… الكهرباء الموجبة والسالبة. فإن رجحت الأولى نشأ مركزٌ يمارس على ما حوله قوّةَ جذبٍ أشدَّ من القوّة المماثلة الصادرة عن سائر المراكز. فتجتمع حول هذا المركز الجُزيئاتُ المُذعِنة على هذا النحو للجذب الأقوى، وكلّما اجتذب من هذه الجزيئات أكثر عظُم أثرُه وصارت قوّتُه الجامعة أظهرَ للحسّ. والبيضةُ والخليّة هما عندنا أقربُ مواضع هذه القوّة المشكِّلة إلى الإدراك، وهي قوّةٌ لعلّه لم يُؤذَن لعينٍ بشريّةٍ أن ترى مصنعها الأخير ومَعينها الأعمق. وعلى هذا النحو تنشأ التكوّناتُ الجديدة في الحياة الماديّة، وكذلك — فيما أرى — في الحياة الروحيّة.
مثلُ هذه القوّة الجاذبة الجامعة كانت في تلك الأفكار التي أنشأها نبيُّ مكّة أوّلَ إنشائها. وأمّا أحوال المكان فتبدو حقًّا في غاية المنافاة لظهور قوّةٍ كهذه.
فالحجاز، وهو ساحل شبه جزيرة العرب الشماليّ الغربيّ، ناحيةٌ جدباء حجريّة، لا يقوم فيها تحت الشمس المحرقة ومع قلّة المطر إلّا نباتٌ ضامرٌ يكابد بقاءه.
غير أنّ فكرةً جديدة نشأت ها هنا فأخضعت من هنا نصف العالم. ويكفي — لنُكوّن لأنفسنا تصوّرًا للسلطان الذي لا نظير له، وهو يُمسك من مكّة، قلبِ الإسلام الدينيّ، الدنيا الإسلاميّةَ كلَّها مجتمعةً — أن نذكر تلك القوافل العظيمة التي تتحرّك من أقاصي البلاد نحو مكّة ما إن يقترب شهر الحجّ الحرام.
فمن سفوح جبال بولور المكسوّة بالثلج، ومن سهوب بلاد التتار الموحشة، وكذلك من شطآن المحيط الهنديّ البعيدة، أو من صحارى بلاد المغرب وأقصى المغرب، تجتمع قوافلُ الحجيج وتأخذ طريقها
3نحو مكّة، بينما تنشر مئاتُ السفن قلوعها فتيمّم مرافئ بلاد العرب مثقلةً بالحجّاج.
وتقع مكّة في وادٍ رمليٍّ ممتدٍّ من الشمال إلى الجنوب، تحفّه من الغرب سلاسلُ من التلال المنخفضة، ومن الشرق صفٌّ من الجبال الغرانيتيّة أعلى منها قليلًا. وهذا الوادي على ما هو عليه من الجدب والوحشة وقلّة النبات، محاطًا من كلّ جانبٍ بتلالٍ حجريّةٍ متكسّرةٍ وبسطٍ رمليّةٍ قاحلة، يبدو لغزًا كبيرًا لا حلّ له: كيف نشأ ها هنا مستوطَنٌ للناس، وكيف نشأ ها هنا موضعُ عبادة. ولمّا كان قاع الوادي ينحدر من الشمال إلى الجنوب، وكانت الثنايا المختلفة المنحدرة من سلسلة الجبال القائمة بين مكّة وساحل البحر — وهي ترتفع من 2,000 إلى 3,000 قدمٍ فوق سطح البحر — تصبّ في وادي مكّة، فإنّ مياه الشتاء المنحدرة من هناك تأخذ مجراها إلى هنا، فتُحدث سيولًا مفاجئةً كثيرًا ما تندفع في الوادي الضيّق بقوّةٍ لا تُقاوَم فتُخرّب كلّ مستوطَن. وبيتُ مكّة قائمٌ تمامًا في موضعٍ خَطِر، وقد أصابته المياهُ الجامحة بأضرارٍ بالغةٍ غير مرّة. ولا بدّ أنّ الاتّصال بالعالم الخارجيّ كان دائمًا عسيرًا غيرَ مأمون. فمكّة تبعد عن الساحل نحو اثنتي عشرة ساعة. ولا شكّ أنّ قبائل الأعراب كانت في القديم تجعل هذه الناحية بالغةَ الخطر على كلّ غريب. أمّا من المشرق والجنوب، وكذلك من الشمال، فتحيط بالمدينة المقدّسة نواحٍ فسيحة، بعضُها قفرٌ لا يسكنه إلّا الرُّحّل، وقد جعلت بلا شكّ بلوغها من تلك الجهة أعسرَ بكثيرٍ من بلوغها من ساحل البحر. فإذا نشأ ها هنا مع ذلك واحدٌ من أعظم مجامع الأمم، لم تكن هذه الحقيقةُ إلّا برهانًا مُقنعًا على ما لتيّارات الفكر التي تُخضع بني الإنسان من سلطانٍ يقهر العالم.
1*
4وعبثًا يحاول المرء أن يتقصّى أصل العبادة المكّيّة. فقد نشأت في أزمنةٍ سابقةٍ للتاريخ. ولعلّ الأمر كما يزعم رحّالةٌ محدَث: أنّ متعبّدًا وحيدًا، ناسكًا متبرّمًا بنفسه وبالدنيا، ضرب ها هنا أوّلَ ما ضرب مسكنه في الصحراء الخالية من الناس، ثمّ أخذت قبائل ما حوله المتوحّشة تقصد هذا الموضع شيئًا فشيئًا في خشوعٍ تقيٍّ لتطلب بركةَ الرجل الصالح؛ أو — وهو الأرجح — لعلّ صخرةً غريبة الشكل، أو نيزكًا هوى من السماء، نال في العصر الأوّل تعظيمَ قبائل الرعاة المجاورة تعظيمًا خرافيًّا، فإنّ هذه العبادة البدائيّة عادةٌ موغلةٌ في القدم مشتركةٌ بين القبائل الساميّة كلِّها. والمقطوعُ به شيءٌ واحد: أنّ هذا الموضع كان يُعَدّ منذ أبعد الأزمنة مقدِسًا قوميًّا لقبائل شماليّ العرب. فديودورُ الصقلّيّ1) يتكلّم منذ زمانه على هيكلٍ لقبائل العرب عظيمِ الحرمة، ويذكر بطليموسُ اسمَ Makoraba الذي يدلّ ظاهرًا على مكّة، وإن لم يعد ممكنًا أن يُحلّ لغزُ نشأته ومعناه الحقيقيّ على وجه اليقين. وهذا الموضع العتيق المهيب هو الذي اختاره الإسلام كذلك مقدِسًا له، فأبقى الشعائر القديمة التي جرت العادةُ بها هناك على حالها من غير تبديلٍ يُذكر، وشدّد على المسلمين في مراعاتها تشديدًا يُدهش أشدَّ الدهشة، لأنّ مضمون هذه الشعائر كلَّه وثنيٌّ بلا شكّ.
وقد نشرت المبالغةُ التقيّة أو الوهمُ الحماسيّ منذ عهد أوائل أتباع الإسلام وفي مبتدئه أوصافًا في غاية الإفراط لحرمة بيت مكّة، ولأثر الصلاة فيه، ولبركات السماء التي تنسكب على من
1) Diod. Sic. III, 44.
5تعبّد فيه. وسرعان ما تعلّمت بطونُ مكّة الحضريّة أن تُدرك ما يعود عليها من المنافع من حرمة بيتها هذه، فاكتسبت شيئًا فشيئًا امتيازَ أن تكون سَدَنةَ هذا البيت وكهنتَه ينظّمون عبادات المتعبّدين ويقودونها. وقد ارتفع شأنُ هذه الوظائف حين جعل الإسلامُ بيتَ مكّة المقدِسَ القوميّ الأوحد وأزال كلَّ ما كان قبلُ من المواضع المنافسة على اختلافها.
والكعبة، بيتُ الله العتيق كما تُسمّى، هي المركز الحقيقيّ لبناء الإسلام الهَرَميّ كلِّه؛ فإنّ المسجد المحيط بها اليوم — وقد بُدِّل وأُعيد بناؤه مرارًا على مرّ الأزمنة — لا يستمدّ حرمته إلّا منها؛ ومن الكعبة نفسِها يُعَدّ ما يُسمّى الحجرَ الأسود أقدسَ ما فيها وأجلَّ ما يشهد على اصطفاء الله لهذا البيت. والاسمُ وحده (والكعب معناه النتوءُ المزوّى، وما نتأ، ومنه كعب القدم، ثمّ المكعّب: الكتلة المربّعة) يدلّ على أنّ الكعبة لم تكن في أصلها إلّا رَكامًا من الحجارة مكوَّمًا على شكلٍ مربّع، ولعلّ الحجر المقدّس — ذلك النيزك الذي سقط من السماء في هيئةٍ ناريّة — كان مستقرًّا على قمّته، وهو الذي ما زال إلى اليوم يُعظَّم بوصفه الحجر الأسود تعظيمًا لا حدّ له. وليس هذا ممّا يُثبَت تاريخيًّا، غير أنّي أرى أنّ لهذا الظنّ من الرجحان الباطنيّ حظًّا كبيرًا، فإنّ تعظيم الحجارة المقدّسة كان عند قبائل شماليّ العرب — كما عند بني إسرائيل — أوّلَ صور العبادة وأقدمَها.
وقد حلّ محلّ هذا الرَّكام من الحجارة، في زمنٍ كانت قبائل شماليّ العرب قد بلغت فيه درجةً أعلى من التمدّن، بناءٌ حجريٌّ خشِنٌ مربّعٌ لا سقف له، يُحفظ في داخله مالُ
6البيت، بينما بُني الحجرُ الأسود القديم في وجه البناء الخارجيّ ليكون في متناول تعظيم الناس، حيث يمكن للمتعبّدين أن يمسّوه ويقبّلوه. وقد لحق هذا البناءَ الحجريّ المربّع القديم على مرّ الأزمنة تبديلٌ وتجديدٌ كثير، فقد أصابته النوازلُ — من نارٍ أو ماء — بالأذى غير مرّة. وآخرُ ترميمٍ كبيرٍ خرج منه البناء على صورته الحاليّة تقريبًا هو الذي أجراه الحجّاجُ عاملُ الخليفة عبد الملك. ومنذئذٍ رمّم الكعبةَ — وكذلك المسجد نفسَه — خلفاءُ وسلاطينُ شتّى (المهديّ والمعتمد والمعتضد وغيرهم) وزيّنوها ووسّعوها، غير أنّ أكثرها من بناء الحجّاج.
والكعبة مستطيلةٌ مربّعة، طولها 18 قدمًا إنكليزيّةً وعرضها 14، وارتفاعها من 35 إلى 40 قدمًا؛ وبناؤها من كتلٍ حجريّةٍ رماديّةٍ منحوتةٍ نحتًا خشنًا مختلفةِ القدر، موصولةٍ بملاطٍ رديء. وآخرُ بناءٍ جديدٍ لها كان سنة 1630. ولمّا كان السقف مستويًا بدت الصورةُ من بعدٍ صورةَ مكعّبٍ تامّ؛ والبناءُ قائمٌ على قاعدةٍ ارتفاعها قدمان إنكليزيّتان تؤلّف مستوًى مائلًا. ولا يُدخَل إلى جوف البيت الحرام إلّا من بويبةٍ واحدةٍ في الجهة الشرقيّة ترتفع عن الأرض نحو سبعة أقدام. وفي الركن الجنوبيّ الشرقيّ، قرب هذا الباب، بُني الحجر الأسود المشهور على ارتفاع 4 إلى 5 أقدامٍ إنكليزيّةٍ عن الأرض؛ وشكله بيضويٌّ غير منتظمٍ قطرُه نحو 7 بوصات، وسطحه متموّج؛ وهو يبدو في وقتنا كأنّه مركَّبٌ من عددٍ من الشظايا موصولةٍ بلِزاقٍ حجريّ، وقد أُطّر بالفضّة. وثَمّ حجرٌ مقدّسٌ آخر، وهو أقلّ ذكرًا بكثير، مبنيٌّ في الركن الجنوبيّ على ارتفاع خمسة أقدامٍ عن الأرض؛ وهو مركوزٌ في الجدار عموديًّا، عرضه بوصتان
7وطوله قدمٌ ونصف. وموضعُ الجدار الخارجيّ للكعبة بين الباب والحجر الأسود يُعَدّ موضعًا مباركًا يُستجاب فيه الدعاء (الملتزَم).1)
وتتميمًا لهذا الوصف للكعبة لا بدّ أن ننبّه إلى أنّ جوفها خالٍ، ما خلا زخارف في السقف والجدران بالذهب والفسيفساء. ويُعرض على الناس من الطرائف ميزابٌ يُزعم أنّه من الذهب الخالص، يبرز في الجهة الشماليّة الغربيّة على نحو قدمين تحت السقف المستوي؛ وتحته تمامًا (داخل ما يُسمّى الحطيم) رخامتان في الأرض يُقال إنّ تحتهما قبرَ إسماعيل وأمّه هاجر. وتحيط بالكعبة كسوةٌ من نسيجٍ ثمين لا تدع مكشوفًا في العادة إلّا الثلث الأسفل من الجدران: وهي المسمّاة كسوةَ الكعبة، تُجدَّد كلّ سنةٍ ويبذلها الخليفةُ أو الأميرُ الحاكم. ويمسك الكسوةَ حزامٌ يدور بالبناء كلِّه، وهو أيضًا من نسيجٍ ثمينٍ مغطًّى كلُّه بكتابةٍ مطرَّزةٍ بالذهب، ويمكن فوق ذلك أن تُشَدّ الكسوة بحبالٍ مثبَّتةٍ في الأرض. ولون هذه الكسوة اليوم أسود،2) أمّا قبلُ فكان أخضر (ابن جبير).
وحول الكعبة عددٌ من المواضع المقدّسة والمعالم الدينيّة. ويدور بها مسلكٌ مفروشٌ بالغرانيت. وفي الجهة الشماليّة الغربيّة موضعُ قبر إسماعيل بن إبراهيم وهاجر على ما يُزعم. وهنا حاجزٌ من الجدار نصفُ دائريٍّ يُسمّى الحطيم، يبعد عن جدار الكعبة 3 إلى 4 أقدام، وارتفاعه نحو خمسة أقدام، ويُقال إنّه يحدّ الموضع الذي كانت الكعبة
1) ابن جبير ص 80. 2) قارن Burton: Pilgrimage II. p. 295 ff.
8تشغله قبلُ. والفضاءُ الذي يحيط به هذا الحاجز يُسمّى الحِجر. وفي الجهة الشماليّة، لصيقًا بالجدار، يُرى حوضُ ماءٍ من رخام، طوله اثنا عشر شبرًا وعرضه خمسة أشبارٍ وارتفاعه نحو شبر، يُقال إنّه يحدّ الموضع الذي كان مصلًّى في زمن إبراهيم؛ وهو اليوم يُتلقّى فيه ماءُ الغسل إذا غُسلت الكعبة. ويسمّيه ابن جبير (ص 83) روضةً من رياض الجنّة. وأمّا سرعةُ تبدّل مثل هذه الأخبار واختراعِ غيرها مكانها فيدلّ عليها خبرُ بوركهارت، وعلى مقتضاه أنّه يحدّ الموضع الذي أعدّ فيه إبراهيمُ وإسماعيلُ الملاطَ لبناء الكعبة.1) والمسلكُ المفروش الذي يطوف الحجّاجُ فيه بالكعبة سبعًا يمرّ خارج الحطيم، والحطيمُ يُعَدّ جزءًا لا يتجزّأ من الكعبة. وعلى الجانب الخارجيّ من المسلك المفروش تقوم في نظمٍ دائريٍّ اثنتان وثلاثون ساريةً نحيلةً من البرونز المذهَّب — أو هي بالأصحّ قضبان — بين كلّ اثنتين منها قنديلٌ من زجاجٍ يُوقَد بالليل. ويحيط بهذا السياج من السواري ممشًى آخرُ أعلى قليلًا مفروشٌ بالحجارة عرضه ثماني خطوات، يليه فرشٌ حجريٌّ آخرُ أعلى منه بستّ بوصاتٍ وعرضه 18 قدمًا، عليه أبنيةٌ صغيرةٌ شتّى؛ ووراءه يبتدئ صحن المسجد المفروش بالحصى، فيكون النزول منه إلى الكعبة — على ما تقدّم — بدرجتين، حتى إنّها مع ما حولها من المواضع المقدّسة تنخفض عن صحن المسجد بنحو 6 أقدام؛ والصحنُ نفسُه لا يزال هو أيضًا أخفضَ قليلًا من شوارع المدينة المجاورة له.
والأبنيةُ الصغيرة المذكورة آنفًا هي: مقاماتُ الصلاة للمذاهب السنّيّة، وهي أجنحةٌ صغيرةٌ مفتوحةٌ من كلّ جهةٍ تحملها سوارٍ أو أعمدة، بعضُها ذو سقفٍ مائلٍ على هيئة الپاغودا (مقاما المالكيّة والحنابلة)، وبعضُها ذو طبقةٍ
1) Burton: II. p. 163.
9عليا (مقام الحنفيّة)؛1) ولا يتفرّد بصورةٍ خاصّةٍ إلّا البناءُ الذي فيه بئر زمزم المقدّسة؛ وهو مربّعٌ كلُّه من بناءٍ مصمَت، له طبقةٌ عليا جرت عادةُ مؤذّني الشافعيّة أن يقوموا فيها؛ وفي الجهة الجنوبيّة الشرقيّة من بيت البئر قبّتان صغيرتان مطليّتان بألوانٍ صارخةٍ بلا ذوق، تُحفظ فيهما آلاتُ البيت وكذلك خزانةُ الكتب. وعلى خطواتٍ إلى الشمال الغربيّ من زمزم، وفي مواجهة بويبة الكعبة تقريبًا، يقوم بابٌ منفردٌ تمامًا مبنيٌّ في صورةٍ حسنةٍ ذو قوسٍ مستديرة، ارتفاعه 18 قدمًا إنكليزيّةً وسَعته 15 قدمًا، ويُسمّى «باب السلام»، ولا يجوز أن يُخلط بباب المسجد المسمّى بالاسم نفسِه. وغيرَ بعيدٍ منه، وأقربَ إلى الكعبة من أيّ بناءٍ آخر، تنهض قبّةٌ ضيّقةٌ تحملها ستّ دعائمَ ارتفاعها 8 أقدام، تُسمّى مقام إبراهيم، ويُحفظ فيها حجرٌ عليه أثرُ قدم الخليل. ويطلب الحجّاجُ الأتقياء أن يُصَبَّ ماءُ زمزم في حفرة الحجر ثمّ يشربونه في نشوةٍ تقيّة.2) وإلى جانبه ينهض منبرُ المسجد قائمًا بذاته، وهو كلُّه من رخام؛ يُصعَد إليه بدرجٍ مستقيمٍ ضيّق. وبعد أن قدّمنا بذلك صورةً للكعبة وما حولها لم يبقَ علينا في أمر المسجد إلّا القليل. فصحنه الكبير طوله 250 خطوةً في 200 خطوةٍ عرضًا، والكعبةُ ليست في وسطه بالضبط. كما أنّ الشكل غير منتظمٍ تمامًا، وإن بدا كذلك لأوّل نظرة. وتمتدّ حوله أروقةٌ طويلةٌ من ثلاثة صفوفٍ — وأربعةٍ في بعض المواضع — تحمل عقودًا مقنطرةً بالقوس المدبَّب،
1) بناءٌ مربّعٌ مفتوحٌ من كلّ جهة، ذو طبقتين، في أولاهما 12 سارية وفي الأخرى 6. 2) ابن جبير ص 82.
10يعلو سقفَها المستوي قِبابٌ لا تُحصى نصفُ بيضيّة، بينما تشرئبّ فوقها المآذنُ — وهي اليوم سبع — عاليةً في الجوّ. ويُدخَل إلى المسجد من تسعة عشر بابًا وبويبة.
وهذا الوصف كافٍ ليُكوّن المرءُ لنفسه تصوّرًا للأثر الجامع لهذا المصلّى العظيم من مصلّيات الإسلام. ولا ننسَ أن نضيف أنّ حركة الناس في هذه الأرجاء المقدّسة لا تنقطع أبدًا: فهي بالنهار كما بالليل غاصّةٌ بأشدّ الحشود تنوّعًا من مصلٍّ أو ناظرٍ أو مستغرقٍ في تأمّلٍ تقيّ. ويُحمَل إليها المحتضرون ليحيّوا الكعبة بآخر نظرةٍ من العين المنكسرة، ويرجو فيها المرضى الشفاءَ والمنكوبون العزاء. وقد جرت العادة منذ العصر القديم أن يتعلّق المستجيرون بأركان الكعبة.1) وما إن يبسط الشفقُ — وهو يستحيل سريعًا إلى ليل المشرق المضيء بالنجوم — أوّلَ ظلاله على الناحية، حتى تتلألأ ألوفُ القناديل التي لا يفعل ضوءُها المضطرب المرتجف في الحقيقة إلّا أن يجعل الظلمة أظهرَ للعين. عندئذٍ تسقط ظلالٌ شبَحيّةٌ في الأروقة والعقود، بينما ينهض في وسط الفضاء الواسع مكعّبُ الكعبة الجبّار المكسوّ بالسواد كأنّه وحشٌ مُنذِر، لا يزال محاطًا بجموع المصلّين المشتغلين بالطواف المفروض سبعًا حول البيت الحرام. وتتولّد الأوهامُ الدينيّة في النفوس من تلقاء ذاتها تحت وقع هذا المشهد العظيم الغريب القاهر. فإذا مرّ على الكعبة نفَسُ ريحٍ أقوى فحرّك كسوتها السوداء، خُيّل إلى الجمهور أنّهم يرون خفقَ أجنحة جحافل الملائكة المجتمعة هنا، وتتدفّق من ألوف الحناجر —
1) ابن إسحاق I، ترجمة Weil، ص 137، والنصّ ص 183.
11… كهدير البحر، يعلو نداءُ «لبّيك اللهمّ لبّيك!» فوق المسجد وفوق المدينة، ثم يرتدّ صداه عن الجبال الصخرية القريبة.
وقد التفّ حول هذه المواضع البالغةِ الحرمة منذ وقتٍ مبكّر إكليلٌ من الأساطير أضفى عليها سحرًا لا بدّ أن يترك في نفوس أهل المشرق — وهي شديدةُ التهيّؤ لمثله — أثرًا لا ينمحي. قالوا: الكعبةُ الأرضية صورةٌ على مثال الكعبة السماوية، وإنّ آدم بناها على ذلك المثال بأمرٍ من الله نفسِه؛ ثم أعاد إبراهيمُ رفعَها بعد الطوفان، وهكذا ظلّ بيتُ الله يتجدّد على أيدي الأجيال المتعاقبة إلى أواخر القرون.
ولمّا بلغ محمدٌ الخامسةَ والثلاثين من عمره، قُبيل نهوضه بأمر النبوّة، اتّفقت بيوتُ مكة السائدة على إعادة بناء الكعبة؛ فقد كانت يومئذٍ جدارًا في قامة الرجل من حجارةٍ مرصوفٍ بعضُها فوق بعض. فأرادوا أن يرفعوا البناء وأن يجعلوا له سقفًا، لأنّ كنزَ الكعبة المخبوء في جُبٍّ داخلها كان قد سُرق فلم يُستردّ إلّا بعد عناء. وكان البحرُ قد طرح قبل ذلك بقليلٍ عند جُدّة سفينةً روميّةً إلى الساحل، فأرادوا أن ينتفعوا بخشبها في السقف. غير أنّ في بئر الكعبة القديمة — على ما تقول الأسطورة — حيّةً كانت تتشمّس نهارًا على الجدار وتُخرج لسانها لكلّ من أراد الدنوّ. ثم انقضّ عليها عُقابٌ ذات يومٍ فاختطفها بمخالبه وطار بها، فعدّوا ذلك فألًا حسنًا، وعزموا آخِرَ الأمر على هدم الجدران. فشرعوا في ذلك حتى بلغوا الحجارة المنحوتة التي زعموا أنّها من عهد إبراهيم، وقد رُصفت كتلًا غيرَ منتظمةٍ بعضُها فوق بعضٍ رصفًا محكمًا؛
12فلمّا أدخل أحدُ العمّال عتلتَه بين حجرين ارتجّت المدينةُ كلُّها. فكفّوا من فورهم، وأخذوا يبنون الجدار على القواعد القديمة. ولمّا بلغوا الموضعَ الذي يُركَّب فيه الحجرُ الأسود المقدَّس، ثار بينهم نزاعٌ شديدٌ لمن يكون شرفُ ذلك؛ ثم اتّفقوا آخِرَ الأمر على أن يوكِّلوا به أوّلَ داخلٍ عليهم. فكان الداخلُ محمدًا، فأدّى ما وُكِّل إليه على وجهٍ أرضى الناسَ جميعًا: أمر أن يُوضع الحجر على ثوبٍ أمسك بأطرافه ممثّلو بيوت المدينة الأولى، فرفعوه إلى الموضع الذي يُركَّب فيه، ثم ركّبه محمدٌ بيده.1)
وقد نشر الإسلامُ في أوّل عهده — إثباتًا لقداسة الكعبة ولِما يحوطها من حفظ الله — أسطورةَ ملك اليمن الكافر الذي أراد هدم المدينة والبيت، فأدركه عقابُ الله: طارت سحابةٌ من الطير من ساحل البحر، حتى إذا صارت فوق الجيش أرسلت حجارةً صغارًا، لا تصيب رجلًا إلّا قتلته. فهلك الجيشُ على هذا النحو، ولم يبلغ الملكُ عاصمتَه إلّا ليموت فيها.
ويكشف لنا عن نشأة هذه الأسطورة تعليقٌ يُلحقه أحدُ أقدم الرواة، إذ يقول بعد روايةٍ مسهَبةٍ للزحف على مكة وهلاكِ الجيش: «وفي تلك السنة ظهر الجُدَريّ في بلاد العرب لأوّل مرّة».
ومن جنس الأسطورة كذلك نشأةُ بئر زمزم. فههنا — على ما يقولون — ابتهلت هاجرُ إلى الله تطلب النجاة وقد أشرفت مع ابنها الصغير إسماعيل على الهلاك، فأنبع الله تحت قدم إسماعيل
1) ابن إسحاق I. p. 94. النصّ ص 125.
13أصفى الماء.1) ولذلك نُسبت إلى ماء هذه البئر قوّةٌ تُقدِّس وتطهّر من الذنوب، فما من حاجٍّ يدع الشربَ منه، أمّا الموسر — فإنّ ذلك كلَّه يكلّف مالًا كثيرًا — فيُفرَغ عليه إفراغًا. ويقال إنّ جدَّ النبيّ أعاد حفرَ البئر بعد أن ظلّت مطمورةً حينًا، فوجد فيها غزالين من ذهبٍ مدفونين هناك من قديم الزمان، ووجد سلاحًا كذلك.2)
وأمّا الحجر الأسود، وهو أقدسُ ما يُعظَّم بعد الكعبة، فتروي فيه الرواياتُ التقيّة أنّه جاء مع آدم من الجنّة؛ وكان يومئذٍ أبيضَ كالثلج، ثم اسودّ من ذنوب بني آدم.3) وهي روايةٌ حملت مع ذلك كاتبًا من أهل البلد، على شدّة تقواه، على أن يعلّق بقوله: إنّما اسودّ الحجرُ لأنّه تعرّض للنار مرارًا، لا غير.4)
وننتقل الآن إلى تعداد المواضع المقدّسة الواقعة خارج البيت. فأقربُها إلى المسجد ما يُسمّى المَسعى، وهو الشارع الأعظم، «كورسو» مكة، حيث يجب على الحاجّ أن يسعى سبعَ مرّاتٍ ذهابًا وإيابًا بين المرتفعين: الصفا والمروة، وقد كان عليهما في العصور القديمة صنمان من نحاس؛ ويقال إنّ ذلك تذكارٌ لطلب هاجرَ الماءَ في جزعها. ثم هذه المواضعُ المقدّسة التي يجب على الحاجّ أن يزورها: وادي مِنًى الرمليّ، حيث يقال إنّ الشيطان تعرّض لإبراهيم فطرده إبراهيمُ بالحجارة؛ ثم مُزدلفة وعرفات ومختلفُ الجبال المقدّسة حول المدينة.
1) ابن إسحاق I. p. 53. 2) ابن إسحاق I. p. 69 وما بعدها. 3) Sprenger: Life of Mohammad p. 52. Allahabad, 1861. 4) Caussin de Perceval: Essai sur l’histoire des Arabes. I. p. 171.
14فقد بقي من عهد الجاهلية — على رغم الإسلام، وعلى رغم مناقضة ذلك مناقضةً ظاهرةً لدين محمد — تعظيمٌ للجبال المقدّسة غامضٌ إلى هذا الحدّ أو ذاك. فمن جبل أبي قُبَيس، وهو تلٌّ صخريٌّ مسنَّنٌ شرقيَّ مكة، جاء الحجرُ الأسود فيما يقولون؛ وكان الناسُ في عهد محمد يعتزلون مرّةً في السنة إلى جبل حِراء للتأمّل والتنسّك،1) وهي عادةٌ أخذ بها النبيُّ نفسُه؛ وهو تلٌّ متصدّعٌ حادُّ القمّة كالمخروط. ويُزار جبلُ ثَور لأنّ فيه الغارَ الذي اختبأ فيه النبيُّ في هجرته إلى المدينة. ويُذكر إلى ذلك تلّا ثَبير وقُعَيقِعان، وأخيرًا عُدّ جبلُ عرفات (وكان يُسمّى قديمًا إلالًا) موضعًا مقدّسًا.2)
وفي مكة وحولها فوق ذلك عددٌ غيرُ قليلٍ من المواضع التي على الحاجّ زيارتها، فإنّ الإسلام المتأخّر ضاعف مواضعَ التبرّك إلى غير حدٍّ بما فيه من تعظيم الأولياء والآثار، ووجد في القبور الكثيرة لمن كانوا قريبين من النبيّ — أو في أيّ خبرٍ من أخبار الكتاب المقدّس — المناسبةَ التي يشتهيها. ولا طائل تحت ذكر هذه المواضع كلِّها هنا، ولا فيه إلّا الإملال.
على أنّ من المهمّ التنبيهُ على أنّ مكة كانت تُعَدّ حَرَمًا قبل محمد، أي — على ما يفهمه المشرق — أرضًا مقدّسةً لا يُسفَك فيها دمٌ إلّا دمُ الهدي، ولا يُستعمل فيها سلاح، ولا تُقطع فيها شجرة، ولا يُقتل فيها صيد. غير أنّ حدود هذا الحَرَم كانت في العصر القديم مقصورةً على البيت والمدينة. جاء في شعرٍ قديم: تبكي عيني على حَرَمٍ
1) Sprenger: Das Leben Moh. I. 296. 2) قارن الشعر القديم عند ابن إسحاق، I. 129.
15لا تُؤذى فيه حمامة، يأمن فيه الحمامُ والعصافير؛ والصيدُ فيه آنسٌ كلَّ الأنس لا يطلبه أحد؛ فإن خرج من المدينة لم يُحمَ بعد.1)
ولم يُمَدّ حَرَمُ المدينة إلى ما حولها من الأرض إلّا فيما بعد، وكان محمدٌ نفسُه قد عيّن حدودَه، حيث يبدأ على الحُجّاج القاصدين مكة أن ينزعوا ثياب السفر ويلبسوا ثوب الحجّ (الإحرام)، فلا يجوز لهم خلعُه إلّا بعد تمام مناسك الحجّ. وهذه المواقيتُ محدَّدةٌ تحديدًا دقيقًا لقافلة الشام، ولقافلة المدينة، ولأهل نجد والعراق واليمن.
وبهذا نصل إلى مراسم الحجّ، وهي من الغرابة بحيث تقتضي وصفًا أوفى ههنا.
فما إن تُبصر القافلةُ المدينةَ المقدّسة حتى يرتفع من كلّ حاجٍّ النداءُ المتوارث القديم: لبّيك اللهمّ لبّيك! وقد جرت العادة أن يُترجَم بـ«أنا رهنُ خدمتك يا الله!»، على أنّ معناه الحقيقيّ لم يعد يُدرَك على وجه اليقين. وينزل الحُجّاج عن جمالهم عند باب المسجد، فيستقبلهم المطوِّفون، ثم يبدؤون من فورهم بزيارة الكعبة: يقبّلون الحجر الأسود ثم يطوفون بها سبعًا، ويمسّون في أثناء ذلك بأيديهم الركنَ اليمانيَّ من غير تقبيل؛ ويختمون بتقبيل الحجر الأسود مرّةً أخرى. فإذا فرغوا من زيارة الكعبة قصدوا مقام إبراهيم فنظروا إليه وصلّوا الصلاة المعتادة، ثم شربوا من ماء زمزم. ثم يخرج الحاجّ من باب الصفا إلى
1) ابن إسحاق I. p. 56. وانظر في أمر الحَرَم: البخاري، كتاب الحجّ 962 وما بعدها.
16المَسعى، فيرقى مرتفَعَ الصفا فيكبّر: الله أكبر! ويدعو بالدعاء المعتاد؛ ثم ينزل ويمضي على مهلٍ صاعدًا في الشارع نحو مرتفَع المروة، حتى إذا صار على ستّة أذرعٍ من العلامة الخضراء (وهي عمودٌ أخضر في جدار الحرم) أخذ في سعيٍ أسرع حتى يبلغ العلامتين الأخريين، فيعود إلى مشيه البطيء ويرقى مرتفَع المروة كما رقي الصفا من قبل. وهذا شوطٌ واحد، ولا تتمّ المناسك إلّا بسبعة أشواط. وبهذا ينقضي القسمُ الأوّل من مناسك الحجّ.
أمّا القسمُ الثاني وهو الأهمّ فيقع في الثامن والتاسع والعاشر من ذي الحجّة. ففي أوّل أيّام العيد (يوم التروية) تنهض جموعُ الحجيج المحتشدة في مكة بعد طلوع الشمس إلى وادي مِنًى، وبينه وبينها نحوُ ساعةٍ ونصف: كلُّهم في ثوب الإحرام الأبيض، حُفاةً حاسري الرؤوس، ونداءُ «لبّيك اللهمّ لبّيك!» لا ينقطع من ألوف الحناجر. ويمضي الطريق شمالًا شرقيًّا في أرضٍ حَجِرةٍ صاعدًا شيئًا فشيئًا، ويجري الشارع بين سلاسل التلال مارًّا بجبل حِراء، ويُسمّى اليوم جبل النور؛ ثم يبلغ المرءُ من مضيقٍ صخريٍّ حوضَ وادي مِنًى الضيّقَ الحَجِرَ المحفوفَ بالتلال. ويمرّ الطريق بالقرية — وهي واسعةُ الرقعة — إلى مسجد الخَيف، حيث يقال إنّ آدم مدفونٌ فيه. ويبدأ خلف مِنًى وادي بطنِ مُحسِّر، ثم يُفضي بعدُ إلى وادي مُزدلفة، حيث ينعطف الطريق إلى مسيل عرفات. ثم تلوح مئذنةُ مُزدلفة، وهي بُرجٌ منفردٌ شاهقُ الارتفاع. ويبلغ المرءُ شرقًا عبر المجرى اليابس لسيل عرفات مضيقًا (الأخشبين)، حيث تتقارب سلسلتا التلال حتى تصيرا على مئة قدم. ثم يتّسع الوادي وراءه شيئًا فشيئًا حتى يبلغ المرءُ العمودين — أو بالأحرى الجدارين — اللذين
17يحدّان سهلَ عرفات. وههنا ينزل الحُجّاج تحت الخيام التي تغطّي سهل الوادي كلَّه. والمسافةُ من مكة إلى هنا نحوُ اثني عشر ميلًا إنجليزيًّا.
وجبلُ عرفات، وكان يُسمّى قديمًا إلالًا ويُسمّى اليوم أيضًا جبلَ الرحمة، كتلةٌ من صخر الغرانيت الأسود تتراكم في كتلٍ ضخمةٍ وترتفع عن السهل الحَجِر ارتفاعًا حادًّا نحوَ مئتي قدم.
وفي التاسع من ذي الحجّة تُزار المواضعُ المقدّسة في جبل عرفات، وعند الساعة الثالثة بعد الظهر تكون المسيرةُ الكبرى إلى خطبة الجبل، حيث يقوم الخطيبُ على بعيرٍ كما فعل النبيُّ في خطبته الأخيرة، فيُطيل الكلام، ويجب على الحُجّاج جميعًا أن يسمعوه، ولا ينتهي إلّا بغروب الشمس.
وبهذا تُختم مناسكُ عرفات، ويسرع الجميعُ راجعين إلى مِنًى بأسرع ما يمكن (وهو الرجوع العَجِل: الإفاضة). فتُقام هنا في الصباح التالي صلاةُ العيد، ثم تبدأ مراسمُ رمي الجمار. فيحمل كلُّ حاجٍّ من مُزدلفة إحدى وعشرين حصاةً — سبعًا ثلاثَ مرّات — يعقدها في ثوب إحرامه؛ وفي الطرف الغربيّ من القرية جمرةُ العقبة، وهي دِعامةٌ نحوُ ثماني أقدامٍ ارتفاعًا وقدمين ونصفٍ عرضًا، تستند إلى جدارٍ خشنٍ من حجارة. فتُرمى ههنا الحصياتُ السبعُ الأولى على الشيطان، ويُرمى مثلُها عند كلٍّ من العمودين الآخرين، ثم يُخلع ثوبُ الإحرام ويجوز العودُ إلى اللباس المعتاد. وبعد رمي الجمار يُنحَر الهَديُ؛ يُوجَّه رأسُه إلى الكعبة، ثم يُقطع حَلقُه على قول: باسم الله، الله أكبر!
18ويقسم كثيرون رميَ الجمار على هذا النحو: يرمون في العاشر من ذي الحجّة سبعَ حصياتٍ على العمود الأوّل، ويرمون في اليومين التاليين مثلَها على كلٍّ من الأعمدة الثلاثة.
ثم يسرع الجميع إلى مكة هربًا من الهواء الذي أفسده نحرُ ألوف الهدي. فما إن يرجعوا حتى يقصدوا المسجد لسماع خطبة العيد وللطواف بالكعبة سبعًا. وبهذا تنتهي سلسلةُ مناسك الحجّ الطويلة. ويختم بيرتون — وقد تابعناه في هذا الوصف في الجملة — كلامَه بقوله: «رأيت مراسمَ دينيّةً في بلدانٍ كثيرة، ولكنّي لم أرَ قطُّ ولا في مكانٍ ما مثلَ هذا الجلال ومثلَ هذا الوقع». —
ومع ذلك يبدو أنّ المراسم كانت في الأزمنة السالفة أعظمَ شأنًا بكثيرٍ ممّا هي عليه اليوم. من ذلك أنّ حاجًّا من غرناطة يصف الخطبة الأسبوعية يوم الجمعة في المسجد على هذا الوجه: ما إن يُدفع المنبرُ — وهو قائمٌ على بَكَراتٍ — إلى جدار الكعبة حتى يدخل الخطيبُ المسجدَ من باب النبيّ، وعليه ثوبٌ أسود مطرَّزٌ بالذهب، وعمامةٌ سوداء منسوجةٌ بالذهب كذلك، وقد ألقى فوقها طيلسانًا يتدلّى من خلفه؛ وهذه كسوةٌ يخلعها الخليفةُ على الخطيب. ويمضي على تُؤَدةٍ في صحن المسجد بين رايتين سوداوين تُحملان عن جانبيه، ويتقدّمه خادمٌ من خدَم الحرم. وفي يد الخطيب عصًا حمراء مخروطة، شُدّ في أعلاها شريطٌ مضفورٌ من سيورٍ رقيقةٍ من جلدٍ في طرفه خُصلة. وهو يهزّ هذه العصا أحيانًا هزًّا له صوتٌ عالٍ يُسمع في المسجد كلِّه بل من خارجه، فيعلم كلُّ أحدٍ أنّ الخطبة قد بدأت. وقبل أن يرقى المنبر يقصد الحجرَ الأسود فيقبّله ويصلّي
19عنده، ثم يمضي إلى المنبر، ويتقدّمه المؤذّنُ الأوّل للحرم لابسًا السواد وقد علّق سيفًا على كتفه. فما إن يرقى الدرجة الأولى حتى يقلّده المؤذّنُ السيف، فيدقّ به الخطيبُ الدرجةَ دقّةً تُسمع في المسجد كلِّه، ويفعل مثلَ ذلك في الدرجة الثانية والثالثة والرابعة، ثم يدعو دعاءً صامتًا قائمًا منتصبًا مستقبلًا الكعبة، ثم يلتفت يمينًا وشمالًا فيقول جهرًا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته! فيردّ عليه الجمعُ المحتشد، ثم يجلس الخطيب، ويرفع المؤذّنون النداءَ إلى الصلاة بلحنٍ واحد. ثم ينهض فيفتتح كلامه بالمواعظ التقيّة، ثم يجلس مرّةً أخرى فيقف وقفةً قبل أن يشرع في الخطبة نفسها. فإذا مضت دقائقُ نهض ودقّ السيفَ في الأرض دقّةً لها صوتٌ عالٍ، وافتتح الخطبة: يبدأ بالثناء على النبيّ وآله، ويدعو بالرحمة لأصحابه وأتباعه، ويثني على الخلفاء الأربعة الأوّلين، وعلى عمَّي محمدٍ حمزةَ والعبّاس، وعلى سبطيه (الحسن والحسين)، ثم يدعو لأزواج النبيّ أمّهاتِ المؤمنين، ثم لابنته فاطمة وزوجه الأولى خديجة، وأخيرًا للخليفة الحاكم ولأمير مكة ولسائر أصحاب السلطان في زمانه.
ويشهد المثالُ التالي، وهو ممّا يرويه ابن جُبَير كذلك، بما بلغه تعظيمُ الكعبة تعظيمًا خرافيًّا في الإسلام الأوّل. ففي يومٍ من السنة، وهو التاسع والعشرون من رجب، يُؤذَن للنساء في الوصول إلى الكعبة والدخول فيها. وهنّ يغتنمن هذه الفرصة اغتنامًا شديدًا حتى يُحاصِرن البناءَ في ذلك اليوم حصارًا، ويحملن معهنّ الأطفالَ الصغار كذلك؛ ونتيجةُ ذلك
20… أنّ البناء يحتاج في اليوم التالي إلى تنظيفٍ شاملٍ من داخله وخارجه، ويُستعمل لذلك ماءُ بئر زمزم. أمّا ماءُ الغسل المتدفّق فينتفع به أهلُ الورع في غسل الوجه واليدين، أو يجمعونه في الأوعية. وههنا يعلّق الحاجُّ الإسبانيّ التقيّ بقوله: «ومن الناس من ينكر ذلك وينظر إلى هذه العادة نظرَ المستقبح ويسمّيها سَفَهًا؛ فما قولكم في ماء زمزم قد أُفرغ في البيت الحرام، وجرى في تلك الأرجاء المقدَّسة، ثم انساب عند المُلتَزَم وعند الحجر الأسود؟ أفلا يستحقّ أن يُرتشف بشِفاهٍ نَهِمةٍ بدل أن يُغترف باليدين، وأن تُغمَس فيه الوجوهُ بدل الأقدام؟»
ومن خرافات أهل مكة الأخرى هذه: في الجمعة الثانية من شهر شعبان يجتمع في المسجد صباحًا شبّانُ المدينة وصبيانُها كلُّهم وينضمّ إليهم غوغاءُ كثيرون. فيُطبق الجمعُ على بئر زمزم في صياحٍ متّصلٍ بالفرح، إذ يعتقدون أنّ ماء البئر يزيد في ليلة النصف من الشهر زيادةً عجيبةً حتى يفيض؛ ويرون هذا الماء عظيمَ البركة، فتزدحم الجموعُ للوصول إليه؛ وهناك يقف القوّامون على البئر يرفعون الدلاء ملأى ويصبّونها على الناس. على أنّ الراوي — وهو شديدُ التصديق في غير هذا الموضع (ابن جُبَير) — يُلحق بنفسه أنّه تحقّق من أنّ الماء لا يزيد زيادةً خارقةً بحال، بل هو إلى النقصان أقرب، وذلك لكثرة ما يُستهلك منه في هذه المناسبة. وكان القوّامون على البئر وخدَمُ الحرم يجدون في ذلك حسابهم دائمًا بطبيعة الحال.
21وتحت هذه الانطباعات المتقلّبة المثيرة، ومع مشهد خدمة البيت الجليل، ومع التصوّرات الخرافية والأحكام المسبقة، تظهر أعراضٌ عجيبةٌ من فرط التهيّج العصبيّ وما ينشأ عنه من هلوسةٍ دينية. فمن الحُجّاج من تصيبه حالاتٌ صَرَعيّة، فتأخذه التشنّجات، ويُلقى مُزبِدَ الفم في اختلاجاتٍ عنيفة. والزنوجُ على الخصوص عُرضةٌ لمثل هذه النوبات. وأمّا في غير ذلك فالفرسُ كذلك — على ما يقول ابن جُبَير — هم الذين يلفتون الأنظار بسرعة تهيّجهم الدينيّ. وهو يروي في ذلك حادثةً عجيبةً وقعت لأحد رفقائه. بات هذا الرفيقُ في المسجد، فغلبه النومُ في آخر الليل غلبةً شديدةً حتى قصد دكّةً حجريّةً عند بناء زمزم ليضطجع عليها. فرأى عليها فارسيًّا جالسًا يتلو القرآن بلحنٍ بالغ العذوبة، في اضطرابٍ عميقٍ تقطعه الزفراتُ والأنينُ مرارًا. فلمّا فرغ أخذ يُنشد هذا البيت: إن كان ذنبُ فعالي قد أبعدني عنك، فإنّ ثقتي بك (يا الله) قد ردّتني إليك. —
ثم أخذ يردّد هذا البيت بشعورٍ من الحرارة بحيث خُيّل أنّ الحجارة تبكي معه، أو أنّ قلبه يوشك أن ينشقّ. وانهمرت دموعه، وأخذ صوته يضعف حتى خرّ فجأةً كالميت. ثم مرّت به بُعَيدَ ذلك امرأةٌ فارسيّةٌ هي الأخرى، فلمّا رأته مُلقًى بلا حراكٍ على الأرض جاءت بماءٍ من زمزم فبلّت به جبهته ووجهه حتى أفاق شيئًا فشيئًا. غير أنّه صرف وجهه لئلّا يُعرَف، فلمّا عادت إليه قواه نهض ومضى مسرعًا.1)
ويتعذّر على المرء اليوم أن يتصوّر ما كان في مكة من حياةٍ وحركةٍ في عصر ازدهار الإسلام أيّامَ موسم الحجّ.
1) ابن جُبَير p. 142.
22فإذا كان في أيّامنا هذه يزور المدينةَ المقدّسة أكثرُ من 100,000 حاجٍّ في الغالب، فلا بدّ أن يكون عددُهم يومئذٍ — والإسلام هو الدينَ السائد من إسبانيا وصقلّية إلى الهند وتركستان، ومدنُ المشرق الكبرى ما تزال في تمام بهاء حضارتها القديمة، والقاهرةُ وبغداد في كلٍّ منهما ما يزيد على مليون نسمة — ضِعفَ ذلك أو ثلاثةَ أضعافه على أقلّ تقدير. وكانت مكة تستحيل حينئذٍ نُزُلًا كبيرًا للأمم، تمتلئ بيوتُها كلُّها من أسفلها إلى أعلى طبقةٍ فيها بالغرباء يستأجرون فيها، وقد وفدوا على موعد العالم الإسلاميّ الأكبر بعضُهم في البحر عن طريق جُدّة وبعضُهم في البرّ مع إحدى القوافل الكبرى.
وكانت هذه القوافلُ عدّةً: أوّلُها قافلةُ العراق، وهي التي تحمل معها كلَّ سنةٍ من بغداد ما يُسمّى كسوةَ الكعبة. وكان الفرسُ والتركُ ينضمّون إليها، وهي التي تسوق معها السَّيلَ الأعظم من الحجيج. وتكاد قافلةُ مصر تعادلها شأنًا، فقد كان يلحق بها جميعُ حُجّاج المغرب تقريبًا، من إفريقية وصقلّية وإسبانيا. أمّا قافلتا دمشق واليمن فأقلُّ شأنًا. على أنّ كلَّ واحدةٍ منها كانت مدينةً متحرّكة. ففي أثناء السير يجلس المسافرون من ذوي المراتب العالية في محامل تُشدّ على ظهور الجمال بحيث يتدلّى واحدٌ منها على كلّ جانب، في كلٍّ منها مسافرٌ واحد. فيجلس المسافر فيه كأنّه في خيمةٍ صغيرة يسدّها من الخارج سِترٌ يفتحه متى شاء. ويعتاد المرءُ سريعًا مِشيةَ الجمل المستوية، فيقطع على هذا الوجه مسافاتٍ بعيدةً من غير كبير عناء. وأمّا المسافرُ المُعدِم فحاله أسوأ، إذ عليه أن يقطع الطريق بلا وقاءٍ من الشمس ولا من تقلّب الجوّ، جالسًا على رحل الجمل الخشبيّ الخشن أو على أعدال المتاع، أو حتى
23اثنين على جملٍ واحد. ومع ذلك ففي الأمر شيءٌ من الرفق بالمسافرين الأقلّ مالًا: المَحائرُ المشدودة على جانبي الجمل يوازن بعضُها بعضًا؛ فيقعد المسافرُ فيها مُتقرفِصًا، ولكن على حالٍ تُحتمَل. وكثيرًا ما تبلغ هذه القوافلُ عدّةَ مئاتٍ من الجمال، ويلحق بها في العادة رهطٌ كثيرٌ من المسافرين المعدِمين، يقطعون الطريق معها على الخيل أو الحمير أو البغال، بل على أقدامهم، مستظلّين بحماية الجماعة، ملتمسين صدقاتِ المياسير، مستجدين زادَ سفرهم على وجهٍ من الوجوه؛ ولمّا كان أهلُ المشرق أهلَ بِرٍّ بالغين في ذلك حدًّا بعيدًا، شاع هذا الضربُ من السفر — وهو في الحقيقة لا يكلّف شيئًا البتّة — شيوعًا عظيمًا، وقد بقي كذلك إلى اليوم.
فمتى بلغت واحدةٌ من هذه القوافل الكبرى بعد سيرٍ شاقّ (ويُؤثَر في الصيف السيرُ بالليل) منزلًا من المنازل — وهي في الغالب حيث الآبارُ والصهاريجُ القليلة — انحلّ سريعًا ما يبدو في اللحظات الأولى من فوضى عارمة، وظهر مكانه ترتيبُ المنزل على تدبيرٍ صارت به الممارسةُ الطويلة المتكرّرة عادة: فالجمالُ باركةٌ في صفوفٍ طوالٍ بعضُها إلى جانب بعض، وإلى جانب كلّ بعيرٍ أعدالُه أو هوادجُه ومحامله، وأمامها تتحلّق زمرةُ الجمّالين — أبناءِ البادية السُّمرِ العَصَبِيّي الأبدان الذين كاد الجفافُ يأكلهم — جلوسًا حول مواقدَ صغيرة، على حين تنهض في وسط المنزل مدينةٌ من الخيام البيض أو الخضر الموشّاة، يستريح فيها الأغنياءُ وأصحابُ الرُّتَب على البُسُط الوثيرة والوسائد من عناء الركوب.
وكثيرًا ما كانت هذه المنازل تبلغ من الاتّساع مبلغًا عظيمًا بحسب كِبَر القافلة وثراءِ المسافرين أو مكانتهم. فالحاجُّ الغرناطيُّ الذي
24تقدّم ذكرُه مرارًا يصف لنا على هذا الوجه مضربَ خيام قافلة بغداد الكبرى، وقد خرجت من دار الخلافة إلى مكة بقيادة أميرٍ خاصٍّ للحجّ، وحملت إليها كسوةَ الكعبة: «امتاز منزلُ أمير قافلة بغداد بكثرة الخيام البهيّة التي لم يُرَ مثلُها في العظمة بقبابها وأروقتها المسقوفة؛ وكانت أعظمَها خيمةُ أمير الحجّ، وقد أحاط بها سياجٌ من خيامٍ صغار، كأنّه جدارٌ من كتّان، نُصبت في وسطه الخيامُ الكبار المستديرة؛ وكلُّها موشّاةٌ بالرِّقاع الملوّنة كأنّها زهرٌ في بستان. وكان الجدارُ المحيط أبيضَ خِيطت عليه حاشيةٌ سوداءُ تشبه التِّراس؛ ولهذا السور الخارجيّ أبوابٌ عالية واسعة يُفضى منها إلى أروقةٍ وممرّاتٍ مسقوفة، ثم إلى الساحة الوسطى المكشوفة حيث الخيامُ المستديرة ذاتُ القباب. فكان لهذا الأمير مدينةٌ ذاتُ سور، تنتقل معه إذا ارتحل وتقوم من فورها إذا نزل: تَرَفٌ مَلَكيّ لا يعرفه ملوكُنا في الغرب. وكان يقف داخل الأبواب حُجّابُ الأمير وخدَمُه وغلمانُه؛ وكانت الأبوابُ من العلوّ بحيث يعبرها الفارسُ على فرسه ورمحُه منتصب. وكانت هذه الخيامُ كلُّها مشدودةً شدًّا محكمًا بحبالٍ قويّةٍ مثبَّتةٍ في أوتاد. وكان لسائر الأكابر الذين في القافلة خيامٌ مثلُها وإن كانت أصغر. وأمّا في السفر فيستعملون محامل أنيقةً كثيرةَ الزينة تُشَدّ على ظهور الجمال على هياكلَ من خشب. ويفرشون داخلها البُسُطَ الوثيرة والوسائد حتى يضطجع المسافرُ فيها أو يجلس في دَعةٍ كأنّه في مهد، على حين يجلس رفيقُه في الجانب الآخر ويظلّهما سقفُ خيمةٍ واحد. فإذا بلغوا المنزل
25نُصبت خيمتُهم فدخلاها على بعيرهما راكبَين، ولا ينزلان إلّا هناك، فينتقلان من ظلّ المَحمِل إلى ظلّ الخيمة من فورهما، لا تؤذيهما ريحٌ ولا شمس … وأمّا الذين يركبون المَحائر — وهي شبيهةٌ بالشُّقدُف إلّا أنّها أضيق، ويظلّلها كذلك خِباءٌ صغير — فحالُهم دون ذلك في الدَّعة. وأمّا من لا يجد ما يسافر به على هذا النحو فإنّه يعرف عذاب السفر، وهو ضربٌ من التعذيب حقًّا.» — هذا ما قاله الحاجُّ الغرناطيّ.1)
ومن أظهر ما يشهد بمبدأ الاجتماع المركوز في الإنسان أنّ النشاط الذهنيّ لا يقوى إلّا حيث يجتمع عددٌ أكبر وتربطهم نقطةُ التقاءٍ مشتركة؛ فالبطّاريّةُ الكهربائية تزداد قوّةً كلّما كثرت عناصرها وجاد موصِّلُها. وتهيُّجُ النفوس في اجتماعات الجماهير أشدُّ ما يكون كلّما كثر عددُ المشاركين وزاد وقوعُهم تحت سحر فكرةٍ جامعة. وقد استوفى عيدُ اجتماع الحجيج في مكة هذه الشروطَ كلَّها، فكان لا بدّ أن يُحدث أقوى الأثر وأبقاه. فكانت فكرةٌ واحدة، هي فكرةُ التقديس الدينيّ والتهيّج الوجدانيّ التقيّ، تحرّك الحجيج جميعًا وتجمعهم على تفاوت. نعم، ربّما زار المكانَ المقدّس غيرُ واحدٍ وفي صدره شكٌّ صامتٌ يحذر أن يُظهره؛ لكنّي أحسب أنّ هذه الشكوك كانت تزول عند أكثرهم سريعًا جدًّا في مكة نفسها، ليحلّ محلَّها يقينٌ أعظم. فقد كان لا بدّ للشاكّ، على شكّه، أن يشعر بأنّ مشهد خدمة البيت ومناسك الحجّ الجليلَ الغالب قد أخذ بمجامعه، وكان لا بدّ له إذا رأى هذه الألوف
1) ابن جُبَير 63, 178.
26من الناس في حماسةٍ تقيّةٍ أن يشرع في مساءلة نفسه: أفليس في الأمر شيءٌ من الحقّ؟ أفليست هذه الكعبةُ تسري فيها روحُ الربّ؟ أفليس صدقُ إيمان أولئك أحقَّ أو أشدَّ حقًّا من شكوكه هو؟ أفلا يجوز أن يكون في أداء هذه المناسك والأدعية سعادةٌ في هذه الدنيا وفلاحٌ في الحياة الآخرة؟ وهكذا يبدأ الشاكُّ يشكّ في نفسه، وبذلك خُطِيت الخطوةُ الأولى إلى اهتدائه. فيرجع من الحجّ إلى بيته مسلمًا صالحًا. وعلى هذا النحو كانت مكة والحجّ يعملان عمل الأتون الكبير، حيث تنال جمهرةُ الشعب المحمّديّ كلُّها مرّةً بعد مرّةٍ عِمادَ النار من الحماسة الدينية والإيمان الراسخ رسوخَ الصخر لا يتزعزع؛ كانت قلبَ الإسلام، منه تنطلق النبضاتُ المحيية فتسري في الجسد الهائل كلِّه في شرايينه الكبرى، على أنّها كانت أبدًا تستمدّ من هذا الموضع قوّةَ حياةٍ وغذاءً جديدين.
وتُشاهَد أعراضٌ كهذه في سائر الأديان الكبرى أيضًا: فما كانت رومة لتبلغ في العالم الكاثوليكيّ ما بلغته لولا قبورُ الحواريّين، وقد مارست — إذ صارت مجمعًا للحُجّاج ومَنبتًا للشعور الدينيّ — قوّةً جامعةً تشدّ إلى المركز شبيهةً بما مارسته هناك في المشرق مدينةُ النبيّ. وماذا كانت أورشليم لولا موضعُ الفداء في الجُلجُثة! ففي مثل هذه المواضع تجتمع الجماهير، وههنا تسري فيهم الشرارةُ المُوقِدة، ويتضاعف أثرُها ألفَ ضِعفٍ بتماسّ الجموع، الذي يتلاشى إزاءه شكُّ الأفراد الخفيُّ كما يتلاشى ثلجُ نيسان أمام شمس الربيع من غير أن يترك أثرًا.
ففي مكة إذًا كان مستقرُّ القوّة الجامعة في الإسلام، وفي هذه الروح الجامعة تكمن قوّةُ الأديان الساميّة الكبرى. وهكذا ظلّت مكة أكثرَ من ألف سنةٍ تجتذب الملايين
27من الناس بذلك السحر الذي لا يُدرَك، وهو مع ذلك بالغُ القوّة، سحرِ الأفكار والتصوّرات الدينية التي حلّت ههنا على الكعبة والبيت، ثم مارست أثرها من هذا المركز إشعاعًا لا يَخفت على أبعد المسافات.
وفي ظلّ هذه الأحوال نالت مكة سريعًا شأنًا فريدًا كلَّ الفرادة: عُدّت مدينةً مقدّسة، فنال أهلُها تبعًا لذلك منزلةً لا تُقاس بشيء. فالعطايا الجزيلة التي عرف النبيُّ العربيُّ نفسُه كيف يستميل بها المكّيّين ويُرضيهم وجدت سريعًا مَن يحتذيها احتذاءً واسعًا. فخصّهم أصحابُ السلطان منذ وقتٍ مبكّرٍ بالأعطيات المالية الجزيلة والهدايا. من ذلك أنّ الخليفة المهديّ فرّق في حجّته أكثرَ من 35 مليون درهم ونحوَ مئة ألف خِلعة.1) ولمّا قصد عبد الله بن طاهر، ابنُ صاحب خراسان، إلى مكة وقد ولّاه الخليفةُ إمرةَ الحجّ ليقود قافلة بغداد إلى مكة، حمل معه 300,000 دينارٍ لأهل هذا البلد و100,000 دينارٍ لأهل المدينة يفرّقها فيهم.2) وكان الخليفة هارون الرشيد قد فرّق قبل ذلك في حجّته 150,000 دينارٍ بمكة.3) ثم أخذت عادةُ تفريق المال على أهل الحرمين تتّخذ شيئًا فشيئًا صورةَ عطاءٍ سنويٍّ تؤدّيه الدولة، وسرعان ما عُدّ فرضًا دينيًّا على رأس الإسلام. ولهذا بادر سلاطينُ الدول المتعاقبة على اختلافهم، بعد سقوط الخلافة، إلى إجراء العطاء على أهل مكة والمدينة، فإنّ هذه المدينة الأخيرة، وفيها قبرُ
1) ابن الأثير VI. 33. 2) ابن تغري بردي I. 755. 3) ابن الأثير VI. 117.
28النبيّ، صارت تُعَدّ سريعًا موضعًا مقدّسًا، وإن لم تبلغ قطُّ من الشأن ما بلغته مكة بخدمة بيتها الوثنيّ القديم. وقد بقيت هذه العادة إلى عصرنا، فالسلطانُ العثمانيّ يبعث كلَّ سنةٍ بمبلغٍ معلومٍ إلى المدينتين مع القافلة الخارجة من دمشق، يُقسَم على أهل البلدين جميعًا.1)
2. الصلاة
إذا أدرك الإنسانُ بما ينزل به من الأحداث الغالبة عجزَه أمام القوى التي لا تُحسب، وهي تعترض بين الحين والحين أجملَ ما يتمنّى ويرجو، وإذا تزعزعت ثقتُه بنفسه فلم يعد يدري أين يتوجّه ليجد العزاء والعون والمشورة، أحسّ بدافعٍ باطنٍ — يتّضح له إلى هذا الحدّ أو ذاك — يحمله على أن يستجير بقوًى مجهولةٍ خفيّةٍ ويستمدّها العون. ويُسمّى التعبيرُ عن هذا الشعور صلاةً. وتتّخذ استغاثةُ المكروب هذه صورًا مختلفةً بحسب حال الأمم في الحضارة. فالزنجيُّ المنحطُّ الدرجة يدعو صنمَه (الفَتِش)، فإذا خابت آماله حطّمه أو رمى به في غضبٍ صبيانيّ. والآريُّ القديم كان يدعو الآلهة التي حسِب أنّه يبصرها في تصرّف قوى الطبيعة، أو كان — حيث قامت عبادةُ الأسلاف — يوجّه دعاءه إلى أرواح الأجداد التي ظنّها حاميةً لبيته أو أسرته، إلى اللارات والبَناتِس. ورأى الإيرانيّون القدماء في اللهب الصاعد إلى السماء الروحَ الإلهيّة، و
1) قارن Burton II. 263. وقد صارت الحكومةُ التركية منذ حينٍ تقتطع من كلّ موظّفٍ يزيد راتبُه الشهريّ على 2,000 قرشٍ قسطًا شهريًّا لتموّل به عطاءَ المدينتين المقدّستين.
29… والساميّون، الذين كانوا على صلةٍ وثيقة بهم في الأزمنة السابقة على التاريخ، ربما عبدوا الأجرامَ السماوية الساطعة لأسبابٍ شبيهة. غير أنّ الإنسان في العصر الطفوليّ من حياة الشعوب، حيث ينمو كلُّ شيءٍ نموًّا حرًّا، كان يدعو كما يوحي إليه انطباعُ اللحظة. ولم تأخذ الصلاةُ صيغةً أثبتَ إلا بعد أن اتّخذت حياةُ الشعب على طول الزمن أشكالًا أرسخ، وبعد أن تكوّن عُرفٌ معيّن في العادات، واتّجاهٌ ذهنيّ نمطيّ يقتضيه ذلك العرفُ ويستدعيه، وصيغٌ ثابتةٌ كذلك؛ على أنّ الصلاة لا تبلغ تمامَ تشكّلها إلا في النُّظُم الدينية الكبرى، ثم تستفحل شيئًا فشيئًا، وتتجمّد آخرَ الأمر في صِيَغيّةٍ ميتةٍ لا فكر فيها.
وما من دينٍ يظهر فيه هذا أوضحَ وأدعى إلى الاقتناع مما يظهر في الإسلام، فقد نما منذ مهدِ نشأته في ضوء النهار الكامل للتاريخ.
أمّا تلك الصلاة التي هي عند المحمّديّ بمنزلة «أبانا الذي في السماوات» عند المسيحيّ، فمعروفةٌ بما فيه الكفاية بوصفها السورةَ الأولى من القرآن. ومن الظاهر أنها نشأت تحت تأثيرٍ مسيحيّ، وأحسبها قُصِد بها حقًّا أن تحلّ محلّ الصلاة الربّانية؛ ونصّها:1) ١. «الحمدُ لله ربِّ العالمين، ٢. الرحمنِ الرحيم، ٣. مالكِ يومِ الدين! ٤. إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، ٥. اهدنا الصراط المستقيم، ٦. صراط الذين أنعمتَ عليهم، ٧. غيرِ المغضوب عليهم ولا الضالّين. آمين!» وثمّة دعاءٌ آخر من القرآن يكثر استعماله في مراسم العبادة، هو السورة الثانية عشرة: «قل هو الله أحد، اللهُ الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفُوًا أحد». — وكذلك
1) في ترجمة شبرنغر.
30يكثر جدًّا استعمالُ السورتين 113 و114 من القرآن، وليستا في حقيقتهما إلا صيغتَي تعويذٍ قديمتين؛ ثم دعاءان لم يدخلا في النصّ الرسميّ المعتمَد للقرآن، غير أنهما يؤلّفان جزءًا جوهريًّا من كلّ عبادة. ونصّهما:1) ١. «بسم الله الرحمن الرحيم! اللهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونُثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يتركك. اللهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك، ونَنبِذ ونترك من يَفجُر بك.» — ٢. «اللهمّ إيّاك نعبد، ولك نصلّي ونسجد، وإليك نسعى ونَحفِد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إنّ عذابك بالكافرين مُلحِق.» —
يرى المرءُ أنّ هذه الأدعية ما تزال بسيطةً جدًّا لا تكلّف فيها: يسأل الداعي اللهَ الرحمةَ ومغفرةَ الذنوب، أو يستجير به طالبًا الحمايةَ والعون. وكانت صِيَغٌ كهذه مفهومةً لكلّ أحد، تخاطب قلوبَ الجمهور، ولم تكن قد انحدرت بعدُ إلى عباراتٍ ميتة. على أنّ في مجرى حياة الدين اختلافًا جوهريًّا بحسب نوع منشئه؛ إذ لا بدّ من التمييز بين أديان الطبيعة وأديان الوحي. ونعني بالاسم الأوّل تلك النُّظُمَ العقديّة والشعائر التي لم تصدر عن مبادرةٍ شخصية من فردٍ واحد، مؤسِّسِ دينٍ أو مشرِّعٍ أو نبيّ، بل نشأت عن العادات الموروثة والأعراف والتصوّرات الشعبية. ومن هذه الطبقة أكثرُ نُظُم العقائد في العصور القديمة، والأديانُ الآريّة،
1) عن السيوطي: الإتقان p. 153.
31وعبادةُ أرواح السماء والأسلاف عند الصينيين، وعلى الأرجح الدينُ المصريّ القديم أيضًا. وإلى الطبقة الثانية، أديانِ الوحي، تنتمي النُّظُم العقديّة التي نشأت عن مبادرةٍ شخصية؛ ومنها الموسويّة والمسيحيّة والإسلام، وعلى الأرجح التعليمُ الزرادشتيّ كذلك.1) وأبرزُ ما يميّز الطبقةَ الأولى أنّ التعبير عن الشعور الدينيّ لا يُحشَر فيها قطُّ في قوالبَ نمطية، وأنّ هذه الشعائر تفتقر إلى صياغةٍ عقائدية، ومن ثَمّ يغيب عنها التعصّبُ على سائر المذاهب. أمّا أديانُ الوحي فتحشر منذ البداية خَلَجاتِ الشعور الدينيّ في شبكةٍ ضيّقة من الصِّيَغ وبنود العقيدة، وكلّما تقادمت هذه الشبكة وتصلّبت ازدادت انكماشًا وازدادت عنادًا، وازدادت انغلاقًا على نفسها ونفورًا من كلّ غريب.
ولقد ضبط الإسلامُ منذ فاتحة أمره شعائرَه وتمارينَ صلاته ضبطًا بالغَ العناية، شديدَ التدقيق. وكان سبْقُ النبيّ وسنّتُه هما الفيصلَ في ذلك؛ فسلوكه في كلّ شيء، ولا سيّما في الأمور الدينية، عُدّ القاعدةَ التي لا تُنقَض والميزانَ الأصرمَ للمؤمنين. وكانت صلاةُ محمد خمسًا في اليوم: قُبيل طلوع الشمس، وعند الظهيرة، وبعد الظهر (بين الساعة الثالثة والرابعة)، وعند الغروب، وبعد دخول الليل دخولًا تامًّا. وتتألّف كلٌّ من هذه الصلوات من سلسلةٍ من السجدات: يبدأ المصلّي قائمًا منتصبًا، ثم يهوي إلى ركبتيه فيمسّ الأرضَ بجبهته، ثم يرفع أعلى بدنه وهو جاثٍ، ثم ينتصب قائمًا في آخر الأمر. وهذا التتابعُ من هيئات الصلاة
1) لا أذكر البوذيّة، لأنها في الحقيقة نظامٌ فلسفيّ لا دين.
32يسمّى ركعة، وكلُّ صلاةٍ تقتضي ركعتين على الأقلّ.
أمّا صِيَغ الدعاء التي تُتلى عند كلّ حركةٍ بعينها، وكذلك عند الوضوء السابق للصلاة، فقد استقرّت في الاستعمال العامّ عن طريق الحديث وحده لا غير؛ فلأنّ النبيّ أدّى صلاته في تلك الهيئة نفسها مع هذا الابتهال أو ذاك أو تلك الصيغة، رأى المؤمنون أنّ من أقدس واجباتهم أن يفعلوا مثلَه بأدقّ ما يكون من التحرّي. وهكذا سادت سريعًا شكلانيّةٌ لا حدّ لها: وسرعان ما ظهر الرأيُ القائل إنّ أدنى خللٍ في الحركات المفروضة، وأصغرَ إغفالٍ في النطق بالصيغ المقرّرة، يُبطل الصلاةَ كلَّها.
ومن ثَمّ نشأ في أوائل عهد الإسلام خلافٌ طويلٌ عنيف: أيكفي في الوضوء قبل الصلاة أن يمسح المرءُ على الخفّين بيدٍ مبلولة، أم عليه أن يخلعهما ويبلّ القدمَ عاريةً؟ وظهرت عند الفِرَق المختلفة فروقٌ صغيرة كذلك في ظواهر الصلاة، وهذه الخصائصُ عديدة. ومع ذلك يتّفق أقدمُ المصنّفين1) اتّفاقًا تامًّا على أنّ القرآن، وإن لم يورد في الصلاة أحكامًا خاصّة سوى تقرير أدائها خمس مرّاتٍ في اليوم، فإنّ الصلاة تُؤدَّى شكلًا ومضمونًا كما كان يفعل النبيُّ وأصحابُه الأوّلون.
وأولى المسلمون دائمًا وزنًا كبيرًا لعلانية العبادة
1) كذلك ابن حزم، انظر Gesch. d. herrsch. Ideen p. 139.
33والتعبّدِ ولأدائهما في جماعة. ويُروى عن محمدٍ قولُه: «صلاةُ الجماعة تفضل صلاةَ الرجل في بيته أو في سوقه خمسًا وعشرين ضِعفًا.»1) وقد أشرنا فيما تقدّم إلى الأثر الهائل لصلاة الجموع وللشعائر الدينية العلنية. وفي ذلك يكمن سرُّ حيويّة ذلك الدين الذي كان مؤسِّسُه راعيَ الغنم من مكة.
ومن الظاهر أنّ محمدًا إنما احتذى المثالَ الذي ضربته المسيحيّةُ والموسويّة حين سنّ يومًا أسبوعيًّا للعيد والراحة، سبتًا، غير أنه نقله إلى يوم الجمعة. وتتميّز عبادةُ هذا اليوم بمزيدٍ من الاحتفال، ولا سيّما بالخطبة. وحضورُ صلاة الجمعة في الجامع فرضٌ على كلّ مسلم. ويبدأ الاحتفالُ بالخطبة. ونكتفي هنا بالإحالة على ما سبقت ملاحظتُه، ولا يبقى إلا أن نضيف أنّ الخطيب في عهد العباسيين كان يظهر دائمًا في ثوبٍ أسود، وقد غطّى رأسه بعمامةٍ سوداء يسدل عليها عند الخطبة قَلَنسوةً. ويتدلّى السيفُ على كتفه، وكانوا ينصبون على المنبر الرايةَ السوداء شعارًا للدولة الحاكمة.
وتدور خطبةُ المنبر — إلى جانب الصيغ الثابتة في الثناء على النبيّ وآله والخلفاء الأربعة الأوّلين — في عموميّاتٍ تقويّة، وعند كلّ وقفةٍ يردّ الجمعُ بصوتٍ واحد: آمين! آمين! ويختمها دائمًا دعاءٌ قصير للخليفة أو السلطان الحاكم. ولا تأتي صلاةُ الجماعة إلا بعد الخطبة، يؤمّها إمامٌ يعيّنه الخليفة، يقف أمام المحراب الدالّ على جهة مكة مباشرةً،
34ويتابع الجمعُ المصطفّ خلفه صفوفًا متلاصقة حركاتِه وأفعالَ صلاته بدقّةٍ وَجِلة.
ويُستفاد من ذلك أنّ كلّ حركةٍ وكلّ كلمةٍ وكلّ دعاءٍ في الصلاة مقرَّرٌ على أدقّ وجه، وأنّ المسلمين تحرَّوا هذه المراسمَ تحرّيًا يزداد صرامةً لأنّ أدنى انحرافٍ وأصغرَ سهو، بل حتى الخطأ في نطق كلمةٍ أو حرف، كان من شأنه أن يُسقط أجرَ الصلاة كلِّها ويُبطل أثرها.
فالصلاةُ المحمّديّة إذن أمرٌ شكليّ محض. غير أنّ من يتأمّل أنهم علّقوا عليها أعظمَ الأهمّية، وأنهم ربطوا بأدائها الدقيقِ أشدَّ الدقّة صلاحَ الحال في هذه الدنيا ونجاةَ النفس في الحياة الآخرة، ومن يتأمّل أنّ هذه العبادة كان لا بدّ أن تتكرّر خمس مرّاتٍ في اليوم، وأنّ تركها عُدّ ردّةً بل استوجب القتلَ عند بعض علماء الكلام — فلن يعجب بعدُ من عِظَم السلطان الذي بسطته الصلاةُ والدينُ القائم عليها على الحياة الحضارية للشعوب الدائنة بالإسلام.
وهنا يتبيّن من جديد ما لمراسم العبادة من دلالةٍ بعيدةِ المدى.1) واللبُّ الباطن لكلّ دينٍ هو دائمًا أخلاقٌ متفاوتةُ النضج، غير أنه من الخطأ أن يُظنّ أنّ صفاء المضمون الأخلاقيّ وحدَه هو الذي يقيم قوّةَ الدين على المقاومة وطولَ بقائه. فالإسلام إنما يصمد في وجه المسيحيّة، وهي تحوي أخلاقًا أنقى بكثير، بصلابة بنيته الشعائرية والعقائدية وحدها. وكلّما نجح المرءُ
1) انظر Gesch. d. herrsch. Ideen p. 60.
35في تربية الجموع على العادات الدينية ازدادوا تشبّثًا بها وعَسُر عليهم تركُها. وسواءٌ أكانت تعاليمُ هذا الدين حسنةً أم دون ذلك، بل ضارّةً أو منافيةً للعقل، فذلك لا يعني الجموعَ في شيء؛ ولهذا يمكن أن يُفرَض على شعبٍ رِيض مرّةً على انضباطٍ دينيّ صارم أشنعُ الأمور من غير أن يثير ذلك نفورًا. وعقيدةُ عصمة محمد وتنزّهِه المطلق عن الذنب وما إليهما خيرُ دليلٍ على صحّة ما قلناه. ولقد جرت محاولاتٌ شتّى لتربية أجيالٍ بأسرها على هذا النحو تربيةً منهجيّة، ولتعويدها الخضوعَ المطلق للإيمان غير المشروط، لكنّ الإسلام هو الذي أنجز ذلك حقًّا. فقد درّب الجموعَ منذ البداية بتمارينه الدينية التي لا تنقطع، وعوّدها الطاعةَ المطلقة.
وهكذا كانت الصلاةُ — أو بعبارةٍ أصحّ: الصِّيَغيّةُ الدينية — أهمَّ ما عند المحمّديّ منذ فاتحة الأمر؛ يصلّي بلا فكر، لكنه يتمسّك بالصيغ التي حفظها بدقّةٍ مُضنية.
ولم تكن نسبةُ قوّةٍ مُعجزة إلى الصلاة إلا التطوّرَ الطبيعيّ لفكرةٍ بذرتُها كامنةٌ في روح الإسلام. فقد رُوي — وصُدِّق كذلك — أنّ من قال: لا إله إلا الله! أُمِن من نار جهنّم.1) وزعموا للصلاة أثرًا مطهِّرًا من الذنوب، ورووا في الاستدلال على ذلك قولَ محمد: «أرأيتم لو أنّ نهرًا يجري على باب أحدكم يغتسل فيه خمس مرّاتٍ في اليوم، أيبقى من دَرَنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال:
1) البخاري 286.
36«فكذلك الصلواتُ الخمس، يمحو الله بهنّ الخطايا.»1)
وهذا تصوّرٌ قديمٌ تمامًا، فقد فهمت العصورُ القديمة الذنبَ على أنه نجاسةٌ مادّية. ومن الصيغ التي كان محمد يستعملها في ختام صلاته: «اللهمّ نقِّني من الخطايا كما يُنقَّى الثوبُ الأبيض من الدنس، اللهمّ اغسل خطاياي بالماء والثلج والبَرَد!»2)
وكانوا يعتقدون أنّ من فاتته صلاةُ العصر حَبِط أجرُ أعماله الصالحة كلِّها3)، وزعموا أنّ نداء المؤذّن المنبعث من أعلى المئذنة، يدعو به المؤمنين إلى الصلاة، يبلغ من إزعاج الشيطان أن يولّيَ هاربًا وله ضُراط.4) غير أنّ هذه الثقة العظيمة بفاعلية الصلاة كانت لها مساوئُ جسيمة، إذ سرعان ما صار الناس يقدّمون قداسةَ القول على قداسة العمل. فعدّوا المواظبةَ على الصلاة أجدى من فعل الخير، وظنّوا أنّ الصلوات تكفّر لا محالة كلَّ زلّةٍ وكلَّ جريمة.
وإلى جانب الصلاة الظاهرية المتوارثة المؤلَّفة من صيغٍ محفوظة، نشأ سريعًا — وهذا طبيعيٌّ تمامًا — ضربٌ من الدعاء يعبّر فيه الداعي بنفسه عن حاجاته ومسائله ومخاوفه. وهذا الدعاءُ بالمعنى الحقيقيّ، وله اسمٌ خاصّ (الدعاء) تمييزًا له من الصلاة الشكلية المفروضة (الصلاة)، كان يجوز إيرادُه في ختام السجدة الأخيرة، إذ يرفع الداعي حاجته بعد فراغه من
1) نفسه 354. 2) البخاري، 479 (كتاب الأذان). 3) نفسه 364 (كتاب مواقيت الصلاة). 4) نفسه 394 (كتاب الأذان).
37الصيغ المقرَّرة، جالسًا على ركبتيه مع إرجاع أعلى بدنه إلى الوراء، باسطًا يديه أمامه كأنه يقرأ في كتاب. فكأنّ القديرَ لا بدّ أن تستميله قوّةُ الصيغة السابقة، ثم عندئذٍ فقط يجرؤ المرءُ على رفع حاجته إليه. يقول الزمخشري: من أدب الدعاء أن يُفتَتح بذكر اسم الله، وألّا يعجّل المرءُ بالمسألة في أوّله.1)
ونسبوا إلى أدعيةٍ بعينها مرويّةٍ عن رجالٍ بالغي القداسة أثرًا خاصًّا. فمن ذلك هذا الدعاء المرويّ عن الحسن، سبطِ النبيّ، كان يقوله إذا دخل مقبرة: «اللهمّ ربَّ الأرواح الفانية والأجساد البالية والعظام النخِرة، لمن خرج من الدنيا وهو بك مؤمن، أولِجْ عليهم رَوحًا منك وسلامًا.»2) وزعموا أنّ من ردّد هذا الدعاء كُتِب له في ديوان السماء من الحسنات بعددِ من كان من البشر منذ عهد أبينا آدم. وتُنسب إليه أيضًا هذه الصيغة، وكانوا يرونها لا تُخطئ في العصمة من الأعداء والمطارِدين والخصوم: «يا شديدَ القُوى، يا شديدَ المِحال، يا عزيز! ذلّ بعزّتك جميعُ خلقك، صلِّ على محمدٍ وآله، واكفِني فلانًا.»3)
بل ظنّوا أنّ بقوّة الدعاء يمكن تسخيرُ الطبيعة والعناصر. فنسبوا إلى صلاة الاستسقاء العلنية أثرًا عظيمًا، وقد حُفظت الصيغُ المختلفة …
1) الزمخشري: ربيع الأبرار Cap. XXVI. 2) نفسه. 3) نفسه.
1. المصطلحاتُ العربيّة التي يترجمها كريمر إلى الألمانيّة رُدّت إلى أصولها: Kaaba = الكعبة، das alte Haus Gottes = البيت العتيق، schwarzer Stein = الحجر الأسود، Moltazam = الملتزَم، Hatym = الحطيم، Higr = الحِجر، myzäb = الميزاب، Kleid der Kaaba = كسوة الكعبة، Makäm Ibrahym = مقام إبراهيم، bäb alsaläm = باب السلام، Predigerkanzel = المنبر، Gebetsausrufer = المؤذّنون، Minarete = المآذن، orthodoxe Sekten = المذاهب السنّيّة.
2. اشتقاقُ لفظ «الكعبة» من «الكعب» بمعنى النتوء المزوّى وكعب القدم والمكعّب هو اشتقاقُ كريمر هو، أُثبت كما ساقه ولم يُزَد عليه ولم يُنقَض.
3. أحكامُ كريمر في العبادة المكّيّة — قولُه إنّ مضمون شعائرها «وثنيٌّ بلا شكّ»، ونسبتُه أوصاف حرمة البيت إلى «المبالغة التقيّة أو الوهم الحماسيّ»، ووصفُه الكعبةَ ليلًا بأنّها «وحشٌ مُنذِر»، وكلامُه على «الأوهام الدينيّة» — منقولةٌ كما هي بلا تلطيفٍ ولا تعقيب؛ هي رأيُ مستشرقٍ نمساويٍّ من سنة 1877، ونقلُها على وجهها هو الأمانة.
4. المقاييسُ كلُّها بمقاييس كريمر: القدم إنكليزيّة حيث نصّ على ذلك، والبوصة والشِّبر والخطوة كما وردت، ولم تُحوَّل إلى المقياس المتريّ.
5. Makoraba اسمٌ يونانيٌّ أورده كريمر عن بطليموس، وقد أُبقي برسمه اللاتينيّ لأنّه محلُّ الحجّة عنده، ولم يُنقل إلى العربيّة نقلًا يوهم أنّه لفظٌ عربيٌّ مرويّ.
6. «رحّالةٌ محدَث» و«خبر بوركهارت»: كريمر لا يسمّي الأوّل، ويحيل في الثاني على Burton الذي ينقل عن Burckhardt؛ وقد أُبقيت الإحالة على وجهها ولم يُسمَّ من لم يُسمِّه.
7. اسمُ ديودور الصقلّيّ وبطليموس أُثبتا بالعربيّة، أمّا الإحالة (Diod. Sic. III, 44) والمراجع الأوروبيّة (Burton: Pilgrimage, Weil) فتُركت بحروفها اللاتينيّة صونًا لجهاز الإحالات.
8. أرقامُ الحواشي في الأصل المصوَّر مشوّشةٌ في مواضع («7)» مكان «2)»)، وقد أُثبتت هنا على ترتيبها الصحيح في كلّ صفحة.
1) البيتُ في وصف حَرَم مكة («تبكي عيني على حَرَمٍ لا تُؤذى فيه حمامة…») يورده كريمر ترجمةً ألمانيةً لشعرٍ عربيٍّ قديمٍ عند ابن إسحاق (I. 129 وI. 56)، فنُقل هنا عن الألمانية نقلَ المعنى، ولم يُعَد بناؤه شعرًا عربيًّا ولا نُسب إلى قائلٍ بعينه ولا إلى لفظٍ مأثور.
2) المصطلحاتُ المُعادة إلى أصلها: Weihgebiet = الحَرَم، Rennweg (mas‘a) = المَسعى، Pilgergewand (ihräm) = ثوب الإحرام، Fremdenführer (motawwif) = المطوِّف، Gebetsstandplatz Abrahams = مقام إبراهيم، rokn aljamäny = الركن اليماني، jaum altarwijah = يوم التروية، ’ifädah = الإفاضة، Gamrat al‘akabah = جمرة العقبة، gabal alnur = جبل النور، Batn almohassir = بطن مُحسِّر، Achshabain = الأخشبان، Gabal alrahmah = جبل الرحمة، tailasän = الطيلسان، Gebetausrufer = المؤذّن، Kanzel = المنبر، Prediger = الخطيب.
3) «Häl» و«’Iläl» في الأصل صورتان لاسمٍ واحدٍ لجبل عرفات قبل الإسلام، وقد أُثبت «إلال» في الموضعين.
4) عددُ الحصى: يقول كريمر «dreimal sieben Steinchen»، أي إحدى وعشرين، فأُثبت العددان معًا على وجهه.
5) حاشيةُ ص 12 (ابن إسحاق I. p. 94) سقط رقمُها في القراءة الآليّة، وترد علامتُها في المتن «')»؛ وقد أُثبت لها الرقم 1 على ترتيب الصفحة. وترد عناوينُ الصفحات الجارية في الأصل محرَّفةً مرارًا (Caltus, Cultas, Cultus,)، وقد وُحّدت هنا.
6) السطران «v. Kremer, Culturgeschichte des Orients. II. 2» و«9*» ليسا من المتن، بل هما من توقيع الملازم في أسفل الصفحة، وقد أُبقيا كما هما مع خطأ القراءة الآليّة في الثاني (وصوابه «2*»).
7) أحكامُ كريمر ووصفُه — «خرافة» تعظيمِ الكعبة، وقولُه إنّ معنى التلبية الأصليّ لم يعد يُدرَك على وجه اليقين — منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ هي رأيه هو.
1) البيت الذي أنشده الفارسيُّ عند بئر زمزم («إن كان ذنبُ فعالي قد أبعدني عنك…») يورده كريمر ترجمةً ألمانيةً عن ابن جُبَير، فنُقل هنا عن الألمانية نقلَ المعنى، ولم يُعَد بناؤه شعرًا عربيًّا ولا نُسب إلى لفظٍ مأثورٍ بعينه؛ ومَظِنّتُه في الحاشية (ابن جُبَير p. 142).
2) المصطلحاتُ المُعادة إلى أصلها: Kleid der Kaaba = كسوة الكعبة، Fürst der Wallfahrt = أمير الحجّ، Ehrenkleider = الخِلَع، Moltazam = المُلتَزَم، Palankin (mahmal) = المَحمِل، Körbe (mahärah) = المَحائر، Sänften (shokdof) = الشُّقدُف، Karawane = القافلة.
3) الأعدادُ الكمّيّة أُثبتت بفاصلة الآلاف (100,000 حاجّ؛ 300,000 و100,000 و150,000 دينار؛ 2,000 قرش)، وأمّا أرقامُ الأجزاء والصفحات في الإحالات (ابن الأثير VI. 33، ابن جُبَير 63, 178) فبقيت على حالها بلا فاصلة ولم تُترجَم أرقامُ أجزائها اللاتينية.
4) «Brunnenmeister» — القوّامون على بئر زمزم — لم أقطع بالمصطلح العربيّ الذي كان كريمر يترجم عنه، فأثبتُّه على معناه.
5) لفظُ كريمر في وصف الأجناس («الزنجيّ المنحطّ الدرجة يدعو صنمه»، ونسبةُ النوبات إلى الزنوج والفرس) منقولٌ كما هو بلا تلطيف؛ هو حكمُ مستشرقٍ نمساويٍّ من القرن التاسع عشر، لا حكمُ المترجم.
6) ينتهي هذا القسم في وسط الجملة عند حدّ الصفحة («…الروحَ الإلهيّة، و»)، وتمامُها في مطلع القسم التالي: «والساميّون، الذين كانوا على صلةٍ وثيقة بهم في الأزمنة السابقة على التاريخ…».
1) نصوصُ القرآن والحديث في هذا الفصل يوردها كريمر بالألمانية لا بالعربية: الفاتحةَ في ترجمة شبرنغر، وسورةَ الإخلاص، ودعاءَي القنوت نقلًا عن «الإتقان» للسيوطي، وأحاديثَ البخاري. وقد رُدّت هنا إلى أصولها العربية المعروفة يقينًا، لأنها نصوصٌ ثابتة محدَّدة لا تحتمل إعادةَ إنشاء؛ وما لم يُعرَف له أصلٌ محدَّد — كأدعية الحسن وصيغته في العصمة من الأعداء، وهي عند الزمخشري في «ربيع الأبرار» — فقد نُقل عن الألمانية نقلًا، ولم يُحمَل على صيغةٍ مأثورةٍ بعينها.
2) يسمّي كريمر سورةَ الإخلاص «السورةَ الثانية عشرة»، وهي السورة 112. والخطأ خطؤه، وقد أُبقي في المتن كما هو.
3) «Unterschuhe» عند كريمر هي الخفّان، والمسألة المقصودة هي الخلاف المعروف في المسح على الخفَّين؛ وقد رُدّ المصطلح إلى أصله الفقهيّ.
4) الأرقام والإحالات المصدرية (البخاري 327, 420 ونحوها) مُبقاةٌ على صورتها في الأصل، ولم تُترجَم عناوين الأبواب اللاتينية المنقولة بحروفٍ لاتينية عن العربية، ولا الإحالاتُ إلى كتاب كريمر نفسه Geschichte der herrschenden Ideen des Islams.