38 * I. العبادات.
… التي يقال إنّ النبيّ استعملها. ويُذكر على الخصوص أنه كان يقلب رداءه عند ذلك.1) وفزعوا كذلك إلى الصلاة عند كسوف الشمس وخسوف القمر، والتزموا في هذه الحال أيضًا سنّتَه بحذافيرها.2)
وعلّقوا على زمان الصلاة ومكانها من الوزن مثلَ ما علّقوه على هذه الصيغ: فعُدّت ساعاتٌ بعينها أرجى لاستجابة الدعاء، كالثلث الأخير من الليل، وما قُبيل صلاة الفجر مباشرةً، والوقتِ بين الأذان وابتداء الصلاة (الإقامة).3) وعُدّت الكعبةُ منذ وقتٍ مبكّر أحبَّ مواضع الصلاة إلى الله، وخُصّ فيها موضعٌ بعينه بالتفضيل.4) ولمّا نشأت بعد ذلك عبادةُ الأولياء، صارت قبورُ الرجال الصالحين هي المواضعَ التي يُرجى فيها قطعًا استجابةُ الدعاء. ومع تزايد تعظيم النبيّ، والاعتقادِ في قداسته وقد أخذ صورًا أشدّ إغرابًا على الدوام، ارتفعت الثقةُ بقوّة شفاعته؛ ولهذا صار يُدعى — بوصفه أوّلَ أولياء المجمع المحمّديّ — أكثرَ من أيّ أحدٍ سواه، حتى طغى تعظيمُ النبيّ في كتب الأدعية المتأخّرة على كلّ ما عداه.
وأخذوا عن اليهود منذ وقتٍ مبكّر تصوّرَ قداسةِ اسم الله؛ ولمّا نشر القبّاليّون بعد ذلك فكرةَ اسم الله الأعظم الذي يُنال به سلطانٌ فوق الطبيعة وتُجترح به المعجزات، لقيت هذه الخرافةُ أيضًا قبولًا عند المحمّديّين. وسرعان ما شرعوا يجمعون أسماءَ الله من القرآن ومن مصادرَ أخرى، فنشأت القائمةُ التي عُدّت فيما بعدُ
1) البخاري: صلاة الاستسقاء. 2) نفسه: صلاة الكسوف. 3) انظر المستطرف Cap. LXXVII. 4) انظر ما تقدّم ص 7.
39قانونيّة، وفيها تسعةٌ وتسعون اسمًا، ورأوا في تلاوتها على هيئة وِرْدٍ قداسةً وأجرًا أعظم، إذ افترضوا أنّ فيها ما يسمّى الاسمَ الأعظم، وهو الذي كان سليمانُ الحكيم يعلمه.1) بل زعموا أنّ من حفظ هذا الوردَ عن ظهر قلبٍ ضُمِن له دخولُ الجنّة. وفي مجموع أحاديث البخاري (ت 256هـ) لا يُذكر إلا أنّ لله تسعةً وتسعين اسمًا، أمّا في مجموعَي الترمذي (ت 295هـ، 907م) والبيهقي (ت 458هـ، 1066م) فنجدها مسرودة. ويُستفاد من ذلك أنّ تقرير هذه الأسماء وقع في القرن الثاني أو الثالث من الإسلام.
ومع تزايد تأليه النبيّ على الدوام، رأوا سريعًا أنهم مَدينون له هو أيضًا بوِرْدٍ كهذا من أسماء التشريف. وثمّة كتابُ أدعيةٍ ما يزال شديدَ الانتشار إلى اليوم (دلائل الخيرات)، أُلِّف في القرن الخامس عشر، يورد هذه القائمة فعلًا، وفيها ما لا يقلّ عن 201 اسمٍ من أسماء التشريف؛ ومنها — وهذا ممّا لا يجوز إغفاله — أسماءٌ شتّى تُطلق على الله أيضًا (نور، وقويّ، وجبّار، ومهيمن، ورحيم، ورؤوف، وما إلى ذلك)، ولا تتميّز عن أسماء الله إلا بأنّ تلك معرَّفةٌ بالألف واللام.
ومن الظاهر أنّ انتشار السُّبحة يتّصل بظهور هذه الأوراد، لِما تحتاج إليه من عونٍ للذاكرة؛ وفضلُ ابتكارها أوّلَ مرّةٍ يرجع إلى زُهّاد الشرق ونُسّاكه. ونجد السُّبحة مذكورةً منذ نحو سنة 280هـ (893م)، أي في أواخر القرن التاسع الميلادي، على أنها شائعةٌ في الشرق شيوعًا تامًّا2)، في حين يقع
1) انظر المواقف p. 162, 163. 2) المسعودي: VIII 119.
40انتشارُها في أوروبا في زمنٍ متأخّرٍ عن ذلك بكثير.1) على أنّ فضل اختراع السُّبحة لا يرجع إلى العرب، بل هي من الهند، من العهد البوذيّ على وجه التحديد، حين كانت الرهبانيّة قد تأصّلت بأورادها وترديدِها الآليّ للطقوس الطويلة. ولمّا عرف العربُ البوذيّةَ بعد فتح فارس، اقتبسوا السُّبحة فيما اقتبسوه من أمورٍ أخرى أهمَّ منها بكثير.2) وعن طريق العرب انتقلت هذه الأداةُ لأشدّ ضروب التقوى الزائفة بلادةً إلى أوروبا، حيث وجدت طريقها سريعًا بفضل الرهبانيّات الكثيرة وإخوانِ التسوّل الجوّالين. واقتبس العربُ من البوذيّة في الوقت نفسه اقتباسًا آخر، غير أنه ليس ماديَّ الطبيعة. فقد عرفوا من مخالطة البوذيّين تعاليمَ تلك الفلسفة الصوفية في وحدة الوجود، وهي التي كانت تُدرَّس في المدرسة المعروفة باسم «ﭬيدانتا». ومعلومٌ أنّ زُهّاد الهند يعلّقون وزنًا كبيرًا على تكرار الصيغة المقدّسة: «أوم ماني بادمي هوم»، أو: «تات تفام أسي». وكانوا يكرّرونها مئاتِ المرّات وآلافَها، ولعلّ السُّبحة خدمت هنا وسيلةً لضبط
1) Tylor: Anfänge der Cultur II. 373. 2) السُّبحة البوذية 108 حبّات، أوّلُها وأوسطُها أكبرُ عادةً؛ أمّا السُّبحة المحمّدية فحبّاتها بعدد أسماء الله التسعة والتسعين، وفيها حبّةٌ ختامية تتميّز عن سائرها بالحجم. انظر Koeppen: Die Religion des Buddha II. 319. وأمّا المسبحة المسيحية على ما شاعت في القرون الوسطى ففيها 15 حبّةً كبيرة و150 صغيرة؛ يُدعى عند كلّ كبيرةٍ بـ«أبانا الذي في السماوات» وعند كلّ صغيرةٍ بـ«السلام عليكِ يا مريم». ويقال إنّ مبتكر هذه الرياضات الشديدةِ الشبه بالأوراد العربية هو القدّيس دومينيكوس، وقد وقع قرب كومبوستيلا في أيدي قراصنةٍ سراسنة. وفي أخبارٍ أخرى أنّ بطرس الناسك هو الذي ابتكر نحو سنة 1090 مسبحةَ الخمس والخمسين حبّة. Ducange: sub voce rosarium. غير أنه لا شكّ في أنّ كليهما إنما حاكى ما رآه عند زُهّاد المحمّديّين.
41عددِ التلاوات. وحاكت الشعوبُ المحمّدية هذه الرياضاتِ الزهدية، فكانوا يردّدون في جماعةٍ أو فرادى اسمَ الله أو صيغةَ «لا إله إلا الله» ساعاتٍ متطاولة. وضمّوا إلى ذلك ضروبًا أخرى من تعذيب النفس، عرفها الإسلامُ من الهند كذلك، كحبس النَّفَس، وطولِ الصيام، والسهرِ في مكانٍ مظلمٍ مغلق: وكلُّها وسائلُ من شأنها أن تُحدث هياجًا عصبيًّا وَجْديًّا، وخداعًا للحواسّ، وأحوالًا ذهنيةً شاذّة.1)
ومع استفحال النزعة الوجديّة الهائمة، نشأت في الشرق المحمّديّ — كما هو معلوم — طوائفُ كثيرة من إخوان التسوّل وطرقُ الدراويش، ولها قواعدُ سرّيّة تخصّها، تتعلّق في أكثرها بكيفيّة بلوغ الوجد الصوفيّ. فعند بعضهم خلوةٌ طويلة متّصلة في مكانٍ مظلمٍ منفرد، يصحبها صيامٌ شديد وتقشّف؛ وعند آخرين أورادٌ جماعية يُنشدونها في جوقةٍ حتى يغيب الوعيُ من الإعياء أو تحضر الرؤى. وعند غيرهم رقصٌ وحركاتٌ عنيفة بالبدن على أنغام الموسيقى وإنشادِ الأناشيد المقدّسة.
على أنّ ذلك كلّه لم يغيّر شيئًا من مراسم العبادة القديمة في الإسلام، فظلّت الصلواتُ المفروضة تُؤدَّى كما كانت تمامًا؛ إذ حتى حين تسلّلت عناصرُ مناوئة للإسلام إلى مختلف الأحزاب الدينية والفِرَق والجماعات التي نشأت مبكّرًا بكثرةٍ وتنوّع — وقد حدث ذلك فعلًا — فقد حرصوا على الأقلّ على حفظ القشرة الخارجية للإسلام،
1) انظر Culturgesch. Streifzüge p. 45 ff.
42اتّقاءً لبطش الحكومة. وبقيت العبادةُ الرسمية العلنية على حالها لم تتغيّر، غير أنّ الشعور الدينيّ عند الفرد لم يعد يجد فيها كفايتَه، فانتشرت النزعةُ الزهديّة، وظنّ الناس أنّ المداومة على الدعاء تنتزع من الله في آخر الأمر ما يريدون؛ بل تطلّ هنا وهناك تلك الفكرةُ الهنديّة الخالصة: أنّ الإنسان يكتسب بقوّة الدعاء خصائصَ فوق الطبيعة، وأنه يصير شبيهًا بالله، وأنه يقهر العناصر ويجترح المعجزات؛ بل ظهرت فكرةُ اتّحاد الإنسان بالله عن طريق الوجد الصوفيّ، متفرّقةً في البداية ثم أكثرَ شيوعًا بكثير فيما بعد.
وهكذا حلّ شيئًا فشيئًا هُيامٌ صوفيّ محلَّ التوحيد القديم الصارم، وأزاحت صيغُ دعاءٍ جديدة الصيغَ القديمة التي كانوا يرونها بالغةَ القداسة والأثر؛ ويتبيّن بوضوحٍ أنّ نزعةَ وحدة الوجود تمهّد — كما في سائر الأديان التي تجاوزها الزمن وأدركها الهرم — للانتقال إلى شيءٍ جديد ولزوال القائم. فما إن يعجز دينٌ عن أن يقيم عقائده في النفوس حقيقةً لا تُنازَع، وما إن يعجز عن خنق كلّ شكّ، حتى تذهب حيويّته. وهكذا سقطت وثنيّةُ اليونان ورومة القديمة أمام وحدةِ وجودٍ لا قوام لها، ومثلُ ذلك يظهر في تعليم البراهمة الهنديّ الذي أفضى آخرَ الأمر إلى البوذيّة.
لكن لا ينبغي إغفالُ أنّ هذه الأفكار الغريبة، وإن نفذت إلى الإسلام، لم تجد تربةً خصبة إلا حيث فُرض دينُ القرآن على شعوبٍ ليست من أصلٍ ساميّ. أمّا جمهورُ العرب الخُلّص فقد تمسّكوا — على الرغم من التغيّرات والتحوّلات التي جاء بها الزمن هنا كما جاء بها في كلّ مكان —
43بالعبادة القديمة؛ وهذه العبادة، وإن فقدت روحُها الباطنة كثيرًا من حيويّتها القديمة، قد استطاعت في صورتها الظاهرة أن تصمد للقرون غيرَ متزعزعة.
وهذا أدعى إلى العجب، لأنّ دين القرآن أبعدُ ما يكون عن اليُسر، فقد طلب كثيرًا. فإلى جانب الصلوات الخمس في اليوم والنوافلِ الموصى بها خاصّةً، على المسلم أن يؤدّي الزكاة (زكاة المال)، وأن يصوم شهر رمضان، وأن يحجّ إلى مكة، وأن يستجيب عند الحاجة لفريضة النَّفير العامّ (الجهاد). وعليه فوق ذلك أن يراعي أحكامَ الطهارة والأطعمة، وهي شديدةُ التعقيد، ويتدخّل بعضُها في تفاصيل الحياة اليومية تدخّلًا مزعجًا حقًّا. فلمّا كانت الصلاة لا تصحّ ولا تنفع إلا في حال الطهارة الشرعية التامّة، كثيرًا ما وقع أن يضطرّ المرءُ إلى إعادة الصلاة كلِّها مع الوضوء السابق لها، بسبب نجاسةٍ لم ينتبه لها أو لم يتوقّعها. وعُدّ من الحيوان الخنزيرُ والكلب نَجِسَين على وجه الخصوص، ثم الجلودُ التي لا تطهر إلا بالدباغ، خلا جلدَي الخنزير والكلب فإنهما نَجِسان أبدًا، ثم العظامُ والشعر؛ وحُرّمت آنيةُ الذهب من غير أن تُعلَن نجسةً صراحةً، وهو حكمٌ لم يُراعَ قطّ على كلّ حال. وأخيرًا عُدّ لمسُ المرأة في أحوالٍ معيّنة مُنجِّسًا، وكذلك فضلاتُ الجسم البشريّ ومنها الدم، من الإنسان والحيوان جميعًا. وقد بحث الفقهاءُ المتأخّرون هذه النظريات بوسواسٍ مَرَضيّ، وأطالوا فيها، وجعلوها موضوعًا محبَّبًا لرسائل الجدل العلميّ.1)
1) فمن أقدم الفقهاء وأجلّهم الشيبانيّ، وقد أورد في كتابه «الجامع الكبير» أحكامًا مفصَّلة في كيفية غسل الثوب أو العضو ليعود طاهرًا. شرح الجامع الكبير: باب من الطُّهر في الوضوء والثوب.
44وهذا التشبّثُ المدقِّق بالظواهر، شأنُه شأنُ مذهب الطهارة الشرعية كلِّه، إرثٌ من اليهودية، انتقلت شكلانيّتُها المميتة للروح إلى الإسلام.
وسرت أحكامٌ دقيقة مثلُها على الأطعمة كذلك. فكلُّ حيوانٍ لم يُذكَّ على الوجه المشروع نَجِس؛ والذكاةُ أن يُقطع الحلقومُ مع الأوداج مع التسمية: «بسم الله!»، وأن يسيل الدمُ من غير حائل. على أنّ طبقاتٍ بأسرها من الحيوان عُدّت نجسة، كلِّ سبعٍ ذي مخلبٍ ونابٍ قاطع؛ ويبدو أنّ ذواتِ الحافر الواحد (الحمير والخيل والبغال) كانت في الأصل محرَّمةً كذلك، اتّفاقًا مع أحكام الأطعمة اليهودية1)، وإن لم يرد بذلك نصُّ تحريمٍ محدَّد. وعُدّت مباحةً للطعام ذواتُ الظِّلف المجترّة، ومنها الجملُ الذي هو نجسٌ عند اليهود.2) وأُحلّ من حيوان الماء السمكُ، ومن الحشرات الجراد. وثمّة بالطبع استثناءاتٌ كثيرة وأحكامٌ جزئية. ويبدو أنّ الفيصل في ذلك كلِّه كان العادةَ الشعبية القديمة، وهي ترجع — شأنَها شأنَ أحكام الأطعمة اليهودية — إلى قواعد معيشةٍ وأحكامٍ مسبقة أصليّة مشتركة بين أقدم القبائل السامية. ولهذا يقول فقيهٌ قديم: «كلُّ ما استطابته العربُ فهو حلال، ما لم يحرّمه الشرعُ نصًّا.»3) وسرت على الصيد أحكامٌ خاصّة مخفَّفة.4)
1) الموطّأ II. 359. 2) انظر Leviticus XI. 3 ff. Deuteron. XIV. 7 f. Haneberg: Die Alterthümer der Bibel II. Aufl. p. 481. 3) أبو شجاع p. 41. 4) الموطّأ: كتاب الصيد.
45ومهما تكن هذه الأحكامُ الدقيقة ثقيلةً، ومهما تكبح حرّيةَ الحركة، فقد عوّض الإسلامُ أتباعَه عنها بمزايا ليست بالقليلة. فقد وضع نظريّةً في الكفّارة تتيح تدارك كلّ شيء، من أصغر زلّةٍ إلى أثقل جريمة. ولكلّ الأديان نظرياتٌ كهذه، غير أنّ المفسدَ الهادمَ للأخلاق منها ما عُلّق فيه هذا التطهّرُ من الذنب — أي الكفّارة — لا على التوبة والتقديس الباطن المقترنِ بالسعي الصادق إلى تدارك الخطأ المرتكَب، بل على مجرّد فعلٍ ظاهر، ضربٍ من الافتداء، أو على غفرانٍ كهنوتيّ كثيرًا ما يُشترى بالمال. وقد بقي هذا الضلالُ الأخير غريبًا عن الإسلام، أمّا الأوّل فبلغ في مقابل ذلك شأنًا أعظم. فكاد المرءُ يفتدي نفسه من كلّ ذنبٍ بالفدية أو الصيام أو الصلاة. وكانت الكفّارةُ التي يتطهّر بها عادةً إطعامَ عددٍ من المساكين، أو عتقَ رقبة، أو صيامًا شديدًا.1) ولم يجرِ القصاصُ أو الدِّيَةُ بحسب تعرفةٍ مقرَّرة إلا في القتل والجراح.
وكان الشرعُ متسامحًا إلى أبعد حدّ في الحنث في اليمين خاصّةً. وسادت عمومًا فكرةُ أنّ كلّ ذنبٍ يُغفَر إلا الكفر. وبالصيام والقيام في شهر رمضان تُنال مغفرةُ الذنوب2)؛ وكلُّ ذنبٍ يمكن أن تغسله الصلاة.3)
وقد ظهر مبكّرًا ارتدادُ الضمير الأخلاقيّ على هذا التصوّر السطحيّ الشكليّ المحض؛ فمدرسةُ المعتزلة العقلية علّقت وزنًا خاصًّا على السلوك الأخلاقيّ في مقابل
1) البخاري 1183. 1211 (كتاب الصوم) 3542 (باب كفّارة الأيمان). 2) نفسه 29. 3) نفسه 354. انظر الأغاني XV. 60.
46التقوى الظاهرة وحدها، وفي زمنٍ متأخّر كانت المدرسةُ الصوفية هي التي جعلت الثِّقلَ الأكبر على طهارة القلب والتقديس الباطن، في مقابل الصِّيَغيّة المميتة للروح عند أهل السنّة؛ حتى إنّ الغزاليّ نفسه، وهو قليلُ البعد عن مذهب أهل السنّة، يعلّم في نظريته في الذنب أنّ كلّ ذنبٍ يكتبه الله ولا يمحوه إلا إذا تاب صاحبُه توبةً صادقة.1) ويقول صوفيٌّ آخر: زفرةُ فقيرٍ على شهوةٍ لا يقدر عليها خيرٌ من صلاة غنيٍّ ألفَ سنة.2)
غير أنّ تصوّراتٍ كهذه لم تُحدث تنقيةً شاملة، وظلّ مذهبُ أهل السنّة يحكم الجموعَ بقوّةٍ لم تنقص.
وكلّما تقادم الإسلامُ وخبت ناره الباطنة، ازدادت هذه القشرةُ الواقية من المراسم المحيطةِ به تصلّبًا وهشاشة، وازداد تمسّكُ الجموع بهذه الظواهر التي تُشبع شعورَهم الدينيّ تمسّكًا أشدَّ خرافةً وأقلَّ فكرًا، من غير أن يعنيهم اللبُّ في شيء. كذلك يتشبّث المحتضِرُ بآخر أملٍ في الحياة، لا يتدبّر ما تُخفيه في حِجرها من خيباتٍ ومتناقضات.
1) الإحياء IV. 186. 2) أبو سليمان الرازي، نقلًا عن الباجوري 68.
1) يجعل كريمر وفاة الترمذي سنة 295هـ (907م)، والمعروف أنها سنة 279هـ. والخطأ خطؤه، وقد أُبقي في المتن كما هو.
2) في الأصل المطبوع «Koeppen … II. 8319»، والرقم 8 زيادةٌ من عيوب الطبع أو القراءة الضوئية؛ والصواب 319، وقد أُثبت كذلك.
3) العبارة المنسوبة إلى «فقيهٍ قديم» («كلُّ ما استطابته العربُ فهو حلال…») يوردها كريمر بالألمانية محيلًا على «أبو شجاع p. 41»، ولم تُحمَل هنا على صيغةٍ مأثورةٍ بعينها، بل نُقلت عن الألمانية.
4) «Armentaxe (Vermögenssteuer)» مردودةٌ إلى «الزكاة (زكاة المال)» بحسب المسرد، لا إلى «ضريبة الفقراء».
5) عناوين أبواب الحديث والفقه المكتوبة عند كريمر بحروفٍ لاتينية (صلاة الاستسقاء، صلاة الكسوف، كتاب الصيد، باب كفّارة الأيمان…) رُدّت إلى صورتها العربية؛ أمّا أرقام الصفحات والأجزاء وعناوينُ المراجع الأوروبية فبقيت على حالها من غير تغيير.