القسم 6 من 12
IV. الشعب
136

لمّا اندفق الشعب العربي على البلدان المجاورة كان لا يزال في تمام فِطرته الأولى لم تُخدَش له صفحة. فالمؤثّرات الأجنبية لم تكد تجد إلى موطنه الأصلي سبيلاً باقية الأثر، لصعوبة الوصول إليه ووقوعه بمعزل تامّ عن طرق العالم الكبرى؛ فبقي في تمام ملكه لخصائص جنسه، ولطبائع أمّته الصحيحة غير المشوبة، ولكلّ ما يتفرّع عن ذلك من محامد أو مثالب. فالشجاعة المِقدامة، والنفس الأبيّة الرجولية، والشعور القومي المرتفع إلى أقصى غاياته، والقوّة الحيوية الفائضة، وروح الإقدام الفتيّة الوثّابة، ومعها رصيدٌ وافرٌ لا يُستهان به من نوازع عالية كريمة، وبالجملة كلّ خصال أمّةٍ تقف في مبتدأ مسيرتها التاريخية — كان ذلك كلّه للعربيّ على أتمّ الوجوه.

على أنّ في مقابل تلك المحامد جوانب مظلمة ليست بالقليلة تعادلها: فالنهب والطمع لم يزالا خَصلتين قوميّتين ساميّتين أصيلتين، وقد غلبتا على العربيّ أيضاً؛ وامتاز مع ذلك بسرعة غضبٍ شديدة، وببغض الغرباء جميعاً واحتقارهم، وبنَهَمٍ لا حدّ له إلى الثأر ممّا يصيبه من إهانة؛ وكان يسري في طبقاتهم كافّةً شعورٌ بالحرّية الشخصية والاستقلال،

137

كبته زماناً انضباطُ الإسلام الصارم، ثم ما إن وهَن ذلك الانضباط في مجرى الأمور الطبيعي حتى أفضى هذا الشعور إلى انفجاراتٍ مروِّعة من النزعات الجامحة الديمقراطية الفوضوية.

ولم يدخل العرب في البلاد المفتوحة أوّل الأمر في صلات وثيقة بأهلها الأصليين من ذوي اللسان الأعجمي؛ فقد نُظّم وضع الأجناس المغلوبة على قواعد الحقّ العامّ في الدولة، وفصل بينهم وبين الغالبين حاجزٌ مزدوج: اللغة والدين. ومهما بدا هذان الحاجزان عصيَّين على التخطّي، فقد ثبت على المدى الطويل أنّهما أضعف من ذلك. فقد كان في الإسلام بطبيعته — كما في كلّ دين جديد، وكلّ فكرة تضرب بجذورها في روح عصرها — قوّةُ تمدّدٍ عظيمة. وأخذ يسعى إلى توسيع دوائره شيئاً فشيئاً، حتى فضّ في آخر الأمر فعلاً تلك الأواصر التي فرضتها عليه العصبية القومية.

وكان المخالف في الدين إذا أسلم حقّ له بذلك أن ينال المساواة التامّة في الحقوق، وصار من ذلك الحين إلى الطبقة الحاكمة. وكلّما اشتدّ على الشعوب المغلوبة وطء الفتح الأجنبي، ازداد إغراءُ التخلّص من كلّ المكاره بكلمة: «لا إله إلا الله ومحمد رسول الله» إغراءً لا يُقاوَم. فكثر الدخول في الإسلام، في العراق كما في الشام، وفي مصر كما في فارس وسائر البلاد المفتوحة. وكلّما قويت الدولة ساءت حال الشعوب المغلوبة: فالعهود المعقودة معهم في الأصل طواها النسيان، وغدت روح الإسلام الدينية أشدّ صرامةً وأقلّ تسامحاً؛ وكلّما احتاجت الدولة إلى المال — وقد كانت حاجتها تتزايد بسرعة — التمست أن تُثقل الشعوب المغلوبة

138

بالضرائب. فصارت حال غير المسلمين لا تُطاق أكثر فأكثر، وبقدر ذلك تزايد الدخول في الإسلام. ومن اليسير أن يُفهم أنّ ما أحرزه الدين الجديد من نجاحات هائلة قد بعث في نفوس كثيرين اليقين بصدقه.

وعلى هذا النحو نشأ في البلاد المفتوحة — ولم تمسّ جزيرةُ العرب بهذا — تقسيمٌ جديد لطبقات الناس. فالطبقة الحاكمة من السكّان قوامها العرب الأقحاح، فاتحو البلد؛ ويليها طبقةُ المسلمين الجدد الذين دخلوا في الإسلام طوعاً أو كرهاً، فصاروا بذلك في الاسم من كامِلي الحقوق في الدولة الإسلامية. أما الطبقة الأخيرة فتضمّ الشعوب المغلوبة التي أدركت الصلح في أوانه، فاكتسبت حقّ أن تُقَرَّ على دينها وأن تقيم شعائرها في حرّية، ولذلك سُمّيت في أحكام الدولة العربية «أهل الذمّة».

وهذه الطبقات الثلاث: أولاً العرب الفاتحون، وثانياً المسلمون الجدد، وثالثاً المخالفون في الدين المُقَرّون على دينهم — هي العناصر التي تألّف منها سكّان الدولة؛ ومهمّتنا الآن أن ننظر عن كثب في صلات بعضها ببعض، وفيما طرأ عليها من تحوّلٍ واختلاطٍ تدريجيَّين.

أمّا الطبقة الأولى، وهي الفاتحون وأتباعهم، فكانت في العهد الأقدم منظَّمة كلّ التنظيم على سنّة الحياة القبَلية القديمة: تتألّف الأمّة من القبائل فُرادى، ولم يلحمها في وحدةٍ قومية إلا الدين المشترك. وكان في كلّ قبيلة من تلك القبائل الكثيرة بيتٌ نابهٌ أو بيوت، لها القول الفصل في كلّ شأن من شؤون القبيلة، وحول هذه البيوت القائدة كان يلتفّ جمهور أبناء القبيلة. غير أنّ الإسلام جاء بطبقة شرفٍ جديدة، إذ إنّ

139

أوجهَ أصحاب النبي وأنصاره، الذين اجتمعوا حوله بالمدينة، لم يلبثوا أن كوّنوا ضرباً من أشراف الدين، فوقع بينهم وبين بيوتات مكّة الكريمة — وهي متمسّكة قليلاً أو كثيراً بأفكار الجاهلية القديمة — نزاعٌ عن قريب. وقد أحسن الخليفتان الأوّلان، بنفوذهما الشخصي وبالحزم واللين في أوانهما، أن يحولا دون الاصطدام؛ أمّا الثالث فجرح الأوساط الدينية بالمدينة بانحيازه المكشوف إلى المكّيين، فكان مقتلُه والفتنة الكبرى نتيجةً لذلك. ولمّا غلب الأمويون في آخر الأمر واستولوا على السلطان، بلغ معهم حزبُ مكّة أعلى مراتب القوّة. فصارت القبائل ذات الكلمة، ببيوت رؤسائها، هي التي تقرّر منذ ذلك الحين مصير الدولة: فإن أوسع الخليفة من المال ما يُرضي طمعها سالمته وشدّت أزره، وإلّا خلعت طاعته. وكان الجيش نفسه في عهد الأمويين — كما بيّنّا من قبل — منظَّماً على القبائل، قائماً كلّ القيام على النظام القبَلي العربي القديم.

واستأثر الأشراف وأبناء أكرم بيوت القبائل الغالبة وأنبهها بأهمّ الولايات وأدرّها، وبغيرها من وظائف الدولة. ولم تكن كفاءة الرجل وحدها هي المعوَّل عليه، بل كان نسبه وبيته ومكانة قبيلته ونفوذها لا تقلّ عن ذلك أثراً في الترجيح. وعُدّ من نادر الاستثناء أن يظفر بمثل هذه الوظيفة رجلٌ خاملُ النسب. 1)

1) في هذا يُنظر كتابُ الخليفة هشام إلى خالد بن عبد الله القَسْري، عاملِه على العراق، وهو كتابٌ بالغ الدلالة، يذكّره فيه بين ما يذكّره بأنّه ولّاه هذا

140

وعلى حين كانت عادةُ القوم القديمة تجعل لكرم النسب أعلى قيمة، وتشجّع بذلك انتقاء النسل، كان في الإسلام نزعةٌ ديمقراطية مناقضة لتلك الأفكار كلّ المناقضة، إذ جعل المؤمنين جميعاً إخوة، ويُروى أنّ محمداً ذمّ التمسّك العنيد بروح العصبية الشعبية وبالتنافس بين القبائل.

وفي شعر قديم: «الدَّعِيُّ الذي دُسَّ بالتبنّي في قبيلةٍ يشدّ أزر أبيه بالتبنّي ليقبله بين أبناء القبيلة من أصرحهم نسباً؛ أمّا أبي فالإسلام، ولا أبتغي أباً سواه، وإن افتخر أولئك بالنسب الكريم من قيسٍ أو تميم.» —

وممّا يدلّ على هذا التقابل بين عقلية القوم القديمة وفكرة الدين الجديد هذه الحادثة: جاء أعرابيّ من بني العنبر إلى الوالي يستشيره في قسمة ميراث أبيه. فسأله الوالي أوّلاً: كم من البنين على قيد الحياة؟ فقال الأعرابي: أنا وأخي، ثم أضاف بعد هُنيهة: وهجينٌ (ابن أَمَة). قال الوالي: إذن تُقسم التركة ثلاثة أثلاث. فصاح الأعرابي: أوَ يكون للهجين مثلُ ما لنا! 1)

وكانت حروب الفتح المتّصلة، بما تدرّه من غنائم وافرة، في العهد الأوّل رباطاً ممتازاً خفّف ما لا بدّ منه من تحاسد القبائل بعضها لبعض، بل أزاله في بعضه إزالةً تامّة. وبفضل ما ضُمّ إلى الدولة على هذا النحو من أقاليم شاسعة في زمن قصير نسبياً، انتشرت القبائل العربية في مناطق واسعة كثيفة السكّان. الإقليمَ المهمّ على حين أنّه في نسبه دون كثير من بيوت العرب الكريمة. الكامل ص 791.

1) الكامل 256.

141

وبذلك وهَنت قدرتها على مقاومة سلطان الدولة، إذ وجدت نفسها بين ظهراني شعوبٍ أعجمية مغلوبة تحيط بها، فاضطرّت إلى الاعتماد على حماية الحكومة ونُصرتها.

وتذكر أقدمُ المصادر أنّ أنبه بيوتات العرب في الجاهلية، بعد بني هاشم الذين منهم النبي، خمسةٌ: قيس وتميم وشيبان واليمن وكِندة. 1) والثلاثةُ الأُوَل من هذه قبائل عربية شمالية أو إسماعيلية، أمّا الأخيرتان فكانتا عربيتين جنوبيتين، أو يقطانيتين نسبةً إلى جدّها التوراتي المزعوم يَقطان.

وقد شارك في فتح الشام هؤلاء الأخيرون على الأخصّ، فكان سكّان تلك البلاد من العرب مؤلَّفين منهم في الغالب. 2) وحتى القرن الثالث الهجري كانت قبائل عربية جنوبية لا تزال تسكن حول حمص وحماة: طيّئ وكِندة وحِمير وكلب وهَمْدان، وإن خالطتها قبائل عربية شمالية من بيت قيس الكبير. 3) وكانت بين الحزبين — عرب الشمال وعرب الجنوب — حروبٌ لا تنقطع. وكان الأمويون يستندون إلى هؤلاء الأخيرين خاصّةً. أمّا في العراق فكان الأمر على العكس، إذ هاجرت إليه قبائل شمالية في الأكثر، بعضها قبل فتح البلد وبعضها عند فتحه. 4) على أنّ العنصر العربي الجنوبي لم يكن

1) الأغاني XVII. 105. وعند المبرّد، الكامل ص 35، أنّ أكرم بيوت تميم بنو عبد الله بن دارِم، ومن قيس بنو فَزارة، ومن شيبان بنو بكر بن وائل. ويقول ابن حَمْدون إنّ أكرم القبائل من مُضَر ربيعة، ومن اليمانية قُضاعة. ابن حمدون I. ورقة 233 ظ.

2) القبائل التي شاركت في فتح الشام هي: عاملة وحِمير وهَمْدان ومَذحِج وخَولان وخَثعم وكِنانة وقُضاعة ولَخم وجُذام وكِندة وحضرموت. ابن عساكر ورقة 75. أبو إسماعيل الأزدي 195. وليس من هؤلاء من عرب الشمال إلا كِنانة.

3) اليعقوبي III. 112، 118.

4) تميم وربيعة، وقد كانت هذه الأخيرة نازلة في الجزيرة الفراتية قبل الإسلام.

142

غائباً عنه، إذ انضمّت قبيلة بَجيلة اليمانية إلى الجيوش الإسلامية في أوّل غزواتها بعددٍ كبير حتى شكّلت جزءاً معتبراً من الجيش. ونزلت قبائل يمانية أخرى، بعضها بطونٌ من هذه القبيلة نفسها، مرابطةً مبكّراً مع قبائل شمالية في الكوفة والبصرة. 1) وتفرّق بعضها فنزل أحياناً في أقاليم متباعدة: فقد سكن قسمٌ من قيس الشمالية ناحيتَي الكَرَج وأصفهان (اليعقوبي ص 53)، على حين هاجرت بطون أخرى من القبيلة نفسها إلى مصر والشام. 2) بل بلغت جماعاتٌ من مهاجري هذه القبيلة سِجستان، وهناك ولّى الحجّاجُ في خلافة عبد الملك رجلاً منهم، فأغدق على بني قبيلته العطاء والأرزاق أوسع الإغداق، فاستاء من ذلك أشدّ الاستياء ما كان هناك من بطون بكر بن وائل. 3) وكان من المألوف جدّاً على العموم أن يُختار ولاةُ الأقاليم من القبائل صاحبة الكلمة الموالية للحكومة، فيستدعي الوالي عامّةً عدداً من أقرب أبناء قبيلته فيحيط نفسه بهم، ويؤثرهم ما استطاع، ويعوّل على نصرتهم في كلّ حال.

وجرت العادة أن تُجمع القبائل الشمالية كلّها تحت أسماء جامعة: مُضَر أو نِزار أو قيس، كما تُجمع الجنوبية تحت اسم اليمانية. وكانت الأولى تُسمّى أيضاً بالاسم

1) فمن عرب الجنوب: الأزد وهَمْدان وكِندة، ومن عرب الشمال: تميم وقيس وبكر (بن وائل) وربيعة. ابن الأثير IV. 111. 118. 163، V. 53. دي خويه، Fragm. Hist. I. 54. وقد انتقلت من البصرة والكوفة بطونٌ من قبائل عبد القيس وثقيف وتميم وضَبّة وخُزاعة وحنيفة إلى فارس فنزلت أصفهان. اليعقوبي ص 50. 51.

2) ابن تَغري بَردي I. 295.

3) الأغاني X. 112، 113.

143

الجامع عدنان، وتُسمّى الأخرى قحطان. 1) وكان هذان الحزبان الكبيران يتقابلان في كلّ الأقاليم تقريباً تقابل المتحاسدين، ما لم يجمعهما غرضٌ مشترك. على أنّه لا ينبغي أن يُظنّ أنّ بينهما اختلافاً قومياً حقيقياً؛ نعم، كان عرب الجنوب في القديم من أهل لسانٍ ساميّ مستقلّ يختلف عن الشمالي اختلاف اللهجات، لكنّ هذا الاختلاف كان قد زال في مطلع الإسلام زوالاً يكاد يكون تامّاً، ولم تعد أكثر القبائل الجنوبية تتكلّم لهجةً خاصّة بها. والشيء الوحيد الذي كان يفصلها عن عرب الشمال هو التنافس القبَلي الموروث، والشعور باختلاف الأصل الجغرافي. وقد وجد الفريقان كلاهما في حروب الفتح الأولى ما يعود عليهما بالنفع، ولم تبدأ الأحقاد القديمة تنبعث من جديد إلا حين استقرّ لهما ملكُ البلاد المفتوحة في هدوء. وكان هذا التحاسد القبَلي القديم في الصراعات السياسية والحروب الأهلية هو المحرّك الأكبر للانحياز مع هذا الفريق أو ذاك أو عليه. 2)

1) يقول الجاحظ: كان الكُمَيت الشاعر عدنانياً، وكان مع ذلك يَدين بمذهب الشيعة ويتحزّب لأهل الكوفة؛ أمّا الطِّرِمّاح فكان قحطانياً، يَدين بمذهب الخوارج ويميل إلى الحزب الشامي. الأصفهاني: محاضرات II. 7. والاسم الجامع القديم لكلّ قبائل الشمال، وهو الذي يستعمله الشعراء خاصّةً، مَعَدّ.

2) قارن ابن الأثير V. 255. 462. المسعودي VI. 45. فقد كان أكثر القبائل اليمانية بالشام مع الأمويين (الأغاني XVII. 69، 70)، على حين عارضهم عرب الشمال (ابن الأثير IV، 215)؛ وكانت الحال مشابهة في العراق (ابن الأثير IV. 254، 255). على أنّ بعض قبائل مضر انضمّ أحياناً إلى الحكومة: فقد كان مع الحكومة في مبتدأ الدولة الأموية أيام يزيد الأول، إلى جانب القبائل اليمانية، بعضُ القبائل الشمالية (هَوازن وتميم، قارن ابن الأثير IV. 79، 124). ومن جهة أخرى ثارت اليمانية أيضاً على الأمويين غير مرّة (ابن الأثير V. 59). وكان معاوية يستعمل قبائل الشمال في حرب البرّ خاصّةً، وعرب الجنوب في حرب البحر (الأغاني XVIII. 69. 70). ونظيرُ ذلك

144

على أنّه لا ينبغي كذلك أن يُتصوَّر الأمر كأنّ القبيلة كلّها كانت، في هجرات القبائل المختلفة ومنازلها، تفارق موطنها العربي بأسرها لتستقرّ في الغربة. فقد كانت الهجرة تقع أجزاءً لا دفعةً واحدة، وكان يبقى في الغالب من القبيلة بقيّةٌ في جزيرة العرب، لا ترسل إلى الغربة إلا فائضها من الشبّان القادرين على القتال أو الطامعين في الغنيمة. وكانت القبيلة من هذا الضرب أشبه بخليّة نحلٍ تبعث أسرابها الفتيّة وتبقى هي في مكانها المعهود. فنحن نجد قبيلة تميم في العراق وخراسان، لكنّها بقيت في جزيرة العرب نفسها إلى يومنا هذا، ولا يزال جميعُ السكّان من الحدّ الشمالي للعارض إلى صحراء الدهناء من تميم (بالغريف Palgrave). ويقول شاعرٌ قديم (الفرزدق) في فخر تميم: وإن غضبت من ذلك قريش، فإنّ تميماً هي مع ذلك مالكةُ الأرض قريبِها وبعيدِها — هم كثرةٌ كالنجوم، وما من قبيلةٍ سواهم تعدّ مثل هذه النجوم! — 1)

كان في أهمّ الأقاليم بعد الشام والعراق وأكبرها، وهو خراسان. فالقبائل التي نزلت هناك مع الفتح كانت في الأكثر شمالية في أوّل الأمر (تميم وربيعة وبكر بن وائل، قارن ابن الأثير IV. 128، 129، 130، 171)، ومع ذلك لم يخلُ الأمر من عرب الجنوب (ابن الأثير V. 9، 95). على أنّ الحال هنا كانت على خلاف ما كانت عليه في الشام: فعرب الجنوب هم الذين عارضوا (دي خويه: Fragm. Hist. Arab. I. 184) على حين شدّ عربُ الشمال أزر الأمويين (ابن الأثير V. 262، 265). وفي مثل هذه الأحوال لم تنقطع في خراسان أسبابُ الخصومات والقتال. ابن الأثير IV. 210. V. 95. وتفسير الأمر يسير جدّاً: فالأقلّية هي التي تعارض وتسخط، والأكثريةُ الممسكة بالسلطان محافظة. أمّا قبيلة هَمْدان اليمانية، وكانت في العراق خاصّةً، فبقيت دائماً مع العلويين (ابن الأثير V. 447).

1) الأغاني XIX. 10، 11. ولا بدّ أن تميماً انتشرت في عهد الأمويين انتشاراً واسعاً في أسفل الفرات أيضاً، إذ بلغ عددُ هذه القبيلة، بحسب خبرٍ عند ابن حمدون I. 86 ظ، مع أهل باديتها ومن دخل فيها من الغرباء (الزُّطّ والسَّيابِجة والأساوِرة)، 70,000 رجل.

145

ويصدق هذا نفسُه على قبائل أخرى نابهة شتّى. غير أنّ الفروق الكبيرة سرعان ما ظهرت بين أجزاء القبيلة الواحدة بعد أن تفرّقت على هذا النحو، لأنّ مسار تطوّرها بعد ذلك اختلف كلّ الاختلاف. فالأصل الباقي في الموطن ظلّ يحيا حياة الجاهلية العربية المعهودة، ويعوّض على مرّ الأزمان ما فقده بالهجرة. وقد أعان على هذا التطوّر الهادئ انعزالُ جزيرة العرب، إذ لم تمسّها العواصف السياسية الكثيرة التي زلزلت الدولة إلا مسّاً يسيراً، أو لم تمسّها البتّة.

وكانت حال تلك الأجزاء التي رحلت إلى الغربة ونزلت البلاد المفتوحة على خلاف ذلك؛ فقد جرفها دوّامُ الصراعات الحزبية، واحتكّت بالشعوب الأعجمية، فإمّا هلكت في عاصفة الأحداث، وإمّا أصابها التحوّل الشامل شيئاً فشيئاً. لكنّا قبل أن نحاول وصف هذا التحوّل، لا بدّ لنا أن نرسم صورة واضحة للنظام القبَلي وأشكاله، وهذا في غاية الأهمّية، إذ لا سبيل بغير معرفته إلى نظرٍ صحيح في مجرى الحياة الحضارية عند الشعب العربي.

وأسماء القبائل وحدها تدلّ دلالة واضحة على أنّها كانت تُعَدّ ذرّية جدٍّ واحد؛ فنحن إذا تحدّثنا عن قبيلة تميم أو قيس أو شيبان، عبّر العربي عن ذلك بأن يقدّم على العَلَم كلمة «بنو»، ومعناها الأبناء والذرّية والنسل. فبنو تميم وبنو قيس وبنو شيبان هم إذن أبناء تميم أو قيس أو شيبان. ونشأة هذه القبائل ترتدّ في الحقيقة إلى فجر النوع الإنساني، حيث كانت تنشأ من الأسرة بأولادها وخدمها، شيئاً فشيئاً، جماعةٌ بشرية آخذة في النموّ باطّراد، يشدّها إلى بعضها ذكرُ

146

الأصل المشترك، وتُطيع رئيساً للقبيلة. 1) وفي الأزمنة التي لم يكن فيها نظامٌ قانونيّ عامّ، كان كلّ امرئ يجد أمنه في الانضمام إلى مثل هذا الحلف: و«الواحد للجميع والجميع للواحد» هو الشعار. وكان قانون القِصاص والثأر مشروطاً بالنظام القبَلي، ملتحماً به أشدّ الالتحام، إذ تنهض القبيلة بجملتها لِما يصيب كلّ فردٍ من أفرادها من ظُلامة، أو لِمقتل واحدٍ منها، وتطالب بالتَّبِعة أو الدية القبيلة كلّها التي ينتمي إليها الجاني. وكان الشعب كلّه منقسماً قبائل، إذ لا يبلغ المرءُ شيئاً من الأمان على نفسه وماله، ولو بالتقريب، إلا أن يكون من قبيلة. وأن يكون المرء بلا قبيلة فذلك بمنزلة أن يُعَدّ خليعاً منبوذاً مهدور الدم. فإن ضعفت قبيلةٌ أو فرّقتها الحروب، بادر الباقون منها إلى الانضمام إلى قبيلة أقوى فذابوا فيها على مهل.

ولعلّ قبائل لا تُحصى قد ذابت على هذا النحو في مجرى القرون في القبائل الكبرى أو ابتلعتها هذه، كما أنّ القبائل الكبرى إذا بلغت شيئاً فشيئاً امتداداً معتبراً انحلّت بطبيعة الحال إلى عددٍ من البطون والأفخاذ، غير أنّ هذه كانت في الغالب شديدة التمسّك بذكر أصلها الواحد، فأبدت من ثمّ ميلاً عظيماً دائماً إلى أن تجتمع من جديد على المشاريع المشتركة.

وفي عهد نبيّ مكّة كانت القبائل قد كثرت جدّاً؛ وأصدقُ ما يدلّ على ذلك

1) قال عربيّ في رئيسٍ من هؤلاء: إذا غضب غضب لغضبه مئةُ ألفٍ من قومه، لا يسأله أحدٌ منهم عن سبب غضبه. ابن حمدون I. ورقة 72 ظ.

147

قوّةُ انتشارها الشديدة على رقعةٍ من البلاد لا تُقاس، احتلّتها وعرّبتها على مهل، أو أحسنت على الأقلّ الإمساك بها زماناً طويلاً. وقد اجتمعت أسبابٌ شتّى جعلت ذلك ممكناً. فقد أفاد الإسلامُ، كما بيّنّا من قبل، من التقسيم القبَلي الذي وجده قائماً في الشعب، فجعله أساس تنظيمه العسكري. ومن هذا نشأت الأمصار العسكرية، إذ أُنزلت فِرقٌ من الجيش في مواضع ذات أهمّية حربية أو سياسية؛ وكانت هذه المنازل في أوّل الأمر قائمةً منفردة كالواحات في العالم الأعجمي المحيط بها، حتى بدا أنّ الشعوب الأعجمية التي تسكن تلك البلاد لا بدّ أن تبتلعها عن قريب. لكنّ العكس هو الذي وقع، ووقع سريعاً. فقد وجد النازلون بها من الوسائل ما ضاعف عددهم ووسّع انتشارهم بسرعةٍ مدهشة. ولعلّ تعدّد الزوجات أسهم في ذلك إسهاماً كبيراً، ومعلومٌ أنّ المستوطنين العرب بلغوا في هذا الباب شأواً معتبراً. وإلى جانب ذلك كان لدخول الشعوب المغلوبة في الإسلام أفواجاً أثرُه. فالأعجمي كان يكتسب بالإسلام حقوق الرعية، ويستحقّ العطاء من الدولة، ويشارك الأمّة الحاكمة في امتيازاتها كلّها. لكنّه في الوقت نفسه كان يتخلّى عن لسانه وقوميته القديمين، ويبادر إلى استبدال العربية بهما، وكان لا بدّ له مع ذلك أن يُقبَل في قبيلة من قبائل العرب. وهذا ما كان يقع فعلاً: فهو في الغالب يدخل في الولاء 1) للقبيلة الغالبة أو لرئيسها أو للأسرة الحاكمة، فيُقال له من ذلك الحين: مولى بني فلان. أمّا في الجيل التالي فكان أعقابه قد تعرّبوا تعرّباً تامّاً، وعُدّوا عمّا قريب من العرب الصرحاء، إذ كانوا يحرصون على اللحاق بهم في اللسان والعادة بأسرع ما يستطيعون.

1) الكامل 655. الفهرست 40.

148

وأمدّ الرِّقُّ أيضاً الأمّةَ الحاكمة بمددٍ كثير. فقد كان الأصل المتَّبع في حروب الفتح أنّ الشعوب الأعجمية إذا لم تستسلم ولم تعقد صلحاً، بل قاومت فغُلبت في قتالٍ مكشوف، قُتل رجالها وعومل نساؤها وأطفالها معاملة الرقيق وقُسّموا غنيمةً. وكانت أربعةُ أخماسهم للمقاتلة، والخُمسُ من الغنيمة للخليفة. 1) ومن اليسير أن يُقدَّر أيّ كثرة هائلة من الرقيق صارت على هذا النحو في ملك الجنس الحاكم، حتى انسلخ هؤلاء عمّا قريب عن قوميتهم السابقة. ولمّا كانت معاملة الرقيق في جملتها رفيقة، سرعان ما كُسبوا للإسلام، وأخذوا بالعربية، ونال كثيرٌ منهم الحرّية فدخلوا في الولاء لمواليهم السابقين ولأسرهم. وهكذا تكاثر الفاتحون العرب تكاثراً متزايداً كالسيل الجارف كلّما أوغلوا في البلاد. ولذلك نجد منذ عهد مبكّر، في أخبار الغزوات والحروب على الكفّار، أنّ الجيش كان من كذا وكذا ألفاً من رجال القبائل العربية، وكذا وكذا ألفاً من الموالي. 2) وهؤلاء هم الأعاجم الذين قُبلوا في القبائل. وكان ابتلاع الفاتحين للمغلوبين أسهل ما يكون في البلاد التي وجد العرب فيها شعوباً من أرومتهم. وقد كان ذلك متوافراً في البلدان المجاورة.

فجزيرة العرب، ولا بدّ أنّها كانت في القديم أيضاً كثيفة السكّان، قد بعثت مهاجريها إلى البلاد

1) المجلد الأول ص 412 وما بعدها.

2) كان في خراسان أيام عمر الثاني 20,000 من الموالي في الميدان، لكنّهم مُنعوا العطاءَ والرزقَ معاً: فلم يكن لهم إلا الغنيمة. ابن الأثير V. 37. ومن اختلاط العرب بالفرس نشأ مولَّدون يتكلّمون العربية، مثل زياد الأعجم وثابت قُطنة.

149

المتاخمة. فالعربُ مذكورون في الكتابات الفارسية المسمارية، وكانت في ذلك العهد قبائل عربية نازلة في الجزيرة الفراتية. 1) وكانت شبه جزيرة سيناء عربيةً في الغالب قبل الإسلام بزمن طويل، بل كان الأنباط في البتراء عرباً في قوميتهم. 2) وفي وادي النيل كانت منازل عربية قديمة، ويُقال إنّ عرباً أسّسوا هليوبوليس، ولأتريب اسمٌ عربي، وكان لبوباسطة عبادةٌ عربية. وكان لآشور سكّانٌ عرب أقدمون، وحوالي سنة 140 قبل الميلاد كان العرب أصحابَ حمص وما حولها. ونقل تِغرانيس نحو سنة 66 قبل الميلاد قبائل عربية كثيرة إلى شمال الشام.

وفي اليهودية عُرّبت نواحٍ بعينها منذ القِدَم البعيد، وكانت أرض جِلعاد مسكناً لقبائل عربية، من أهل القرى ومن البدو جميعاً، وكذلك كان الأمر في البَتانِيّة. وفي الدولة الآشورية كانت قبائل كثيرة من هذه الأمّة نفسها، على الضفّة الشرقية لدجلة وفي الجانب الجَزَري معاً؛ وكان حوض الخابور في أيديهم، وامتدّت من أسفل الفرات سلسلةٌ متّصلة من القبائل البدوية صعوداً نحو الشمال، حتى إنّ القسم الأكبر من السكّان هناك كان عربياً، وإن غلب العنصر الآرامي في المدن. ومن الجزيرة الفراتية تقدّمت قبائل عربية نحو شمال الشام، إلى حرّان والرُّها (أورهوي - إديسّا)، ومن هذه المدينة إلى الفرات كان الناس عرباً. وقد عرف بلينيوس بدو الرَّوَلة في بادية الشام باسم Rhoali؛ وكانت منازلهم يومئذ في الناحية بين باليسّوس (بالِس) والفرات. وقبيلة Rhambaei هي بعينها قبيلة ربيعة الكبيرة التي كانت تسكن ضفّة الفرات اليمنى. وفي تَدمُر كان

1) شبيغل: آثار إيران القديمة I. 216. 2) بلاو: مجلّة الجمعية الشرقية الألمانية XXV. 529. 565.

150

قسمٌ كبير من السكّان عربياً، وفي حَوران كانت هذه القومية هي الغالبة. 1)

وهذه الوقائع تكفي لبيان السبب في أنّ الفاتحين أخضعوا البلاد الأعجمية للإسلام ولقوميّتهم بهذه السهولة. نعم، كان السكّان الأصليون في فارس وفي إفريقية كتلةً متماسكة، ولم يجد العرب هناك عناصر متجانسةً معهم، لكنّ النجاح كان مؤاتياً هنا أيضاً، إذ كانت تلك الشعوب عاجزة عن المقاومة. أمّا البربر بعد إخضاعهم فقد رُبّوا تربية منهجية على العروبة بالقُرّاء ومعلّمي الدين. 2) وأمّا في فارس فقد انقضت ثلاثمئة سنة من الحكم العربي قبل أن تنهض الأمّة المقهورة على حكم الغرباء وتعيد إلى لسان البلاد القديم اعتباره؛ فقد صارت العربية بالفتح هي السائدة في المعاملات الرسمية، وفي أوساط أهل الأدب، وفي المدن كذلك. فكانت العربية لسانَ العامّة في نيسابور 3)، وكذلك في قُمّ 4)، ونستفيد من رسائل الهمذاني أنّ المراسلة كلّها ومعاملات الطبقات العليا كانت بهذا اللسان حتى في مَرو وهَراة 5)، كما ظلّت العربية غالبةً غلبةً عامّة زماناً طويلاً في خراسان.

ولم تتخلّف عواقب هذا الاختلاط بالشعوب المغلوبة، وهو ما جهد عمر الأول جهداً شديداً في منعه. فقد ربح الجنس الحاكم كمّاً وخسر كيفاً، إذ فقد كثيراً من فضائله القبَلية القديمة، وتسطّح

1) بلاو في مجلّة الجمعية الشرقية الألمانية XXV. 525 وما بعدها. وفي القبائل العربية بالجزيرة الفراتية قارن Z. d. D. M. G. X. 437، 462، ثم الأغاني XI. 62.

2) قارن المجلد I. ص 232.

3) الثعالبي: لطائف 39.

4) الأصفهاني: محاضرات I. 55.

5) وبحسب خبرٍ محفوظ عند ابن حمدون II. ورقة 224 و، لم يكن عبد الله بن طاهر، والي خراسان في عهد المأمون، يفهم كلمةً واحدة بالفارسية.

151

طرازُ الجنس 1)، وفي مقابل ذلك ألِف القوم بسرعة كبيرة كلّ رذائل المغلوبين — وهو ما عُوّض عنه تعويضاً وافراً بأخذ كثير من عناصر الحضارة عن اليونان والفرس، وهذا موضوعٌ سنجد فرصةً للحديث عنه بتفصيل فيما بعد.

ومهمّتنا هنا أوّلاً أن نتحدّث عن الأوضاع الاجتماعية الجديدة التي أسفر عنها مسارُ التحوّل المشار إليه آنفاً. وأهمّ واقعة يجب أن نذكرها في المقام الأوّل هي نشوء سكّان عرب من أهل المدن. وقد بُيّن في موضعٍ سابق من هذا الكتاب كيف نشأت مدينتا الكوفة والبصرة من المعسكرات المحصّنة. وفي مواضع أخرى نزل بها الفاتحون بأعدادٍ أكبر جرى مسارُ التطوّر نفسه: فقد ضمّت دمشق والحيرة والأنبار وبغداد سكّاناً كثيرين نشأوا من اختلاط الفاتحين بأهل البلاد القدماء. وبقدر ما ازدحمت هذه المدن بالسكّان، بدا انقسام الشعب العربي شطرين أوضح فأوضح: أهلُ المدن المستقرّون من جهة، ومن جهة أخرى القبائل التي بقيت وفيّةً — قليلاً أو كثيراً — لعادات البادية القديمة، وللزرع، وللماشية، ولحياة الحرب المتنقّلة. ويتزامن هذا الانقلاب الاجتماعي مع انتقال الجُند من النظام القبَلي القديم إلى نظام الجند المرتزقة: فهو إذن في زمن أوائل العبّاسيين. 2) وكلّما مضى هذا الانشقاق

1) بلغ اختلاط العرب بالقبائل الأعجمية من الكثرة حدّاً حمل أصحابَ العقول على تأمّلٍ جادّ في ذلك الزمن نفسه؛ فالمعرّي يقول في اللزوميات (في القصيدة الخامسة من آخر الديوان): اختلطت الدنيا، ساكنةُ السهل بابنة الجبل، وأمّ النُّمَيري تركية وأمّ العُقَيلي جارية من سمرقند. — ولا أكاد أحتاج إلى أن أضيف أنّ نُمَيراً وعُقَيلاً قبيلتان عربيتان قديمتان، وقد بقيت الأخيرة إلى اليوم.

2) المجلد I. ص 232.

152

قُدُماً، صارت إدارةُ الشأن العامّ إلى أيدي أهل المدن أكثر فأكثر، وانحسر العنصر العربي الخالص من السكّان انحساراً متزايداً. فانتقل السلطان بذلك من القبائل إلى أهل المدن، ومن أعقاب الفاتحين الأوّلين إلى ذلك الجنس الهجين الذي نشأ من اختلاطهم بأهل البلاد القدماء المغلوبين؛ وسرعان ما غلب هذا الجنس حتى قيل في شعرٍ قديم: كثُر فينا بنو السَّراري كثرةً بالغة، اللهمّ فاحملني إلى بلدٍ لا أرى فيه هجيناً. 1)

وقد أدّت تجارةُ الرقيق أيضاً في هذا الخلط بين العرب والشعوب الأعجمية دوراً بالغ الأهمّية عمّا قريب، إذ كان يُجلب من الرقيق الأسود والأبيض جميعاً ألوفٌ كثيرة كلّ سنة. فأمّا الأوّلون فكانوا يُجلبون من زَويلة، وهي يومئذ حاضرة بلاد فزّان وفيها سوقهم الكبرى 2)، أو من مصر، أو من الساحل الإفريقي الشرقي، وبأعدادٍ بلغت من الضخامة أن وقعت بسببها ثوراتُ رقيقٍ خطيرة غير مرّة. وأمّا الرقيق البيض فكانوا يأتون إمّا من بلاد آسيا الوسطى التي تسكنها القبائل التركية (تركستان وفَرغانة وغيرهما)، وإمّا من بلاد الإفرنج والروم. وكان تصدير الرقيق من الأندلس قوياً على وجه الخصوص 3)، وكان هذا الرقيق الأندلسي مفضَّلاً أشدّ التفضيل، ويُسمّى «الصقالبة»، وليس هذا اللفظ إلا نقلاً عربياً للكلمة الإسبانية esclavo. وكان ثمن المملوك من هؤلاء 1,000 دينار 4)، على حين يمكن أن يُشترى المملوك التركي بـ600 درهم. 5)

1) الكامل 302. 2) اليعقوبي ص 134. 3) ابن خُرْدَاذبه ص 81. 4) الإصطخري ص 45. أمّا اشتقاق هذا اللفظ من اسم أمّة السلاف فخطأ أُبطل منذ زمن طويل. 5) ابن خُرْدَاذبه ص 38.

153

بل كانت تجارة الرقيق نشطةً جدّاً من مرافئ إيطاليا أيضاً، ولا سيّما من تشيفيتافيكيا؛ وقد عاتب شارلمان البابا هادريان الأوّل على إقراره تجارة الرقيق، فاعتذر هذا بأن ألقى التَّبِعة على الروم واللومبارد. وكذلك يُقال إنّ رجال الدين والعلمانيين في ذلك العهد احتذوا هذا المثال، فباعوا أولاد أقنانهم للكفّار بوساطة اليهود. والمقطوع به أنّ أهل البندقية اشتغلوا في القرن الثامن بتجارة الرقيق اشتغالاً قوياً. وكانت لهم في رومة سوق رقيقٍ خاصّة، لم يُبطلها إلا البابا زكريّا سنة 748. 1)

وعلى هذا النحو تدفّقت الشعوب الأعجمية بلا انقطاع إلى مدن الدولة العربية الكبرى الموسِرة، فتعرّبت هناك، وذابت في الجيل الأوّل أو الثاني ذوباناً تامّاً في المجتمع الإسلامي الناطق بالعربية المحيط بها. 2)

ومن سكّان المدن ومن الأعاجم المستعربين استمدّ العبّاسيون معظم جندهم المرتزقة، وإن ظلّ يُستعمل حتى في العهود المتأخّرة بعضُ القبائل العربية التي بقيت على حرفة الحرب.

ونؤجّل الكلام في الأثر الذي أحدثه نشوءُ المدن الكبرى وسكّانها في الإسلام، ونمضي الآن إلى إدخال الطبقة الثانية من الشعب — طبقة المسلمين الجدد والموالي — في دائرة بحثنا.

1) أماري: تاريخ المسلمين في صقلّية II. 169. نقلاً عن Codex Carolinus طبعة غريتسر، الرسالة 75. وثمّة مناهٍ أخرى مماثلة عند موراتوري: حوليات إيطاليا 960.

2) وقد تكرّر أمرٌ شبيه بهذا عند الترك، إذ كانوا يجنّدون الإنكشارية في الأكثر من الرقيق النصارى.

154

كان من حقّ المسلمين الجدد، على أصول الإسلام، أن يتمتّعوا بما يتمتّع به العرب الصرحاء من الحقوق سواءً بسواء؛ غير أنّ هؤلاء كانوا من الكبر وحبّ السلطان بحيث لم يدَعوا هذه المطالب النظرية تمضي في التطبيق العملي إلا وقد وضعوا في طريقها عقبات كبيرة. وقد قرّر عمر الأول من قبلُ أنّ الأعجمي إذا أسلم فقَد عقاره، ويؤول إلى أهل دينه السابقين. وكانت الأسبابُ المالية هي الفاصلة في ذلك، إذ لم يُرَد أن يُنقَص حاصلُ الخراج. وأفضت هذه البواعث نفسها فيما بعد إلى تضييقٍ أشدّ بكثير على المساواة التي كفلها الشرع للمسلمين الجدد. فقد كان مقتضى الدخول في الإسلام أن تسقط الجزية؛ لكن لمّا كان دخلُ الدولة الأكبر قائماً على خراج المخالفين في الدين وجزيتهم، أُلزم هؤلاء بأداء هذه الجزية على حالها رغم إسلامهم. ولمّا سقط أخيراً الأصلُ القديم في أنّه لا يجوز لمسلم أن يتملّك أرضاً ولا عقاراً آخر، جُعل الفرق بين العرب الصرحاء والمسلمين الجدد أن أُلزم هؤلاء، رغم دخولهم في الإسلام، بأداء الخراج مع ذلك، بل أُلزموا في بعض المواضع الجزية أيضاً، على حين لم يكن على الأوّلين إلا ضريبةُ الدخل اليسيرة (العُشر).

وإلى جانب هذا الحيف الثقيل في وضع الضرائب، كان وضعهم في الحياة المدنية سيّئاً في جملته، ولم يقع في ذلك انقلابٌ إلى الأحسن إلا بجلوس العبّاسيين على العرش. فقد كان العرب الصرحاء يعاملون المسلمين الجدد معاملة جنسٍ أدنى. ولمّا كانوا جميعاً في الولاء للقبائل والبيوتات الغالبة، جُمعوا عادةً تحت اسم الموالي. وكانوا في أدنى درجات المجتمع الإسلامي، وأعلى طبقاته قريش، أي أهل شرف مكّة؛

155

ثم يليهم جمهور العرب الصرحاء (صريح)، ثم تُذكر في المرتبة الأخيرة طبقةُ المسلمين الجدد، الموالي (mawäly). وكان وضعهم شديد الضَّعة. فلم يكن يُخاطَب أحدُهم بكُنية على ما جرت به العادة العامّة، بل يُنادى باسمه المجرّد كما يُنادى الخدم. ولم يكن يُمشى معهم في صفٍّ واحد، وكان يُجعل لهم في مجالس الأعياد آخرُ المكان. 1) على أنّه لعلّهم فرّقوا بين من كان مسلماً جديداً حقيقةً وبين من كان رقيقاً من قبلُ فلم يصر مولىً لسيّده السابق إلا بالعِتق. ولا يُفهم إلا على هذه الطبقة الثانية ما يُروى من أنّ المولى لم يكن له حتى حقّ تزويج ابنته، وأنّه لا يُعَدّ صحيحاً من النكاح إلا ما تمّ برضا مولاه المُعتِق، أي سيّده السابق. 2)

ويبدو أنّ نفور العرب من الموالي تأثّر أيضاً بطراز الأجناس: فالشعوب السُّود الشَّعر، السُّمر البشرة، كما كان الآراميون جميعاً على الأرجح، كانت تبعث في نفوسهم من النفور أقلّ ممّا تبعثه الأقوام الشمالية الآرية ذات البشرة البيضاء المشرَبة بحمرة والشعر الأشقر أو المائل إلى الحمرة. ولذلك سُمّي الموالي، ولا سيّما من أسلم منهم، «الحُمر» 3)، على حين كان العرب يحبّون أن يسمّوا أنفسهم «السود». ويُكثر شعراءُ ذلك العصر أن ينبزوا موالي العراق وفارس بلقب «صُهْب السِّبال». 4) وعلى العموم فقد ظهر بغضُ الطبقة الحاكمة للمسلمين الجدد من غير العرب

1) قارن الكامل ص 712 و«جولات في تاريخ الحضارة» 20 وما بعدها. 2) الأغاني XI. 154. 3) الكامل 264. 4) المصدر نفسه 303. ولا يزال تعبير «صُهب الأعاجم»، أي الفرس الحُمر الشعور، وارداً في ديوان أبي تمّام ص 17.

156

في صور شتّى. فقد جرت العادة أن يُذكر الموالي والفرس (أو البربر) معاً في سياق الاحتقار. 1) ويُروى أنّ الجند العرب في قتالهم الخوارج أسلموا رفيقاً لهم إلى العدوّ لأنّهم لم يشاؤوا أن ينجدوه، إذ كان مولى. 2) ويقول الشاعر جرير في رجلٍ زوّج ابنته من مولى: أرى مقاتلاً يزوّج بناته من الموالي، وإنّما كان يُزوَّج قبلُ الإماءُ من أولئك العبيد القِباح صُهب السِّبال. 3) — ولمّا هزم قائدٌ عربي جيشَ المختار صاحبِ الدعوة وأسره، أراد أن يُطلق العرب الصرحاء جميعاً وأن يضرب أعناق الموالي لا غير. 4)

ونزل الشاعرُ المذكور آنفاً مرّةً ببطنٍ من بني العنبر، فلمّا لم يجد عندهم قِرىً بغير ثمن، كما يوجبه عُرفُ الضيافة العربية القديمة، انتقم بقصيدة هجاء يقول فيها بين ما يقول: يا مالكَ بنَ طريف، إن كنت تبيع الضيفَ قِراه فذلك خلافُ الدين وخلافُ كرم القبيلة؛ فأجابوا: بل بعناه بيعاً حلالاً. فأقول: بيعوا واشتروا مع الموالي إن شئتم، ولكن استحيوا من العرب! — ويضيف الراوي القديم أنّ هذا البيت الأخير بعينه جرح الموالي جرحاً بالغاً. 5)

ويظهر من هذه الأخبار بلا شكّ أنّ الطبقة الحاكمة لم تكن تميل البتّة إلى منح المسلمين الجدد المساواة في الحقوق. فالعربي الصريح كان يرى نفسه أبداً أكرم بما لا يُقاس من

1) الكامل 254. 2) المصدر نفسه 631. 3) المصدر نفسه 272. 4) ابن الأثير IV. 225. 5) الكامل 262، 263.

157

الفارسي أو الآرامي. فنشأ من ذلك بين الأوّلين وبين هؤلاء وأعقابهم سخطٌ آخذ في التزايد أفضى إلى ثوراتٍ دموية مرعبة موغِرة للصدور. 1) ولهذا السبب أيضاً كان في جيش الخوارج هذا العددُ الكبير من الموالي والفرس. 2) ولم يأتِ لهذه الطبقة من المجتمع زمنٌ أفضل إلا بتولّي العبّاسيين الحكم؛ فقد رعت الدولة الجديدة الحزبَ المضطهَد من قبلُ، واستندت هي نفسها في أكثر أمرها إلى فرسٍ مستعربين، أو على الأقلّ إلى العرب النازلين بفارس وخراسان، ممّن خالطوا السكّان المغلوبين منذ زمن طويل من وجوه شتّى. ومن ذلك الحين تختفي شيئاً فشيئاً أرستقراطيةُ القبائل القديمة، ولم يعُد يُعبأ كثيراً بصفاء النسب العربي، ويجري بين الطبقتين اللتين كان الفصل بينهما شديداً من قبلُ — مسلمي العرب القدماء والمسلمين الجدد — امتزاجٌ سريع إلى حدٍّ ما: فمن ذلك الحين يبلغ من أسلم من الفرس والنصارى واليهود، بل من الصابئة، أرفعَ المناصب في الدولة؛ بل ظهر منذ وقتٍ مبكّر هنا وهناك ردُّ فعلٍ واضح على الهيمنة العربية من جانب سائر الأمم.

وذلك الاحتقارُ الذي اعتاد العرب الحاكمون في عهد الأمويين أن ينظروا به إلى الفرس وإلى الأعاجم عامّةً، هو الذي أنشأ حزباً لم يقتصر على الدفاع عن المساواة التامّة بين العرب والأعاجم في الحقوق، بل تجاوز ذلك إلى تفضيل الفرس على العرب. واستندوا في ذلك إلى آيٍ من القرآن وأقوالٍ للنبي فيها التصريح بالمساواة

1) قارن المجلد I. ص 171. الكامل 285. 2) الكامل 686. وقد أكره الحجّاجُ المسلمين الجدد بعد إخماد الثورة على أداء الجزية. أمّا والي إفريقية، وقد أراد أن يفعل مثل ذلك، فقُتل بسببه في ثورة. ابن الأثير V. 76.

158

بين المسلمين جميعاً. وكان «أهل التسوية»، وهو الاسم الذي عُرف به هذا الحزب يومئذ، يزعمون أنّ كرم النسب وسلسلة الآباء المشهورين لا قيمة لهما، وأنّ الكريم إنّما هو من شرّفته أفعاله وامتاز بشرف النفس؛ واحتجّوا في هذا المعنى بشعر عربي قديم يقول: وإن كنتُ ابنَ سيّد بني عامر وبطلَهم المشهور، فما جعلني بنو عامر سيّداً لأجل الميراث؛ ومعاذ الله أن أكون صرتُ سيّداً بأبٍ أو أمّ: بل لأنّي أحمي حماهم وأدفع عنهم البلاء وأرمي بقوسي كلَّ من رماهم. 1)

ويبدو أنّ أوّل من أراد أن يُقرّ مساواة الموالي بالعرب هو عمر الثاني، وقد عرفنا من قبلُ حماسته الدينية للآراء الديمقراطية التي سادت في صدر الإسلام. فقد ولّى بالقاهرة مولَيين وعربياً الإفتاء (mofty)، فلمّا عُوتب في ذلك يُروى أنّه أجاب: وما ذنبي إن كان الموالي يرتفعون وأنتم تتخلّفون. 2) ووقع من الضجّة ما يكاد يعادل ذلك حين وُلّي في أيام الحجّاج رجلٌ من المسلمين الجدد إمامةَ مسجد الكوفة. ولمّا عُيّن قاضياً بها صاح الناس: لا يلي هذا المنصب إلا عربي. 3)

وقد أحسن الموالي في الحقيقة أن يسبقوا العرب، فقد كانوا أوّل من عُني بالعلوم، فكسبوا بذلك جاهاً آخذاً في النموّ. وعُنُوا على وجه الخصوص بعلوم الدين والفقه،

1) قارن «جولات في تاريخ الحضارة» ص 23. 2) المقريزي: الخطط II. 332، عن مصادر قديمة. 3) الكامل 285.

159

وكانوا الواسطة في إدخال الأفكار الأجنبية إلى الإسلام. فعن طريق من دخل في الإسلام من اليهود دخلت في الأدب العربي عادةُ تفسير الكتاب العزيز، وهي شديدة الشبه بصنيع التلمود، وكذلك الولعُ بالحديث وجمعِه، ونبرةُ التعليم المدرسي المتحذلقة التي تحبّ أن تتوسّع في الدقائق وتُعظّم شأنها. ويُروى عن عربيّ صريح أنّه سُئل: فيمَ تعلّم بنيك؟ فقال: في الفرائض؛ فردّ عليه الآخر بأنّ ذلك علمُ الموالي لا يليق بالعربي الصريح، وحسبُه أن يعرف الشعر القديم ليُعَدّ من أهل الأدب. 1) لكنّ الموالي صنعوا لأنفسهم بهذه العلوم مكانةً، فصاروا قضاةً وفقهاء.

وإلى جانب هذا السعي العلمي، وقدرُه أعظم كلّما عمّ الجهل، أحسن الموالي أن يبلغوا المكانة من طرقٍ أخرى أيضاً. فقد كان أمرُ الخراج والحساب كلّه في أيديهم في الأغلب، ومعلومٌ أنّ هذا كان في الشرق دائماً عملاً مُدِرّاً للمال. ولم ينافسهم في هذا الباب إلا من بقي على دين آبائه من النصارى والمجوس، وهم أهل دينهم السابق. ومع هذا النشاط لا عجب أن تستطيع طبقةُ المسلمين الجدد والموالي، رغم حَنَق الجنس الحاكم، أن تكسب نفوذاً متزايداً ومكانةً اجتماعية أوفر احتراماً على الدوام، حتى فقد أخيراً ذلك الفرقُ الذي طالما تُشُبِّث به بين العرب الصرحاء والموالي أو المسلمين الجدد كلَّ ما كان له من معنى تقريباً.

وهنا يجب أن نذكر طبقةً أخرى كان لها في القرون الأولى نفوذٌ عظيم إلى أبعد حدّ،

1) الكامل 264.

160

ودورٌ بارز في المجتمع المدني آنذاك. وهي طبقة الدهاقين المهمّة.

كان نظامُ دولة الفرس القديم نظاماً إقطاعياً زراعياً، على وفق ما تقتضيه طبيعة الروح الآرية. فعددٌ كبير من البيوت القديمة ذوات الأرض، موزَّعةً على مملكة الفرس كلّها، وهم بلا ريب أعقاب رؤساء القبائل القدماء، كانوا على رأس كلّ جماعةٍ قروية، ولهم فيها الكلمة الفاصلة. وكانوا يمثّلون مصالحها أمام حكومة الإقليم أو الحكومة المركزية، ويتولّون جباية الخراج، ويمارسون في النهاية كلّ الامتيازات التي تؤول بطبيعة الأحوال إلى صاحب الأرض الكبير بين القرى الزراعية المحيطة به. وقد أحسنت طبقةُ الدهاقين النافذة هذه، فيما يبدو، أن تُنقذ في أكثرها بقايا حسنة من قوّتها وثروتها القديمتين بإسلامها في الوقت المناسب؛ ولمّا كان الفاتحون العرب عاجزين عن الإدارة، منصرفين في العهد الأوّل إلى حرفة الحرب بشغف، بقي للدهاقين عملُ جباية الخراج المُدِرّ في أيديهم كلّه تقريباً. نعم، جرت محاولاتٌ لنزع هذا الدور الوسيط المُربح منهم وتوليةِ عربٍ صرحاء مكانهم، لكن تبيّن أنّ الدهاقين كانوا أقدر على استيفاء الخراج بأمانة وفي وقته، فما إن يُوكَل الأمر إلى عربي حتى يبقى الخراج متأخّراً أبداً؛ ثم إنّ الدهاقين كانوا في الجباية أرفق بالناس من أولئك. 1) وقد أسلم في عهد عمر الأول أكثرُ دهاقين بابل، فعاملهم هذا الحاكمُ الحصيف بلطفٍ بالغ، وأجرى عليهم العطاء. 2)

1) ابن الأثير IV. 116. 2) بحسب البلاذري 457، وهو يورد قائمة بأسمائهم، أُجري على كلّ واحدٍ منهم 1,000 درهم في السنة.

161

وأسماؤهم تشهد بأنّهم كانوا مختلطي القوميات: بعضهم آريّون صرحاء، وبعضهم آراميون؛ وقد وُفّقوا إلى البقاء زمناً طويلاً إلى حدٍّ ما: فدهاقين سمرقند يُذكرون في حكايةٍ يرويها المأمون 1)، وقد شاركوا في طبرستان أيام المعتصم في ثورة قامت على أساسٍ قومي ضدّ حكم العرب الغرباء. 2)

وأحسب في الدهاقين أيضاً ذلك الفارسيَّ الكريم فيروز الذي يروي عنه المبرّد. كان من أكرم البيوت الفارسية، فأسلم وصار مولى لبني العنبر. واشتُهر بالثراء والسخاء، حتى رُوي عنه أنّ ابن فارسيةٍ متزوّجةٍ من عربي عيّره أهلُه بأصله الفارسي، فأشار إلى فيروز وهو مارّ بهم وقال: هذا خالي، فمن منكم له خالٌ أكرمُ من هذا! فسمعها فيروز فاشترى له داراً ووهب له معها 100,000 درهم.

وقد انضمّ إلى ثورة الموالي على الحجّاج. فلمّا تقابل الجيشان عند رُستَقاباذ، أمر الحجّاجُ مناديه أن ينادي: «من جاءني برأس فيروز فله 10,000 درهم»، فبرز فيروز من الصفّ ونادى: «أنا فيروز، وأنتم تعلمون أنّي أفي بما أقول: من جاءني برأس الحجّاج فله 100,000 درهم». ولمّا أُسر أراد الحجّاج أن يستخرج منه أمواله، فلم يسأل فيروز إلا أن يُؤذَن له قبل قتله في أن يُخرَج إلى الناس ليدعو أمناءه ومن له عليهم دَين. فلمّا أُذن له لم يفعل ذلك، بل أعلن بأعلى صوته أنّ من كان عنده له وديعةٌ أو عليه له دَينٌ فليحتفظ به هبةً، وأنّه يعتق رقيقه جميعاً،

1) الجاحظ: الأضداد ورقة 12. 2) دي خويه: Fragm. II. 506.

162

ويجعل سائر ماله في وجوه البِرّ.

فاغتاظ الحجّاج إذ خُدع على هذا النحو، فقتله شرّ قِتلة. 1)

ويكثر في كتب القرون الأولى ذكرُ الدهاقين على أنّهم سادةٌ كبار موسِرون، يعيشون في أرضيهم أرغد عيش، ولهم في كلّ ما حولهم أعلى الجاه. وعندهم في أقبيتهم أجودُ الخمر، خمرٌ من نفاستها أن قال فيها شاعر: كانت شَربةً ادّخرها دهقانٌ كان بها شحيحاً، مكسوبةً بعملٍ شريف لا بخديعة. 2) وابنةُ الدهقان الفاتنة تشغل في الشعر القديم والأخبار مكاناً بارزاً، وكان كثير من صالحي المسلمين يعدّ نفسه سعيداً أن يظفر بواحدةٍ منهنّ زوجةً. 3)

ومع مقدَم الانحطاط، ومع سلطان الحرس التركي، بلغت هذه الطبقةُ من المجتمع أيضاً نهايتها وذابت في الجمهور الأعظم. فأخذ العربُ الصرحاء وأعقابُ الفاتحين والمسلمون الجدد والموالي يمتزجون أكثر فأكثر في كتلةٍ متجانسة إلى حدٍّ بعيد، لكنّها — ويا للأسف — سريعةُ الفساد تحت وطأة الانحطاط السياسي والاجتماعي.

ولم يبقَ علينا الآن إلا أن نذكر الملل المغلوبة التي وصفناها فيما تقدّم بأنّها الطبقة الثالثة الكبرى من سكّان دولة الخلفاء. وقد سبق الكلام في وضعها المدني والاجتماعي كلاماً مستفيضاً حتى

1) الكامل 656. وهو بتصرّفه في ماله على هذا النحو قد جعله في حمى الدين إلى حدّ ما، وأخرجه من يد السلطان الدنيوي. 2) ديوان مسلم بن الوليد، طبعة دي خويه 166 البيت 10. 3) قارن خبر المنصور، ثاني خلفاء بني العبّاس، إذ اختبأ قبل أن يلي الخلافة عند دهقان وتزوّج ابنته. ابن حمدون II. ورقة 287.

163

لم يبقَ ممّا يُذكر هنا من الوجهة العامّة إلا القليل تكميلاً لصورتنا.

فالملل المخالفة في الدين، ولا سيّما أهل الكتاب منها، كانت تنعم بتسامحٍ واسع إلى حدٍّ بعيد لقاء ما فرضته عليها عهودُ الصلح من الجزية والخراج؛ فلها أن تقيم عبادتها بلا مانع، وأن تدبّر شؤون طوائفها، وبقيت كنائسُها وأديرتها وبِيَعها قائمةً كما كانت، إلا في المدن الكبرى حيث حُدّ من عددها، بل كان لها أن تُحدث كنائس جديدة. وقد تجمّع السكّان المسلمون في المدن الكبرى، أمّا في الأرياف فقد ظلّ السكّانُ القدماء هم الغالبين زماناً طويلاً، حيث لم يقع لأسبابٍ خاصّة إسلامٌ جماعي، وظلّوا في الأغلب لا يُتعرَّض لهم ما داموا يؤدّون خراجهم. وكان هذا شأنَ نواحي جبال لبنان وجبال لبنان الشرقية في الشام، ويسمّي كتّابُ العرب في أقدم العصور هؤلاء السكّانَ القدماء بـ«الجراجمة» أو «النَّبَط»، أي الغرباء. غير أنّه كلّما توطّد الحكم العربي، اشتدّ الضغطُ الواقع على الشعوب المغلوبة 1)، فسِيقت شيئاً فشيئاً إلى المقاومة. فقد ثار في أيام عبد الملك أهلُ نواحي جبال لبنان وجبال طوروس، وكُلّف إخضاعُهم من جديد جهداً غير يسير. 2) ووقعت في مصر من الأقباط سلسلةُ ثورات لم تُقمع إلا بعد سفكِ دماء كثيرة. وفي إفريقية حاول أهلُ البلاد القدماء، وهم البربر، مراراً

1) قارن دوزي: تاريخ مسلمي إسبانيا II. 49. 2) ابن الأثير IV. 250، 251. البلاذري 159—163. وقارن أسّيماني: المكتبة الشرقية I. 501، رومة 1719، ففي هذا الموضع أخبارٌ مهمّة عن أصل الموارنة.

164

أن يخلعوا النِّير. أمّا في العراق، حيث استقرّ الفاتحون العرب منذ البدء بأعدادٍ كبيرة، فقد كان فيه سكّانٌ أعاجم كثيرون، وهم أعقاب البابليين والآشوريين القدماء، ويسمّيهم العرب «الجرامقة» أو «الجرمقانيين» 1)، لكنّ تكوين البلد وخلوّه من المناطق الجبلية جعل المقاومة العنيدة أصعب وحال دون النهضات القومية. وفي المقابل شارك أهلُ البلاد القدماء بقدرٍ أكبر في الصراعات السياسية والدينية التي كثيراً ما انفجرت في هذا الإقليم بين الفرق الناشئة في حِضن الإسلام. أمّا في بلاد المشرق من مملكة الفرس القديمة، حيث تسكن شعوبٌ من أرومة آرية، فقد ظهر نفورُ السكّان القومي من العرب ظهوراً أعنفَ من ذلك بكثير، وأحسنت أقاليمُ بعينها — طبرستان وسِجستان — أن تكسب لنفسها في أوّل فرصة استقلالاً تامّاً أو جزئياً على الأقلّ.

وعلى حين أُبيح للنصارى في الشام ومصر، كما في العراق، أن يُبقوا كنائسهم وأديرتهم بلا عائق، لم يُمنح الفرسُ هذا التنازل نفسه، بل قُضي بهدم بيوت نارهم جميعاً، حتى إنّ والياً على العراق في عهد الأمويين (عبيد الله بن زياد) عيّن مندوباً خاصّاً عن الحكومة لهدم بيوت النار في فارس كلّها. لكن يبدو أنّ هذا الرجل فهم منصبه — كما يقال في بلاد المشرق — فهماً حسناً، إذ جمع في هذه المهمّة ثروةً بلغت أربعين مليون درهم. 2) والظاهر أنّه ترك كلّ بيت نارٍ قدّم له أهلُه مالاً كافياً فديةً له. وهكذا بقيت أكثر معابد المجوس غير مهدومة، وبقي معبدُ شِيز المشهور في

1) ابن قُتَيبة 317. ابن الأثير II. 386. 2) ابن حمدون I. 115 ظ.

165

أرمينية قائماً في العصور المتأخّرة أيضاً. 1) وأمّا كُنُس اليهود فيبدو أنّه لم يُتعرَّض لها بسوءٍ قطّ، بل بقي معبدُ الأصنام في حرّان بعبادته الوثنية الصريحة إلى القرن الثاني عشر. 2)

وإلى جانب النصارى وعبَدة النار، وإليهما ينتمي الجانبُ الأعظم من الشعوب المغلوبة، عاشت في أحوالٍ مشابهة مللٌ أخرى أقلّ عدداً: اليهودُ المتفرّقون في البلاد كلّها، ثم السامرةُ المحصورون في نابلس، ولا وزن لهم البتّة في الحياة الحضارية العامّة، ثم المانوية والحرّانيون، وأخيراً عددٌ من الفرق الصغيرة الناشئة عن مؤثّرات نصرانية أو فارسية أو مانوية، أو الباقية بقيّةً أخيرة من العبادات الوثنية القديمة السابقة للنصرانية.

وكان نصارى المشرق يومئذ، كما هم اليوم، تحت سلطان إكليروسٍ شديد الطمع في الرئاسة والمال، له على النفوس من القوّة مثلُ ما صار للعلماء المسلمين فيما بعد على أهل دينهم. فقد تكاثر الإكليروس النصراني بلا حدّ في ظلّ الحكم البيزنطي الذي كان أضعف من أن يقاومه، واغتنى بالأوقاف، وحاز أرضين واسعة، وسكن أديرةً وكنائس وبِيَعاً كثيرة. وكانت الحكومة الإسلامية في المدن تسمح لنفسها أحياناً غير قليلة بشيء من التعرّض، وكذلك الغوغاءُ المستعدّون للنهب أبداً؛ أمّا في الأرياف فقد بقيت هذه على حالها لم تتغيّر، إذ كان العرب يعترفون للرهبنة وللدير بشيء من الحقّ. وكانت الزراعة نشطةً في أكثر

1) ابن خُرْدَاذبه ص 96. وقارن الشهرستاني I. 299. 2) لم يهدم المغولُ آخرَ معابد الصابئة في حرّان إلا سنة 628هـ. خْڤولسون: الصابئة والصابئية. بطرسبرغ 1856. I. ص 232، 667.

166

الأرضين التابعة للأديرة، إذ كان الرهبان يزرعون أرضهم بأيديهم في بعضها، ولم تُهمَل الكرمةُ أيضاً، وقد نال خمرُ الأديرة في نواحٍ شتّى قبولاً عظيماً. ولا شكّ أنّ تجارة الخمر كانت للرهبان مورداً حسناً للدخل: يقول شاعرٌ يصف الخمر: «خمرٌ حُفظت في الزِّقّ، رُبّيت في الرُّصافة، فقد باعها الشمّاس والقسّيس غالياً.» 1) وكانت تُمارَس في الأديرة أيضاً حِرَفٌ شتّى. ولم يكن نادراً أن تُقام عند الأديرة، بوصفها مجتمَعَ أهل الريف المجاورين، أسواقٌ منتظمة ومواسمُ وأعيادٌ شعبية 2)، كما لا يزال ذلك شائعاً جدّاً في المشرق اليوم. وكانت هناك أديرةُ راهبات أيضاً، كما كانت الراهبات يسكنّ مع الرهبان. 3)

ولمّا كانت الأديرة تقع عادةً في أجمل المواقع، كثيراً ما كانت تُقصد للاصطياف، وكان الأمراء والكبراء يحبّون أن يبيتوا فيها في أسفارهم أو رحلات صيدهم، ووجد المسافرون فيما كان منها على الطرق الكبرى مأوىً كذلك. وكان الرهبان يمارسون الطبّ في أحيان غير قليلة، وكانت فيها أيضاً مواضع يُلتمس فيها البُرْء، ومزاراتٌ للقدّيسين وقبورٌ للأنبياء، يحجّ إليها المرضى أو المتعبّدون للشفاء أو للتبرّك أو للوفاء بالنذور. وفي بغداد نفسها كانت عدّةُ كنائس وأديرة للنصارى.

ويُستفاد ممّا تقدّم على كلّ حال أنّ الإسلام في مبتدأ أمره لم يكن متعصّباً البتّة، بل هو قطعاً يفوق بمراحل السياسةَ الدينية النصرانية في القرون الوسطى، وقد امتازت هذه بنزوعٍ وحشيّ إلى الاضطهاد. نعم، لم تكن حال النصارى تحت

1) مسلم بن الوليد، طبعة دي خويه 213 البيت 2. وقارن المعجم II. 642، 643، 644 وغيرها من المواضع. 2) قارن المعجم II. 660: دير درماليس. 3) المعجم: في مادّتَي دير الزُّرنوق ودير العَذارى.

167

الحكم العربي واحدةً دائماً، كما ينبغي التمييز بين من سكن منهم المدن ومن سكن الأرياف؛ فالأوّلون اغتنوا بالتجارة والصيرفة، والآخرون كانوا يئنّون تحت وطأة الخراج الثقيل ومظالم الولاة. وقد كان النصارى في أقدم العصور يدخلون المساجد بلا مانع 1)، وكانت لهم في البلاط أيضاً مكانةٌ رفيعة في كثير من الأحيان. فالأخطلُ النصراني كان شاعرَ البلاط بدمشق، وكان والدُ يوحنا الدمشقي أوّلَ مشير للخليفة عبد الملك. وكان بيد النصارى، كما تقدّم، أمرُ حسابات الدولة وخراجها كلّه. نعم، حاول حسدُ المسلمين مراراً أن يزيحهم عنه، لكنّ الحاجة إليهم كانت تعود دائماً. وفي العراق شاركهم في هذا النفوذ الفرسُ والدهاقين، وكانوا في وضعٍ شبيه بوضعهم. 2) وقد أقصاهم عمر الثاني القصير النظر عن الوظائف العامّة كلّها 3)؛ وأصدر أوّلُ العبّاسيين أمراً مثله. 4) وصدرت أوامرُ معادية للنصارى في عهد هارون الرشيد أيضاً (سنة 191هـ / 807م): فقد أمر بهدم الكنائس كلّها في الثغور، وقضى بألّا يلبس أهلُ الملل المُقَرّة زيّ المسلمين. 5) وفي إفريقية أصدر إبراهيم بن الأغلب أوامر شديدة على النصارى واليهود. 6) وجدّد الخليفةُ المتوكّل هذه الإجراءات في صورة أشدّ، ومنع المقتدر أن يُولّى المخالفون في الدين وظيفةً إلا أن يكونوا أطبّاء أو صيارفة، وأمر في الوقت نفسه بأن يتميّزوا في اللباس من

1) الأغاني IV. 182. VII. 179—187. 2) ابن الأثير V. 167. الأغاني XIX. 59—61. 3) ابن الأثير V. 49. 4) ثيوفانيس: الأخبار الزمنية، في سنة 751م. 5) ابن الأثير VI. 141. 6) أماري: تاريخ المسلمين II. ص 56.

168

المسلمين. 1) على أنّ تَكرار هذه الإجراءات الصارمة لا يثبت إلا أنّ المخالفين في الدين، رغم تزايد الحَنَق عليهم، أحسنوا كلّ الإحسان أن يفرضوا وجودهم، وأنّهم بنشاطهم ويسارهم كانوا يُثيرون بغض الطبقة الحاكمة أكثر فأكثر.

على أنّه لا ينبغي إغفال أمرٍ واحد: إذا ذُكر هارون الرشيد بأنّه أوّلُ من أصدر ذلك الأمرَ الذي يبدو في أوّل النظر شديدَ التعنّت — أن يتميّز اليهود والنصارى في اللباس من المسلمين (الغِيار، قارن المجلد I. 425) — فإنّ لذلك سبباً آخر كلّ الاختلاف. ذلك أنّ النصارى واليهود، حيث كانوا يسكنون مع المسلمين كما في المدن الكبرى، كانوا قد أخذوا بلسان الأمّة الحاكمة وعاداتها وسَمْتها إلى حدٍّ لم يعُد يمكن معه تمييزهم. ولهذا صدر ذلك الأمرُ الذي جُدّد بعد ذلك من حينٍ إلى حين. ولا شكّ أنّ هذا التعريب إنّما تمّ في المدن وعلى الطرق الكبرى بالدرجة الأولى، وأقلّ من ذلك في الأرياف، حيث حافظ السكّان القدماء في بعض النواحي على لسانهم الخاصّ إلى أيامنا هذه (السريانية في معلولا وعند نساطرة كردستان). لكن لم يمضِ وقتٌ طويل حتى صارت العربية مألوفةً حتى لتلك الأقوام التي لها لسانها الخاصّ، بل حلّت محلّه في بعضها. وهكذا كسبت اللغةُ العربية في نحو قرنين السيادةَ في دولة الخلفاء كلّها، وبدأت الشعوبُ الشديدةُ التنوّع التي تسكنها تذوب أكثر فأكثر في القومية العربية، وهي قوميةٌ تحوّلت هي نفسها تحوّلاً كبيراً بهذا الخلط الهائل، فتأثّر بذلك تطوّرُها الحضاري

1) ابن تَغري بَردي II. ص 175.

169

تأثّراً شديداً. ذلك أنّه ما إن صارت العربية لغةَ الأدب العامّة حتى وقع من المخالفين في الدين نشاطٌ في الترجمة بالغُ الأهمّية، فنقلوا من لغاتهم — السريانية واليونانية والفارسية — أهمّ المصنّفات إلى العربية، وعرّفوا العرب بذلك بكنوز حكمة الأقدمين، فتوجّهت الأنظار من جرّاء ذلك، ولا سيّما في بغداد، إلى دراسات الفلسفة والعلوم الطبيعية.

وأدخلت هذه العناصر الجديدة في الحياة الدينية أيضاً مادّةَ تخمّرٍ شديدة الفاعلية. فقد نفذت الأفكار الأجنبية فأعانت على الشكّ والابتداع ونشوء الفِرق والجدل الفلسفي الديني. ويجب أن تُذكر هنا في المقام الأوّل المانوية، وقد نشأ نظامها الديني من مزجِ فلسفاتٍ نصرانية غنوصية بأفكارٍ دينية هندية فارسية. وكان ظاهرُ شعائرها شديد الشبه بالإسلام؛ فالمانوي يصلّي كلّ يوم عدداً معيّناً من الصلوات (أربعاً أو سبعاً)، وكلّ صلاة عددٌ من السجدات؛ والتطهّرُ قبل الصلاة بالغُسل، وكذلك الصوم ثلاثين يوماً، كانا مألوفين عند المانوية كما عند المسلمين: غير أنّه لا يمكن الجزم بأنّ هذه العادات كانت قائمة قبل الإسلام، أم أنّها إنّما دخلت عند المانوية فيما بعد، ولعلّ ذلك بمخالطتهم المسلمين.

والثابت أنّ المانوية انتشرت انتشاراً هائلاً في الإمبراطورية الرومانية كلّها، فقد بلغ نجاحُ هذا المذهب الجديد في عهد أواخر أباطرة الرومان حدّاً جعله يبدو خطراً على النصرانية، ولا سيّما في إفريقية حيث كانت جماعاتُ المانوية كثيرة إلى أبعد حدّ. وقد حسبهم المسلمون في أوّل الأمر نصارى أو مجوساً، لكنّهم وُفّقوا فيما بعد إلى

170

انتزاع اعتراف العرب الحاكمين بهم ملّةً مُقَرّة شرعاً، وإن تعرّضوا مراراً لاضطهادات عنيفة، سببها الأكبر على الأرجح أنّ المانوية كانت لها جاذبيةٌ لافتة على العرب، فضلاً عن أنّ حالاتٍ بعينها شاعت من الردّة عن الإسلام واعتناقِ مذهب ماني قد أثارت التعصّب. وقد أصدر أمراءُ شتّى (ولا سيّما المهدي والهادي) أوامر شديدة عليهم. 1) ذلك أنّهم كانوا حريصين على استمالة الناس إلى دينهم، ويرون من واجبهم أن يعملوا حتى بين المسلمين على حمل الناس على دين ماني. وبلغ بهم ذلك أن كانوا يسرقون الأطفال الصغار ليكسبوهم لدينهم.

وكانت المانوية تجذب جماهير المسلمين بمظهرها الزهدي: فقد حرّمت أكل اللحم، وحرّمت قتل الحشرات والزواحف نفسها. أمّا تعليمها الثنوي في المبدأين المتقابلين — النور والظلمة — فقد كان لا بدّ أن يكون أشدّ جاذبيةً على المسلمين ذوي الأصل الفارسي، لشبهه بديانة زردشت في المبدأ الخيّر والمبدأ الشرّير، أهورامَزدا وأهريمان، إذ لم تكن ذكرى دين آبائهم قد انمحت عندهم انمحاءً تامّاً قطعاً. بل أُقيم في عهد هارون الرشيد صاحبُ تفتيشٍ خاصّ على «الزنادقة»، وهو الاسم الذي كان يُطلق يومئذ على المانوية، وكان يُجرى بحثٌ شديد مع كلّ من يُشتبه فيه. وقد ثبتت المانوية على الشاعر صالح بن عبد القدّوس فقُتل؛ واعترفت ابنةُ أديبٍ آخر من ذلك العصر، هو مطيع بن إياس، بأنّ أباها علّمها مذهب الزنادقة وأنّها قرأت كتابهم الديني. ويبدو أنّ

1) الذهبي: العِبر I. ورقة 50. ابن الأثير VI. 41، 49، 53، وخاصّةً 72.

171

الاشتغال بالمانوية كان كثيراً في الأوساط الأدبية على وجه الخصوص. 1) ويُقال إنّ بيت البرامكة المشهور كان يَدين بهذا المذهب في السرّ؛ وفي عهد الخليفة المأمون، وقد صار التحرّر في أمور الدين لا يكاد يكتنفه خطرٌ كبير، حتى عُدّ من الظَّرْف أن يتصنّع المرءُ التحرّر والشكّ والازدراء بالإسلام القويم. 2)

وكانت المانوية منتشرة على وجه الخصوص في أقاليم المشرق من الدولة: فارس وخراسان وما وراء النهر، وإن كان لهذه الملّة معابدُ في مواضع أخرى أيضاً؛ وقد لفتَ العربَ ما لكتبهم الدينية من زينةٍ فاخرة، وهو ما نوّه به القدّيس أوغسطينوس من قبلُ، فأحسنوا عمّا قريب أن يحصّلوا منها تراجم. 3) ويبدو أنّه كانت في الكوفة منذ وقتٍ مبكّر جماعةٌ مانوية تجتمع للعبادة في السرّ حتى في أزمنة الاضطهاد، تُنشد أناشيد بالعربية في مقاطع كلُّ مقطعٍ منها زوجان من الأبيات؛ وهي عبادةٌ لم يُهملوها حتى في السجن. 4)

وأمّا الفرقة الدينية الصغيرة، فرقةُ الحرّانيين أو الصابئة، الذين بقوا في مدينة حرّان بالجزيرة الفراتية على عبادةٍ قديمة وثنية صرفة، فقد وُفّقوا إلى انتزاع اعتراف الدولة بهم، مع أنّهم ليسوا من أهل كتابٍ منزَل، فلا حقّ لهم البتّة في الإقرار على مذهبهم في حكم الشرع الإسلامي. فقد كان كلّ شيء في بغداد يُنال بالمال. وكانت جماعاتُ الصابئة

1) قارن «جولات في تاريخ الحضارة» ص 35 وما بعدها. 2) المصدر نفسه ص 42، 43. 3) بقيت شذراتٌ من هذه الترجمة في الفهرست، وقد نشرها فلوغل. 4) الأغاني XIII. 74.

172

قائمةً في بغداد وفي شمال الجزيرة الفراتية إلى القرن الحادي عشر أيضاً. 1)

وقد احتفظت هذه الملل كلّها، من أكثرها عدداً — النصارى واليهود والمجوس والمانوية — إلى أصغرها، بالحرّية التامّة في تدبير شؤون جماعاتها وأديانها، بل يبدو أنّ القضاء الجزائي والمدني نفسه كان كلّه بأيدي رؤسائها الروحيين ما لم تتعلّق به مصلحةٌ إسلامية. 2)

وقد اقتضت الأحوال أن يكون لهذه الملل في حاضرة الدولة ممثّلون روحيون أعلَون، يقومون هناك بشؤونها ويدافعون عن حقوقها. فالنصارى الذين يسكنون العراق والبلاد الشرقية المجاورة كانوا في أكثرهم الأعظم على المذهب النسطوري، وهو مذهبٌ لمّا حملته اضطهاداتُ الحزب الكهنوتي الذي انفرد بالسلطان في الدولة البيزنطية على التماس ملجأٍ في الأقاليم الخاضعة لصولجان الساسانيين، لقي هنا أحسن قبول. ولذلك اتّخذ البطريرك النسطوري مقرّه منذ ذلك العهد في طَيْسَفون، حاضرة ملوك الفرس. وبقي هناك حتى خربت حاضرةُ الساسانيين القديمة بإنشاء بغداد، فنقل مقرّه إلى دار الخلافة الجديدة التي لا تبعد عنها إلا ساعات. وكان ذلك في سنة 762م. 3) واتّخذ هنا داراً خاصّة للبطريركية في الجانب الغربي من بغداد، تُعرف باسم «دار الروم»،

1) تفصيل ذلك في كتاب خْڤولسون الممتاز: الصابئة والصابئية. بطرسبرغ 1856. 2) وكان لنصارى قرطبة قاضٍ نصراني خاصّ بهم. المقّري I. 184. وفي شأن نصارى إسبانيا قارن أيضاً: باوديسّين، أولوجيوس وألفار. لايبتسغ 1872. ص 11، 16. 3) ريتّر: علم الأرض IX. 671.

173

وفيها كنيسة مريم 1)، حيث جرت العادة أن يُدفن البطاركة النساطرة. 2) وحول مقرّ البطريرك هذا امتدّ حيّ النصارى. ويبدو أنّ البطاركة نقلوا مقرّهم فيما بعد إلى الجانب الشرقي، إذ يُذكر صراحةً ديرٌ للروم (دير الروم، وقد يُخلط بينه وبين دار الروم الواقعة في الجانب الغربي، قارن المراصد في مادّته)، ويُضاف أنّ فيه كنيسةً جميلة للنساطرة، وعندها مسكن الجاثليق أيضاً؛ وإلى جانبها مباشرةً كانت كنيسة اليعاقبة الكبرى، وقد امتازت هي أيضاً ببناءٍ جميل فخم وزخرفةٍ غنيّة. والأرجح جدّاً أنّ هذا هو الموضع نفسه الذي لا تزال كنائس بغداد النصرانية قائمةً فيه إلى اليوم. وكانت هناك فضلاً عن ذلك كنائسُ وأديرة شتّى في الجانبين الشرقي والغربي من المدينة: فدير القدّيس فِتْيون كان في الجانب الغربي على نهر الصَّراة، ثم تُذكر كنيسةُ سَبَرْيشوع ودَيرٌ نسطوري هو دير خليل يشوع. 3) وكانت أديرة زَندَورد وسَمالو ودرماليس في الجانب الشرقي، ودير دورتا في الجانب الغربي. 4)

نعم، كانت هذه الكنائس النصرانية كثيراً ما تتعرّض للهدم عند الفتن وثورات العامّة 5)، لكنّ البطريرك النسطوري بقي رغم هذه النكبات في بغداد إلى ما بعد سقوط الخلافة، وكان له عند أكثر الخلفاء جاهٌ رفيع. وكانت مكانته

1) في كتاب «الموشّى» ورقة 171 يحكي بغداديّ كيف كان يتأمّل في كنيسة مريم بنات النصارى الحسان اللاتي يحضرن فيها يوم العيد. 2) أسّيماني: المكتبة الشرقية II. 440. وقد فهم فلوغل، لقصور معرفته باللغة، أنّ «دار الروم» هي القسطنطينية، فبنى على ذلك فرضاً فاسداً، الفهرست XIV. وأمّا ألّا يتنبّه لهذا الخطأ ناقدٌ عالِمٌ واحد فأمرٌ شديد. 3) المصدر نفسه: المكتبة الشرقية I. 11. II. 434. 450. 4) المعجم. 5) كما وقع سنة 392هـ / 1002م. أسّيماني: المكتبة الشرقية II. 444.

174

من القوّة بحيث كان يُعَدّ عاملاً سياسياً غير قليل الشأن. ولهذا كان نفوذ البطريرك النسطوري في بلاط بغداد راجحاً على نفوذ سائر الفرق النصرانية، ولا سيّما اليعاقبة الذين كانوا يُرقَبون بعين الرِّيبة لميلهم إلى بيزنطة؛ وقد أحسن البطاركة النساطرة أن يحفظوا هذا النفوذ حفظ الغيور عليه. فالبطريرك النسطوري، أو الجاثليق كما كان يُسمّى، كان يسعى أبداً في المنع من أن يقيم في بغداد جاثليقٌ يعقوبي أو أسقف. فقد استصدر الجاثليق النسطوري سنة 300هـ / 912—13م أمراً من الخليفة بألّا يتّخذ مطرانٌ يعقوبي إقامةً دائمة في الحاضرة. 1) وصدر أمرٌ مماثل من جديد سنة 394هـ / 1003—4م، مُنع به مطارنةُ اليعاقبة الإقامةَ الدائمة في بغداد. لكن بقي مع ذلك أسقفٌ يعقوبي. وكان مطران اليعاقبة مقرّه في تكريت، ولا يقدم بغداد إلا من حين إلى حين. 2)

وقد أفاد النساطرة من هذه الأحوال المواتية ليصنعوا لأنفسهم مكانةً مفضَّلة. ويبدو أنّ البطريرك النسطوري كان يعرض نفسه أمام الحكومة راعياً أعلى لجماعات النصارى كلّها، أي لليعاقبة أيضاً، وأنّه اعتُرف له بذلك فعلاً: فقد جاء في منشور تولية بطريرك نسطوري من القرن السادس الهجري: «صدر الإذن الأعلى بتنصيبك جاثليقاً في بغداد على النساطرة، وعلى سائر من يسكن البلاد الإسلامية من النصارى، قيّماً عليهم

1) أسّيماني: المكتبة الشرقية II. 441. وقد أُلزم بطريرك أنطاكية، وقد استُدعي إلى بغداد، أن يعطي في ذلك إقراراً خطّياً مُلزماً له ولمن يخلفه. 2) المصدر نفسه II. 444.

175

وعلى غيرهم ممّن يتبعهم من الروم واليعاقبة والملكية.» 1)

ويُستفاد من هذا أنّ الخلفاء اعترفوا بجاثليق النساطرة هذا رئيساً على نصارى المشرق أجمعين. ولمّا كان انتخابه يجري في الحاضرة، أمكنهم دائماً أن يحتاطوا حتى لا يُرفع إلى هذه المرتبة شخصٌ مكروه. وكان يجتمع لانتخاب الجاثليق الجديد المطارنةُ السبعة: مطارنةُ جُنْدَيسابور والبصرة والموصل وإربل وبيت جَرْمى وحُلوان ونصيبين، مع كلّ واحد منهم ثلاثةٌ من أساقفة أبرشيته. والجاثليق الذي ينتخبونه يُثبته الأساقفةُ مجتمعين، ولا يتلقّى التقليد من الخليفة إلا بعد ذلك؛ وكان بيد الخليفة بطبيعة الحال من الوسائل ما يكفي أبداً للتأثير في الانتخاب على هواه، ولا شكّ أنّ ذلك وقع فعلاً، فالأخبار في هذا صريحة. 2) وكان الانتخاب بيد كتّاب الديوان، فمن أراد أن يُنتخب لزمه أن يستميلهم إليه.

وكان عدد كراسي المطارنة في الدولة كلّها خمسةً وعشرين، تحت كلّ واحد منها ستّةُ أساقفة إلى اثني عشر. ويُستفاد من هذا كم كان وضعُ هذه الملّة النصرانية مواتياً. وقد بنَوا كنائس جديدة أيضاً بلا مانع، فبنَوا سنة 150هـ / 767م كنيسةً في تكريت 3)، وبنى دير خليل يشوع ببغداد الجاثليقُ طيمثاوس (المتوفّى سنة 204هـ أو 205هـ)، وقد ولي هذه المرتبة في عهد خمسة خلفاء: المهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون. 4)

1) ابن حمدون I. ورقة 222. وقد نشرتُ منشور التولية كاملاً في المجلد VII. ص 215 من مجلّة الجمعية الشرقية الألمانية. 2) أسّيماني: المكتبة الشرقية II. 111، 442. 3) المصدر نفسه: المكتبة الشرقية II. 432. 4) المصدر نفسه II. 434.

176

أمّا بطريرك اليعاقبة فكان مقرّه في أنطاكية، حيث بُنيت سنة 711م بأمر الخليفة الوليد الأول كنيسةٌ يعقوبية. وكان عددُ كراسي أساقفة اليعاقبة نحو مئة وخمسين.

وهذه الأخبار كافيةٌ تماماً لتكوين تصوّر صحيح عن حال النصارى وإكليروسهم؛ وننتقل الآن إلى اليهود، وكان رئيسهم الروحي، وهو «رأس الجالوت»، مقيماً في بغداد أيضاً. فبحسب خبر الحاخام بنيامين التُّطَيلي، الذي زار بغداد نحو سنة 1170م، كان رأس الجالوت، بوصفه الرئيس الروحي ليهود العالم أجمع، ذا جاهٍ رفيع. وكان يلي هذه المرتبة يومئذ رجلٌ من ذرّية داود اسمه الحاخام دانيال بن حِسداي. وكانت له بسلطان الخليفة الرئاسة العليا على جماعات اليهود كلّها، وقد منحه الخليفةُ في ذلك خاتماً. وكان على كلّ أحد، يهودياً كان أو مسلماً، أن يقوم له. وإذا مضى إلى الخليفة في مجلسه كان معه أبداً موكبٌ كبير من الفرسان؛ وكان هو يظهر في ذلك في ثياب حريرٍ مطرَّزة كلّها، وعلى رأسه عمامةٌ بيضاء مزيّنة بالإكليل، ويصيح المنادون بين يديه: أفسحوا لابن داود! وامتدّ سلطانه على الجزيرة الفراتية وفارس وخراسان وجنوب جزيرة العرب وديار بكر وأرمينية وجورجيا إلى نهر جيحون، بل حتى الهند والتبت. وهو يأذن لجماعات اليهود في تلك البلاد كلّها بانتخاب حاخاماتها وخدَم معابدها، على ألّا ينالوا التكريس والإذن بمباشرة وظائفهم إلا منه، فتصله من أقصى البلاد على ذلك هدايا نفيسة. وكان لرأس الجالوت هذا دورٌ وبساتين ومغارس وأرضون واسعة في بابل، ورثها عن أسلافه، وكانت له فضلاً عن ذلك مواردُ من فنادق اليهود وأسواقهم، ويأخذ مَكْساً على البضائع. وكان يأكل على مائدته كلّ يوم عددٌ كبير من بني إسرائيل.

177

على أنّه كان يؤدّي عند تقليده أموالاً طائلة إلى الخليفة وإلى أمراء بيته. وكان تنصيبه وتثبيته بوضع الخليفة يديه عليه في قصره، ثم يعود بعد ذلك إلى مسكنه في موكبٍ بالموسيقى، فيكرّس هناك بوضع يديه أعضاءَ جماعته الكبيرة ورؤساءها. —

ويحدّثنا الرحّالة نفسه أنّ ببغداد كان يسكن كثيرٌ من اليهود الموسِرين والعلماء؛ وكان في المدينة وفي ضاحية الكَرْخ ثمانيةٌ وعشرون كنيساً. وكان الكنيس الأكبر مزيَّناً بأعمدة من رخامٍ ملوّن، مزخرفاً بالذهب والفضّة زخرفةً غنيّة، وعلى السواري نقوشٌ ومقاطعُ من المزامير بحروفٍ من ذهب. وكان للمذبح الذي عليه لَفيفة التوراة عشرُ درجات من رخام، على أعلاها موقف رأس الجالوت وسائر الأمراء من بيت داود.

وأمّا سائر الملل فلا نستطيع أن نقول فيها إلا أنّ رئيس كهنة المانوية كان مقرّه في بابل إلى زمن المقتدر، إذ اضطرّهم تشدّده إلى الهجرة. 1) ولم ينقلوا مقرّ رئيس كهنتهم إلى هناك إلا في عهد الأمويين. وأمّا المجوس والصابئة، وكذلك سائر الملل الصغيرة، فكان ثقلهم في مواضع أخرى، ولم يكونوا يوفدون إلى الحاضرة هذا أو ذاك إلا في أحوال خاصّة ليقوم بشؤونهم، أو كانوا يفوّضون تمثيلهم إلى من يشغل من أبناء ملّتهم مناصب نافذة في الحاضرة، وهو ما لم يكن نادراً عند الصابئة خاصّةً، إذ كان لكثير من أتباع هذه الملّة في البلاط مراتب ومناصب رفيعة.

1) فلوغل: ماني ص 105، 108.

178

في اتّصالٍ وثيق بمسار تطوّر الشعب الذي عرضناه للتوّ، نشأت الطبقاتُ وتكوّنت شيئاً فشيئاً. فإذا لم يكن في العهد الأوّل، كما تقدّم بيانه، إلا مسلمون حاكمون ومخالفون في الدين مغلوبون، سهل أن يُعرف من هذا كيف كانت الأدوار موزَّعة. فالأعمال الوضيعة بقيت وقفاً على الشعوب المغلوبة في الأكثر، ولم تُضطرّ الطبقةُ الحاكمة أيضاً إلى تكلّف كسب العيش بالعمل الشاقّ إلا في زمنٍ متأخّر. وبذلك سِيق نشاطُ القسم غير المسلم من السكّان كلّه إلى مسالك بعينها، أحسنوا عمّا قريب استثمارها ببراعةٍ كبيرة، إذ كان الابن يواصل في العادة الحرفة نفسها التي زاولها الأب، فتنتقل المهارة المكتسَبة بالتوريث.

وفضلاً عن الحِرَف الدنيا والزراعة، امتاز النصارى واليهود والمجوس بسرعةٍ شديدة ببراعتهم في أعمال الصيرفة والمال. وكما أنّ الضغط الذي عاش تحته اليهود في القرون الوسطى، إذ سُدّت في وجوههم سائر سبل الكسب، جعل منهم عبيدَ خزانةِ الإمبراطورية الرومانية المقدّسة، فكذلك اقتضت أحوالٌ شبيهة أن تكون الصيرفة

179

والتجارة في ذلك العصر ممّا يزاولونه بشغف وبأحسن نجاح.

ولمّا كان الفاتحون في العهد الأوّل من الكِبر والجهل بحيث لا ينهضون حتى بالعمل في دواوين الحكومة والحساب وتدبير الخراج، آلَ هذا المورد المُدِرّ للكسب في أوّل الأمر إلى المخالفين في الدين كلّه: ففي الأقاليم التي كانت من قبلُ للدولة البيزنطية صار إلى نصارى الشام، وفي البلاد الفارسية سابقاً إلى أهل البلاد القدماء من الفرس أو الآراميين. ولم يدخل الكتّابُ العرب في الإدارة إلا شيئاً فشيئاً، وبعد محاولات إقصاءٍ متكرّرة؛ أمّا الحساب والصيرفة فبقيا في أيدي النصارى واليهود كلّهما تقريباً. بل بقي الأمر كذلك في مصر والشام إلى أيامنا هذه. وكان الطبّ فوق ذلك من أخصّ ما انصرف إليه النصارى، وكان أقدم الأطبّاء الذين يذكرهم المؤلّفون العرب نصارى قاطبةً. ذلك أنّه كانت قد أُنشئت في عهد ملوك الفرس الساسانيين، نحو القرن الخامس للميلاد، مدرسةٌ للطبّ في مدينة جُنْدَيسابور بكورة خوزستان، يديرها النصارى النساطرة ويؤمّونها. 1) وقد نهضت هذه المدرسة في ظلّ الحكم الإسلامي نهضةً كبيرة، وخرج منها أفضلُ أطبّاء ذلك العصر وأشهرُهم. وكان أطبّاءُ الخلفاء في الأكثر من تلاميذ هذه المدرسة العالية؛ وأصدقُ ما نعرف منه مبلغَ أهمّية منصب طبيب البلاط يومئذ ما دُوّن عن جبرائيل بن بختيشوع، وهو نصراني نسطوري، طبيبِ هارون الرشيد: فقد كان راتبه الثابت 10,000 درهم في الشهر، أي 120,000 درهم في السنة، وكانت أرزاقه العينية وجراياته

1) قارن شبرنغل: محاولة في تاريخ الطبّ العملي. هالة 1793، V. ص 254. مايِر: تاريخ علم النبات III. 30.

180

5,000 درهم في الشهر، أي 60,000 درهم في السنة، ونال فوق ذلك زيادةً قدرها 50,000 درهم، وثياباً تساويها قيمةً، مع هدايا سنيّة في المناسبات الخاصّة. 1) فبلغ مجموعُ دخله إذن 280,000 درهم في السنة، أو نحو ذلك من الفرنكات.

وقد اختار أوّلُ أمراء بيت العبّاس لنفسه طبيباً نصرانياً من مدرسة جُنْدَيسابور، وهو جورجيس؛ فلمّا مات صار طبيبَ البلاط تلميذٌ من تلاميذه (عيسى بن شهلا)، وهو نصراني أيضاً، غير أنّه استغلّ مكانته النافذة في البلاط لابتزاز المال. لكن لمّا أراد أن يأخذ مالاً من أسقف نصيبين، وُفّق هذا — وله في البلاط صلاتٌ أيضاً — إلى إبلاغ الأمر إلى الخليفة، فسلبه حظوته. 2)

وكانت حرفةُ الطبّ حرّة تماماً؛ لكلّ من شاء أن يزاولها، لكن بطبيعة الحال لم يكن يُرجى له الجاهُ وكثرةُ المرضى إلا من استطاع أن يحتجّ بأساتذةٍ مشهورين وبدراسةٍ قضاها في بيمارستانٍ كبير. وكان يُدفع في العلاج الناجح بسخاءٍ شديد؛ وفي حادثةٍ تُروى من عهد مبكّر أنّ أجرة طبيبٍ نصراني بعد شفاء المريض كانت 1,000 درهم. 3) إذ لم يكن يُدفع إلا على النتيجة. وقد عُرف الاختصاص منذ ذلك الحين: فكان ثمّة مختصّون بأمراض العين؛ ويُروى أنّ ماسويه أبا يوحنا مارس الطبّ ثلاثين سنة في بيمارستان جُنْدَيسابور. فلمّا فارقه أخيراً قصد بغداد، وكان حاله فيها

1) ابن أبي أُصَيبِعة ورقة 86 و. مجلّة Journal Asiat. سنة 1855، آب/أيلول ص 181 وما بعدها. 2) هامر-بورغشتال: تاريخ الأدب III. ص 272. ابن أبي أُصَيبِعة ورقة 79. 3) الكامل 255.

ملاحظات المترجم

1. «Schutzgenossen» عند كريمر ترجمةٌ لاصطلاح الفقه والسياسة الشرعية «أهل الذمّة»، وهو نفسه يقول إنّ هذا اسمهم في أحكام الدولة العربية؛ فأُعيد الاصطلاح إلى أصله. وكذلك «Grundsteuer» = الخراج و«Kopfsteuer» = الجزية حيثما وردا.

2. البيتان المنسوبان إلى «شعر قديم» وإلى الفرزدق مترجَمان عن صياغة كريمر الألمانية، لا عن أصلٍ عربي؛ ولم أُعِد بناء بيتٍ عربي وأنسبه إلى قائل، إذ هذا افتراء. فليقرأهما القارئ على أنّهما ترجمةُ ترجمةٍ لا نصّ منظوم.

3. «Joktän / joktanidische»: كريمر يميّز اسم الجدّ التوراتي «يَقطان» عن «قحطان» ثم يستعمل «قحطان» في الصفحة التالية اسماً جامعاً لعرب الجنوب. أبقيت تمييزه كما هو ولم أوحّد الاسمين.

4. أرقام الحواشي في الأصل مشوّشة بعيوب القراءة الضوئية (تُطبع أحياناً «!)» أو «?)» أو «')» بدل الرقم)؛ أثبتُّها بأرقامها الصحيحة المستفادة من ترتيبها في الصفحة.

5. حاشية الصفحة 139 مقطوعة في الأصل بفاصل الصفحة، فيتمّ نصّها بعد متن الصفحة 140؛ أبقيتُ هذا الترتيب على حاله حفاظاً على مطابقة الصفحات.

1. «Client / Clientelverhältniss» عند كريمر هو المولى والولاء؛ فأُثبتت الاصطلاحات العربية، و«mawäly» التي يذكرها هو نفسه في الفصل التالي تؤيّد ذلك. وكذلك «Staatsdotation» = العطاء و«Sold» = الرزق، وهما في الديوان بابان متمايزان، فحُوفظ على تمايزهما.

2. البيتان المنقولان — قول المعرّي في اللزوميات، وبيت «الشعر القديم» في بني السراري — مترجَمان عن صياغة كريمر الألمانية لا عن الأصل العربي؛ ولم أُعِد بناء نصٍّ عربي وأنسبه إلى قائله.

3. كريمر يقول في الحاشية 4 من ص 152 إنّ اشتقاق «الصقالبة» من اسم السلاف «خطأ أُبطل منذ زمن طويل»، ويردّ اللفظ إلى الإسبانية esclavo. وهذا مقلوبٌ عند أهل اللغة اليوم: فـ esclavo هي المشتقّة من اسم السلاف لا العكس. نقلتُ رأيه كما هو ولم أصحّحه في المتن.

4. «Orrhoë-Edessa» هي الرُّها، و«Balissus» بالِس، و«Rhoali» عند بلينيوس هم الرَّوَلة، و«Rhambaei» يجعلها كريمر ربيعة؛ أثبتُّ تعييناته هذه كما ذكرها، وأبقيت الصور اليونانية واللاتينية بين قوسين حيث لزم تعرّفها.

5. أسماء المستشرقين والمؤرّخين الأوروبيين (شبيغل، بلاو، أماري، موراتوري، غريتسر) نُقلت صوتياً، وأُبقيت عناوين مصنّفاتهم اللاتينية على حالها لأنّها من جهاز التوثيق.

1. المصطلحات المالية أُعيدت إلى أصولها: Grundsteuer = الخراج، Kopftaxe/Kopfsteuer = الجزية، Zehent = العُشر، Staatsdotation = العطاء. وقد ترك كريمر «Einkommensteuer (Zehent)» فأثبتُّه «ضريبة الدخل اليسيرة (العُشر)» على ما هو عليه، لأنّه تفسيره هو لا تسميةً فقهية.

2. الأبيات الثلاثة المنقولة — شعر «أهل التسوية» في سيّد بني عامر، وبيتا جرير، وبيتُ الخمر في الدهقان من ديوان مسلم بن الوليد — مترجَمة عن صياغة كريمر الألمانية، لا عن أصولها العربية؛ ولم أُعِد بناء نصٍّ عربي منظوم وأنسبه إلى قائله.

3. «Oberrichter (mofty)» عند كريمر: هو نفسه يثبت اللفظ العربي «مفتي»، فأثبتُّ الإفتاء وتركتُ تفسيره الألماني («كبار القضاة») مطويّاً، إذ لفظه العربي هو الحجّة.

4. «in Kairo» في خبر عمر بن عبد العزيز: كذا في الأصل، والمقريزي إنّما يتكلّم على مصر/الفسطاط لا على القاهرة التي بُنيت بعد ذلك بقرنين ونصف. نقلتُ لفظ كريمر كما هو ولم أصحّحه في المتن.

5. «Culturgeschichtliche Streifzüge» من مؤلَّفات كريمر نفسه؛ نقلتُ عنوانه «جولات في تاريخ الحضارة» ترجمةً تعريفية، وهو أحد مصنّفاته لا مصدراً عربياً.

1. بيتُ الخمر المنسوب إلى شاعرٍ يصف خمر الدير مترجَمٌ عن صياغة كريمر الألمانية لا عن أصله العربي في ديوان مسلم بن الوليد؛ ولم أُعِد بناء بيتٍ عربي وأنسبه إليه.

2. «Gebirgslandschaften des Libanons... des Antilibanons»: نقلتُهما «جبال لبنان» و«جبال لبنان الشرقية»، وهي التسمية الجارية اليوم لسلسلة لبنان الشرقية.

3. «der Vater des Johannes Damascenus»: كريمر لا يسمّيه، فلم أُسمِّه؛ والمعروف عند المؤرّخين أنّه سرجون بن منصور، لكنّ إقحام الاسم زيادةٌ على الأصل فتركتُه.

4. «Ormuzd und Ahriman» نقلتُهما «أهورامَزدا وأهريمان» على الصورة المتداولة في العربية اليوم.

5. «vierzig Millionen Dirham» جاءت في الأصل بالحروف لا بالأرقام، فأبقيتُها بالحروف («أربعين مليون درهم») ولم أحوّلها إلى رقم، جرياً على قاعدة عدم إعادة صياغة ما في الأصل.

6. أسماء الباحثين الأوروبيين (دوزي، أسّيماني، خْڤولسون، أماري، ثيوفانيس، فلوغل) نُقلت صوتياً، وأُبقيت أرقامُ المجلّدات والصفحات في الإحالات على حالها.

1. «Fürst der Gefangenschaft» ترجمةٌ حرفية لـ Resh Galuta، واسمُه في المصادر العربية «رأس الجالوت»، فأُعيد إلى صورته المعروفة. وكذلك «Katholikus» = الجاثليق، و«Metropolit» = المطران، وهي الاصطلاحات الجارية في العربية لهذه المراتب.

2. «Ktesiphon» = طَيْسَفون، ويسمّيها العرب المدائن؛ أثبتُّ الصورة التي تقابل لفظ كريمر.

3. أسماء الأديرة والكنائس البغدادية (فِتْيون، سَبَرْيشوع، خليل يشوع، زَندَورد، سَمالو، درماليس، دورتا) منقولةٌ عن صور كريمر كما هي، إذ لم أتحقّق لبعضها من صورة عربية مثبتة في المصادر؛ ولم أخترع لها ضبطاً.

4. «Rabbi Benjamin von Tudela» = بنيامين التُّطَيلي، نسبةً إلى تُطَيلة (Tudela)، وهي نسبته الجارية في العربية.

5. أرقام الدراهم في الأصل بالنمط الأوروبي (10.000 و120.000)؛ حُوّلت إلى الفاصلة العشرية العربية الغربية (10,000 و120,000) على قاعدة الكمّيات، أمّا السنون فبلا فاصل.

6. عنوانا الباب: أثبتُّ «الطبقات ومعايشها» مقابلاً لـ Die Stände und ihr Leben على ما في المسرد المعتمد.