في صباح السابع والعشرين من أكتوبر سنة ١٥٥٣، اقتاد الحرس رجلاً في الثانية والأربعين من عمره إلى تلّة شامبيل جنوبيّ مدينة جنيف. كان الحطب أخضر رطبًا، فطال احتراقه وطال عذاب صاحبه. ولم يكتفِ المنفّذون بربط الرجل إلى الوتد، بل ربطوا إلى ساقه وذراعه نسخة من كتابه، ليحترق الكتاب مع مؤلّفه في نار واحدة.
كان في ذلك الكتاب فصلٌ في اللاهوت أدّى بصاحبه إلى هذا المصير. وكان فيه أيضًا — ولم ينتبه إليه أحد يومها — أول وصف مطبوع في أوروبا لمسار الدم من القلب إلى الرئتين ثم عودته إليه: الدورة الدموية الصغرى. ست صفحات في كتاب دينيّ ضخم، ذهبت إلى النار مع آلاف النسخ، ونجا منها ثلاث.
رجل من أراغون
وُلد ميغيل سِرفيت (Miguel Servet) في بلدة بيّانويبا دي سيخينا في مملكة أراغون شمال شرق إسبانيا، على الأرجح سنة ١٥١١. وهو الجيل الأول الذي وُلد بعد سقوط غرناطة وبعد قرارات التنصير والتهجير، في بلد كانت ذاكرته القريبة ما تزال مزدحمة بالمسلمين واليهود المُكرَهين على تغيير دينهم. سيكون لهذا أثر لاحق في تفكيره، وإن اختلف الباحثون في مقداره.
درس القانون في تولوز الفرنسية، وهناك — كما يُروى عنه — قرأ الكتاب المقدّس كاملاً لأول مرة. ثم رافق معرّف شارل الخامس إلى بولونيا سنة ١٥٣٠ فشهد تتويج الإمبراطور على يد البابا: منظر الحبر الأعظم محمولاً على الأكتاف والناس يقبّلون قدميه. يقول سرفيتوس إن ذلك المشهد قلب شيئًا في داخله.
وفي سنة ١٥٣١، وهو في العشرين من عمره تقريبًا، نشر كتابه «في أخطاء التثليث» (De Trinitatis Erroribus). لم يكن كتاب متردّد: أنكر فيه صيغة مجمع نيقية، ووصف الثالوث بأنه «كلبٌ ذو ثلاثة رؤوس»، ورأى أن هذه العقيدة لا تنتج في نفس المؤمن إلا التباسًا. وقد استعمل في حجاجه — وهذا موضع اهتمامنا في هذه السلسلة — نصوصًا قرآنية، وعدّ المسلمين أفهم للتوحيد من مناظريه المسيحيين، بل وصف النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم بأنه مُصلح دعا إلى توحيد خالص أفسده لاهوتيّو الكنيسة. ولا يعني هذا أنه أسلم؛ فقد بقي على مسيحيّة خاصة به، لكنه يعني أن التوحيد الإسلامي كان أحد الروافد التي غذّت الحركة المضادّة للتثليث في أوروبا، وهو ما فصّلناه في مقال الأريوسيين والموحّدين.
كانت النتيجة أن أدانه الكاثوليك والبروتستانت معًا. رجلٌ في العشرين لا يملك حصانة ولا جماعة، تبرّأ منه الجميع. فاختفى.
عشرون عامًا تحت اسم مستعار
ظهر بعد ذلك في ليون وباريس رجلٌ اسمه «ميشيل دو فيلنوف»، مصحّح مطبوعات ثم طبيب. عمل في تحرير الطبعات العلمية الكبرى في عصره، ومنها طبعة جديدة من «جغرافيا بطليموس»، وطبعة من ترجمة بانييني للكتاب المقدّس. ودرس الطب في باريس، حيث درس التشريح على يد يوهان غونتر من أندرناخ، في الحلقة نفسها التي خرج منها أندرياس فيزاليوس، صاحب «في بنية جسم الإنسان» الذي قلب علم التشريح رأسًا على عقب سنة ١٥٤٣.
ثم استقرّ في مدينة فيّان (Vienne) في الدوفينيه، طبيبًا خاصًا لرئيس أساقفة المدينة. طبيبٌ محترم، مقرّب من رجل دين كبير، يعيش حياة هادئة نحو اثني عشر عامًا. وفي الليل كان يكتب الكتاب الذي سيقتله.
كتابٌ يُهرَّب في أكياس القشّ
«تجديد المسيحية» (Christianismi Restitutio) — والعنوان نفسه ردٌّ ساخر على كتاب جان كالفن «مؤسسات الدين المسيحي». طُبع سرًّا في فيّان مطلع سنة ١٥٥٣ في نحو ألف نسخة. ولأن الطباعة كانت جريمة، خرجت النسخ مخبّأة: شحنة أولى في يناير مدسوسة في بالات القشّ في طريقها إلى معرض فرانكفورت، وشحنة إلى جنيف، وثالثة إلى ليون.
كان سرفيتوس قبل ذلك قد راسل كالفن سنوات، مراسلةً بدأت بحثًا وانتهت عداوةً مفتوحة. أرسل إليه كالفن نسخة من كتابه، فأعادها سرفيتوس مليئة بالتعليقات الساخرة على الحواشي. وكان كالفن قد كتب في رسالة إلى صديق أنه إن جاء سرفيتوس إلى جنيف فلن يخرج منها حيًّا.
أين اختبأ الكشف؟
يقع الوصف التشريحي في الكتاب الخامس من «تجديد المسيحية»، في الصفحات ١٦٨–١٧٣. ولنفهم لماذا وُضع هناك بالذات لا بدّ من متابعة منطق سرفيتوس نفسه.
كان سؤاله لاهوتيًّا: كيف تتّصل الروح الإلهية بالإنسان؟ وقد وجد في العهد القديم نصًّا يقول إن «نفس الجسد في الدم». فإن كانت الحياة في الدم، فلا بدّ من فهم كيف يُصنع هذا الدم الحامل للحياة، ومن أين يستمدّ ما يستمدّ. أي أن التشريح عنده لم يكن غاية، بل كان الطريق الوحيد إلى إتمام حجّة لاهوتية.
وهنا اصطدم بجالينوس. كان الرأي السائد منذ أكثر من ألف عام أن الدم ينتقل من البطين الأيمن إلى الأيسر عبر مسامّ خفية في الحاجز بين البطينين. فقال سرفيتوس ما خلاصته: لا. الحاجز صلبٌ كثيف لا ينفذ منه الدم. الدم يخرج من البطين الأيمن في شريان عريض إلى الرئتين، فيمتدّ فيهما ويرقّ ويتغيّر لونه إلى الحمرة، ويخالط الهواء الداخل بالتنفّس، ثم يعود من الرئة إلى البطين الأيسر عبر الوريد الرئوي. واستدلّ على ذلك بحجّة تشريحية بسيطة ومقنعة: أن الشريان الذاهب إلى الرئة أوسع بكثير مما تحتاجه الرئة لتغذية نفسها، فلا بدّ أن له وظيفة أكبر من ذلك.
هذه هي الفقرة كلها. لا فصل في الطب، ولا كتاب في التشريح، ولا رسم تشريحي واحد. ملاحظة عابرة داخل حجّة عن الروح، في كتاب سيُحرَق بعد أشهر.
والملاحظة الدقيقة هنا أن سرفيتوس لم يكن يبحث عن الدورة الدموية. كان يبحث عن مكان الروح، فوقع على الطريق في أثناء ذلك. وهذا يذكّرنا بشيء قلناه في مقال «كيف تتطور العلوم»: الكشف لا يأتي دائمًا من السؤال الصحيح؛ قد يأتي من سؤال خاطئ يُلاحق بأمانة.
الوشاية والنار
في فبراير ١٥٥٣ وصلت إلى محاكم التفتيش في ليون رسالة من رجل يُدعى غيّوم دو تري، مقيم في جنيف، يكشف فيها هوية «الطبيب دو فيلنوف» الحقيقية. ولمّا طُلبت الأدلّة، جاءت وثائق بخط سرفيتوس نفسه: رسائله القديمة إلى كالفن. المسألة الخلافية التي ناقشها المؤرخون طويلاً هي كيف خرجت تلك الرسائل من حوزة كالفن، وما مقدار علمه بذلك؛ وقد اعترف كالفن نفسه لاحقًا بأنه لم يخفِ رغبته في إسكات الرجل. أما تفاصيل الدور المباشر فتبقى موضع نزاع بين الباحثين، ولا ينبغي الجزم فيها بأكثر مما تحتمله الوثائق.
اعتُقل سرفيتوس في فيّان، ثم فرّ من السجن بعد أيام. حكمت عليه المحكمة غيابيًّا فأُحرقت دميته وكتبه في يونيو. وبدل أن يمضي إلى إيطاليا حيث كان له أنصار، توقّف في جنيف. لماذا؟ لا أحد يعرف يقينًا. دخل الكنيسة في يوم أحد فتعرّف عليه أحد الحاضرين، فقُبض عليه في الثالث عشر من أغسطس ١٥٥٣.
استُشير في أمره مجالس أربع مدن سويسرية، فجاءت الردود متّفقة على إدانته. وحُكم عليه بالحرق. وقد طلب كالفن أن يُقطع رأسه بالسيف بدل الحرق — وهي «رحمة» بمقاييس ذلك الزمان — فرفض المجلس. وفي السابع والعشرين من أكتوبر نُفّذ الحكم على تلّة شامبيل، وربط المنفّذ إليه نسخة من كتابه.
ثلاث نسخ
من نحو ألف نسخة، نجت ثلاث فقط: واحدة في المكتبة الوطنية النمساوية في فيينا، وواحدة في المكتبة الوطنية الفرنسية في باريس، وثالثة ناقصة الصفحات الأولى في مكتبة جامعة إدنبرة. وبقي الكتاب في قوائم الكتب المحرّمة، ولم يُعد نشر نصّه كاملاً إلا في القرن الثامن عشر حين نسخ عالمٌ ألماني نسخة فيينا بيده.
وقد وصف رِيالدو كولومبو الدورة الرئوية سنة ١٥٥٩ في «في التشريح»، ووصفها خوان بالبيردي — وهو إسباني آخر — قبله بثلاث سنوات. ثم جاء ويليام هارفي سنة ١٦٢٨ فأتمّ الصورة كلها في «في حركة القلب والدم». هل قرأ هؤلاء سرفيتوس؟ لا يوجد دليل قاطع. ولا يذكره هارفي في كتابه. ويرى بعض مؤرّخي الطب أن النسخ التي بيعت قبل المصادرة انتقلت مع أنصار سرفيتوس إلى شمال إيطاليا وبادوفا بالذات — حيث درس هارفي — فيكون الاحتمال قائمًا. وغاية ما يقال إنه احتمال؛ ومن الأمانة أن يبقى احتمالاً.
والوصف الأقدم
يعرف القارئ العربي بقيّة القصة: أن علاء الدين ابن النفيس القرشي، الطبيب الدمشقي المقيم بالقاهرة، كتب في «شرح تشريح القانون» في منتصف القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) الوصف نفسه: أن الحاجز بين البطينين مصمت لا منفذ فيه، وأن الدم لا بدّ أن يسلك إلى الرئة ليخالط الهواء ثم يعود. سبقٌ يتقدّم سرفيتوس بنحو ثلاثة قرون.
ولم يُعرف هذا في أوروبا إلا سنة ١٩٢٤، حين عثر الطبيب المصري محيي الدين التطاوي على النصّ في مخطوطة ببرلين وقدّمه في أطروحته. ثلاثة قرون ونصف بين الكتابة والاكتشاف — لا بالنار هذه المرة، بل بالإهمال وانقطاع سلسلة القراءة.
هل وصل كلام ابن النفيس إلى سرفيتوس؟ هناك قناة محتملة: ترجمات أندريا ألباغو اللاتينية لبعض أعمال ابن النفيس، طُبعت في البندقية في أربعينيات القرن السادس عشر، أي قبل «تجديد المسيحية» بسنوات. لكن ليس بين أيدينا ما يثبت أن سرفيتوس قرأها. والقول الحصيف: كشفان مستقلّان على الأرجح، توصّلا إلى النتيجة نفسها بالطريقة نفسها — بالاعتراض على جالينوس، لا بالتشريح المخبريّ.
العبرة: ليس إنتاج المعرفة وحده
نحن نتصوّر تاريخ العلم سلسلة متّصلة: يكتشف عالمٌ شيئًا، فيبني عليه من بعده. والحقيقة أن السلسلة مقطوعة في مواضع كثيرة. المعرفة لا تكفيها الولادة؛ تحتاج إلى ناقلٍ يحملها، ولغةٍ تُقرأ بها، وجماعةٍ تراها ذات قيمة، وسلطةٍ لا تحرقها.
سرفيتوس كتب الصواب، وكتبه في المكان الخطأ، وفي الزمن الخطأ، ووقّعه باسمه الصريح بعد عشرين سنة من الاختباء. فمات هو ومات كشفُه معه سبعين عامًا. وابن النفيس كتب الصواب في المكان الصحيح تمامًا — كتاب طبّ، شرحٌ على القانون — لكن سلسلة القرّاء انقطعت بعده، فنام النصّ في رفّ حتى أيقظه طالبٌ في برلين.
وهذا وجهٌ آخر من «الدليل الغائب» الذي كتبنا عنه: نحن نرى ما نجا. نقرأ تاريخ الطب في الكتب التي وصلت، ونحسب أنها كل ما كان. ولا نعرف — ولن نعرف — كم فكرةً صحيحة احترقت في شامبيل وفي غيرها، أو نامت في مخطوطة لم يفتحها أحد. أما نصيبنا نحن من هذا كله فسؤالٌ عمليّ: ما الذي نكتبه اليوم في المكان الذي لا يُقرأ فيه؟
ولننتبه إلى أن القصّة لم تنتهِ عند النار. بعد الحادثة بعام واحد نشر سيباستيان كاستيليو كتابه «في المهرطقين: هل يجب أن يُضطهدوا؟»، وفيه قال جملته التي صارت أشهر ما قيل في هذا الباب: إن قتل إنسان ليس دفاعًا عن عقيدة، إنما هو قتل إنسان. لم تكن الفكرة قد وُلدت من فراغ، لكنها وجدت في محرقة سرفيتوس دليلها الحسّي. وفي سنة ١٩٠٣ أقام أتباع كالفن أنفسهم نصبًا تذكاريًّا في شامبيل، يعترفون فيه بأنها كانت خطأ عصرهم.
ثم بعد ذلك كله، كان علينا أن ننتظر حتى سنة ١٩٢٤ لنعرف أن الطريق نفسه كان قد وُصف في القاهرة قبل ذلك بسبعة قرون.
مراجع للاستزادة
- — Goldstone, L. & N. — Out of the Flames: The Story of One of the Rarest Books in the World (2002).
- — Bosmia, A. et al. — «Michael Servetus (1511–1553): Physician and heretic who described the pulmonary circulation», International Journal of Cardiology 167 (2013): 318–321.
- — Williams, G. H. — The Radical Reformation (طبعة موسّعة ١٩٩٢).
- — Hughes, P. — «Servetus and the Quran», Journal of Unitarian Universalist History (2005).
- — التطاوي، محيي الدين — أطروحته عن الدورة الدموية الرئوية عند ابن النفيس، برلين ١٩٢٤.
الروابطُ أعلاه محمَّلةٌ ومتحقَّقٌ منها: كتابا غولدستون ووليامز مسحٌ ضوئيٌّ على أرشيف الإنترنت يُقرأ بالإعارة الرقمية لا بالتحميل الحرّ، وبحثُ بوسميا وزملائه رابطُه معرّفُ DOI الرسميّ والنصُّ الكامل عند الناشر بمقابل. أمّا مقالةُ هيوز «سرفيتوس والقرآن» فمنشورةٌ في مجلّة التاريخ الوحدوي العالمي، المجلّد الثلاثين (٢٠٠٥)، ص ٥٥–٧٠، ولم أقف لها على نسخةٍ حرّة؛ وكذلك أطروحةُ التطاوي سنة ١٩٢٤ لا تتوفّر منها نسخةٌ رقميةٌ حرّة.
مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)
رُوجعت وقائعُ هذه المقالة — التواريخُ والأسماءُ والصفحاتُ وعددُ النسخ الناجية وخبرُ ابن النفيس والتطاوي — على المصادر المنشورة وعلى المكتبة الشاملة المنزَّلة. والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقها: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←
© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.