مدخلٌ منهجيّ وسياقٌ تاريخيّ
تُعدّ محاكمةُ الوزير الأندلسيّ لسان الدين بن الخطيب ومقتلُه في سجن فاس سنة ٧٧٦هـ من أكثر الفواجع إثارةً للجدل في تاريخ الغرب الإسلاميّ. وقد استقرّت روايةٌ شائعةٌ تُدين تلميذَه وخَلَفه في الوزارة، الشاعرَ أبا عبد الله محمد بن يوسف المعروف بابن زمرك، وتَصِمه بالغدر المطلق بأستاذه الذي رفعه من الخمول إلى الجاه.
وهذه الرواية ليست اختلاقاً متأخّراً: فأقربُ الناس إلى ابن الخطيب تبنّاها. كتب ابنُه أبو الحسن عليّ على هوامش ترجمة ابن زمرك من «الإحاطة» — كتابِ أبيه نفسِه — كلاماً نقله المقّري في «نفح الطيب»:
«هذا الوغد ابن زمرك من شياطين الكتاب... وهو كان السببَ في قتل أبي مصنِّفِ هذا الكتاب الذي ربّاه وأدّبه واستخدمه... وكفانا اللهُ تعالى شرَّ من أحسنّا إليه وأساء إلينا.»
غير أنّ الرجوع إلى المصادر المعاصرة — وفي مقدّمتها «كتاب العِبَر» لابن خلدون، وهو شاهدُ العصر ومَن سعى بنفسه في خلاص ابن الخطيب — يكشف تداخلاً عميقاً بين تصفيةِ حساباتٍ سياسيّة، وخصومةٍ عقديّة، وصراعٍ مرينيّ-نصريّ على السلطة. وحصرُ الجريمة في «خيانة التلميذ» يُسقط هذه الطبقات كلَّها. وليس مرادُ هذه القراءة تبرئةَ ابن زمرك، بل توزيعُ المسؤوليّة على أصحابها بمقدار ما تحتمله المصادر.
شخصيّةُ ابن الخطيب وشحنُ العداوات
لا تُفهم النهايةُ المأساويّة بمعزلٍ عن طبيعة الرجل. فقد أجمع الدارسون، ومنهم محمد عبد الله عنان، على أنّ ابن الخطيب جمع بين العبقريّة الفذّة والصلَفِ الشديد والاستبداد بالرأي وإقصاءِ المنافسين — حتى أقصى صديقَه عبدَ الرحمن بن خلدون عن غرناطة حين آنس ميلَ السلطان إليه.
ولم يقف قلمُه عند الخصومة السياسيّة. ففي «الكتيبة الكامنة في مَن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة» ترجم لتلميذه ابن زمرك (الترجمة رقم ٩٥) بما نصُّه:
«هذا الرُّجَيْل — والتصغيرُ على أصله، وإن لم يَعِبِ السهمَ صِغَرُ نصله — مخلوقٌ من مكيدةٍ وحذر، ومفطورُ اللسان على هذيانٍ وهذر، خبيثٌ إن شكر، خدَعَ ومكر، ودسّ في الصفو العكر... بينما هو في المطبخ يعمل البُرَم، ويُشعل الضَّرَم، إذا به يفترش السُّندس، ويفتح بسيفه القدس.»
وهذا التعيير بالأصل الفقير والنشأةِ في المطابخ ترك جرحاً غائراً. ولم يكن ابن زمرك وحدَه هدفاً لهذا القلم: فقد ترجم في الكتاب نفسِه لخصمه قاضي الجماعة أبي الحسن عليّ النُّباهي (الترجمة رقم ٥٠) بما هو أقذع، بل أفرد له رسالةً سمّاها «خلع الرسن في وصف القاضي ابن الحسن». فالرجلُ صنع أعداءه بقلمه قبل أن يصنعهم بسياسته.
شاعريّةُ ابن زمرك المستقلّة، وأسطورةُ محو النقوش
تستند الروايةُ الشائعة إلى تهمتين أدبيّتين: أنّ ابن الخطيب كان ينظم الشعر لتلميذه، وأنّ ابن زمرك محا قصائدَ أستاذه من جدران الحمراء وأحلّ نقوشَه محلَّها. والتحقيقُ يردّ الثانية ويُقيّد الأولى.
- أمّا النظمُ نيابةً عنه، فقد أجاب المقّري في «نفح الطيب» عن حاشية ابن لسان الدين نفسِه، ولم يُنكر الأمرَ من أصله بل قيّده: «أمّا ما ذكره ابنُ لسان الدين من أنّ أباه كان ينظم لابن زمرك، فذلك — والله أعلم — كان في ابتداء أمره، وإلا فقد جاء ابنُ زمرك في آخر أيام لسان الدين وبعد موته بالبدائع التي لا تُنكر».
- وأمّا محوُ النقوش، فيردّه شاهدٌ ماديٌّ قاطعٌ لا يحتاج إلى جدل: أشعارُ ابن الخطيب ما تزال قائمةً على جدران الحمراء إلى اليوم — في بهو قصر قمارش وسواه — كما بقيت أشعارُ أستاذِه ابن الجيّاب في برج الأسيرة. ولو محا التلميذُ آثارَ أستاذه لَما بقي منها شيء. وغلبةُ شعر ابن زمرك على قصر السباع إنما هي أثرُ منصبه: فقد كان كاتبَ السرّ ثم الوزيرَ الأوّل نحو عشرين سنة، وهي بعينها سنواتُ حملة البناء الكبرى في عهد الغنيّ بالله. فالنقوشُ توزّعت بحسب مَن كان يمسك القلم يوم البناء، لا بحسب مَن كان يُضمر الحقد.
- وقد جُمع شعرُه في مجلَّدٍ ضخم عنوانه «البقية والمدرك من شعر ابن زمرك»، جمعه وقدّم له الأميرُ المؤرّخ ابن الأحمر (إسماعيل بن يوسف)، ورآه المقّري بالمغرب ونقل منه. وليس صحيحاً أنّ السلطان أمر بجمعه.
معضلةُ ابن زمرك عند بلاشير — على وجهها الصحيح
يُستشهد كثيراً بالمستشرق الفرنسيّ ريجيس بلاشير في الدفاع عن ابن زمرك، وفي دراسته «الوزير الشاعر ابن زمرك وأثره» (حوليات معهد الدراسات الشرقيّة بالجزائر، ١٩٣٦م، ص ٢٩١–٣١٢) عبارةٌ صريحةٌ في المعضلة: أكان في وسعه أن يفعل غيرَ ما فعل، وهو محصورٌ بين أن يخون محمداً الخامس بسكوته عن دسائس ابن الخطيب، وبين أن يَشِيَ بأستاذه نصرةً لسلطانه؟
لكنّ الأمانة تقتضي إتمامَ النقل: فبلاشير لا يُبرّئه. يقول في الجملة التالية مباشرةً إنّ ذنبَ ابن زمرك أنّه «أحسنَ تمييزَ الحلّ الموافق لمصلحته أكثرَ ممّا ينبغي، وبالغ في حماسه لضرب وزيرٍ مُتآمر»، ثم يصف استماتتَه (acharnement) في الإجهاز على زميله الساقط، ومساعيه لدى المرينيّين لمحاكمته بتهمة الزندقة، بل «ربّما للتحريض على اغتياله في السجن». وموضعُ المعضلة عنده أسبقُ من سفارة فاس: هو لحظةُ الوشاية الأولى، لا لحظةُ السفارة.
فبلاشير إذن يمنح ابن زمرك عذرَ الاضطرار في الخطوة الأولى، ثم يُدينه بما زاد عليها من طلب المنفعة وفرط الحماسة. ومَن استشهد به مبرِّئاً فقد قوّله ما لم يقل.
ليلةُ الاغتيال: الفاعلُ والمسؤوليّة
عمدةُ الخبر «كتاب العِبَر» لابن خلدون (ج٧، في خبر استيلاء أبي العبّاس على فاس الجديد سنة ٧٧٦هـ)، وهو يذكر أوّلاً أنّ تسليم ابن الخطيب كان شرطاً في البيعة:
«وقد كان الشرطُ وقع بينه وبين السلطان ابن الأحمر — عندما بويع بطنجة — على نكبة ابن الخطيب وإسلامِه إليه، لِما نُهي إليه عنه أنه كان يُغري السلطان عبد العزيز بمُلك الأندلس.»
ثم يُبيّن أصلَ الحقد عند سليمان بن داود بنصٍّ لا يحتاج إلى تأويل: كان سليمانُ قد بايع ابنَ الأحمر وهو في المنفى على «مشيخة الغزاة بالأندلس» جزاءَ نصرته، فلمّا استقرّ للسلطان مُلكُه وأجاز سليمانُ يطلب عهدَه:
«فصدَّه ابنُ الخطيب عن ذلك بأنّ تلك الرتبة إنما هي لأعياص المُلك من آل عبد الحقّ، لأنهم يعسوب زناتة. فرجع سليمانُ آيساً وحقَدَ ذلك لابن الخطيب... فكانت تقع بينه وبين ابن الخطيب مكاتباتٌ يُنفِّس كلٌّ منهما لصاحبه بما يحفظه لما كَمَنَ في صدورهما.»
ثم يسوق ابنُ خلدون المحاكمة والقتل. وفيه ثلاثةُ تفاصيل يجب ألّا تُطوى:
- أنّ الشورى انعقدت فعلاً، وأنّ ابن زمرك هو الذي «أحضر ابنَ الخطيب بالشورى... وعرض عليه بعضَ كلماتٍ وقعت له في كتابه» — فوظيفتُه في المجلس وظيفةُ المدّعي. وقد وُبِّخ ابنُ الخطيب و«نُكِّل وامتُحن بالعذاب» ثم رُدَّ إلى محبسه.
- أنّ القتل لم يكن خارجاً عن كلّ سندٍ شرعيّ كما يُقال أحياناً: «واشتوروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجَّلة عليه، وأفتى بعضُ الفقهاء فيه» — ثم جاء الاغتيالُ بعد ذلك.
- وأنّ المقتحمين لم يكونوا من حاشية سليمان وحدَها: «ودسّ سليمانُ بن داود إليه لبعض الأوغاد من حاشيته بقتله، فطرقوا السجنَ ليلاً — ومعهم زعانفةُ جاؤوا في لفيف الخدم مع سفراء السلطان ابن الأحمر — وقتلوه خنقاً في محبسه». وهذه الجملةُ الأخيرة هي التي تمنع القولَ بأنّ الوفد الأندلسيّ بريءٌ من الفعل؛ فالوفدُ كان ابنُ زمرك رئيسَه.
فالذي تحتمله المصادرُ إذن ليس تبرئةَ ابن زمرك من الدم، بل أنّ سليمان بن داود هو المدبِّرُ والآمر، وعليه وقع النكيرُ العامّ: «وعجب الناسُ من هذه السفاهة التي جاء بها سليمان، واعتدّوها من هَناته، وعظم النكيرُ فيها عليه وعلى قومه وأهل دولته». وهذا تخفيفٌ بالمقارنة، لا براءةٌ بالحكم.
وأمّا القولُ إنّ سليمان استعجل القتلَ خشيةَ حكمٍ مخفَّف، فهو استنتاجٌ معقول لا نصٌّ عند ابن خلدون؛ فالأولى أن يُقدَّم بصيغة الترجيح. وتاريخُ المقتل ربيعُ الأوّل أو الثاني من سنة ٧٧٦هـ (آب/أيلول ١٣٧٤م)، لا «أوائل ٧٧٦».
وأمّا صياغةُ تهمة الزندقة والفتوى بإحراق كتبه فهي من عمل قاضي الجماعة النُّباهي — لكنّها وقعت بغرناطة وفي غيبته سنة ٧٧٣–٧٧٤هـ، قبل محاكمة فاس. فالنُّباهي هيّأ المادّة العقديّة، وحملها ابنُ زمرك إلى فاس؛ ولا يذكر ابنُ خلدون النُّباهيَّ في مجلس فاس.
توزيعُ المسؤوليّات بحسب ما تحتمله المصادر
| الفاعل | دورُه في المحنة | نوعُ المسؤوليّة |
|---|---|---|
| سليمان بن داود | دسَّ من قتله خنقاً في السجن ليلاً، بعد الشورى وفتوى بعض الفقهاء. وأصلُ حقده منعُ ابن الخطيب إيّاه من «مشيخة الغزاة» التي بويع عليها. | جنائيّةٌ مباشرة: هو المدبِّرُ والآمر، وعليه وقع نكيرُ الناس. |
| السلطان الغنيّ بالله (محمد الخامس) |
اشترط في بيعة طنجة نكبةَ ابن الخطيب وتسليمَه، ثم بعث السفارة تطالب بإنفاذ الأمر. | سياسيّةٌ عليا: هو الذي جعل الدمَ شرطاً في عقدٍ بين دولتين. |
| ابن زمرك | سفيرُ غرناطة ومَن أحضر أستاذه للشورى وعرض عليه كلماتِ كتابه — أي القائمُ مقامَ المدّعي. ولم يأمر بالقتل ولم يباشره، غير أنّ في المقتحمين زعانفةً جاؤوا في لفيف خدم سفارته. | سياسيّةٌ وأدبيّة، ولا تخلو من تبعة: مضطرٌّ في أوّل الأمر، ومُفرِطٌ في حماسه بعد ذلك، كما يقول بلاشير. |
| القاضي النُّباهي | صاغ تهمةَ الزندقة وأفتى بإحراق الكتب — بغرناطة سنة ٧٧٣–٧٧٤هـ، قبل محاكمة فاس. | عقديّةٌ وتشريعيّة: هيّأ المادّةَ التي قُتل بها. |
نهايةُ ابن زمرك
قُتل ابنُ زمرك في داره سنة ٧٩٥هـ/صيف ١٣٩٣م، في عهد السلطان محمد السابع المستعين بالله، بعد أن كثُر عليه الحُسّاد. تقول التراجم: «قُتل في داره وهو رافعٌ يديه بالمصحف، وقُتل من وُجد معه من خدمه وبنيه». ولاحظ اللفظ: «رافعٌ يديه بالمصحف» — أي رافعُه يستجير به، لا تالٍ له في طمأنينة.
ورأى أنصارُ ابن الخطيب في ذلك قصاصاً إلهيّاً؛ بل إنّ المصادر نفسَها تُذيِّل الخبرَ بهذا الحكم: «كان قد سعى في أستاذه لسان الدين بن الخطيب حتى قُتل خنقاً، فلقي جزاءَ عمله». فالمقابلةُ بين الميتتين ليست استنباطاً حديثاً، بل هي حكمُ المصادر الوسيطة ذاتها. والقراءةُ البنيويّة تضيف إليها أنّ هذا المصير كان سُنّةً جاريةً في وزراء بني نصر: العزلُ أو القتل عند انتهاء الصلاحيّة السياسيّة.
خاتمة
ليست المسألةُ في تبرئة تلميذٍ أو إدانته، بل في ردّ كلِّ فعلٍ إلى فاعله. فالسلطانُ جعل الدمَ شرطاً في معاهدة، والقاضي صاغ التهمة، والوزيرُ المرينيُّ دسّ القَتَلة، والتلميذُ حمل الاتهام وأحضر أستاذه للشورى — ثم لم يمنع ما جرى في الليل، وفي المقتحمين مَن جاء في ركاب سفارته. أمّا التاريخُ فأنصفَ الأستاذَ في الحجَر: إذ بقيت أبياتُه على جدران الحمراء، إلى جوار أبيات تلميذه، بعد ستّة قرون من الليلة التي خُنق فيها.
المصادر والمراجع
- ابن خلدون، «كتاب العِبَر»، ج٧ — خبرُ استيلاء أبي العبّاس على فاس الجديد سنة ٧٧٦هـ (وهو عمدةُ الخبر: الشرطُ في بيعة طنجة، وحقدُ سليمان بن داود، والشورى، والتعذيب، والخنق). (والمتنُ منشورٌ في هذا الموقع ضمن مؤلّفات ابن خلدون.)
- ابن خلدون، «التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً» — سعيُه في خلاص ابن الخطيب، ولقاؤه ابنَ زمرك بجبل الفتح في طريقه إلى فاس.
- ابن الخطيب، «الكتيبة الكامنة في مَن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة»، تحقيق إحسان عبّاس — الترجمة ٩٥ (ابن زمرك)، والترجمة ٥٠ (النُّباهي).
- المقّري، «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»، تحقيق إحسان عبّاس — حواشي عليّ بن لسان الدين على «الإحاطة»، وجوابُ المقّري عنها، وخبرُ مقتل ابن زمرك. (وخلاصةُ وقائعه منشورةٌ في هذا الموقع.)
- محمد عبد الله عنان، «دولة الإسلام في الأندلس» ومقدّمتُه لتحقيق «الإحاطة» — وهو المرجعُ العربيّ الأساس في نكبة ابن الخطيب.
- Régis Blachère, «Le vizir-poète Ibn Zumruk et son œuvre», Annales de l'Institut d'Études Orientales d'Alger, II (1936), 291–312؛ وأُعيد نشرها في Analecta (دمشق ١٩٧٥)، ٤٩٩–٥١٩.
- Emilio García Gómez, Ibn Zamrak, el poeta de la Alhambra (مدريد ١٩٤٣) — المونوغرافيا الأساس.
- مادة «Ibn Zamrak» في دائرة المعارف الإسلاميّة (EI²).
مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)
قوبلت دعاوى هذه المقالة بالمصادر الأصلية — نصُّ ابن خلدون و«نفح الطيب» — وبالدراسات الحديثة، مع فحصٍ للاقتباس. والنقد منشورٌ كاملاً غيرَ منقوص، بما لها وما عليها، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقه: اقرأ نقد المدقّق المحايد ←
© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.