ينفذون إليه فيسلبون الحاكمَ راحتَه. وشاع خبرُ هذه الأشباح في القصر بين الناس فأثار ضجّةً كبيرة: فمنهم من ظنّ أنّها عقوبةٌ من السماء تلاحق الخليفة على مظالمه وقسوته. وردّ آخرون الأمرَ كلَّه إلى مكيدةِ غرام، وزعموا أنّ خادمًا من خدم القصر يهوى جاريةً فهو يتشبّح ليزور محبوبته. غير أنّ الخليفة نفسه لم يقنع بهذا التفسير، وذلك أدلُّ دليلٍ على أنّ حاله كانت حالَ مريض؛ فكان يزداد كلَّ يومٍ قلقًا وكآبة، وتعتريه نوباتُ غضبٍ يقتل فيها عددًا من خدم قصره وجواري بيته، بعضَهم بالسيف وبعضهم غرقًا 1).
ويحسن أن نصف هنا في إيجازٍ موتَه، الذي قيل إنّه كان أثرًا من سمّ، فهو من أغرب المشاهد التي جرت داخل أسوار قصر الخلافة.
كان المعتضد، وقد دنا أجلُه، مُلقًى في غيبوبةٍ عميقة فيما يبدو؛ فانحنى الطبيب ليجسّ نبضه، فجمع المريضُ — وقد عجز عن النطق بكلمة — كلَّ ما بقي له من قوّةٍ ودفعه برجله دفعةً خرّ لها إلى الأرض. ولمّا صار في النزع الأخير بلغه من صحن القصر صياحٌ عالٍ. ففتح عينيه وأومأ إلى الخادم مؤنسٍ إيماءةَ مستفهِم: فأجابه: يا مولاي، هم حرسُ الخاصّة، ثاروا على الوزير، فيُوزَّع عليهم الآن عطاءٌ تسكينًا لهم. فاشتدّ غيظُ الخليفة، وثار على ما هو فيه من سكرات الموت ثورةً مروّعة حتى خُيّل إلى الحاضرين أنّهم هالكون من الفزع 2).
1) المسعودي VII. 181. 2) Ibid. VII 212.
93ولعلّ الرعب والخوف بلغا في عهد ثالثِ من خلفه، وهو القاهر، مبلغًا يكاد يفوق ما بلغاه في عهد هذا الحاكم. كان رجلًا قاسيًا بطّاشًا لا يفارق رمحه، يطعن به لأوّل غضبٍ يعتريه: فشلّ في أوّل الأمر كلَّ مقاومةٍ بما بثّه من الرعب، ثم ذهب في آخر الأمر ضحيّةَ مؤامرةٍ في القصر 1). ونجا بحياته، غير أنّهم سملوا عينيه ليأمنوا شرَّه إلى الأبد. ومع ذلك كان في صدر هذا الرجل الفظّ المتوحّش عاطفةٌ أرقُّ أفصحت عن نفسها على نحوٍ غريب. فقد أنشأ في بعض صحون القصر الداخلية بستانًا صغيرًا للزينة مساحتُه جَريب، غرسه بشجر النارنج الذي جُلب من الهند عن طريق البصرة؛ فكانت الثمار الحمر والصفر تلمع في كلّ ناحيةٍ من بين الورق الأخضر الكثيف، وإلى جانبها تتفتّح أصنافُ أجمل الزهر وأعبقه، ويُحيي البستانَ يمامٌ وشحارير وببّغاواتٌ تُرعى له خاصّة. وكان هذا أحبَّ مكانٍ إليه يقيم فيه، وكثيرًا ما كان يجلس فيه مع ندمائه. فلمّا وَلِيَ الراضي الأمر أُعجب بهذا المكان البديع إعجابًا شديدًا. ثم أدنى شيئًا فشيئًا سلَفَه القاهر — وقد صار أعمى فلا خطر منه — وأدخله في رضاه، بل استشاره في أمور الدولة. حتى شكا إليه مرّةً ما هو فيه من ضيق المال الشديد، وسأله أن يُعينه بما بقي عنده من الأموال، ووعده في مقابل ذلك أن يُشركه في الحكم. فتلقّى القاهر هذا الكلام ولم يتغيّر له وجه، وأجاب بأنّه دفن كنوزه في ذلك البستان، غير أنّه الآن وقد عَمِيَ لا يقدر على الاهتداء إلى
1) المسعودي VIII. 288.
94الموضع. فأمر الخليفة عند ذلك بنبش البستان كلِّه. فقُطعت الأشجار واقتُلع الغرس، ولم يلبث كلُّ شيءٍ أن خرب خرابًا تامًّا دون أن يُعثر على شيء. فلمّا عوتب القاهر في ذلك قال: آلمني أنّ الذي سلبني كلَّ شيءٍ يملك أيضًا البستانَ الذي كان أحبَّ ما أملك إليّ 1).
وبهذا الاضطراب في الأحوال، حيث كانت انقلاباتُ الحكم العنيفة تتعاقب في سرعةٍ شديدة ويصير طولُ حكم أميرٍ ذي عزمٍ من النوادر، وبفتن الجند المتكرّرة التي لم تكن تخلو في الغالب من حريقٍ ونهبٍ وسلب، وبما توالى من الحصارات والحروب المدمّرة التي خرّبت ما حول العاصمة — بذلك كلِّه هبط الرخاءُ ونقص السكّان، وقبل كارثة فتح المغول بغدادَ الرهيبة بزمنٍ طويل كانت أجزاءٌ كبيرة من المدينة قد خلت من أهلها بالكلّية وصارت محلّاتٌ بأسرها أطلالًا. بل إنّ قصر الخلافة نفسه بأرجائه الواسعة وبساتينه وحظيرةِ وحشه وأسوارِه وأبراجه لم يلبث أن زال فلم يبقَ له أثر، حتى إنّه لم يبقَ إلى اليوم من العهد القديم أثرٌ يُذكر سوى مدرسةٍ وقبرٍ يُقال إنّه قبر زبيدة 2).
1) المسعودي VIII. 336.
2) لا ينبغي أن يُنسى أنّ مادّة البناء لم تكن الحجر، بل كان المستعمَل في الغالب اللَّبِنَ والخشب. ولذلك لم تكن الحرائق المدمّرة نادرة. ويُقال إنّه هلك في واحدٍ منها 20,000 إنسان. ابن خلدون، التاريخ العامّ IV. 446. وكان لسلطان بني بويه عضد الدولة أيادٍ خاصّة على المدينة، فقد أعاد بعد أن صارت بغداد في قبضته بناءَ المحلّات المخرَّبة، وفتح القنوات المتهدّمة وأنشأ غيرها، وأجرى على أصحاب الدُّور قروضًا لبناء بيوتهم، واجتهد بكلّ وجهٍ في رفع الرخاء. ابن حمدون I. Fol. 69. وكان قصر بني بويه ثم قصر سلاطين السلجوقية في محلّة المخرَّم، المعجم IV. 441.
95الزواج والأسرة
ليس ثمّة مقياسٌ للحكم على مبلغ تحضُّر أمّةٍ أصدقُ من مكانة المرأة فيها. فمتى صارت تامّةَ الحقّ، حرّةَ الإرادة مستقلّتَها، تقف إلى جانب زوجها لا تحته، ومتى لم تكن أمَّ الأولاد فحسب بل ربّةَ البيت، ولا كبيرةَ خدم الرجل بل رفيقةَ حياته وصديقته: عند ذلك وحده يصحّ القول إنّ الأمّة التي تكوّنت فيها العلاقة بين الجنسين على هذا الوجه أمّةٌ راقيةٌ متمدّنة حقًّا. وما من مسارٍ تاريخيٍّ لأمّةٍ يقيم على صحّة هذه القضية دليلًا أقنعَ من مسار الحضارة العربية.
ففي عصر ازدهار العروبة الأعلى لم تكن المرأة قريبةَ المساواة في الحقوق فحسب، بل كثيرًا ما كانت موضعَ تكريمٍ فروسيّ. وكلّما ساءت الأحوال الاجتماعية مع الانحطاط السياسي أخذ نظامُ الحريم يُظهر آثاره المُوهِنة. فتلاشت تلك الصورةُ العالية النبيلة للمرأة الحرّة الشجاعة التي تعقد أمرها بنفسها استقلالًا تامًّا، ونسيت سجيناتُ الحريم الحِسانُ، بين الزينة والحُلِيّ وضروبِ اللذّة الحسّية كلِّها، كرامتَهنّ وأجملَ ما تتزيّن به المرأة: فأخذ الكِبْرُ النبيل الحَييّ يضمحلّ شيئًا فشيئًا. والمرأة العربية
96جميلةٌ، لكنّها في العادة غير متعلّمة؛ عفيفةٌ، لكن ليس دائمًا عن إحساسٍ بالذات وعن طُهر. فما أبعدَ الفرقَ بين هذا وبين الصورة التي تطالعنا من صدر الإسلام أو من الجاهلية العربية! 1)
عزم الحارث بن عوف، سيّدُ بني مُرّة القويّ، مرّةً على أن يخطب؛ فسأل صديقًا له: أترى سيّدًا من سادات العرب يجرؤ على ردّي إن خطبتُ ابنته؟ فقال الآخر: نعم! فلمّا سأله الحارثُ مغضبًا: ومن ذا الذي بلغ به الكِبْرُ هذا المبلغ؟ أجاب صاحبه: أوس بن حارثة من طيّئ! — فأمر غلامًا أن يُسرج ناقتين من فوره، وسار مع صاحبه إلى أرض أوس، فصادفاه أمام منزله. فحيّا القادمين وسألهما عن الأمر الذي جاء بهما. فقال الحارث: جئتك خاطبًا. فأجابه ذاك: جئتَ إذن غيرَ مَن ينبغي! ثم انصرف ودخل بيته مغتاظًا. فسألته امرأتُه، وكانت من بني عبس، من ذلك الغريب الذي وقف عليه آنفًا وكلّمه هذا الكلام القصير. فأخبرها أنّه الحارث بن عوف، أوجهُ رجلٍ في تلك الناحية كلِّها، وأنّه قال له إنّه جاء خاطبًا، فردّه ردًّا قصيرًا لظنّه أنّه مجنون. فعنّفت الزوجةُ العاقلة بعلَها العَبوس أشدَّ التعنيف وبالغت في لومه على أن عامل سيّدًا من أوجه سادات القبائل بمثل هذا الاحتقار، ولم تزل به حتى أذعن ووعدها أن يلحق بالغريبين ويردّهما. وفعل؛ فخرج مسرعًا في الطريق و
1) وقد اتُّخذت في مصر أولى الخطوات نحو الأحسن، إذ أمر الخديو بإنشاء مدارس للبنات، ولا شكّ أنّها ستُثمر خيرَ ثمر.
97أدركهما على مسافةٍ من المكان، وسألهما أن يرجعا ويقبلا ضيافته، فأجاباه. فلمّا هيّأ أوسٌ لضيفيه كلَّ ما يحتاجان إليه قصد بناتِه الثلاث. فبدأ بالكبرى فأخبرها بالأمر وسألها أتحبّ أن تكون زوجًا للحارث؟ فقالت: يا أبتِ! لستُ بجميلة وفيّ عيوبٌ غيرُ قليلة، والخاطبُ ليس ابنَ عمٍّ لي ولا جارًا من جيراننا يُراعي فيّ حرمتك: فأخشى إن لم أُعجبه أن يُطلّقني فأحتمل هذا العار. فقال أوس: بارك الله فيكِ يا بنيّة! صدقتِ. ثم دعا الوسطى فعرض عليها مثل ذلك، فأبت كما أبت أختها. ثم أقبل على بُهَيسة الصغرى، فأجابت بما يلي: أنا جميلةُ الوجه، ماهرةُ اليد في العمل، طويلةُ القامة، كريمةُ النسب؛ فإن طلّقني زوجي بعد هذا كلِّه فليعاقبه الله عليه! فقال أبوها: بارك الله فيكِ! ثم مضى إلى ضيفه فقال له: زوّجتك ابنتي بُهيسة.
ثم أُخذ في تهيئة العرس، فأمر أبو العروس فضُربت قبّةٌ كبيرة، فلمّا تمّ كلُّ شيء أمر بزفّ العروس إلى زوجها. فلمّا أراد أن يدنو منها ردّته وقالت: أعندَ أبي وإخوتي يكون البناء بي؟! لا يكون هذا أبدًا! — فأمر الحارث بالرحيل، فقُوّضت القِباب، وأُسرجت الإبل وحُمّلت؛ ثم سارت القافلةُ الصغيرة ومضت. فلمّا قطعوا شوطًا صالحًا من الطريق أمر الحارث بالنزول للمبيت. ولمّا أراد أن يدنو من
98زوجته الشابّة ردّته وقالت: أتريد أن تعاملني معاملةَ أمَةٍ تُشترى أو سبيّةٍ من الحرب؟ والله لا تمسّني حتى يُحتفَل بالبناء بي بين قومك، وتُنحر الإبل وتُذبح الشاءُ لوليمةٍ يُدعى إليها الضيوف من قبائل العرب جميعًا!
ثم ساروا حتى بلغوا منازل القبيلة؛ فهُيّئت الوليمة، ودُعي الضيوف، ونُحرت الإبل وذُبحت الشاءُ وشُويت. فدنا الحارث من زوجته، فردّته وقالت: أتجد فراغًا لملاعبة النساء والعربُ في الخارج يتفانَون في ثأرٍ دامٍ، وقبيلتا عبسٍ وذبيان تُبيد كلٌّ منهما الأخرى؟ اخرج إليهم مسرعًا وأصلح بين القبيلتين ثم عُد إلى زوجتك، فهي تنتظرك محبّةً! —
فخرج إلى القبيلتين المتحاربتين فأصلح بينهما: فأُحصي القتلى من الجانبين وأُدّيت الديةُ عن الزيادة التي فقدتها إحدى القبيلتين على الأخرى. وأدّى الحارث هذه الدية 3,000 من الإبل التزم بتسليمها في مدّة ثلاث سنين.
فلمّا تمّ له ذلك عاد إلى أهله يُثني عليه الناس جميعًا؛ فاستقبلته زوجته بُهيسة باسطةً ذراعيها، وولدت له بنين وبنات 1).
وهذه الحكاية الصغيرة الفاتنة، التي يكفي إحكامُها الكلاسيّ وبساطتُها النبيلة وحدهما للدلالة على أنّها من خير العصور — لولا أنّ المصدر المأخوذة عنه يرفع في ذلك كلَّ شكّ — تعطينا صورةً مثالية للمرأة العربية كما كانوا يتخيّلونها يومئذ. ولا شكّ أنّ من الطيش
1) الأغاني IX. 149—51.
99أن نأخذ الحكاية نفسها على أنّها واقعةٌ تاريخية، غير أنّه لا ريب في أنّها تنقل بأمانةٍ التصوّرَ الذي كان الناس زمنَ تأليفها يتصوّرونه للمرأة العربية الكاملة. وأغلبُ الظنّ أنّ زمن نشأتها القرنُ الأوّل أو الثاني للهجرة. فقد كانوا في ذلك العهد يستملحون وضعَ مثل هذه الأخبار الصغيرة الطريفة من الجاهلية العربية أو من حياة البادية ليُسمروا بها في مجالس الليل، وكان مثلُ هذه الأحاديث محبوبًا جدًّا في بلاط دمشق كما في بلاط بغداد.
ولم تكن الخصال التي يجب أن تكون في المرأة لتُعجب وتجتذب الرجال هي الجمالَ وحده، بل كرمَ النسب والذكاءَ وحُسنَ النادرة والنفسَ الأبيّة العالية. وأبهى مثالٍ على ذلك عائشة بنت طلحة، حفيدةُ الخليفة أبي بكر وابنةُ أخت عائشةَ زوجِ النبيّ. وكانت تُعدّ أجملَ نساء عصرها وأشدَّهنّ كِبْرًا. ولم تظهر قطُّ منتقبة، وقالت لزوجها (مصعبٍ) حين عنّفها في ذلك أشدَّ التعنيف: إنّ الله وسمني بميسم جمال، وأنا أحبّ أن يُرى فيُعرف به فضلُ الله عليّ؛ فلستُ مغطّيةً وجهي، فما فيه — واللهِ — عيب. — ثم آل الأمر في ذلك إلى مشادّةٍ بينها وبين بعلها الغيور، وكانت شديدة الحدّة، فقطعت كلَّ صلةٍ به مدّةً من الزمن. فخرج إلى الغزو ورجع ظافرًا ولمّا تُصالحه امرأتُه. فوجدت عائشة من ذلك وجدًا شديدًا، إذ كانت في نفسها قد اشتاقت منذ زمنٍ إلى إزالة الجفوة. فرأت مولاةٌ لها أنّ عودة الزوج من الغزو هي اللحظة المناسبة لذلك. فخرجت عائشة إلى لقائه وهنّأته بالقدوم، ومسحت
100الغبارَ عن جبينه ودرعه، فلمّا قال لها إنّه يخشى أن تؤذيها رائحةُ الدرع الصدئة والسلاح، أجابت: واللهِ لهي أطيبُ عندي من ريح المسك.
وكان المهر الذي فرضه لها مصعبٌ، وكان زوجَها الثاني، 500,000 درهم. ثم تزوّجت بعده مرّةً ثالثة، ففرض لها زوجها الجديد، وكان من أغنى الأمويين وأشرفهم، مهرًا قدره مليونٌ ونصفُ مليونٍ من الدراهم، وأضاف إليه نصفَ مليونٍ هديّة. وعاشت بعد هذا الثالث أيضًا، غير أنّها لمّا مات ندبته قائمةً، وكان ذلك يعني أنّها لا تريد الزواج بعده 1). ولم يكن تعدّدُ الزيجات على هذا النحو نادرًا، ولا كان أحدٌ يجد فيه أدنى غضاضة. فعاتكة، من أشرف بيوت مكّة، تزوّجت ثلاث مرّات، فلمّا خطبها بعد موت زوجها الثالث شريفٌ من أهل مكّة أجابته بأنّها لا تريد أن تعيش بعد زوجٍ رابع 2). ولمّا كان أزواجها كلُّهم قد قُتلوا بالسلاح قيل يومئذ: من أراد أن يدخل الجنّة سريعًا فليتزوّج عاتكة.
وكان للنساء على العموم أوسعُ حرّيةٍ في اختيار أزواجهنّ، حتى وقع أنّ امرأة خليفةٍ (السفّاح) تزوّجت بعد وفاته زوجًا اختارته بنفسها، وكان رجلًا من عامّة الناس لا مال له، وإن كان من أشرف البيوت 3). وحملت إليه من زواجها الأوّل ثرواتٍ لا تُحصى، ثم طلّقته في آخر الأمر لأنّها ارتابت في أنّ بينه وبين جاريةٍ علاقة.
وأذكر أخيرًا مثالًا آخر، وهو سُكينةُ الجميلة، وقد تميّزت هي أيضًا بأنّها
1) الأغاني X. 54 ff. 2) Ibid. XVI. 1338 ff. 3) Ibid IV. 89.
101لم تتزوّج رجالًا عدّةً فحسب، بل اشترطت لنفسها أيضًا حرّيتها التامّة. فاشترطت في زواجها الثالث أن تكون حرّةً تمامًا في كلّ ما تعزم عليه، وأن ينزل زوجها على رأيها في كلّ شيءٍ وأيِّ شيء؛ وقد أثبتت ذلك بضروبٍ كثيرة من الأهواء نغّصت على زوجها عيشه حتى طلّقها، فتزوّجت رابعًا، ولم يلبث هذا الزواج أن انفصم هو الآخر سريعًا 1).
ولم تكن مخالطةُ النساء للرجال، كما يُستنتج ممّا تقدّم، ممنوعةً البتّة؛ فكانت المرأة تستقبل الزائرين من الرجال بلا تحرّج، لا أقاربَها فحسب بل الغرباءَ أيضًا 2). وكنّ يخرجن متى شئن، ولهنّ من الحقّ في حضور المسجد في أوقات الصلاة المفروضة مثلُ ما للرجال 3)، على أنّ ذلك بطل العمل به منذ القرن الثاني للهجرة. ولهنّ كذلك أن يخترن الزوج بأنفسهنّ، أو على الأقلّ أن يرددن كلَّ من لا يُعجبهنّ؛ وقد نصّ أقدمُ الفقهاء بمثل هذا الوضوح على أنّ المرأة لا تُشترى بحال، وأنّ ما يشترطه أبوها أو أقربُ أوليائها من العطايا قبل عقد النكاح مِلكٌ لها 4). وأخيرًا يُقرّ الفقهاء صراحةً للمرأة بحقّ أن تشترط قبل الزواج ألّا يتزوّج زوجُها امرأةً ثانية ولا يتّخذ سُرّيّة.
وإن كانت الأمثلة المذكورة آنفًا تتعلّق بنساءٍ من أعلى طبقات المجتمع، فلا يكاد يُحتاج إلى دليلٍ
1) الأغاني XIV. 170. 171. 2) Ibid. XIX. 161. 3) البخاري 553. 555, 567. 4) الموطّأ III. p. 8.
102خاصٍّ على أنّ مكانة المرأة في الطبقات الدنيا لم تكن أسوأ بحال، بل لعلّها كانت أوفرَ حرّيةً واستقلالًا؛ غير أنّها كانت بالطبع تباشر أعمال البيت بيدها 1). ففي كوخ الفلّاح الفقير أو خيمة ساكن البادية، وفي البيت المتواضع لصغار أهل الحضر أو الصنّاع، كان للمرأة سلطانٌ لعلّه أعظمُ ممّا لها في قصر الغنيّ، حيث كان ربُّ البيت يستطيع أن ينسى جفاءَ واحدةٍ في أحضان أخرى. فالمرأة عند أولئك ربّةُ البيت والآمرةُ الناهية بلا حدٍّ في دائرة الأسرة، فلا عجب أن يقول شاعرٌ (أبو العتاهية) من عصر هارون الرشيد في امرأته:
طال حزني على ربّةِ داري؛ ليت شعري: هل ينتهي هذا الفراقُ يومًا؟ آهِ! إنّي لأتنازل من أجلها عن التيجان كلِّها راضيًا.
فكانت مكانةُ المرأة الاجتماعية في مطلع الإسلام مكانةً كريمةً مستقلّةً موفورةَ الاحترام، بل ساد زمنًا تكريمٌ فروسيّ للجنس اللطيف، فتغنَّوا بالنساء في أشعارٍ متّقدةِ الحبّ، وأضفَوا على صورتهنّ سحرَ الشعر كلَّه. وفي أخبار الدائرة الأسطورية القديمة لقبائل العرب الشمالية لم يكن شيءٌ أنبلَ ولا أمجدَ ولا أجدرَ بالاقتداء من
1) كان عملُ المرأة، حتى في أعلى الطبقات، هو الغَزل. ولذلك يقول المعرّي في بعض مقطوعاته: علّموهنّ الغَزل (ghazl) والنَّسج (nasg) والرَّدْن (radn). — ولا أزيد هنا على ملاحظةٍ واحدة، هي أنّ اللفظ الذي أنقله بـ«الحياكة بالإبر» (stricken) ربّما لم يَعنِ غير: الشَّبك أو النَّسج الخفيف أو عمل الشِّباك. ومعلومٌ أنّ الحياكة بالإبر لم تظهر في أوروبا إلّا في مطلع القرن السابع عشر تقريبًا. ويُقال إنّها انتشرت أوّلًا في البلاد الجنوبية، إسبانيا وإيطاليا. ولا أجرؤ على القطع بأنّ هذا الاختراع من أصلٍ شرقيّ.
103أن يحمي فارسٌ النساءَ من العار والسبي مستهينًا بكلّ خطرٍ باذلًا حياتَه؛ وعنترةُ، بطلُ أسطورة عرب الشمال، يختم حياته على هذا النحو بلا خوفٍ ولا مَلام، إذ يُنقذ في غارةٍ نساءَ قومه من الهتك بأن يثبت وحده في وجه جموع الأعداء كلِّها ويحمي انسحاب قومه. فيقف وقد أصابته إصابةٌ قاتلة على فرسه عند مدخل الشِّعب، متّكئًا على رمحه، فيُسلم الروح على هذه الهيئة، والنساءُ في تلك الأثناء يبلغن منازل القبيلة سالمات، والأعداءُ لا يجرؤون على الدنوّ منه. ولا يفطنون إلى أنّه حمى قومه حتى وهو ميّتٌ إلّا حين تسقط الجثّةُ عند حركةٍ من الفرس.
ولذلك ظلّ إيذاءُ المرأة، فضلًا عن قتلها، أشنعَ الأفعال وأدناها إلى العار؛ ولمّا قُتلت امرأةُ ثائرٍ بأمر عبد الله بن الزبير، الخليفةِ المنازِع بمكّة، أعرب شاعرٌ عن سخطه في ذلك وقال في الختام 1): علينا نحن الرجالَ أن نقتل ونُقتل، وعلى النساء أن يجررن الذيول! ويقول آخرُ في امرأته: رأيتُ أزواجًا يضربون نساءهم، فلتَشلَّ يدي إن رفعتُها على زينب. أأضربها ولم تُذنب؟ ما ضربُها بغير ذنبٍ من العدل: زينبُ الشمسُ وسائرُ النساء نجوم: إذا طلعت لم يُرَ من بهائها نجمٌ واحد 2). وقد كان من الحكم الشرعيّ في أقدم أطوار قانون الحرب الإسلاميّ ألّا تُقتل نساءُ الأعداء وأطفالُهم ولا يُساء إليهم، وإن كانوا من غير المسلمين،
1) ابن الأثير IV. 227. الكامل للمبرّد p. 583. 2) ابن خلّكان sub voce: القاضي شريح. ابن حمدون II. 207.
104إلّا أن يشتركوا في القتال.
وأمّا الفضلُ المشكوك فيه، فضلُ من بدأ بالطعن في مكانة المرأة الرفيعة وحطِّها، فيرجع في المقام الأوّل إلى علماء الدين العابسين المتعصّبين في الإسلام. لا لأنّهم كانوا لا يحسّون بمفاتن النساء — فقد كانت حريمُهم في العادة عامرةً بهنّ — ولكنّهم كانوا خارج الحريم يحبّون أن يتظاهروا باحتقارٍ تامٍّ للذّات الدنيا وبسخطٍ تقيٍّ على إثم العالم وطيشِ الجنس اللطيف. ولذلك جمع واحدٌ من أقدم المحدِّثين، بميلٍ ظاهر، عدّةَ أحاديث عن النبيّ مؤدّاها أنّ أكثر النساء يدخلن النار 1). ولقد نسي هذا السيّد التقيّ فيما يبدو أنّ محمّدًا نفسه ملأ الجنّة بالحور، لا يفنى لهنّ حُسنٌ ولا شبابٌ ولا بكارة.
غير أنّ مثل هذه النزوات العلمية من أفرادٍ شواذَّ مُرائين ما كان لها أن تبلغ من الأثر ما يُحدث في مكانة المرأة الاجتماعية تغيّرًا جذريًّا كالذي حدث فيما بعد. فقد انضافت إليها أسبابٌ أخرى داخلية. ويبدو أنّ أوّل دافعٍ إليها كان انحلالَ الأرستقراطية العربية القديمة شيئًا فشيئًا. فبيوتُ مكّة الشريفة، التي عدّت الحكم في العقود الأولى ميراثًا لها، اضمحلّت سريعًا في الحروب المتّصلة، وحلّ محلَّها جيلٌ هجينٌ ناشئ لا شرفَ له في العِرق ولا في الخُلق. وأمّا أنّ كثرة الزواج بين الأقربين أسهمت كثيرًا في هذا الانحطاط السريع فأنا في شكٍّ منه، على أنّهم ظنّوا مبكّرًا أنّ مثل هذه المصاهرات تؤثّر في النموّ
1) البخاري 21. الموطّأ I. 887
105الجسديّ. فيُروى أنّ عمر الأوّل قال مرّةً في مجلسٍ من قريش: ما لكم قصارَ القامة؟ فأجابوه: السببُ كثرةُ المناكحة في القرابة (زواجُ أبناء العمومة). ويُروى أنّ عمر الأوّل أوصى بعد ذلك خاصّةً بترك هذه المناكحات بين الأقارب. ولذلك يقول شاعرٌ في رجلٍ أراد وصفَ قوّته: لم يكن أبوه ابنَ عمّ أمّه 1). وانتقلت على هذا الوجه أيضًا عللٌ بعينها، وقد حُفظ لنا خبرٌ عجيب أنّ عيب النطق المسمَّى الرُّتّة، وهو ثِقَلٌ في اللسان عند ابتداء الكلام، كان من خصائص أشرف البيوت 2)، وهو ممّا انتقل بالوراثة فيما يظهر.
وكيفما كان الأمر: فسرعان ما أدّت أسبابٌ أخرى، سنتكلّم عليها فيما بعدُ، إلى انحطاطٍ خُلُقيّ وجسديّ في العِرق. فصارت صُوَرُ النساء النبيلات كتلك التي عرفناها آنفًا أندرَ فأندر. وكانت زبيدة، زوجُ هارون الرشيد العاقلة، آخرَ من مثّلت هذا الصنف من نساء الأرستقراطية العربية القديمة: الشريفاتِ المولد، النبيلاتِ، ذواتِ الإرادة. وأصدقُ ما يدلّ على ما كان في نفوس هؤلاء السيّدات من الاعتداد الأبياتُ المحفوظة عن امرأةٍ اسمها حَميدة، أُكرهت على الزواج من رجلٍ وضيع النسب. فقالت في هجاء زوجها: أنا فرسٌ عربية عتيقة، سليلةُ أمٍّ كريمة، وزوجي بغل؛ فإن ولدتُ مُهرًا كريمًا فاعلموا أنّه منّي، وإن جاء مشوّهًا فاعلموا أنّه منه 3).
1) الأصفهاني: محاضرات I. 207. 2) ابن حمدون I. Fol. 79. Vgl. Lane: Lexicon sub voce. 3) الأغاني XIV. 1380.
106ثم لم تلبث مثلُ هؤلاء النساء أن صرن أشدَّ ندرة، لا لأنّ البيوت الشريفة القديمة غرقت في تيّار عصرٍ مضطربٍ عالي الموج فحسب، بل لأنّ الناس لم يعودوا يطلبون مثلَ هؤلاء النساء. ولذلك انقرضن. وفقدت الأفكارُ القديمة عن نقاء العِرق سلطانَها رويدًا رويدًا؛ فبعد أن كانوا يعلّقون أعلى القيمة على شرف النسب من جهة الأب ومن جهة الأمّ جميعًا، أخذوا شيئًا فشيئًا يدينون بآراءٍ أخرى. فلم يقع في صدر الخلافة أن يُعلَن ابنُ سُرّيّةٍ وليًّا للعهد وإن كان أبوه خليفة، وقد حاول ذلك خليفةٌ أمويّ (انظر Bd. I. S. 393) فلم يُفلح. فبينما كانوا يزدرون أبناء السراري في أوّل الأمر، صرفوا النظر بعدُ عن النسب من جهة الأمّ صرفًا تامًّا 1). إذ حلّ محلَّ الزواج المكافئ في الطبقة، الذي كانوا يعلّقون عليه من قبلُ قيمةً عالية، نظامُ الخليلات وانفرادُ المومسات بالسلطان. ولم يعد في وسع الزوجات الشرعيات أن يقاومن بنجاحٍ النفوذَ المتزايد أبدًا لتلك الآثمات الحِسان المزوَّدات بكلّ فنون الإغواء. فلم يجد الزوجُ السئِمُ جاذبيةً إلّا في هؤلاء، ولم تجذبه إلى زوجته حتى فكرةُ إنجاب ذرّيّةٍ شرعية، فالشرعُ الإسلاميّ لا يجد صعوبةً في إلحاق الأولاد من غير الزوجات، وأمّا أن تكون أمُّهم شريفةَ النسب أو وضيعتَه فلم يعد لذلك شأنٌ منذ صار الخلفاء أنفسُهم في الغالب أبناءَ جوارٍ رومياتٍ أو فارسيات. وكلّما أوغلوا في هذه المسالك المنحرفة ازدادوا اعتقادًا بوجوب حراسة الزوجات الشرعيات المهمَلات وحفظِهنّ بغَيرةٍ أشدّ. وبذلك اتُّخذت الخطوةُ الأولى
1) Vgl. ابن خلّكان, Slane II. 210. sub voce: زين العابدين. الكامل: المبرّد p. 299.
107نحو نظام الحريم بمعناه الحقيقيّ، ذلك النظامِ الذي أهدر كرامة المرأة إهدارًا بالغًا وصنع من المرأة الشرقية، الموفورةِ الحظّ من مواهب الطبيعة، ما هي عليه اليوم. ولا سبيل إلى تعيين وقتٍ بعينه لتحوّلاتٍ بهذا العمق في الحياة الخلقية لأمّة، فمثلُ هذه التغيّرات يجري على غير إحساسٍ وخطوةً خطوة، حتى لا يكاد يُعرف الحدُّ الفاصل الذي ينتهي عنده القائمُ ويحلّ محلَّه شيءٌ جديد. غير أنّه يمكن القول إنّ هذا التحوّل في مكانة المرأة الاجتماعية قد تمّ في المدّة الممتدّة من أواخر حكم الأمويين إلى عهد هارون الرشيد 1). فمنذ ذلك الحين صار الخصيان يحرسون الحريم، وصارت الزوجة الشرعية في الطبقات العليا مهمَلةً في العادة، وحكم في البلاط بدلًا منها المغنّياتُ والجواري والخصيان.
ولمّا احتلّ المختارُ — وهو زعيمُ حزبٍ سياسيّ دينيّ أعنت الأمويين كثيرًا في النصف الأخير من القرن الأوّل للهجرة وملك المدينةَ حينًا — تلك المدينةَ، قصد المسجد وصعد المنبر ليخطب في الناس المجتمعين. فيُروى أنّه قال: يا أهل المدينة، كان أوّلُ من ساسكم خيرَ من كان، وكان آخرُهم شرَّهم: اتّخذتم القِيان نديماتٍ لكم، وآثرتم اقتناء الخصيان 2). ويُستفاد من ذلك أنّ إدخال الخصيان كان يُعدّ يومئذٍ بدعةً أجنبية. بل ظلّ
1) ومن الدالّ على انحلال الأخلاق أنّ المأمون أعلن بمنشورٍ حِلَّ نكاح المتعة (nikäh almot‘ah)، ثم اضطُرّ إلى سحب هذا الأمر. ابن خلّكان sub voce: يحيى بن أكثم, Slane IV. 36.
2) قطب السرور I. Fol. 148.
108النفورُ العربيّ القديم من هذه الكائنات المشوَّهة الخُنثى قائمًا إلى ما بعد ذلك 1).
ولم تظهر هذه العادة البشعة، عادةُ استخدام الخصيان لحراسة الحريم، إلّا مع الخلفاء الأمويين، محاكاةً لبلاط الروم أو لترف ملوك الفرس. ونحن نعلم في الواقع أنّ تجارة الخصيان كانت كلُّها في أيدي نخّاسي الروم 2). ولعلّهم استُخدموا في أوّل الأمر في البيوت الكبيرة على أنّهم من متاع الترف لخدمة النساء، ثم استحال الخدمُ الأذلّاء بتغيّر الأحوال شيئًا فشيئًا حرّاسًا ورقباءَ متسلّطين. وأشدُّ ما أسهم بعد الخصيان في إهدار كرامة النساء وإفساد أخلاقهنّ تجارةُ الرقيق. فمع فتح الشام وفارس تدفّقت الجواري إلى جزيرة العرب بأوفرَ ممّا كان من قبل؛ فلمّا نُقلت دارُ المُلك بعد ذلك إلى بغداد كانت قبائلُ الترك على التخوم الشمالية الشرقية، المشهورةُ بجمال أجسادها، هي التي تُورد إلى بغداد أرسالًا كثيرة من الفتيات الفاتنات ليُبَعن جواري.
وكان شراءُ الفتيات وتنشئتُهنّ تنشئةً دقيقة وتعليمُهنّ الغناء والموسيقى ثم بيعُهنّ للأثرياء بأثمانٍ غالية تجارةً مربحةً جدًّا ولا تُعدّ مَعيبةً البتّة. وكانت دورُ النخّاسين ملتقى شبّانِ الأغنياء يتحدّثون فيها إلى الجواري ويُضيّعون أوقاتهم في المزاح واللعب والموسيقى والغناء. فتنشأ علاقاتُ الحبّ فتنتهي بأن يُسلَب العاشقُ سلبًا حقيقيًّا أوّلًا بما يُلزَم به من الهدايا الغالية لحسنائه، ثم إمّا أن
1) Vgl. ابن تغري بردي I. 611. 2) Bd. I. S. 148.
109يشتري الجارية بثمنٍ باهظ، وإمّا أن يُلقى في الطريق كالليمونة المعصورة 1). وكان النخّاسُ والجواري، وقد دُرّبن على كسب المال أحسنَ تدريب، يجدون في ذلك حسابهم دائمًا. وكانت هذه الدور في بغداد وفي مدن العراق الكبرى أحبَّ
1) أفرد مؤلّفُ كتاب الموشّى في كتابه، الذي يعالج الأحوال الاجتماعية في بغداد، بابًا خاصًّا في مخاطر المغنّيات والجواري الضاربات. يقول في ذلك: «إذا رأت إحداهنّ في مجلسٍ فتًى موسِرًا تعرّضت له لتفتنه، ورمته باللحظات وأومأت إليه بيدها، وغنّت له إذا أفرغ كأسه واجتهدت أن تروقه، وشربت ما فضل في كأسه ورمته بالقُبَل، حتى توقع المسكين في شبكتها ويقع في هواها ..... ثم تُرسل إليه الرسائل وتمضي في حِيَلها، وتُعلمه أنّها فقدت النوم من أجله وأنّها تكابد الحزن عليه؛ وقد تبعث إليه بخاتم، أو خُصلةٍ من شعرها، أو قُلامةِ ظُفر، أو شظيّةِ عودٍ من عودها، أو قطعةٍ من مِسواكها، أو قطعةٍ من اللُّبان (lobän) مضغتها تقوم له مقام قُبلة، أو رقعةٍ كتبتها بيدها وطوَتْها وشدّتها بوترٍ من أوتار عودها بعد أن أسالت عليها دمعاتٍ وختمتها بالغالية (Ghälija) بخاتمها المنقوشِ عليه كلماتٌ تناسب المقام ..... فإذا أحكمت شبكتها عليه أخذت تستهديه الهدايا النفيسة: أقمشةَ ثيابٍ من عدن، والأُزُرَ النيسابورية (alozor alnaisäburijjah)، وثيابًا من أنجاج (Angäg)، والأرديةَ الرشيدية (alardijat alrashydijjah)، وعمائمَ من السوس، ومناطقَ من حرير، والخِفافَ الزنانية (alchifäf alzanänijjah)، ونعالًا من كنباية، والحُلَقَ المحشوّة (alhalak almahshawijjah?)، والعصائبَ المرصّعة (al’asä’ib almorassa‘ah)، والدستينجاتِ المفصّلة (aldastynagät almofassalah)، وخواتيمَ ثمينة بالياقوت؛ وربّما تمارضت وشكت من غير علّة، واحتجمت من غير سبب، وتداوت من غير حاجة، ليُهدي إليها المُحبّ من أجل المرض أو الحجامة هديّةً، كالقُمُص المعنبَرة، والغلائل المُمسَّكة (ghalä’il)، واللخالخ المعجونة (allachälych alma‘gunah)، وقلائد الكافور، أو عقودٍ من قَرَنفلٍ منقوعٍ في الخمر ونحو ذلك. فلا تزال تستدرّ منه الهدايا بلا انقطاع حتى ينفد ثراءُ المُحبّ؛ فإذا رأت أنّ الموارد قد نضبت والأكياس قد فرغت أظهرت الملل وأبانت عن تحوّلها، وأغلظت له القول، والتمست ذريعةً لقطيعته.» كتاب الموشّى. Fol. 91، ترجمةً مختصرة.
110… مجتمعٍ لشبابٍ لاهٍ مولعٍ باللذّة. وقد بقي لنا وصفُ دارٍ من هذه الدور، كان صاحبُها نخّاسًا موسِرًا من أهل الكوفة اسمه ابن زامين — والظاهر أنّه فارسيٌّ أو هنديّ، عاش في عهد الخليفة المنصور — يستقبل بمخزونه الحافل أبدًا من الجواري المعروضات للبيع زوّارًا كثيرين من الزبائن والعُشّاق، زياراتٍ لا تنتهي إلّا بحصادٍ وافرٍ من الدنانير يُجمع في دار ابن زامين. وكانت جواريه، وكلُّ واحدةٍ منهنّ أجملُ من الأخرى، يخالطن الضيوف هناك بلا تحرّجٍ البتّة، ويُسمعنهم الغناء والعزف، أو يتلقّين بحضرتهم درسَ الموسيقى. وكانت مقدَّمةَ الدار سلامةُ المُلقَّبةُ بالزرقاء، وتُذكر إلى جانبها بالخصوص فتاتان أخريان من داره (سعدةُ ورُبَيحة). وكان الأمرُ في هذه الدور بالغَ الانطلاق، ويبدو أنّه لا ريب في أنّ الجواري الحِسان لم يكنّ يمتزن بشيءٍ من التمنّع أمام العُشّاق الأغنياء. فكلُّ شيءٍ مباحٌ ما دام يُدرّ مالًا حسنًا. وتُذكر في الكوفة في العهد نفسه، إلى جانب دار الطرب (café chantant) التي لابن زامين، دارٌ منافسةٌ أخرى لزُرَيق، كان الأمرُ فيها أشدَّ احتشامًا، ومقدَّمتُها امرأةٌ تُسمّى سُحَيقة.1) وكانت بين الدارين منافساتُ غيرةٍ شديدة، حتى إنّ الوالي نفسه انحاز إلى دار ابن زامين. وقد أحسن هذا الرجلُ الصالح على كلّ حالٍ التجارةَ بجواريه اللطيفات: فباع إحداهنّ، وهي رُبَيحة، بـ100,000 درهم، وباع الأخرى سعدةَ بـ90,000 درهم؛ وأمّا الزرقاءُ الحسناء فأدرّت 80,000 درهم. اشتراها فتًى أبوه والي البصرة. وقد سعى الابنُ العاقّ
1) الأغاني XIII. 128. وليس اسمُ سُحَيقة بالاسم الذي يُطمئننا كثيرًا على respectability هذه الدار.
111في كتمان الأمر عن أبيه ما استطاع. ثم إنّ الأبَ اهتدى آخِرَ الأمر إلى الخبر، ففاجأ ذات يومٍ العاشقَين، ولم تكد الزرقاءُ تجد وقتًا لتختبئ. فأقام الشيخُ ضجّةً مروّعة وانهال على ابنه المُحِبِّ للحياة باللوم. فلمّا لم يعد الابنُ يدري كيف يُسكِّن غضبَ الشيخ أومأ إلى زرقائه، فظهرت فجأةً وارتمت على عنق أبي زوجها تقبّله وتتملّقه، وعرفت كيف تسحره حتى رضيَ الرضا كلَّه.1)
وأخذ الكبراءُ والأغنياء يزدادون ولوعًا بأمثال هؤلاء الفاتنات، كاهناتِ فنون الطرب؛ فبدل أن يخطب الرجلُ — على العادة الشريفة القديمة — فتاةً من نسبٍ عريقٍ نشأت على الأدب الصارم والحِشمة، ثم يملَّ إلى جانبها، صار يشتري مغنّيةً مثيرةً تجمع إلى فتنة جسمها اللطيف مَرَحَ الفنّانة وخفّتها. نعم، لم يكن ثمّة ما يمنع أن تكون له إلى جانبها زوجةٌ شرعيّةٌ أو أكثر، لا يكاد يلتفت إليهنّ، بل كان لذلك بعينه يُشدّد عليهنّ الحراسة غيرةً لئلّا يَزِغن من الضجر. وهكذا اشترى المهديُّ وهو وليُّ عهدٍ بعدُ جاريةً حسناءَ مغنّيةً بـ17,000 دينار، فكانت أمَّ ابنته عُلَيّةَ التي امتازت هي الأخرى بموهبتها الفنّية.2) وقد سار الملوكُ المتأخّرون على هذا الذوق نفسِه إلّا قليلًا منهم: فسادت في القصور نساءٌ خفيفاتٌ وصِرن يفرضن الذوق السائد؛ وأنّ هذا الذوق كان سيّئًا كلَّ السوء تشهد له أمثلةٌ كثيرة، نرى منها بلا شكٍّ ما شاع في خيرة المجتمع من وقاحةٍ مثيرةٍ للسخط، نشرتها النساءُ الفاسداتُ منذ الصبا نشرًا متزايدًا
1) الأغاني XIII. 131. 2) نفسه XI. 114. 115.
112على الدوام.1) وعلى هذا النحو نشأ ذلك النقصُ في رقّة الشعور الذي يصعب على الأوروبيّ تفسيرُه، وذلك المسُّ الفجُّ المكشوف للعلاقات الجنسية الذي لا يزال سائدًا اليوم في مقاصير النساء بالمشرق. ولعلّ تعدّد الزوجات أسهم في ذلك إسهامًا كبيرًا، فإنّه يُخرج أسرار العِشرة الزوجية — وحقُّها أن تبقى مستورةً بين المرأة وزوجها — إلى دائرةٍ أوسع، فيُضعف بذلك حياءَ المرأة وحساسيّتَها الخُلُقية.
على أنّ تعدّد الزوجات في المشرق، على هذه المساوئ وغيرِها من المساوئ الثقيلة، قد حُكم عليه في الأكثر حكمًا خاطئًا كلَّ الخطأ. فقد كان في العهد الذي نشأ فيه الإسلام حالًا موافقةً كلَّ الموافقة لِما كانت عليه حياةُ الأمّة والمجتمع يومئذٍ، وهو حالٌ يوجد لأسبابٍ شبيهةٍ عند الأمم المتحضّرة كلِّها في العصور القديمة.
ومن اليسير أن يُدرَك أنّه في تلك الحقبة من حياة الأمّة، حيث يغلب بعدُ التكوّنُ القبليّ، ولم يقم بعدُ رباطٌ قويٌّ كافٍ يجمع القبائل فتنشأ منه دولة: كان لا بدّ لكلّ قبيلةٍ ولكلّ أسرةٍ أن تجد نفسها في حال دفاعٍ عن النفس تجاه سائر القبائل والأُسَر. فلكي تستطيع أن تدفع الغارات بنجاح، وأن تبدأ بالغارة عند الحاجة، كان الأمرُ كلُّه متعلّقًا بأن تكون القبيلةُ في أقصى ما يمكن من القوّة، وأن تستطيع إخراجَ عددٍ كافٍ من الرجال المقاتلين، وأن تُهيّئ لنفسها بأواصر النسب أو غيرها نُصرةَ سائر أبناء القبائل وعونَهم. فقام إذًا لكلّ قبيلةٍ ولكلّ أسرةٍ سببٌ مُلِحٌّ للسعي بأقصى ما يمكن في تكثير النسل، فبه تتعلّق قوّةُ الأسرة والقبيلة كلِّها ومكانتُها وأمنُها.
1) الأغاني XI. 98. 99. XVII. 185.
113ولذلك جاء في الكتاب المقدّس في رؤيا البطريرك أنّ ذرّيّته ستكثر ككثرة الرمل على شاطئ البحر، وهو مآلٌ لا بدّ أن يُلقي في زماننا ربَّ أسرةٍ ناشئًا في شيءٍ من اليأس. وكان تعدّدُ الزوجات موافقًا لهذه الأحوال، لا لأنّه يكثّر أهل البيت سريعًا فيسدّ الحاجة إلى النسل فحسب، بل خاصّةً لأنّه تُعقَد به أواصرُ نسبٍ ثمينةٌ مع سائر القبائل والأُسَر. ومبلغُ تقديرهم لهذه الأواصر يشهد له وحدَه ما بذلوه من العناية في رعاية أبعد درجات القرابة وأقصى وشائج المصاهرة ومراعاتِها.1) بل عُدّت قرابةُ الرضاع قرابةً تامّة الاعتبار، وأُخذ فوق ذلك بالتبنّي، بل أنشأ عتقُ السيّد مملوكَه آخِرَ الأمر بينهما صلةَ قرابة، وقد وجدت لها تعبيرًا في الفقه الإسلاميّ كذلك، إذ يتوارث المُعتِقُ ومولاه عند عدم الأصول والفروع. وهذه الوقائعُ وحدها تقيم الدليل المقنع على مبلغ ما شعروا به من ضرورة تقوية الأسرة باجتذاب من بَعُد نسبُه بل من كان غريبًا تمامًا، وتوسيعِ الصلات وتكثيرها، والاستعدادِ بذلك للغزو والدفاع جميعًا. على أنّه لا ينبغي البتّة أن يُقاس تعدّدُ الزوجات القديمُ هذا بنظام الحريم المشرقيّ المتأخّر. فقد كان العربُ قومًا ذوي نزعةٍ أرستقراطيّةٍ بيّنة، يعظّمون شرف النسب أشدَّ التعظيم، ولا يكاد يقع فيهم زواجُ غير الكفء.2) وكان انتقاءُ النسل هو الحاكمَ عندهم عمومًا: ففي بيت سيّد القبيلة أو خيمته
114لا تسود عدّةُ نساءٍ متساوياتٍ في الحقّ معًا: بل واحدةٌ هي ربّةُ البيت، وهي الشريفةُ المولد، الزوجةُ الصريحةُ النسب؛ وسائرُهنّ سَراريُّ يشغلن منزلةً وسطًا بين الأولى وبين سائر خدَم البيت. وأصدقُ شاهدٍ على ذلك حالُ سارة مع هاجر في بيت إبراهيم النموذجيّ الأبويّ.
فلمّا جاء الإسلام لم تَبقَ هذه الأحوالُ القديمة قائمةً بلا عائقٍ فحسب، بل نالت تأكيدًا جديدًا بأمر القرآن، وهو يُعنى عنايةً خاصّةً بتكثير النسل. أمّا الحالُ الاجتماعية والسياسية العامّة فكانت بحيث لا بدّ أن يبدو تعدّدُ الزوجات مبرَّرًا أكثرَ بكثيرٍ منه في العصر القديم. فقد فتح العربُ بلادًا واسعة وانتشروا في أقطارٍ هائلة، وكانت الشعوبُ المغلوبة هي الكثرة، ولم يحكمها العربُ ويكبحوها إلّا بأن أقاموا شبكةً عظيمةً من الأمصار الحربيّة: واحاتٍ عربيّةً في العالم الأجنبيّ المحيط بها، تُمسك منها حامياتٌ عربيّةٌ صغيرةٌ نسبيًّا من المقاتلة المستوطنين الشعوبَ المغلوبة، وتقمع ثوراتها. فلئلّا يذوبوا سريعًا بين القبائل الغريبة المحيطة بهم لم يكن من سبيلٍ إلى منع ذلك إلّا بتكاثر السكّان العرب تكاثرًا بالغَ السرعة. فاستُعمل تعدّدُ الزوجات لهذه الغاية أوسعَ استعمال. نعم، وقع بذلك كثيرٌ من زواج غير الكفء، ومن مصاهرة العرب الصرحاء لنساءٍ من الأجناس الأجنبية، فضاع بذلك صفاءُ الجنس شيئًا فشيئًا؛ غير أنّه لم يكن في الأحوال الخارقة التي كانوا فيها ما يُنكَر من ذلك، ولم تظهر آثارُه إلّا بعد ذلك بزمنٍ طويل؛ على أنّه كان يخرج من هذه المصاهرات دائمًا
115أولادٌ يزيدون في عدد الأمّة الحاكمة.
أمّا في بيوت الأشراف المكّيّين الكبرى، حيث ظلّوا زمنًا يتمسّكون بالانغلاق القوميّ ويعظّمون صفاء الجنس وشرفَه، فقد بقوا حينًا طويلًا يعيشون على الطريقة الموروثة تمامًا، يرون في كثرة النسل أوثقَ ضمانٍ للقوّة والمكانة. ولم تكن عليهم همومُ معاشٍ ولا حسابُ اقتصاد، فقد كان الشعبُ العربيُّ كلُّه يعيش يومئذٍ على حساب البلاد المفتوحة، وقد اكتسبت البيوتُ الحاكمة ثرواتٍ لا تُقدَّر بالفتوح وقسمةِ الغنائم والمناصبِ ذات النفوذ. فلم يكن على النسل والتكاثر حدٌّ، ومع خصوبة الجنس العربيّ تكاثر تكاثرًا هائلًا، على حين كانت الشعوبُ المقهورة تُقاسي الفاقة فتنقص عددًا سريعًا، أو تلتحق بالأمّة الحاكمة بالدخول في الإسلام. وهكذا نمت بيوتُ الأكابر العرب نموًّا ضخمًا. فقد كان لابنٍ من أبناء الخليفة الأمويّ الوليد الأوّل ستّون ابنًا لا أقلّ؛ ومع البنات، وساكناتِ الحريم، والخدَمِ من الرجال والنساء، والأقاربِ والموالي، لعلّ جملة أهل بيته جاوزت الألفَ نفسٍ بكثير.1) بل بلغ أهلُ بيتِ واحدٍ من آل العبّاس نحوَ أربعة آلاف نفس.2) وكان البيتُ الحاكم بطبيعة الحال أسرعَ الجميع تكاثرًا. فلمّا وقعت في عهد يزيد الأوّل ثورةٌ بالمدينة أُخرج منها جميعُ آل أميّة ومواليهم. وكان عددُهم أكثرَ من 1,000، بل 3,000 في روايةٍ أخرى. ثم في
1) قارن Goeje: Fragm. Hist. Arab. I. 13. 2) المعجم IV. 118.
116وقعة وادي سَبُو بعد ذلك بقليل، يقال إنّه كان في الجيش الذي قاتل البربر الثائرين عشرةُ آلاف أمويٍّ لا أقلّ.1) ومن غير أن نُعوِّل تعويلًا كبيرًا على دقّة هذه الأرقام، يُرى منها على كلّ حالٍ أنّ تكاثر البيت الحاكم — بالنسل الصُّلبيّ أو بالموالي — كان يجري في تصاعدٍ هائل.
ولمّا استولى العبّاسيّون آخِرَ الأمر على السلطان، تكاثر أهلُ البيت الحاكم بالسرعة نفسِها بفضل تعدّد الزوجات ونظامِ الأسرة العربية؛ فوُجد في عهد المأمون (نحوَ سنة 200هـ، 815—816م) أنّ عددهم بلغ 33,000 لا أقلّ.2)
وفي هذه المعطيات كفايةٌ لتكوين تصوّرٍ صحيحٍ لأحوال ذلك العهد، ولآثار تعدّد الزوجات على الخصوص. غير أنّا إذ ننظر في الجانب المضيء من الصورة لا يجوز أن نغفل عن توجيه النظر إلى جوانبها المظلمة كذلك. فبقدر ما أسهم تعدّدُ الزوجات في العهد الأوّل في تكثير الأمّة الحاكمة وتقويتها، أورث بعد ذلك سرعةَ الانحدار والانحلالَ الذي لا يُردّ. ففي أوّل عهد الفتوح الإسلامية كان في وسع كلّ مقاتلٍ وكلّ مسلمٍ أن يجد بلا عناءٍ ما يقوت به بيتًا مهما كثر أهله. فهو يأخذ من بيت المال إمّا عطاءً على الجندية — وقد بيّنّا من قبلُ أنّه كان عظيمًا جدًّا3) — وإمّا رزقًا سنويًّا. وكانت الغنائمُ للجند موردَ دخلٍ وافرًا جدًّا. وكان يُقطَع كلُّ
1) ابن عِذاري I. 42. 2) المسعودي VII. 59. Goeje: Fragm. I. 351. II. 430. ابن الأثير VI. 225. ابن تغري بردي I. 575. 3) Bd. I. S. 213.
117مسلمٍ سأل ذلك أرضًا منذ عهد الأمويّين: فلم يكن على القسم المسلم من السكّان فاقةٌ ولا همُّ خبزٍ ولا كدٌّ في طلب القوت اليوميّ. بل كان في منزلةٍ أحسنَ من ذلك ذلك الجمعُ الكبير ممّن عُدّوا من عشيرة البيت الحاكم، إمّا بقرابةٍ صُلبيّةٍ وإن بَعُدت، وإمّا بالولاء. فكان لهم نصيبٌ وافرٌ من دخل الدولة، وكانوا يعيشون كلُّهم على حساب الدولة على تفاوت.
وفي ظلّ هذه الأحوال البالغة اليُسر أمكن أن يقع تكاثرٌ شديدٌ غيرُ معتاد. غير أنّه من الظاهر أنّ أحوالًا استثنائيّةً كهذه لم يكن لها أن تدوم دائمًا. فما إن تغيّر الحالُ حتى تبيّن أنّ تعدّد الزوجات يحمل في نفسه بذرةَ الانحلال الاجتماعيّ، وأنّها تنمو وتُظهر آثارها متى توفّرت لها الشروط. وقد وقع ذلك سريعًا جدًّا: فكلّما ازدادت الأمّةُ الحاكمة سرعةً في التكاثر والانتشار، وكلّما استأثرت بالمِلك والأرض، كان الارتدادُ أشدَّ حتمًا. وسرعان ما أحسّ الناسُ بكلّ ثقلِ انهيارِ الرخاء العامّ، وهو نتيجةُ المنازعات الداخلية والصراعات الحزبية السياسية والدينية. وبلغت حروبُ الفتح آخرَها شيئًا فشيئًا، وبلغت معها آخرَها قسمةُ الغنائم الوافرةُ التي أدرّت على الناس مالًا كثيرًا. وصار حفظُ ما اكتُسب من الأرض عناءً. وأخذ دخلُ بيت المال ينقص شيئًا فشيئًا، أو كان الجيشُ الدائم يستهلك أكثره سلفًا. فصارت الحياةُ أعسر، ولم يعد الكسبُ سهلًا. فلم يكن بدٌّ في مثل هذه الأحوال من أن يصير تعدّدُ الزوجات وما يُحدثه من سرعة نموّ الأسرة نقمةً: فانحدرت البيوتُ الغنيّة انحدارًا متزايدًا،
118ونقص الرخاءُ نقصًا مخيفًا؛ ولمّا غلب مع قيام الدولة العباسية العربُ المولودون بفارس والفرسُ الذين استعربوا بهم، وأزاحوا العربَ الصرحاء عن تدبير أمر الدولة، افتقرت الأمّةُ الحاكمة السابقة — بسبب تعدّد الزوجات بعينه — افتقارًا أسرعَ بكثيرٍ ممّا كان يمكن لولاه؛ ونُزعت الأرضُ شيئًا فشيئًا من أعقاب الفاتحين العرب، وصارت في أيدي القوّاد والوزراء الفرس والترك أصحابِ الكلمة النافذة في البلاط، وهم بدورهم يُغنون أتباعهم ومواليهم على حساب العرب.
فإن كانت آثارُ تعدّد الزوجات هذه ذاتَ دلالةٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ في الأساس، فلا بدّ لنا أن نتكلّم كذلك في آثاره الاجتماعية والخُلُقية. وقد نبّهنا فيما تقدّم على أنّ انقلابًا كبيرًا وقع شيئًا فشيئًا في النظر إلى صفاء النسب وإلى تربية الصريح — إن جاز لي هذا التعبير. فقد كان العربُ في جاهليّتهم يعظّمون شرف الجنس من جهة الأمّ كذلك، ثم أسقطوا بعد ذلك كلَّ تحرّجٍ في هذا الباب، فسقط معه كلُّ قيدٍ على نزعة تعدّد الزوجات؛ فخرج من ذلك جيلٌ هجينٌ لا قوّة فيه ولا ماء، لا شجاعةَ له ولا إرادةَ لمواصلة دور الآباء العظيم: فاستحال تعدّدُ الزوجات إلى نظام محظيّاتٍ محض. فهدم كلَّ حياةٍ أسريّةٍ منتظمة، وكانت له فوق ذلك أوخمُ العواقب؛ ومنه نشأت بذرةُ الموت التي هلكت بها الدولُ الإسلامية كلُّها — لا الشعوب — وكان لا بدّ لها أن تهلك: مسارٌ تاريخيٌّ نراه رأيَ العين في بلاطات المشرق كلِّها في القرون الوسطى، ببغداد كما بقُرطبة.
فليتصوّر المرءُ نفسَه في حريمٍ مشرقيٍّ قديم، حيث يقوم إلى جانب بناتٍ لا يُحصَين ثلاثون وأربعون
119…أو حتى مئةُ ابنٍ من أمّهاتٍ شتّى، وقد ربّتهم أمّهاتُهم على التغاير والتنافس بينهم؛ فأيُّ لهيبٍ من الهوى والبغضاء تُذكيه نساءٌ طامحاتٌ غيارى في تلك النفوس الفتيّة! وكلّما كثر عددُ الأسرة قلّت عنايةُ الأب بكلّ واحدٍ من ثمرات صلبه. فينشؤون كلَّ النشأة تحت تأثير النساء المُفسد، مُثارين أبدًا، محرَّشًا بعضُهم على بعض؛ فكلٌّ يرى في أخيه منافسًا ثقيلًا سيّئ الطويّة لا حقَّ له فيما يطلب. فإذا اعتلى واحدٌ منهم في آخر الأمر العرشَ الشاغر، اجتمع سائرُهم عليه على خاطرٍ واحد: أن يُسقطوه ليملكوا هم. وقد كان فيما مضى، حين لا يُعَدّ وليَّ العهد الشرعيَّ إلّا من كانت أمُّه من قديم الشرف، قيدٌ من هذه الجهة، إذ يخرج سائرُ البنين من الحساب. فلمّا سقط هذا الحاجز ادّعى الجميعُ الحقَّ نفسه. ومن هذه الأحوال تنبع مقاتلُ الإخوة والانتفاضاتُ ومنازعاتُ العرش التي لا تُحصى في تاريخ الشرق، وما كان ليُصلحها ولو إصلاحًا جزئيًّا إلّا نظامٌ محدَّدٌ لولاية العهد، وهو نظامٌ لم يقم قطّ.
فإذا كانت هذه الآثارُ المُهلكة لتعدّد الزوجات قد امتدّت إلى السكّان جميعًا، فلا ريب مع ذلك أنّها كانت في الطبقات العليا أشدَّ محسوسيّةً منها في الطبقات الوسطى والدنيا. فقد غلب في هذه الطبقات دائمًا الميلُ إلى الاقتصار على امرأةٍ واحدة 1)، وذلك منذ انقضى الوضعُ الاستثنائيّ في العهد الأوّل، حين كان كلُّ مسلمٍ يعيش على وجهٍ ما على نفقة الدولة ولا تُثقله همومُ القوت؛
1) يقول كاتبٌ قديم: كان العربيّ الصريح (القديم)، أي ساكنُ البادية، لا تكون له إلّا حبيبةٌ واحدة، فلا يفارقها حتى الممات، وكذلك هي معه. أمّا بعد ذلك فقد رأى الناس أنّ الأحسن أن يتلذّذوا بكثرة التنقّل، حتى صار أظرفَ الناس وأرفعَهم من أحبّ عددًا كبيرًا من الفتيات. كتاب الموشّى Fol. 77.
120وهنا أيضًا كانت حياةٌ أسريّةٌ بالمعنى الذي نفهمه من هذه الكلمة. ولا تعوزنا الأوصافُ لدوائرَ أسريّةٍ هادئة، يَنعم فيها ربُّ البيت وزوجُه بأن يريا أولادهما يشبّون، وتكون الصلةُ بين الرجل وامرأته على وجهها الصحيح. وقد كان كثيرٌ من البيوت طيّبَ العشرة حقًّا، يتناول فيه الأبُ غداءه وحولَه أهلُه ولا تُستثنى منهم البنات، على خلاف ما عليه الأمرُ في الشرق الحديث؛ ولم تكن تندر كذلك زيجاتٌ تملك فيها المرأةُ زوجَها ملكًا تامًّا ولو كانت دميمة، وتحكم في البيت حكمَ المستبدّة التامّة الاستبداد 1). ولا تندر أيضًا أمثلةُ حبٍّ للأولاد رقيقٍ مؤثّر. فمن ذلك قولُ رجلٍ دعاه زعيمُ الخوارج إلى الخروج للقتال فلم يستجب له: بناتي هنّ اللاتي زدنَ في حبّي للحياة، فإنّهنّ ضعافٌ لا حيلة لهنّ، وأخشى إن متُّ أن يعرفن البؤس وأن يشربن الماء الكدر بعد الشراب الصافي 2).
كذلك لم يكن الحبُّ الصافي الأعلى، الذي يربط بين شخصين ربطًا مدى الحياة وتكون فيه العلاقةُ الجسديّة أمرًا ثانويًّا، من الندرة بحيث قد يُظنّ ممّا تقدّم. فالإنسانيُّ الصحيح لا يغرق أبدًا غرقًا تامًّا حتى في صراعه مع أسوأ الأحوال. وطبعُ المرأة العربيّة يُظهر تهيّجًا متّقدًا شديدَ الانفعال وعمقًا في الشعور يؤهّلانها لأنبل ضروب الإيثار وبذل النفس. فمن ذلك أنّ امرأةَ رجلٍ حُكم عليه بالموت شوّهت وجهها الجميل ليمضي وهو مطمئنٌّ إلى أنّها لن تتزوّج بعده 3).
1) قارن ابن خلّكان sub voce: أبو عثمان سعيد الحِيري، وزين العابدين.
2) الكامل للمبرّد p. 529.
3) Ibid p. 767. ولمّا خطب معاويةُ امرأةَ عثمانَ بعد مقتله نزعت ثنيّتَيها العلويّتين،
121ولهذا السبب نفسِه تظهر مبكّرًا ظاهرةٌ هي في سائر الأديان أيضًا من خصائص نفس المرأة، أعني الهيامَ المتوهّج والاستعدادَ الدينيّ. فكما كانت راهباتُ القرون الوسطى في أوروبّا يتعزّين في صوامعهنّ المعتمة عن الحياة الأرضيّة المفقودة بصورة العريس السماويّ، ويغرقن في الرؤى وهلوسات الروح، كذلك كان في الإسلام متعبّداتٌ هائمات، أخذهنّ حبٌّ صوفيٌّ لله، فزهدن في الدنيا وأحيين الليالي بالصلاة أو التأمّل التقيّ. وانصرف غيرُهنّ إلى الدرس والتحصيل، ولا سيّما في وجهته الدينيّة، حتى نلن لقبَ التشريف: «الأستاذة» (الشيخة). فمن ذلك امرأةٌ تُسمّى شُهدة، يكثر ذكرُها ونالت شهرةً عظيمة. حضرت دروسَ أشهر الأساتذة، وأخذت عنهم الإجازات بالتدريس المستقلّ، وكانت مجالسُ درسها عامرةً بالطلبة 1). وعندي في مجموعتي نسخةٌ خطّيّةٌ قديمةٌ جدًّا لكتابٍ عنوانه «مصارع العشّاق»، كُتب على ورقة عنوانه أنّ هذا الكتاب — على النحو الذي جاءت به هذه النسخة — دُوّن عن إملاء الأستاذة المشهورة «السيّدة شُهدة»، الملقَّبة بـ«فخر النساء». وقد سمعت الكتابَ من مؤلّفه، ثمّ نشرته بدروسها التي كانت تعقدها في دارها الواقعة بساحة مسجد القصر ببغداد. وماتت سنة 574هـ (1178—79م). وقد كانت لا تزال تُملي قبل موتها بعامٍ واحد، كما يظهر من كتابة العنوان على النسخة المذكورة المشتملة على
لتُبيّن أنّها لن تتزوّج أبدًا بعده. كتاب الموشّى Fol. 34.
1) ابن خلّكان sub voce شُهدة. ابن الأثير XI. 300. المقّري II. 757. 778.
122كرّاسات دروسها. ويُذكر بعدُ عددٌ آخر من هؤلاء النساء العالمات: زينبُ بنتُ الشعري (ت 615هـ، 1218—19م) بنيسابور؛ وابنةُ الشيخ تقيّ الدين الواسطي، الملقَّبةُ بـ«ستّ الفقهاء»، أي سيّدةِ الفقهاء (ت 725هـ، 1325م)، وكانت تُلقي دروسها في زاويتها بجبل قاسيون عند دمشق، حيث أقرأت كتابًا في أحكام الدولة (كتاب الخراج ليحيى بن آدم)؛ والنسخةُ الأصليّة التي اعتمدت عليها في ذلك موجودةٌ في مجموعة السيّد Ch. Schefer بباريس.
وليس لغير العرب مثلُ هؤلاء النساء العالمات، لا للفرس ولا للترك، فإنّ نساء هؤلاء لم يُجرّبن حظَّهنّ إلّا في الشعر على أكثر تقدير. وأمّا أنّهنّ باشرن حتى الوظائفَ القضائيّة فقد رأيناه من قبلُ (Bd. I. S. 420).
ومن اللافت أنّ عدد الشواعر كان في أقدم العهود عظيمًا جدًّا، ثمّ ظهر بعد قليل (نحوَ القرن الثاني أو الثالث للهجرة) تراجعٌ بيّنٌ لنشاط المرأة في هذه الوجهة. نعم، كان لا يزال في العهود المتأخّرة سيّداتٌ رفيعاتُ الثقافة، ولا سيّما جوارٍ رُبّين لهذا الغرض، يرتجلن الشعر، غير أنّ قدرةً شعريّةً أو أدبيّةً حقيقيّةً لا تظهر ظهورًا بيّنًا في موضع. ولم يُظهر الجنسُ اللطيف ولوعًا خاصًّا بالشعر والأدب إلّا في إسبانيا، حيث بلغت الحضارةُ العربيّة أوجَ ازدهارها. فيُذكر هناك عددٌ غيرُ قليل من الشواعر، وأشعارُهنّ في أناقتها وذكائها دليلٌ في الوقت نفسه على تلك النبرة الخفيفة الأبيقوريّة التي شاعت في بلاط قُرطبة كما شاعت في بلاطات ملوك الطوائف الصغار من بعد. وهذه الأشعارُ كلُّها موضوعُها خلجاتُ الحبّ، ووصفُ الشوق إلى المحبوب، ووصفُ الموعد وألمِ الفراق،
123أو هي في المديح. ولا شكّ أنّ المكان الأوّل بين هؤلاء «الظريفات» في إسبانيا لِولّادةَ الجميلةِ الشريفةِ المولد (ت 480هـ، 1087م)، وقد اشتهرت بنسبها الأميريّ من بيت الأمويّين اشتهارَها بجمالها وموهبتها الشعريّة. وكانت دارُها بقُرطبة، حيث ملك أبوها العرش زمنًا قصيرًا، مجتمعَ الظرفاء والأدباء والشعراء. وتنافس أعيانُ رجال المدينة في نيل حظوتها، فكانت تمنحها هذا مرّةً وذاك مرّة، وربّما سخرت منهم واتّخذتهم هُزْأة. ولم تكن مع ذلك تُخفي شيئًا من مغامراتها الغراميّة، وفي كثيرٍ من مواضع شعرها دليلٌ على أنّ الذي ساد في أوساط بلاط قُرطبة وفي أعلى مجتمعها كان نقيضَ التزمّت، وأنّ الظرف والذكاء كانا يتباريان مع فساد الأخلاق، حتى إنّ بلاط لويس الرابع عشر يُعَدّ بالقياس إليه مثالًا للصرامة الخلقيّة. ولم يفقها في التحرّر في القول إلّا صديقتُها الحميمة مُهجة، وهي من أحسن أهل قُرطبة وأخفِّهم 1). ولذلك كان كثيرٌ من مواضع شعرها ممّا لا يُترجَم. ومن الدالّ عليها وعلى زمانها أنّها لم تتزوّج قطّ، غير أنّها أحسنت أن تعوّض نفسها. وقد بعثت إلى أحد مُعجَبيها بهذه الأبيات دعوةً إلى موعد:
انتظرني إذا نشر الليلُ ظلالَه، فإنّي أعلم أنّه يحفظ سرّي كتومًا، آهِ! لو أحسّت الشمسُ لهيبي ما أشرقت، وما بزغ القمر، وما ارتفع النجم. 2)
وليس للشرق أن يقابل هذه المرأة الجامحة الذكيّة إلّا بعُلَيّة. كانت ابنةَ جاريةٍ ومن الخليفة المهديّ، فهي أختُ هارون الرشيد لأبيه. ورثت عن أمّها
1) المقّري II. 1144. 2) Ibid. II. 1098.
124موهبةَ الموسيقى، فبرزت مغنّيةً لا تُجارى كما برزت بموهبتها الشعريّة. كانت تُلحّن أشعارها وتُؤدّيها بنفسها، وظلّت ألحانُها زمنًا طويلًا موضعَ إقبالٍ عظيم. وقد بدّدت بذكائها وموهبتها ولطفِ حضورها سآمةَ قصر الخلافة، ويبدو أنّها كان لها فيه حينًا نفوذٌ غيرُ قليل حقًّا. ولم يكن يُعاب عليها إلّا شامةٌ في جبهتها، لكنّها أحسنت الحيلة، فكانت تلبس أبدًا عصابةً مرصّعةً بالجواهر، وقد حسنت عليها حتى شاعت بها، وسارعت سيّداتُ المجتمع الرفيع كلُّهنّ إلى لبس العصائب «على طريقة عُلَيّة». وبعد الذي نعرفه من حياة سيّدات ذلك العصر الكبيرات، لا يُدهشنا أن تُروى عنها هي أيضًا مغامراتٌ غراميّةٌ شتّى. فقد كان أحدُ غلمان الخليفة موضعَ هواها، وكان هوًى شديدًا حتى قيل إنّها لم تتهيَّب، لتزوره، أن تسلك طريقًا خطرًا على ميزاب مطر، وهو ما تُلمح إليه في شعرٍ لها تقول فيه:
ما كابدتُ من عذاب الهوى فيك يا طَلُّ، فحسبي! سلكتُ إليك طريقًا يمرّ بين الموت والحياة. 1)
على أنّ أخاها الرشيد، وكان قد وَلِي الأمر يومئذ، لم يلبث أن وقف على الخبر، فنهاها حتى عن النطق باسم طَلّ. غير أنّ هذا النهي لم يَدُم طويلًا، فقد كان لا بدّ للناس جميعًا، والخليفةُ منهم، أن ينحنوا لسحر هذه المرأة اللطيفةِ الذكيّة. ويبدو أنّها كانت متزوّجة، ولم يمنعها ذلك من أن تعبّ من الحياة عبًّا، ولم تكتم من ذلك شيئًا البتّة،
1) ماتت عُلَيّة سنة 210هـ (825—26م). الأغاني IX. 83—95. فوات الوفيات II. 124.
125إذ لا يُفهم إلّا على هذا الوجه ما يُروى عنها من قولها: من أصبح وفي بيته شواءٌ باردٌ فلم يأكله على الغداء فليأخذه الشيطان! أو قولها: من لم يطرب لنغمة الرَّمَل فهو جِذعٌ لا حِسَّ فيه!
وهذا الأمرُ الذي مسسناه من شأن عُلَيّة يقودنا إلى الكلام على واحدٍ من أغرب وجوه حياة الحريم في الشرق، أعني الصلاتِ بين القسم الرجاليّ والقسم النسائيّ من خدم البيت الشرقيّ القديم الكبير. فكما لاحظنا من قبلُ، وكما تبيّن على الخصوص في وصف الحياة في بلاط بغداد، كان بيتُ الواحد من عظماء ذلك الزمان وأقويائهم، فضلًا عن بيتٍ أميريّ، يضمّ مئاتٍ بل ألوفًا من الأعضاء رجالًا ونساءً 1)، فلا بدّ أن تنشأ بينهم مخالطاتٌ كثيرة مهما اشتدّ الحرسُ والرقابة. على أنّ هذه الحراسة كانت يومئذٍ أخفَّ صرامةً بكثيرٍ ممّا هي عليه اليوم في الشرق، فقد سادت في عصر ازدهار الحضارة العربيّة حرّيةٌ في الحركة أوسعُ ممّا كان في العهود المتأخّرة، حين استحال ضغطُ الحريم مع انحطاط الحضارة إلى حَجْرٍ تامّ. فإذا استطاعت عُلَيّةُ، وهي ابنةُ أمير، أن تُنشئ علاقةَ حبٍّ مع غلام، فأولى منها بكثيرٍ أن تنشأ صلاتٌ من هذا القبيل بين الرقيق الشبّان الكثيرين في بيتٍ أميريّ وبين الجواري. وقد وقع ذلك فعلًا. ويذكر كتّابٌ مختلفون آحادًا من هذه الوقائع. فمن ذلك خبرٌ للأديب المعروف الجاحظ يقول فيه: ركبتُ مع محمّد بن إبراهيم من
1) قيل إنّه كان في بيت المقتدر 11,000 خصيّ سوى الرقيق من الروم والإفرنج. ابن تغري بردي I. 248.
126سامرّاءَ إلى بغداد، وذلك في زورقه الخاصّ. فما كِدنا نُقلع حتى أمر فضُرب السِّتر على ظهر السفينة، وأمر جواريَه اللاتي معه على متنها أن يُغنّين بمصاحبة الموسيقى. فغنّت إحداهنّ وهي تُصاحب غناءها بالعود هذه الأبيات:
آهِ! إنّي لأستعطف الرحمة للعاشقين، الذين لا صديقَ لهم ولا معين، فإلى متى يهربون ويتجافون ويصبرون صامتين على ما يُعذّبهم!
فلمّا فرغت من غنائها سألتها جاريةٌ أخرى مازحةً: وماذا يصنع العاشقون في مثل هذه الحال؟ فشقّت المغنّيةُ السِّتر شقًّا وألقت بنفسها في النهر. وكان إلى جانب السيّد غلامٌ حَدَثٌ يُنافسها في الحسن، وكانت خدمتُه أن يذبّ عن سيّده الذباب بمِذَبّة. فلمّا رأى الجاريةَ تغيب في الماء تقدّم وألقى بنفسه هو أيضًا في التيّار، فجمعهما التيّارُ كليهما 1).
ولا تعوزنا أخبارٌ أخرى من هذا الضرب.
على أنّ الذي جعل علاقاتِ الحبّ هذه في الحريم مُهلكةً إلى هذا الحدّ هو أنّ السبل كانت كلُّها مفتوحةً أمام الرقيق لعقد مثل هذه الصلات، على حين حُرموا كلَّ أملٍ في نهايةٍ سعيدة. فكان الافتضاحُ يُثير في الغالب غضبَ ربّ البيت كلَّه على العاشقين المذنبين، ثمّ ينتهي حلمُ الحبّ بموت أحد الطرفين أو كليهما. وأمثالُ هذه المخارج
1) المسعودي VII. 224. ومن أدلّ ما يدلّ على روح العصر أنّ هذا الكاتب الأقدم، وهو الذي يروي هذه القصّة، يزيد عليها أنّ السيّد الكبير تأثّر بهذه الواقعة تأثّرًا شديدًا وتكدّر لها، على حين يروي كاتبٌ متأخّرٌ عنه بعدّة مئاتٍ من السنين القصّةَ نفسَها ولا يُذيّلها إلّا بأنّ السيّد الكبير صاح لمّا همّ الملّاحون بالوثوب لإنقاذهما: دعوهما يغرقان، لعنهما الله! مصارع العشّاق Fol. 31. فالمرءُ يرى كيف تُصاحب قسوةُ القلب انحطاطَ الحضارة.
127كتلك التي في الخبر التالي كانت من النادر البتّة: أُخبر الخليفةُ المهديّ مرّةً أنّ فتًى تسلّل إلى إحدى جواريه. فأرسل من فوره إلى حجرة الجارية المذكورة، فوُجد فيها بالفعل غلامٌ بديعُ الطلعة، فلمّا أُدخل على الخليفة قصّ عليه ما يلي: إنّ الجارية كانت من قبلُ لأمّه، فنشأ بينه وبينها حبّ؛ فلمّا بيعت بعد ذلك إلى حريم الخليفة خاطر بحياته ليراها، إذ لا حياةَ له بغيرها ولا راحةَ إلّا في الموت. فأمر الخليفةُ عندئذٍ بالسِّياط، وأمر بالفتى فأُضجع وضُرب عشرين سوطًا. غير أنّه احتمل العقوبة في تمام ضبط النفس، ولم يقل حين توقّفوا إلّا: لا أتخلّى عن حبّي ما حييت! فاستشاط المهديّ غضبًا ودعا بالسيّاف. ولم يؤثّر ذلك أيضًا في الفتى، فجلس بلا وَجَلٍ على النِّطع الذي تجري عليه الأحكام وانتظر الضربة القاتلة، غير أنّه التفت إلى الخليفة وسأله أن يأذن له بكلمةٍ أخرى. فلمّا أذن له أنشد بيتًا مؤدّاه أنّه لا يستطيع أن ينسى حبيبته، لا إن مزّقوه بالسِّياط، ولا إن هزّوا عليه السيف ليضربوه ضربةَ الموت.
فصمت المهديّ زمنًا، ثمّ ترقرقت الدموع في عينيه، وأمر بأن يُخرَجا من القصر كلاهما، الفتى والجارية، وأن يمضيا حيث شاءا لا يُعترَض لهما 1).
على أنّ مثل هذا التسامح كان استثناءً لا غير، فإنّ الغيرة إذا استيقظت مرّةً حوّلت العربيّ إلى
1) مصارع العشّاق Fol. 28 v.
128وحشٍ متعطّشٍ إلى الدم، وكانت حياةُ الجارية مهدورةً لا حرمةَ لها. ولئن كان الفقهاء قد قرّروا مبكّرًا في نظرهم العلميّ الحكمَ الإنسانيّ القائل إنّ حياة المملوك المسلم تعدل حياة الحرّ، فإنّ هذه الآراء قلّما أمكن أن تنفذ، ولم تنفذ قطّ داخل جدران الحريم، فقد ظلّ منقطعًا عن العالم الخارجيّ، ممتنعًا على عين الشرطة، لا يحكم فيه إلّا إرادةٌ واحدةٌ مستبدّةٌ غيرُ مسؤولة، هي إرادةُ السيّد وربّ البيت الذي يقضي بالحياة والموت. فيروي أصحابُ التراجم أنّ الشاعر الذي نال — على الأرجح لشذوذه — لقبَه العجيب «ديك الجنّ» (ت 235 أو 36هـ، 850—51م) قتل جاريته في نوبة غيرة، إذ ارتاب في أنّها على علاقةٍ آثمةٍ بأحد خدمه. لكنّه لمّا فرغ من فعلته الدمويّة أيقن أنّها كانت بريئة. فندم على تسرّعه، ومن أدلّ ما يدلّ على الرجل وعلى زمانه أنّه خلّد ندمه من ذلك الحين في أشعارٍ كثيرة، بلغت الناسَ بطبيعة الحال 1).
ولعلّ أمثال هذه الأفعال الدمويّة وقعت بغير حصرٍ في غرف الحريم الكتومة، ولقيت فيها أرواحٌ فتيّةٌ كثيرة نهايةً قبل أوانها، دون أن يعلم العالمُ بشيءٍ من ذلك أو يعبأ به.
على أنّ من أضرّ عواقب حياة الحريم في تلك العهود رذيلةً أسهمت أكثر من كلّ شيءٍ آخر في الانحطاط العميق للأخلاق، وفي ذبول الشرق العقليّ والخلقيّ، وفي انحلال
1) ابن خلّكان sub voce ديك الجنّ. وكان في وسع المُلّاك أن يقتلوا مماليكهم، وإن خالف في ذلك من حيث النظرُ فقهاءُ شتّى.
129روابط الأسرة. هي الحبُّ غيرُ الطبيعيّ، فإنّ هذه النبتة السامّة نشأت في تربة الحريم. فقد أُلزم مئاتٌ من الشبّان بالعيش معًا في بيوت العظماء والأغنياء، وكانت الصلةُ بالجنس الآخر للأحرار والموسرين من اليسر وقلّة الحدود بمقدار ما كانت للأرقّاء تكاد تكون ميئوسةً منها بغير إذن السيّد. وكانت الجناياتُ على العِفّة تُعاقَب عقابًا قاسيًا، على حين لم تكن النبرةُ الماجنة والخوضُ الوقح في أمور الجنس بلا حياء تمرّ بغير عقابٍ فحسب، بل صارت في الأوساط الحاكمة عادةً مستحسَنة. فنشأت على هذا النحو صلاتٌ غيرُ طبيعيّة بين الأرقّاء من الجنس الواحد، وأفلتت هذه من العقاب. أمّا المُترَفون الأغنياء، وقد ارتخوا وسئموا من لذّات الحريم، فأخذوا يطلبون ملهًى جديدًا، فلم يعد يُدفئهم إلّا أفحشُ ضروب الفجور. فاستشرت الرذيلةُ الجديدة، وهي في أصلها غريبةٌ عن روح الشعب العربيّ، استشراءَ السرطان، وسمّمت الأمّة في طبقاتها العليا لا أقلَّ ممّا سمّمتها في الدنيا. وقد أدرك ذلك المفكّرُ الكبير ابن خلدون 1)، وأصاب كلَّ الإصابة في الحكم على ما لمثل هذه الانحرافات من أثرٍ مُفكِّك. ويبدو أنّ هذه الرذيلة كانت في أوّل الأمر غريبةً إلى حدٍّ بعيدٍ عن الشعب العربيّ 2)، فإنّه وإن وقعت منها حالاتٌ فرادى فليس ثمّة أثرٌ لانتشارٍ واسع. ولم تستشرِ الرذائلُ المخالفة للطبيعة أكثر فأكثر إلّا بالصلات الأوثق بالفرس، ولا سيّما منذ أخذت العاداتُ الفارسيّة، صالحُها وفاسدُها، تنتشر مع مبتدأ دولة العبّاسيّين في الطبقات العليا من المجتمع العربيّ
1) ابن خلدون: المقدّمة II. 305.
2) يقول صاحبُ كتاب الموشّى في Fol. 102: لا أعلم شاعرًا من قدماء شعراء العرب فكّر في شعره في غير تمجيد النساء.
130انتشارًا متزايدًا، فقد كان للفرس والميديّين منذ العصور القديمة شهرةٌ مخزيةٌ في هذا الباب. وقد دار في أيام المأمون هذا الهجاءُ المنظوم على الدولة الحاكمة: أميرُنا يرتشي، وقاضينا يلوط، فيا لها من دولةٍ خزيان! — القاضي يحدّ في الزنا ولا يرى بأسًا على اللائطين. — وأحسبُ أنّ هذا الفساد لا ينقضي ما دام يحكمنا أميرٌ من بيت العبّاس. — 1)
فنفى الخليفةُ الشاعرَ الوقح إلى تخوم الهند، غير أنّه لا شكّ في أنّ الشاعر لم يكن مُبطلًا كلَّ الإبطال، فإنّ واحدًا من أبرز خاصّة المأمون (يحيى بن أكثم)، وقد وَلِي القضاء بالبصرة حينًا، كان مشهورًا بين الناس جميعًا برذائله المخالفة للطبيعة. وهو في الحقيقة القاضي الذي عُنيت به الأبياتُ المتقدّمة. وقد جرى في البصرة وراء شهوته المخزية جريًا ظاهرًا وقحًا حتى رفع أهلُ تلك المدينة فيه الشكاوى إلى البلاط. فلم تُجْدِ هذه الخطوةُ شيئًا، ولم يزل يرقى في الحظوة. ولمّا كلّفه الخليفةُ بعد ذلك أن يُنشئ فرقةً من السُّعاة يحملون رسائله، اختار لذلك أربعمئة غلامٍ كانت له بهم صلةُ مؤانسةٍ في غاية الوقاحة 2). ويحسن أن نُلحق بهذا أنّ يحيى كان عربيًّا وُلد بخراسان، واحدًا من أولئك العربِ الفُرْس الكثيرين الذين وصلوا إلى مقاليد الأمور مع المأمون فتحكّموا في العرب الأقحاح، وجلبوا معهم في الوقت نفسه كلَّ رذائل الفرس.
وقد كان الناس في صدر الإسلام أشدَّ صرامةً في هذا الباب. فقد أفتى مالك بن أنس بأنّ حدّ اللواط القتلُ رجمًا، ووافقه على ذلك الشافعيّ، على حين أخذ
1) المسعودي VII 46. 2) Ibid. l. l.
131أبو حنيفةَ، وهو أقدمُ منهما قليلًا، بلينٍ في غير موضعه، فجعل فيه عقوبةً تعزيريّةً بسيطة 1). والثابتُ أنّ هذه الرذيلة كانت في بلاط بغداد منذ أيام الرشيد فاشيةً تمامَ الفشوّ، وأنّ الأخلاق العامّة كانت قد هبطت هبوطًا بلغ ألّا يستحيي منها الناس ولا يعدّوها شرًّا. فشاعرُ البلاط يومئذٍ أبو نُواس، وديوانُه محفوظٌ إلى الآن، يتغنّى صراحةً بغرامياته المخالفة للطبيعة وبموضوعات ميله الإجراميّ. ويبدو أنّ الرشيد نفسه بقي بمنجاةٍ من هذا الهوى، غير أنّ بنيه أوغلوا فيه إيغالًا أشدّ 2). فقد كان لواحدٍ منهم غلامٌ فائقُ الجمال اسمُه Josr، فتعرّض له آخرُ من أبناء الخليفة، أي أخٌ للأوّل من أبيه، فغار الأوّلُ من ذلك غيرةً حملته على أن يحبس محبوبه الجميل في الحريم حبسًا محكمًا كما تُحبس المرأة، فلا يخرج إلّا تحت الحراسة 3).
وكان مثلُ هؤلاء الغلمان يمتازون بهيئتهم، ويتصنّعون مذاهبَ النساء، ويلبسون ثيابًا صفراءَ مزهَّرةً ملوّنة (المورَّدة) 4)؛ ولا يستطيع أن يتصوّر إلى أيّ درجةٍ لا بدّ أن ينحطّ شعبٌ لا تُثير فيه مثلُ هذه الأشياء اشمئزازًا بعدُ إلّا من رآهم في الشرق الحديث، حيث لا تزال منهم نماذج. وبهذا أختم هذا الموضوع، وفيه ممّا يمكن أن يُقال شيءٌ كثير 5).
وعلى كلّ حال فإنّها حقيقةٌ يجب التنبيهُ عليها على الخصوص: أنّه بمقدار ما
1) ابن خلدون: المقدّمة II. 305، حسب حاشيةٍ للمترجم العالِم.
2) الأغاني VI. 192.
3) Ibid. VI. 208.
4) Ibid. l. l. VI. 183.
5) وأمّا مبلغُ ما ارتفع إليه الفسادُ الخلقيّ في هذه الوجهة فأدلّتُه لا تُحصى. وقد كاد الصوفيّة على الخصوص يجعلون الحبّ اليونانيّ عقيدةً.
9*
132هبط الجنسُ اللطيف عن بساطته القديمة النبيلة وعن مكانته الكريمة، تزايد الفسادُ الخلقيّ أبدًا، ووقعت الأسرةُ والمجتمع في انحطاطٍ آخذٍ في التفاقم.
ولم يكن في وسع التعليم أيضًا أن يقيم سدًّا منيعًا في وجه هذا الانحراف في حياة الأسرة والمجتمع، لأنّه كان في غاية الأحاديّة. نعم، لقد صنع الإسلام في هذا الباب صنيعًا عظيمًا، وفاق بمراحل كلَّ دول الحضارة السابقة، من العصر الكلاسيكيّ القديم كما من صدر المسيحيّة، في السعي إلى نشر قدرٍ من المعارف النافعة بين طبقات الشعب كلِّها. فمن روح الإسلام الديمقراطيّة إلى أبعد حدٍّ في أوّل أمره نشأ السعيُ إلى تمكين الجميع، بلا تمييزٍ بين الطبقات، من قراءة الكتاب المقدَّس، القرآن. ولم يُستثنَ من ذلك النساءُ ولا الأرقّاء، إذ ينبغي أن يُفتح حتى لهؤلاء سبيلُ النجاة، وكان ألّا يُقصَّر في ذلك من أمور الذمّة عند كلّ مسلمٍ صالح.
ولمّا كان عليهم فوق ذلك أن يُدخلوا في الإسلام في البلاد المفتوحة خلقًا كثيرًا من أهل الأديان الأخرى، نشأت من ذلك حاجةٌ إلى أن يُتاح تعليمُ قراءة الكتاب المقدَّس لأولئك أيضًا. فكان أن نشأت في العهود الأولى كتاتيبُ كثيرة، لا في الشام والعراق فحسب، بل في سائر الأقاليم أيضًا. فالحجّاج، رجلُ الدولة الكبير، كان قبل أن يبدأ حياته السياسيّة معلِّمَ كُتّابٍ في الطائف، وهي بليدةٌ جبليّةٌ صغيرة في شمال جزيرة العرب. وأبو مسلم، القائدُ الكبير، وهو على طريقته فالنشتاينُ التاريخِ العربيّ، وقد شاركه كذلك في نهاية صاحب فريدلاند المأساويّة، تردّد على كُتّابه في خراسان، وكانت يومئذٍ أقصى أقاليم الدولة في الشمال الشرقيّ. وفي أواخر القرن الثاني للهجرة لا يوجد في تُسْتَر بإقليم فارس كُتّابٌ للصبيان فحسب،
133بل صار الدوامُ على حضوره إلزاميًّا على وجهٍ ما، إذ اضطرّ أهلُ صوفيٍّ اشتهر فيما بعد أن يعقدوا مع المعلّم اتّفاقًا خاصًّا ليُؤذَن للصبيّ أن ينصرف من الكُتّاب قبل سائر الأولاد. ونتعلّم من هذه الواقعة أيضًا أنّ الصبيّ كان يذهب إلى الكُتّاب وهو ابنُ ستّ سنين. وكان الكُتّاب مفتوحًا لغير الموسرين أيضًا إذا احتفظت الجماعةُ لنفسها بمعلّم، بل كان الأرقّاء يشاركون في التعليم، كما كانت البناتُ يحضرن الكُتّاب مع الصبيان؛ حتى الجواري كان أصحابُهنّ يرسلونهنّ إليه. وقد كان يقع في ذلك غيرَ نادرٍ أن تنشأ في الكُتّاب علاقاتُ حبّ 1). على أنّ في الوسع أن يُقال إنّ تعليم البنات أُهمل إهمالًا شديدًا، وأنّه مع إهدار كرامة الجنس اللطيف انتشر أبدًا الرأيُ القائل إنّ التعليم لهنّ شرّ. فقد قال المعرّي في أشعاره الفلسفيّة 2): «علّموهنّ الغزل والنسج والرَّدْن، ودعوا الكتابة والقراءة!»
وكان تعليمُ الصبيان الأوّليّ في غاية الفقر، وينحصر عادةً في الكتابة والقراءة. وكان المقصودُ قبل كلّ شيءٍ أن يعرف المرءُ من القرآن ما يستطيع به أن يؤدّي واجباته الدينيّة. فيحفظ بعضَ أهمّ سُوَر الكتاب المقدَّس، فإن وُفّق الأذكى منهم إلى تحصيله كلِّه أُقيم بختم القرآن حفلٌ أسريّ، يُحتفى فيه بنجاح الفتى بعشاءٍ مَرِح، وهي عادةٌ بقيت إلى اليوم. وكان يُقرن بهذا التعليم القائمِ على الحفظ في المقام الأوّل تمرينٌ في الكتابة، وهي مهارةٌ انتشرت منذ صدر
1) الأغاني XIV. 51.
2) اللزوميّات.
134الإسلام انتشارًا عامًّا واسعًا بفضل الكتاتيب.
غير أنّ هذا التعليم كلَّه كان صوريًّا محضًا، فلم يستطع لذلك أن يقف في وجه انحطاط الأخلاق. فأخلاقُ القرآن واهيةُ النسج مفرِطةٌ في المألوف البيتيّ، وينقصها كلَّ النقص ذلك النَّفَسُ المثاليّ الذي يُضفي على تعاليم الإنجيل الخلقيّة سحرًا شعريًّا رفيعًا.
أمّا المربّون الذين وُضعت تنشئةُ الناشئة في أيديهم فلم يعبأوا بتنمية الوجدان، بل قنعوا بالعمل الآليّ المحض: القراءةِ والكتابةِ وحفظِ القرآن. ولم يكن في الوسع أن يُطلب منهم أكثر من ذلك، فقد كانوا سيّئي الأجر بما فيه الكفاية، وكان معلّمُ الكُتّاب أبعدَ الناس عن التوقير. وكان لا يتقاضى في العادة راتبًا ثابتًا البتّة، بل تدفع له أُسَرُ تلاميذه مقدارًا معيّنًا من الخبز 1).
ويُروى عن عمر الأوّل أنّه قال في التربية إنّه ينبغي قبل كلّ شيءٍ أن يُعلَّم الصبيان السباحة والرمي بالقوس والفروسيّة، ثمّ أن يُحفَّظوا الشعر بالرواية؛ وأوصى في البنات أن يشتغلن بالمِغزل 2). غير أنّ هذا الخبر غيرُ صحيحٍ قطعًا، فإنّ أن يوصي عمر الأوّل بالسباحة في بلدٍ لا بحيرةَ فيه ولا نهرَ ذا شأن أمرٌ لا يُتصوَّر البتّة. وإنّما اختُلق هذا الخبر في البصرة أو الكوفة أو بغداد، حيث أقام علماءُ اللغة العرب مصانعهم لتزوير الشعر القديم تزويرًا منهجيًّا واختلاقِ الأخبار. وسنتكلّم فيما بعدُ على ما كان للشعر، ولا سيّما القديم منه، من أثرٍ في طبائع الأمّة.
1) الكامل 291. 2) Ibid. l. l. 150.
135على أنّهم كانت لهم بعدُ آراءٌ حسنةٌ حقًّا في تنشئة الناشئة: فيُروى أنّ الخليفة عبد الملك قال لمؤدّب بنيه: علّمهم القرآن، وامنعهم من مخالطة أهل أدنى الطبقات وأعلاها، وأطعمهم اللحم فإنّه يقوّيهم، وعلّمهم الشعر القديم، وانظر أن يحفظوا نظافة الفم والأسنان؛ فإذا عاقبتهم فليكن ذلك سرًّا، لا يعلم به أحدٌ من أهل الدار 1).
وسنبيّن فيما بعدُ كيف أثّر هذا النظام التربويّ في طبائع الأمّة، غير أنّه لم يكن ليكفي بحالٍ من الأحوال لمقاومة تلك الآثارِ المُهلكة لنظام الحريم الذي قوّض حياة الأسرة، ولِما زُلزل به من أخلاقٍ، مقاومةً تدوم على طول المدى 2).
1) ابن حَمْدون I. Fol. 216.
2) وأزيد على ما لاحظته في الصفحة 104 في الزواج بين أبناء العمومة أنّ ج. داروِن، ابنَ عالِم الطبيعة الكبير، عالج هذا الموضوع معالجةً مستفيضة في محاضرةٍ ألقاها في الجمعيّة الإحصائيّة بلندن في 16 آذار (مارس) 1875، وانتهى إلى أنّ العواقب السيّئة لمثل هذه الزيجات لا يمكن إثباتها.
1. حاشية ص 100 الأولى: يُثبتها النصّ المطبوع بعلامةٍ مشوّهة («=») في القراءة الضوئية، والمقصود «1)»، فأثبتُّها كذلك. والرقم «XVI. 1338» في الحاشية الثانية أثبتُّه كما جاء في المطبوع ولم أُصلحه، فالإحالات لا تُعدَّل. 2. «Vicekönig» في حاشية ص 96 هو الخديو (إسماعيل)، وكريمر يكتب عن مصر في زمنه هو، سنة 1875؛ فأبقيتُ صيغة الترقّب في كلامه على حالها. 3. «Medreseh» في ص 94: أبقيتُها «مدرسة» على إطلاق كريمر، فهو لا يُسمّي المدرسة المقصودة (وهي المستنصرية على الأرجح) ولم أُضِف ما لم يقله.
1. أبيات أبي العتاهية في ص 102 نقلتُها عن ترجمة كريمر الألمانية المنظومة، ولم أُعِد بناء البيت العربي ولم أنسب إلى الشاعر لفظًا بعينه؛ وكذلك بيتا هجاء زينب في ص 103 وأبيات حَميدة في ص 105 وبيت الشاعر في مقتل امرأة الثائر — كلُّها منقولة عن الألمانية. 2. حاشية ص 102: كريمر يعلّق على لفظٍ عربيّ (radn) لا يقطع بمعناه، فأبقيتُ تحفّظه وعلامةَ ترجّيه على حالهما، وأثبتُّ ألفاظه العربية المنقولة بالحروف اللاتينية بين قوسين لأنّها موضوع كلامه. 3. الحاشية الطويلة عن «كتاب الموشّى» (ص 108—109): أثبتُّ ألفاظ المؤلّف العربية كما نقلها كريمر بالحروف اللاتينية بين قوسين، فبعضُها لا يُقطع بضبطه؛ و«أنجاج» (Angäg) موضعٌ لم أتبيّنه فتركتُه على صورته عند كريمر، وعلامةُ الاستفهام بعد «الحُلَق المحشوّة» من كريمر نفسه، إذ يشكّ في أنّها الضفائر المستعارة. 4. «Omar I.» أثبتُّه «عمر الأوّل» على تمييز كريمر بينه وبين عمر بن عبد العزيز، ولم أستبدل به «عمر بن الخطّاب» حفاظًا على اصطلاحه. 5. حكم كريمر على علماء الدين وعلى أخلاق القرن الثالث حكمُه هو، نقلتُه كما هو دون تلطيف.
1) «ابن زامين» (Ibn Zämyn) نخّاسُ الكوفة، و«زُرَيق» و«سُحَيقة»: أسماءٌ لم تَرِد في مَعجم الأعلام المعتمَد لهذه الترجمة ولم أتبيّنها على وجه اليقين، فأُثبتت على صورتها عند كريمر ولم أُقحِم لها صيغةً عربيّةً مخترَعة. ومَظِنّتُها في الحاشية (الأغاني XIII. 128, 131).
2) لفظُ «café chantant» ولفظُ «respectability» من كريمر نفسِه، أوردهما بالفرنسية والإنجليزية على وجه التهكّم، فأُبقيا بحروفهما.
3) المصطلحاتُ المُعادة إلى أصلها: Statthalter = الوالي، Staatskasse = بيت المال، Militärgehalt = العطاء، Anweisung von Grundstücken = الإقطاع، Milchverwandtschaft = قرابة الرضاع، Adoption = التبنّي، Patron und Client = المُعتِق ومولاه (الولاء)، Freigelassene = المُعتَقة، Nebenweiber = السَّراري، Missheiraten = زواج غير الكفء.
4) الأعدادُ الكمّيّة أُثبتت بفاصلة الآلاف (100,000 و90,000 و80,000 درهم؛ 17,000 دينار؛ 1,000 و3,000 و33,000)، وأمّا سنةُ «200هـ (815—816م)» فبلا فاصلة، وأمّا أرقامُ الأجزاء والصفحات في الإحالات (ابن الأثير VI. 225، المعجم IV. 118) فبقيت على حالها ولم تُترجَم أرقامُ أجزائها اللاتينية. وإحالةُ كريمر إلى كتابه نفسه (Bd. I. S. 213) مُبقاةٌ بصورتها.
5) السطران «v. Kremer, Culturgeschichte des Orients, II. 8» و«8*» ليسا من المتن، بل هما من توقيع الملازم في أسفل الصفحة.
6) أحكامُ كريمر في هذا الفصل — «الجيل الهجين الذي لا قوّة فيه ولا ماء»، و«نظام المحظيّات»، و«بذرة الموت» التي هلكت بها الدول الإسلامية، ووصفُه لنساء القصور وللنقص في «رقّة الشعور» عند أهل المشرق — منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ هي رأيه هو، وهو مستشرقٌ نمساويٌّ من القرن التاسع عشر، ولم أُعقِّب عليها ولم أُصلِح منها شيئًا.
7) ينتهي هذا القسم في وسط الجملة عند حدّ الصفحة («ثلاثون وأربعون»)، وتمامُها في مطلع القسم التالي.
1. الأبيات كلُّها في هذه الصفحات — بيتُ الرجل في بناته، وأبياتُ ولّادة في الموعد، وأبياتُ عُلَيّة في طَلّ، وأبياتُ المغنّية في الزورق — منقولةٌ عن صياغة كريمر الألمانيّة، لا عن أصلٍ عربيّ؛ ولم أُعِد بناء بيتٍ عربيّ فأنسبه إلى قائله، إذ ذلك افتراء.
2. حاشيةُ الصفحة 120 رقم 3 مقطوعةٌ في الأصل بفاصل الصفحة، فيتمّ نصّها («لتُبيّن أنّها لن تتزوّج أبدًا بعده») في أسفل الصفحة 121؛ أبقيتُ هذا الترتيب على حاله حفاظًا على مطابقة الصفحات.
3. «Professorin (Shaichah)» و«Frau Shohda»: أعدتُ الاصطلاح إلى أصله «الشيخة»، وأبقيتُ لفظ كريمر «الأستاذة» إلى جانبه لأنّه هو الذي يفسّره بالعربيّة. وكذلك «Sitt alfokahä» = ستّ الفقهاء، وهو نفسه يترجمها «سيّدة الفقهاء».
4. «Makkary» أثبتُّه «المقّري» (نفح الطيب)، وهو مصدر كريمر في أخبار أندلسيّات؛ و«Fawät» = فوات الوفيات.
5. «Zainab, die Tochter des Shäry»: الاسم عند كريمر مشوَّشٌ بالقراءة الآليّة، والمرجَّح أنّها زينب بنت الشعري النيسابوريّة، فأثبتُّه على هذا الوجه مع التنبيه.
6. أحكام كريمر على «الشرق الحديث» وعلى انحطاط الحضارة وقسوة القلب منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ هي رأيه هو.
1. اسمُ الغلام «Josr» في الصفحة 131 لم أتبيّنه على وجه القطع، فأبقيتُه على صورته عند كريمر بحروفه اللاتينيّة ولم أفترض له صورةً عربيّة، إذ افتراضُ اسمٍ نسبةً إلى ابن خليفةٍ بعينه اختلاق.
2. أبياتُ الهجاء في المأمون وقُضاتِه (ص 130) منقولةٌ عن صياغة كريمر الألمانيّة، لا عن أصلٍ عربيّ؛ وكذلك بيتُ المعرّي في تعليم البنات (ص 133) — وقد ورد عند كريمر نفسِه في موضعٍ سابق بألفاظه المنقولة بالحروف اللاتينيّة (الغزل والنسج والرَّدْن) مع تحفّظه في معنى الأخير.
3. «Wallenstein» و«der Friedländer» (ص 132): كريمر يشبّه أبا مسلم الخراسانيّ بفالنشتاين قائدِ حرب الثلاثين عامًا، الملقَّبِ بصاحب فريدلاند، الذي قُتل غيلةً؛ أبقيتُ التشبيه على حاله لأنّه من كلامه ووجهِ نظره.
4. حكمُ كريمر على أخلاق القرآن («أوهى نسجًا … وينقصها النَّفَسُ المثاليّ الذي في الإنجيل»)، وحكمُه على علماء اللغة العرب بأنّهم أقاموا «مصانع تزويرٍ منهجيّ»، وحكمُه على الفرس، ووصفُه لِما سمّاه «الرذيلة المخالفة للطبيعة» — كلُّها منقولةٌ كما هي بلا تلطيف ولا تعقيب؛ هي آراؤه هو، مستشرقًا نمساويًّا من القرن التاسع عشر.
5. «Polizeistrafe» في مذهب أبي حنيفة أثبتُّها «عقوبةً تعزيريّة»، وهو الاصطلاح الفقهيّ الذي كان كريمر يترجم عنه.
6. السطر «v. Kremer, Culturgeschichte des Orients, II. 9» وعلامةُ الملزمة «9*» ليسا من المتن، بل من أسطر التوقيع في أسفل الصفحة، وقد أُبقيا كما هما.