يقول فيهنّ شاعر: يفوح من أكمامهنّ المسكُ الخالص والعنبرُ وعودُ الألوّة (3).
وإلى شغف المشرِّع العربيّ بجيّد الروائح يرجع أنّهم عدّوا التطيّبَ يوم الجمعة، وهو عيدُ الأسبوع، أمرًا من أمور الدين (4)؛ بل كانوا يطيّبون الميّتَ نفسَه بالحَنوط (5) قبل أن يُنزلوه القبر (الكامل ص 715). وكانت تقوم في حُجَر
Nota 1. الكامل 240. Nota 2. المصدر نفسه 35, 316. Nota 3. عديّ بن زيد، ابن حمدون I. Fol. 349 v. Nota 4. البخاري 558, 561. Nota 5. قارن في الحَنوط أو الذَّريرة، وهما بمعنًى واحد، Barbier de Meynard: Dictionnaire géographique de la Perse p. 575 والمعجم في مادّة: نهاوند.
209الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 209
الأغنياء دائمًا، وفي أيام الاستقبال خاصّةً، أوانٍ فيها موادُّ شديدةُ العَرْف (المسكُ في الأغلب)، أو مجامرُ فيها عودُ الألوّة. يقول راوٍ يخبر عن مجلس الخليفة يزيدَ الثاني إنّ الأميرَ أمر فأُحضر له ولضيفه بساطٌ يجلسان عليه، ثمّ وضع الخدمُ بين يدي كلٍّ منهما جامًا فيه مسك (1)؛ وفي مثل هذه المناسبة كان بين يدي الخليفة هشامٍ، أمام الديوان الذي يجلس عليه، صحفةٌ من ذهبٍ فيها مسكٌ معجونٌ بماء الورد (2). وكانوا يستعملون المسكَ كذلك في خِضاب اللحية وشعرِ الرأس (3). وإن أعوزهم غيرُه دهنوا أبدانهم بالزيت الساذج أو المطيَّب (4). حتى إنّ فقهاء الشرع المتشدّدين كانوا يقتدون بالنبيّ في ذلك عن طيب نفس، ويحرصون على أن يكونوا أبدًا حسَنَي التطيّب (5). ومن ضروب الطِّيب المتأخّرة، ولذلك كانت مركّبةً من موادَّ شديدة الاختلاف، الغاليةُ، وكانوا يتطيّبون بها بعد الحمّام خاصّةً (6). ومادّتُها الأساسية الزَّباد (7). وكانوا يطلون بها اللحيةَ والشعرَ ويخضبونهما، بل يبدو أنّهم استعملوا الغاليةَ عجينًا يُغطّى به الصَّلَع؛ فقد أمر المنصورُ فحُلق رأسُه، ثمّ طُلي بالغالية عوضًا عن شعرٍ مستعار (8). وكان لا بدّ من عصب اللحية والشعر أو إدخالهما في غِلافٍ حتى تجفّ العجينة فتلتصق (9).
وكانوا يتطيّبون قبل الطعام وبعده، فيُمسكون الثيابَ فوق المِجمرة أو ينحنون بأبدانهم عليها. ولم يكن ليخلوَ من جيّد
210210 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
البَخور مجلسُ طعام، كما لم يكن ليخلوَ من الزهر الشديد الرائحة (1).
واستُعمل البَخورُ في المساجد أيضًا في المواسم، فكانت المِجمرةُ بعود الألوّة تتّقد في مسجد مكّة عند مختلف الشعائر الدينية (2)، وكذلك كان الأمرُ في القاهرة في أيام الفاطميّين (3)؛ وفي استقبالات البلاط كانوا يطيّبون قاعةَ المجلس بالعود والكافور والزعفران وماء الورد. وكانت المجامرُ والمباخرُ من فضّة (4). وفي وصف حفلٍ أقامه الخليفةُ الراضي في بستانه يُروى أنّ الضيوف حين دخلوا البستان تلقّتهم سُحُبٌ حقيقيةٌ من المجامر يتوهّج فيها العودُ والصندل.
ولذلك كان جيّدُ البَخور يوزَن بالذهب، وكانوا يتّخذونه هدايا ثمينة. وكان في الدُّور الغنيّة مخزونٌ كبير أبدًا من أصنافه المختلفة: النَّدّ، والعنبر الأشهب، والعود، والمسك، والكافور، والعنبر الأصفر (الكهرمان)، والسُّكّ، وهو خليطٌ من الكهرمان وصمغ اللُّبان وسائرِ أجزاء النبات العطرية (5)، أو على قول اللغويّين خليطٌ من المسك ومادّةٍ عطريةٍ أخرى (الرامك) مع دهن المنثور (6)؛ وقد ذكرنا الغاليةَ من قبل، وأخيرًا يُذكر ضربٌ يقال له البرمكية. وكانوا يُحرقون على المجامر للتبخّر ضربًا من العود يقال له الأُلُوّة. وأمّا مقدارُ ما كان يُخزَن من مثل هذه الأبخرة في بيتٍ غنيّ، فيُعلَم من سجلّ أموال أحد الولاة
Nota 1. Caussin de Perceval: Essai u. s. w. II. 256. المسعودي VII. 39. ألف ليلة I. 91. Nota 2. ابن جبير 151. Nota 3. المقريزي: الخطط I. 421. Nota 4. المصدر نفسه 416, 420, 421. Nota 5. Barbier de Meynard: Dict. Géogr. de la Perse 241. Nota 6. كذا على ما في Lane: Arabic Lexicon.
211الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 211
الذي نقله ياقوت (1). وكان أشيعَ ضروب الطِّيب الخَلوقُ، وهو المصبوغ بالزعفران أصفر (2).
ولم يُضطرّ العربيُّ إلى ترك طِيبه وعطوره إلّا مرّةً واحدة في عمره، أعني في الحجّ، إذ كان من فرض الدين أن يغسل الطِّيبَ عنه ثلاثًا قبل الشروع في الحجّ (3).
وقد بلغ الحسُّ بالطِّيب والشغفُ به من الشيوع والعموم أنّ أفقرَ النساء والفتيات كنّ يلبسن للرائحة قلائدَ من التمر المجفَّف (4)، وهي عادةٌ لا تزال قائمةً إلى اليوم في مصرَ والشام، وتجري بها العادةُ عند الصغيرات خاصّةً؛ على حين كانت الخواصُّ من السيّدات يلبسن في الزمن الطيّب قلائدَ من القرنفل المنقوع في الخمر، ومن قطع الكافور، ومن العنبر (5).
وكان هناك، فوق ما تقدّم من العطور والأبخرة، عددٌ كبير من الأدهان العطرية والمراهم وخلاصات الزهر، ولا حاجة إلى إفرادها بالذكر، إذ سيجد جوهرُ القول فيها موضعَه في
Nota 1. المعجم في مادّة: دُور الراسبيّ. Nota 2. ابن خلّكان في مادّة ابن الصائغ. ويذكر صاحبُ كتاب الموشّى هذه العطورَ الجاريةَ في زمانه: المسك المذاب في ماء الورد، وعود الألوّة الممزوج بالعنبر مع قرنفلٍ مشبَّعٍ بالخمر، والنَّدَّ السلطانيَّ، والعنبرَ البحرينيَّ، والعَبيرَ، وضربين أو ثلاثةً غيرها (الذرائر المفتوقة بالعَبير). ولم يستعملوا الكافورَ إلّا في المرض، أو منثورًا في المجامر ممزوجًا بالمسك والعَبير والزعفران. واستعملوا البرمكيةَ أيضًا. وعُدّ الخَلوقُ طِيبَ النساء. Fol. 123. وفي موضعٍ آخر، Fol. 125، يذكر عطورَ السيّدات، أُبرز منها ما يلي: صنفَ اللَّخالِخ، والصندل، والقرنفل، وSajjäh، وقلائدَ التمر (adkäl)، والأقراصَ، والزعفرانَ، والكافورَ، والبرمكيةَ، وأصنافًا كثيرةً أخرى من الأدهان والمراهم تُصنع من البنفسج والزنبق والبان. Nota 3. البخاري 978. Nota 4. ابن البيطار I. 167. Nota 5. كتاب الموشّى Fol. 125. ديوان مسلم بن الوليد، طبعة Goeje ص 116.
14*
212212 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
الفصل الخاصّ بالصناعة والتجارة.
فإذا تبيّن من هذه الخطوط العجلى بوضوحٍ كافٍ إلى أيّ حدٍّ بلغ الترفُ والحسُّ بطيب العيش والذوقُ في اللذّات الرفيعة، فذلك أظهرُ منه، وربّما بدرجةٍ أقوى، في فخامة اللباس والحُليّ وزينةِ النساء والموضة. ونقدّم في ذلك — كما هو طبيعيّ — الجنسَ اللطيف، فقد أحسن أبدًا أن يزيد مفاتنَه الطبيعية بهاءً بفنّ الزينة، مهما يكن بدائيًّا.
ويبدو أنّ البساطة لم تكن من شأن السيّدات العربيات الحِسان؛ فبحسب ما وصل إلينا من الأخبار، كنّ يتحمّلن من الحُليّ في المواسم ما يفوق الحدّ. فسيّدةٌ رفيعةُ القدر أقامت عُرسَها الثالث كانت مُثقَلةً بالحُليّ حتى لم يستطع زوجُها أن يمسّها (1). وفي حكايات ألف ليلة وليلة وصفٌ لزُبَيدةَ زوجِ هارونَ الرشيد، ويُذكر معه أنّها كانت لِما تحمله من الحُليّ تتّكئ إذا مشت على جاريتين. بل حُمّل الأطفالُ أنفسُهم من الحُليّ فوق طاقتهم (2). ولم يزدرين فنونَ الزينة أيضًا: فقد ذكرنا من قبلُ موضةَ العصائب التي ابتدعتها الأميرةُ عُلَيّة؛ بل كنّ يزيّنّ الوجهَ بشاماتٍ مصنوعة، أو يكتبن أبياتًا كاملةً على الجبين والخدّين (3)؛ وكانوا يشوّهون خدودَ الفتيات الحِسان بنُقَطٍ سوداءَ اتّقاءً للعين. وأمّا الحُليّ فلم يكن فيه
Nota 1. المسعودي VI. 111. وجرت العادةُ أن تستعير النساءُ غيرُ الموسرات الجواهرَ والحُليَّ من الجوهريّين ليظهرن في المواسم في بهاءٍ خاصّ (الأغاني XV, 80)، وهي عادةٌ لا تزال قائمةً في القاهرة إلى اليوم. Nota 2. الأغاني XIV. 169. Nota 3. ألف ليلة I. 78: منقَّشة مكتَّبة.
213الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 213
تيجانٌ ثمينة (karzan) وعصائبُ مرصَّعةٌ بالياقوت والزمرّد وسائرِ الأحجار الكريمة (والماسُ لا يُذكر إلّا في وقتٍ متأخّر)، وقلائدُ من اللؤلؤ والفيروز، وخواتمُ وأساورُ وخلاخيلُ تُلبس فوق الكعب وتُحلّى في العادة بالجُلجُل، بل كانت هناك أيضًا أقراطٌ ومناطقُ من ذهبٍ مرصَّعةٍ بالجواهر تشدّ الخصر (1). وكانت لزوج أوّل الخلفاء العباسيّين سُبحةٌ قُدّرت بـ 50,000 دينار (2). وكثيرًا ما رُصّع المِنديلُ والخفّ بالجواهر واللؤلؤ، وطُرّزت بالذهب السراويلُ الحريرية والثوبُ الأعلى والجُبّةُ الصغيرة، وكذلك القميصُ الرقيق من الشَّفّ. على أنّ الرأسَ كان أبدًا معصوبًا بخِمارٍ خفيف، أكثرُه من الشَّفّ مطرَّزٍ بالذهب، ومغطًّى في العادة بطرحةٍ تتدلّى من الخلف على الكتفين؛ على حين كانت الجواري والقَيْنات يلبسن أيضًا القَلَنسوة المدبَّبة، وقد جرت العادةُ أن تُزيَّن هي وثيابُهنّ بكتاباتٍ مطرَّزةٍ بالذهب أو الفضّة (3). وأمّا ثوبُ السيّدة العربية الأعلى الذي تلبسه فوق الجُبّة الصدرية ويُشدّ عند الوسط بمِنطقة، فيقع من الأمام والخلف في ذيلين طويلين فوق السراويل، غير أنّ
Nota 1. الأحجارُ الكريمة الجارية في خواتم الخَتْم خاصّةً هي: العقيق الأحمر، والفيروزج الأخضر، والياقوت الأسمانجونيّ، والبِجادي الخُراسانيّ. كتاب الموشّى Fol. 123، وفيه ضربان أو ثلاثةٌ أخرى لم أستطع تعيينها. ولم تكن خواتمُ الذهب جاريةً إلّا عند النساء والفتيات. ومن أصول الحُليّ المهمّة المعاذاتُ من العمل المخرَّم المشبَّك، بشَراريبَ من الذهب من أسلاكٍ مضفورةٍ وأهدابٍ متدلّية (المعاذات المخرَّمة بخُرّابات الذهب المشبَّكة)؛ ثمّ السُّبَحُ من حبّاتٍ من البلّور واللؤلؤ والكهرمان وما أشبه ذلك. كتاب الموشّى Fol. 125 v. Nota 2. ابن حمدون I. Fol. 76 v. ومثلُ هذه الأرقام في التقويم لا تُؤخذ بطبيعة الحال على ظاهرها. Nota 3. كتاب الموشّى Fol. 168 وما بعدها.
214214 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
الذيلَ الخلفيّ من الطول بحيث يجرّ على الأرض، شأنَ السراويل الطويلة المنتفخة، ولذلك يستعذب الشعراءُ تعبير «جارّات الذيول». وكذلك تتدلّى الطرحةُ من الخلف طويلةً حتى تمسّ الأرض؛ ومن أجل هذا الذيل استعملن القبقابَ العاليَ الذي تمشي عليه السيّداتُ في البيت لئلّا يتّسخ لباسُهنّ الطويل، وهي عادةٌ لم تظهر على كلّ حالٍ إلّا متأخّرة (1).
ولم يكد لباسُ الجنس الآخر يقلّ عن ذلك بهاءً. على أنّ الأمر لم يكن كذلك في مبتدأ الإسلام، فإنّ الزيّ الشرقيّ الحاليّ إنّما نشأ تدريجًا وتحت تأثير الموضات الفارسية خاصّةً. وفي أقدم العهود لم يكن العربيُّ يعرف السراويل، شأنَه شأنَ الإسكتلنديّ الجبليّ، ولا يزال البدويُّ إلى اليوم يعدّ هذه القطعةَ من اللباس من لبس النساء لا يليق بالرجل. وكان أقدمُ الأزياء الشعبية العربية إزارًا يُشدّ عند الوسط بمِنطقة، أو قميصًا يبلغ الركبتين، واسعَ الكمّين، مفتوحَ الجَيب عند الصدر. فإذا أسرع المرءُ في مشيه شمّر هذه القطعةَ (التشمير) بأن يدسّها في المِنطقة. وكانت مادّتُه صوفَ الغنم أو وبرَ الإبل، يُغزل ويُنسج في البيت. ويُلبس فوقه من الخشن كساءٌ أو رداءٌ قصير الكمّين واسعُهما؛ ويُغطّي الرأسَ منديلٌ مخطَّط (المنديل، وهو اليومَ الكوفية)، يُمسكه حبلٌ يُلَفّ فوق الصُّدغين (العِقال). ويتدلّى على الكتف اليمنى من حَمائلَ من ليف النخل أو الجلد
Nota 1. لم تكن الخواصُّ من السيّدات يلبسن في العادة أنسجةَ الكتّان البيضاء، بل المصبوغةَ لا غير؛ إذ كان اللونُ الأبيض في اللباس جاريًا عند الرجال خاصّةً. وأحبُّ الأقمشة إليهنّ لم تكن الشديدةَ الصَّرَخ في لونها، بل ما صُبغ صبغًا يميل إلى الصُّفرة أو الزُّرقة أو الحُمرة. وعُدّ الأزرقُ لونَ الحِداد. كتاب الموشّى Fol. 124.
215الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 215
السيفُ، وهو في أقدم العهود غيرُ معقوف، بل قصيرٌ مستقيمٌ كالسيف الرومانيّ. وأمّا حملُ السيف في مِنطقة الوسط فعادةٌ فارسية لم تظهر إلّا متأخّرة. وفي هذا القميص الطويل، وبالسيف المستقيم معلَّقًا على الكتف، نرى خالدَ بنَ الوليد مصوَّرًا على قطعةٍ نُحاسية من النقد نشرها Saulcy.
والسراويلُ قطعةٌ من اللباس كانت — على ما تقدّم — غريبةً على العرب، غير أنّها وجدت لها مدخلًا تدريجًا منذ مبتدأ الإسلام، على أنّ ذلك لم يكن في الغالب إلّا عند أهل المدن.
وكان أشدَّ قطع اللباس ترفًا في الزمن القديم البُرودُ المخطَّطة من جنوب الجزيرة، وقد بلغت أثمانًا عالية، ولم يلبسها إلّا الموسرون، حتى إنّهم كانوا في الأعياد والمواسم يلبسون منها اثنين أحدهما فوق الآخر. أمّا الأنسجةُ القطنية فلم تصل إلى أيدي ذوي الثراء إلّا سلعةً بالغةَ الغلاء؛ ويقال إنّه كان للنبيّ قميصان من قطن، كلاهما من جنوب الجزيرة. وكان غطاءُ رأس أهل المدن في العادة قَلَنسوةً مدبَّبةً على الطراز الفريجيّ بلا حافّة، يلبسها المرءُ وحدها أو يلفّ عليها المنديل. ومن ذلك نشأت العِمامة. وعُدّ كشفُ الرأس من قلّة الأدب.
وإذا كان شيءٌ يصلح للبرهنة الواضحة على مدى بكور التأثيرات الحضارية الأجنبية على رغم ما يبدو من انغلاق شبه الجزيرة العربية، فذلك ما تُقنعنا به تلك القطعةُ من اللباس التي اعتدنا أن نعدّها ألزمَ ما يُلبس، مع أنّها لا ترجع بحالٍ إلى قِدَمٍ سحيق: أعني القميصَ، وقد جهله العصرُ الكلاسيكيّ، أي اليونانَ والرومان، وهو من اختراع شعوب الشمال المسمّاة بربرية.
وفضلُ إيصال القميص إلينا يرجع إلى الجرمان والغالّيّين القدماء، فإنّ اسمه: camisia لفظٌ مشترك بين الجرمانية والغالّية
216216 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
(1)، وهو يَرِد أوّلَ مرّةٍ عند القدّيس هيرونيموس (وُلد سنة 331م). وقبل ذلك لم تكن تلبس الكتّانَ على البدن مباشرةً إلّا النساءُ من علية القوم على أبعد تقدير، ويلاحظ بلينيوسُ أنّ القميص لم يكن جاريًا في أسرة آل سرّانوس حتى في زمانه لباسًا نسائيًّا (2). غير أنّ استعماله سرعان ما انتشر، وكان أوّلَ من عمّ عندهم شعوبُ الشمال البربرية، وكانت لها صناعةُ كتّانٍ واسعة.
ويصف لنا إينهارد، مؤرّخُ شارلمان، إمبراطورَ الفرنجة العظيم متزيّيًا بالزيّ الفرنجيّ، بقميصٍ من كتّان (camisia lintea) وسراويلَ من كتّان (3). غير أنّ القميص كان قد وصل إلى بلاد العرب قبل هذا الزمن بمدّةٍ طويلة، بوساطة الرومان الذين حكموا الشامَ ومصرَ وكانت لهم تجارةٌ نشطة في بلاد العرب، ووصل باسمه الشماليّ الذي انتقل إلى العربية بغير تغيير يُذكر (قميص). وانتشر استعمالُه انتشارًا سريعًا جدًّا، حتى صار في مبتدأ الإسلام عند الطبقات الأرفع ألزمَ قطع اللباس على العموم (وقد ورد ذكرُه في القرآن)؛ ولا يبقى إلّا أن يُلاحَظ أنّ هذا القميص العربيّ كان في الغالب من قطن. وفي العهد المتأخّر لبست السيّداتُ قمصانًا من صنع البندقية (قميص بُنْدُقيّ، ألف ليلة)، ولم تكن قمصانُ السيّدات الشرقية هذه من كتّان، بل من الشَّفّ الرقيق، كما هي الحالُ إلى اليوم.
وكانت الألوانُ الصارخة محبوبةً أبدًا؛ فالسراويلُ الحمر التي لبستها عائشةُ (المجلّد الأول، ص 3) ليست من باب الـ
Nota 1. لفظُ camisia المزعومُ أنّه غالّيّ هو نفسُه الجرمانيُّ Hemd, hamdi. Nota 2. Hehn: Culturpflanzen und Hausthiere. Berlin 1874. S. 157. Nota 3. وهو تقريبًا كما يلبس فلّاحو سلوفاكيا في المجر إلى اليوم. وكذلك كان اللومبارديّون يلبسون الكتّانَ كلَّه.
217الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 217
اختلاق، بل هي ثابتةٌ في التاريخ؛ والنبيُّ نفسُه لبس قفطانًا أحمر (1)، وكانت عمامتُه سوداء (2). وكانت الأردية والأقبية المصبوغة بالزعفران شائعةً إلى الغاية، ولا سيّما عند الشُّبّان (3)؛ وقد ظهر منذ أيام الأمويّين عند الطبقات الموسرة في مكّةَ والمدينةِ ودمشقَ شغفٌ عظيم بترفٍ بربريّ في اللباس. ولم يكن قليلًا ما أسهمت فيه الموضاتُ الفارسية الآخذةُ في الانتشار شيئًا فشيئًا، وقد ازدادت بمقدار ما امتزج العربُ بالفرس. فالجندُ الذين قاتلوا الأزارقةَ تحت راية المهلَّب لبسوا الأقبيةَ الفارسية (الخفاتين)، ولبسوا معها رانات فارسيةً مبطَّنةً بصوف الغنم (4). وقد حاولوا شيئًا مّا أن يوقفوا دخولَ هذه الأزياء الأجنبية، فعاقب ابنُ القائد المذكور آنفًا جنديًّا من جيشه لأنّه تجرّأ فظهر في زيٍّ فارسيّ تامّ (5)، غير أنّ ذلك لم يُجدِ، لا سيّما والبلاطُ في دمشقَ نفسُه يحاكي
Nota 1. حُلّة، البخاري 257. Nota 2. مسلم، منقولًا في شرح الموطّأ II. 282. Nota 3. يُعلمنا صاحبُ كتاب الموشّى أنّ الثياب الصارخة الألوان كانت في زمانه قد خرجت من الموضة؛ يقول في Fol. 122: وليست تُستحبّ الثيابُ الصارخةُ الألوان المصبوغةُ بالطِّيب والزعفران، كالمُلحَم الأصفر أو الدَّبيقيّ المشبَّع بالعنبر، فذلك إنّما يليق بلباس النساء والقَينات والجواري. وهنّ يلبسن مثلَ هذه الثياب بعد الفصد أو بعد علاجٍ آخر، أو في مجالس الشرب والمجالس الخاصّة، من ذلك الغلائلُ المضمَّخة بالمسك، والقمصانُ المشبَّعة بالعنبر، والمطارفُ الملوّنة، والملاحفُ المزعفرة. والظهورُ في مثل هذه الثياب الصارخة غيرُ لائقٍ بأهل العامّة ولا بالطبقات الوسطى المثقَّفة، ولكنّه يناسب الأغنياءَ والأمراء. Nota 4. الكامل 627، وفي معنى «الرّان» قارن المسعودي VIII. 62. Nota 5. الأغاني XIV. 104.
218218 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
الموضاتِ الأجنبية. فالخليفةُ الأمويّ هشام (724—743م) أدخل في خزانة ثيابه لباسًا هو البَنيقة، وأصلُه فارسيّ أيضًا (1).
وقد عرفنا من قبلُ الزيَّ الرسميَّ للخلفاء. كان أبيضَ عند الأمويّين، ثمّ اختار العباسيّون اللونَ الأسود، وقد اضطُرّ إلى إخلاء مكانه للأخضر مدّةً قصيرة. ولم تكن لهم زخارفُ الفضّة إلّا في المِنطقة وحمائلِ السيف والسَّرج واللِّجام. وكان المعتزُّ أوّلَ من ظهر في المواسم العامّة على فرسه بحِلية الذهب (2). وكانت الثيابُ الصارخة الألوان، كالحمراء، محبوبةً في البلاط. فالمتوكّل يلبس ثوبًا أحمر ومِلحفةً من أطلسٍ أحمر (3). بل أدخل هو نفسُه ضربًا جديدًا من أقمشة اللباس (4)، فصار من فوره موضةً عامّةً شغلت المعامل كلَّها.
ولم يلبث أن تميّزت فئاتٌ بعينها بزيٍّ خاصٍّ بها؛ ويبدو أنّ الفقهاء هم أوّلُ من تميّز بلباسٍ رسميّ معيَّن؛ ويقال إنّ أوّلَ من أحدثه أبو يوسفَ قاضي بغدادَ في أيام المهديّ والهادي وهارونَ الرشيد؛ فكانت العِمامةُ المنتفخة الكثيرةُ اللَّيّ، والقَباءُ الطويل، والطيلسانُ المُلقى فوق العمامة المتدلّي على العاتق والكتف — هي شاراتِ طبقة القضاء الوقور؛ وقد بقي هذا الزيُّ للفقهاء إلى يومنا هذا بغير تغييرٍ يُذكر. أمّا العلامةُ الحقيقية لطبقة العلماء فهي الطيلسان. وقد تبدّل معنى هذه الكلمة مرارًا على مرّ الأزمان.
Nota 1. Goeje: Fragm. 107، حيث يُقرأ «بنائق» بدل «مناطق». ويبدو أنّ هذه القطعة من اللباس هي عينُها الجُرُبّان == بالفارسية kirybān، وهو طوقُ رداءٍ يغطّي العنق والكتفين. Nota 2. المسعودي VII. 402. أمّا المِظلّة المطرَّزة بالذهب، وقد عُدّت فيما بعد شارةً للسيادة، فلم تظهر إلّا في أيام الخليفة المسترشد. ابن حمدون II. 79 v.، ثمّ ابن خلدون: التاريخ العامّ III. 504. Nota 3. المسعودي. 270. Nota 4. المصدر نفسه 190.
219الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 219
والمرادُ بها ههنا شالٌ أو طرحةٌ بيضاءُ أو حمراء، تُلقى فوق العِمامة. فإذا كان القاضي في عمله الرسميّ، لُفّ طرفُ الطيلسان تحت الذقن حول العنق، فوقع على الكتف إلى الظهر (1). وكان في أيام العباسيّين أسود، وعُدّ جزءًا لازمًا من الزيّ الرسميّ؛ ومن لونه أخذ اسمَه: السَّواد. ولم يُبَح لبسُه إلّا للعلماء (2). ثمّ جرى استعمالُ اللون الأبيض كذلك، وكان الأحمرُ في مصرَ محبوبًا خاصّةً في زماني (3). وكان من الزيّ الرسميّ في أيام العباسيّين الأوّلين أيضًا تلك القَلَنسوةُ العالية المدبَّبة التي تُلَفّ عليها العمامة (الطويلية، القلنسوة).
وكان لباسُ كبار أصحاب المراتب بطبيعة الحال أغنى وأبهى. فالقاضي يحيى بنُ أكثم، إذا صحب الخليفةَ (المأمون)، ظهر على فرسه في قَباءٍ فارسيٍّ ضيّقٍ لاصقٍ بالبدن (4)، ومِنطقةٍ من ذهب، وسيفٍ مصفَّحٍ بالمعدن، ورأسُه مغطًّى بعِمامةٍ كبيرة (شاشية). وكان يلبس في الشتاء أرديةً من الخَزّ وقلانسَ من فَرْو (5).
وكان السيفُ في الجملة لا غنى عنه في الزيّ الرسميّ، حتى إنّ الخطيب كان يتقلّده قبل أن يصعد المنبر. وكذلك كان لأعوان القضاء أو
Nota 1. هكذا صُوّر القاضي في الرسوم الملحقة بمقامات الحريري. مخطوطُ مكتبة البلاط رقم 372. وليست الطرحةُ التي يلبسها رجالُ الدين الأرثوذكس اليونان فوق قلانسهم شيئًا سوى هذا الطيلسان القديم لعلماء العرب. Nota 2. الأغاني V. 60, 64. Goeje: Fragm. 481. Nota 3. قارن في لباس القضاة والخطباء: Sacy: Chrest. Arabe II. Ed. II. 267. Nota 4. القَباء هو الرداءُ الفارسيّ الضيّقُ الكمّين المخيطُ عند الخصر بثنايا. يقول الهمذاني في رسالةٍ من رسائله: لو رآني مولاي في قميصٍ تتدلّى أذيالُه، — وقَباءٍ تضيق أكمامُه، — وعمامةٍ أكبرَ من خيمة حاجّ، — وخُفٍّ لا نعلَ له (الرسائل ص 362). Nota 5. المسعودي VII. 46.
220220 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
الشهود (العُدول) منديلٌ فوق العمامة علامةً على مرتبتهم، تُلَفّ أطرافُه بعضُها على بعضٍ تحت الذقن (1). أمّا وزراءُ الفاطميّين بمصرَ فكانوا يلبسون الدُّرّاعة المشقوقةَ من الأمام على الصدر، وعليها أزرارٌ وعُرًى؛ وفي المِنطقة دواةٌ من ذهبٍ شارةً على منصبهم (2).
ولعلّ هذه النُّتَف، على ما فيها من نقص (3)، وعلى ما يسهل عليّ من الاسترسال فيها إلى أبعد من ذلك بكثير، تعطي مع ذلك صورةً واضحةً بما فيه الكفاية عن ذلك المظهر المتلوّن المتألّق لمختلف الطبقات في ذلك الزمن، حين كان العربُ — لأستعمل عبارةً كثُر إساءةُ استعمالها — «يسيرون في طليعة الحضارة».
على أنّا لا ننسَ أن نذكر ههنا خِلَعَ التشريف وشاراتِه، فقد أسهمت إسهامًا غيرَ قليلٍ في زيادة بهاء البلاط وفخامةِ المظهر الخارجيّ لكبار أصحاب المراتب، وفي إبراز الفرق بين الطبقات.
فقد جرت العادةُ منذ أيام الأمويّين وأوائل العباسيّين — والأرجحُ أنّ هذه السنّة قامت على عُرفٍ شرقيٍّ قديم — أن يوزّعوا في المواسم خِلَعَ التشريف والهدايا على أهل النباهة. فلمّا هزم الأفشينُ، قائدُ المعتصم، الثائرَ بابكَ وأسره، بعث إليه الخليفةُ في كلّ منزلٍ نزله عند رجوعه إلى العاصمة بخِلعةٍ وفرس (4)؛ فلمّا بلغ
Nota 1. المقريزي: الخطط I. 449. Nota 2. المصدر نفسه 440. Nota 3. لا ينبغي في تاريخ الحضارة أن يُعطى مثلُ هذه المظاهر الخارجية أكثرَ من قدرها. فلا قيمةَ لها إلّا في سياقها الصحيح، مقياسًا لدرجة المدنيّة. Nota 4. ابن تغري بردي I. 659.
221الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 221
بغدادَ أمر الخليفةُ فتُوّج بالتاج، وأعطاه مِنطقتين شارتين للتشريف (1). ومنحوا هذه الأوسمةَ نفسَها في مناسباتٍ أخرى أيضًا (2). وقد بقيت هذه السنّةُ إلى زمنٍ متأخّرٍ جدًّا، وقُرن بها الإنعامُ بخِلَع التشريف (3)؛ وكان هذا التشريفُ الأخير جاريًا جدًّا خاصّةً في حقّ القوّاد وضبّاط الجند وخدم البلاط على اختلاف مراتبهم، إذ جرت العادةُ أن يُخلَع على هؤلاء مرّةً في السنة على الأقلّ. ثمّ أُضيفت السيوفُ المشرَّفة، ثمّ الأساورُ من ذهب (4)، وأخيرًا وزّعوا الأعلامَ المشرَّفة تشريفًا خاصًّا جدًّا (5).
وأُعطيت مثلُ هذه الهدايا التشريفية للولاة الذين ارتفعوا في بعض الأقاليم إلى منزلة صغار الملوك. فقد بعث الخليفةُ المعتضدُ إلى صاحب مصرَ (خُمارويه) اثنتَي عشرة خِلعةً دفعةً واحدة، ومعها سيفٌ وتاجٌ ومِنطقة (6). وعند تولية كبار أصحاب المراتب والوزراء والولاة وما إليهم، كان تقليدُهم الرسميُّ يجري على نحوٍ مشابه. فالوزيرُ ابن الفرات خلع عليه المقتدر، حين ولّاه المرّةَ الثانية، سبعَ خِلَع (7)، وأُضيف إليها فرسٌ فاخر السَّرج وهدايا أخرى (8)؛ بل يُروى أنّ الخليفة خلع مرّةً على وزيره ما لا يقلّ عن أربعمائة خِلعةٍ في وقتٍ واحد (9).
Nota 1. Goeje: Fragm. 388. ابن الأثير VI. 338. وعلى هذا النحو تمامًا بعث يعقوب بك، سلطانُ تركستان الشرقية، إلى المبعوث الإنكليزيّ فورسايث في رحلته الأولى بهدايا التشريف في كلّ منزل. Nota 2. Goeje: Fragm. 404. Nota 3. المسعودي VII. 369. Nota 4. المسعودي VIII. 199. Nota 5. الفخري 334. Nota 6. المقريزي: الخطط I. 321. Nota 7. ابن خلّكان، طبعة Wüstenfeld رقم 498. Nota 8. قارن ابن خلّكان، Slane II. 356, IV. 117. Nota 9. ابن تغري بردي II. 137.
222222 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
وقد بقيت هذه العاداتُ القديمة إلى أواخر عهد الخلافة، فنال السلطانُ نورُ الدين من الخليفة العباسيّ قفطانًا أسود وطوقًا من ذهب. وكلّما ازداد أمراءُ المؤمنين ضعفًا، ازداد سعيُهم إلى صيانة مكانتهم رؤوسًا للدولة المحمّدية بمثل هذه المظاهر الخارجية (1).
وقد وصلت إلينا أخبارٌ دقيقة عن مراسم بلاط سلاطين الفاطميّين الذين حكموا في القاهرة، وكانوا بطبيعة الحال يحبّون أن يحاكوا كلَّ ما يجري في بلاط بغداد؛ وبحسب هذه الأخبار امتازت خِلَعُ التشريف التي كانوا يوزّعونها بنفاسةٍ خاصّة. فكانت من أرقّ الثياب الدَّبيقية، والعمائمُ مطرَّزةً بالذهب، ويُضاف إليها أطواقٌ وأساورُ من ذهب، وسيوفٌ ثمينة؛ وكان الحاكمُ يمنح القلائدَ من الجواهر، ثمّ استُبدل بها فيما بعدُ الكهرمانُ الزائف، وهو أرخصُ منها كثيرًا بطبيعة الحال (2). وقد زاد بهاءَ ثياب الترف هذه ما جرت به العادةُ من أن يُطرَّز عليها بالذهب اسمُ الأمير الحاكم أو شعارُه. ولم يعد في الإمكان الجزمُ بيقينٍ تامّ أكانت هذه الكتاباتُ (الطراز) تُوضع على خِلَع التشريف كلّها، أم على خِلَع من كانوا من أهل بيت الأمير خاصّة. أمّا في هؤلاء الأخيرين فنعلم ذلك على وجه اليقين، وكذلك كان الأمرُ في الرايات والأعلام. وعلى كلّ حالٍ فإلى هذه العادة يرجع ذلك الارتقاءُ العالي في فنّ التطريز الشرقيّ الذي بقي إلى أيامنا هذه، إذ كان البلاطُ في حاجةٍ دائمة إلى كثيرٍ من هذه المطرَّزات، فأقام لذلك دورَ طرازٍ خاصّة به، وبهذه الطريقة
Nota 1. المقريزي: الخطط II. 107. Nota 2. المصدر نفسه I. 440.
223الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 223
بلغوا في صناعتها درجةً عاليةً من الإتقان.
وكانت لهم في مختلف البلاطات الشرقية مخازنُ كاملة ملأى بخِلَع التشريف أبدًا، ليتمكّنوا من التصرّف بها في كلّ مناسبة. وقد ترك لنا المقريزيُّ تقريرًا مفصَّلًا جدًّا عن خزانة الكسوة الفاطمية بالقاهرة. وكان لوزيرٍ من كبار وزراء البُوَيهيّين (الصاحب بن عبّاد) 28,000 قطعةٍ من العمائم الأطلسية، وهي ممّا لم تجرِ العادةُ بمنحه إلّا للعلويّين والفقهاء والشعراء، عدا ما خُصّص منها للحاشية والخدم (1). وفي ذلك ما يكفي لتصوّر مقدار الاستهلاك. بل كانوا في الدُّور الخاصّة الموسرة أيضًا يستحبّون أن يزيّنوا الثياب — ولا سيّما ثيابَ الجواري الحِسان — بكتاباتٍ مطرَّزةٍ بالذهب. فكانت الثيابُ والأردية وعصائبُ الرأس وعصائبُ الجبين وأغطيةُ الرأس وما إليها مزيَّنةً بكتاباتٍ مطرَّزةٍ بالذهب (2).
ولمّا أيقظت هذه الأزياءُ الغنيّةُ المسرفة، وهذا الترقيقُ في العادات، الرغبةَ في المظهر الفخم والولوعَ به، سار مع ذلك يدًا بيدٍ ابتكارُ فنونٍ بعينها من فنون الزينة: أمّا أنّ الجنس اللطيف تقدّم في هذا الباب فأمرٌ بديهيّ؛ وفنُّ زيادة العيون الملتهبة أصلًا فتنةً لا تُقاوَم، بتسويد الأجفان بالكحل ورسمِ الحاجبين بمثله، فنٌّ قديمٌ في المشرق قِدَمًا سحيقًا؛ وكذلك أحسنّ ضفرَ الشعر ذوائبَ وترتيبَه ترتيبًا فنّيًّا وتزيينَه بالزهر. على أنّ الرجال لم يكونوا هم أيضًا غرباءَ عن مثل هذه الوسائل تمامًا. فما من شكوى أكثرُ ورودًا من الشكوى من شيب الرأس واللحية، وقد التمسوا لهذه الآفة عِلاجًا بوسائلَ مختلفة.
Nota 1. ابن حمدون I. Fol. 77 r. Nota 2. كتاب الموشّى Fol. 166 وما بعدها.
224224 الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها.
فكانوا يخضبون اللحية وشعرَ الرأس بالسواد أو الحُمرة بالحِنّاء (Lawsonia inermis) أو بالكَتَم (Buxus dioica)، وبالصُّفرة أيضًا بالوَرْس أو الزعفران. وكانت هذه العادةُ منتشرةً منذ مبتدأ الإسلام (1). ولم يكن يأبى هذه التصنّعاتِ إلّا أهلُ الريف والبدو (2). وكانت الجواري هنّ اللاتي يتولّين عملَ الخِضاب في العادة. بل عمد بعضُ المتشبّبين من الشيوخ إلى الشعر المستعار، ويُروى في ذلك خبرُ رجلٍ منهم دبّر لنفسه ذوائبَ مصنوعة أرسلها من تحت القَلَنسوة (3). أمّا حلقُ شعر الرأس، وهو اليومَ جارٍ في المشرق عامّةً، فلم يكن عادةً عربية، بل عادةً متأخّرة، والأرجحُ أنّها تركية؛ إذ كان العربُ في الزمن القديم يرسلون الشعرَ طويلًا مسترسلًا ذوائبَ، ويفرقونه من الوسط.
ويبقى كلامُنا في فنون الزينة ناقصًا إن لم نذكر الصابون. وفضلُ اختراعه يرجع إلى شعوب الشمال البربرية، إلى الجرمان والغالّيّين، فقد التمسوا أوّلًا وسيلةً لغسل الكتّان لأنّ لباسهم منه، فوجدوها. وعنهم عرفه الرومان، وهو يبدو عند بلينيوس شيئًا معروفًا. وبوساطةٍ رومانيةٍ يونانية عُرف في المشرق، ووصل إلى العرب باسمه الغالّيّ الجرمانيّ، فسمّوا الصابونَ: صابون. ولم يقع ذلك إلّا في القرن الثاني أو الثالث بعد نشأة الإسلام؛ والدليلُ على ذلك أنّ هذه الكلمة، على حدّ علمي، لا ترد عند كاتبٍ عربيّ قبل
Nota 1. قارن ابن حمدون I. Fol. 373 v، الموطّأ IV. 166. وبالحِنّاء كانت السيّداتُ يخضبن الأظفار في الأيدي والأرجل، ويكتبن أبياتًا على راحة اليد وباطن القدم أيضًا. كتاب الموشّى Fol. 169 v. وكانت هذه من عادات الجواري والقَينات خاصّة. Nota 2. الكامل 330, 331. Nota 3. الأغاني VII. 143.
225الفصل الخامس: الطبقات ومعايشها. 225
القرن الرابع الهجريّ (1). ويبدو أنّ حرفة الحلاقة لم تنشأ إلّا مع انتشار الصابون، فهي — كما قلنا من قبلُ — تظهر متأخّرةً بعضَ التأخّر. أمّا قبل ذلك فقد اقتصروا في الغالب على تقصير الشعر لا غير.
Nota 1. أوّلُ من أورد اللفظَ ابنُ دُرَيد، ت 321هـ، 933م.
226الفصل السادس
طبائع الأمّة
نرى في الحضارة العربية أرقى درجةٍ حضاريةٍ استطاع الفرعُ الساميّ أن يرتفع إليها حتى الآن؛ فمهما تكن فترةُ ازدهارها قد انقضت سريعًا، فحسبُ المرء أن ينظر فيها ليبلغ اليقينَ بأنّها كانت من كلّ وجهٍ أرفعَ كثيرًا من حضارة أسلافها الأقدمين. فهم قادرون على أسمى الحماسة لفكرةٍ عظيمةٍ نبيلة كالعبرانيّين، وعلى مثل اعتزازهم بخصوصيّتهم القومية، غير أنّهم أثبتُ منهم وأشدُّ نفاذًا إلى العمل؛ وهم على مثل خيالهم خصبًا، غير أنّهم أوسعُ تنوّعًا في القوّة الذهنية الخلّاقة؛ — محاربون وتجّارٌ في آنٍ معًا كالفينيقيّين والقرطاجيّين، غير أنّهم أبعدُ مدًى في المشروعات وأدومُ نجاحًا؛ متمسّكون في كلّ مكانٍ بالميراث الذهنيّ للماضي، غير أنّهم يبنون فوقه بناءً مستقلًّا: حتى ليكاد يبدو أنّ العربَ قُدّر لهم أن يجمعوا كلَّ تلك الخصائص العِرقية اللامعة والمهلِكة لفروع الساميّين الأقدمين في تعبيرٍ قوميّ جامعٍ عظيم.
ولهذا السبب، وإثباتًا لِما تقدّم، كان من المهمّ أن نصف ههنا أبرزَ وجوه طبائع هذه الأمّة. وليست هذه المهمّةُ يسيرةً في الحقّ، فإنّ مظاهر الحياة الذهنية لأمّةٍ من الأمم، واستعداداتِها الخُلُقية، ووجهاتِ عقلها الغالبة، من التنوّع بحيث
1. أسماءُ الحِرَف يوردها كريمر بالألمانية مع صورتها العربية المنقولة صوتياً بين قوسين؛ أعدتُّها إلى صورها العربية المعروفة (سَقّاء، فُقّاعي، دلّال، صَيقل، دبّاغ، جَواليقي، أنماطي، حلّاج، زجّاج، قِراطيسي، ورّاق، نسّاج، حائك، مزيّن، ندّاف/منجّد، صيرفي، خَرائطي، صيدلاني، صائغ، جوهري، بَقّال، مزوّق، مهندس)، وأبقيتُ إثباته اللاتيني حيث كان هو نفسه قد أثبته.
2. «’Äkilah» = العاقلة، وهي في الفقه من يحمل الديةَ عن الجاني؛ أثبتُّ الاصطلاح الفقهي لأنّ كريمر نفسه يثبت لفظه. و«saff» = الصفّ، و«saräwyl alfotowwah» = سراويل الفتوّة.
3. «eine Art Communardregierung»: تشبيهٌ من كريمر بكومونة باريس سنة 1871، أي قبل تأليف الكتاب بأربع سنين؛ نقلتُه كما هو ولم أستبدل به تعبيراً محايداً، لأنّ الإشارة من كلامه.
4. حاشيةُ المأمون (الحاشية 4 من ص 183) مقطوعةٌ في الأصل بفاصل الصفحة، فيتمّ نصّها بعد بداية متن ص 184؛ أبقيتُ هذا الترتيب حفاظاً على مطابقة الصفحات.
5. «Gesch. d. herrsch. Ideen» من مؤلّفات كريمر نفسه (تاريخ الأفكار السائدة في الإسلام)، لا مصدراً عربياً.
6. سنةُ وفاة أبي تمّام في الأصل «st. 228 H. (43 Ch.)»، والرقم الميلادي ناقصٌ بعيبٍ في القراءة الضوئية؛ أثبتُّه «843م» وهو المكمِّل الوحيد الممكن للسنة 228هـ، ونبّهتُ عليه هنا ولم أُغيّر شيئاً آخر.
7. «Ibn Chaldun: Allgem. Gesch.» أي كتاب العِبر، وقد نقلتُه «التاريخ العامّ» على لفظ كريمر لا على اسم الكتاب العربي، إذ الإحالة إلى الطبعة التي استعملها.
١) «Fideicommisse» في ص 190 مصطلحٌ من القانون الأوروبيّ يعني حبسَ التركة على الورثة تأبيدًا (majorat / entail)، وليس له مقابلٌ اصطلاحيّ في النظام الإسلاميّ؛ وقد أثبتُّه بشرحه مع اللفظ الأصليّ، ولم أردّه إلى «الوقف الذرّيّ» لأنّ الوقف الذرّيّ قائمٌ في دار الإسلام، ونفيُ كريمر إنّما ينصبّ على نظام التوريث الأوروبيّ بعينه.
٢) «عمر الأوّل» هو ترقيمُ كريمر، ويريد به عمر بن الخطّاب؛ وهو يقابله بـ«عمر الثاني» أي عمر بن عبد العزيز. أبقيتُ ترقيمَه كما هو.
٣) في ص 192 يقول كريمر «القاهرة» عن سنة 88هـ (707م)، والمدينةُ يومئذٍ الفسطاط، ولم تُبنَ القاهرةُ إلّا سنة 358هـ. أثبتُّ لفظه ولم أصحّحه، وأشرتُ إلى ذلك في حاشيةٍ في موضعه.
٤) البيتُ المنسوب إلى ابن الروميّ في حاشية ص 192، وبيتُ الشاعر القديم في تشبيه النجوم بقناديل البلّور اليونانية في ص 195، إنّما نقلتُهما عن صياغة كريمر الألمانية، لا عن أصلٍ عربيّ؛ فهما ترجمةُ ترجمةٍ ولا يجوز أن يُنسب لفظُهما إلى قائلٍ بعينه.
٥) «madhun alsyny almodahhab» في حاشية ص 195 قرأتُه «المدهون الصينيّ المذهَّب»، وهو ما يقتضيه رسمُ كريمر.
١) «عهد الطُّفَيليّ» (ص 201—203) نصٌّ مسجوع في الأصل العربيّ الذي نقل عنه كريمر، غير أنّ كريمر لم يورده بالعربية، بل صاغه سجعًا ألمانيًّا مختصرًا («ترجمة مختصرة» بتصريحه). فما أثبتُّه هنا ترجمةٌ عن سجعه الألمانيّ، حافظتُ فيها على السجع وعلى تقسيم الفِقَر بالشُّرَط كما في طبعته، ولا يجوز أن يُعدّ نصًّا عربيًّا أصليًّا ولا أن يُنسب لفظُه إلى كاتبٍ بعينه.
٢) الأبياتُ في القطائف (ص 200)، والبيتان المنسوبان إلى أبي مِحجَن في الوصيّة بالدفن إلى جنب الكرمة (ص 206—207)، والبيتُ المنسوب إلى أبي نُواس (ص 207): كلُّها منقولةٌ عن صياغة كريمر الألمانية لا عن أصلٍ عربيّ. وأبياتُ أبي مِحجَن على شهرتها في العربية، فقد التزمتُ الترجمةَ عن الألمانية ولم أُثبت الأصلَ المتداول، لئلّا يُنسب إلى كريمر ما ليس عنده.
٣) «Kädy-Staude (Catha edulis)»: النبتةُ المقصودة هي القات، غير أنّ كريمر يكتب اسمها «Kädy»، فأبقيتُ رسمَه («الكادي») ولم أستبدل به «القات»، وأثبتُّ الاسمَ العلميّ كما هو في الأصل ليتبيّن المراد.
٤) «Opium graveolens» في ص 205 تصحيفٌ في الأصل عن Apium graveolens، أي الكرفس؛ ويؤيّده أنّ كريمر يذكر في تعداده التالي «البقدونس» في الموضع نفسه. أثبتُّ رسمَ الأصل ولم أصحّحه في المتن.
٥) «Culturgeschichtl. Streifzüge» (ص 204) كتابٌ لكريمر نفسه؛ أوردتُ معناه بالعربية مع إثبات عنوانه الألمانيّ، إذ لا عنوانَ عربيًّا معتمدًا له.
١) بيتُ عديّ بن زيد في وصف الطِّيب (ص 208) منقولٌ عن صياغة كريمر الألمانية لا عن أصلٍ عربيّ؛ وكذلك ما نسبه إلى النبيّ من قوله في النساء والطِّيب والصلاة، فقد أثبتُّه على صيغته الألمانية ولم أُقحم عليه لفظَ الحديث المتداول.
٢) بعضُ ألفاظ الطِّيب والحُليّ في حواشي ص 211 وص 213 لم أقطع فيها بقراءةٍ عربية، فأبقيتُ رسمَ كريمر بحروفٍ لاتينية إلى جانب ما رجّحتُه: «Sajjäh» و«adkäl» في عطور النساء، و«karzan» في التيجان. ولم أُقدّر لها ألفاظًا عربيةً بعينها لئلّا أُثبت ما لا أُحقّقه.
٣) «الفيروزج الأخضر» و«الياقوت الأسمانجونيّ» و«البِجادي الخُراسانيّ» رددتُها إلى صيغها العربية المعروفة في كتب الجواهر، وهي التي كان كريمر ينقل عنها في كتاب الموشّى.
٤) اسمُ الناشر Saulcy وموضعُ النقد النحاسيّ المصوَّر عليه خالدُ بن الوليد أثبتُّهما كما هما في الأصل؛ وهو خبرٌ من كريمر لم أتعرّض له بتصحيحٍ ولا تعليق.
١) الأبياتُ المسجوعة المنسوبة إلى الهمذاني في حاشية ص 219 (القميص والقَباء والعمامة والخُفّ) منقولةٌ عن سجع كريمر الألمانيّ لا عن أصلٍ عربيّ؛ حافظتُ على السجع ولم أُثبت لفظًا عربيًّا بعينه ولا نسبتُه إلى رسالةٍ بعينها من رسائل الهمذاني سوى ما أحال عليه كريمر.
٢) «Banykah» ردّها كريمر نفسُه في الحاشية إلى قراءة «بنائق» بدل «مناطق» في نصّ Goeje، وربطها بـ«الجُرُبّان»؛ فأثبتُّ ذلك على وجهه، إذ التصحيحُ تصحيحُه لا تصحيحي.
٣) «Katam (Buxus dioica)» أثبتُّ فيه الاسمَ العلميّ كما ورد عند كريمر؛ والكَتَمُ في كتب العربية نبتٌ يُخضب به مع الحِنّاء، ولا يُعرف انطباقُ هذا الاسم العلميّ عليه. لم أُصحّح المتن.
٤) عنوانُ الفصل السادس «Der Volkscharakter» ترجمتُه «طبائع الأمّة» على ما استقرّ عليه اصطلاحُ هذه الترجمة، لا «الشخصية القومية»؛ وكريمر يستعمله في هذا الفصل بالمعنى العِرقيّ الذي كان جاريًا في القرن التاسع عشر، وقد نقلتُ أحكامَه فيه على وجهها بلا تلطيف.