القسم 4 من 12
II. مدينة السلام
47

لا تقوم بغداد على حافّة البادية كدمشق، بل في قلب أخصبِ البلاد المتحضّرة وأغزرِها عطاءً وأكثفِها سكّانًا؛ وفيها أقام العباسيّون بلاطهم الزاهي. وهنا كانت العقدةُ التي تلتقي عندها طرقُ التجارة الكبرى في غربيّ آسية جميعًا. ولهذا نشأت في هذه الناحية منذ العصور القديمة مدنٌ هائلة كبابل وسلوقية وطيسفون، ولم يكن لانحدارها من أثرٍ إلا أن قام في الموقع المميَّز نفسِه، وفي جوار تلك المدن القديمة الكبرى مباشرةً، مركزٌ جديد للحضارة ولتلاقي الأمم، وهو بغداد، مدينةُ السلام.

وتقع بغداد في سهلٍ فسيحٍ خصيب تشقّه قنواتٌ كثيرة بعضُها صالحٌ للملاحة، على دجلة التي يصبّ فيها ديالى على مسافةٍ أدنى قليلًا، ولا تبعد عن الفرات إلا نحو عشرين ساعة؛ فتوافرت لها كلُّ شروط أسعدِ نموّ، بل كان موقعها المتوسّط يفرض عليها السيادةَ على بلاد الفرات ودجلة كلِّها.

ولمّا سقطت دولةُ الأمويّين وقام مقامَها العباسيّون في الحكم، وكان أهلُ العراق يميلون إليهم ميلَ أهل الشام إلى أولئك، جاء نقلُ الحكّام الجدد مركزَ ثِقَلِ سلطانهم إلى هناك نتيجةً طبيعيةً تمامًا لهذه الأسباب.

48

وكان عليهم في البداية أن يستقرّوا مضطرّين في المدن الكبرى القائمة، فنزلوا الحيرة والأنبار والكوفة، حيث بنى أوّلُ العباسيّين لنفسه ولأهله دارَ إقامةٍ خاصّة هي الهاشميّة. لكنّ الدولة الجديدة فكّرت في أوّل فرصةٍ في أن تتحرّر من تقلّبات رضا العامّة، بنقل مقرّ الحكم إلى حِصنٍ قامعٍ لا يسكنه إلا البلاطُ وأشدُّ أنصاره ولاءً. وحقّق هذه الفكرة ثاني العباسيّين ببنائه بغداد (145هـ، 762م).

ويبدو أنهم حاكوا في تخطيط هذه المدينة وعمارتها نماذجَ آسيوية قديمة. ولعلّ المدن العملاقة القديمة، وقد كان أكثرُها يومئذٍ قائمًا بلا ريب — كبابل ونينوى وإكباتانا وطيسفون — قد اتُّخذت هنا مثالًا على الخصوص. ومن ثَمّ جاء بناءُ بغداد وتخطيطُها مخالفَين كلَّ المخالفة لما صنعه العربُ في مواضعَ أخرى من هذا الباب. فجعلوا للمدينة شكلًا مستديرًا، لا مربّعًا ولا متعدّدَ الأضلاع كما جرت العادة.1) وكانت المادّة التي استعملوها في بناء الأسوار هي المادّةَ المألوفة في البلد، وهي التي أقام منها البابليّون القدماء منشآتِهم الهائلة: اللَّبِن الكبير؛ أمّا لَبِنُ سور بغداد الخارجيّ فطولُه ذراعٌ وعرضُه مثلُه، وبين كلّ مِدماكَين طبقةٌ من القصب كما في المباني البابلية القديمة، واستُعمل القارُ رابطًا بدل الملاط. وكان سُمك أسوار المدينة عند الأساس تسعين ذراعًا2)، ثم تدقّ صاعدةً حتى لا يبقى عرضُها في الأعلى إلا خمسًا

1) أعتمد في وصف أقدم تخطيطٍ للمدينة على كتاب اليعقوبي: كتاب البلدان. 2) عند ياقوت 50، وكذلك عند ابن الأثير V. 427.

49

وعشرين ذراعًا (وعشرين عند ياقوت). وبلغ ارتفاعُها بالشُّرُفات ستّين ذراعًا. وأمام هذا السور، على بُعدِ نحو مئة ذراع، سورٌ خارجيّ محصَّن بأبراجٍ قويّة، وعليه كذلك شُرُفاتٌ مستديرة. وخلف هذا السور الخارجيّ سَدٌّ مبنيّ بالآجُرّ والجَصّ بناءً محكمًا، يليه الخندقُ الذي كان يُملأ ماءً بقناة. وكانت تدخل إلى المدينة أربعةُ أبواب؛ والمسافة بين كلّ بابين 5,000 ذراع (الذراع السوداء). ولكلّ بابٍ مصراعان ضخمان من حديد، من ثِقلهما لا يحرّكهما إلا عدّةُ رجالٍ مجتمعين. وكان الفارسُ يجتاز الدِّهليز ورمحُه منتصبٌ من غير عائق. وفوق كلٍّ من أبواب المدينة الأربعة قبّةٌ مذهَّبة، يُصعد إليها على أقبيةٍ متينة. وفي هذه الأقبية غُرَفُ الحراسة ومساكنُ الجند الموكَّلين بحفظ الأبواب. وأمام كلّ بابٍ يمتدّ إلى الخارج دِهليزٌ مسقوف طولُه ثمانون ذراعًا. فإذا جاوز المرءُ السورَ الخارجيّ خرج إلى ساحةٍ مفروشة بالحجارة، ومنها يبلغ دِهليزَ سور المدينة نفسِه؛ فإذا اجتازه وجد نفسه في ساحةٍ مكشوفة تحفّ بها أروقةٌ ذاتُ نوافذَ زجاجية من أعلى، تتّخذها غِلمانُ القصر ثُكنةً لها. ومن هذه الأروقة يبلغ ساحةً أخرى مكشوفة، فإذا اجتاز دِهليزًا آخر مبنيًّا بالآجُرّ والجَصّ وقف في الساحة الكبرى الداخلية، وفي وسطها يشمخ قصرُ الخليفة، وبابُه يسمّى «الباب الذهبيّ». وإلى جانبه مباشرةً الجامعُ الأعظم؛ وما عدا ذلك فالقصر خالٍ من كلّ جهة، إلا أنّ ثكنةَ حرس القصر تلاصقه من الغرب، وفي واجهته رواقان مفتوحان قائمان

50

على أعمدة، أحدُهما مقامُ صاحب الحرس بالنهار، والآخرُ مقامُ صاحب الشُّرطة. وحول الساحة مساكنُ أهل الخليفة وخدمِ بلاطه، ثم دواوينُ الجهات المختلفة: بيتُ المال، وخزانةُ السلاح، وديوانُ الرسائل، وديوانُ الخراج، وديوانُ الخاتم، وديوانُ الجند، وديوانُ الحوائج، وديوانُ الأحشام، والمطبخُ العامّ، وديوانُ النفقات. وخلف هذه الأبنية تملأ دورُ القوّاد والموالي وسائرِ السكّان كلَّ المساحة من بابٍ إلى باب. وقسّمت الدروبُ الكثيرة المدينةَ إلى محلّاتٍ متجاورة، لكلٍّ منها عريفٌ خاصّ، معه ما يلزم من نوّابٍ وخَدَم. وكان كلُّ حيٍّ من هذه الأحياء مغلقًا عند مدخله ومخرجه بأبوابٍ متينة، وليس لواحدٍ منها منفذٌ عبر الأسوار المحيطة بالساحة الكبرى حيث قصرُ الخلافة، فبقي القصر منقطعًا عن سائر المدينة انقطاعًا تامًّا. وقُسّمت الأرباضُ بحسب الأبواب الأربعة إلى أربع نواحٍ تحيط بالمدينة الداخلية من كلّ جهة؛ وفي كلّ رَبَضٍ سوقٌ فيها جميعُ حاجات العيش، وحمّاماتٌ ومساجدُ كثيرة. وقُدّر عرضُ الشوارع عند بناء المدينة بخمسين ذراعًا (سوداء) للطرق الرئيسة، وستّ عشرة ذراعًا للفرعية. وتتخلّل الأرباضَ مساحاتٌ واسعة من الأرض المزروعة وبساتينُ جميلة، تسقيها قنواتٌ كثيرة تأتي من الفرات تارةً ومن دجلة أو روافدِها تارةً أخرى. وأجملُ هذه المغارس، وكانت تغصّ بالكروم وأشجار الليمون خاصّةً، تقع على القناة المسمّاة الصَّراة، وهي تتشعّب من الفرات. وقد أمر ثاني العباسيّين مبكّرًا ببناء جسرٍ عليها بقوسٍ واحدة، فبقي

51

قرونًا كثيرة، وسُمّي فيما بعدُ «القنطرة العتيقة».

وكان الفصلُ الصارم بين الحِرَف جاريًا في أسواق بغداد يومئذٍ، كما هو الحال في الشرق كلِّه إلى اليوم؛ فلكلّ صنعةٍ سوقُها، كالصفّارين والسرّاجين والنخّاسين والصاغة وغيرهم. وفي الأرباض مساكنُ كثيرٍ من رجال البلاط وقوّاد الجند والكُتّاب، وكثيرًا ما كانت فخمةً تحفّ بها بساتينُ جميلة، فقد ظهر الولعُ الشديد بالبستنة مبكّرًا؛ ويُذكر بستانيٌّ حاذق من البصرة يقال إنّ له فضلًا كبيرًا على حدائق العاصمة. وأمّا بقيةُ السكّان فكتلةٌ مختلطة متقلّبة من الجند والدهاقين والتجّار وأصحابِ الحِرَف والأعراب؛ ولم تخلُ المدينة من غرباءَ من سائر أنحاء الدولة الواسعة، ولكلّ جِنسٍ منهم رئيسٌ يمثّل أمرَهم لدى الحكومة، ويقصده كلُّ غريبٍ يدخل المدينة عند الحاجة يستشيره ويستعينه.

وكانت جسورٌ عدّة من السفن تصل المدينةَ بالضفّة الشرقية. وإلى جانب القنوات الكثيرة، دبّروا للسقيا قناةً خاصّة تخرج من نهر كَرخايا، تحمل الماءَ في مجرًى مبنيّ على أقبيةٍ حجريةٍ ضخمةٍ متينة، فكان يجري صيفًا وشتاءً في أكثر الشوارع، ومنه تُغذّى الحمّاماتُ العامّة. وقناةٌ أخرى تجلب الماء من دجلة؛ غير أنّ أكبر موردٍ كان نهرَ عيسى، حفره عمٌّ للمنصور. يتشعّب من الفرات فوق قرية دِمِمّا، أسفلَ الأنبار، ويقطع السهلَ مائلًا إلى بُليدة المُحَوَّل، حيث ينقسم إلى فروعٍ كثيرة،

52

ثم يبلغ دجلة آخرَ الأمر.1) وعلى هذا المجرى، وكان صالحًا لسير السفن، جرى معظمُ المِيرة الواردة من الجزيرة والشام بل ومن مصر. وعند مصبّه في دجلة مرفأٌ عامر تحفّ به الحوانيتُ والأسواق.

وعلى ضفّة دجلة الغربية ينهض كذلك قصرُ الخُلد، يسود بجدرانه العالية الهائلة وشُرُفاتِه وقِبابه هذا الجزءَ من المدينة، وهو أوّلُ ما يبدو لمن قدم العاصمة في الماء من الأعالي.2) ومن خِضَمِّ بحر الدور المتشابك تشمخ في الهواء مآذنُ لا تُحصى، منها مئذنةٌ كُسيت كلُّها بالقاشاني الأخضر فسُمّيت الخضراء. وتميّزت أخرى بعلوّها الخارق؛ لكنّ أشدّ ما كان يجذب الأبصارَ ما يسمّى القبّةَ الخضراء لضخامة حجمها — وارتفاعها ثمانون ذراعًا.3)

وننتقل الآن إلى ذلك الجزء من المدينة الممتدّ على الضفّة الشرقية من دجلة، وهي تشقّ بغداد في وسطها. وأوّلُ ما دفع إلى عمارة الجانب الشرقيّ أنّ المهديّ وليَّ عهدِ المنصور بنى لنفسه هناك قصرًا في حياة أبيه. فقد كانت الأسرُ الحاكمة في ذلك العهد تحتاج إلى مساحاتٍ هائلة، إذ كان بيتُ السيّد الكبير يومئذٍ يُعدّ بالآلاف من المماليك والموالي والأتباع، فضلًا عن قطعانٍ كاملة من الخيل النفيسة والإبل، وحريمٍ كثيرِ العدد. ولهذا ضاقت بوليّ العهد سريعًا المدينةُ الغربية، فأخذ يبني على الضفّة الشرقية. فلمّا

1) Z. d. D. M. Ges. XVIII. 402. 2) كان هذا القصر خرابًا تامًّا في زمن ياقوت، حتى لم يعد بالإمكان تحديدُ موضعه الذي قام فيه على وجه اليقين. المعجم II. 459. 3) ابن تَغْري بَرْدي II. 292.

53

تمّ قصرُه شقّ من نهر النهروان قناةً سُمّيت باسمه (نهر المهديّ، ثم الرُّصافة فيما بعد1))، تسقي الجانب الشرقيّ من المدينة. أمّا الخليفةُ القائم فأقطع أقاربَه وقوّادَه وكُتّابَه أراضيَ في الجانب الشرقيّ أيضًا، كما فعل من قبلُ في الغربيّ. فنشأت سريعًا مدينةٌ جديدة كلَّ الجِدّة، سُمّيت في البداية عسكرَ المهديّ. ولمّا كان المهديُّ محبوبًا جدًّا وليًّا للعهد، سارع كلُّ ذي مالٍ ونفوذ إلى النزول قربه، فقامت هناك قصورٌ ومساجدُ وقيساريّاتٌ وحمّاماتٌ كثيرة. وهنا كانت قصورُ البرامكة وبساتينُهم، وهم الأسرةُ التي ذاع صيتُها فيما بعد. وجامعُ الرُّصافة، وهو على الأرجح من عهدٍ متأخّر، كان أجملَ وأكبرَ من جامع الجانب الغربيّ2)، وإلى جانبه مدافنُ الخلفاء العباسيّين المتأخّرين ومشاهدُهم الفخمة.3) غير أنّ بين هذه المباني الفخمة كلِّها كتلةً متشابكة كالمتاهة من مساكن الطبقات الدنيا الفقيرة. وكانت الأسواق حافلةً بكلّ البضائع، والقيساريّةُ الكبرى ملاصقةً لجسر دجلة. بل كانت هناك سوقٌ خاصّة (سوق حَصير) يجد فيها المرءُ أنفسَ الطُّرَف الصينية في أوسع اختيار. وسرعان ما قامت هنا قصورٌ أميرية تنافس قصورَ الجانب الغربيّ. فبنى جعفرُ بن يحيى البرمكيّ لنفسه قصرَ نزهةٍ فخمًا، كان يخلو فيه بأخصّ أصدقائه في مجالس الشراب. وصار بعد نكبة البرامكة إلى المأمون بن هارون الرشيد، فزيّنه ووسّعه وأنشأ إلى جانبه ميدانًا للصولجان، وأدخل إليه قناةً

1) Zeitschrift d. D. M. G. XVIII. 402. 2) ياقوت: Z. d. D. M. G. XVII. 402. المعجم: في مادّة: الرُّصافة. 3) وفي الجانب الغربيّ من المدينة كذلك بعضُ مدافن الأمراء.

54

وبنى عنده مساكنَ لكُتّابه وخَدَمه. فلمّا دخل بغداد بعد ذلك، إثر انتصاره على أخيه الأمين (204هـ، 819—820م)، نزل قصرَ الخُلد القديم حيث كان أبوه يقيم، ووهب القصرَ الشرقيّ لحَميه الحسن بن سهل، فسُمّي به «الحسنيّ». ثم سكنته بوران أرملةُ المأمون زمنًا، وصار بعد ذلك إلى الخلفاء، فاتّخذوه منذئذٍ دارَ مُلكهم وأضافوا إليه أبنيةً جديدة. ويستحقّ الذكرَ خاصّةً ذلك المُلحَق المشهور باسم «التاج»1)، وقد تمّ في خلافة المكتفي. ويبدو أنه كان رواقًا عاليًا قائمًا على أعمدةٍ من رخام، ينهض في وسط الواجهة المطلّة على دجلة من القصر. وقربه «قبّة الحمار»، بناءٌ ذو قبّةٍ عالية نصفِ كرويّة، سُمّي كذلك لأنّ المرء كان يستطيع أن يصعد إليه راكبًا حمارًا في ممرٍّ يرقى من خارجه. وأمام التاج يمتدّ رصيفٌ وحاجزٌ مبنيّان بالآجُرّ حتى يكادا يبلغان وسط النهر، بينما يمتدّ على الضفّة المقابلة الغربية من دجلة متنزَّهٌ كبير.2)

وخلف التاج مباشرةً ما يسمّى «دار السلطنة»، تعلوها قبّةٌ عالية. وكان كلُّ خليفةٍ جديد يظهر من إحدى نوافذها للناس المجتمعين في الصحن ويتلقّى بيعتَهم.3)

وزاحمت قصرَ الخليفة مبانيَ عظماءِ الدولة الفخمة؛ وفي مقدّمتها دارُ الطاهريّين، وكانوا منذ عهد المأمون يحكمون البلادَ الشرقية كلَّها تقريبًا ولاةً عامّين.

1) صار اسمُ التاج فيما بعدُ يُطلق على قصر الخليفة كلِّه. 2) انظر Zeitsch. d. D. M. G. XVIII. 404—406. المعجم II. 804. 3) المراصد، في مادّة: تاج.

55

وكانت في الجانب الغربيّ، وعُدّت في الوقت نفسه حَرَمًا يأمن فيه كلُّ مستجيرٍ من الطلب. وكانت وحدها في سَعة مدينةٍ صغيرة، وكانت بعضُ أجزائها ما تزال مسكونةً في القرن الثالث عشر حين وصفها ياقوت.1)

وسكن الجانبَ الشرقيّ بعد المهديّ، مدّةً تطول أو تقصر، الهادي، وهارون الرشيد — وقد كان يقيم كذلك في قصر الخُلد القديم — والمأمون والمعتصم.2)

وفي هذه المدينة العالمية الكبرى، حيث تزدحم ثروةُ آسية الغربية والوسطى كلِّها وترفُها، ساد إلى جانب أعظمِ الفخامة والإسراف أشدُّ البؤس كذلك، ولعلّ أحوالها يومئذٍ قاربت كثيرًا أحوالَ مدننا الكبرى الحديثة؛ حتى إنّ أديبًا قدم بغداد يلتمس الحظّ فلم يظفر، قال في قصيدةٍ حين ولّى العاصمةَ ظهرَه خائبًا محبَطًا:

بغدادُ دارٌ رائعةٌ للأغنياء، أمّا الفقراءُ فهي لهم موضعُ بؤسٍ وضيق. طُفتُ طويلًا في الشوارع حائرًا، ضائعًا كمصحفٍ في بيت زنديق.3)

وحُفظت أبياتٌ لأعرابيٍّ استوحش أشدَّ الوحشة في زحام العاصمة وحنّ إلى خلاء البادية، يقول في آخرها:

آهِ! ليت شعري: هل أرجع سالمًا، وقد صارت بغدادُ وقُراها ورائي بعيدًا؟4)

وفي المقابل كان أهلُ بغداد الطيّبون من عامّة الحواضر يزعمون في عهد أوائل العباسيّين أنّ خليفةً لا يموت في بغداد …

1) المعجم II. 256. 2) اليعقوبي 9—27. 3) ابن خِلِّكان، في مادّة: عبد الوهّاب المالكيّ. 4) الجواليقي 33.

56

… ووردت في قصيدةٍ هذه الأبياتُ في هذا المعنى:

هل رأيتَ في الأرض كلِّها مدينةً كبغداد، جنّةً أرضيّة! قضى الله ألّا يموت فيها خليفة، وما قضاه في خلقه فهو نافذ.

أمّا غريبٌ زار المدينة وكِيسُه هزيل، فيقول:

بارك الله في بغداد، هذه الجنّةِ الأرضية، وهي نعيمُ نفسٍ للناس، غير أنّها لا تُمتِع إلّا الأغنياء، وليس فيها للفقراء إلّا الغمّ.1)

وكان لا بدّ لابن الريف في غمرة المدينة العظمى وزحامها أن يشعر بالغربة التامّة والوحشة. فأحوالُ العيش وشروطُه كلُّها ههنا على غير ما هي في بلده: أثمانُ الأقوات كلِّها أغلى، وكثيرٌ من مرافق العيش في الريف يُفتقَد ههنا. وسريعًا يعي الغريبُ — وقد كان له في بلده شأن — أنّه لا شيء؛ فمن ذا ينظر إليه ههنا حيث يتبارى في الترف والنفوذ كبارُ أرباب الدولة، وأغنى تجّار العالم، وخاصّةُ البلاط. ولا ينبغي أن يُنسى كذلك أنّ ملوك الدولة الإسلامية العالمية كان تحت أيديهم في عصر ازدهار الخلافة الأعلى دخلٌ سنويٌّ يبلغ 300—400 مليون درهم، يُنفَق أعظمُ شطرٍ منه على المشتريات والمباني والهدايا والصِّلات والأرزاق في العاصمة نفسها. فقد كان بلاطُ بغداد يومئذٍ أبهى بلاطٍ وأشدَّه إسرافًا.2) وكان قصرُ الخليفة هائلَ الرقعة، لا يشتمل على بساتينَ كبيرةٍ مُحكَمةِ العناية فحسب،

1) الثعالبي: اللطائف 106.

2) جواهرُ التاج التي أمر المأمون بتقويمها كانت قيمتُها 20 مليون دينار. ابن حمدون I. 200. ويبدو الرقمُ مبالغًا فيه.

57

بل على باحاتٍ كثيرةٍ وأروقةٍ مكشوفةٍ وشُرُفاتٍ وقاعاتٍ وجواسق، زُيّنت كلُّها بأنفس ما يكون من البُسُط البديعة والدواوين، والسُّتور المنسوجة بالذهب، وأواني الذهب والفضّة الغنيّةِ المنضودةِ نضدًا حسنَ الذوق، أو الخزفِ الصينيّ. وكانت تُزهر في بساتين القصر أبدعُ نبات آسية، وتعمر مقاصيرَه الداخلية جواري وغلمانٌ في ثيابٍ فاخرة، ومعهم حاشيةُ البيت الملكيّ الملوّنة كلُّها، وقد تضاعفت حتى كادت لا تُحصى، إذ كان لكلّ زوجةٍ من زوجات الخليفة وسَراريه الكثيرات بيتُها الخاصّ وحاشيتُها الصغيرة. غير أنّ على رأس الحريم كلِّه كانت تقوم القهرمانة، وهي في العادة جاريةٌ مسنّةٌ أو مُعتَقة، تحظى بثقة الأمير التامّة، ويكون لها في الغالب نفوذٌ عظيم جدًّا.1)

فكان قصرُ الخلافة مدينةً صغيرةً قائمةً بنفسها، يسكنها ألوفٌ من الناس ليس لهم همٌّ ولا فكرٌ إلّا ما يأتيهم من شمس رضا الأمير وطَلِّ سخاء الآمر الأعلى. وفيه من خدَم البلاط طبقاتٌ كلُّها، من كبير الخصيان إلى أوضع سائسٍ أو غلامِ مطبخ.

وعلى هذا النحو بلغ مثلُ هذا البلاط المشرقيّ سَعةَ مدينةٍ قائمةٍ بنفسها. وقد نال قصرَ الخلفاء مرارًا أذًى من أحداث السياسة، غير أنّه بقي إلى النهاية على تمام رقعته. وكان يُسمّى الحريم، ودائرتُه نحوُ ساعة. وقد شغل — على ما يخبر ياقوت — ثلثَ المدينة الشرقية، وأحاط به سورٌ يبدأ من شاطئ دجلة ثم يرجع إلى النهر على هيئة الهلال. وكانت تُفضي إليه ستّةُ أبواب: 1. باب

1) تولّت هذا المنصب في عهد المنصور رُوميّةٌ اسمها هيلانة. المعجم II. 362.

58

الغَرَبة1) على دجلة. 2. باب سوق التمر. 3. باب البدريّة. 4. باب النُّوبيّ، حيث العتبةُ التي كان الرسل يُلزَمون بتقبيلها. 5. باب العامّة، حيث يدخل كلُّ أحدٍ ويخرج؛ ومن هنا يمتدّ السور قرابةَ ميلٍ بلا انقطاع إلّا بابًا صغيرًا للبستان، وأخيرًا 6. باب المراتب. وكان الحيّزُ الذي أحاط به هذا السور كلُّه حَرَمَ القصر، وفيه الأسواقُ ومساكنُ الناس بشوارعها وساحاتها، وهي وحدها مدينةٌ آهلة؛ غير أنّه ضُرب بين مساكن الناس هذه وبين دجلة سورٌ فاصلٌ آخر يحيط بأبنية القصر نفسها.2) وقد وصف بنيامينُ التُّطَيليّ، وقد زار بغداد نحوَ سنة 1170م، القصرَ فجعل دائرته ساعةً صغيرة، وذكر أنّه يقع في وسط مُتنزَّهٍ كبيرٍ تُرى فيه أجملُ الشجر والنبات، وتُقتنى فيه ضروبٌ كثيرة من الدوابّ والوحش. وفيه بِركةٌ كبيرة يأتيها الماءُ من دجلة مملوءةٌ سمكًا، وكان الخليفة يتلهّى بالصيد برًّا وبحرًا، ويُدعى إليه أهلُ البلاط للمشاركة.

وهكذا كان البلاطُ يهيمن على حياة المدينة كلِّها، وما بقيت المدينةُ من الانهيار حين انتقل البلاطُ حينًا إلى سامرّاء إلّا لموقع بغداد البالغ الحُسن في مركز شبكةٍ كبيرة من طرق البرّ والماء الطبيعية والمصنوعة. فقد نهضت هناك سريعًا مدينةٌ ملأى بالمباني الفاخرة. وأكثرُ من بنى فيها المتوكّل (847—861م)، فأقام بها قصرًا بعد قصرٍ وأنفق على ذلك مئاتِ الملايين. فقصرُ العروس وحده كلّفه ثلاثين

1) أي باب الصفصاف، سُمّي بذلك لصفصافةٍ كبيرةٍ كانت قائمةً أمامه. المعجم III. 783. 2) Ritter: Erdkunde X. 234. المعجم II. 255.

59

مليون درهم، وقصرُ المختار 5، وقصرُ الوحيد 2، ودارُ المُلك الجديدة الجعفريّ — حيث قُتل بعد ذلك — 10، وقصرُ الغريب 10، وأربعةُ قصورٍ أخرى 20 جميعًا، وقصرٌ في بستان الإيتاخيّة 10 ملايين، وإقامةُ تلٍّ مصطنَع 5 ملايين، والجَوسَقُ عند الميدان نصفَ مليون، والجامعُ الكبير 15 مليونًا؛ ومع عدّةِ مبانٍ أخرى من هذا الترف بلغت جملةُ ما أُنفق على ذلك 294 مليون درهم.1) ويُرى من هذا التعداد ما كان الخلفاء ينفقونه على البناء من مبالغَ هائلة، ويُفهم منه كذلك كيف كانت مدينةٌ جديدة تنبت من الأرض من فورها مع تحوّل دار المُلك. فحيث ينزل غيثٌ من الذهب كالذي نزل بسامرّاء، فلا عجب أن تُكسى البادية الخالية فجأةً بالمباني الفاخرة والبساتين.

على أنّ المشهد كان يتبدّل بمثل تلك السرعة حيث لا تجتمع أسبابٌ أخرى مواتيةٌ دائمة كما اجتمعت في بغداد.

وسيبقى وصفُنا ناقصًا إن لم نُضف ههنا أنّ بغداد كانت في الوقت نفسه مدينةَ مَرفأٍ عظيمة. فههنا كانت ترسو عند الأرصفة الممتدّة ساعاتٍ على الشاطئين أساطيلُ بأسرها: سفنُ البحر والنهر على اختلاف أحجامها، من الجُنك الصينيّ الذي كان يُجَرّ بمشقّةٍ من البصرة صعودًا إلى بغداد، إلى الكَلَك الحقير — وهو الطوفُ الآشوريّ القديم المبنيّ على قِرَبٍ منفوخة — وإلى تلك الزوارق المستديرة المضفورة من الخُوص المطليّةِ بالقار، وهي بلا ريبٍ في مثل ذلك القِدَم.2) وإلى جانبها تتمايل قواربُ الحرب الكثيرة المجهّزة لأغراض الدولة، وبينها تربض زوارقُ اللهو المتلألئةُ بالذهب

1) Z. d. D. M. G. XVII. 428. 2) قارن Streifzüge im Kaukasus, Persien und asiatischen Türkei von Thielmann. Leipzig 1875. S. 360.

60

الزاهيةُ الألوان للخلفاء وأكابر الدولة. وقد بلغ الترفُ في هذا الباب أيضًا أقصى حدود الممكن، ولا نظير له إلّا في نزوات أباطرة الرومان المجنونة. فقد كان للخليفة الأمين على دجلة خمسُ سفنِ نزهةٍ فاخرة لا أقلّ، يُروى فيها1) أنّها كانت على صور الأسد والفيل والعُقاب والفرس والحيّة، ولا شكّ أنّ ذلك يعني أنّ صورة تلك الحيوانات المذهَّبة أو المصوّرة كانت مركَّبةً في مقدّم السفينة.2) وقد بقيت لشاعر بلاطه قصيدةٌ يصف بها سفينةً سادسةً فاخرةً لهذا الأمير نفسِه، كانت تُسمّى الدُّلفين.3) بل كان الأغنياء وأصحابُ السلطان يقتنون هم أيضًا سفنَ نزهةٍ خاصّةً بهم على دجلة.4)

وكانت هذه الرسمةُ للمدينة العالمية القديمة على دجلة تخلو من الحياة لو لم نحاول كذلك أن نعرض على العين أهلَها في أحوالهم البالغة الخصوصية، بقدر ما يتيسّر ذلك على وجه اليقين من المصادر الموجودة. ولمّا كان البلاط في هذه المجتمعات المشرقية القديمة ذا أثرٍ حاسمٍ في الأحوال الاجتماعية أيضًا، فلا بدّ أن يشغلنا ههنا قبلَ كلّ شيءٍ سيرةُ أولئك الملوك المطلَقي السلطان وأمرُهم، وقد عاشوا في قصورهم المكسوّة بأشدّ ترف المشرق انطلاقًا من كلّ قيد، وهي تكتنف شاطئي دجلة، عيشةَ لذّةٍ لا يعرف التاريخ لها نظيرًا في مثل هذا القدر إلّا في بلاط قياصرة الرومان. غير أنّ السعادة لم تكن ههنا ولا هناك رفيقةَ اللذّة والسلطان المطلق.

1) ابن الأثير VI. 206. 2) كما يُرى إلى اليوم في الرسوم القديمة للسفن العربية. 3) أبو نُواس p. 70 من تحريري الألمانيّ. 4) الأغاني IX. 88.

61

إنّ حرّية الإرادة المطلَقة التي لا حدّ لها عند هؤلاء المستبدّين المشرقيّين المتربّعين ببغداد، والتمتّعَ بما تعطيه الأرض من خيرٍ ماديٍّ تمتّعًا مُفرِطًا لا يُلجَم، ولذّاتِ الحريم، والتعوّدَ على استهانة حياة الإنسان وتنفيذَ أحكام القتل كلَّ يوم، مع ما يصحب الإسرافَ في اللذّات من مَلَلٍ وبلادة — كلُّ ذلك ولّد شيئًا فشيئًا عند الأسرة الحاكمة، فيما لا يكاد يُشَكّ فيه، فرطَ تهيّجٍ عصبيّ، أخذ في التزايد لا في النقصان بحكم التوارث، ثم بلغ آخِرَ الأمر عند بعض الملوك حدَّ الشهوة النيرونية الوحشية إلى القتل، أو حدَّ أشدّ الشَّرَه جنونًا. فأوّلُ العباسيّين، وما استطاع أن يثبّت عرشه إلّا بالدم، نال لذلك لقبَه الدالّ: السفّاح، وقد استحقّه على التمام بتقتيله الأمويّين تقتيلًا في دم بارد. وأمّا أخوه وخليفتُه المنصور فقد أقام لقسوته نُصبًا بقتله أبا مسلم قتلًا لا رحمة فيه، دبّره من قبلُ بزمنٍ طويل، وكان مدينًا له بالعرش.

وقد عاش، فيما يبدو، في خوفٍ دائمٍ من الغدر، ولم يكن يأمن إلّا بين جنده وأتباعه. ولذلك بنى لنفسه بغداد معسكرًا محصَّنًا ذا سورين يسكنه وحده مع خاصّته، وأخرج من داخل الحصن الناسَ الذين اجتمعوا فيه شيئًا فشيئًا فلم يأذن لهم بالسكنى إلّا خارج الأسوار. ومن الدالّ على بنية المنصور أنّ أحد بنيه كان مصابًا بعلّةٍ عصبيّةٍ لا تُشفى، غيرَ ذي أهليّة.1) وقسوةُ عقوباته وحدها تكفي في الحكم على هذا الأمير: فقد كان يبني على ضحاياه أحيانًا وهم أحياء، وكان من يُشَكّ فيهم سياسةً تُقطَّع أيديهم وأرجلهم.2) ويحمّله المؤرّخون سلسلةً من الفَتَكات

1) الأغاني XII. 86. 2) ابن الأثير V. 468.

62

الدامية. ثم وليَ العرشَ بعده ابنُه المهديّ. وعنه هو أيضًا أمثلةٌ من قسوة النفس، وأماراتٌ على شدّة الانفعال بل مرضيّتِه. فقد تتبّع الزنادقة (المانويّين) بصرامةٍ دامية. ونمّ إليه بعضُ أهل بلاطه مرّةً أنّ ابن وزيره الأوّل مستخِفٌّ بالدين، فاستحضرهما وامتحن الابن في القرآن، فلمّا لم يُحسن شيئًا البتّة قال للأب: تقرَّبْ إلى الله بقتله! فلمّا عجز الأبُ عن ذلك أمر بتنفيذ حكم القتل على يد غيره بحضرة الأب.1) وكان مع ذلك مُسرفًا في الشراب. وأحبّ ابنته ياقوتة حبًّا مبرِّحًا حتى لم يستطع فراقها، فكانت تصحبه حتى في ركوبه في زيّ الرجال.2) وكان يقيم كلَّ ليلةٍ مجلسَ شرابٍ على رسمه. وسعى وزيرُه (يعقوب بن داود) في كفّه عن ذلك، فما إن يمضي الواعظُ الثقيل حتى يعود إلى الكأس، وقال في ذلك شعرًا: «دعه يذهب، يعقوبَ بنَ داود، وأقبِلْ على الخمر الحمراء المتلألئة الطيّبةِ الرائحة». وكانت تعتريه أحيانًا لحظاتُ رِقّةٍ عظيمةٍ يفرّق فيها العطايا الجزيلة.3)

على أنّ خصال الأسرة الموروثة لم تنفجر إلّا في ابنيه الهادي وهارون الرشيد، وقد وليا العرش واحدًا بعد الآخر. فقد حاول الهادي أن يسمّ أمّه، ويبدو أنّه كاد يكسب اسمَ نيرونٍ عربيٍّ بمذبحةٍ عامّة، غير أنّ أمّه سبقته. وفي ذلك خبرٌ لأحد أهل بلاطه، وهو وإن لم يجز عدُّه ثابتًا ثبوتًا يقينيًّا بحسب المصادر التاريخية المعروفة،

1) ابن الأثير VI. 36. الفخري 217. 2) ابن الأثير VI. 58. 3) قطب السرور I. Fol. 197—98.

63

فإنّ فيه من رجحان الاحتمال الداخليّ ومن الدلالة ما يحملني على إثباته ههنا. يقول هرثمةُ بن أعين: كنتُ من الهادي في مكانةٍ بالغةِ القرب، ومع ذلك كنت أبدًا على حذرٍ منه لِما عُرف عنه من الميل إلى سفك الدماء. فأرسل إليّ ذات يومٍ في وقت الظهيرة، على شدّة الحرّ وقبل أن أطعم، يستدعيني. فأسرعت إليه من فوري، فسِيق بي من قاعةٍ إلى قاعةٍ حتى صرت قريبًا من مقاصير النساء. فلقيته هناك، فأمر من فوره كلَّ من حضر بالانصراف، ثم أمرني أن أُغلق باب المقصورة. ثم أفضى إليّ بما في نفسه من الحنق على يحيى بن خالد، وأنّه يؤلّب الناس عليه ويسعى في كسبهم لأخيه هارون الرشيد؛ ثم انتهى آخِرَ الأمر — هكذا يروي هرثمة — إلى أن كلّفني أن آتيه من غير إبطاءٍ برأس أخيه هارون الرشيد. فاعترض هرثمةُ ببعض الاعتراض، فقال الخليفةُ في جفاء: إمّا أن ينفّذ ما أُمر به، وإمّا أن يذهب رأسُه هو. وكان عليه بعد قتل هارون أن يمضي إلى سجن الدولة فيُعمِل السيفَ في العلويّين المحبوسين فيه جميعًا، فإن كثروا أغرقهم جملةً؛ ثم يُسرع بكلّ ما يقدر عليه من الجند إلى الكوفة فيقتل من فيها من العباسيّين وأتباعِهم، ويَنهب المدينة، ثم يحرقها بكلّ ما فيها ويمحوها محوًا لا يبقي أثرًا.

وكان على هرثمةَ أن يبدأ في منتصف الليل، فلمّا قرُب الوقتُ المضروب دُعي إلى الحريم، فأخبرته الخيزُران أمُّ الخليفة أنّ الهادي قد فارق الحياة لتوّه.1)

1) Goeje: Fragmenta hist. arab. I. 286. 289. الفخري 228. ميرخواند: روضة الصفا. ويسكت ابن خلدون وابن الأثير عن هذه الحادثة، ولا يرويان إلّا ما وقع بين الهادي وأمّه من

64

فإن صحّت هذه الرواية أمكن أن يُرى منها إلى أيّ حدٍّ بلغت في تلك الأسرة نوباتُ الهوى الأعمى المجنونة. وأمّا أنّ هارون، وهو الذي يُثنى عليه بالعدل والتقوى، كان له في هذا الباب هذا الاستعدادُ نفسُه بعينه، فسيتاح لنا مرارًا أن نتبيّنه.

وقد وليَ هارون العرش إثر هذا الموت المفاجئ لأخيه؛ ولمّا جرت العادة أن يُوصَف عهدُه بأنّه عصرُ الخلافة الأزهر — وهو كذلك مع شيءٍ من التحفّظ — أردنا ههنا أن ندرج بعض الصور التي موضوعُها حياةُ هذا الأمير الخاصّة والبلاطُ في ذلك العهد، تعزيزًا لِما قدّمناه من رأينا في فرط التهيّج الوجدانيّ الموروث عند أوائل العباسيّين، ووصفًا للحياة في بلاط بغداد. وفي ذلك أخبارٌ لشهود عيان.

من ذلك أنّ مغنّي البلاط إبراهيم الموصليّ يصف لنا على هذا الوجه مشهدًا حضره: كنت في بيتي في ساعةٍ متأخّرةٍ من المساء، فجاءني خصيٌّ من خصيان القصر يدعوني إلى المثول بين يدي الرشيد على وجه السرعة. فركبت بغلتي عجِلًا؛ فلمّا بلغنا القصر انحرف الخصيُّ عن باب الدخول ومضى بي في طرقٍ لا أعرفها إلى قصرٍ حديث البناء؛ فدخلنا هناك باحةً واسعة، فقد كان الرشيد يحبّ مثل هذه الساحات الفسيحة. وكان جالسًا في وسط الباحة على كرسيّ، وليس عنده إلّا غلامٌ واحدٌ يملأ له الكأس بين الحين والحين. وكان في ثياب صيفه: قميصٌ خفيفٌ يشدّه على وسطه شالٌ من الديباج الرشيديّ، مطرَّزٌ بنقشٍ كبيرٍ ملوَّن، ملفوفٌ على الحَقوَين بحيث يتدلّى دون الركبتين. فلمّا

مرارة. ويقول ابن الأثير إنّه حاول أن يسمّها. أمّا المسعودي فيصف خُلُقه وصفًا حسنًا جدًّا.

65

… رآني ابتسم لي مرحّبًا ودعاني إلى مجالسته. ثم نادى الخدم، فوثب في اللحظة نفسها مئةُ غلامٍ كانوا قيامًا خلف سواري الأروقة المحيطة بالباحة؛ فأمر أن يُؤتى لي بوسادةٍ فوُضعت على الأرض قُبالته، ثم جيء بإشارةٍ منه بعودٍ وأمرني بالغناء. فما هممتُ بضرب الأوتار حتى أقبل مسرورٌ صاحبُ الشرطة، فوقف على بُعدٍ كما كانت عادته إذا كان عنده للأمير سرٌّ يُفضي به. فأومأ إليه أن يدنو، فأسرّ في أذنه كلماتٍ يسيرة. فاشتعل غضبه، واحمرّت عيناه، وانتفخت أوداجه، وصاح: إلى متى أصبر على العلويّين! والله لأقتلنّهم، ولأقتلنّ كلَّ من هو على رأيهم. —

فوقع المغنّي المسكين في أشدّ الفزع، إذ ظنّ أنّ غضب الخليفة سينزل به هو أوّلًا. فتناول عوده في رَوعِ الموت وأخذ يغنّي:

أُعْلي على الهمّ كلِّه والحَنَق ثلاثةَ أقداحٍ ملأى تَفور، ثم ثلاثةً أخرى، وأربعةً معها، فتلك عشرةٌ تمام. تُدار سِراعًا وتُفرَغ طَريّة، تسقيها أيدٍ حِسان لفتياتٍ عَطِراتٍ يَبهر حُسنُهنّ؛ فههنا تتمّ اللذّات، فلَعَمري ما للعيش قيمةٌ من غير حِسان النساء.

66

في ختام روايته: فلمّا بلغتُ بيتي كانت الـ100,000 درهمٍ قد سبقتني.1)

وكان هذا المُجيدُ في الجملة من أحظى الناس عند الخليفة، فما كان يتحرّج من زيارته في بيته ليقضي عنده المساء، وأكثرُ ما يكون ذلك على سماع المغنّيات. وكان الخليفة في مثل هذه الزيارات المسائية يركب حمارًا وحوله جماعةٌ من المماليك البيض وخدَم القصر يَعْدُون إلى جانبه، ولم يكن لصاحب الشرطة أن يتخلّف عنهم.2)

ويتّفق تمامَ الاتّفاق مع طبع هذا الأمير المفرِط التهيّجِ المريضِ الانفعال ما يرويه بعضُ خاصّته من أنّه كان إذا تأثّر انفجر باكيًا في نشيجٍ عالٍ عنيف، وأنّه لم يكن يعرف في الحزن حدًّا. وكان أتفهُ سببٍ يكفي لأن يُلقيه في هذه الحال. وكان يحبّ حبًّا شديدًا، إذا خرج في نزهةٍ على دجلة في زورقٍ (الزَّلّال)،3) أن يسمع أغاني الملّاحين؛ فلمّا ارتفع مرّةً في مثل هذه النزهة غناءٌ حزينٌ على ماء النهر الساكن انفجر بسيلٍ من الدمع؛ ويُلحق شاهدُ عيانٍ يروي ذلك أنّه تجاوز في الحزن كلَّ حدٍّ وفقد كلَّ ملكٍ لنفسه، تمامًا كما لم يكن يستطيع أن يضع لهياجه في الغضب حدًّا.4) وكان بلا حدٍّ ولا حساب في كلّ شيء، في البغض كما في الحبّ، فلم يعرف في الإسراف حدًّا كذلك. فلمّا ورد عليه مرّةً من الموصل مالٌ عظيم، قيل إنّه من بقايا الخراج، والأرجحُ أنّه انتُزع من الفلّاحين انتزاعًا، وهبه

1) الأغاني V. 33. 2) نفسه IX. 90. 91. 3) وهذا على الأرجح الاسمُ القديم للزوارق المستديرة المضفورة من الخُوص التي ذكرناها قبلُ من خصائص بغداد. 4) الأغاني II. 178.

67

من فوره لنساء حريمه.1) وبذّر في مناسبةٍ أخرى ستّةَ ملايين درهمٍ دفعةً واحدة. والقصّةُ من الدلالة بحيث يجب ذكرُها ههنا في إيجاز. أُهديت إلى الرشيد جاريةٌ فاتنة تفوق الجميع حُسنًا وعقلًا. فأقام الخليفة، وقد أُعجب بها إعجابًا شديدًا، مجلسًا ليقضي معها اليوم، وأحضر فيه مغنّيات قصره كلَّهنّ، حتى بلغ عددُ الجواري الحاضرات ما بين مغنّيةٍ وخادمة أكثرَ من ألفين، كلُّهنّ في أبهى ثوبٍ وزينة. فلمّا بلغ ذلك زوجَه زُبَيدة اغتاظت غيظًا شديدًا، وأسرعت تشكو إلى أخت الرشيد لأبيه الأميرةِ عُلَيّةَ جفاءَ زوجها الذي يُقيم لجاريةٍ جديدةٍ كلَّ هذه الضجّة. غير أنّ عُلَيّة اهتدت من فورها إلى الحيلة: نظمت أغنيةً جديدةً سريعًا ولحّنتها، ثم أمرت جواري زُبَيدة وجواري بيتها كلَّهنّ أن يحفظن اللحن على عجل؛ فلمّا كانت الساعةُ الأولى بعد الظهر خرجت عُلَيّةُ وزُبَيدةُ ومعهما ألفُ جاريةٍ في أبهى زينة، فأدّين للخليفة الأغنية الجديدة جوقًا. فطرِب لذلك طربًا شديدًا حتى أمر أن يُنثَر على الحاضرين كلُّ ما في بيت المال من مال، وكان ستّةَ ملايين درهم.2)

وولّى مرّةً أخرى، بسؤال مغنّيةٍ حسناء، مولاها إمرةَ الجند وجبايةَ خراج فارس سبعَ سنين.3) وكان الأميرُ الكريم على الجملة كثيرَ العشق، فلمّا كان تحت يده من أعيان مودّته عددٌ لا ينتهي،

1) الأغاني III. 159. 2) نفسه IX. 88. 3) نفسه XV. 80.

5*

68

وقع التبدّلُ فيهم على الدوام وقوعًا سريعًا جدًّا. وقد لقيت زُبَيدةُ الصالحة، وهي ابنةُ عمّه وزوجُه الشرعية، من زوجها الشاذّ عناءً شديدًا، ونفد صبرُها مرّتين أو ثلاثًا حتى رفعت شكواها إلى الأهل والأقارب، فسعوا في التسكين والإصلاح، وسمع أميرُ المؤمنين في ذلك كلامًا كثيرًا شديدَ الوقع.1) وكان يخرج من هذا الحرج في مثل هذه الأحوال بما استطاع. فقد تشبّب أشدَّ التشبيب بمغنّيةٍ فاتنةٍ لم تكن من حريمه بل كانت مُعتَقةً ليحيى بن بَرمَك، وأغدق عليها الهدايا الثمينة. من ذلك أنّه وهب لها مرّةً عِقدًا قيمتُه 30,000 دينار.2) ولمّا كان يظهر من الأخبار المحفوظة أنّ هذه الفنّانة كانت فوق ذلك امرأةً خفيفةً جدًّا، فيبدو أنّ زُبَيدة الصالحة كان لها كلُّ الحقّ في الشكوى. غير أنّ الخليفة أكّد لها، تسكينًا لها، أنّه إنّما أُعجب بالمغنّية من جهة الفنّ لا غير.3) فسكنت زُبَيدة عند ذلك، وأهدت إلى حريم زوجها المتقلّب — علامةً على المصالحة — عشرَ جوارٍ حِسانٍ رضيهنّ وأُعجب بهنّ. على أنّ ذلك لم يمنع أن يقول في السيّدة زُبَيدة أحيانًا قولًا شديد المرارة. من ذلك أنّه رُفع إليه مرّةً في تقرير الشرطة أنّ فلانًا يعقد في بيته مجالس يجتمع فيها الرجال والنساء، وأنّه سُئل في ذلك أمام القضاء فأقرّ به، واعتذر بأنّه لا يقصد إلّا الخير، أي التوسّط في الزواج، وأنّه أحضر شهودًا من جيرانه —

1) الأغاني XVI. 187. 2) وفي خبرٍ آخر أنّه كان في غِلَظ الذراع، وأنّه اشتراه بـ120,000 دينار. ابن حمدون I. Fol. 101 v. 3) الأغاني XVI. 187.

69

وفيهم وجوهٌ كثيرون وعُمّالٌ وقُوّاد — يشهدون له بذلك. فلمّا قرأ الرشيد تقرير الشرطة اشتدّ غضبه، وظنّ الجميع أنّه سيُنكّل بالرجل من فوره. ثم هدأ آخِرَ الأمر وقال: ماذا يُؤخَذ على رجلٍ يبذل بيته لأصحابه وللرجال الكرام ليقضوا حاجاتهم على وجهٍ شريف؟ إنّا لَنعلم علمًا حسنًا أنّ غيرَ واحدٍ من ذوي المروءة تكون تحته امرأةٌ شريفةٌ من قرابته، بنتُ عمٍّ أو غيرُها من ذوات رحمه، تُلجم شهواته الطبيعية وتتحكّم فيه. فإذا أراد المسكينُ أن يشتري جاريةً حسناء أو ينكح حرّة، لم يستطع ذلك إلّا بوساطة رجلٍ كهذا يجد في بيته ملجأً ومنزلًا. — ثم أمر آخِرَ الأمر أن يُتحرّى الخبر تحرّيًا دقيقًا: أكذلك هو أم لا؟ فإن كان كذلك دُفع إلى الرجل 1,000 دينارٍ عونًا له على ديوان خِطبته.1)

ولمّا كانت تحت الرشيد نفسِه ابنةُ عمّه، فأقربُ شيءٍ أن يكون تعريضُه بذوات الشرف اللواتي يُلجمن أزواجهنّ مقصودًا به زُبَيدةُ نفسُها.

وأمّا أنّه لم يكن في الحقيقة يعنى بأمر الحكم البتّة فلا يكاد يُشَكّ فيه بعد ما تقدّم؛ فقد فوّض إلى وزيره تفويضًا مطلقًا،2) فكان الوزيرُ يدبّر أمر الدولة كلَّها تحت نظر أمّ الخليفة، حتى كانت الخيزُرانُ في الحقيقة هي الحاكمة. ولم يكن يتدخّل إلّا إذا هاجت شهوتُه أو أخذته نوبةُ غضبه، فيكون تدخّلُه حينئذٍ عنيفًا سفّاكًا بالغَ القسوة دائمًا. وكان مع ذلك ينقض

1) ابن حمدون I. Fol. 112. v. 2) Goeje: Fragm. Hist. Arab. I. 291.

70

من غير تردُّدٍ حتى العهدَ المؤكَّد بالأيمان.1) على أنّه حجّ ثماني حِجَجٍ أو تسعًا، فكفى ذلك المؤرّخين المتأخّرين لأن يجعلوه مثالَ الأمير التقيّ، وهو في الحقيقة مستبدٌّ مشرقيّ، مريضُ الانفعال منذ صباه، ثم صار بإسرافه الذي لا حدّ له إلى ما يقارب الجنون.

وأمّا زوجُه زُبَيدة فتستحقّ الذكر بالثناء، امرأةً عاقلةً امتازت بأعمال البِرّ العامّ. فقد أجرت عينًا إلى مكة من مسافةٍ بعيدةٍ نفعًا للحُجّاج، ويقال إنّ هذا العمل كلّفها 1,700,000 دينار، أي نحوَ 17 مليون فرنك. وأنشأت في الحجاز وفي ثغور الشام الصهاريجَ والخانات والآبار، وأنفقت فوق ذلك الألوفَ في وجوه البِرّ.2) غير أنّها في الوقت نفسه شاركت زوجَها وابنَ عمّها في شدّة حبّها للترف: فلم تكن تستعمل إلّا آنيةَ الذهب والفضّة على مائدتها، وكانت شديدةَ الولوع بأرقّ الديباج الحريريّ تأمر بنسجه خاصّةً لها؛ وهي أوّلُ أميرةٍ اتّخذت حرسًا خاصًّا، وأرسلت الخصيان أو المماليك رُكبانًا في قضاء حوائجها؛ وهي أوّلُ من أدخل استعمال الهوادج من الفضّة والآبنوس بمساميرَ ومشابكَ من ذهبٍ وفضّة، وكذلك أغطيتها وسُتورها من الديباج والقاقُم والديباج الحريريّ بالألوان الفاقعة؛ ومنها كذلك جاءت عادةُ خِفاف النساء المرصَّعة بالجواهر، وشموعِ العنبر.3)

ويظهر من هذه الأوصاف أنّ الحياة في أرجاء قصر الخُلد الواسعة، حيث كان الرشيد

1) ابن الأثير VI. 85. 2) ما زال الناسُ في بيروت يسمّون إلى اليوم بقايا قناةٍ قديمةٍ قرب المدينة باسمها: قناطر زُبَيدة. 3) المسعودي VIII. 298.

71

ينزل ببلاطه، كانت بالغةَ الحركة. فقد كان أمنُ من يسكن دار الخلافة جميعًا وحياتُهم متعلّقَين بإبقاء الآمر الأعلى على حُسن حاله دائمًا. فكان كلُّ يومٍ يأتي بولائمَ صاخبةٍ جديدة، ومجالسِ شرابٍ جديدة، ووجوهِ لهوٍ جديدة، ولا يجوز أن يغيب عنها الغناءُ والموسيقى. ولذلك بلغ فنُّ الطرب في بغداد يومئذٍ غايةَ كماله. غير أنّه لم يكن من صنع العرب بحال، فإنّ أوّلَ من علّم العرب فيه هم الفرس. حتى إنّ ذلك الموسيقيَّ الذي يُثنى عليه أعظمَ الثناء وكان له في البلاط أرفعُ منزلة، إبراهيمَ المشهور (من الموصل، ولذلك سُمّي الموصليّ)، إنّما دان بكلّ شيءٍ لأساتذةٍ من الفرس. فقد تعلّم الغناء والموسيقى بالرَّيّ، مدينةِ ملوك الفرس القديمة قرب طهران اليوم، وتزوّج فارسيّة، ثم أخذ بالأُبُلّة عن فارسيٍّ آخر، ثم قدم آخِرَ الأمر على بلاط المهديّ المتشدّد، وكان يستمع إليه راضيًا غير أنّه نهاه صراحةً عن الدنوّ من بنيه. لكنّ ذلك لم يُجدِ، فما إن مات حتى استدعى ابنُه وخليفتُه الهادي إبراهيمَ وعيّنه مغنّيًا للبلاط برزقٍ شهريٍّ قدرُه 10,000 درهم. وكان الفنّانُ الماهر يكسب فوق ذلك مالًا كثيرًا بتعليم الغلمان والجواري الغناءَ والموسيقى ثم بيعِهم بأثمانٍ غالية. وقد نال حظوةً أعظمَ من ذلك عند الخليفة هارون الرشيد، فما كان يأنف من زيارته في مسكنه.

ويُرى من الأخبار المحفوظة في هذا الباب أنّهم كانوا يومئذٍ يؤدّون الغناء جوقًا، وأنّ المصاحبة الموسيقية كانت متعدّدة: ففي إحدى هذه الزيارات يسأل إبراهيمُ الأميرَ: أتغنّي الجواري جوقًا أم فُرادى؟ فلمّا اختار الثانية غنّت واحدة، على حين

72

صاحبتها اثنتان على العود. وفي مناسبةٍ أخرى، لمّا حضر عند إبراهيمَ ابنُ جامع — وهو مُجيدٌ مشهورٌ جدًّا كذلك — أمر إبراهيمُ بإحضار ثلاثين من جواريه، فأدّين كلُّهنّ معًا لحنًا على العود. ويُضاف أنّ ابن جامعٍ لاحظ أنّ وترًا واحدًا ليس على استواء، فقال إبراهيم من فوره: هو وترُ الجارية الفلانية، وهو الوترُ الثاني من العود. فمن بين مئةٍ وعشرين وترًا — إذ لكلّ عودٍ أربعة — عرف الأوّلُ الوترَ المختلّ، وعرف الثاني من فوره موضعَه.1)

ويُروى عن إبراهيمَ كذلك، كما يُروى عن باغانيني، خبرٌ عجيبٌ مع الشيطان: فقد كان في بيته وحده ذات يومٍ إذ وقف أمامه فجأةً شيخٌ عليه سيماءُ الوقار، فغنّى معه وشرب، وحفظ عنه لحنًا عجيبًا، ثم عرّفه بنفسه آخِرَ الأمر أنّه الشيطان.

ويروي لنا ابنُ جامعٍ نفسُه، وهو لا يقصر عنه شهرةً، كيف تعلّم وهو مُعدِمٌ في شارعٍ بمكة أغنيةً من جارية، ثم سافر إلى بغداد، فوصل — وهو خِلوٌ من كلّ شيء — إلى قصر الخليفة مصادفةً، فجلس في قاعةٍ كبيرةٍ قد سُدّ صدرُها بستارةٍ إلى جانب إبراهيم، وهو يؤدّي للخليفة من وراء الستارة بعض الأغاني. ولم يكن المغنّيان يعرف أحدُهما الآخر بعدُ، فلمّا أخطأ إبراهيمُ نغمةً ناداه ابنُ جامع: شُدّ الوترَ الفلانيّ، وارفع الأنف قليلًا، وأرخِ الدَّسْتان! ثم لزمه أن يغنّي هو، فأدّى أحسنَ ما عنده، فقيل له: ليست هذه من صنعتك بل من صنعة ابن جامع. فقال مبتسمًا: أنا هو. ثم طلب

1) الأغاني V. 1—41.

73

الخليفة أن يسمع شيئًا جديدًا كلَّ الجِدّة؛ فخطر له لحنُ الجارية المكّيّة فأدّاه، فطرِب له الخليفةُ حتى أمر بإعادته ثلاثًا، ووهبه عليه 30,000 دينار.1)

وكان إسحاقُ بنُ إبراهيم الموصليّ هو أيضًا في أعلى الحظوة بالبلاط، وحمل مجدَ أبيه في الفنّ حملًا يستحقّه. وكان الخليفة الواثق، وهو ينظم الأغاني ويلحّنها بنفسه، يأمره بإصلاح ألحانه.2) بل كان الأميرُ يدرّب مغنّياته بنفسه على أداء ألحانه هو.3) وقد كان الولعُ بالتألّق في فنّ الطرب خصلةً في غير واحدٍ من العباسيّين: فقد امتاز ابنٌ للخليفة المهديّ بالغناء، وكان ابنُ المعتزّ — وهو ابنُ الخليفة المعتزّ، والمشهورُ بحقٍّ شاعرًا — ملحّنًا بارزًا في الوقت نفسه.4)

وأمّا الآلاتُ التي كانوا يستعملونها في ذلك فالعودُ بأربعة أوتارٍ ثم بخمسة — وهو إصلاحٌ من الموسيقيّ المشهور زِرياب5) — والدفُّ، والطُّنبور، والزَّمّارة، ثم الربابُ الصغير كذلك. وكانوا يضربون الإيقاع بالقضيب. ويبدو من الأخبار الباقية أنّ تقنية العزف بلغت هي أيضًا كمالًا عاليًا.

وكان الناسُ يومئذٍ، كما هو الحال اليوم، يتحمّسون للفنّانات الحِسان؛ وقد انقسمت سامرّاءُ مرّةً حزبين: أحدُهما يهيم بعَريبَ الساحرة، والآخرُ بشاريةَ الفاتنة.6)

وقد بقي من تلك الأزمان أثرٌ عجيبٌ من آثار الولع بفنّ الطرب، وهو

1) الأغاني VI. 77. 81. 2) نفسه V. 17. 95. 3) نفسه XIX. 11. 4) نفسه VIII. 149. 186. IX. 35. 95. 140 وما بعدها. 5) المقّري II. 751. 6) الأغاني XIII. 80. XIV. 118.

74

… مجموعةُ الأصوات المئة المفضَّلة التي جُمعت بأمر هارون الرشيد، ثم أُضيف إليها بعدُ غيرُها. وممّا يؤسَف له أنّ الكلمات وإن بقيت محفوظة، فإنّ الألحان التي كانت تُحييها قد خفتت إلى الأبد، إذ لم يعرفوا كيف يقيّدونها بالكتابة الموسيقية.

وفيما تقدّم كفايةٌ لبيان ما بلغه يومئذٍ الذوقُ في التلذّذ بفنّ الطرب من رقيّ، لا في البلاط وحده، بل في طبقات الناس كلِّها، فمنها خرج أكثرُ المغنّين والموسيقيّين. وعلى كلّ حالٍ كانت منزلةُ الموسيقى والغناء في البلاط أرفعَ بكثيرٍ منها في حياة الناس.

ويبدو أنّ سباق الخيل كان بعد مجالس الطرب أحبَّ الأشياء إليهم،1) وكان يُقام في ميدانٍ خاصّ.2) وممّا يُستفاد من أخبارٍ كثيرةٍ متفرّقة مبلغُ عنايتهم بذلك، وكيف صار هذا اللعبُ الفروسيّ أعيادًا شعبيّةً حقًّا؛ وأدلُّ ما يشهد لذلك قصيدةٌ في السباق أُوردها ههنا مختصرة: «حضرنا السباقَ في صبيحة اليوم الموعود مع الجمع الذي حشده يوم العيد؛ نسوق إليه خيلنا كما يسوق سائرُ الناس خيلهم، غير أنّا أعلمُ منهم بترويضها! جئنا بخيلٍ ضُمَّرٍ كالسهام، تتقدّمها نجومُ السعد. — عليها سُوّاسٌ سودٌ صغارُ الأجسام، يرفعون نسبهم إلى حام، أبي السودان؛ يكادون على جيادهم يشبهون الزَّرازيرَ السودَ ترفرف حول أطراف السطوح. وصُفَّت الخيلُ صفوفًا أمام الحبل الممدود، وتولّى الإشرافَ رجلٌ من أهل السنّة موفورُ الثقة، يرضونه حَكَمًا عن طيب نفس، فيقضي بينهم بالحقّ.

1) المسعودي VI. 348. 2) العِقد I. Fol. 31 v.

75

— فانظر! ها هي الخيلُ قد انطلقت مندفعةً بإشارةٍ منّا كالمطر المنهمر في العاصفة. تتابعت مثنى مثنى أو متفرّقة، كما يتفرّق الدرُّ من العِقد المنقطع، أو كسِربٍ من القَطا1) أفزعه باشِقٌ يُلقي ظلَّه من بين الغيوم. فنحن الآن فرِحون بالنصر الذي يُكسبنا الشهرة ويبلغ بنا العزَّ والغُنم. فقد جُمعت عند أعلام النهاية نفائسُ تُوزَّع الآن أحمالُها: أرديةٌ من الديباج المذهَّب ملوَّنة، وأثوابٌ من الأطلس والمخمل، تُبسَط على ظهور الخيل حتى يُخيَّل أنّ أجسادها قد أُفرغ عليها الدم. ومن المال كذلك كِيسٌ يكاد الجوادُ السابق لا يُطيق حمله. فتُفَضّ خواتمُه سريعًا لأخذ ما فيه، فإنّا لا نختم أكياسنا قطّ، ونقسم المال بين السُّوّاس؛ ونحن أعلمُ منهم بالقيام على خيلنا، حتى في سنيّ الجدب، فلا يصيبها ضُرّ. — وهي حول الخيمة قائمة، مقيَّدةَ القوائم أو مرسَلةً تجري، تُسمِع صهيلها.»2)

وعلى الجملة كانوا يحبّون منذ ذلك العهد الرياضةَ النبيلة بشتّى ضروبها: الصيدَ في البرّ والماء، وقنصَ الطير. وكان الرشيد شديدَ الولوع بمصارعة الكلاب والدِّيَكة، حتى إنّه أذن في ذلك إذنًا خاصًّا لأحد المتعهّدين.3) وقد ظلّ ذلك محبوبًا في العهود المتأخّرة كذلك؛ وأُضيفت في عهد الخليفة المكتفي مصارعةُ الكِباش.4) وأمّا لعبةُ الكرة الفارسية على الخيل، وفيها يُقذف الصولجانُ الشبيهُ بالهِراوة ويُتلقَّف على الميدان المُعَدّ لذلك في تمام الجري،

1) القَطا: ضربٌ من طير البادية يمتاز بطول النفَس وسرعة الطيران. 2) المسعودي VIII. 867. 3) الأغاني VI. 75. 4) المسعودي VIII. 230.

76

أو تُضرب الكرةُ بالصولجان، فيقال إنّ الرشيد أوّلُ من أدخلها، وكذلك الرميُ إلى الهدف بالقوس والسهم، ثم لعبُ الكرة، وكذلك الكريكيت. ثم أُضيف بعد ذلك بقليلٍ الرميُ إلى الهدف بالقوس ذات الزَّنَد، وكانوا يرمون بها بنادقَ من رصاص.1) وأمّا الشطرنج، وقد كان معروفًا في بلاط الأمويّين، فقد وجد له ببغداد محبّين كثيرين، وكذلك النرد. وقد أجرى الرشيد أرزاقًا خاصّةً على اللاعبين الذين كان يستبقيهم في بلاطه، ويعرض مؤرّخٌ عربيٌّ مشهدًا يلعب فيه الرشيد الشطرنج على إحدى سفنه في نزهةٍ على دجلة.2) وبقي ذلك بعدُ شائعًا جدًّا في البلاط، حتى إنّ خليفةً من المتأخّرين كان يتسلّى بأن يُقيم بين يديه مباريات الشطرنج بين مشاهير اللاعبين.3) وكان في البلاط كذلك — لقطع الوقت — مُضحِكون ومُهَرِّجون وسُخَراء، وأصحابُ عرضٍ لمصارعة الديكة والكِباش، بل مخنّثون، كلُّهم مُثبَتون برزقٍ مقرَّر. ولم يُبطل الأرزاق المُجراة على هذه السَّفِلة إلّا المنتصر.4) على أنّ من أهل البلاط طبقةً كثيرةَ العدد كانت تُسمّى النُّدَماء، ووظيفتُهم أن يقطعوا عن الخليفة الوقت، ولهم على ذلك أرزاق.5)

وعن طريق البلاط انتشر حبُّ اللعب في الناس، فكانت ببغداد دورٌ للّعب على الحقيقة يُلعب فيها المَيسِر؛ وفي عهد المعتضد، حين أُحصيت المواضعُ المريبة في

1) المسعودي VIII. 296. على أنّ ذكر هذه القوس ورد قبل ذلك. قارن Goeje: Fragm. I. 104، وكذلك الموطّأ II. 355. 2) نفسه VI. 351. 3) نفسه VIII. 812. 4) قطب السرور II. Fol. 311. 5) الفهرست 61.

77

العاصمة، ذُكرت — إلى جانب الحانات وبيوت الطعام — دورُ القِمار على الخصوص.1)

وكانت وجوهُ المعاشرة، على ما فيها من آداب المشرق الصارمة في المجاملة، لا تزال مطلَقةً من التكلّف، على رغم ما كان يُغدَق على شخص الأمير من تعظيمٍ لا حدّ له. فما كان يُخاطَب بالألقاب المُغرِقة كما في سائر لغات المشرق، بل بـ«أنتَ» و«أميرِ المؤمنين» لا غير؛ وكان الناسُ يجلسون في حضرته إذا أذن لهم. ولم تكن مراسمُ البلاط، التي عظُم شأنُها فيما بعد، قد تكوّنت بعدُ إلّا بالكاد. فقد كان العرب قومًا أشدَّ استقلالًا وإباءً من أن ينحنوا تحت مثل هذه الصور الثقيلة، وما كان لها أن تنفذ إلّا مع تنامي الأثر الأجنبيّ وانتشارِ عادات الفرس والترك.

وأمّا نُظُمُ البلاط في العهد الأوّل من الدولة العباسية فقليلٌ ما يُعرف منها: نظّم المهديّ، أبو الرشيد، ضربًا من حرس الأشراف، إذ اختار خمسَ مئةٍ من شبّان بيوت الأنصار الكبرى فألّف منهم حرسًا خاصًّا، وشدّهم إلى شخصه بالأرزاق وإقطاع الأرضين.2) ولم يكن لوليّ العهد حرسٌ خاصّ، غير أنّه كان يمتاز بأن يتقدّمه حاملُ رمح.3) ويقال كذلك إنّ القاعدة في البلاط كانت ألّا يبدأ أحدٌ الخليفةَ بالكلام، وإنّ هذه العادة بقيت إلى أيّام المعتصم؛ غير أنّه يظهر من أمثلةٍ كثيرةٍ ظهورًا لا شكّ فيه أنّ هذه القاعدة لم تكن تُراعى.

على أنّ الإسرافَ المشرقيَّ القديم والولعَ بإظهار

1) المسعودي VIII. 152. 2) ابن الأثير VI. 83. 3) نفسه VI. 65. Goeje: Fragm. I. 285. وفي حرس خُمارَوَيه الخاصّ قارن ابن تغري بردي II. 65.

78

أعظمِ الأُبّهة سرعان ما ظهرا مع تزايد الترف. ولم تكن المناسباتُ لذلك بقليلة، فالفرصُ كثيرةٌ لإظهار بهاء البلاط المشرقيّ كلِّه: مجالسُ الإذن العامّة الكبرى والخاصّةُ الصغرى، وولائمُ الأعياد بالغناء والموسيقى؛ غير أنّ أعظم ما كان يُنشَر فيه البهاءُ استقبالُ رسل الملوك الأجانب، ثم إقامةُ العيدين الفارسيّين القديمين اللذين أخذ بهما الخلفاء: النَّوروزِ والمِهرَجان. فأمّا الأوّل فيقع في اليوم الأوّل من فَروَردين ماه، وهو الشهر الأوّل من السنة في تقويم الفرس القديم، ويوافق اعتدال الربيع. ويدوم ستّة أيّام، غير أنّ العيد نفسَه لا يقع إلّا في اليوم الأخير. فيعقد الأميرُ مجلسَ إذنٍ عامًّا في قاعة الاستقبال الكبرى بدار المُلك وحوله حرسُه وخدَمُ قصره؛ فيدخل أوّلًا الوزراءُ وكبارُ أرباب الدولة، ثم يدخل بعدهم كلُّ وجيهٍ في المدينة؛ يقدّم كلُّ واحدٍ إلى الأمير هديّةً، فيكافئه الأميرُ بتفريق الخِلَع والعطايا.1) وكما يصنع الخليفةُ ببغداد يصنع ولاةُ الأقاليم، لكلٍّ منهم مجلسُ استقبالٍ حافل، وإن كان الأرجحُ أنّ أكثرهم كان يقصد إلى الأخذ أكثر من العطاء. وقد بقي لنا خبرُ شاعرٍ من عهد هارون الرشيد يروي كيف قصد بالبصرة يومَ النوروز إلى الوالي مسلِّمًا. فوجده بين ندمائه وأصحابه، وقد بلغ من النَّشوة حدًّا لا يستطيع معه أن يرفع الكأس التي في يده إلى فيه. فما إن رأى الشاعرَ حتى ناداه: إن أطربتنا بغنائك وهبتُ لك كلَّ ما أُهدي إليّ اليوم! — وأشار إلى كومةٍ كبيرةٍ من الهدايا النفيسة بين يديه. فأخذ الشاعر

1) الدمشقي: Kosmographie p. 279.

79

من فوره يُنشد قصيدةً في العيد أعجبت السيّدَ الكبير إعجابًا خارقًا حتى ترك له الهدايا كلَّها، وكانت قيمتُها 30,000 درهم.1)

وعلى حين كان الكبراءُ وأهلُ السلطان يقضون يوم العيد على طريقتهم، عرف عامّةُ الناس كيف يتلهّون على وجهٍ أقلَّ كُلفة. فمنذ الصباح الباكر يعمّ الشوارعَ صخبُ العيد: تمضي الجموعُ في صياح الفرح فترشّ الشوارع بالماء، ويُصيب من ذلك كلَّ عابرِ سبيل نصيبُه، ولا سيّما إن كان في ثوبٍ أنيق: إمّا أن يُصَبّ عليه الماء، وإمّا أن يُرمى بالخِرَق المبلولة أو بالحُصر؛ ثم لا يُطلَق حتى يفتدي نفسه بشيءٍ يسيرٍ من المال. بل جرت العادة بمصر أن يطوف بالمدينة ما يشبه موكب الكرنفال: يتقدّمه رجلٌ من العامّة راكبًا في زينةٍ مضحكة بوصفه ملكَ العيد، ويتبعه موكبٌ كاملٌ من الفتيان المَرِحين يتصرّفون تصرّفَ حرسه الخاصّ، ويأتون في ذلك بكلّ ما يمكن من العبث وأشدِّ المزاح انطلاقًا.2) وكانت العامّةُ توقد في الليلة السابقة للعيد نيرانَ الفرح الكبيرةَ في الشوارع والساحات.

وقد انتشر عيدُ النوروز هذا من فارس إلى غربيّ آسية، بل إلى إفريقية؛ وبلغ ما يستبيحه الناسُ فيه من العبث مبلغًا حمل غيرَ واحدٍ من الحكّام على تحريم عيد النوروز (كالمعزّ الفاطميّ صاحب مصر).3) أمّا في بلاط بغداد فقد ثبت زمنًا طويلًا نسبيًّا.4)

1) الأغاني XVI. 151. 2) الدمشقي: Kosmographie 278. ونشق الأزهار لابن إياس. 3) تاريخ ابن زُولاق. 4) يقول البيروني في كتابه: الجماهر في الجواهر، نقلًا عنه عند ابن أبي أُصَيبِعة Fol. 89 r.: عقد المتوكّل مجلسَ استقبالٍ كبيرًا لتلقّي هدايا النوروز. — وقارن ابن تغري بردي IX. 93.

80

ويصف شاهدُ عيانٍ على هذا الوجه مجلسًا للخليفة الراضي في يوم النوروز الثاني: «جلس الخليفة في الجَوسَق المسمّى شاذكُلا، وعرضُه وعمقُه أربعون ذراعًا. وكان قد أمر بشراء ورد بغداد وما حولها كلِّه. فلمّا حضر الضيوفُ والمغنّون أُسدلت الستارةُ التي جلس خلفها المغنّون، ثم مُدّت المائدة، ثم دُقّت في الختام الدفوفُ والأبواق. وفي أثناء ذلك حمل الخدمُ ورقَ الورد إلى سطح الجَوسَق، فأخذوا ينثرونه منه مخلوطًا بدراهمَ ودنانيرَ رقاقٍ مطرًا لا ينقطع على الضيوف. ودام مطرُ الذهب والفضّة والورد بلا انقطاعٍ من صلاة العصر إلى صلاة العشاء، حتى غُطّي الضيوفُ به تغطيةً تامّة.»1)

وقد بقي عيدُ النوروز على كلّ بهائه المشرقيّ القديم إلى اليوم في بلاط طهران وعند بعض أمراء الأفغان والهند، كما لا يزال عيدًا شعبيًّا في تركستان وفارس وكردستان، حيث يُحتفل به فرحًا بعودة الربيع.

ولم يكن دون ذلك انتشارًا عيدُ المِهرَجان، وهو فارسيُّ الأصل كذلك، وكان يُقام دائمًا في السادس والعشرين من تشرين الأوّل (أكتوبر)، أي في السادس عشر من مِهر ماه في تقويم الفرس القديم، أي في وقت اعتدال الخريف. وهو يدوم ستّة أيّامٍ كذلك، غير أنّ يوم العيد نفسَه هو الأخير، ولذلك سُمّي المِهرَجانَ الأكبر.2) وفي هذا اليوم يكون الاستقبالُ العامّ في البلاط، وتُقدَّم الهدايا كما في عيد النوروز. وكان الخلفاءُ يعقدون في هذه المناسبة مجلسَ إذنٍ كبيرًا.3) ثم بطل ذلك بعدُ، ولم يُعَد هذا العيدُ إلّا حين صار لبني بُوَيه الأمرُ

1) قطب السرور I. Fol. 329. 2) الدمشقي 279. 3) الأغاني VI. 14.

81

ببغداد، فأعاده عضدُ الدولة، وكان يُهدى إليه فيه، ويفرّق هو الخِلَع والتشريفات. وقد خطر لأديبٍ مرّةً في ذلك خاطرٌ لطيف، فأهدى إلى الملك إسطرلابًا نُقشت عليه علاماتُ الكواكب وصورُ البروج، ونظم فيه قصيدةً في المناسبة يقول فيها:

رأيتُ كثيرين أقبلوا إليك مؤمّلين بالهدايا في عيد المِهرَجان؛ فلمّا رأى عبدُك إبراهيم كم هي خسيسةٌ عندك خيراتُ الأرض، رأى الأرضَ لا تليق بسلطانك فأهدى إليك السماءَ ههنا.

فأُجزل للمُطري الظريف العطاءُ إجزالَ الملوك على حُسن هذا الخاطر.1)

ويعسر أن يُظنّ أنّ أعياد البلاط هذه كانت تختلف اختلافًا جوهريًّا عمّا جرى عليه أمراءُ المشرق المتأخّرون. فقد كان الرسمُ في مجالس الاستقبال العامّة (مجلس عامّ) في بلاط أباطرة المغول بدهلي على هذا الوجه: يُفضي من الباب الأعظم للقصر طريقٌ في مثل سَعته يخترق ثلاث باحاتٍ واسعةٍ تفصل بينها صفوفُ الأروقة، إلى جدار المقاصير الخاصّة بالأمير. وفي شُرفةٍ من الصفّ الأخير من الأروقة تقوم موسيقى القصر (فهي، ولا سيّما الطبلُ الكبير، من خصائص السلطان). وعند جدار مسكن الأمير، بحيث يُرى من باب القصر الأعظم بل من خارجه، أي قُبالةَ الباب الكبير مباشرةً، شُرفةٌ صغيرة نصفُ دائريّةٍ من رخامٍ أبيض مطعَّمٍ بحجارة الفُسَيفساء؛ إلى هذه الشُّرفة يخرج الأميرُ من بابٍ صغيرٍ في الجدار، من مسكنه الخاصّ مباشرة، فيجلس على العرش. وهو عرشُ الطاووس المشهور المرصَّعُ بالزمرّد

82

والياقوت، الذي سلبه نادر شاه من دهلي.

على أنّ هذا الترتيب ليس هنديًّا، بل يوجد مثلُه في طيسفون، فيتبيّن بذلك أنّه فارسيٌّ أصيل. ففي تلك القاعة العالية البالغةِ السَّعة في عَقدها، حيث كان كسرى يظهر للناس، وهي باقيةٌ إلى اليوم في أطلال المدائن على نحو ثلاثة أميالٍ من بغداد، وتُعرف باسم طاق كِسرى، لم يعد للعرش أثرٌ منذ زمنٍ بعيد، وفقدت الجدرانُ زينتها القديمة؛ غير أنّ البابَ الصغير الذي كان يدخل منه ملكُ الملوك، وهو مرتفعٌ نحوَ عشر أقدامٍ عن الأرض، لا يزال يُرى سليمًا. وأمام القاعة أطلالٌ بادية، وكذلك الطريقُ إلى مدخل القصر. ويمتدّ محورُ القاعة والطريق من الغرب إلى الشرق تمامًا، حتى إذا ظهر ملكُ الملوك للناس في الساعة السادسة صباحًا يوم النوروز حيّته الشمسُ الطالعة بأوّل شعاعها.1)

وكان سلاطينُ بني بُوَيه، وقد رأينا فيما تقدّم حبَّهم للأُبّهة الفارسية القديمة، يأمرون كذلك في مجالس الإذن الحافلة هذه — حيث يظهر الأميرُ للناس كافّة — بإحضار الوحوش تعظيمًا لوقع سلطان الملك في النفوس. فيُروى عن عضد الدولة المذكور آنفًا أنّه ما إن كان يجلس على العرش حتى تُصَفّ عن جانبيه — أو بالأحرى عن جانبي المِنصّة التي عليها العرش — الأسودُ والنمورُ في السلاسل، وكذلك الفِيَلة صفوفًا، ليمتلئ الناسُ خوفًا ورعبًا من سلطان الملك.2) وعند بعض

1) بحسب رسالةٍ خطّيّةٍ من الأستاذ Sprenger، وهو يتكلّم ههنا عن معاينة. 2) الفخري 27. وقارن كذلك Amari: Storia dei Musulmani della Sicilia II. 363. وكان في بلاط بني زِيري تُعرَض في مثل هذه الأعياد الجِمالُ والزَّرافات وغيرُها من الدوابّ.

83

ظلّت هذه العادة قائمةً إلى اليوم عند راجات الهند، وجرت العادة في استقبال النَّوروز عند الشاه بطهران أن يُقاد فيلٌ يجثو على ركبتيه بين يدي الملك.

وقد شاع مبكّرًا أيضًا أن تُحضَر الأسود في سائر مراسم الاستقبال الرسمية. ففي سنة 355هـ (966م) استقبل الخليفة المقتدر رسولين من الروم قدِما يطلبان الهدنة، وقد حملا معهما هدايا نفيسة، فأمر الخليفة أن يُدخَلا في أبهى ما يكون من الزينة: فغصّت باحات القصر وأروقته بالجند النظامي، وعُلّقت على المباني كلّها بُسُطٌ ثمينة. واستقبل المقتدرُ الرسولين جالسًا على سريره، وعن جانبيه الوزيرُ ومؤنسٌ كبيرُ الخدم. واصطفّ الجيش من باب الشمّاسية إلى مدخل القصر، وعدّته 160,000 مقاتل، ثم جاء بعدهم 7,000 من الغلمان البيض و700 من الحُجّاب؛ وفي القصر مئةُ أسدٍ في السلاسل، وقد عُلّق على جدران دهاليز القصر 10,000 جوشنٍ مذهَّب (جواشن) وأصنافٌ أخرى كثيرة من النفائس. وأُدخل الرسولان أوّلًا قاعةَ الشجرة الذهبية، وكان في وسطها بِركةُ ماءٍ من رخام، وفيها شجرةٌ من ذهب لها ثمانية عشر غصنًا عليها طيورٌ مصنوعة؛ ثم سِيقا إلى القاعة التي تُسمّى الفردوس، وقد فُرشت ببُسُطٍ فاخرة. 1)

1) ابن تغري بردي II. 202. وقد أورد ياقوت في المعجم II. 520 وصفًا دقيقًا للشجرة الذهبية ولتحفةٍ أخرى كانت في القاعة نفسها.

84

وإلى جانب هذه الاحتفالات الرسمية كانت الأعراسُ وحفلاتُ الختان — كما هو الحال في المشرق إلى اليوم — أكثرَ ما يدعو إلى إظهار البذخ الخارق والإسراف. وقد حُفظ لنا وصفُ احتفالين من هذا الضرب بلغا من الشهرة مبلغَ المثل السائر لِما فيهما من الأبّهة ولِما أُنفق عليهما من الأموال الطائلة: أحدهما بناءُ المأمون ببوران بنت الوزير الحسن بن سهل، والآخر ختانُ ابنٍ للخليفة المتوكّل، ويُعرف باسم الموضع الذي أُقيم فيه فيُقال له احتفال بَلْكُوارى 1). أمّا الأوّل فكان الوزيرُ صاحبَ الوليمة، دعا الخليفةَ وحاشيتَه كلَّها إلى ضيعته على الفرات الأسفل عند قناة فم الصِّلح، وأقام لهم القِرى أربعين يومًا. وبلغ ملّاحو السفن النهرية التي انحدر بها الضيوف من بغداد عدّةَ آلافٍ وحدهم. وفي الليلة التي زُفّت فيها العروس إلى الخليفة فُرشت حجرةُ العرس ببُسُطٍ منسوجة بخيوط الذهب، ونُثر على النساء المجتمعات فيها اللؤلؤ الكبار من سَلّة؛ وأضاءت الحجرةَ شموعٌ ضخمة من العنبر حتى صارت كالنهار. وأمّا مأدبةُ الطعام التي أُقيمت لأكابر الدولة وقوّاد الجند فقد نُثرت عليهم رِقاعٌ في كلّ رقعةٍ اسمُ ضيعة، فمن ظفر برقعةٍ ملك تلك الضيعة 2)، وفي رقاعٍ أخرى أسماءُ مماليك وخيلٍ وغير ذلك. وليُعوّض الخليفةُ صِهرَه عمّا أنفق أقطعه جبايةَ سنةٍ من كورتَي فارس والأهواز 3).

وأمّا في ختان بَلْكُوارى فقد فُرش أرضُ القاعة بعد المأدبة صفّين طويلين من البُسُط المنسوجة بخيوط الذهب المطرَّزة بالجواهر، ورُتّبت عليها أشكالٌ شتّى من معجونٍ من

1) هو موضعٌ قرب سامرّاء يُكتب أيضًا بَلْكُوار (اليعقوبي p. 40) أو بَرْكُوان. انظر المعجم.

2) الثعالبي p. 74.

3) المسعودي VII. 66.

85

العنبر والعود والمسك، ثم أُجلس الضيوف صفّين متقابلين، ووُضعت بين أيديهم صِحافٌ كبار من الذهب الخالص مرصَّعة بالجواهر، ثم أقبل الخدم فصبّوا من سِلالٍ كبيرة بين صفَّي الضيوف دنانيرَ ودراهم حتى صارت أكوامًا وغطّت صحافَ الذهب كلَّها. ودُعي الضيوف أن يُفرغوا كؤوسهم وأن يأخذ كلٌّ منهم مع كلّ شربةٍ ثلاثَ حَفَناتٍ من الذهب والفضّة. وكلّما نقص الكومُ في موضعٍ نقصًا ظاهرًا أفرغ الخدم أكياسًا جديدة مملوءةً ذهبًا. ثم نُودي في آخر الأمر: أميرُ المؤمنين يقول لكم: ليأخذ كلُّ امرئٍ ما شاء! فكان من الضيوف من يخرج من القاعة مرّتين وثلاثًا فيدفع المال إلى غلمانه ثم يعود فيملأ جيوبه من جديد. وخُلع في الختام على كلّ واحدٍ خِلعة. وأعتق الخليفة في ذلك الحفل ألفَ مملوك 1).

وليتمّ لنا هذا الرسمُ لحياة البلاط في بغداد لم يبقَ إلّا أن نذكر بعض أغرب الشخصيات التي عمرت أرجاء قصر الخلافة، ونبدأ بالأمين، فقد تجلّت فيه رذائلُ بني العباس الأوّلين ومحاسنُهم أوضحَ تجلٍّ. كان ابن هارون الرشيد من ابنة عمّه زبيدة حفيدةِ المنصور، فهو منتسبٌ إليه من الجهتين 2)؛ وانتقل إليه بالوراثة كلُّ ما في هذا البيت من استعدادٍ سعيدٍ ومُهلِك. كان شديدَ الأهواء كأبيه، مسرفًا مثله، قليلَ الاكتراث بأمور الحكم مثله. ويروي شاهدُ عيانٍ أنّه دُعي إليه والعاصمةُ قد أطبقت عليها جيوشُ العدوّ من كلّ ناحية.

1) الثعالبي 756. 2) ويؤكّد ذلك أيضًا شاعرُ البلاط أبو نواس p. 9 و11 من طبعة القاهرة.

86

فوجده في جَوسَقٍ من العود والصندل نحوَ عشرة أذرعٍ في مثلها، مفروشٍ فرشًا فاخرًا بالديباج الأخضر المنسوج بالذهب. وكان الخليفة يقضي أوقاته فيه. وبين يديه كأسٌ من زجاجٍ مسحوب يسع نحو عشرة أرطال. — وقصد الأمينَ زائرٌ آخر في أثناء الحصار أيضًا فألفاه مطلًّا من النافذة يرقب دجلةَ الجارية تحته رقبةً شديدة. وقد استغرقه ذلك حتى لم يفطن للقادم ولم يسمع سلامه البتّة. فلمّا رآه بعد حين لم يقل غيرَ كلمةٍ واحدة، قالها وقد ظهر الانكسار في وجهه: تصوَّرْ! سمكتي ذاتُ القُرطين الذهبيَّين أفلتت إلى دجلة! — وذلك أنّ في القصر نفسه بِركةً كبيرة يجري إليها الماء من النهر ويحجزها شُبّاكٌ من حديد، فمن هذا الشبّاك أفلتت السمكةُ ذاتُ القُرطين الذهبيَّين، فحزن الأمين لها هذا الحزن 1).

وكان هذا الفتى الذي تعبده أمُّه مدلَّلًا كلَّ التدليل، منغمسًا في كلّ ضروب اللهو، وأشدُّ ما شُغف به الغلمانُ الحِسان، وقد استولى عليه واحدٌ منهم اسمه كوثر استيلاءً تامًّا. فأرادت زبيدة أن تصرف ابنها عن هذا الهوى الخطر، فوقع لها أن تُلبس أجملَ جواريها زيَّ الغلمان: العمامةَ والقميصَ القصير المشدود بمِنطقة، لتحوّل بذلك ذوقَ ابنها إلى وجهةٍ أخرى. وقد أفلحت أتمَّ الفلاح؛ فأعجبته الجواري في زيّ الغلمان إعجابًا شديدًا، وشاع هذا الزيّ منذ ذلك الحين في بيوت الأغنياء 2).

1) المسعودي VI. 427—431. 2) Ibid. VIII. 299.

87

وكان أخوه المأمون على خُلقٍ آخر تمامَ المغايرة، وهو الذي ظفر في النهاية في الصراع على الانفراد بالملك، ذلك الصراع الذي انتهى بمقتل الأمين. كانت أمّه فارسيةً، وبذلك يُفسَّر خُلقُه المخالف كلَّ المخالفة لأخلاق من تقدّمه من العباسيين، ولا شكّ أنّه مدينٌ لأمّه بأن لم تنتقل إليه استعداداتُ بيته الموروثة. وقد جمع إلى جِدّ المَلِك الحقّ ونفاذِ بصره لِينًا في الطبع بمقاييس ذلك العصر، وأحسن أن يستميل قلوب من حوله بالتواضع وبمصالحةٍ محسوبة. وقد نقل إلينا أحدُ الإخباريين القدماء في ذلك خبرًا عجيبًا. كان المأمون يستقبل كلَّ ثلاثاء جماعةً من المتكلّمين والفقهاء ليُناظروا مناظرةً حرّةً في مهمّات مسائل الوقت. وجرت العادة أن يجتمع هؤلاء السادة أوّلًا في القصر في حجرةٍ حسنةِ الفَرش بالبُسُط، فيُقدَّم إليهم الطعام. فإذا فرغوا من الأكل جيء بمجامرَ كبيرة يُبخَّرون بها ويُطيَّبون. ثم يُؤذن لهم عند ذلك بالدخول على الأمير، فيبتدئ الحديث بحضرته على أحرّ ما يكون من الحرّية والتلقائية، وتُعرض فيه أشدُّ الآراء تعارضًا، إلى قُرب غروب الشمس، حيث يُمدّ الطعام ثانيةً، ثم ينصرف الضيوف بعده. وفي واحدٍ من هذه المجالس دخل الحاجب فأخبر أنّ رجلًا عليه جُبّةُ صوفٍ بيضاء غليظة قد شمّرها يستأذن في الدخول. فحدس المأمون من هذا الوصف لأوّل وهلةٍ أنّ الغريب من أتباع تلك الطائفة التي كانت يومئذٍ حديثةَ عهدٍ إلى حدٍّ ما، ويُسمّون الصوفية، وقد تميّزوا بلباسٍ خاصّ. فأمر بإدخاله. فدخل رجلٌ ينمّ وجهُه عن وقارٍ واثقٍ من نفسه بقدر ما ينمّ عن جِدٍّ متفكّر؛

88

عليه في فقرٍ جُبّةُ صوفٍ خشنة لم تُقصَر، قد شمّرها في مِنطقته، ونعلاه في يده، فدخل الحجرة حافيًا وسلّم على الخليفة ووقف عند طرف البساط. فدعاه المأمون أن يجلس ويعرض حاجته. فابتدأ الغريب: أريد منك جوابًا عن هذا: أبإجماع الأمّة المحمّدية واختيارها نلتَ هذا المقام الذي أنت فيه، أم بالغلبة والقوّة الغاشمة؟ — فأجاب المأمون: ما أخذتُ هذا المقام بالاختيار ولا بالقوّة، فقد كان يلي أمرَ دولة المسلمين قبلي أميرٌ دان له المسلمون طوعًا أو كرهًا؛ فعهد إليّ وإلى غيري معي 1) بالأمر من بعده، وأخذ لي وللآخر البيعةَ في بيت الله الحرام (يعني الكعبة)، فبايع الناسُ طوعًا أو كرهًا؛ ثم إنّ الذي عُهد إليه معي مضى لسبيله، فلمّا آل الأمر إليّ أدركتُ أنّي محتاجٌ إلى رضا الأمّة المحمّدية وإقرارها لشخصي، غير أنّي حين نظرتُ فيما حولي علمتُ أنّي لو تركتُ الناس وشأنهم لتعرّضت مصلحةُ الإسلام العامّة للخطر، ولصار بقاءُ الأمّة موضعَ شكّ، ولتزعزعت أسبابُ حياتها، ولأُسلمت الجماعةُ إلى الفوضى والحرب الأهلية، ولتعطّلت أحكامُ الله، ولما حجّ إلى البيت الحرام أحد، ولا خرج إلى الجهاد أحد، ولا جمعهم سلطانٌ أعلى ولا ساسهم، ولانقطعت السبل وضاعت حقوق الضعفاء؛ فأخذتُ السلطان لأحمي الأمّة المحمّدية وأقاتل أعداءها، ولأقيم الأمن العامّ، ولأمدّ إلى الناس يدَ العون، حتى يتّفق الناس على اختيار رجلٍ يُقرّون به جميعًا، فأسلّم إليه الأمر وأعود مسلمًا كسائر المسلمين؛ وكن أنت، أيّها الغريب، رسولي إلى الناس: متى اختاروا من هو أحقُّ منّي سلّمتُ إليه الأمر. —

1) هو أخوه الأمين الذي غلبه.

89

أصغى الغريب صامتًا، فلمّا فرغ الخليفة حيّاه بالتحيّة المعتادة: السلام عليك ورحمةُ الله وبركاته! ثم قام فانصرف. فأمر المأمون خادمَه أن يقتفي أثره ثم يرفع إليه الخبر. فعاد بعد حينٍ وأخبر أنّ الغريب قصد من القصر رأسًا إلى مسجدٍ في محلّةٍ نائيةٍ جدًّا من المدينة، وأنّ فيه خمسةَ عشر رجلًا على هيئته مجتمعين، سألوه ما الذي جاء به وكيف لقيه الخليفة، فأخبرهم أنّ الخليفة قال إنّه ما أمسك بزمام الأمر إلّا ليحفظ مصالح الجماعة المحمّدية ويقيم الأمن العامّ، وأنّه مستعدٌّ، إن اختار الناسُ غيره، أن يسلّم إليه السلطان. فأجاب الخمسةَ عشرَ بأن لا اعتراض على ذلك، ثم تفرّقوا.

ويؤكّد الراوي القديم أنّ المأمون قال حين بلغه هذا الخبر إنّه يسرّه أن يكون قد نزع سلاح هؤلاء الخصوم بمثل هذه الوسيلة اليسيرة 1).

ولم يعد في الإمكان إثباتُ صحّة هذه الرواية، غير أنّ الكاتب الذي ندين له بها

1) المسعودي VII. 38 ff.

90

استقى من مصادر قديمة، فيسوغ لنا أن نعدّ صورةَ ذلك الأمير التي تطالعنا منها مطابقةً في الجملة للتصوّر الذي شاع عنه منذ أقدم العهود. ويُستبان منها كم كان مسلكُه مخالفًا لمسلك من سبقه. وسيتاح لنا فيما بعدُ أن نصف الحركة العلمية التي أضفت على عهده رونقًا خاصًّا، والتي كان له في إحيائها فضلٌ غيرُ قليل.

ونقل خَلَفُه المعتصمُ دارَ المُلك من بغداد إلى سامرّاء، فأقام البلاط بها في عهد ثمانية خلفاء متعاقبين، دون أن تتضرّر العاصمةُ القديمة بذلك ضررًا يُذكر، وإن كانت دارُ المُلك الجديدة قد نازعتها سريعًا في البهاء والأبّهة 1). ويروي كاتبٌ قديم رأى سامرّاء في أوجّ بهائها أنّ ما كانت تستوفيه الحكومة من كِراء الساحات العامّة والحوانيت ونحوها كان يبلغ في السنة عشرةَ ملايين درهم 2). ولم يعد إلى بغداد إلّا المعتمدُ في أواخر أيّامه، فبقيت مقرَّ الخلفاء إلى آخر الدولة، على حين خربت سامرّاء في مدّةٍ وجيزة. غير أنّ بغداد نفسها لم تلبث أن جاوزت عصرَ ازدهارها، فأخذت عاصمةُ الدولة تفقد شيئًا فشيئًا من جلالها القديم كلّما انحدر سلطانُ الخلفاء السياسي. وفي أثناء الحصار الذي ضربته الجيوش الفارسية على المدينة نحوَ سنةٍ كاملة في حرب الأخوين الأمين والمأمون التهم حريقٌ كبير محلّاتٍ بأسرها، وذهبت دواوينُ الدولة كلُّها، ممّا يدلّ على أنّ دار الحكومة

1) يقول شاعرٌ معاصر في بغداد مقارنًا بينها وبين دار المُلك الجديدة: هي كعجوزٍ انقضى شبابُها منذ زمن، لا تزال تُعرف فيها آثارُ الحُسن الذي كانت تُوقَّر لأجله من قبل، ولكن أزاحتها ضَرّةٌ حسناء تتألّق كالشمس، بل تبدو أبهى منها. أبو تمّام p. 202.

2) اليعقوبي 38.

91

نفسها صارت طُعمةً للنار؛ وكان ذلك أوّلَ خرابٍ سرعان ما زالت آثارُه، ثم تلته ضرباتٌ أقسى لم يعد التغلّبُ عليها ممكنًا.

على أنّ المدينة لم تخلُ من أيّامٍ مَرِحة احتفالية ضحك لها فيها الحظّ وخُيّل أنّ الزمان الأوّل الطيّب قد عاد. وأخصُّ ذلك عودةُ القوّاد المظفَّرين عودةَ الظافرين، وهو مشهدٌ كان الناس يستمتعون به، فيُنسيهم الانحدارَ لحظاتٍ أحيانًا. فتُضرب القِباب، وتُعلَّق البُسُط في الشوارع 1)، وتُحمل الغنائم أمام الجند الداخلين، ويُطاف في المدينة برؤساء الأعداء أو المتمرّدين الأسرى مقلوبين على الجمال — ولا سيّما البُخت ذوات السنامين — أو على الفِيَلة أو الحمير، ثم يُقتلون، فتبقى الجثّة معلّقةً في الغالب على الجذع القائم على جسر دجلة الكبير سنينَ أحيانًا 2).

غير أنّ مشاهد سلطان الحكم هذه لم تكن لتوازن ما هو أعمقُ منها أثرًا من أعراض الانحلال. ففي القصر تعاقب الشرابُ والمجون على همومٍ قلقة وأفعالٍ دامية. فالمعتضد (892 إلى 902م)، الذي وَلِيَ الأمر بعد أن أُزيل سلفُه بالسمّ، أصابته في آخر عمره هلوساتٌ من فرط تهيّج الأعصاب؛ فكانت الأشباح تؤرّقه بلا انقطاع: مرّةً صورةُ راهبٍ أبيضِ اللحية، ومرّةً فتًى جميلٌ أو شيخٌ في زيّ التجّار، وأخيرًا شبحٌ مجرِّدٌ سيفَه أفزعه، بل زُعم أنّه قتل واحدًا من الغلمان. ورغم الأبواب المُحكمة الإغلاق والحرّاسِ المبثوثين في كلّ مكان كان هؤلاء الزوّار المُريبون

1) المسعودي VIII. 168. 199. 2) Ibid. VIII, 202, 284,

ملاحظات المترجم

1) عنوانُ الفصل مطبوعٌ في الأصل «I. Die Stadt des Heils»، والصواب «II.» كما تشهد به عناوينُ الصفحات الجارية في المطبوع نفسه وترتيبُ الكتاب؛ وقد أُثبت الرقمُ الصحيح.

2) البيتان المنسوبان إلى الأديب المحبَط، والبيتُ المنسوب إلى الأعرابيّ، يوردهما كريمر بالألمانية شعرًا مترجمًا لا بالعربية. وقد نُقلا هنا عن الألمانية نقلَ المعنى، ولم يُعَد بناؤهما شعرًا عربيًّا ولا نُسبا إلى صيغةٍ عربية بعينها؛ فمَن أراد الأصل فمَظانُّه المذكورة في الحاشيتين (ابن خِلِّكان، والجواليقي 33).

3) أسماءُ الدواوين التي يترجمها كريمر إلى الألمانية ويشفعها بالعربية محرَّفةً بحروفٍ لاتينية (Cabinetskanzlei = ديوان الرسائل، Steueramt = ديوان الخراج، Siegelamt = ديوان الخاتم، Kriegsministerium = ديوان الجند…) رُدّت إلى أسمائها العربية المعروفة، وكذلك Schatzkammer = بيت المال، وPolizeivogt = صاحب الشُّرطة، وStatthalter = الوالي.

4) «Landedelleute» في سياق سكّان بغداد رُدّت إلى «الدهاقين»، وهو المصطلحُ الذي كان كريمر يترجم عنه، لا إلى «أشراف الريف» على معناه الحرفيّ.

5) المسافةُ بين البابين (5,000 ذراع) كمّيّةٌ فأُثبتت بفاصلة الآلاف؛ أمّا أرقامُ السنين وأرقامُ الأجزاء والصفحات في الإحالات فبقيت بلا فاصلة على حالها.

1) البيتان في مدح بغداد وذمِّها (ص 56) يوردهما كريمر ترجمةً ألمانيةً منظومة لشعرٍ عربيٍّ عند الثعالبي، وكذلك بيتُ المهديّ في الخمر («دعه يذهب، يعقوبَ بنَ داود…»)؛ وقد نُقلت كلُّها عن الألمانية نقلَ المعنى، ولم يُعَد بناؤها شعرًا عربيًّا ولا نُسبت إلى ألفاظٍ مأثورةٍ بعينها. ومَظانُّها في الحواشي.

2) المصطلحاتُ المُعادة إلى أصلها: Kahramänah (Haremsintendantin) = القهرمانة، Harym = الحريم، Freigelassene = المُعتَقة، Zindyks (Manichäer) = الزنادقة (المانويّة)، Schatzkammer = بيت المال، Palast/Schloss = القصر، Pavillon = الجَوسَق، Rennbahn = الميدان. وقد حُذفت التفسيراتُ التي يشفع بها كريمر الأسماءَ العربية لقارئه الألمانيّ («Harym, d. i. Weihgebiet»، «Saffäh, d. i. Blutvergiesser»، «Bäb alnuby, das Thor des Nubiers»…)، إذ هي في العربية تحصيلُ حاصل.

3) «Rosettebrokat» = الديباج الرشيديّ، نسبةً إلى رشيدٍ بمصر؛ وهو النسيجُ نفسُه الذي يذكره كريمر في موضعٍ آخر باسم «الأردية الرشيدية».

4) الأعدادُ الكمّيّة أُثبتت على وجهها (300—400 مليون درهم، 294 مليون درهم، 20 مليون دينار)، وأمّا سنةُ 1170م فبلا فاصلة، وأمّا أرقامُ الأجزاء والصفحات في الإحالات (ابن الأثير VI. 206، الأغاني IX. 88) فبقيت على حالها ولم تُترجَم أرقامُ أجزائها اللاتينية.

5) حاشيةُ ص 63 (Goeje وغيرُه) مقسومةٌ في المطبوع بين أسفل ص 63 وأسفل ص 64، وقد أُبقي انقسامُها على حاله.

6) أحكامُ كريمر في العباسيّين — «فرط التهيّج العصبيّ الموروث»، و«الشهوة النيرونية إلى القتل»، وحكمُه على هارون الرشيد — منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ هي رأيه هو، وهو مستشرقٌ نمساويٌّ من القرن التاسع عشر.

7) ينتهي هذا القسم في وسط الجملة عند حدّ الصفحة («فلمّا»)، وتمامُها في مطلع القسم التالي: «… رآني ابتسم لي مرحّبًا ودعاني إلى مجالسته».

1) الأبياتُ التي غنّاها إبراهيمُ الموصليّ بين يدي الرشيد («أُعلي على الهمّ كلِّه والحَنَق…») يوردها كريمر ترجمةً ألمانيةً منظومة، فنُقلت هنا عن الألمانية نقلَ المعنى، ولم يُعَد بناؤها شعرًا عربيًّا ولا نُسبت إلى لفظٍ مأثورٍ بعينه؛ ومَظِنّتُها في الحاشية (الأغاني V. 33).

2) المصطلحاتُ المُعادة إلى أصلها: Polizeimeister = صاحب الشُّرطة، Alyiden = العلويّون، Schatzkammer = بيت المال، Steuereinhebung = جباية الخراج، Fürst der Gläubigen = أمير المؤمنين، Wezyr = الوزير، Freigelassene = المُعتَقة، Laute = العود، doff = الدفّ، tonbur = الطُّنبور، zammärah = الزَّمّارة، rabab = الرَّباب، zoläl = الزَّلّال، Sänften = الهوادج.

3) «der Gottseibeiuns» في حكاية إبراهيم مع الشيخ كنايةٌ ألمانيةٌ عن إبليس، فأُثبتت «الشيطان».

4) وصفُ إبراهيم للعود: «stelle den Steg höher und lass den Griff etwas nach» — أثبتُّه «ارفع الأنف قليلًا وأرخِ الدَّسْتان» على ما تقتضيه أسماءُ أجزاء العود، ولم أقطع بأنّ هذين هما اللفظان اللذان كان كريمر يترجم عنهما.

5) الأعدادُ الكمّيّة أُثبتت بفاصلة الآلاف (100,000 و10,000 درهم؛ 30,000 و120,000 و1,000 دينار؛ 1,700,000 دينار)، وأمّا أرقامُ الأجزاء والصفحات في الإحالات (الأغاني XVI. 187 ونحوها) فبقيت على حالها ولم تُترجَم أرقامُ أجزائها اللاتينية.

6) السطران «v. Kremer, Culturgeschichte des Orients. II. 5» و«5*» ليسا من المتن، بل هما من توقيع الملازم في أسفل الصفحة، وقد أُبقيا كما هما.

7) أحكامُ كريمر في هارون الرشيد وزُبَيدة وفي «خفّة» المغنّيات منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ هي رأيه هو.

1) القصيدةُ في السباق (ص 74—75) وأبياتُ الإسطرلاب في المِهرَجان (ص 81) يوردهما كريمر ترجمةً ألمانيةً منظومةً لشعرٍ عربيّ (مَظِنّةُ الأولى المسعودي VIII. 867، والثانيةِ Hammer-Purgstall)؛ وقد نُقلا هنا عن الألمانية نقلَ المعنى، ولم يُعَد بناؤهما شعرًا عربيًّا ولا نُسبا إلى ألفاظٍ مأثورةٍ بعينها ولا إلى قائلٍ مسمّى.

2) المصطلحاتُ المُعادة إلى أصلها: Statthalter = الوالي، Provinzen = الأقاليم، Ehrenkleider = الخِلَع، Kronprinz = وليّ العهد، Nadym = النديم، dur alkimär = دور القِمار، Cinäden = المخنّثون، saulagän = الصولجان، Nardspiel = النرد، maglisiamm = مجلس عامّ، König der Könige = ملك الملوك، Täk-Kisera = طاق كِسرى، Pavillon = الجَوسَق، Rennbahn = الميدان.

3) «Armbrust» — أثبتُّها «القوس ذات الزَّنَد» على معناها، ولم أقطع بالمصطلح العربيّ الذي كان كريمر يترجم عنه؛ وقولُه إنّ من ألعابهم «الكريكيت» قولُه هو، أُثبت كما هو ولم يُعقَّب عليه.

4) اسمُ الجَوسَق «شاذكُلا» (Shädkola) مثبتٌ على صورته عند كريمر، ولم أتبيّن ضبطه؛ وكذلك «نشق الأزهار» لابن إياس، أُثبت على الوجه المعروف لعنوان الكتاب.

5) عناوينُ المصادر الأوروبية (Hammer-Purgstall, Amari, Goeje, Sprenger) وتسميةُ كريمر الألمانية لكتاب الدمشقي (Kosmographie) مُبقاةٌ بحروفها اللاتينية صونًا لجهاز الإحالات؛ وأرقامُ الأجزاء والصفحات لم تُترجَم ولم تُزَد فيها فاصلة، وأمّا الكمّيّة (30,000 درهم) فأُثبتت بالفاصلة.

6) السطر «v. Kremer, Culturgeschichte des Urients. 11. 6» ليس من المتن، بل هو سطر توقيع الملزمة في أسفل الصفحة، وقد أُبقي كما هو مع خطأي القراءة الآليّة فيه (Urients, 11).

7) ينتهي هذا القسم في وسط الجملة عند حدّ الصفحة («وعند بعض»)، وتمامُها في مطلع القسم التالي: «… أمراء الهند من الراجات ظلّت هذه العادة قائمةً إلى اليوم».

1. «Barkawäzä»: كريمر نفسه يذكر في الحاشية أنّ الموضع يُكتب أيضًا «Balkowär»، وهو قصر بَلْكُوارى قرب سامرّاء، فأثبتُّ الصورة العربية المعروفة. أمّا ضبط «بَرْكُوان» فتركتُه على ما نقله كريمر. 2. البيت المنسوب إلى أبي تمّام في حاشية ص 90 نقلتُه عن الألمانية، فكريمر يورده ترجمةً منثورة لا نصًّا عربيًّا؛ ولم أُعِد بناء البيت العربي ولم أنسب إليه لفظًا بعينه. 3. حاشية ص 86: يُثبت النصّ المطبوع رقم «3)» في موضع الحاشية الثانية، والعلامة في المتن هي الثانية؛ وهو خطأ طباعي أو خلل في القراءة الضوئية، فأثبتُّ «2)». 4. المعتضد: يعطي كريمر سنَتَي حكمه بالميلادي وحده (892—902م) دون مقابلها الهجري، فأبقيتُ ذلك على حاله.