بسم الله الرحمان الرحيم
و صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
[قال الشيخ الأديب البارع، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الخطيب السلماني]:
أما بعد الحمد لله الذي أحصى الخلايق عدَداً، وابتلاهم اليوم ليَجْزِيَهم غداً، وجعل جيادَهم تتسابق في ميادين الآجال إلى مدًى، وباينَ بينهم في الصور والأخلاق، والأعمال والأرزاق، فلا يجدون بما قُسمَ مَحيصاً، ولا فيما حكم مُلْتَحَداً؛ وَسِعَهُمْ عِلْمُهُ على تَبايُنِ أفْراقِهِمْ، وتَكاثُفِ أعْدادِهِم: والِداً وَوَلَداً، ونَسَباً وَبَلَداً، ووفاةً ومَوْلِداً. فمنهم النّبيه والخامِل، والحالي والعاطل، والعالم والجاهل: ﴿ وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَداً ﴾. وجعل لهم الأرض ذلولاً يمشون في مناكبها، و يتخذون من جبالها بيوتاً، ومن متاعها عُدَداً، وخَصَّ بعض أقطارها بمزايا تدعو إلى الاغتباط والاعتمار، وتَحُثُّ على السُّكونِ والإستقرار، مُتَبَوَّأً فسيحاً، وهواءً صحيحاً، وماءً نَمِيراً، وامْتِناعاً شَهيراً، ورِزْقاً رَغَداً. فسبحان من جعل التَّفاضُل في المَساكِن والسّاكن، وعَرَّف العبادَ عوارف اللّطف، في الظاهر والباطن، ولم يترك شيئاً سدًى. والصلاة والسلام على سيدنا ومولنا محمدٍ الذي مَلأ الكون نوراً وهدًى، وأوْضَحَ سبيلَ الحقَّ، وكانت طرائق قِدَداً، أعلَى الأنام يداً، وأشرفَ الخلقِ ذاتاً، وأكرمهم مَحْتِداً، الذي أنجز الله به من نصر دينه الحقَّ موعداً، حتّى بلغتْ دعوتُهً ما زُوِيَ له من هذا المغرب الأقصى، فرَفَعت بكل هَضْبةٍ مَعْلَماً، وبَنَتْ بكل هَضْبَة مسجداً، والرَّضَى عن آله وأصحابه، الذين كانوا لسماء سنَّتِه عُمُداً، لُيوث العِدَا، وغًيوث النَّدَى، ما أقلّ ساعدٌ يداً، وعُمر بكر خالداً، ومصباح بدَا وأغفلت سُهْداً.
فإن الله عز وجهه جعل الكتابَ لمواردِ العلمِ قَيْداً، وجَوارحُ اليراعِ تُثيرُ في السُّهول الرقاع صيداً؛ ولولا ذلك لم يشعر آتٍ في خلق بذاهبٍ، ولا اتّصل شاهدٌ بغائبٍ؛ فماتتْ الفضائلُ بموتِ أهلها، وأفَلَت نُجومُها عن أعْيُن مُجْتليها؛ فلم يُرجع إلى خبرٍ يُنقل، ولا دليل يُعقل، ولا سياسة تُكْسَب، ولا أصالة إليها يُنْتَسب؛ فهدى سبحانه وألْهَم، وعَلَّمَ الإنسانَ بالقلم، [عِلْمَ] ما لم يكن يعلم؛ حتى ألفَيْنا المراسِمَ قائدة، والمراشدَ هادِيَة، والأخْبارَ مَنْقولَة، والأسانيد موصولة، والأصول محرَّرة، والتَّواريخَ مقرَّرَة، والسَّيرَ مذكورة، والآثار مأثورة، الفضائل من بعد أهلها باقيَةً خالِدةً، والمآثر ناطقة شاهدة؛ كأنّ النهارَ القرطاسُ، والليْلَ المدادُ؛ ينافسان: الليلُ والنهارُ، في عالمِ الكوْن والفسادِ؛ فمهما طويا شيئاً ولِعا هما بنثره، أو دفناً ذكراً دعوا إلى نشره. وفلو أن لسان الدهر نطق، وتأمل لهذه المناقضة وتحقق؛ لأتى بما شاء من عَتْب ولوم؛ وأنشده:
((أعلمه الرماية كل يوم)).
ولمَّا كان الفّنُّ التاريخي مَأْرب البشر، ووسيلة إلى ضم النشر؛ يعرفون بها أنسابهم في ذلك شرعاً وطبعاً ما فيه، ويَكتسبونَ به عقلَ التَّجربةِ في حالِ السّكون والرفيه، ويسْتدِلون ببعض ما يُبْدي به الدَّهرُ وما يخفيه، ويُري العاقل من تصريف قدرة الله تعالى ما يشرح الصَّدر الصَّدر بالإيمان ويَشْفيه، ويمرّ على مصارع الجبابرة فَيَحْسَبه بذلك واعظاً ويَكْفيه، وكتاب الله يَتَخلَّلُه من القَصَصِ ما يُتَمَّم هذا الشاهدَ لهذا الفنَّ ويُوفيه. وقال الله تعالى:
﴿وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبَّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾. ﴾. قال عز من قال: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ علَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ القَصَصِ بِمَا أوْحَيْنَا إلَيْكَ هَذَا القُرِآن وَإنْ كُنْتَ مؤنْ قَبْلِهِ
لَمِنَ الغَافِلِينَ﴾. فَوَضَحَ سبيلٌ مبينٌ. ويَظْهرُ أن القول القول بفضله يقتضيه عقل ودين. وأنّ بعضَ المصنفين؛ المصنفين؛ مِمّن تركَ نَوْمهُ لمنْ دونِه، وأنْزَفَ ماء شبابه مُودِعاً إيّاهُ بَطْنَ كتابِهِ؛ يقْصُدُه النّاسُ ويَرِدونَه؛ اختلفتْ في مثل هذا الباب أغْراضُهُم؛ فمِنْهمْ: مَنِ اْعْتَنَى بإثباتِ حوادثِ الزَّمانِ، ومنهمْ مَنِ اْعْتنَى بِرجالِهِ؛ بعدَ اخْتِيارِ الأعْيانِ عجزاً عنِ الإحاطَةِ بِهَذا الشَّأن؛ عُموماً في أكثرِ الأقْطارِ، وَخُصوصاً في بعضِ البُلْدانِ. فاسْتهْدَف إلى التَّعميمِ فُرْسان الميدان، وتوسَّعوا بحَسبِ مادة الاطَّلاع، وجهد الإمْكان؛ وجَنَحَ إلى التَّخْصيص [من أثر]؛ الأوْلَويَّةُ بحسب ما يَخُصُّه من المكان، ويلزَمه من حقوقِ السُّكان؛ مُغْرَماً برعايَة عهودِ وطَنِهِ؛ وحُسْنُ العَهْدِ منَ الإيمانِ؛ بادئاً بمن يعوله؛ كما جاءَ في الطُّرُقِ الحِسانِ. فتذكَّرْت جُملةً مِنَ مَوْضوعاتِ؛ مَنْ أفْرَدَ لِوطنِهِ تاريخاً؛ تاريخاً؛ هَزَّ إلَيْها علم الله؛ وفاءٌ وكرمٌ، ودار عليها؛ بقول الله منْ رحْمتِه الواسِعةِ حرم؛ كتاريخِ مدينة بُخارَى؛ لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان الفخار، وتاريخِ أصْبَهان؛ لأبي نُعَيْم أحمد بن عبد الله الحافظ؛ صاحب الحلية، وتاريخ أصْبَهان أيضاً لأبي زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن قندة الحافظ. وتاريخ نَيْسَابُور؛ للحاكم أبى عبد الله بن اليسع، وذيله؛ لعبد الغافر بن إسماعيل، وتاريخ هَمَذَان؛ لأبي شُجَاع شَيْرَويه بن شهردار بن شَيْرَويه محمد بن فناخُسرو الدَّيْلَمِي، وتاريخ طَبَقات أهلِ شيراز؛ لأبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن القصار. وتاريخ هراة؛ أضُنُّهُ لأبي عبد الله الحسن بن محمد الكتبي، وأخبار هراة أيضاً ومن نزلها من التابعين وغيرهم من محدَّثين؛ لأبي إسحاق أحمد بن ياسين الحداد، وتاريخ سَمَرْقَنْد؛ لعبد الرحمان بن محمد الأرْدَسي، وتاريخ نَسَف؛ لجعفر بن محمد المُعَبر المستغفري، وتاريخ جُرْجان؛ لأبي القاسم حمزة بن يوسف بن إبراهيم السهمي، وتاريخ الرَّقَّة؛ لأبي علي محمد بن سعيد بن عبد الرحمان القُشَيْري، وتاريخ بغداد؛ للخطيب أبى بكر بن ثابث، وذيله؛ لأبي سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني، وأخبار بغداد؛ لأحمد بن أبي طاهر، وتاريخ واسِط؛ لأبي الحسين على بن الطيب الخلافي، وتاريخ من نزل حِمْص من الصَّحابَة ومَنْ دَخَلَها ومَنْ ارْتَحَلَ عَنْها ومَنْ أعْقَب ولَمْ يُعَقَّب وحَدَّث ولم يُحَدَّث؛ لأبي القاسم عبد الصمد ابن سعيد القاضي، وتاريخ دِمَشْق؛ لأبي القاسم علي ابن الحسن بن عساكر، وتاريخ مَكَّة؛ للأَزْرَقي، وتاريخ المدينَة؛ لابن النَّجَّار، وتاريخ مِصْر؛ لعبد الرحمان بن أحمد بن نواس، وتاريخ الإسكَنْدَريَّة؛ لوجيه الدين أبي المظفر منصور بن سليمان بن منصور بن سليم الشافعي، وتاريخ طبقات فقهاء تونس؛ لأبي محمد عبد الله بن إبراهيم بن أبي العّباس بن خلف التميمي، وعُنْوان الدَّرايَة في ذكرِ مَنْ كان في الماية السَّابعة بِبِجايَة؛ لأبي العباس بن الغبريني، وتاريخ تِلِمْسان؛ لابن الأصفر، وتاريخها أيضاً لابن هَدِيَّة، وتاريخ فاس؛ لابن عبد الكريم، وتاريخاً أيضاً لإبن أبي زَرْع، وتاريخ فاس أيضاً للقونجي، وتاريخ سَبْتَة؛ المسمى بالفنون السَّتَّة؛ للأبي الفضل عِياض بن موسى بن عِياض؛ تركه في مسودة، وتاريخ بَلَنْسية؛ لابن علقمة، وتاريخ إِلْبِيرة؛ لأبي القاسم محمد بن عبد الواحد الغافقي الملاَّحي، وتاريخ شُقُورة؛ لابن إدريس، وتاريخ مالَقَة؛ لأبي عبد الله بن عسكر؛ تركه غير متمم؛ فتممه بعد وفاته ابن أخيه أبو بكر بن خمسين، والإعْلام بمَحاسِن الأَعْلام مِنْ أهْلِ مَالَقَة؛ لأبي العباس أصْبَغ بن العباس، والإحتفال في أعْلام الرَّجال؛ لأبي بكر الحسن بن محمد ابن مُفَرَّج القيسي، وتاريخ قُرْطُبَة، مُنْتَخب كتاب الاحْتِفال، وتاريخ الرُّؤَساء والفقهاء والقضاة بطُلَيْطُلَة؛ لأبي جعفر بن مظاهر، ومنتخبه؛ لأبي القاسم ابن بَشْكُوال، وتاريخ فقهاء قُرْطُبة؛ لإبن حَيَّان، وتاريخ الجَزيرة الخَضْراء؛ لابن خَمْسين، وتاريخ قَلْعَة يَحْصِب؛ المسمى بالطالع السّعيد؛ لأبي الحسن بن سعيد، وتاريخ بَقيرَة؛ لأبي عبد الله بن المؤذن، والدُّرَّة المكنونة في أخبار أُشْبُونَة؛ لأبى بكر بن محمد بن إدريس الفَرَابي العالوسي، ومَزيَّة ألْمَريَّةّ؛ لأبي جعفر أحمد بن خاتِمَة؛ من أصحابنا، وتاريخ ألْمَرِيَّة وباجَة؛ لشيخنا نسيج وحده أبي البركات بن الحاج. متع الله بإفادته؛ وهو في مُبَيَّضته؛ ولم يرمها بعد. فَداخلَتْني عَصَبِيَّة لا تَقْدَحُ في دين، ولا في مَنْصِب؛ وحَمِيَّة لا يُذَمُّ في مثلها مُتَعَصَّبٌ؛ رَغْبَة أنْ يَقَعَ سُؤالُهم وذِكْرُهم من فضل الله جناب مُخْصب. ورأيتُ أنّ هذه الحَضْرَة التي لا خَفاء بما وَفَّرَ الله من أسْباب إيثارِها، وأرادَه من جَلال مِقْدارها؛ جَعَلَها ثَغْرَ الإسْلام، ومُتَبَوَّأَ العَرَبِ الأعْلامِ؛ قَبِيلِ رَسولِه عليه أفضل الصلاة وأزكى السّلام؛ وما خصَّها به من اعْتِدال الأقْطار، وجَرَيان الأنْهار، وانْفِسَاح الاعتمار، والتفاف الأشجار. نَزَلَها العَرَبُ الكِرام عندَ دخولِهم مُخْتَطَّين ومُنْقَطِعين؛ وهَبُّوا بدَعْوة فضلها مُهْطِعين؛ فعَمَّروا وأوْلَدوا، وأثْبَتوا المَفاخِر وخَلَّدوا؛ إلى أن صارت دارَ مُلكٍ، ولبَّةِ سِلْكٍ؛ فَنَبُه المِقْدارُ وإن كان نَبيهاً، وازْدادتِ الْخِطَّة تَرْفيعاً، وجلب إلى سوقِ المَلأ بما نَفَقَ فيها. فكم ضَمَّتْ جُدْرانُها جُدْرانُها من رَئيسٍ يتَّقي الصَّباحُ هُجومَه، ويَتَخَوَّفُ اللَّيْلُ طُروقَه وَوُجومَه، ويَفْتَقِر الغَيْثُ لِنوائله المَمْنوحَةِ سُجُومَه، وعالِمٌ يَبْرُزُ لِلفُنونِ فَيُطيعُهُ عاصِيها، ويَدْعو بالمُشْكِلات فيَأخُذُ بِنَواصيها، وعالِمٌ بالله قدْ وَسَمَ السُّجودُ جَبينَهُ، وأشْعَثُ أغْبَرُ لوْ أقْسَمَ على الله لأبَرَّ يَمينَه، وبَليغٌ قدْ أذْعَنَتْ لِبَراعَةِ خَطَّهِ وَشيجَةُ الخَطَّ؛ يَغوصُ على دُرَرِ البَدايعِ؛ فَيُلْقيها من طِرْسِه الرَّاتِع الشَّط؛ لم يقم بحقَّها مُمْتعِضٌ حقّ الامْتعاض، ولا فَرَّق بين جَواهِرِها وبَيْن الأعْراض. هذا وشَجرُ الأقْلامِ مُشْرَعة، ومَكان القَوْل والحمد لله ذو سَعَة؛ فَهِيَ الحُسْنَى التى عَدَمَتِ الذَّام، وزينَةُ اللَّيالي والأيَّام؛ والهَوَى إنْ قيلَ كَلِفْت بِمَعانيها، وقَصُرَتِ الأَيَّامُ على مَعانيها. فَعاشِقُ الجَمال عُذْرُه مقبولٌ. والله دَرّ أبي الطيّب حيث يقول:
ضُروب النَّاس عُشَّاقٌ ضُروباً
فأعذَرهم أشَفَّهُمُ حَبيباً
فليستُ بِبِدعٍ مِمَّنْ فُتِنَ بِحُبَّ وَطَن، ولا بِأوَّل ما شاقَهُ مَنْزِلٌ فألْقَى بالعَطَن؛ فَحُبُّ الوَطَنِ مَعْجونٌ بِطِينَةِ سَاكِنِهِ، وطَرَفُه مُغَرَّى بإتْمام مَحاسِنِهِ. وقدْ نَبَّهَ علي بن العباس على السَّبَب، وجاء في التِماسِ التَّعْليل بالعَجَبِ؛ حيثُ يقولُ:
و حبَّبَ أوطانَ الرِّجال إليهِم
مَآربُ قَضَّاها الشَّباب هنالكا
إذا ذَكَروا أوطانَهم ذَكَّرتهم
عهودُ الصِّبا فيها فحَنُّوا لذلك
ورميتُ في هذا المعنى بسهمٍ سَديد، وألمَحْتُ
بغَرضٍ؛ إنْ لم يَكُنْه فليسَ بِبَعيدٍ:
أُحِبّك يا مَغْنَى الجَلال بواجب
وأقطَعُ في أوْصافك الغُّرِّ أوقات
تَقَسَّم منك التُّرْبَ قَوْمي وجيرَتي
فَفِي الظَّهْر أحياءٌ وفي البَطْن أموات
وقد كان أبو قاسم الغافقي من أهل غَرْناطَة قامَ من هذا الغَرض بفَرض، وأتى من كلّه ببعض؛ فلم يَشْفِ منْ غُلَّة، ولا سَدَّ خَلَّة، ولا كَثَّر قِلَّة. فقُمتُ بهذا الوَظيفِ، وانْتبدتُ فيه للتأليف، ورجوت على نزارة حظَّ الصَّحة، وازدحام الشَّواغل المُلِحَّة، أنْ اضطَّلِع، من هذا القصد، بالعبْءِ الذي طالما طَأْطَأَتْ له الأكْتاد، وأقف منه الموقف الذي تهيَّبَتْه الأبطال الأنْجاد، (فاتَّخَذْتُ اللَّيْل جَمَلاً) لهذِه الطَّيَّة، وانْتَضَيْتُ غارِبَ العَزم ونِعْمَت المطيَّة؛ بحيثُ لا مُؤانِس إلاّ ذُبالٌ يكافحُ جيشَ الدُّجَى، ودَفاتِرُ تَلْفَحُ الحِجا، وخَواطِرُ تَبْتَغي إلى سَماء الإجادة مَعْرَجا، وإذا صَحِب العملَ صدقُ النَّيَّة، أشْرَقَتْ من التَّوْفيق كُلُّ ثَنِيَّة، وطَلَعتْ من السَّداد كُلُّ غُرَّة سَنِيَّة.
وقد علم الله أنّي لم أعتمِدْ منها دُنْيا أسْتمنحها، ولا نَسَمَةَ جاهٍ يُسْتَنْشَقُ ريحُها، وإنّما هو صُبحٌ تَبيَّن، وحَقٌّ رأيته علَيَّ قد تَعَيَّن؛ بَذَلتُ فيه جهْدي، وأقْطَعتهُ جانب سُهْدي، لِيَنْظِمَ هذا البلد بمثله؛ ممّا أثير كامِنُه، وسُطَّرَتْ مَحاسِنُه، وأنشر بعد الممات جانبه:
وما شرُّ الثلاثة أمَّ عمرٍو
بصاحبك الذي لا تُصبحينا
فلم أدع واحدةً إلاّ استنجدتُها، ولا حاشية إلاّ احتشدتُها، ولا ضالة إلاّ نَشَدْتُها؛ والمجتهدُ في هذا الغرض مقصَّر، والمطيل مختصر؛ إذ ما ذُكر لا نسبة بينه وبين ما أُغْفل، وما جُهل أكثر مما نُقل، وبِحَارُ المدارك مسجورة وغايات الإحسان على الإنسان محجورة، ومن أراد أن يُوازن هذا الكتاب بغيره من الأوضاع فليتأمَّل قصده، ويثير كامنه، ويبدي خبائنه؛ تَتَّضِح له المَكْرُمَة، ولا تَخْفَى عليه النَّصَفَة، ويشاهد مجزَى السَّيَّئَة بالحسنة، والإغْراب عن الوصْمة والظِنَّة؛ إذ الفاضل في عالم الإنسان، من عُدَّدَت سَقَطاته؛ فما ظنّك بمفضوله؛ وللمعاصر مَزيَّة المباشرة، ومزيد الخبرة، وداعي التَّشَفي والمقارضة. وسع الجميع السَّترُ، وشَمِلهم البِرُّ، ونُشِرت جنائزُهم لِسَقي الرَّحمة، ومثْنَى الشفاعة، إلاّ ما شذّ من فاسقٍ أباحَ الشَّرعُ حِماه، أو غادرٍ وسَمَه الشُّؤم الذي جناه؛ فتختل عِرضُه عن تخليد مجد، وتَدْوين فخر، وإبقاء ذكرٍ؛ لمن لم يَهُمُّه قط تحقيقُ إسم أبيه، ولم يعمل لما بعد يومه؛ فكم خَلَفٍ مما ذكر فيه يجده بين يديه؛ شَفيعاً في زلَّة، أو آخذاً بضبع إلى رُتْبَة، أو قائماً عند ضَيْمٍ بحُجَّة، أو عانس يقوم لها مقام متاعٍ ونِحْلةَ، أو غريبٍ يَحِلُّ بغير قُطْره فيفيده نُحلة؛ صاعد خدم قاعداً ونائماً؛ وقد رضينا بالسلامة عن الشُّكر، والإصغاء عن المَثوبة، والنَّصَفة عِوَض الحَسْرَة، إذ النَّاسُ على حَسَبِ ما سُطَّر ورُسم؛ ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم. والتَّرتيب الذي انتهت إليه حيلتي، صرفتُ في اختياره مُخَيَّلَتي؛ هو أنَّي ذكرت البلدة حاطها الله؛ مُنبَّهاً منها على قَديمِها، وطيب هوائها وأديمِها، وإشْراقُ عُلاها، ومَحاسن حُلاها، ومن سَكَنَها وتَولاَّها، وأحْوال أناسها، ومن دال بها من ضُروب القبائل وأجناسها، وأعطيت صورتها، وأزحْت في الفَخْر ضرورتها، وذكرت الأسماء على الحروف المُبَوَّبَة، وفصلت أجناسهم بالتّراجم المُتَرَتَّبة؛ فذَكَرْت: الملوكَ والأمراءَ، ثمّ الأعْيان والكُبراء، ثمّ الفضلاء، ثم القُضاة، ثمّ المُقرِئين والعُلماء، ثمّ المُحَدَّثين والفُقَهاء، وسائر الطَّلبة النُّجباء، ثمّ الكُتَّاب والشُّعَراء، ثمّ العُمَّال الأُثَراء، ثمَّ الزهَّاد والصُّلحاء، والصُّوفية الفُقَراء؛ ليكون الابتداء بالمُلْكِ، والإختِتام بالمِسْكِ، ولِيُنْظَم الجميع انتظام السَّلْك؛ وكلُّ طَبَقة تَنْقسِم إلى من سَكَنَ المدينة بحكم الأصالة والإسْتِقْرار، أو طَرَأ عليها ممّا يُجاوِرها من الأقطار، وخاض إليها وهو الغريب أثباج البحار، أو ألَمَّ بها ولَوْ ساعة من نَهار؛ فإن كَثُرَتْ الأسماء نوَّعتُ وتوسَّعتُ، وإن قَلَّت اختصرتُ وجمعتُ، وآثرت ترتيب الحُروف في الأسماء، ثمّ في الأجداد والآباء؛ لشرود الوَفَيات والمواليد؛ التي رتَّبَها الزَّمان عن الاسْتِقْصاء. وذهبت إلى أن أذْكر الرَّجُل، ونسبه، وأصالته، وحسبه، ومولده، وبلده، ومذهبه، وأنْحالَه، والفَنَّ الذي دعَى إلى ذكره، وحِلْيَتِه، ومشيخته؛ إن كان ممن قَيَّدَ علماً أو كَتَبَه، ومَآثِره إن كان ممن وصل الفضل بسببه، وشعره إذا كان شاعراً، وأدبه وتصانيفه، إن كان ممن ألَّفَ في فَن أو هَذَّبَه، ومحنته إن كان ممَّن بزَّه الدَّهْر شيئاً أو سَلَبَه، ثمّ وفاته ومُنْقلبه؛ إذ استرجع الله من منحه حياته ما وهبه. وجعلتُ هذا الكتاب قسمين، ومشتملاً على فَنَّين: القسم الأول: ((في حُلِي المَعاهِدَ والأماكن، والمنازل والمساكن)). القسم الثاني: ((في حُلِي الزَّائر والقاطِن، والمتحرك والسَّاكن)).
القسم الأول
في حُلِي المَعَاهِدَ والأماكنِ
والمَنازِلَ والمَساكِن
فصل
في اسْمِ هذِهِ المَدينَةِ
وَوَضْعِها على إجْمالٍ واخْتِصارٍ
يُقال: غَرْناطَة، ويُقال: إغْرَناطَة؛ وكلاهما أعجمي. وهي مدينة كُورَة إِلْبِيرَة فبينهما فرسخان وثلثا الفرسخ. وإلبيرة هي أعْظَم كُوَر الأنْدَلُس، ومُتَوَسَّطة ما اشْتَمَل عليه الفتْحُ من البلاد، وتُسَمَّى في تاريخ الأمم السَّالفَة من الرُّوم، سَنَام الأندلس، وتُدْعَى في القَديم بقَسْطيليَّة. وكان لها من الشُّهْرة والعِمارة، ولأهلها من الثَّرْوة والعُدَّة، وبها من الفقهاء والعلماء، ما هو مشهور. قال أبو مروان بن حيان: كان يجتمع بباب المسجد الجامع من إلبيرة خمسون حَكَمَة؛ كلها من فِضَّة لكثرة الأشراف بها، ويدلُّ على ذلك آثارُها الخالِدة، وأعْلامُها الماثِلة، كَطَلَلِ مسجدها الجامع، الذي تحامى اسْتِطالة البِلَى، كسِلت عن طَمْس معالمه أكُفُّ الرَّدَى، إلى بُلوغ ما فُسِح له من المَدَى. بَناه الأمير محمد بن عبد الرحمان ابن الحكم، أمير المؤمنين الخليفة بقرطبة رحمه الله، على تأسيس حَنَش بن عبد الله الصَّنَعاني الشَّافعي رحمه الله. وعلى محرابه لهذا الوقت: ((بسم الله العظيم، بُنيت لله، أمر ببنائها الأمير محمد بن عبد الرحمان، أكرمه الله، رجاء ثوابه [العظيم]، وتوسيعاً لرعيته، فتمَّ بعون الله على يدي عبد الله [بن عبد الله]؛ عامِله على كُورَة إلْبيرة؛ في ذي قعدة سنة خمسين ومائتين)).
ولم تزل الأيّام تخيفُ ساكنها، والعَفَاء يَتَبَوَّأ مساكنها، والفتن الإسلامية تَجُوس أماكنها؛ حتَّى شملها الخَراب، وتَقَسَّم قاطِنَها الاغتراب؛
(وكُلُّ الذي فَوق التُّراب تُراب).
وانتقل أهلها مدَّة أيَّام الفِتْنَة البَربرية سنة أربعمائة من الهجرة؛ فما بعدها؛ ولجأوا إلى مدينة غَرْناطة، فصارت حاضرة الصُّقْع، وأمَّ المِصْر، وبَيْضَةَ ذالك الحَق؛ لحصانة وَضْعِها، وطيبِ هَوائها، وَدُرُورِ مائِها، وَوُفُور مَدَّتها؛ فأمِنَ فيها الخائفُ، ونُظِم النَّشر، ورَسِخَتِ الأقدامُ، وتَأثَّلَ المِصْرُ، وهَلُمَّ جَرَّا، فهي بالأنْدلس، قُطْب بلاد الأندلس، ودارُ المُلك، وقِرَى الإمارة؛ أبقاها الله مُتَبَوَّأ الكلمة؛ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بقدرته.
من ((كتاب إلبيرة)). قال بعد ذكر إلبيرة: "وقد خَلَفَها بعد ذلك كلّه مدينة غَرْناطة؛ من أعظم مدنها وأقدمها؛ عندما انقلبت العمارة إليها من إلبيرة، ودارتْ أفلاكُ البلاد الأنْدَلسية. فهي في وقتنا هذا قاعدة الدُّنيا، وقَرَارَة العَلْيا، وحاضرة السلطان، وقُبَّة العدل والإحسان؛ لا يَعْدِلها في داخلها ولا خارجها بلَدٌ من البُلْدان، ولا يُضاهيها في اتَّساع عمارتها، وطيب قرارتها وطنٌ من الأوْطان؛ ولا يأتي على حَصْرِ أوْصافِ جمالها، وعَدَّ أصْناف جلالها، قلم البيان. أدامَ الله فيها العِزَّ للمسلمين والإسلام، وحَرَسَها ومن اشتملتْ عليه من خلفائه، وأنصار لوائه بِعَيْنِه التي لا تنام، وَرُكْنِه الذي لا يُرام". وهذه المدينة من مَعْمور الإقليم الخامس. يبتدئ من الشرق؛ من بلاد يَأجوج ومأجوج، ثمّ يَمُرُّ على شمال خُراسان، ويَمُرُّ على سواحل الشام؛ ممّا يلي الشمال، ويَمُرُّ على بلاد الأندلس: قُرْطُبَة، وإشْبيلِيَّة، وما وَالاَها إلى البحر المحيط الغربي. وقال صاعد بن أحمد؛ في كتاب ((الطبقات)): "إنّ مُعْظم الأندلس في الإقليم الخامس، وطائفة منها في الإقليم الرابع؛ كمدينة إشْبيلية، ومَالَقَة، وغرناطة، وألْمَرِيَّة، ومُرْسِيَة".
وذكر العلماء بصناعة الأحكام: أنّ طالعها الذي اخْتُطَّتْ به السَّرَطان، ونحلوها؛ لأجل ذلك مزايا، وحظوظاً من السَّعادة؛ اقْتَضاها تَسْيير أحكام القِرَانات الانتقالِيَّة على عهد تأليف هذا الموضع. وطولها سبع وعشرون درجة وثلاثون دقيقة، وعرضُها سبع وثلاثون درجة وعشر دقائق. وهي مساوية بأمر يسير لقُرْطُبة، ومَيُورْقَة، وألْمَرِيَّة؛ وتقْرُب في العَرْض من إشْبيليَّة، وألْمَريَّة وشاطِبَة، وطُرْطوشَة، وسَرْدانِيَة، وأنْطاكِيَة، والرَّقَّة. كل ذلك بأقل من درجة، فهي شامِيَّةٌ في أكثر أحوالها، قريبة من الاعتدال، وبينها وبين قُرطُبة أعادها الله تعالى تسعون ميلاً؛ وهي منها؛ بين شَرْق وقِبْلة، وبحر الشام؛ يَحول ويُحاجز بين الأندلس، وبلاد العدوة؛ بين غَرْب وقِبْلة؛ على أربعة بُرُد. والجبال بين بين شرق وقبلة، والبَراجِلات بين شرق وجوف، والكنْبانِيَّة بين غرب وقبلة، وبين جوف وغرب؛ فهي لمكان جوار السَّاحل؛ مَمَارَّة بالبَوَاكر الساحلية؛ طيبة البحار، وركابٌ لجهاد البحر، ولمكان استقبال الجبال؛ المقصودة بالفواكه المتأخَّرة اللَّحاق؛ مُعَلَّلة بالمُدَّخرات؛ اسْتِدْبار الكنْبانِيَّة، واضْطِبار البَراجلات؛ بَحرٌ من بحور الحِنْطة، ومعدنُ للحبوب المفضلَّة.
ولمكان شُلَيْر؛ جبل الثَّلج؛ أحد مشاهير جبال الأرض؛ الذي ينزل به الثلج شتاءً وصيفاً؛ وهو على قبلة منها على فرسخين، ويَنساب منه ستةٌ وثلاثون نهراً من فوهات الماء، وتَنْبَجِس من سفوحه العيون؛ صحَّ منها الهواءُ، وإضطردت في ارجائها وساحاتها المياه، وتعدَّدت بها الجنَّات والبساتين، والتفَّتِ الأدْواح، وشمَّر الروَّاد على منابت العُشْب في مَظانَّ العَقار مُسْتودعات الأدوية والتَّرْياقِيَّة؛ وبَرْدُها لذلك في المُنْقَلَب الشتوي شديدٌ؛ وتَجْمُدُ بسببه الأدْهان والمائِعات، ويتراكم بساحتها الثلج في بعض السنين؛ فجُسوم أهلها لِصِحَّة الهَواءِ صُلْبَة، وسِحانُهم خَشِنة، وهُضومهم قويَّة، ونُفوسُهم لمكان الحَرَّ الغريزي جَرِيَّة.
وهي دارُ مَنَعَة، وكرسي مُلْك، ومقامُ حَصانة. وكان ابن غانية يقول للمرابطين في مرض موته؛ وقد وقد عوَّل عليها للأمتساك بدعوتهم: "الأندلس دَرَقَةٌ، وغَرْناطة، قَبْضَتُها؛ فإذا جَشَّمتم يا معشر المرابطين القَبْضة؛ لم تخرج الدَّرقة من أيديكم. ومن أبدع ما قيل في الإعتذار عن شِدَّةِ بَرْدها؛ ما هو غريب في معناه؛ قول شيخنا القاضي أبي بكر بن شبرين رحمه الله:
رَعَى الله من غَرْناطة مُتَبَوأ
يَسُرُّ كئيباً أو يُجيرُ طريدا
تَبرَّم منها صاحبي عندما رأي
مسارحها بالبَرْد عُدْنَ جَلِيدا
هي الثَّغْرُ صان الله من أهَلتْ به
وما خيرُ ثغرٍ لا يكون بُرُودا
وقال الرازي عند ذكر كُورَة إلْبِيرَة: "ويتصل بأحْواز قَبْرة كُورَة إلْبِيرة؛ وهي بين الشَّرق والقِبْلة، وأرضُها سِقْيٌ غزيرة الأنهار، كثيرة الثَّمار، ملتَفَّة الأشجار؛ أكثرها أدْواح الجَوْز، ويحْسُن فيها قَصَبُ السُّكَّر؛ ولها معادنُ جوهريةٌ من: ذهب، وفضة، ورصاص، وحديد. وكُورَة إلبيرة أشرف الكُور؛ نزلها جندُ دمشق". وقال: "لها من المدن الشَّريفة: مدينة قَسْطِيلِيَّة؛ وهي حاضرة إلبيرة، وفحْصُها لا يُشَبَّه بشيء من بقاع الأرض طيباً، ولا شرَفاً؛ إلاَّ بالغوطة، غوطَة دمشق.
قال بعض المؤرخين: من كرم أرضنا أنها لا تعدم زريعة بعد زريعة ورعياً بعد رَعْيٍ، طول العام. وفي عمالتها المعادن الجوهرية من: الذهب، والفضّة، والرّصاص، والحديد، والتوتية بناحية دَلاَيَة من عملها؛ عود اليلْنجوج؛ لا يفوقه العود الهندي ذكاً وعطرَ رائحة؛ وقد سيق منه لخيران صاحب المرية؛ كان منبته بين أحجار هناك بجبل شُلَيْر؛ منها سُنْبُل فائق الطَّيب؛ وبه الجَنْطيانأ؛ يُحمل منه إلى جميع الأفاق؛ وهو عقيرٌ رفيع، ومكانه من الأدوية الترياقية مكانه؛ وبه المَرْقَشِنَة على اختلافها، واللاَّزَوَرْد. وبفحصها وما يتصل به القُرْمُز. وبه من: العقار، والأدوية النباتية، والمعدنية ما لا يحتمل ذكرُها الإيجاز. وكفى بالحرير الذي فَضَلت به فخراً، وقِيتَةً، وغلَّة شريفة، وفائدة عظيمة، تمتارُه منها البلاد، وتجلبه الرَّفاق؛ وفضيلة لا يشاركها فيها إلاَّ البلاد العراقية. وفحْصُها الأفْيَح المُشَبَّه بالغوطَة الدَّمشقية؛ حديث الرَّكاب، وسمر الليالي؛ قد دَحاه الله في بسيط سهل؛ تخترقه المذانب، وتتخلَّله الأنْهار جداول، وتتزاحم فيه القُرَى والجَنَّات؛ في ذرْع أربعين ميلاً أو نحوها؛ تَنْبُو العين فيها عن وجهه، ولا تتخطَّى المحاسن المحاسن منها؛ إلاَّ مقدار رقعة الهضاب؛ والجبال المتطامية منه بشكل ثلثي دارة. قد عَرَت منه المدينة المدينة فيما يلي المركز لجهة القِبْلة؛ مستندة إلى أطواد أطواد سامية، وهضاب عالية، ومناضِرَ مُشْرفة: فهي قيدُ البَصَر، ومنتهى الحُسْن، ومعنَى الكمال؛ أضْفَى الله عليها وعلى من بها من عباده المؤمنين جَناحَ سِتْره، ودَفَع عنهم عَدُوَّ الدَّين بقدرته.
فصل في فتح هذه المدينة
ونزول العرب الشاميين من جند دمشق بها،
وما كانت عليه أحوالهم،
وما تعلق بذلك
من تاريخ
قال المؤلف: اختلف المؤرخون في فتحها. قال ابن القُوطيَّة: إن يُليان الرُّومي الذي نَدَب العرب إلى غزو الأندلس؛ طلباً لوَترْه من مِلكها لُذَريق؛ بما هو معلوم. قال لطارق بن زياد مُفْتَتِحها عندما كسر جيش الرُّوم [على وادى لُكَّه: قد فَضَضْتَ جيشَ القَوْم]، ودَوَّخْتَ حاميتهم، وصَيَّرْتَ الرُّعب في قلوبهم؛ فاصْمُد لِبَيْضَتِهم؛ وهؤلاء أدِلاَّء من أصحابي؛ ففرَّق جيوشَكَ في البُلْدان بينهم، واعْمَد أنت إلى طُلَيْطلة بمعظمهم، وأشْغِل القوم عن النَّظر في أمرهم، والاجتماع إلى ولِيَّ رأيهم. قال: ففرّق طارق جيوشه من إسْتِجَّة، فبعث مُغيثاً الرومَّي؛ مولى الوليد بن عبد الملك بن مروان إلى قُرْطبة، وبعث جيشاً أخر إلى مالَقَة، وأَرسل جيشاً ثالثاً إلى غَرناطة مدينة إِلْبِيرة، وسار هو في معظم الناس [إلى كورة جَياَّن]؛ يريد طُلَيْطِلة. قال: فمضى الجيش الذي وجَّهَ طارقُ إلى مالقة؛ ففتحها، ولجَأَ عُلوجها إلى جبال هناك ممتنعَة. ثم لحق ذلك الجيش بالجيش المتوجه إلى إِلْبيرة؛ فحاصروا مدينتها، وفتحوها عنوة، وألْفوْا بها يهوداً ضَمُّوهم إلى قَصَبة غرناطة، صار لهم ذلك سُنَّةَ مُتَّبعَة؛ متى وجدوا بمدينة فتحوها يهوداً؛ يَضُمُّونَهم إلى قَصَبَتِها، ويجعلون معهم طائفةً من المسلمين يَسُدُّونها؛ ثم مضى الجيش إلى تُدْمير. وكان دخول طارق بن زياد الأندلس يوم الإثنين لخمس خلون من رجب؛ سنة اثنين وتسعين؛ وقيل في شعبان؛ وقيل في رمضان؛ بموافقة شهر غُشْت من شهور العَجَميّة.
وذكر معاوية بن هشام وغيره: أن فتح ما ذكر؛ تَأخَّرَ إلى دخول موسى بن نصير في سنة ثلاث وتسعين؛ فتوجه ابنه عبد الأعلى، في جيش إلى تُدْمير؛ فافتتحها، ومضى إلى إِلْبيرة؛ فافتتحها، ثمَّ توجَّه إلى مالَقَة.
قال المؤلف رحمه الله: ولما استقرَّ مُلك الإسلام بجزيرة الأندلس. ورمى إلى قصبتها الفتح، واشْرَأبَّ في عرصاتها الدَّين. ونَزَلت قرطبة وسواها العرب؛ فتبوؤوا الأوطان، وعَمَروا البُلْدان. فالدَّاخلون على [يَدِ] موسى بن نصير؛ [يُسَمَّوْن بالبَلديَّين]، والدَّاخلون بعدهم [مع] بَلْج بن بِشْر القُشَيْري؛ يُسَمَّون بالشَّاميَّين. وكان دخول بَلْج بن بشر بشر القُشري بالطَّالعة البَلْجيَّة سنة خمس وعشرين ومائة. ومائة. ولما دخل الشاميُّون مع أميرهم بَلج؛ حسبما تقرر تقرر في موضعه؛ وهم أسود الشّرَى عزَّة وشهامة. غُصَّ بهم السابقون إلى الأندلس؛ وهم البَلديُّون، وطالبوهم بالخروج عن بَلَدهم الذي فتحوه، وزعموا أنهم لا يحملُهم وإياهم؛ واجتمعوا لغزوهم؛ فكانت الحروب تدور بينهم؛ إلى أن وصل الأندلس أبو الخَطَّار حُسام بن ضِرار الكَلْبيِ؛ عابرًا إليها البحر من تونس؛ وأظَّل على قُرْطُبة على حين غفلة؛ وقد سَتَر خبر نفسه؛ والحرب بينهم؛ فانقاد إليه الجميع؛ بحكم عهد مُدينه حَنظلة بن صَفْوان والي إِفريقية؛ وقبض على وجوه الشاميَّين؛ عازماً عليهم في الإنصراف؛ حسبما هو مشهور. ورَأى تَفْريق القبائل في كُوَر الأندلس، ليكون أَبْعد للفتنة؛ فَفرَّقهم، وأَقْطَعهم ثُلُث أموال أهل الَّذَمَّة الباقين من الرُّوم؛ فخرج القبائل الشاميُّون عن قرطبة.
قال أبو مروان: أشار على أبي الخطار أرْطَباس قُومس الأندلس وزعيم عَجمَ الذمة، ومُستخرجُ خَراجهم لأمراء المسلمين وكان هذا القُومسُ شهير العلم والدَّهاء لأول الأمر، بتفْريق القبائل الشاميَّين العَلَمين عن البلد؛ عن دار الإمارة قرطبة؛ إذ كانت لا تَحمِلُهم، وإنزالهم بالكُوَر؛ على شَبه منازلهم التي كانت في كُوَر شَامِهم. ففعل ذلك على اختيار منهم. فأَنْزَل جُند دِمشق كُورَة إِلْبِيرة، وجند الأرْدن كورة جياَّن، وجند مصر كورة باجة، وبعضهم بكورة تُدْمير: فهذه منازل العرب الشاميين، وجعل لهم ثُلث أموال أهل الذَّمَّة من العجم طُعْمة، وبقي العرب، والبَلَدِيُّون، والبرابر شركاؤهم. فلما رأوا بُلداناً شِبْه بُلدانهم بالشام؛ نزلوا [وسكنوا واغتبطوا، وكبروا، وتموَّلوا، إلاّ من كان قد نزل منهم لأول قدومه في الفتوح؛ على عنائهم] موضعاً رضياً؛ فإنه لم يرتحل عنه]، وسكن به مع البَلَديَّيِن؛ فإذا كان العطاء، أو حظر الغزو ولَحِق بجُنْده؛ فهم الذين كانوا سًمُّوا الشّادّة حينئذ.
قال أحمد بن موسى: وكان الخليفة يعقد لِوَاءَين: لواءً غازياً، ولواءً مقيماً. وكان رزق الغازي بلوائه مائتي دينار. ويبقى المقُيم بلا رزق ثلاثة أشهر، [ثم يدال بنظيره من أهله أو غيرهم]. وكان الغُزاة من الشّاميَّين مثل إخوة المَعهُود له أو بنيه أو بني عمه؛ يُرزقون عند انقضاء غُزاته عشرة دنانير؛ وكان يعقد المعقودُ له مع القائد؛ ويتَكَشّفُ عمن غزا، ويَسْتحقُّ العَطاء؛ فيُعطى على قوله تَكْرِمة له؛ وكانت خِدمتهم في العسكر، واعتراضهم إليه؛ ومن كان من الشّاميين غازياً من غير بُيوتات العَقْد؛ ارتَزَق خمسة دنانير عند انقضاء الغَزْو. ولم يكن يُعطى أحدٌ من البلَديين شيئاً غير المعقُود له. وكان البلديوُّن أيضاً يعقد لهم لواءان: لواء غاز، ولواء مُقيم؛ وكان يرتزق الغازي مائة دينار وازِنة؛ وكان يعقد لغيره إلى ستة أشهر، ثم يدال بنظيره من غيرهم؛ ولم يكن الدَّيوان والكَتبة إلاّ في الشّاميين خاصة؛ وكانوا أحراراً من العُشر، معدَّين للغزو، ولا يلزمُهم إلاّ المقاطعة على أموال الرُّوم التي كانت بأيديهم؛ وكان العرب من البلديين يؤدُّون العُشر؛ مع سائر أهل البلد، وكان أهلُ بيوتاتٍ منهم يغزون كما يغزو الشاميُّون؛ بلا عطاء، فيصيرهم إلى ما تقدَّم ذكره. وإنما كان يُكْتَب أهلُ البلد في الغزو؛ وكان الخليفةُ يُخْرِج عسكرين، إلى ناحيتين؛ فيستنزلهم؛ وكانت طائفةٌ ثالثة يسمَّون النُّظَراء من الشاميين والبَلَديين؛ كانوا يغْزُون كما يغزو أهل البلد من الفريقين. وقد بيَّنا نبذة من أحوال هؤلاء العرب. والاستقصاء يُخرِج كتابنا عن غرضه. والإحاطة لله سبحانه.
ذكر
ما آل اليه حال (من) ساكَنَ
المسلمين بهذه الكورة من النصارى المعاهدين
على الإيجاز والاختصار
قال المؤلف: ولما استقرّ بهذه الكورة الكريمة أهل الإسلام، وأنزل الأمير أبو الخطار قبائل العرب الشامييّن بهذه الكورة، وأقطعهم ثلث أموال المعاهدين، استمر سكناهم في غِمار من الرُّوم؛ يعالجون فلاحة الأرض، وعُمْران القُرى؛ يرأسهم أشياخ من أهل دينهم؛ أولو حنكة ودهاء و مداراة، ومعرفة بالجباية اللازمة لرؤوسهم. وأحَدُهم رجل يُعرفُ بابن القَلاَّس؛ له شهرة وصيت، وجاه عند الأمراء بها. وكانت لهم بخارج الحَضْرة؛ على غَلْوتين، تجاه باب إلبيرة في اعتراض الطريق إلى قُولْجر كنيسة شهيرة إتخذها لهم أحد الزعماء من أهل دينهم؛ استركبه بعض أمرائها في جيش خَشِن من الرّوم؛ فأصبحت فريدة في العمارة والحلية؛ أمر بهدمها يوسف بن تاشفين؛ لتأكُّد رغبة الفقهاء، وتوَجُّه فتواهم.
قال ابن الصيرفي: خرج أهل الحضرة لهدمها يوم الإثنين؛ عقب جمادى الآخرة من عام اثنين وتسعين وأربعمائة، فَصُيَّرت للوقت قاعاً؛ وذهبت كل يد بما أخذت من أنقاضها وآلاتها. قلت: ومكانها اليوم مشهورٌ، وجدارها ماثلٌ؛ ينبئ عن إحكام وأصالة، وعلى بعضها مقبرة شهيرة لابن سَهْل بن مالك رحمه الله.
ولما تحركت لعدو الله الطاّغية ابن رُذْمير ريح الظهور، على عهد الدولة المرابطية، قبل أن يخضد الله شوكته على إفْراغَة بما هو مشهور؛ أمَلَتْ المُعاهِدَة من النصارى لهذه الكورة إدراك الثَّرَّة، وأطْمَعَت [في] المملكة؛ فخاطبوا ابن رُذْمير من هذه الأقطار، وتوالت عليه كُتُبُهم، وتَواتَرت رُسُلُهم؛ ملِحَّة بالإستدعاء، مُطْمِعَة في دخول غرناطة. فلما أبطأ عنهم؛ وجهوا إليه زماماً يشتمل على إثني عشر ألفاً من أنجاد مقاتليهم؛ لم يَعُدُّوا فيها شيخاً، ولا غِراً، وأخبروه أن من سَمَّوه، ممن شهرت أعينُهم لقرب مواضعهم، وبالبُعْد من من يَخْفى أمره، ويظهر عند وُرود شخصه؛ فاستأثروا طمعه، وابْتَعَثوا جَشَعَه، واستفزُّوه بأوصاف غرناطة، وما لها من الفضائل على سائر البلاد، وبفحصها الأفيح، وكثرة فوائدها من: القمح، والشعير، والكتَّان؛ وكثرة المرافق؛ من: الحرير، والكروم، والزيتون، وأنواع الفواكه، وكثرة العيون، والأنهار، ومنعة قُبَّتِها، وانطباع رعيَّتها؛ وتأتى أهل حاضرتها، وجمال إشرافها وإطلالها، وأنها المباركة التي يمتلك منها غيرها؛ المسماةُ سَنَام [الأندلس عند] الملوك في توارخها. فرموا حتى أصابوا غَرْبه؛ فانْتَخب، وأحْشَد، وتَحَرَّك أول شعبان من عام خمسة عشر وخمسمائة؛ وقد أخفى مذهبه، وكتم أرَبَه؛ فوافى بَلَنْسِيَة، ثم إلى مُرْسية، ثم إلى بِيرَة، ثم اجتاز بالمَنْصورة، ثم ثم انحدر إلى برْشانة، ثم تلوّم إلى وادي ناطلة، ثم تحرك تحرك إلى بَسْطَة، ثم إلى واد آش. فنزل بالقرية المعروفة المعروفة بالقَصْر، وصافح المدينة بالحرب؛ ولم يَحلْ بطائل؛ فأقام عليها شهراً.
قال صاحب كتاب ((الأنْوار الجَلِيَّة)): فبدأ بَحْثُ المُعاهِدَة بغرناطة في استدعائه؛ فافتضح تدبيرهم باجتلابه، وهمَّ أميرها بتثقيفهم؛ فأعياهم ذلك، وجعلوا يتسللون إلى مَحَلَّته على كل طريق؛ وقد وقد أحدقت جيوش المسلمين من أهل العدوة، والأندلس والأندلس بغرناطة؛ حتى صارت كالدائرة، وهي في وسطها كالنقطة، لمَّا أنْذِروا بِغَرضه؛ وتحرك من واد آش؛ فنزل بقرية دِجمة؛ و صلَّى الناس بغرناطة صلاة الخوف يوم عيد النحر؛ من هذه السنة في الأسلحة والأبَّهة. وبعيد الظهر من غَده ظهرت أخبيةُ الرُّوم بالقَيْل، شرق شرق المدينة؛ وتوالى الحرب على فرسخين منها؛ وقد أجْلَى السَّواد، وتزاحم النَّاس بالمدينة، وتوالى الجَليد، وأظَلَّتِ الأمْطار، وأقام العدو بمحلَّته بضع عشرة ليلة؛ لم تَسْرَح له سارحةٌ؛ إلاَّ أنَّ المُعاهِدَة تَجْلِبُ له الأقوات. ثمّ أقْلَعَ؛ وقدِ إرْتَفَعَ طعًمُه عن المدينة، لأربع بقين من ذي الحجة عام عشرين، بعد أن تفرغ مُسْتَدْعيه إليها، وكبيره يعرف بابن القَلاَّس؛ فاحْتجُّوا بِبُطْئِه وتلوُّمه؛ حتى حتى تلاحقت الجيوش، وأنهم قد وقعوا مع المسلمين في الهَلَكَة؛ فرحل عن قرية مُرْسانة إلى بِيَش؛ ومن الغد إلى السكة من أحواز قلعة يَحْصُب؛ ثم اتصل إلى لِدُوبيانه، ونكب إلى قَبرة، واللسَّانه، والجيوش المسلمة المسلمة في أذياله. وأقام بقبرة أياماً، ثم تحرك إلى بلاي؛ والعساكر في أذياله، وشيجة، في فحص الرَّنِيسول، مكافحةً في أثنائها، مناوشة، وظهوراً عليه. ولما جَنَّ الليل؛ أمر أميرهم برفع خبائه من وهْدَة كان فيها إلى نَجْدة؛ فَساءَتِ الظُّنون، واختلّ الأمر؛ ففرَّ الناس، وأسلموا؛ وتَهَيَّبَ العَدُوُّ المَحَلَّة؛ فلم يدخلها إلاّ بعد هَدْأة من الليل، واستولى عليها، وتحرك بعد الغد منها إلى جهة الساحل؛ فشق العِمامة الآمنة من الإقليم والشَّارات. فيقول بعضُ شيوخ تلك الجهة، إنه اجتاز بوادى شُلُوبانِيَة، المُطِلَّ الحَافَّات، والمُتَحَصَّن المجاز. وقال بلغته: أيُّ قَبْرٍ هذا لَو ألْفَيْنا من يَصُبُّ علينا التُّراب، ثم عرج يَمْنَة حتى انتهى إلى بَلَّش، وأنشأ بها جَفْناً، صغيراً يصيد له حوتاً؛ أكل منه؛ كأنَّه نَذِرٌ كان عليه؛ وَفَّى به، أو حديثٌ أرادَ أنْ يُخَلَّد عنه. ثمّ عاد إلى غرناطة، فاضطَرب بها محلَّته بقرية ذُكَر، على ثلاثة فراسخ منها قِبْلَة، ثم انتقل بعد ذلك بيومين إلى قرية هَمْدان، وبرزَ بالكتب جاعَرِسْطة من المدينة؛ وكان بينه بينه وبين عساكر المسلمين مُواقَعة عظيمة؛ وللأهل غرناطة بهذا الموضع حِدْثان؛ ينظرونه من القضايا المستقبلة.
قال ابن الصيرفي: وقد ذكر في بعض كتب الجفر: ((هذا الفحص، بخراب يجبى عن يتامى وأيامى)). وكان هذا اليوم مُعَرَّضاً لذلك؛ فوقى الله؛ وانتقل بعد يومين إلى المرج؛ مُضَيَّقاً عليه، والخيل تحرجه؛ فنزل بعين أطسة، والجيوش محدقة به، وهو في نهاية؛ من كمال التَّعْبِيَة، وأخْذِ الحَذَر؛ بحيثُ لا تُصاب فيه فُرْصَة، ثم تحرَّك على البَرَاجِلاَت، إلى اللقوق، إلى وادى آش؛ وقد أصيب كثير من حاميته. وطوى المراحل إلى الشرق؛ فاجتاز إلى مُرْسِيَة، إلى جوف شاطبة؛ والعساكر في كل ذلك تطأ أذياله، والتَّناوش يَتَخَطَّرُ به، به، والوَباءُ يسرعُ إليه؛ حتى لَحِقَ بلاده؛ وهو ينظر إلى إلى قَفاه؛ مُخْتَرماً، مَفْلولاً من غير حرب؛ يكاد الموت يستأصل مَحلَّته، وجُمْلَته. ولما بان للمسلمين من مَكيدَة جيرانهم المُعاهِدين؛ ما أجْلَتْ عنه هذه القضيَّة، أخَذَهُم الإرْجاف، ووَغِرَت لهم الصُّدور، [ووُجَّهَ إلى مكانهم الحَزْم]؛ ووجَّه القاضي أبو الوليد بن رشد الأجْر، وتَجشَّم المَجاز، ولَحِق بالأمير [علي بن] يوسف بن تاشفين بمَرَّاكُش؛ فبين له أمر الأندلس، وما منيت به من من مُعاهِدِها، وما جنوه عليها؛ من استدعاء الرُّوم، وما وما في ذلك من نقض العهد، والخروج عن الذمَّة. وأفتى بِتَغْريبِهِم، وإجْلائِهم عن أوطانهم؛ وهو أخفُّ ما يُؤْخذ به من عقابهم؛ وأُخِذَ بقوله؛ ونُفَّذ بذلك عهدُه؛ وأُزْعِج منهم إلى بَرَّ العدوة، في رمضان من العام المذكور؛ عددٌ جَمٌّ، أنكرتهم الأهواءُ، وأكلتهم الطرق، وتفرقوا شَذَر مَذَر؛ وأصاب كثير من الجلاء جمعتهم من اليهود؛ وتقاعدت بها منهم طائفة؛ هَبَّت لها بممالأة بعض الدُّول رِيحٌ؛ فأمَّروا، وأكْثروا إلى عام تسعة وخمسين وخمسمائة؛ ووقَعَت فيهم وقيعَة احْتَشَّتْهُم؛ إلاَّ إلاَّ صابةٌ لهذا العهد قليلة، قديمةُ المَذَلَّة، وحالفت الصَّغار. جعل الله العاقبة لأوليائه.
ذكر
ما ينسب إلى هذه الكورة
من الأقاليم التي نزلتها العرب بخارج
غرناطة، وما يتصل بها من العمالة
فصل
فيما اشتمل عليه خارج المدينة من القرى
والجنَّات والجهات
قال المؤلف رحمه لله: ويَحِفُّ بسور هذه المدينة المَعْصومة بدفاع الله تعالى البَساتينُ العريضة المُسْتَخْلَصَة، والأدْواحُ المُلْتَفَّة؛ فيصير سورُها من خَلْف ذلك كأنَّه من دُون سِياج كَثيفة؛ تلوح نُجوم الشُّرفات أثناء خَضْراية. ولذلك ما قلت فيه في بعض الأغراض:
بلدٌ يحفُّ به الرِّياضُ كأنَّه
وجْهٌ جميل والرِّياّض عِذاره
وكأنَّما واديه مِعْصَمُ غادَةٍ
ومِنَ الجُسُورِ المُحْكمات سِواره
فليس تَعْرَى عن جَنَباته من الكُروم والجَنَّات جهة؛ إلاّ ما لا عِبْرة به مقدار غلْوة أما ما حازه السَّفل من جَوْفيه؛ فهي عظيمة الخطر، متناهية القِيَم؛ يضيق جَدُّه من عدا أهل الملك عن الوفاء بأثمانها؛ منها ما يُغِلُّ في السنة الواحدة نحو الألف من الذَّهب. قد غُصَّت الدَّكاكين بالخُضَر النَّاعمة، والفَواكه الطَيَّبَة، والثَّمْر المُدَّخَرة، يَخْتَصُّ منها بمستخلص السلطان، المرورُ طوقاً على تَرائِب بلده ما بينهن منية؛ منها الجَنَّة المعروفة بِفَدَّان المَيْسة، والجَنَّة المعروفة بفدان عِصام، والجنة المعروفة بالمعروى، والجنة المنسوبة إلى قدَّاح بن سُحْنون، والجنة المنسوبة لإبن المُؤذَّن، والجنة المنسوبة لإبن كامل، وجنة النَّخلة العليا، وجنة النخلة السفلى، وجنة ابن عُمْران، والجنة التى إلى نافع، والجُرْف الذي ينسب إلى مُقْبل، وجنة العَرْض، [وجنة الحفرة]، وجنة الجُرْف، ومَدْرج نَجْد، ومَدْرج السَّبيكَة، وجنة العَريف. كلها لا نظير لها لها في الحسن والدَّمانة والرَّبيع، وطيب التُّربَة، وغَرْقَد السُّقْيا، وإلتفاف الأشجار، واستجادة الأجناس؛ إلى ما يجاورها ويَتَخَلَّلَها؛ مما يختص بالأحباس الموقوفة، والجنَّات الممتلّكة، وما يتصل بها بوادي سَنْجيل ما يقيد الطَّرْف، ويُعْجز الوصف، قد مَثلث منها على الأنهار المتدافعة العُباب، المنارةُ والقِبابُ، واخْتَصَّت من أشْجار العاريات ذات العَصير الثاني بهذا الصُّقْع، ما قَصَرت عنه الأقطار. وهذا الوادي من محاسن هذه الحَضْرة؛ ماؤُه رقراق من ذَوْبِ الثَّلْج، ومُجاجَة الجليد، وممرُّه على حصى جوهرية؛ بالنَّبات والظَّلال محْفوفَة؛ يأتي من قِبْلة علام البلد إلى غَرْبه؛ فيَمُرُّ بين القُصور النَّجْدِيَّة؛ ذوات المناصب الرَّفيعة، والأعلام الماثلة. ولأهل الحَضْرة بهذه الجنَّات كَلَفٌ، ولِذَوِي البطالة فوق نهره أريك من دَمَث الرّمل، وحجال من ملتفَّ الدَّوْح؛ وكان بها سطرٌ من شجر الحور؛ ينسب إلى مامل؛ أحد خدام الدولة الباديسية. أدركنا المكان، يعرف بها.
قال أبو الحاج يوسف بن سعيد بن حسّان:
أحنُّ إلى غرناطة كلما هَفَّت
نسيمُ الصَّبا تهدي الجَوَى وتشُوقُ
سقى الله من غَرْناطة كل مَنْهل
بمَنْهل سُحْبٍ ماؤُهُنَّ هَريقُ
ديار يدور الحسن بين خيامها
وأرضٌ لها قلبُ الشَّجِيِّ مَشُوقُ
أغَرْناطة العليا بالله خبِّرى
أَلِلْهَائِمِ الباكي إليك طريقُ
وما شاقني إلاّ نُظَارةُ مَنْظر
وبهجةُ وادٍ للعيون تَرُوقُ
تأمَّل إذا أمَّلْت حَوْز مُؤَمِّل
ومُدَّ من الحَمْرا عليك شقيقُ
وأعلامُ نجدٍ والسَّبيكة قد عَلَت
ولِلشَّفَقِ الأعْلَى تلوحُ بُروقُ
وقد سلَّ شنيل فِرَنْداً مهنَّداً
نضى فوقَ دُرّ ذُرَّ فيه عقيقُ
إذا نمَّ منه طِيبُ نَشْر أراكه
أراكَ فتيت المِسْك وهو فَتيقُ
ومهما بَكَى جَفْنُ الغَمامِ تَبَسَّمَتْ
ثغورُ أقاحٍ للرِّياضِ أنيقُ
ولقد وَلِعَتْ الشُّعَراء بوصْفِ هذا الوادي، وتَغالَت الغالاتُ فيه؛ في تفضيله على النيل؛ بزيادة الشَّين؛ وهو ألفٌ من العدد؛ فكأنَّه نيلٌ بألْفِ ضِعْفٍ؛ على عادة متناهى الخيال الشعري. في مثل ذلك. ولقد ألغَزْتُ فيه لشيخنا أبى الحسن بن الجيَّاب رحمه الله؛ وقد نظم في المعنى المذكور ما عَظُم له اسْتِطْرابُه؛ وهو:
ما اسمٌ إذا زدته ألفاً من العَدَد
أفادَ معناه لم يَنْقُص ولم يَزِد
وإنَّما ائتلفا من بعد ما اخْتَلَفا
مَعْنى بشينٍ ومن نَزْرٍ ومن بَلَدٍ
ثم يتصل بالحُسن العادى البديع، وهو على قسمين؛ خَمْسٌ من مُحْكَم الكدان [في نهاية الإبداع والإحكام؛ يَتَّصِل به بناءٌ قديمٌ محكمٌ، ويَسْتَقْبِل المَلْعَب] العِيدِي، ما بين ذُنابَي الجِسْر إلى جِدار الرّابِطَة، وملعب بديع الشَّكل؛ عن يمينه جناحٌ بديع؛ عن ميدانه عُدْوات النَّهر، وعن يساره الجَنَّات، ويُفْضِي بعد انتهائه إلى الرَّابِطَة، إلى باب القصر المَنْسوب إلى السيّد؛ وسيأتي ذكره؛ ويرتفع من هذا النَّهْر الزُّلاَل جداولُ؛ تدور بها أعدادٌ من الأرْحىَّ لا نظير لها؛ استعداداً، وإفادة.
فصل
وتَرْكَبً ما ارتفع من هذه المدينة من جهاتها الثلاث الكروم البديعة؛ طوقاً مرموقاً، يتصل بما وراءها من الجبال؛ فتعمّ الرُّبَى والوهاد، وتشملُ الغُور والنَّجْد، إلاّ ما اخْتَصَّ منها بالسّهل الأفيح متصلاً بشرقي باب إلبيرة، إلى الخَنْدَق العميق وهوالمُسَمَّى بالمشايخ؛ بسيطٌ جليلٌ، وجوٌّ عريضٌ؛ تغمى على العَدَّ أمْراجه؛ ومصانيعه تلوح مبانيها، ناجِمَة بين الثَّمار والزَّيْتون، وسائر ذوات الفواكه، من: اللَّوْز، والإجاص، والكُمثرَى؛ مُحْدَقَة من الكروم المُسِحَّة، والرَّياحين المُلْتَفَّة؛ ببحور طامية تأتي البُقْعَة الماء؛ ففيها كثير من البساتين، والرياض، والحصون، والأملاك المُتَّصِلة السُّكْنَى على الفصول؛ وإلى هذه الجِهَة يُشير الفقيه القاضي أبو قاسم بن أبي العافية رحمه الله في قصيدة؛ يجيب بها عَروس الشُّعراء، الأديب الرَّحال أبا إسحاق الساحلي؛ وكان ممن نِيطَت عليه بهذا العهد التمائم:
يا نازحاً لعب المطيُّ بكوره
لعب الرّياح الهُوج بالأُمْلُودِ
ورَمَت به للطّية القُصْوَى التي
ما ورْدُها لسواه بالمَوْرُودِ
هلاَّ حَنَنْتَ إلى مَعاهدنا التي
كُنْتَ الحُليَّ لنَحْرها والجِيد
ورياضُ أُنْس بالمشايخ طارَحَتْ
فيه الحَمائِمُ صَوْتَ سَجْعَ العُودِ
ومبيتنا فيها وصفو مدامنا
صفو المودّة لابنة العنقود
والعيشُ أخضرُ والهَوَى يُدْني جَنَى
زَهَرات ثَغْرٍ أو ثِمار نُهُودِ
والقُضْبُ رافلةٌ يعانِقُ بَعْضُها
بَعْضاً إذا اعْتنقَتْ غُصُون قُدُودِ
لَهفِي على ذاك الزَّمان وطِيبه
وعَلى مُناه وعَيْشِه المَحْسُودِ
تلك اللَّيالي لا لَيالِي بَعدَها
عُطِّلْن إلاّ من جَوى وسُهُودِ
كانت قِصاراً ثم طُلْنَ ففيها
تأتي على المَقْصورِ والمَمْدودِ
وأما ما استند إلى الجبل؛ فيتصل به البيازين في سَفْح الجبل المتصل بالكُدْيَة ابن سَعْد؛ مُتَّصلاً بالكُدْيَة المُبْصِلَةِ؛ المنسوبة لعين الدّمع؛ مُنْعطفَة على عَيْن القِبْلَة؛ متصلة بجبل الفخّار؛ ناهِلَةً في غمْر الماء المجلوب على ذلك السَّمْت؛ أوضاعٌ بديعَةٌ، وبَساتينُ رائقَةٌ، وجنَّاتُ لا نظير لها؛ في اعتدال الهواء، وعذوبة الماء، والإشراف على الأرجاء؛ ففيها القصور المحروسة، والمنارة المَعمورة، والدّور العالية، والمَباني القَصَبِيَّة، والرَّياحين النّضيرة؛ قد فضّ فيها أهل البطالة؛ من أولى الحَبْرَة الأكياس، وأرْخَصوا على النَّفقة عليها غالي النّشَب، تَتَنازع في ذلك غَيْرُ الخادمين، من خُدَّام الدَّوْلَة على مَرَّ الأيَّام. حتى أصبحت نادِرَة الأرض، والمَثَل في الحُسْن. ولهذه البُقْعَة ذِكْرٌ يَجْري في المنظومات على ألسِنة البُلَغاء من ساكِنيها وزُوَّارها؛ فمن أحسن ما مَرَّ من ذلك؛ قول شيخنا أبي البركات:
ألاَ قُلْ لعينِ الدَّمْعِ يَهْمى بمُقْلَتي
لفُرْقَة عَين الدَّمْع وقفاً على الدَّم
وذكرتُه في قصيدة؛ قلت:
يا عهد عين الدَّمع كم من لُؤلؤ
للدَّمع [جاد به] عَساكَ تَعودُ
تَسري نَواسِمُك اللِّدان بَليلَة
فيهزُّني شَوقٌ إليك شَديدُ
وقلت من أبيات تُكتب في قُبَّةٍ بقصري الذي اخترعته بها:
إذا كان عَيْنُ الدَّمعِ عيناً حَقيقة
فَإنْسانُها ما نحنُ فيه ولا دعُ
فَدامَ لِخَيلِ الأنْسِ واللَّهْوِ مَلْعَباً
ولا زالَ مَثْواهُ المُنَعَّمُ مَرْتَعُ
تَودُّ الثُّرَيَّا أن تكونَ له ثرًى
وتَمْدَحُهُ الشِّعْرَى وتَحْرُسُه المُعُّ
وقال صاحبنا الفقيه أبو قاسم بن قطبة من قصيدة:
أجل إنَّ عينَ الدَّمْع قَيْدُ النَّوَاظِر
فَسَرِّحْ عُيُوناً في اجْتِلاَء النَّواظِر
وعَرِّجِ على الأوْزان إنْ كُنْتَ ذا هَوًى
فإنَّ رُباهُ مَرْتَعٌ لِلْجَآذرِ
وصافِحْ بها كفَّ البَهارِ مُسَلِّماً
وقَبِّلْ عِذَارَ الأُنْسِ بينَ الأزَاهِرِ
وخُذْها على تلكَ الأباطِحِ والرُّبَى
مُعَتَّقَةً تَجْلُوا الصَّدَا للْخواطِرِ
مُدَامَةُ حَانٍ أنْسى الدَّهْرُ عُمْرَها
فلمْ تَخْشَ أحْداثَ الدُّهُور الدَّوائِرِ
تُحَدِّثُ عن كِسْرَى وساسانَ قَبْلَهُ
وتُخْبِرُ عنْ كَرْمٍ يُخَلَّدُ دَاثِر
وهي طويلة. وقال أيضاً من قصيدة طويلة:
وليلاً بِعَيْنِ الدَّمْعِ وَصْلاً قَطَعْتُهُ
وأنْجُمُهُ بينَ النُّجومِ سُعودُ
ترَى الحُسْنَ مَنْشور اللِّواءِ بسِرِّهِ
وظِلُّ الأمانِي في رُباه مَديدُ
فَبتْنا ومن رَوْضِ الخُدودِ أزاهِرٌ
لَدَيْنا ومن وَرْدِ الرِّياضِ خُدودُ
وتُفاحُنا وَسْط الرِّياضِ مُوَرَّدٌ
ورُمَّانُنَا وَسْط الصُّدورِ نُهُودُ
وقد عَرَفت نصّ الهَوَى وذَميلَه
تهايمُ من أكْبادِنا ونُجودُ
وقال من قصيدة:
ومِلْ بنا نَحْوَ عَيْنِ الدَّمْعِ نَشْرَبُها
حيثُ السُّرورُ بكأسِ الأُنْسِ يَسْقينِي
حيثُ المُنَى وفُنونُ اللَّهْوِ راتِعَةٌ
والطَّيْرُ من طَرَب فيها تُناجينِي
وجَدْوَلُ الماءِ يَحْكي في أجِنَّتِهِ
صَوارِماً جُرِّدَتْ في يَوْمِ صِفِّينِ
وَأَعْيُنُ الزَّهْرِ في الأغْصانِ جاحِظَةٌ
كأنَّها بِهَوَى الغِزْلاَنِ تُغْرينِي
ومن ذلك:
سَهرْتُ بعَيْنِ الدَّمْعِ أرْعَى رُبُوعَهُ
وحَسْبِي منَ الأحْبابِ رَعْيُ المَنازِل
يُنافِحُنِي عَرْفٌ إذا هَبَّتِ الصَّبَا
ويُقْنِعُنِي طَيْفُ الحَبيبِ المُراسِل
والأقاويلُ في ذلك أكثرُ من أن يُحاطَ بها كثرة؛ وما سوى هذه الجهة فغير لاحق به الرُّتْبَة؛ مما مُعَوَّلُه على مَحْضِ الفائدة [وصريح العائِدَة]. وتذهب هذه الغُروس المَغْروسَة قِبْلَةً، ثمّ يَفيضُ تَيَّارُها إلى غَربِ المدينة؛ وقد تركت بها الجبال الشَّاهقة، والسُّفوح العَريضَة، والبُطون المُمْتَدَّة، والأغْوار الخائِفَة؛ مُكَلَّلَة بالأعْناب، غاصَّة بالأدْواح، مُتَزاحِمَة بالبُيوت والأبْراج؛ بَلَغ إلى هذا العهد عَدَدُها في ديوان الخِرْص؛ إلى ما يناهز أربعة عشرة ألفاً؛ نَقَلْتُ ذلك من خَطَّ من يُشار إليه في هذه الوَظيفَة. وقاها الله مضرّة السنين، ودفع عنها عُباب القَوْم الظّالمين، وعُدْوان الكافرين.
فصل
ويحيط بما خلف السّور من المُنَى، والجنّات، في سهل المدينة العقار الثمين، العظيم الفائدة، المتعاقبة الغلّة، الذي لا يعرف الجِمام، ولا يفارق الزّرع من الأرض البيضاء؛ ينتهي ثمن المرجع منها العَلى، إلى خمسة وعشرين ديناراً من الذهب العين؛ لهذا العهد فيه مستخلص السلطان، ما يضيق عنه نطاق القيمة، ذَرْعاً وغِبطة وانتظاماً؛ يرجع إلى دورٍ ناجمة، وبروج سامية، وبيادر فسيحة، ومصاب للحمايم والدواجّن ماثلة، منها في طوق البلد، وحمى سورها، جملةٌ؛ كالدّار المنسوبة إلى هُذَيْل، والدّار المنسوبة إلى أم مرضى، والدار البيضاء، والداّر المنسوبة إلى السّنينات، والدار المعروفة بِنِبْلَة وَوَتَر؛ وبالمَرْج ما يساير جرية النّهر كقرية وكر وبها حصن خزير، وبستان وبشرعيون، والدار المنسوبة إلى خلف، وعين الأبراج؛ والحُشُّ اُلمنسوب إلي الصَّحاب، وقرية رومة؛ وبها حصن وبستان؛ والدار المنسوبة إلى العَطْشِي؛ وبها حصن؛ والدار المنسوبة لابن جُزي؛ والحشّ المنسوب لأبي علي، وقرية ناجرة؛ ومنها فضل ابن مَسْلمة الحَسَني؛ وبها حصن، وحوله ربض فيه من الناس أَمَّة؛ وقرية سِنْيَانة؛ وفيها حصن، وقرية أشْكُر، وقريتي: بيبش، وواط؛ وبها حصنان، وقرية واط عبد الملك بن حبيب.
وفي هذه القرى الجُمَلُ الضخمة من الرجال، والفُحول من الحيوان الحارث لآثارالأرض، وعلاج الفلاحة. وفي كثير منها الأرْحَى والمساجد، وما سوى هذه من القرى؛ المُسْتَخْلَصُ من فَضْلَة الإقْطاع؛ وقَصَرَت به الشهرة عن هذا النَّمَط، فكثيرٌ. ويتخلل هذا المتاع الغبيط الذي هو لُباب الفلاحة؛ وغير هذه المدرة الطيبة؛ سائر القرى التي بأيدي الرّعية مجاورة لهذه الحدود؛ وبنات لهذه الأمهات؛ منها ما انبسط وتمدّد؛ فاشترك فيه الألوف من الخلق، وتعددت منه الأشكال؛ ونحن نوقع الإسم منه على البقعة من غير ملاحظة للتعدّد، ومنها ما انفرد بمالك واثنين فصاعداً؛ وهو قليل؛ وتَنيف أسماؤها على ثلاثمائة قرية؛ ما عدا ما يجاور الحَضرة؛ من كثير من قرى الإقليم أو ما استضافته حدود الحصون المجاورة. فمن ذلك حَوْز الساعدين وفيه القرى؛ وحَوْز وَتَر؛ ومنها إبراهيم بن زيد المحاربي، وقرية قُلجار، وقرية ياجُر الشَّاميَّين، وقرية ياجُر البلّدِيَّين، وقرية قَشْتالة؛ ومنها قاسم بن إمام من أصحاب سحْنُون، ونزل بها جده عطية بن خالد المحاربي. وقرية أجِجَر، وقرية أرْمَلِة الكبرى، وقرية أرْملِة الصغرى، وقرية رِقاق وهَمْدان؛ منها الغريب بن يزيد الشَّمر جَدُّ بني أضحى؛ وقرية الغَيْضُون، وقرية لسَّانة، وحارة الجامع؛ وحارة الفراق؛ وقرية غُرلْيانة؛ وحُشُّ البُكُر، وغديرالصغرى وغدير الكبرى، من إقليم البَلاط؛ منها يُرْبوع بن عبد الجليل، ونزل بها جده يُرْبوع ابن عبد الملك بن حبيب، وقرية قولر، وقرية جُرلْيانة، جُرلْيانة، وقرية حارة عمروس؛ وحُشُّ الطَّلم، وقرية وقرية المطار، وقرية الصَّرمُورتَةَ، وقرية بِلِسَانة، وقرية الحِبْشَان؛ وقرية شوش، وقرية جيجانة، وقرية السَّيجة، السَّيجة، وقَنْب قَيس، وقرية بِرْذَنار، وقرية دوير تارش، وقرية آقلة، وقرية أحجر، وقرية تَجَرْ جُر، وقرية والة، وقرية أنْقر، وقرية الغُرُوم، وقرية دار وهْدان، وقرية بيرة، وقرية القُصَيْبة، وقرية أنطس، وقرية فَنْتيِلان، وقرية سنبودة، وحُش زَنْجِيل، وقرية أشتر، وقرية غسَّان؛ منها مطر بن عيسى ابن الليث، وقرية شَوْذر، وقرية سُنْتَشر، وقرية ابن ناطح، وقرية الملاحة؛ ومنها محمد بن عبد الواحد الغافقي أبو القاسم الملاحي، وقرية القُمُور؛ منها أصْبَغ ابن مطرَّف، وقرية نفجر وغرنْطلِة، وقرية بيرة؛ وبها مسجد قراءة ابن الحبيب؛ وقرية قُولْجر؛ منها سهلُ بن مالك، وقرية شور؛ منها محمد بن هانئ الأزدي الشاعر المُفلق، ومحمد ومحمد بن سهل جَدُّ هذا البيت؛ بني سهل بن مالك، وقرية بُلْيانة، وقرية برقلش، وقرية ضوجر، وقرية البَّلُّوط، وقرية أنتيانة، وقرية مُرسانة، وقرية الدُّويَر، الدُّويَر، وقرية الشَّلان، وقرية طِغْنر؛ منها الطَّغْنرى صاحب الفلاحة، وقرية حُش الدجاج، [وقرية حُش نوح، وقرية حُش خليفة، وحُش الكَوباني]، وحُش المعيشة، وحش السلسلة؛ وقرية الطرْف، وقرية إلبيرة، وقرية الشَّكْرُوجة؛ ومنها عيسى بن محمد بن أبي أبي زَمَين، وعين الحورة، وحُش البومل، وقرية بلومال، وقرية رقَّ المَخيض، وقرية الغَيْضُون الحُورَة؛ وقرية أشقُطمر، و قرية الدَّيمُوس الكبرى، وقرية الدَّيمُوس الصغرى، وقرية دار الغازي، وقرية الرُّكن، وقرية ألْفنَت؛ ومنها صخر بن أبان، وقرية الكُدْية، وقرية لاقِش، وقرية قَرْبَسَانة، وقرية برسانة برياط، وقرية الوَّلْجة، وقرية ماس، وحُش علي، وحُش بني الرُّسيلية، وحُش رقيب، وحُش البَلُّوطة، وحُش الرَّوَّاس، وحُش مَرْزُوق، وقرية قُبَالة، وقرية نِبَالة، وقرية العَيْران، وبُرْج هِلال، وقرية قلتيش، وقرية القنار، وقرية أرْبل، وقرية وقرية بَرْبل؛ وقرية قَرْباسة، وقرية أشكن، وقرية قَلنْبيرة، وقرية سَعْدى، وقرية قلقاجج، وقرية فَتَن، فَتَن، وقرية مرنيط، وقرية ددشطر، وقرية شِتْمانِس، وقرية أرنالش، وقرية وابشر، وقرية قَقْلُولِش، وقرية وقرية النَّبيل، وقرية الفخاَّر، وقرية القصر؛ منها محمد بن أحمد ان مرعِياز الهلالي، وقرية بشر، وقرية بُنُوط، وقرية كورة، وقرية لَصْ، وقرية بيَشَ، وقرية قَنْتر، وقرية دور، وقرية قَلنقر، وقرية غُلْجَر؛ ومنها هشام بن عبد العظيم بن يزيد الخَوَلاني، وقرية ذُرذَر، وقرية ولجر، وقرية قنالش، وقرية إبتايْلِس، وقرية سج، وقرية منشتال، وقرية الوَطَا، وقرية وانىِ، وقرية قُريش، وقرية الزَّاوية.
وقد ذكرنا أن أكثر هذه القرى أمصار، فيها ما يناهز خمسين خُطبة؛ تُنصب فيها لله المنابر، وتُرفع الأيدي، وتتوجَّه الوجوه.
وجملة المراجع العلمية؛ المرتفعة فيها؛ في الأزمنة؛ في العام بتقريب؛ ومعظمها السقي الغَبيط السَّمين، العالى؛ مئتا ألف ثنان وستون ألفاً، وينضاف إلى ذلك مَراجع الأملاك السلطانية، ومواضع أحباس المساجد، وسبُلُ الخير، وما ينيف على ما ذكر؛ فيكون الجميع باحتياط: خمسمائة ألف وستون ألفاً؛ والمستفاد فيها من الطعام المختلف الحبوب للجانب السلطاني، وثلاثمائة ألف قَدَح ويزيد؛ ويشتمل سورُها وما وراءه من الأرْحاء الطَّاحنة بالماء؛ على ما ينيف على مائة وثلاثين رَحًى. الْحَفَها الله جَنَاح الأَمنة، ولا قَطَع عنها مادَّة الرحمة؛ بفضله وكرمه.
فصل
وقد فرغنا من ذكر رسوم هذا القطر ومعاهدِه، وفرغنا من تصويره وتشكيله، وذكر قراه، وأجنَّاته، وقصوره، ومنتزهاته. فنحن الآن نذكر بعضاً من سِيَرِ أهله، وأخلاقهم، وغير ذلك من أحوالهم بإجمال، واختصار؛ فنقول: أحوال هذا القطر في الدّيَن وصلاح العقائد؛ أحوال سَنِيَّة، والنَّحلُ فيهم معروفة؛ فمذاهبهم على مذهب مالك بن أنس إمام دار الهجرة الهجرة جارية، وطاعتهم للأمراء مُحْكمة، وأخْلاقُهم في احتمال المعاون الجبائية جميلة، وصورُهم حسنة، وأنوفُهم معتدلة غير حادَّة، وشعورُهم سُودٌ مُرْسلة، وقدودُهم متوسطة معتدلة؛ إلى القِصَر، وألوانُهم زُهْر مُشْربة بحُمْرة، وألسنتُهم فصيحة عربية، يتَخللها غَرْبٌ كثير، وتَغْلِب عليهم الإمالة، وأخلاقُهم أبِيَّة في معاني المنازعات، وأنسابُهم عربيَّة، وفيهم من البَرْبَر والمُهاجَرة كثيرٌ، ولباسهم الغالب على طرُقاتهم الفاشي بينهم، الملفُّ المَصْبُوغ شتاء. وتتفاضل أجناس البزَّ بتفاضل الجِدَة، والمقدار؛ والكتان والحريرُ، والقطن، والمرعزى، والأرْدِية الإفريقيّة، والمقاطع التونسية، والمآزر المَشْفوعة صَيْفاً؛ فتُبْصِرُهم في المساجد أيَّام الجُمَع كأنهم الأزهار المُفتَّحة؛ في البطاح الكريمة؛ تحت الأهوية المعتدلة.
وأنسابُهم
حسبما يظهر من الإستراعات،
والبَيْعَات السلطانية، والإجازات؛ عربيةٌ؛ يكثر فيها: القُرَشي، والفِهري،
والأُموي، والأمَّي، والأنْصاري،
والأوْسي، والخزْرَجي، والقحْطاني،
والحِمْيَري، والمَخْزُومي، والتَّنُوخِي،
والغَسَّاني، والأزْدي، والقَيْسي،
والمُعَافري، والكِنَاني، والتَّمِيمي،
والهُذَلِي، والبَكْري، والكِلابي، والكِلابي، والَنَّمري، واليَعْمُري، واليَعْمُري، والمازني،
والثَّقَفي، والسَّلمي،
الفزاري، الباهِلي، والعَبْسي، والعَبْسي، والعَنْسي، والعُذْري، والعُذْري، والحِجَجِي، والضَبي، والضَبي، والسَّكُوني، والتَّيْمي، والتَّيْمي، والعَبْشَمي، والمُرَّي، والعُقَيْلي، والفهْمي، والصَّريحي، والجَزَلي، والقُشَيْري، والكَلْبي، والقُضَاعي، والأصبحي، والهواري، والهواري، والرُّعَيني، واليَحْصُبي، التُّجيبي، التُّجيبي، والصَّدفي، والحَضْرَمي، والحِمَّي،
والحِمَّي، والجُذامي، والسَّلُولي، والحَكمي، والحَكمي، والهَمْداني، والمَذْحِجي،
والخُشَني، والبَلوي، والجُهَني، والمزْني، والطَّائي، والغافقي، والأسَدي،
والأشْجُعي،
والعامِلي، والخَوَلاني، والأيادي، والأيادي، واللَّيْثي، والخَثْعَمِي، والسَّكسَكي، والسَّكسَكي، والزُّبَيدي، والتَغْلبي، والثعلبي، والثعلبي، والكِلاعي، والدَّوسي، والحَواري،
والسَّلماني.
هذا؛ يرد كثير في شهادتهم؛ ويقلُّ من ذلك السَّلماني نسبًا: كالدَّوْسي، والحَواري، والزُبَيْدي. ويكثر فيهم: كالأنْصارى، والحُمَيدي، والجُذامي، والقيْسي، والغَسَّاني. وكفى بهذا شاهداً على الأصالة، ودليلاً على العُرُوبيَّة.
وجُنْدُهم صِنْفان: أندلسي، وبَرْبَري:
والأندلسي منها يقودُهم رئيسٌ من القرابة أو حَصِيّ من شيوخ الممالك؛ وزيُّهم في القديم شَبه زيّ أقْتالهم، وأضْدَادِهم؛ من جيرانِهم الفِرَنْج: إسباغُ الدُّروع، وتعليقُ التَّرْسَة، وحفا البيضات، واتخاذ عُراض الأسنَّة، وبشاعة قرابيس السروج، واستركابُ حملة الرَّايات خلفه؛ كلٌّ منهم بِصفةٍ تَخْتَصُّ بسلاحهِ، وشُهرةٍ يُعرفُ بها. ثمّ عدلوا الآن عن هذا الذي ذكرنا، إلى الجَواشن المُخْتَصرة، والبيضات المرهفات، والسُّروج العربية، والبَيْتِ اللَّمْطِيَّة، والأسَل العَطَفِيَّة.
والبَرْبَري منه يرجع إلى قبائله المريِنَّية، والزَّنَاتية، والزَّنَاتية، والتَّجانية، والمغْراوِيَّة، والعَجَّيسِيَّة، والعرب المغْرَبِيَّة؛ إلى أقطاب، ورؤوس؛ يرجع أمرهم إلى رئيس، على رؤسائهم، وقطب لعُرَفائهم من كبار القبائل المريَنيَّة؛ يَمُتُّ إلى ملك المغرب بِنَسَبٍ.
والعمائم تقل في زي أهل هذه الحَضْرة؛ إلاَّ ما شاد في شيوخهم، وقضاتهم، وعلمائهم؛ والجُنْد العربي منهم؛ وسلاح جُمْهورهم العِصِيّ الطويلة المثناة بعصيّ صغارٍ؛ ذوات عُرّى في أواسطها؛ تُدفع بالأنامل عند قذْفها؛ تسمى (بالأمْداس). وقسيّ الإفرَنْجة؛ يُحْمَلون على التَّدْريب بها على الأيَّام. ومبانيهم متوسطة، [وأعيادُهم] حسنة؛ مائلة إلى الاقتصاد. والغِنَى بمدينتهم فاشٍ، حتى في الدكاكين التي تجمع صنائعها؛ كثيراً من الأحداث، كالخفاّفين، ومثلهم. وقوتُهم الغالب، البُّر الطَّيب؛ عامّة العام، وربما اقتات في فصل الشتاء الضَّعَفة، والبوادي، والفَعلة في الفلاحة الذُّرة العربية؛ أمْثَلَ أصناف القطاني الطيبة. وفواكههم اليابسة عامَّة العام؛ متعدَّدةٌ؛ يدّخرون العِنَب سَليماً من الفسادِ إلى شَطْرِ العام؛ إلى غير ذلك من: التَّين، والزّبيب، والتُّفَّاح، والرّمان، والقسْطل، والبَلُّوط، والجَوْز، واللَّوز؛ إلى غير ذلك مما لا يَنْفَد ولا ينقطع مدده؛ إلاّ في الفصل الذي يُزهد في استعماله. وصَرْفهم فِضَّة خالصة، خالصة، وذهبٌ إبريزٌ طيَّب محفوظ، ودِرْهَمٌ مُرَبَع الشّكل؛ من وزن المهدى؛ القائم بدولة الموحدين؛ في الأوقية منه سبعون درهماً؛ يختلف الكتْب فيه؛ فعلى عهدنا؛ في شِقّ: ((لا إله إلا الله محمد رسول الله))، وفي شِقّ آخر: ((لا غالبَ إلاّ الله، غَرْناطة)). ونِصْفه وهو القِيراط؛ في شِقّ: (الحَمْدُ للهِ رَبَّ العَالَمِينَ)، وفي شق:
﴿وَمَا النَّصْرُ إلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾، ونصفُه هو الرُّبع؛ في شق: ﴿هُدَى الله هو الهُدَى﴾، وفي شِق: ﴿ العَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾.
ودينارُهم في الأوقية منه؛ ستة دنانير وثلثا دينار؛ وفي الدَّينار الواحد؛ ثُمْن أوقية وخُمْس ثُمْن أوقية. وفي شق
منه: ﴿قل اللَّهم مالك المُلْك بيَدِك الخَيْر﴾، ويستدير به قوله تعالى: ﴿إلَهُكًم إلَهٌ واحِدٌ، لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ الرَّحْمَانُ
الرَّحِيمُ﴾، وفي شق: ((الأمير عبد الله يوسف، بن أمير المسلمين أبي الحَجَّاج، بن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن نصر، أيَّدَ الله أمْرَه))، ويستدير به شعار هؤلاء الأمراء: ((لا غالب إلاّ الله)). ولتاريخ تمام هذا
الكتاب؛ في وجْهٍ: ﴿يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفْلِحون﴾، ويستدير به: ((لا
غالب إلاّ الله))؛ وفي وجه: ((الأمير عبد الله الغني بالله، محمد بن يوسف بن اسماعيل بن نَصْر، أيَّدَه الله وأعانه))، ويستدير بِرُبع: ((بمدينة غَرْناطة حَرَسَها الله)).
وعادةُ أهْل هذه المدينة؛ الإنتقال إلى حُلل العصير؛ أوان إدْراكِه؛ بما تشتمل عليه دُورُهم، والبروز إلى الفحوص بأولادهم؛ مُعَوّلَين في ذلك على شهامتهم وأَسْلِحَتهم، وعلى كَثَبِ دورهم، واتَّصال أمْصَارهم بحدود أرضه.
وحُليُّهم في: القلائد، والدَّمالج، والشُّنوف، والخلائل الذّهب الخالص؛ إلى هذا العهد، في أولى الجِدَة، واللُّجَيْنُ؛ في كثير من آلات الرَّجْلين؛ فيمن عداهم. والأحجارُ النفيسة من الياقوت، والزَّبَرْجَد، [والزُّمُرّد] ونفيس الجَوْهر، كثير ممن ترتفع طبقاتهم المُسْتَنِدة إلى ظِلَّ،َ أو أصالَةٍ مَعْروفةٍ مُوفَّرة.
وحريمُهم، حريم جميل، موصوف بالسَّحْر، وتَنَعُّم وتَنَعُّم الجُسوم، واسْتِرْسال الشُّعور، ونَقاء الثُّغُور، وطِيبِ النَّشْر، وخفَّة الحركات، ونُبْل الكلام، وحُسْن المحاورة، إلاَّ أنَّ الطُّول يَنْدُر فيهِنّ، وقد بَلَغْن من التَّفَنُّنِ في الزَّينَة لهذا العهد؛ والمظاهرة بين المُصْبَغات، والتَنْفِيس بالذَّهَبيَّات والدَّيباجيَّات، والتَّماجُن في أشكال الحُلي؛ إلى غايةٍ؛ نَسألُ الله أنْ يُغضَّ عنهنّ فيها عَيْنَ الدَّهر، ويُكَفْكف الخَطْب، ولا يجعلها من قبيل الابتلاء والفتنة، وأن يعامل جميع من بها بسَتره، ولا يَسْلبهم خَفَّى لطفه، وبعزَّته وقدْرته.
فصل فيمن
تداول هذه المدينة
من لدُن أصبحت دار إمارة باختصار واقْتِصار
قال المؤلف: أول من سكن هذه المدينة، سُكنى استبداد، وصيَّرها دار مُلْكه، ومَقَرَّ أمره؛ الحاجبُ، المنصور؛ أبو مُثْنَى زاوي بن زيرِي بن مَناد؛ لمّا تغلب جيش البربر مع أميرهم سليمان بن الحكم على قُرْطبة، واستولى على كثير من كُوَر الأنْدَلُس؛ عام ثلاثة وأربعمائة؛ فما بعدها، وظهر على طوائف الأندلس، واشتهر أمره، وبَعُد صيته. ثم اجتاز البحر إلى بلد قومه بإفريقية؛ بعد أن مَلَك غَرْناطة سبع سنين، واستخْلَف ابن أخيه حَبُّوس بن ماكْسَنْ؛ وكان حازماً داهِيَة؛ فتوسَّع النظر إلى أن مات؛ سنة تسع وعشرين وأربعمائة. وولىِ بعده حفيده عبد الله بن بُلُكّيَن بن بادِيس؛ إلى أن خُلع عام ثلاثة وثمانين وأربعمائة. وتصيَّر أمرها إلى أبي يعقوب يوسف بن تُاشِفين ملك لمْتُوَنة؛ عند تَمَلَّكه الأندلس، ثم إلى ولده عليّ بن يوسف. تَنَوَّب إمارتها جملة من أبناء الأمراء اللمْتُونيَّين، وقرَابتهم: كالأمير أبى الحسن علي بن الحاجّ، وأخيه مُوسى، والأمير أبي زكريا يحيى بن أبي بكر بن إبراهيم، والأمير أبي الطَّاهر تَمِيم، والأمير أبي محمد مَزْدَلي، والأمير أبي بكر بن أبي محمد؛ وأبي طَلْحة الزُّبيْر بن عُمر؛ وعثمان بن بدر اللَّتْموني؛ إلى أن انقرض أمرُهم عام أربعين وخمسمائة. وتَصَيَّر الأمرُ للمُوَحَّدين، وإلى ملكهم أبى محمد بن عبد المؤمن بن علي؛ فتناوبَها جُمْلةٌ من بنيه وقرَابَتِه: كالسَّيّد أبي عثمان ابن الخليفة، والسَّيد أبي إسحاق ابن الخليفة، والسَّيد أبي إبراهيم ابن الخليفة، الخليفة، والسَيّد أبي محمد ابن الخليفة، والسيد أبي عبد عبد الله؛ إلى أن انقرَض منها أمر المُوَّحِدين.
وتمَلَّكها المتوكَل على الله؛ أمير المؤمنين؛ أبو عبد الله محمد يوسف بن هُودْ في عام ستة عشرين وستمائة.
ثم لم يَنْشِب أن تَمَلَّكها أمير المسلمين؛ الغالب بالله محمد بن يوسف بن نصر الخَزْرَجِي؛ جَدُّ هؤلاء الأمراء الكرام موالينا؛ رحم الله من دَرَجمنهم، وأعان من خَلِفه، إلى أن توفي عام أحدٍ وسبعين وستمائة.
ثم ولىَ الأمر بعده ولده وسَمِيُّه محمد بن محمد؛ فقام بها أحْمَدَ قِيام، وتوفي عام إحدى وسبعمائة، ثم ولى بعده سَمِيُّه محمد؛ إلى أن خلع يوم عيد الفطر؛ من عام ثمانية سبعمائة، وتوفي عام أحد عشر وسبعمائة؛ وسبعمائة؛ في ثالث من شَوَّال منه، ثم ولى بعده أخوه نَصْر ابن مولانا أمير المسلمين أبي عبد الله؛ فأرتَبَ أمرُه، أمرُه، وطلب المُلك اللاّحقُ به، مولانا أمير المسلمين أبو الوليد إسماعيل بن فرج؛ فغَلَب على الإمارة، ثاني عشر ذي القعدة؛ من عام ثلاثة عشرة وسبعمائة؛ وانتقل نصر إلى وادى آش مَخْلوعاً، مُوَادعاً فيها إلى أن مات عام [اثنين وعشرين] وسبعمائة. وتمادى مُلْك السلطان أمير المسلمين أبى الوليد إلى السادس والعشرين من رجب؛ عام خمسة وعشرين وسبعمائة، ووثب عليه بعض قَرابته قَرابته فقتله، وعُوجِل بالقتل مع مَنْ حضر منهم. وتولَّى المُلْك بعده ولده محمد؛ واستمر سلطانه إلى ذي الحجة من عام أربعة وثلاثين وسبعمائة، وقتل بظاهر جبل الفتح، وولى بعده أخوه مولانا السلطان أبو الحجاج لُباب هذا البيت، وواسطة هذا العقد، وطراز هذه الحِلية، ثم اغتاله مَمْرور؛ من أخابيث السُّوقة؛ قيَّضَه الله إلى شهادته؛ ومن جعله سبباً لسعادته؛ فأكَبَّ عليه في الرَّكْعَة الآخرة من ركعتي عيد الفِطر؛ بين يدي المحراب؛ خاشعاً، ضارعاً؛ في الحال الذي أقرب ما يكون العبْدَ من رَبّهَ، وهو ساجدٌ؛ وضربه بخنجر مهيء للفتك به؛ في مثل ذلك الوقت. كان زعموا يحاول شّخْذه منذ زمان. ضَرْبةً واحدةً؛ على الجانب الأيْسر من ظهره، في ناحية قلْبه، فقَضى عليه. وبُودر به فقُتِلَ. وولى الأمر بعده محمد؛ ولده أكبر بَنيه، وأفضل ذويه، خَلْقاً، وخُلُقاً، وحياءً، وجوداً، ووقاراً، وسلامةً وخَيْرِيَّة؛ ودافع دولته من لا يعبأ الله به؛ ثم تدارك الأمر سبحانه؛ وقد أشْفَى، ودافع وكفى؛ بما يأتي في محله إن شاء الله. وهو أمير المسلمين لهذا العهد؛ متَّعَ الله به، وأدام مدته، وكتب سعادته، وأطلق بالخير يده، وجعله بمراسيم الشريعة من العاملين، ولسلطان يوم الدين من الخائفين، المُراقبِين، بفضله. وقد أتينا بما أمكن من التعريف بأحوال هذه الحَضْرة على اختصار. ويأتي في أثناء التَّعْريف برجالها كثيرٌ من تفصيل ما أُجْمِل، وتَتْميم ما بَدَأَ، وإيضاح ما خَفِي؛ بحول الله تعالى.