علي بن محمد
علي بن هيضم الرعيني؛ من أهل إشبيلية، يكنى أبا الحسن.
حاله
الكاتب البليغ المحدث الراوية. قال الأستاذ: كان من أهل العلم والمشاركة، وغلبت عليه الكتابة السلطانية. واعتمدها صناعة. وكتب لجلة من ملوك الأندلس والعدوة. وكان انفصاله من الأندلس قبل سنة أربعين وستماية. قلت، وكتب للسلطان المتوكل على الله أبي عبد الله ابن هود، ثم للسلطان المتوكل الغالب بالله أبي عبد الله ابن نصر. وسكن بغرناطة مدة مديدة. ثم رحل إلى مراكش. فكتب عن أمير سَبْتَة، وعن ملوك الموحدين بمراكش. ونمت حاله ونُبهت رتْبتَه واستقل بالإنشاء، بعد شيخه أبي زيد الفازازي، وكان محدثاً عارفاً بالرواية، متعدد المشيخة. فاضلاً، ديناً. مشاركاً في كثير من المعارف. حسن الخط. جيد الكتابة. متوسط الشعر. قلت هذا الرجل له مشيخة في أصل ابن الخطيب طويلة اختصرتها.
شعره ونثره
من ذلك ما جمع فيه بين النظم والنثر:
وافى الكتاب وقد تقلد جيدُه
ما أنت تحسن نظمه وتُجيده
من كل معنى ضمن لفظه في حلى
خط يزيل طلى الطرُّوس فريده
أبا الّمُطَرَف دعوة من خالص
لعُلاك غابت وده وشهيده
أنت الوحيد بلاغة وبراعة
ولك البيان طريفُه وتليدُه
فانثر أنت بديعه وعماده
وانظم أنت حبيبه ووليده
إيهٍ أيها السيد الذي جلَّت سيادته، وحلَّت صميم الفؤاد سعادته، ودامت بها ينفع الناس عادته ألقى إلى كتاب كريم، خطَّته تلك اليمنى التي اليمن فيها تخطه. ونسقت جواهر بيانه، التي راق بها سمطه، فلا تسلوا عن ابتهاجي بأعاجيبه، وانتهاجي لأساليبه، وشدة كلفي بالتماح وسيمه، وجدة شغفي باسترواح نسيمه. فإنه قدم، وأنس النفس راحل، واستعاده وروض الفكر ماحل، فجاده، لا جرم أنه بما حوى من حدق النوى، وروى من طرق الهوى، وبكى الربيع المحيل، وشكى من صابح الرَّحيل، هيج لواعج الأشواق وأثارها، وحرك للنفس حوارها، فحنَّت، واستوهبت العين مدارها فما ضنت؛ فجاشت لوعة أسكنت، وتلاشت سَلْوة عَنَت، وكفَّ دمع كف، وثُقل عَذَلٌ خفَّ، واشتدَّ الحنين، وامتد الأنين، وعلا النحيب، وعرا الوجيب، والتقى الصبُّ والحين، وهدى المحب قَدْر ما جناه البَين، وطالما أعمل في احتمال المشاق عزيمه، وشدَّ لاجتياب الآفاق حَيازيمه:
وادع مثوى المُقام معتزما
لا يرى الغرام ملتزما
وأزمع البين عن أحبته
والبين عن داره التي ريما
وما درى أنه بعزمته
أشْعل البين في الحشى ضرما
وهل جرى ذاك في تصوره
فربما أحدث الهوى لمما
إلهي ألا نوى مشيئته
شملاً من العيش كان منتظما
وعاذلٌ قال لي يعنتني
لا تبد فيما فعلته ندما
ما حيلة في يدي فأعملها
عدلٌ من الله كل ما حكما
أما أنَّ القلب لو فهم حقيقة البَيْن قبل وقوعه وعلم قدر ما يشب من الروع في روعه، لبالغ في اجتنابه، واعتقد المعفي عنه من قبيل المُعتنى به؛ ولحا الله الأطماع، فإنها تستدرج المرء وتغرُّه، وتُغْريه بما يسرُّه؛ ما زالت تقتل في الغارب والذّرَوة وتخيل بالترغيب والثَّروة، حتى أنأت عن الأحباب والحبايب، ورمت بالغريب أقصى المغارب. فيا لوَحْشة ألوت بإيناسة، وبالغُربة أحلَّت في غير وطنه وناسه، ويا عجباً للأيام وإساءتها، وقرب مسرتها من مساءتها، كأنها لم تُتْحف بوصال، ولم تُسْعف باتصال، ولم تمتَّع بشباب، ولم تفتح لقضاء أوطار النفس كل باب:
عجباً للزمان عقَّ وعاقا
وعدمنا مسرَّة ووفاقا
أين أيامه وأين ليال
كلآل تلألؤاً وّاتَساقا
كم نعمنا بظلها فكأنا
مرقها للصَّبا علينا رماقا
كم بغرناطة وحمص وصلنا
باصطباح من السرور اغتباقا
وفي رُبَى نجد تلك أو نهر هدي
والأماني تجري إلينا استباقا
في رياض راقت وراق ولكن
حين ند الحيا لها فأراقا
رقَّ فيها النسيم فهو نسيب
قد سَبا رقَّة نفوساً رفاقا
وثنا للغصون منها قدوداً
تتلاقى تصافُحاً واعتناقا
كلما هبَّ من صَباه عليل
وتداوى بها العليل أفاقا
حكم السَّعْد للأحبة فيه
بكؤوس الوصال أن تَنْساقا
ثم كرت للدهر عادة سوء
شق فيها خطب النوى حين شاقا
شَتَّت الشمل بعد طول اجتماع
وسقى الفراق كأساً دهاقا
وأعاد الأوطان قفراً ولكن
قد أعاد القطان فيها الرفاقا
ليت شعري والعيش تطويه بالفيا
في أشاماً تبوؤا أم عراقا
يا حُداة القلوب رفقاً بصبٍّ
بلغت نفسه السياق اشتياقا
فآه من شجوة وآه لبين
ألزم النفس لوعة واحتراقا
هذه يا سيدي استراحة من فؤاد، وقَدَته الفُرْقة والقَطيعة، واستباحته لُحْمى الوقار بما لم تحظره الشريعة، فقديماً تُشُوكيت الأحزان، وتُبوكِيت الأوطان، وحنّ المشتا، وكنَّ له من الوجد ما لا يطاق، فاستوقف الركب يشكو البلابل، واستوكف السحب لسُقْيا المنازل، وفَدى الرَّبع وإن زاده كرباً، ومن له إن يلم لائماً له تُرْبا؛ حسبه دموع تفيض مجاريها، ونجوم يسامرها ويسايرها:
أِلف السهْاد فشأنُه إدمانُه
واستغرقت أحيانه أشجانه
وشكا جفا الطيف إذ لم يأته
هل ممكن من لم ينم إتيانه
واستعبدته صبابة وكذا الهوى
في حكم أحراره عِبْدانه
كم رام كتمان المحبة جهده
ودموعه يبدو بها كتمانُه
وإذا المحب طوى حديث غرامه
كبى الضلوع وشت به أجفانه
وهي طويلة.
وفاته
بمراكش سحر ليلة الأربعاء الرابعة والعشرين من رمضان سنة ستة وستين وستماية. ودفن عقب ظهره، بجبانة الشيوخ مقارباً باب السادة أحد أبواب قصر مراكش. وكان الحفل في جنازته عظيماً. لم يتخلف كبير أحد.
علي بن محمد
ابن علي بن البنا؛ من أهل وادي آش؛ يكنى أبا الحسن.
حاله
من الإكليل الزاهر؛ قال فيه: فاضل يروقك وقاره، وصَقْرٌ بُعد مطاره. قدم من بلده وادي آش يروم اللحاق بكُتَّاب الإنشاء، وتوسل بنظم أنيق، وأدب في نسب الإجادة عريق، تعرف براعته عن لسان ذليق، وطبع طليق، وذكاء بالأثرة خليق، وبينا هو يلحم في ذلك الغرض ويسدي، ويعيد ويبدي، وقد كادت وسايله أن تنجح، وليلة رجايه أن تصبح، اغتاله الحمام، وخانته الأيام، والبقاء لله والدَّوام.
شعره
من شعره يخاطبني لما تقلدت الكتابة العليا:
هو العلا جرى باليُمن طايرُه
فكان منك على الآمال ناصره
ولو جرى بك ممتداً إلى أمل
لأعجز الشمس ما أمَّت عساكره
لقد حباه منيع الّعِزَ خالقُه
بفاضل منك لا تُحصى مآثره
فليَزْهُ فخراً فما خَلْقٌ يُعارضه
ولا عُلاً مدى الدنيا يُفاخره
الله أوصافك الحُسْنى لقد عجزت
من كل ذي لَسِن عنها خواطره
هيهات ليس عجيباً عجز ذي لسِن
عن وصف بحر رمى بالدُّر زاخره
هل أنت إلا الخطيب ابن الخطيب ومن
زانت حُلَى الدين والدنيا مفاخره
فإن يقصُر عن الأوصاف ذو أدب
فما بدا منك في التقصير عاذره
يابن الكرام الألى ما شَبَّ طفلهم
إلا وللمجد قد شدَّت مآزره
مهلاً عليك فما العلياء قافية
ولا العلا بسَجْعٍ أنت ناثره
ولا المكارم طرساً أنت راقمه
ولا المناقب طباً أنت ماهره
ماذا على سابق يُسري على سنن
إن كان من نفعه خلٌّ يسايره
سِرْ حيث شيتّ مَن العليا سيَداً
فما أمامك سابقٌ تحاذره
أنت الإمام لأهل الفخر إن فخروا
أنت الجواد الذي عزَّت مفاخره
ما بعد ما حُزْته من عزَّة وْعُلاً
شأو يطارد فيه المجد كابره
نادت بك الدولة الشَعِّرىَّ محتدها
نداء مُسْتَجد أزراً يوازره
حِلية لما برد البر مرتدياً
وصبح يمنك فجر السَّعد ساجره
فالملك يَرْفُلَ في أبْراده مرحاً
قد عمَّت الأرض إشراقاً بشايره
فأضاء بها نعمة ما أن يقوم فيها
من اللسان ببعض الحق شاكره
وليُهنِنا أنه ألقت مقالدها
إلى سريّ زكت منه عناصره
فإنه بدر تم في مطالعها
قد طبَّق الأرض بالأنوار نايره
ومن أطبع ما هزَّ به إلى إقامة سوقه، ورعي حقوقه، قوله:
يا معدن الفضل موروثاً ومكتسبا
فكل مجد إلى عليائها انتسبا
انتسبا
بباب مجدكم الأسمى أخو أدب
مستصرخ بكم يستنجد الأدبا
ذلَّ الزمان له طوراً فبلَّغه
من بعض آماله بعض الذي طلبا
والآن أركبه من كل نابِية
صعب الأعنَّة لا يألو به نصبا
فحمَّلته دواعي حبكم وكفى
بذاك شافع صِدْقٍ يُبَلَغّ الأرَبا
فهل سرى نسمة من جاهكم فيها
خليفة الله فينا يمطر الذَّهبا
وأهدى إليَّ قباقِب خش برسمي ومعها من جنسها صغار للأولاد من مدينة وادي آش من خشب الجوز وكتب لي معها:
هاكها ضُمَّراً مطايا حساناً
نشأت في الرياض قُضُباً لدانا
وثَوَت بين روضة وغدير
مُرْضعات من النَّمير ليانا
ثم لما أراد إكرامها الله
وسَنَى لها المنى والأمانا
قَصدَتْ بابك العلَّي ابتداراً
ورجت في قبولك الإحسانا
قد قبلنا جيادك الدُّهم لما
أن بلونا منها العِتَاق الحسانا
أقبلت خلف كل حجر ببيع
خلعت وصفها عليه عيانا
فقبلنا برعيها وفسحنا
في ديار العلى لها ميدانا
وأردنا امتطاها فأتخذنا
من شراك الأديم فيها عنانا
قدمت قبلها كتيبة سحر
من كتابٍ سَبَت به الأذهانا
مثلما تجْنُبُ الجيوش المذاكي
عُدَّة للقاءِ مهما كانا
لم ترق مقلتي ولا رق قلبي
كحلاها براعة وبيانا
من يكن مهدياً فمثلك يهدي
لم أجد للثَّنا عليك لسانا
وفاته
توفي في الرابع لشعبان من عام خمسين وسبعماية مُعْتَبطاً في الطاعون لم يبلغ الثلاثين.
علي بن محمد
ابن علي العبدري؛ سكن غرناطة؛ يكنى أبا الحسن؛ ويعرف بالورَّاد؛ ويشهر أبوه باليربوني.
حاله
بقية مُسِنّيَ أدباء الأندلس في فن الهزل والمُعرّبَ، والهزل متولي شهرته؛ وله القدح المعلَّى فيه، والطريقة المثلى، ظريف المأخذ، نبيل الأغراض، حافظ للعيون، مال بآخرة إلى النُّسْك، وصحبة الصالحين. ولم يزل بحاله الموصوفة إلى أن استولت عليه الكَبْرة، وظرفه يتألق خلال النسك. وجرى ذكره في الإكليل الزاهر بما نصه: أديب نار ذكايه كأنه يتوقَّد، وأريبٌ لا يُعترض كلامه ولا يُنقد. أما الهزل فطريقته المثلى، التي ركض في ميدانها وجلى، وطلع في أفقها وتجلَّى، فأصبح علم أعلامها، وعابر أحلامها. إن أخذ بها في وصف الكاس، وذكر الورد والآس، وألم بالربيع وفصله، والحبيب ووَصْله، والروض وطِيبه، والغمام وتقطيبه. شق الجيوب طرباً، وعل النفوس إرباً وضرباً. وأن أشفق لاعتلال العشية، في فرش الربيع الموشية، ثم تعداها إلى وصف الصَّبوح، وأجهز على الرق المجروح، وأشار إلى نغمات الوِرْق يرفلن في الحلل الزُّرق، وقد اشتعلت الليل نار البرق، وطلعت بنور الصباح في شرفات الشرق، سلب الحليم وقاره، وذكر الخليع كأسه وعقاره، بلسان يتزاحم على مورده الخيال، ويتدفق من حافاته الأدب السيال، وبيان يقيم أود المعاني، ويشيده صانع اللفظ محكمة المباني، ويكسو حلل الإحسان جسوم المثالث والمثاني، إلى نادرة لمثلها يشار، ومحاضرة يجنى بها الشهد ويسار. وقد أثبتُّ من شعره المُعرب. وإن كان لا يتعاطاه إلا قليلاً، ولا يجاوره إلا تعليلاً، أبياتاً لا تخلو من مسحة جمال على صفحاتها، وهبة طيبٍ ينمُّ في نفحاتها. فمن ذلك قوله:
يذكرني حُسن الكواعب روضة
لها خطر قيد النَّواظر مُونق
خدود من الورد النضير وأعين
من النَّرجس السامي إليها تحّدَق
وخامات زرع يانع كذؤاب
وما شقها من جدول الماء مفّرَق
ومن شعره قوله:
أسافِرَة النقاب سُحرتُ لما
أَمْطَت الخز عن بدر التمام
وتيمَّت الفؤاد بغَنَج طَرْفٍ
كحيل ما يفيق من المنام
لعمر أبيك ما بالنوم بعدٌ
عن الجفن المكحل بالظلام
ومن معانيه المخترعة وأغراضه المبتدعة. وكلها كذلك:
مالي إذا غبتم تهمي لفرقتكم
عيني بمُنْهَمر كالغيث هتَّان
أشبهتُ نيلوفراً والشمس بهجتكم
إن غبتم غبت في أمواه أجفان
السَّقم يشهد لي والدمع برَّح بي
متى استوى عندكم سرٌّ وإعلان
وقال من المستحسن الذي رمى فأصاب واستمطر طبعه فصاب:
يقولون لاح الشيب فاله عن الصبا
وعن قهوة تصبو لها وتنيب
فقلت دعوني نصطحبها سلافة
على صبح شيبي فالصبح عجيب
وقال كذلك:
لا تعجبن من البليد مخولاً
ومن اللبيب يُعد في الفقراءِ
الماء أصل الخصب غير مُدافعَ
وأخو البلادة طبعه كالماءِ
والنار مؤثرة الجُدوب وإنها
لشبيهة بطبائع الفُطَناء
ومن قصائده الغربية:
ومعذرٌ لحظ المَشيب بعارضي
فتصرَّمت دوني حبال وصاله
هلاَّ ثَنَته نسبة لمحبه
إن العِذَار لشيبة لجماله
وقال أيضاً:
تحرَّ الصدق إن حدَّثت يوماً
وإن حدثت لا تنقل حديثاً
وكن للسرَّ صواناً كتوماً
وربما كان سرُّك أو حديثاً
قال مما يكتب في غِمْد سيف:
لئن راق مني منظر بان حُسْنه
لقد سامني بالمهنَّد باطن
كأن أديمي رقعة من حديقة
تلقفها صِلٌّ لدى الروض كامن
وقال مما يكتب على قوس:
إن كان من وتر الألحان منبعثاً
سرور قوم مدى الآصال والبكر
فإن حُزْن العدا ما نال منبعثّاً
منَي وحينهم في النَّقر في وتر
وقال في غير هذا الغرض:
الخير كل الخير في ستَّة
لم تُلْفَ إلا في كرام الرجال
الحزم والحلم وحمل الأذى
والصبر والصَّمت وصدق المقال
ومما نختتم به محاسنه قوله:
ألا إنَّ باب الله ليس بمُغْلق
ولا دونه من مانع لموفَّق
ولكن بلينا في سلوك طريقه
بكلبٍ من الشيطان ليس بمطرق
فمن يرم بالدنيا إليه كلقمة
فذاك الذي من شره ليس يُتَّق
فخلَّ عن الدنيا ودَعْ عنك حبها
يَدَعْك إلى أوج السعادة ترتق
وقوله:
أيقنت أن جميع الخلق ليس له
شيء من الأمر في شيء فيصنعه
فلا أخاف ولا أرجو مدى عمري
الأ الذي في يديه الخلق أجمعه
مولده
بمدينة مالقة في اليوم الثالث والعشرين لذي حجة من عام أحد وثمانين وستماية.
وفاته
في أحواز أحد وستين وسبعماية.
علي بن عبد العزيز
ابن الإمام الأنصاري؛ يكنى أبا الحسن؛ سرقسطي الأصل؛
غرناطي الاستيطان والاستعمال.
حاله
كان وزيراً جليلاً، معظَّم القدر. مبجلاً أثيراً، ذا معارف جمة، أحد كتاب الزمن، وأهل البلاغة والفصاحة والكرم. وزَر للأمير أبي الطاهر تميم بن يوسف بن تاشفين؛ صاحب غرناطة؛ فحمدت وزارته وكتب للأمير علي بن يوسف. وروى عن شيوخ غرناطة.
أخباره في الجود والجلالة
قال أبو القاسم: شكى إليه بعض إخوانه من حادث طرقه، وأن النفاق أخرجه من بلده، وحال بينه وبين بلده، فأنزله أكرم منزل وخرج إلى المسجد الجامع، وأشهد على نفسه أنه وهبه الربع من أملاكه، وكتب بذلك عقداً ودفعه إليه، وقال يا أخي إن ذلك سيصلح من حالك، وحالي لا يتسع لأكثر من هذا، فاعذر أخاك. وكان الذي وهبه يساوي فوق الألف دُنيرٍ مرابطية، فرحم الله الوزير أبا الحسن: فلقد كان نادرة الزمن.
شعره
من ذلك قوله:
يا ليت شعري والأماني كلها
زور يغرك أو سراب يلمع
في كل يوم منزل لأحبة
كالظل يُلبس للقيل ويُخلع
ومن ذلك قوله:
تسموا بالمعارف والمعالي
فليس المجد بالرحم البوال
وإن فاتا فبالبيض المواضي
وبالسُّمر المثقفة العوال
وإذا المرء تنهضه هذي
فليس بناهض أخرى الليال
ومن أسمته أسباب سواها
فرفْعَتُها تؤول إلى سِفال
ومن المحدثين والفقهاء والطلبة النجباء
علي بن إبراهيم
ابن علي بن إبراهيم الجذامي؛ القاضي المتفنن الحافظ؛ من أهل غرناطة؛ يكنى أبا الحسن.
حاله
من الصّلَة: كان عَدْلاً فاضلاً جليلاً، ضابطاً لما رواه، فقيهاً حافظاً، حسن التقييد.
تواليفه
قال اختصر كتاب الاستذكار؛ لأبي عمر بن عبد البر. وغير ذلك.
مشيخته
روى عن أبي محمد عبد الحق بن بُونه، والقاضي أبي عبد الله بن زَرْقون، وأبي القاسم بن حُبَيش، وأبي خالد ابن رفاعة، وأبي محمد بن عبيد الله، وأبي زيد السهيلي، وأبي عبد الله بن الفخار، وأبي الوليد بن رشد.
مولده
ضحوة يوم الأضحى من عام خمسة وخمسين وخمسماية.
وفاته
وتوفي قريب الظهر من يوم الأربعاء التاسع عشر لذي حجة من عام اثنين وثلاثين وستماية.
من روى عنه
روى عنه القاضي أبو علي بن أبي الأحوص.
عليبن إبراهيم
ابن عبد الرحمن بن الضحاك الفزاري؛ من أهل غرناطة؛
يكنى أبا الحسن؛ ويعرف بابن الَنّفْزي.
حاله
قال أبو القاسم الغافقي، فقيه مشاور بغرناطة، محدث متكلم.
مشيخته
أخذ عن أبي الحسن شُريح، وعن الإمام أبي الحسن علي بن أحمد بن الباذش، وعن أبي القاسم بن ورد، وعن القاضي أبي الفضل عياض بن موسى، وعن الإمام أبي عبد الله المازَرِي، وعن أبي الطاهر السّلَفي، وعن أبي مروان بن مسرة، وأبي محمد بن سماك القاضي، وعلي ابن عبد الرحمن بن سمحون القاضي، والقاضي أبي محمد بن عطية، والمشاور أبي القاسم عبد الرحيم بن محمد، والقاضي أبي القاسم بن أبي جمرة، وجماعة يطول ذكرهم.
تواليفه
وله تواليف في أنواع من العلم، منها كتاب ((نزهة الأصفياء وسلوة الأولياء في فضل الصلاة على خاتم الرسل وصفوة الأنبياء))؛ اثنا عشر جزءاً، وكتاب ((زواهر الأنوار وبواهر ذوي البصاير والاستبصار في شمايل النبي المختار))؛ سِفران كبيران، وكتاب ((منهج السداد في شرح الإرشاد))؛ ثلاثون جزءاً، وكتاب ((مدارك الحقائق في أصول الفقه))؛ خمسة عشر جزءاً، وكتاب ((تحقيق القصد السَّني في معرفة الصمد العلي))؛ سفر، وكتاب ((نتايج الأفكار في إيضاح ما يتعلق بمسألة الأقوال من الغوامض والأسرار))؛ سفر، وكتاب ((تنبيه المتعلمين على المقدمات والفصول وشرح المهمات منها والأصول))؛ سفر، وكتاب ((السّبَاعيات))، وكتاب ((تبيين مسالك العلماء في مدارك الأسماء))، وكتاب ((رسائل الأبرار وذخائر أهل الحظوة والإيثار في انتخاب الأدعية المستخرجة من الأخبار والآثار))؛ سفران اثنان، وكتاب ((الإعلام في استيعاب الرواية عن الأيمة الأعلام))؛ سفران.
وفاته
توفي في الكاينة بغرناطة سنة سبع وخمسين وخمسماية. خرج منها يريد وادي آش؛ فلم يصل إليها، وفقد فلم يوقع له على خبر.
علي بن عبد الله
ابن يحيى بن زكريا الأنصاري؛ يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن زكريا.
أَوَّليّته
قد مر في ذكر أبيه وعمه.
حاله
هذا الرجل فاضل، سكون، من أهل السذاجة والسلامة، والعفاف والصيانة، معم مخول في الخير. طاهر النشأة. جانح للعدالة. قعد للعلاج، وبرز في صناعة الطب، على فِتاً من سنه، واستيم إليه بمهم من نبيه العمل وخطته، متصف بالإجادة والبيان.
مشيخته
قرأ العربية والفقه وغيرهما من المبادىء على مشيخة وقته، والطب على الوزير أبي يزيد خالد بن خالد من أهل غرناطة، وقعد معه.
شعره
ينتحل من الشعر ما عينه في الشُّرود أو غير ذلك فراره كقوله:
صَعَّدَتْ نارُ فُؤادي أدْمعي
فلذا ما جف قلبي فانْفَطَرْ
لو أباح الله لي وصلك
صدع القلب مني وانخبر
أصل داني منك لحظٌ فاتر
وأشد اللَّحظ ما ما فتر
كيف أرجو منه براً وغدت
قهوة الحُسْن تسقيه دُرر
فانظر قوله، الأنبل من شعره:
ولي هَّمة من دونها كل همة
أموت بها عطشان أو يَخْلص الشَّرب
يعز على الكريم ورود ماء
يكدره شوب ويطرقه نَهْب
وإني وأن أضحّى لوُدَك موضع
من القلب أضحى دون موضعه الخُلْب
فتمنعني نفسي لايمان أروا
حهم على شربٍ يؤنقه قشب
غفر الله له على قَشَب، وتجاوز عنه، فلقد دفع منه فضْحها. وهو بحاله الموصوفة.
ومن الطارئين والغرباء
علي بن أحمد
ابن محمد بن أحمد بن علي بن أحمد الخشني؛ من أهل مالقة؛ من قرية يَعشيش؛ من عمل مُلتماس، من شرقيها؛ يكنى أبا الحسن. ودخل غرناطة ومدح أمراءها؛ وتردد إليها.
حاله
من عايد الصلة: من صدور أهل الدين والفضل، والخير والصلاح والنزاهة، والاقتصاد والانقباض، تحرف بصناعة التوثيق بمالقة، جارياً على شاكلة مثله من الاقتصاد، والتبلغ باليسير، ومصابرة الحاجة، مكباً على المطعالة والنظر، مجانباً للناس، بعيداً عن الرَّيب، مؤثراً للزهد في الدنيا. وُلّيَ الخطابة بالمسجد الأعظم من قصبة مالقة في عام وفاته.
مشيخته
قرأ على الأستاذ الصالح الخطيب أبي جعفر ابن الزيات، والأستاذ المقري رحلة الوقت أبي عبد الله بن الكمَّاد.
شعره
وشعره آخذٌ بطرف من الإجادة في بعض المقاصد؛ فمن ذلك قوله:
أرى لك في الهوى نظراً مُريباً
كأن عليك عاذلاً أو رقيباً
ولست بخائف في الحب شيئاً
على نفسي مخافتي المشيبا
يريني كل ما تهواه نفسي
قبيحاً مالياً عيني عنيبا
أنا منه ابن قيس لا يراح
فذق مر التأسف مستطيبا
إذا ما كنت تبكي فقد حبٍّ
فما مثل الشباب به حبيبا
وقال في مذهب المدح من المطولات:
الآن تطلب وُدَّها ووصالها
من بعد ما شَغَلَت بهجرك بالها
وقد استحالت فيك سيما اّلصَبا
حالاً يروع مثلها أمثالها
وأتيتها متلبساً بروايع
نكر بفودك أصبحتعُذاَّلها
بيضٌ تَخَيَّل للنفوس نصولها
سُمراً تخول للنحور نصالها
مثل الأفاعي الرُّقْط تَنْفُث في الحشا
وأرى بفودك جثماً أطالها
نار تُضرم في الفؤاد حريقها
لكن تُنير بمفِرقَيك ذُبالها
جَزِعت لهذا الشَّيب نفسي وهي ما
زالت تهّوَن كل صعب نالها
ولكم صدعت بنافذ من عزمتي
هما لا يهدي العليم ضلالها
صادمت من كرب الدنا أشتاتها
ما خفت غربتها ولا إقلالها
ولئن تقلَّص عسرتي فيىء الغنا
عني فلي نفسٌ تمد ظلالها
ما مزقت ديباجتي غير امرىءٍ
عرضت عليه النفس قط سؤالها
ألقى الليالي غير هبٍّ صَرْفها
والأسْد غير مجنب أغيالها
أمشي الهوينا والعُداة تمر بي
مراً يطير عن الجياد نسالها
علمت لي الخلق الجميل محققاً
وتسيء فيَّ على عملي أقوالها
تبغي انثناءً وهل سمعت بنسمة
مرَّت على نجدٍ تهزُّ جبالها
ولربما عرضت لعيني نظرة
يَرْضى الحكيم غرامها وخبالها
من غادةٍ سرق الصباح بهاءها
والبدر في ليل التمام كمالها
تهوي المجرَّة أن تكون نجومها
من حليها وهلالها خلخالها
عرضت كما مرت بعينك مُطْفل
ترعى بناظرك الكحيل غرامها
ما نهنهت نفسي وإن ضَمَنت لها
عَبَراتها يوم الوداع وصالها
من كان يأمل أن يقوم بمجلس
حطت به شهب السماأثقالها
محا أحاديث السُّراة أولي النُّها
نصاَّ ويضري في العُلى أمثالها
ألقى هواه جانباً وسَرَى به
وجنا تدوي في الدجى إعمالها
ومنها في المدح:
ألبست دين الله حلَّة أمن
أضفت على إسرايه ذلذالها
أنتم بني نصر نصرتم ملَّة ال
إسلام حين شكت لكم عُذاَّلها
كنتم لها أهلاً ورحَّبتم بها
في الغُرْبتين ومنتم إنزالها
نزلت على سعد ليسعد جدُّها
وأوت إلى نصر لينصر آليها
أحرزتم يوم السَّقيفة عُودَها
دون الأنام وقودها وسكالها
لكن حبوتم من أجرتم منَّة
بخلافة الله التي يُعنى لها
إذ تؤثرون سواكم قالت بذا
آي الكتاب فمن يرد مقالها
حتى إذا عثرت ولم ينهض بها
إلاَّكُمُ بادرتم إنشالها
آويتم خير البرية كلها
ومغيثها ونجاتها وثمالها
من ألبس الشرف الرفيع وضيعها
وكسا معصفرة الحجا جهالها
من أم في السبع العلى أملاكها
جبريلها في الغرب أو ميكالها
من أنقذ الغرقى وقد شمل الرَّدى
هذا الأنام خيارها وحثالها
من فاضت الخيرات من تلقايه
كالصبح فاض على الدُّجى فأزالها
من فجَّر العين الفراتّ بكفَه
يرو الورى ورد القطا سلسالها
من لا يقاس بالرياح إذا سرت
نشراً تقل من السحاب ثِقالها
معنى وجود الكون علَّة كونه
نفس الحياة مُنَفَسّاً أهوالها
دامت صلاة الله ديمة عارض
يَهْمي عليه ندى الدُّنا هطَّالها
لما تحقَّقت النبوة أنها
قد زلزلت منها الورى زلزالها
وتقاعَسَت عن منعها أعمامها
أمت أيمَّة نصرها أحوالها
فوثبتم مثل الليوث لنصرها
وّالحرب تُجنَب خلفها أشبالها
وأدرتم منها زبوناً أصبحت
ترمي رؤوس الملحدين ثقالها
بدرٌ وما بدرٌ وردّم قلبها
بجنادل الطاغوت تملأ جالها
ولكم بأوطاس وقد حمي الوطيس
على العدا يوم أطاح بحالها
فنزعتم أزواجها وسَبَيْتم
أولادها وسلبتم أموالها
وذهبتم بالمصطفى لدياركم
وحيا سواكم ساقها وجمالها
فُزتم به فوز المُعَلَّى منحة
أحرزتم دون الأنام منالها
يا أيها الملك الذي من مُلْكه
جَنَت الملوك جمالها وجلالها
مازال حِزْبك منهم يعلو على
مر الدهور ويَعْتَلي أجبالها
حتى حللت من المَجَادة ذروة
ما حلَّ غيرك في المجادة حالها
تحمي الهدى تهمي الندى تولي الجدا
وتقي الردى وتري العدا أوجالها
قعدت شريعته بيمنك ليس من
كدر يُشين على العباد زُلالهاّ
يا سيَد السادات يا ملك الملو
ك وشمسها وصباحها وهلالها
يا بدرها يا بحرها أو غيثها
أو ليثها أو حُسنها وجمالها
خذها كما دارت بكأس سلافها
حَوْراء تمزج باللما جَرْيالها
تثني على السحر المبين وشاحها
وتدير من خمر الفُتور جلالها
لَمْيَاء تبرز للعيون كشاطر
والعقل يوجب حكمه إجلالها
وقفت وذو إحسانها من هاشم
من سبط خير العالمين حيالها
يرجو رضاك وطالما أرضيتم
آل النبي وكنتم أرسالها
كم من يد بيضا لدينا منكم
شكرنا له وأولياه فعالها
آويتم واسيتم واليتم
أحْلَلْتمونا داركم وجَلالها
وهجرتم لوصالنا أعداءنا
ووصلتم لصلاتنا أوصالها
فصلوا أحياءنا ما استطعتم وصله
تعطوا منَ اْجزا الجزاء جزالها
وله تأْليف غريب؛ عكف عليه عمره في فضل مكَّة؛ وكأنه يَرُوم برهاناً على وجوب كونها بالموضع الذي هي به، وفضله على سواه، وتكلم على حروف اسمها، من جهة تناسب أعداد الحروف، مما الناظر فيه مُخَير في نسبه إلى العِرفان أو الهَذَيان.
وفاته
توفي بمالقة في أخريات صفر من عام خمسين وسبعماية.
علي بن أحمد
ابن محمد بن يوسف بن مروان بن عمر الغساني؛ من أهل وادي آش؛ وروى وتردد إلى غرناطة؛ يكنى أبا الحسن.
حاله
كان فقيهاً حافظاً، يقظاً، حسن النظر، أديباً، شاعراً مجيداً، كاتباً بليغاً، فاضلاً.
مشيخته
روى عن: أبي إسحق بن عبد الرحيم القيسي، وأبي الحسن طاهر بن يوسف، وأبي العباس الخروبي. وأبي القاسم بن حُبَيْش، وأبي محمد عبد المنعم بن الفرس الغرناطي، ومحمد بن علي بن مَسَرَّة.
وروى عنه: أبو بكر بن عبد النور، وأبو جعفر بن الدلال، وأبو عبد الله بن أحمد المذحجي، وأبو سعيد الطَّراز، وابن يوسف، وابن طارق، وأبو علي الحسن بن سمعان، وأبو القاسم بن الطَّيْلسان.
تواليفه
صنَّف في شرح الموطأْ مُصَنَّفاً سماه ((نهج المسالك للتفقه في مذهب مالك))؛ في عشرة مجلدات، وشرح صحيح مسلم وسماه ((اقتباس السراج في شرح مسلم بن الحجاج))، وشرح تفريع ابن الجلاب، وسماه ((الترصيع في شرح مسائل التفريع))، وصنَّف في الآداب، منظوماته ورسايله، وهي شهيرة، شاهدة بتبريزه وتقدُّمه. وله نظم شمايل رسول الله صلى الله عليه وسلم، رسالة بديعة، تشتمل على نظم ونثر، بعث بها إلى القبر الشريف. وله كتاب ((الوسيلة إلى إصابة المعنى في أسماء الله الحسنى)).
شعره
من شعره في الوسيلة، وقد ضمَّن كل قطعة أو قصيدة اسماً من أسماء الله تعالى؛ فمنها قوله في اسم الله سبحانه:
قل الله نستفتح من أسمائه الحسنى
بأعظمها لفظاً وأعظمها معنى
هو الله فادع الله بالله تقترب
لأقرب قربى من وريدك أو أدنى
وآمله مضطراً وقِف عند بابه
وقوف عزيز لا يُصَدُّ ولا يثنى
بباب إله أوسع الخلق رحمة
فلله ما أولى أبرَّ وما أحنى
وقّدَم من الإخلاص ثم وسيلة
تَنَلْ رتبة العليا والمقصد الأسنى
أمولاي هل للخلق غيرك مفضل
يصرح عن ذكراه في اللفظ أو يُكنى
ببابك مضطر شكا منك فقرهَ
لأكْرَم من أغنى فقيراً ومن أقْنَى
وللفضل والمعروف منك عوايد
لها الحمد ما أدنى قطوفاً وماَ أهْنَى
فمنها لك الإنعام دأباً خوالداً
تفاني بها الأيام طراً ولا يفنى
وفاته
توفي شهيداً في ربيع الآخر سنة تسع وستماية.
علي بن صالح
ابن أبي الليث الأسعد بن الفرج بن يوسف؛ طُرْطُوشي، سكن دانية؛ يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن عَزّ الناس.
حاله
كان عالماً بالفقه، حافظاً لمسايله، متقدماً في علم الأُصول، ثاقب الذهن، ذكي الفؤاد، بارع الاستنباط، مُسَدَّد النظر، متوقّدَ الخاطر، فصيح العبارة، [ذا خطّ مروض].
من روى عنه
روى عنه أبو بكر أُسامة بن سليمن، وسليمن ابن محمد بن خلف، ويحيى بن عمر بن الفصيح.
دخوله غرناطة
قالوا: واستخلصه الأمير أبو زكريا يحيى بن غانية؛ أيام إمارته ببلنسية لمشهور معرفته ونباهته، ثم سار معه إلى قرطبة، ولازمه، إلى أن توفي أبو زكريا بن غانية، بغرناطة سنة ثلاث وأربعين. فانتقل إلى شرق الأندلس، واستقر بدانية.
تواليفه
وله مصنفات منها ((كتاب العُزلة))، ومنها ((شرح معاني التحية)).
مولده
ولد بطرطوشة سنة ثمان وخمسماية، وتوفي بدانية. قتل مظلوماً بإذن ابن سعد الأمير في رمضان سنة ست وستين وخمسماية.
علي بن أبي جَلا
المكناسي؛ يكنى أبا الحسن.
حاله
كان شيخاً ذكياً، طيب النفس، مليح الحديث، حافظاً للمسايل الفقهية، عارفاً لها، قايماً على كتاب المُدَوَّنة، تفقَّه بالشيخ أبي يوسف الجزولي، وعليه اجتهد في مسايل الكتاب. وكان مضطلعاً بمشكلاته. حسن المذاكرة، مليح المجلس أنيسه، كثير الحكايات، إلاّ أنه كان يحكي غرايب شاهدها تملُّحاً وأُنْساً، فينمّقَها عليه الطلبة، وربما تعدوا ذلك إلى الافتعال على وجه المزاح والمداعبة، حتى لجَمَعوا من ذلك كثيراً في جزءٍ سموه ((بالسّلَك المحلَّى في أخبار ابن أبي جلاَّ)). فمن ذلك ما زعموا أنه حدث بأنه كانت له هرة، فدخل البيت يوماً، فوجدها قد بلت أحد كفيها، وجعلته في الدقيق حتى علق به، ونصبته بإزاء كوة فأر في الجدار ورفعت اليد الأُخرى لصيده، فناداها باسمها، فردّت رأسها، وجعلت أصبعها في فمها على هيئة المشير بالصمت. وأشباه ذلك كثير.
وفاته
في حدود ستة وأربعين وسبعماية.
علي ابن أبي بكر
ابن عبد الرحمن بن علي بن سمحون الهلالي؛ يكنى أبا الحسن.
حاله
كان شيخاً جليلاً، فقيهاً، عارفاً، نبيلاً، نبيهاً، ذا مروءة كاملة، وخُلُق حسن، من بيت حَسب وعلم ودين. قال أبو القاسم الملاحي: حدثني صاحبنا الفقيه الخطيب أبو جعفر بن حسان؛ قال: كنت أجاوره في بعض أملاكي، وكان له ملك يلاصقني، أتمنى أن أكتسبه، فينتظم لي به ما هو مفترق، فوافقته ذات يوم في القرية، فسألته المعاوضة به، وخيرته في مواضع في أرضي، فضحك مني، وقال لي: أنظر في ذلك إن شاء الله. ثم إنه وجه لي بعد ذلك بأيام يسيرة، بعقد يتضمن البيع وقبض الثمن مني، فخجلت منه، وراودته في أخذ الثمن فأبى وقال لي: هذا قليل في حقك، وكان قد لقي شيوخاً أخذ عنهم، وكانت له كتب كثيرة.
وفاته
توفي بالمُنَكَّب صبح اليوم السادس من رمضان عام ستة وتسعين وخمسماية. ولست أحقق أهو القريب أو سلفه، وعلى كلا التقديرين، فالفضل حاصل.
علي بن محمد
ابن عبد الحق الزرويلي؛ يكنى أبا الحسن، ويعرف بالصُّغَيّرَ؛ بضم الصاد وفتح الغين والياءِ المشددة.
حاله
من المؤتمن: كان هذا الرجل قيماً على التهذيب للبرادعي، حفظاً وتفقهاً، يشارك في شيءٍ من أصول الفقه، يطرّزَ بذلك مجالسه، مُغْرباً به بين أقرانه من المدرسين في ذلك الوقت، لخلُوّهَم من تلك الطريقة بالجملة. حضرت مجلس إقرايه، وكان ربعةً آدم اللون، خفيف العارضين، يلبس أحسن زي صنعة، وأحسن ما فيه ليس بحسن. وكان يدرس بجامع الأصدع من داخل مدينة فاس، ويحضر عليه نحو مائة نفس، ويقعد على كرسي عال ليسمع البعيد والقريب، على انخفاض كان في صوته، حسن الإقراء، وقوراً فيه، سكوناً، مثبتاً، صابراً على هجوم طلبة البربر، وسوء طريقتهم في المناظرة والبحث، وكان أحد الأقطاب الذين تدور عليهم الفتوى أيام حياته، تَرِد عليه السؤالات من جميع بلاد المغرب، فيحسن التوقيع على ذلك. على طريقة من الاختصار وترك فضول القول. وُلّيً القضاء بفاس. قدمه أبو الربيع سلطان المغرب وأقام أوده، وعضده، فانطلقت يده على أهل الجاه، وأقام الحق على الكبير والصغير، وجرى من العدل على صراط مستقيم. ونُقم عليه اتخاذ شمَّام يستنشق على الناس الخمر، ويحق أن يُنتقد ذلك.
مشيخته
أخذ عن الفقيه راشد بن أبي راشد الوليدي وانتفع به، وعليه كان اعتماده. وأخذ عن صهره أبي الحسن بن سليم، وأبي عمران الجَوْرماني، وعن غيرهم. وقَيَّدت عنه بفاس على التهذيب وعلى رسالة أبي زيد، قيَّدها عنه تلاميذه وأبرزوها تأَليفاً كأبي سالم بن أبي يحيى.
وفاته
وفاته يوم الثلاثاء السادس لرمضان عام تسعة عشر وسبعماية، ودخل غرناطة؛ لما وصل رسولاً على عهد مستقضية رحمهما الله.
علي بن محمد
ابن علي بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن يحيى بن عبد الله ابن يحيى الغافقي؛ سَبْتي ساري الأَصل؛ انتقل منها أبوه سنة اثنتين وستين وخمس ماية؛ يكنى أبا الحسن،
ويُشْهَر أهل بيته في سارة بني يحيى.
حاله
من التكملة: كان محدثاً راوية مُكْثراً، عدلاً ثقة، ناقداً، ذاكراً للتواريخ وأيام الناس، وأحوالهم وطبقاتهم، قديماً وحديثاً، شديد العناية بالعلم، والرغبة فيه، جاعلاً الخوض فيه، مفيداً ومستفيداً، وظيفة عمره، جمَّاعة للكتب، منافساً فيها، مغالياً في أثمانها، وربما أعمل الرحلة في التماسها، حتى اقتنى منها بالإبتياع والإنتساخ كل عِلْق نفيس. ثم انتقى منها جملة وافرة فحبسها في مدرسته، التي أحدثها بقرب باب القصير، أحد أبواب بحر سبتة، وعين لها من خيار أملاكه، وجَيّد رباعه، وقفاً صالحاً. سالكاً في ذلك طريقة أهل المشرق، وقعد بها بعد إكمالها لتروية الحديث وإسماعه، في رجب خمس وثلاثين وستماية، وكثر الأخذ بها عنه، واستمر على ذلك مدة. وكان سَرِيَّ الهمة، نزيه النفس، كريم الطبع، سَمْحاً، مؤثراً، مُعاناً على ما يصدر عنه من المآثر الجليلية، ونبل الأغراض السنية، بالجدة المتمكنة، واليسار الواسع. وكان سنياً، منافراً لأهل البدع، محباً في العلم وطلابه، سمحاً لهم بأعلاق كتبه، قوي الرجاء في ذلك. ومما يؤثر عنه من النزاهة، أنه لم يباشر قط دُنيراً ولا درهماً، إنما كان يباشر ذلك وكلاؤه اللايذون به.
مشيخته
روى عن: أبوي الحسن أبيه والتجيبي، وأبي الحسن ابن عطية بن غازي، وأبي عبد الله محمد بن عيسى، وابن عبد الكريم، وابن علي الكتَّاني، وأبي إسحق الشُّقوري، وأبوي بكر بن الفصيح، ويحيى بن محمد بن خلف البوريني، وأبي الحسن بن خروف النحوي، وابن عُبَيْدس، وابن جابر، وابن جُبير، وابن زَرْقون، وابن الصايغ، وأبي بكر بن أبي رُكب، وأبي سليمان بن حوط الله، وأبي العباس القوراني، وأبي القاسم عبد الرحيم بن الملجوم، وأبي محمد الحِجْري؛ وأكثر عنه، وابن حوط الله، وابن محمد بن عيسى التَّادلي، وعبد العزيز بن زيدان، ويَشْكر بن موسى بن الغزلقي. هؤلاء، وأخذ عنهم بين سماع وقراءَة، وأكثرهم أجازه أو كتب إليه مُجيزاً. ولم يلقه أبو جعفر بن مضاءٍ، وأبو الحسن بن القطان ونجبه، وأبو عبد الله بن حماد وابن عبد الحق الَتّلمساني، وابن الفخار، وأبو القاسم السهيلي، وابن حبيش، وأبو محمد عبد المنعم بن الفرس. واستجاز بآخرة مكثراً من الاستفادة، أبا العباس بن الرومية، فأَجاز له من إشبيلية.
من روى عنه
روى: أبو بكر أحمد بن حميد القرطبي، وأبو عبد الله الطَّنجالي، وابن عياش، وأبو العباس بن علي الماردي، وأبو القاسم عبد الكريم بن عمران، وأبو محمد عبد الحق بن حكيم. وحدث بالإجازة عنه، أبو عبد الله ابن إبراهيم البكري العباسي.
محنته ودخوله غرناطة
غرَّبه أمير سبتة اليانشتي؛ الملقب بالواثق بالله؛ غاصاًّ به لجلالته وأهليته، وكونه قد عُرضت عليه فأباها؛ فدخل الأندلس في شعبان عام أحد وأربعين وستماية؛ فنزل ألمرية وأقام بها إلى المحرم من سنة ثمان وأربعين، وأخذ عنه بها عالم كثير. ثم انتقل إلى مالقة في صفر من هذه السنة؛ ودخل غرناطة، فأخذ عنه جميع طلبتها إلاّ النادر.
قال الأستاذ أبو جعفر الزبير: وقرأَت إذ ذاك عليه، وكان يروم من مالقة، الرجوع إلى بلده، ويحوم عليه، فلم يُقض له ذلك، وأقام بها يؤخذ عنه العلم، إلى أن أتته منيَّته.
مولده
بسبتة؛ يوم الخميس لخمس خلون من رمضان إحدى وسبعين وخمسماية.
وفاته
توفي بمالقة؛ ضحوة يوم الخميس لليلة بقيت من رمضان تسع وأربعين وستماية. نفعه الله بشهادة الموت غريقاً.
علي بن عبد الله
ابن محمد بن يوسف بن أحمد الأنصاري؛ فاسي المولد؛ أصله منها قديماً؛ ومن مراكش حديثاً؛ يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن قَطْرال.
حاله
كان ريان من الأدب، كاتباً بليغاً دمث الأخلاق، لين الجانب، فقيهاً حافظاً، عاقداً للشروط مقدماً في النظر فيها، كتب طويلاً عن قاضي الجماعة بمراكش، أبي جعفر بن مضاء، ثم عن أبي القاسم بن بقي، وأسنَّ ممتعاً بحواسه.
مشيخته
روى عن: أبوي بكر بن الجد، وابن أبي زمنين، وأبي جعفر بن يحيى ولازمه كثيراً. وأبي الحجاج بن الشيخ، وأبوي الحسن بن كوثر ونجبه، وأبي الحسن يحيى ابن الصائغ، وأبي خالد بن رفاعة، وأبي عبد الله بن حفص، وابن حميد، وابن زرقون، وابن سعادة الشاطبي، وابن عروس، وابن الفخار، وأبي العباس، وابن مضاء، ويحيى المجريطي، وأبي القاسم بن بقي، وابن رشد الوراق، وابن سمحون، وابن غالب، وابن جمهور، وابن حوط الله، وعبد الحق بن بونة، وعبد الصمد. وروى عنه إبناه: أبو عبد الله، وأبو محمد، وأبو عبد الله بن الأبار، وأبو محمد بن بَرْطَلة، وأبو محمد بن هارون الطائَي، وأبو يعقوب بن عقاب.
قال ابن عبد الملك: وحدثنا عنه من شيوخنا أبو الحجاج بن حكم، وأبو الحسن الرعيني، وأبو الطيب صالح بن شريف، وأبو القاسم العَزَفي.
محنته
وامتُحن بالأسر، وهو قاض بأُبَّدة؛ حين تغلب العدو الرومي عليها؛ إثر وقيعة العقاب؛ وذهب لأجل ذلك أصول سماعه، وافتُكَّ بمشاركة الوزير أبي سعيد بن جامع، ويسر الله عليه، فثاب جاهه، واستقام أمره، وقدم للقضاء بمواضع نبيهة.
دخوله غرناطة
قال: دخل غرناطة، وأقام بها، وقرأ على: أبي محمد عبد المنعم بن الفرس، وأبي بكر بن أبي زمنين، وأبي عبد الله بن عروس.
مولده
ولد بفاس سنة ثنتين وستين وخمسماية.
وفاته
وتوفي عفا الله عنه يوم الإثنين لإحدى عشرة خلت من جمادى الأُولى عام أحد وخمسين وستماية بمراكش.
((إنتهى اختصار السفر العاشر بحمد الله تعالى؛ يتلوه؛ ومن السفر الحادي عشر ترجمة الطاريين في ترجمة العمال والأثرا. والحمد لله رب العالمين)).
ومن السَّفْر الحادي عشر من ترجمة الطاريين
في ترجمة العمال والأثرا.
عمر بن علي
ابن غفرون الكلبي؛ من أهل مُنْتِفريد.
حاله
كان شيخاً مَخْشَوْشن الظاهر بَدَويه، سريع الجواب، جلداً على العمل، صليباً وقاحاً. له ببلده نباهة، وخصل منًّ طلب وخط وحساب. أمَّ ببلده، وانتقل إلى الحضرة عند انتزاء ثغره، وداخل السلطان في سبيل استرجاعه، فنشأت له غمامة رزق ببابه، وأقلته هضبة حظوة، ناطت به ديوان الجيش مدة أيام السلطان، وولي بعده خططاً نبيهة. ثم التأَثت حاله وأسنَّ، ومات تحت خمول.
وجرى ذكره في الإكليل بما نصه: شيخ خَدَم، قام له الدهر فيها على قدم، وصاحب تعريض، ودهاء عريض، وفايزٌ من الدولة بأيادٍ بيض، خدم الدولة النصرية ببلده عند انتزاء أهله، وكان ممن استتزلهم من حزنه إلى سهله، وحكم الأمر الغالبي في يافعه وكهله، فاكتسب حظوة أرضته، ووسيلة أرهفته وأمضَّته، حتى عظم ماله واتسقت آماله. ثم دالت الدول، ونكرت أيامه الأول، وتقلب من يجانسه، وشقي بكل من كان ينافسه، فجفَّ عوده، والتأَثَتْ سعوده، وهلك والخمول يطلبه، والدهر يقُوتُه، من صُبابة حرث كان يستغله.
شعره
وله شعر لم يثقفه النظر، ولا وضَحت منه الغُرر. كتب للسلطان أمير المسلمين مُنْفق سوق خدمته ومتغمده بنعمته، يطلب منه تجديد بعض عنايته:
يا ملكاً ساد ملوك الورى
في الحال أو في الأعصر الخالية
العبد لا يطلب شيئاً سوى
تجديد خط يدك العالية
ومن شعره يخبر عن وداده، ويعلن في جناب الملوك الغالبيين بحسن اعتقاده:
حُبُّ الملوك من آل نصر ديني
ألقى به ربي بحسن يقيني
هو عدتي في شدتي وذخيرتي
وبه يتحسبني غدا ويقين
حتى أبى الحشر لم أخدم سوى
أبوابهم بوسيلة تكفين
أرجو نفاد العُمْر في أيامهم
من تحت ستر رعاية تُرضين
إن كان دهري في نافدي بعدهم
فالله عز وجل لا يُبقْين
وسَلِم في أيام خموله، وانْغَلق على المتغلب على الدولة أبي عبد الله بن المحروق. وقد احتقره ببابه، وأعرض عن جوابه. فكتب إليه، ولم يرهب ما لديه:
يا من سُول وغدا في كل يوم مرارا
أردد علي سلامي ولا تدعه احتقارا
وفاته
قال شيخنا الكاتب، أبو بكر بن شبرين رحمه الله: وفي ذي حجة من عام أربعة وأربعين وسبعمائة توفي الفقيه أبو علي بن غفرون؛ من أهل مُنْتفريد من حصون براجلة غرناطة. قدم قديماً بالباب السلطانية؛ في تنفيذ واجب العسكر الأندلسي وإشراف الحضرة وحفازتها. وكان ميمون النقيبة، وجهاً في الناس فاضلاً، رحمه الله.
علي بن يحيى
الفزاري؛ من أهل مالقة؛ بربري النسب؛ فزاريه؛ يكنى أبا الحسن؛ ويعرف بابن البربري.
حاله
كان من أماثل طريقته عدلاً، وعفافاً، وفضلاً لين العريكة، دمث الأخلاق، حسن الخط، جيد الشعر، تَغْلب عليه السلامة والغفلة، تصرف في إشراف مالقة وسواها عمره، محمود الطريقة، حسن السيرة. ومدح الملوك والكبراء.
شعره
مما خاطبني به قوله:
لبابِك أم الآملون ويمموا
وفي ساحَتَي رحماك حطوا وخيُّم
ومن راحَتَيْ كفيك جدواً تهمي
فتروى عطاش من نداك وتنعم
وأنت لما رامُوه كعبةّ حَجَهم
إذا شاهدوا مرآك لبُّوا وأحرم
يطوفون سَبْعاً حول بابك عندما
يلوح لهم ذاك المقامُ المعظَّم
فيمناك يمن الرعايا ومنةٌ
ويسراك يسراً للعفاة ومغنم
ولقياك بشر للنفوس وجنَّة
تزقُّ بها وِرْق المُنّا وترنَم
فيا واحدَ الأزمان علْماً ومَنْصباً
ومن به الدنيا تروق وتبسم
ومَنْ وجهه كالبدر يُشْرق نوره
من جوده كالغَيْث بل هوأكرم
ومن ذكرُه كالمسك فُضَّ ختامه
وكالشمس نوراً بشره المتوسَّم
لقد حُزْت خَصل السَّبق غير مُعاند
فأنت على أهل السباق مُقّدَمَ
حويت من العلياء كل كريمة
بها الروض يندى والربى تتبسم
وباهيت أقلام المقام براعة
فلا قلمٌ إلا يراعك يخدم
وإذا فاخرالأمجاد يوماً فإنما
لمجدك في حال الفخار يُسلم
وإن سكتوا كنت البليغَ لديهمّ
يعبَر عن سر العُلى ويُترجم
ومنها:
فيا صاحِبَيْ نجْواي عُوجاً برامَةِ
على رَبْعه حيث النَّدى والتَّكرم
وقولاً له ببابك يرتجي
قضاءُ لُبانات لديك تتمم
وليس له إلا علاك وسيلة
ولا شيء أسمى من علاك وأعظم
فجد بالذي يرجوه لمنَّك فما له
كعقدٍ ثمين من ثنايك يُنظم
بقيتَ ونجم السَّعد عندك طالع
يضيء له بدرٌ وتشرقَ أنْجمُ
وقال مراجعاً القاضي أبا عبد الله بن غالب رحمه الله: الله:
وما كنتُ عن ذكرالأحبة سالياً
ولا عن هوى بيض الدما برغيب
فلما أتتني رقعة بلبلية
شغلت بها عن منٍزل وحبيب
وقبلتها ألفاً وقلت لها أنعمي
صباحاً وممسى بالقبول وطيب
فيا حسن خطٍّ جاء من عند بارع
ويا سحر لفظٍ من كلام أديب
وإن قريضاً لم يحكه ابن غالب
لخلو من الآداب غير عجيب
وفاته
بمالقة في الطاعون عام خمسين وسبعمائة.
الزهاد والصلحاء والصوفية والفقراء
عتيق بن معاذ
ابن عتيق بن معاذ بن سعيد بن مقدم بن سعيد بن يوسف بن مقدم اللخمي من أهل غرناطة؛ يكنى أبا بكر؛ الشيخ الصوفي،
حاله
هذا الرجل فذ الطريقة في الخصوصية والتخلّيَ، وإيثار الانقطاع والعُزلة، طرفة في الوقار والحشمة. نشأ بغرناطة وطلب بها، وكتب بألمرية عن بعض ولاة قصبتها، وعُني بمطالعة أقوال الصوفية، فآثر طريقهم، وعوَّل عليه، وتجرد وترك التسبُّب، والتزم منزله، بحيث لا يريمه إلا لصلاة الجمعة في أقرب محاَلّها وإليه، نظيف البزة، حسن السَّمت، مليح الترتيب والظَّرف، طيب المجالسة، طُلَعة مُتْعة، إخباري، يصل ماضي الزمان بمستقبله، جليس مصلى، ومُجيل سبحة كثير الزوار، ممن يلتمس الخير، وينقر عن أهله، محظوظ المجلس حفي بالوارد، ذاكر، مأثرة من مآثر بلده.
مشيخته
أخذ عن الخطيب الصالح ولي الله أبي عبد الله الطَّنجالي، والخطيب المحدث أبي عبد الله بن رشيد، والأستاذ النظار أبي القاسم بن الشاط، والخطيب الصالح أبي جعفر بن الزيات، والشيخ الأستاذ أبي عبد الله بن الفخار الأرْكَشي نزيل مالقة، والوزير الراوية أبي عبد الله ابن ربيع الأشعري، والعدل الرواية أبي الحسن بن مستقور، والأستاذ المقري أبي جعفر الجزيري الضرير، والخطيب أبي عبد الله بن الخشاب، والخطيب المقري أبي إسحاق بن أبي العاصي، والشيخ والمحدث أبي تمام غالب ابن حسن بن غالب الجهاري، والقاضي المُسِن أبي جعفر الشاطبي، والقاضي المحدث أبي المجد يوسف بن الحسن بن أبي الأحوص، والأستاذ المحدث أبي القاسم بن جابر، وأخيه المحدث أبي جعفر، والقاضي أبي جعفر بن أبي جبل، والأستاذ الصوفي أبي محمد بن سلمون، والشيخ الشريف أبي الحسن علي بن جمرة بن القاسم الجهني، والأستاذ المقري أبي عبد الله بن بيبش العبدري، والشيخ المكتب أبي عمرو عبد الرحمن بن يُشت، والشيخ الراوية المحدث الرحال أبي عبد الله بن جابر الوادَ آشي الملقب من الألقاب المشرقية بشمس الدين، والخطيبين أبوي الحسن ابن فرحون، وابن شعيب، والقاضي أبي الحسن البلوي، والأستاذ المقري...
محنته
ناله امتحان من بعض القضاة ببلده حَمْلاً عليه، وإنكاراً لما امتاز به من مثلى الطريقة، أداه إلى سجنه، ومنع الناس عن لقايه. وهو الآن بحاله الموصوفة، قد ناهز السبعين تمرّ [الناس] تلتمس بركته، وتغشى لطلب الدعاء خلْوته.
علي بن علي
ابن عتيق بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز الهاشمي؛
من أهل غرناطة؛ ويعرف بالقُرَشي.
حاله
كان رحمه الله على طريقة مثلى حياءً، ووقاراً وصمتاً، وانقباضاً وتخلُّقاً وفضلاً، عاكفاً على الخير، كثير الملازمة لكسر البيت، مكباًّ على المطالعة، مؤثراً للخلوة، كلفاً بطريق الصوفية. كتب الشروط لأول أمره، فكان صَدْراً في الإثبات، وعلماً في العدول، إلى لين الجانب، ودماثة الخلق، وطهارة الثوب، وحسن اللقاء، ورجوح المذهب، وسلامة الصدر. قيد الكثير، ولقي في تشريقه أعلاماً أخذ عنهم. وتقدَّم خطيباً وإماماً بالمسجد الأعظم في غرناطة، عام أحد عشر وسبعماية، واستمرت حاله إلى حين وفاته، على سنن أولياء الله الصالحين.
مشيخته
قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزُّبير، ولازمه وتأَدَّب به، وتلا عليه بالقراءات السبع، وسمع كثيراً من الحديث، وعلى الخطيب الولي أبي الحسن بن فضيلة، والشيخ الخطيب أبي عبد الله بن صالح الكناني. سمع عليه الكثير. قال أنشدني الخطيب أبو محمد بن بَرْطلة:
أسْلَمني للبلاءِ وحيداً
من هو في مُلْكه وحيد
قضا علَّي الفناءَ حتماً
فلم يكن عنه لي مَحيد
وكيف يبقى غريق نزى
فذاته أولاً صعيد
يعيد أحواله إليه
من نعته المُبدْي المعيد
وأخذ عن الشيخ الراوية المحدث أبي محمد بن هرون الطايي، والشيخ الراوية المعمر أبي محمد الخلاسي، والشيخ الشريف تاج الدين أبي الحسن العرامي، والشيخ المحدث الإمام شرف الدين أبي محمد عبد المؤمن الدمياطي، والشيخ رضيّ الدين الطبري، والمحدث الحافظ فخر الدين التودري الميكالي. قال: وأنشدني من لفظه بالحرم الشريف؛ لشيخه الإمام أبي الحسن الخزرجي:
عن أهَيل المنحنى لا أصبر
فاعذلوني فيهم أو فاعذروا
هم أحباب وإن هم عذَّبوا
ومُنَاي وصَلوا أم هجروا
والشيخ المحدّثَ المُفْتي بالحرم الشريف رضي الدين محمد بن أبي بكر بن خليل. قال: وأنشدني لبعض شيوخه:
أفي كل وادٍ شاعر ومطيب
وفي كل ناد منبر وخطيب
نعم كثر الأقوام قلَّة ناقد
لهم فتساوى مخطىء ومُصيب
والشيخ المحدث الإمام أنس الدين بن الإمام قطب الدين القَسْطلاَّني، والأديب الواعظ نفيس الدين بن إبراهيم اللمطي. قال وأنشدني إجازة عن الشيخ الإمام شرف الدين أبي الفضل السلمي المرسي؛ من قصيدة:
إذا جيت ألقى عند باب حاجباً
مُحَّياه من فرط الجهامة حالك
ومن عجيب مغناك جنة قاصد
وحاجبها من دون رضوان مالك
والشيخ الإمام تقي الدين بن دقيق العيد، وأبي العباس بن الظاهري، ومحيي الدين بن عبد المنعم ومحمد ابن غالب بن سعيد الجيَّاني، والخطيب الجليل أبي عبد الله بن رُشيد من أهل المغرب. وكتب له الشريف أبو علي الحسن بن أبي الشرف، والعدل أبو فارس الهواري، وأبو القاسم بن الطيب، وأبو بكر بن عبيدة، وأبو إسحق الغافقي، وأبو عبد الله الدّراج، وأبو الحكم مالك بن المرحّل، وأبو إسحق التّلَمساني، وغيرهم.
تواليفه
صنّف في التصوف كتاباً سماه ((مطالع أنوار التحقيق والهداية))، وكتاباً في غرض ((الشفا)) العياضي. ومن شعره، ثبت بظهر الكتاب المسمى ((بالموارد المستعذبة))؛ من تأليف شيخنا أبي بكر بن الحكيم ما نصه:
كتابك ذا من هوته المفاخر
سنا وسناً راق منه زواهر
لقد جاء كالعقد المنظم ناثراً
فرايد قسٍّ عنك في ذا قاصر
بلاغته في القوم تشهد عندما
تشكك فيه أنه عنك صادر
فللَّه من روض أنيق غصونه
بما تتمنا فَزِاه وزاهر
فما شيته تجده فيه فإنه
لناظره بحر بها هو زاخر
فُنُهنيكم يابن الألى شاع مجدهم
قيادكم مجد بذاتك آخر
أتيت بما فيه انبتّ حياة من
حوته على مر الدهور المقابر
وأبديت فيه سحر لفظك رائقاً
تلذُّ به الأجفان وهي سواهر
ومتَّعتُ طرفي فيه لازلت باقياً
ونحا بك ربَي يوم تبلى السراير
وخصَّك مني بالسلام مّردَداً
عليك مدى الدنيا وما طار طاير
مولده
ي حدود سنة سبع وستين وستمايه:
وفاته
في صفر في عام أربعة وأربعين وسبعماية. وكانت جنازته بالغة أقصى مبالغ الاحتفال، وتزاحم الناس على قبره بما بعد العهد به. وممن رثاه شيخنا أبو الحسن بن الجياب فقال:
قضى الأمر يا نفس اصبري
صبر تسليم لحكم القدر
وعزاءً يا فؤادي إنه
حكم ملك قاهر مقتدر
حكمة أُحكمت تدبيرها
نحن منها في سبيل السَّفر
أجل مقدر ليس بمس
تقدم ولا مستأخر
أحسن الله عزاء كل ذي
خشيةّ لربَه في عمر
في إمامنا التقي الخاشع ال
طاهر الذات اّلزَّكي السَبر
قُرشي سليمن مستقى
من صميم الشَّرف المطَهَّر
يشهد الليل أنه
دايم الذكر طويل السَّهر
في صلاة بعثت وفودها
زمر المصطفى من مُضز
نايماً وراكعاً وساجداً
لطلوع فجره المُنْفجر
جمع الرحمن شملنا غداً
بحبيب الله خير البشر
وتلقته وفود رحمة ال
له تأتي بالرضا والبشر
علي بن أحمد
ابن محمد بن عثمن الأشعري؛ من أهل غرناطة؛ يكنى أبا الحسن؛ ويعرف بابن المحروق
أوليته
قد مر ذلك عند ذكر عمه وجده.
حاله
هذا الرجل شيخ الفقراء السَّفَّارة والمتسببة بالرّبَاط المنسوب إلى جدّهَ، وهو مقيم الرسم، حاجٌّ رحَّال، عارف بالبلاد، طواف على كثير من مشاهير ما عُرف الإصطلاح. وزار تُرب الصالحين وصحب السَّفارة، حسن الشكل، أصيل البيت، حافظ للترتيب، غيور على الطريقة، محظوظ العقد، مجانبٌ للإغمار، منافر لأهل البدع، مكبوحٌ عن غلو الصافنة، أنوف، مترفَّع، كلف بالتجلَّة، يرى لنفسه الحق ولا يفارق لحظ، خطيب متعاط لمواقف الإطالة، وسرد الكثير من كلام الخطباء عن غير اختيار، يطبق المفصل، ويكافي الغرض المقصود، على شرود عن قانون الإعراب، حسن الحديث، طبقة للرَّسم الدنيوي، من هذا الفن كثرة، وحسن بزَّة، ونفاذ أمره، ونباهة بيته، وتعاطياً لنتايج الحَلْوة.
محنته
قبض عليه المتغلب على الدولة؛ وأزعجه بعد الثّقَاف في المُطْبق، إلى مرسى ألمرية، إتهاماً بممالأة السلطان، فامتعض له من أهل مدينة وادي آش، وتبعهم المشيخة على المجاهرة، فاستنقذوه، وكاشفوا المتغلب إذ كانوا على أرقاع الخلاف عليه، وعاجل الأمر تصير الملك لصاحبه، فعاد الشيخ إلى حاله، فهي معدودة عنه من أثر التصريف.
مشيخته
ومن خطه نقلت؛ قال: ولدت في اليوم الحادي والعشرين لرجب عام تسعة وسبعماية، ولبست الخِرفة من يد الشيخ الفقيه الخطيب البليغ الولي الشهير، أبي علي عمر بن محمد بن علي الهاشمي القرشي في أوايل ذي قعدة من عام خمسة وثلاثين وسبعماية. وحدثني بها رحمه الله عن الشيخ الزاهد أبي محمد الخلاسي عن شرف الأيمة أبي عبد الله بن مَسْدي عن الشيخ الكبير أبي العباس بن العريف عن أبي بكر عبد الباقي بن برال، عن أبي عمرو الطَّلمنكي، عن أبي عمرو بن عون الله وأبي على الحسن بن محمود الجرجاني عن أبي سعيد بن الأعرابي، عن أبي محمد سالم محمد بن عبد الله الخراساي، عن الفضل بن عياض، عن هشام بن حسان ويونس بن عبيد، عن أبي الحسن بن الحسن البصري، عن الحسن البصري، عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. ثم رحلتُ إلى المغرب، طالباً في لقاء أهل الطريقة راغباً، فلقيت به من أعلام الرجال جملة يطول ذكرهم، ولا يُجْهل قدرهم. ولما توجهت إلى المشرق، لقيت به أعلاماً وأشياخاً كراماً، لهم طرق سنية، وأحوال سنية، أودعت ذكرهم هذا طلباً للاختصار، وخوفاً من سآمة الإكثار، وكان اعتمادي فيمن لقيت منهم في أيام تجريدي واجتهادي، بعد إيابي من قضاء أربي، من حج بيت الله الحرام، وزيارة قبر النبي، عليه الصلاة والسلام، على من بهديه أستنير، واعتمد عليه فيمن لقيت وصحبت، وإليه أشير سيدي الشيخ الكبير الجليل الشهير وحيد عصره وفريد دهره، جمال الدين أبو الحجاج الكوراني جنساً، والتميمي قبيلة، والكلوري مولداً، والسهروردي خرقةً وطريقة ونسبة، وهو الذي لقنني، وسلكت على يده، وقطعت مفاوز العُزلة عنده، مع جملة ولده. وحدثني رضي الله عنه أنه لقنه الشيخ الفقيه العارف أبو علي الشمشري هو والشيخ الإمام نجم الدين الإصبهاني، والشيخ نجم الدين، والشيخ بدر الدين الطوسي، لقنا الفقيه محسناً المذكور، والشيخ بدر الدين، لقنه الشيخ نور الدين عبد الصمد النصيري، والشيخ عبد الصمد، لقنه الشيخ نجيب الدين بن مرغوش الشّيَرازي، والشيخ نجيب الدين لقنه الشيخ شهاب الدين السَّهروردي، والشيخ شهاب الدين، لقنه عمه ضياء الدين أبو الحسن السهروردي، والشيخ ضياء الدين فرج الزنجاني. والشيخ فرج الزّنجَاني، لقنه أبو العباس النهاوندي، والشيخ أبو العباس، لقنه أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي، والشيخ أبو عبد الله لقنه أبو محمد رديم، والشيخ أبو محمد لقنه أبو القاسم الجنيد، والشيخ أبو القاسم لقنه سري السَّقطي، والشيخ سري لقنه معروف الكرخي، والشيخ معروف لقنه داود الطائي، والشيخ دواد لقنه حبيب العجمي، والشيخ حبيب لقنه الإمام الحسن البصري، والشيخ الحسن لقنه الإمام علي بن أبي طالب. ولبست الخرقة من يد الشيخ أبي الحجاج المذكور بسند التلقين المذكور إلى أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه إلى جعفر الحذاء، إلى أبي عمر الإصطخري، إلى شفيق البلخلي، إلى إبراهيم ابن أدهم. إلى موسى بن زيد الراعي، إلى أويس القرني، إلى أميري المؤمنين عمر وعلي رضي الله عنهما، ومنها إلى سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه وسلم، وذلك في أوايل عام ثلاثة وأربعين وسبعماية. وقد ألفت كتاباً جمعت فيه بعض ما صدر من أورادي، أيام تجريدي واجتهادي، محتوياً على نظم ونثر، مفرغاً عن كلام الغير، إلاّ مقطوعة واحدة لبعض المتصوفة، فإني سقتها على جهة لكونها غاية في الاحتفال وهي:
قل لمن طاف بكاسات الرضا
وسقى العشاق مما قد نهل
وسميت الكتاب ب((نكت الناجي، وإشارات الراجي)). ولعل ذلك يكون اسماً وافق مسماه، ولفظاً طابق معناه، وإلى ما ذكرت من النكت، أشرت بما نظمت فقلت:
في كل واحدة منهن أسرار
لا تنقضي ولها في اللفظ أسرار
إن رمت حصر معانيها بما سَمِعَت
أذناك ليس لها بالسمع إخصار
فاصحب خبيراً بما يرضى الحجاب
ستارها وكذلك الحر ستار
ولعله يكون إن شاء الله كما ذكرته، وأعرّفَ بما أنشدته. ولي جملة قصائد وأزجال منظومة على البديهة والارتجال، نطق بها لسان المقال، معرباً عما وجدته في الحال، قصدت بها الدخول مع ذلك الفريق، وأودتها غوامض أسرار التحقيق. فمن بعض نكت الكتاب، ما يعجب منه ذوو الألباب، نكتة سر الفقير، يشير إليه بجميع الكائنات، فلا حديث معجم، ولا موجود مبهم، فهو إذا يتكلم دون حده وبلسان وجده، والفقيه يتكلم فوق قدره وبلسان غيره، وهذا ما حضرني في الوقت، مع مزاحمة الشواغل، فتصفحوا، واصفحوا، وتلمحوا واسمحوا. ولكم الفضل في قبول هذه العجالة واليسير من هذه المقالة. انتهى.
ومن الطاريين
علي بن عبد الله
النميري الشَّشْتَري؛ عروس الفقراء، وأمير المتجردين، [وبركة الأندلس؛ لابس العباءة الخرقة]؛ أبو الحسن؛ من أهل شِشْتر؛ قرية من عمل وادي آش معروفة. وزقاق الششتري معروف بها. وكان مجوّدَاً للقرآن، قايماً عليه، عارفاً بمعانيه، من أهل العلم والعمل.
حاله
قال شيخنا أبو عثمان بن لُيون في صدور تهذيبه لرسالته العلمية: الإمام الصوفي المُتَجرّدَ. جال [البلاد] والآفاق، ولقي المشايخ، وسكن الرُّبُط وحج حجات، وآثر التجرَّد والعبادة. وذكره القاضي أبو العباس الغُبْريني، قاضي بجاية، [في كتابه المسمى عنوان الدّرَاية فيمن عُرف في المائة السابعة بمدينة بجاية] وقال: الفقيه الصوفي الصالح العابد، أبو الحسن الشّشَتري من الطلبة المحصّلَين، والفقراء المنقطعين، له علم [وعمل] بالحكمة، ومعرفة بطريق الصوفية، وله تقدم في النظم والنثر، على طريقة التحقيق. وأشعاره في ذلك، وتواشيحه ومُقَفَّياته وأزجاله، غاية في الانطباع. وكان كثيراً ما يجود عليه القرآن. ونظمه في التحقيق كثير.
مشيخته
أخذ عن القاضي محيي الدين أبي القاسم محمد بن إبراهيم بن الحسين بن سراقة الأنصاري الشاطبي، وعن غيره من أصحاب السُّهْرَوردي صاحب العوارف والمعارف. واجتمع بالنجم بن إسرايل الدّمَشقي؛ الفقير سنة خمس وستماية. قال: ألفيته على قدم التجرد، وله أشعار وأذواق في طريق القوم، وكان من الأمراء وأولاد الأُمراء، فصار من الفقراء وأولاد الفقراء، وخدم أبا محمد بن سبعين، وتلمَّذ له. وكان الشيخ أبو محمد دونه في السّنَ، لكن استمر باَتّباعه، وعول على ما لديه، حتى صار يعبر عن نفسه في منظوماته وغيرها، بعبد الحق بن سبعين، وبه استدل أصحاب أبي محمد على فضله. ويقال إنه لما لقيه يُريد المشايخ، إن كنت تريد الجنة، فصر إلى الشيخ أبي مدين، وإن كنت تريد رب الجنة فهلم. ولما مات الشيخ أبو محمد، انفرد بعده بالرياسة والإمامة على الفقراء والمتجرّدَين والسَّفَّارة، وكان يتبعه في أسفاره ما ينيف على أربعماية فقير، فيقسمهم الترتيب في وظايف خدمته.
كراماته
قالوا: نادى يوماً وهو مع أصحابه في برّيَة، يا أحمد، فقال أحدهم: ومن هذا؛ فقال: تُسرُّون به غداً. فلمّا وردوا من الغد قابِس؛ وجدوا أحمد قد جاء من الأسر، فقال: صافحوا أخاكم المُنَادى بالأمس. قالوا: ودخل عليه ببجاية، أبو الحسن بن علاَّل من أمنايها، وهو يذكر في العلم، فأعجبته طريقته، فنوى أن يؤثر الفقراء من ماله بعشرين دنيراً. ثم ساق شطرها، وحبس الباقي ليزودهم به، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في النَّوم، ومعه أبو بكر وعمر، فقال: ادعُ لي يا رسول الله، فقال لأبي بكر أعطه، فأعطاه نصف رغيف كان بيده، فقال له الشيخ في الغد: لو أتيت بالكل، لأخذت الرغيف كله.
تواليفه
له كتاب: ((العروة الوثقى في بيان السنن وإحصاء العلوم)). وما يجب على المسلم أن يعمله ويعتقده إلى وفاته. وله ((المقاليد الوجودية في أسرار إشارات الصوفية))، وله ((الرسالة القُدسية في توحيد العامة والخاصة)). و((المراتب الإيمانية والإسلامية والإحسانية)). و((الرسالة العلمية))، وغير ذلك.
دخوله غرناطة
دخلها ونزل برابطة العقاب، وتكرَّر إليها، إذ بلده من عِمالتها.
شعره
من ذلك قوله:
لقد تِهْت عُجْباً بالتجرُّد والفقر
فلم أندرج تحت الزمان ولا الدهر
وجاءت لقلبي نفحةٌ قدسية
فغبت بها عن عالم الخلق والأمر
طويتُ بساط الكون والطيُّ نشرهّ
وما القصد إلا الترك للطيَ والنَّشْر
وغمضتُ عين القلب عن غير مُطلّق
فألفيتني ذاك الملقب بالغير
وصلتُ لمن لم تنفصل عنه لحظة
ونزَّهت من أعني من الوصل والهجر
وما الوصف إلا دونه غير أنني
أريد به التشبيه عن بعض ما أدري
وذلك مثل الصوت أيقظ نايماً
فأبصر أمرا جل عن ضابط الحصر
نقلت له الأسماء تبغي بيانه
فكانت له الألفاظ ستراً على ستر
ومن شعره أيضاً قوله في الغرض المذكور:
من لامني لو أنه قد أبصرا
ما ذقته أضحى بّه متحيَرا
وغدا يقول لصحبه إن أنتم
أنكرتم ما بي أتيتم منكرا
شذَّت أمور القوم عن عاداتهم
فلأجل ذاك يقال سحر مفترى
ومن شعره القصيدة الشهيرة ولها حكاية:
أرى طالباً منا الزيادة لا الحسنى
بفكر رمى سهماً فعدّى به عدنا
وطالبَنَا مَطْلوبُنا من وجودنا
يغيب به لدى الصَّعق إن عنَّا
تركنا حظوظاً من حضيض لحوطتنا
إلى المقصد الأقصى إلى المقصد الأسْنى
ولم نلْف كون الكون إلا توهُّماً
وليس بشيءٍ ثابت هكذا الفيْنا
فرفض السَوى فرض علينا لأنَّناُ
أناس بمحو اّلشَرك والشرك قد دنا
ولكن كيف السبيل لرفضه
ورافضه المرفوض نحن وما كنا
فيا قابلا بالوصل والوقفة التي
حُجِبت بها اسمع وارعوي مثل ما أبْنا
تبدت لك الأوهام لما تداخلت
عليك ونور العقل أورثك الشَّجَنا
الشَّجَنا
وسَمَت بأنوار فهمنُا أصولها
ومَنْبَعُها من أين كان فما سُمنا
سُمنا
وقد تحجب الأنوار للعقل مثل ما
تبعدمن إظلام نفس حوت ظعنا
ظعنا
وأتى دجال في القَضِيَّة يدَّعي
وأكمل من في الناس لمنصدع الأمنا
فلو كان سر الله يلحق هكذا
لقال لنا الجمهور ها نحن ما خبنا
وكم دونه من فتنةٍ وبليةٍ
وكم بهمةٍ من قبل ذلك قد جُبْنا
وكل مُقام لا تقُمْ فيه إنه
حجاب فجِدَّ السَّير واستنجد العَوْنا
ولا تلتفت في السَّير وكل ما
سوى الله غيرٌ فاتخذ ذكره حصنا
ومهما ترى كل المراتب تُجْتلى
عليك فحُل عنها فعن مثلها حلنا
وقل ليس لي في غير ذلك مطلب
فلا صورة تجلى ولا طُرفة تجنى
وسِرْ نحو أعلام اليمين فإنها
سبيلٌ بها يمنٌ فلا تترك اليُمْنا
أمامك هول فاستمع لوصيَّتي
عِقال من العَقل الذي منه قد تبنا
أيام الورى بالمشكلات وقبلهم
بأوهامه قد أهلك الخرَّوالبنَّا
محجَّتنا قطع الحجا وهو حجُّنا
وحُجَّتُنا شلوه ها بها همنا
يثبتنا عند الصعود لأنه
يوَدُّ لأنا للصَّعيد قَد أخْلدنا
تلوح لنا الأطواق منه ثلاثة
كرآ هربن ورؤية ما قلنا
ويظهر باسمه للسَر والنفس مُدبراً
وعقلاً وخيراً مُقبلاً عندما يدنا
ولوح إذا لاحت سطور كتابنا
له فيه وهو النُّون فالقلمالأدنا
وعرش وكرسي وبرج وكوكب
وحشىً لجسم الكل في وصفه حِرْنا
تمر خطوط الذهن عند التفاتنا
حاطته القصوى التي فيه أحضرنا
أحضرنا
مُقْطَعٌ بالأزمان للدهر مثل
يكيف للأجسام من نحلته أينا
أينا
أقام دوين الدهر مدرة ذاته
ونحن ونفس الكل في بحره عُمنا
وفتَّق للأملاك جوهره الذي
يشكَله سرُّ الحروف فحرفنا
يفرق مجموع القضية ظاهراً
ويجمع فرقاً من تداخله فزنا
وعدَّد شيئاً لم يكن غير واحد
بألفاظ أسمايها شّتَت المعنى
ويعرَج والمعراج منه ذواته
لتطويره العُلويّ بالوسم أسرينا
فليفلَّ سفلياً ويوهم أنه
لسفليِّه المجهول بالذات أسبطنا
يقدر خصلاً بعد وصل لذاته
وفَرْض مسافات يجد لها الذهنا
يحل لها طور المغبة شكله
وإن لمعت فيه فيلحقه المفنا
ويلحقه بالشَّرط من مُثْنويَّة
يلوح بها وهو الملوح والمَبْنَا
فنحن كدُود الّقَزَ يحصُرنا الذي
صنعنا بدفع الحصر سجناً لنا منا
فكم واقفٍ أردى وكم ساير هذا
وكم حكمة أبدى وكم مملق أغنى
وتيِّم أرباب الهرامِس كلهم
وحَسْبك من سقراط أسكنه الدِّنَّا
وجرد أمثال العوالم كلها
وأبدى لأفلاطون في المثل الحسنى
وهام أرسطو حتى مشى من هيامه
وبثَّ الذي ألقى إليه وما ضَنَّا
فكان لذي القَرْنين عوناً على الذي
تبدَّا به وهو الذي طَلَيْنه العينا
ويفحص عن أسباب ما قد سَمِعْتُم
وبالبحث غطَّى العين إذ رَّده عينا
وذوَّق للحلاّج طعمّ اتَحاده
فقال لنا من لا يُحْبط به معنى
فقال له ارجع عن مقالك قال لا
شربت مُداماً كل من ذاقها غَنَّى
وانطق للشٌّبلي بالوحدة التي
أشار بها لما محا عنده الكونا
أقام لذات الصُّغرى لنا حولها
يخاطب بالتَّوحيد إذ رده خدنا
وكان خطا بابين ذاتين من يكن
فقيراً يرى البحر فيه قد عمنا
فاصمت للحُسْنِيِّ تجريد خلقه
مع الأمر إذا صحت فصاحته لُكْنا
تثنى قضيب البان من سكر خمره
وكان كمثل العمر لكنهثنَّا
وقد شَذَّ بالشُّوذيِّ عن ثوبه فلم
يمل نحو أحوازٍ ولا سكن الدنا
وأصبح فيه السهروَرْديِّ حايراً
يُصيخ لما يلقى الوجود لهأذنا
بعُمر بن الفارض الناظم الذي
تجرَّد للأسفار إذ سهل الحَزنا
وّلابن قَسيً خلع نعلي وجوبٍ
وليس أخاً طلب من المجد قد تبنا
أقام على ساق المسرَّة نحله
لمن زمن الأسرار فاستمطر المُزْنا
ولاح سَنَى برق من القرب للسنا
لنجل ابن سينا الذي ظنَّ ما ظنَّا
وقد قلد الطوسي بما قد ذكرته
ولكنه نحو التصوّف قد حَنَّا
ولابن طُفَيْل وابن رشد تيقظٌ
رسالة يقظان اقتضت فتحه الجفنا
الجفنا
كسا لشعيب توب جمعٍ لذاته
فجرّ على حساده الذيل والودنا
والودنا
وعنه طوَّق الطابي بسبط كنانه
بدسكرة الخلاع إذا ذبَّ الوهنا
تسمَّى برفع الروح صبراً ولم
يبل ما يهز نداً في المقام ولا قرنا
وباح به نجل الحر إلى عندما
رأى كتمه ضعفا وتلويحه غَيْنا
وللأمويِّ النَّظم والنثر في الذي
ذكرنا وإعرابٌ كما عنهأعربنا
وأظهر منه الغافقي لما خفى
وكشَّفَ عن أطواره الغيم والدُّجنا
وبين أسرار العبودية التي
عن إعرابها لم ترفع اللَّبْس واللحنا
كشفنا غطاءً من تداخل سرها
فأصبح ظهراً ما رأيتم له بطنا
هوانا الدين الحق من قد تولَّهت
لقربه ألبابنا وله هُدْنا
فمن كان يبغي السَّير للجانب الذي
تقدس لازباً خُذْه عنَّا
وهذه القصيدة غريبة المنزع، وإن لم تَخْل عن شذوذ من جهة اللّسَان، وضعفٍ في الصناعة، أشار فيها إلى مراتب الأعلام من أهل هذه الطريقة وكأنها مبنية على كلام شيخه الذي خاطبه به عند لقايه حسبما قدمنا، إذ الحسنى الجَّنة، والزيادة مقام النظر، فقوله أرى طالباً منا الزّيَادة لا الحسنى، إشارة إلى ذلك والله أعلم. والغافقي الذي ختم به هو شيخنا أبو محمد، وهو مرسي الأصل غافِقيه، رحم الله جميعهم، ونفعنا بأولي الحَظْوة لديه.
نثره
وكلامه حسن، ومقاصده غريبة، رضي الله عنه، ونفع به. كتب إليه الشيخ الصوفي أبو علي بن تادْررْت؛ لما سافر ولم يودّعَه، وكان قد قال له، أغيب عنكم أياماً قلائل وأعود إن شاء الله فأبطأ عنه: ((بسم الله الرحمن الرحيم، الله وحده فقط ليس إلا وصلواته على ملإه المقرب الأعلى، وعلى سيدهم الخاتم محمد وآله الهُداة، وسلامُه الحق يخص العليم بسرّهَ، في عالم الفرق، ورحمته وبركاته، من أخيه حقيقة في العوالم الأول، لا في عالم العلم الحق، من حيث هو موضوعه بحسب الإضاية، بمنزله من مدينة بنى مدار عمرها الله وأرشدهم، وليس إلا أنى نعتبكم عرفاً وعادةً، لسفركم دون مُوادعة، بخلاف سيرتكم الأولى من المشرق الأقصى، إلى المغرب الأقصى، وأما بكون حقيقة الأمر الموحد فلا عتب، بل نقرأ على الماهية سورة الإخلاص، التي تُوحيدها المحض أحاط وأحصى. ثم وعدتم أنكم ولابَّد لا تطول إقامتكم ببجاية كلأها الله، إلاّ ليال قليلة العدد، تأخذون فيها كتبكم وتنفصلون قافلين في أسرع أمد. ثم ظهر غير ذلك من الإقامة إلى هذه المهلة، التي نبا كما عندنا الزمان. وقد ورد من أناس بالَتّواتر، أنكم ولابد تصومون هنالك رمضان المعظم على الأمان، فقلنا لحظ البشرية الحيوانية. وعلمنا أن الأمر ليس سراً لأجل القضايا الحكمية الطَّلَبية، والمقادير العلمية السرّيَة. ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا يُسل عما يفعل، وهم يُسألون في دهره وزمنه، يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب. ولكنا أيضاً نقرأ، والله لا يخلف الميعاد. وقد يكون غير الوفاء بالعهد في الخلف
لمصالح فيها ﴿وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
والله يفعل ما يشاء. ولا تكن معترضاً. فلا تلوم إلا بحسب فرقنا الأول. وأما من حيث الكمالات الثَّواني والأول، فلا لوم ولا عتب، لرفع المثنوية، وإحالة الكثرة والإضافة، حتى ليس إلا الوحدة العلمية المعنوية العلية. وبالجملة الله معكم. ولن يَتركم أعمالكم فإن ما يرفع العمد والعماد.
قال الله: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ
أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، واللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا تَصْنَعُونَ. والرَّغبة إلى ذاتكم الكاملة الوُجُودية، ذات الكمالات العلمية القُدسية، أن تعجلوا لي، إذ وأنتم مقيمون هنالك:
وأين يجد في عليين غرفة
وإن شغلتم عن نسخها
والحق لا يشغله شأن عن شأن، فوجهوا إلي بها بعض الفقراء والإخوان، وأنا أقسم عليك في ذلك يا أخي وسيدي بالسّرَ فقط الذي يشغله أبداً سرمداً الله فقط، وأن تعجل لي بذلك، وتُحيي مَوَاتي، وتجمع أشتاتي، مع كلام تعتنوا لي به من كلامكم تخصُّوني به في كرَّاس مبارك، علَّمني الله العليم الحكيم منكم سرَّ علمه العظيم، وحكمته المحيطة، وكفانا سرَّ هذه العوالم الأرضية المركبة الحطيطة، ونقلنا من البسيطة لغة إلى العوالم الرَّيسة النفيسة البسيطة، ويرقينا به عنها إلى أن نتصل الحظَّ المنفصل للتدبير بنقطته الأولى، وإن كان في الحقيقة، ما انفصل، ويدخلها حضرة عِلمنا المحيط الوُجودي، الذي ليس وراءها محيط إليه يرقى ويتصل. والسلام الحق محض مظهره ومجلاه ومرآته، ورحمة الله وبركاته)).
فراجعه الشيخ أبو الحسن الشّشَتري المترجم به رضي الله عنه بما نصه: ((بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على النبي محمد، المرسل بالحق لإدحاض الشَّك، وإيضاح الغلط، الموصل على أقرب السبيل للحضرة الآلهية، ومن شَطَط المختص بجوامع الكَلَم، المبكت لكل من موَّه وسَفْسَط، المبعوث بكلمة الإخلاص، التي حاصلها الله فقط، ورضي الله عن مظهر الوراثة المحمدية في كل زمان، المترجم عن كنز الوجود الذي طلَّسمه الإنسان، وسلام الله ورحمته على المستمع بأذن أنيته لذلك التُّرجمان، المُتَجوهر بمقام الإسلام والإيمان والإحسان، القاري على أخباره المنبعثة في أرض فرقة، كلُّ من عليها فان، بالمعنى الفقير الباطن، للسَّيار الظاهر، المشير الحايم على سلب الإسمين، الدَّاير على دايرة قاب قوسين المشهور في العالم الأول، بأبي علي الحسين من خبر ماسية، الوارث الطالب لذاته بها للوصل له. وهو به عنه باحث، المنظور في ذات كمالاته، المنعوت بالوافي لا بالناكث، المعتصم بحبل التحقيق، القايل بالحق، عبده علي الشّشَتري، ابن إفادتكم عبد الحق ابن سبعين، أما قبل من حيث الأصل، ومع من حيث الوَصْل، وبعد من حيث الفصل، فإني أقسم بالبدر إذا أدبر، والصبح إذا أسفر، أن النصاب واقع من حيث الصور، لا من حبَّة حقيقة المظهر. فأين هنا أنت أو أنا، أو قبل أو بعد أو هند أو دَعْد، أو خِلْف أو وعد، ولابد من المراح في ميدان الخطاب وبيان المتشابه عليكم، المودع عليكم في هذا الكتاب. فأول عايق عنكم مرض أحد الأصحاب، ولا انفكاك عند وجود هذه القضية، عند كل طايفة سنِيَّة، فما ظنك بالسَّبْعينية، هذا مع وجود وعد مُبين، وزمان معين. ونحن لم نُعيَّن للموضوع وقتاً، ولو عيَّنا لكبر عند الله مُقْتاً. وإنما قلنا أيام قلايل، ويدخل في ذلك الجمعة والشهر والعام القابل. بل برزخ العالم وإنايه عند النحرير العاقل. ثم لو عيَّنا يوماً أو يومين أو جمعتين، ولم يكن، فقلب المؤمن بين إصبعين. أما علمت أن الوعد المزعوم المراد منه الذي تتضمنه، صعقة العمود بالبعد أو بالتواني أو بالحواس أو بالمعاني. والمُسْكر هو الجريال لا الأواني. وأما قضية الوداع، فقد ارتفع بين الفقراء فيها النزاع، ووقع من الصوفية في ذلك الإجماع، أن الاجتماع من غير ميعاد، والافتراق عن غير مشورة، وقول إنه من حيث المذهب لازم بالضرورة، فإن المودع لا يخلق أن يكون من ترية الفرس والسبع، أو في مقام الفردانية والجمع، أو في البرزخ الذي بين المقامين، المُعبَّر عنه عند الصوفية بالفناء. فإن كان في الوَتريَّة، فلا أنت ولا أنا، ولا مودع، وقلة العتب لهذا أليق وأطبع. وإن كان في برزخ الفنا، فمن المُودع هنا، وإن كان في الفرق هنا. وإن كان في الفرق، فترك المودع أقرب إلى الحق لألم التفرقة، الموجود المحسوس، المعترض عند ذلك للنُّفوس. واعلم أن الانفصال كان بالطريق عند من يرى بالانفصال والاتّصَال، ولا نُقْلة عند ذوي الاتصال وأما نكرة عرفة فهي عند الشيخ أبي عبد الله التَّوزري لا عندي، ولو كانت ما ضننت بها بحمد الله لا بحمدي. والسلام على موضوعك ومحمولك وسُلوكك ووصُولك، وجمعك وفَرْقك، وعبوديتك وحقك، بل على جملته الصالحة، ورحمة الله وبركاته)).
وفاته
قالوا إنه لما وصل بالشام إلى ساحل دمياط، وهو مريض مرضه الذي توفي منه، نزل قرية هناك على ساحل البحر الرومي؛ يُصاد فيها السمك، وقال ما اسم هذه القرية، فقيل الطّيَنة، فقال: حنت الطينة إلى الطينة؛ ووصى أن يدفن بمقبرة دمياط، إذ الطينة بالمفازة بالساحل، ودمياط أقرب المدن إليها، فحمله الفقراء على أعناقهم، فتوفي بها يوم الثلاثاء سابع عشر صفر عام ثمانية وستماية، ودفن بمقبرة دمياط.
وفي ساير الأسماء من حرف العين الأعيان والوزراء والأماثل
والكبراء
عامر بن محمد
ابن علي الهنتاتي؛ رييس مُتَبَّوإ قبيلةٍ؛ من جبل دَرَن، ومِزْوار المصامدة، والمُطْلقة يُده على جباية الوطن المراكشي، يكنى أبا ثابت.
حاله
هذا الرجل حسن الشكل، حصيف العقل، ثابت الجأش، معروف الأمانة والصدق، عفيف الفرج، مؤثر للجد، ماضي الحَذَر بأهل الحكم، نزيه اليد، مشهور بالرَّجاحة، عين من عيون الحدود الغربية، وبقيةٌ من بقايا الجلَّة العلمية، مُسَدَّد اللسان للإبانة عن الأغراض، مختصر البزَّة والحِلية، متوسط الجود، مؤثر للخُصُوصية، بعيد النظر، سديد الرأي.
قدِمْتُ عليه بمحله من الجيل، زايراً متوفى السلطان أبي الحسن، مستجيراً حِماهم، فبلوت من برّهَ، وبر الرييس النَّدِي عبد العزيز أخيه، ما تَقْصُر عنه همم الملوك، وتقف دونه آمال الأشراف، تلقّيَاً واحتفالاً وفرشاً، وآنية، وطعاماً، وصلة وانتخاباً، واحتشاماً، وألطافاً، حسبما يتضمن بسط ذلك كتاب الرحلة من تأليفي.
وأنشدتهم عند رحيلي، وقد رأيت إلى ما يُبْقي الذكر ويخَلّد الآثار شيم السادة، ودَيْدن الروساء:
يا حسنها من أَربُع وديار
أضحت لباغي الأمن دار قرار
وجبال عّزً لا تَذِل أنوفها
إلا لّعزَ الواحد القهار
ومقر توحيُد وأسُّ خلافة
آثارها تُنبي عن الأخْبار
ما كنت أحسب أن أنهار الندى
تجري بها في جُملة الأنهار
ما كنت أحسب أن أنوار الحجا
تَلْتَاح في قنن وفي أحجار
مَجّت جوانبها البرود وإن تكن
شبَّت بها الأعداءُ جذوة نار
هدَّت بناها في سبيل وفائها
فكأنها صرعى بغير عقار
لما توعَّدها على المجد العِدا
رَضِيت بعَيث النار لا بالعار
عَمرَت بحِلّة عامر وأعزَّها
عبد العزيز بمُرهف بتَّار
فرسَا رهان أحرزا قصب الندى
والبأس في طلق وفي مضمار
ورثا عن الندب الكريم أبيهما
محض الوفاء ورفعة المقدار
وكذا الفروع تطول وهي شبيهة
بالأصل في ورق وفي أثمار
أزرت وجوه الصيد من هنتاتة
في جوها بمطالع الأقمار
لله أي قبيلة تركت لها ال
نظراء دعوى الفخر يوم فخار
نصرت أمير المسلمين وملكه
قد أسلمته عزايم الأنصار
وآوت علياً عندما ذهب الرّدى
والروعُ بالأسماع والأبصار
وتخاذل الجيش اللهام وأصبح ال
أبطال بين تقاعُدٍ وفرار
كُفُرت صنائعُه فيمم دارها
مُسْتظهراً منها بعز جوار
وأقام بين ظهورها لا يتقي
وقع الردى وقد ارتمى بشرار
فكأنها الأنصار لما آنست
فيما تقدَّم غرْبة المختار
لما غدا لحظاً وهُم أجفانه
نَابَتْ شِفارهم عن الأشفار
حتى دعاه الله بين بيوتهم
فأجاب مُمتثلاً لأمر البار
لو كان يمنع من قضاء الله ما
خلصت إليه نوافذ الأقدار
قد كان يأمل أن يكافىء بعض ما
أولوه لولا قاطع الأعمار
ما كان يقنعه لو امتد المدا
إلاَّ القيامُ بحقَّها من دار
فيعيد ذاك الماء ذايب فضة
ويعيد ذاك الترب ذوب نضار
حتى تفوز على النوى أوطانها
من ملكه بجلايل الأوطار
حتى يلوح على وجوه وجوههم
أثر الرعاية ساطع الأنوار
ويسوغ الأمل القصي كرامها
من غير ما ثُنْيا ولا استعصار
ما كان يرضي الشمس أو بدر الدجا
عن درهم فيه ولا دينار
أو أن يتّوَجّ أو يقلَد هامها
ونحورها بأهلةٍ ودراري
حق على المولى ابنه إيثار ما
بذلوه من نصرٍ ومن إيثار
فلمثلها ذُخِر الجزاءُ ومثله
من لا يضيع صنائع الأحرار
وهو الذي يقضي الديون وبرُّه
يُرضيه في عَلَن وفي إسرار
حتى تحج محلَّة رفعوا بها
علم الوفاء لأعين النظار
فيصير منها البيتُ بيتاً ثانياً
للطائفين إليه أي بدار
تُغني قلوب القوم عن هدي به
ودموعُهم تكفي لرَمْي جمار
حيُيت من دارٍ تكفَّل سعيها ال
محمود بالزلفى وعقبى الدار
وضفت عليك من الإله عناية
باكر ليل فيك إثر نهار
دخوله غرناطة
دخل الأندلس، وحلَّ بغرناطة في حدود خمسين وسبعماية، وأقام بها أياماً، وقد أسند إليه السلطان أبو الحسن لما رحل عن إفريقية حِفْظ حُرَمه وأسبابه، في مراكب كان استقرارها بسواحل الأندلس وحضر مجلس السلطان، فراق الحاضرين ملقاه، وضمُّ لسانه لأطراف الحديث، وحسنُ تبويبه للأغراض. ولهذا الرجل في وطن المغرب ذكر بعيد، وقد أمسك الأمر مرات، على من استقر لديه من ولد السلطان، ورتَّب له الألقاب والترشيح يُغازله بذلك الوطن. وتنوعت الحال بهذا الرجل، من بعد وفاة السلطان أبي سالم ملك المغرب، وانحاز إليه ولده فقام بدعوته، ورتب له الألقاب بوطن مراكش، ونظر لنفسه أثناء ذلك، فحصن الجبل، واتخذ به القلعة، وأكثر الطعمة والعُدَّة، فلما حاقت بأميره الدَّبْرة، لجأ إلى ما أعده، وهو الآن يزجي الوقت مهادنةً تشف عن انتزاء، والله يهيىء له الخلاص من الورطة، ويتيح له إلى حزب السلامة الفيئة.
ومن الطاريين في القضاة والغرباء
عاشر بن محمد
ابن عاشر بن خلف بن رجا بن حكم الأنصاري؛ بيَّاسي الأصل.
حاله
كان رحمه الله فقيها حافظاً للمسايل، مْفُتياً بالرأي، معروفاً بالفهم والإتقان، بصيراً بالفتوى، شوور ببلده وببلنسية، واستقضاه أبو محمد بن سمحون على باغَة أيام قضاية بغرناطة. إذ كان يكتب عنه ويلازمه، ثم استقضي بمرسية أعادها الله وكان حافظ وقته، لم يعاصره مثله.
مشيخته
روى عن أبيه، وتلا بالسبع على ابن ذروة المُرادي، ولقي أبا القاسم بن النحاس، وأخذ الحديث عن أبي بحر الأسدي، وأبي بكر بن العربي، وأبي جعفر بن جحدر، وأبي الحسن بن واجب، وغيرهم.
مولده
ببيَّاسة سنة أربع؛ وقيل ست وثمانين وأربعماية.
وفاته
توفي بشاطِبة، تسع وستين وخمسماية.
تواليفه
شرح المُدوَّنة؛ مسألة مسألة، بكتاب كبير سماه ((الجامع البسيط وبغية الطالب النشيط))؛ حشد فيه أقوال الفقهاء، ورجح بعضها، واحتج له. قالوا: وتوفي قبل إكماله.
عياض بن محمد
ابن محمد بن عياض بن موسى اليحصبي؛ من أهل سَبْتَة؛ حفيد القاضي العالم أبي الفضل؛ يكنى أبا الفضل.
حاله
من الصّلَة: كان من جلة الطلبة، وذوي المشاركة في فنون من العلوم العقلية وغيرها، فصيحاً، شاعراً، لسِناً، مُفوَّهاً، مِقداماً، موصوفاً بجزالة وحدَّة، امْتُحن بسببها. وكان مع ذلك كثير التَّواضع، فاضل الأخلاق، سريا، مشاركاً، معظماً عند الملوك، مشاراً إليه، جليل القدر. حضر الأندلس أيام قضاء أبيه بغرناطة، وغير ذلك الوقت، وجال فيها، وأخذ بقرطبة وإشبيلية وغيرهما واستقر أخيراً بمالقة، وتأثل بها وبجهاتها أصول أملاك إلى ما كان له.
مشيخته
روى عن أبيه أبي عبد الله، وعن أبي محمد بن عبد الله، وأبي بكر بن الحداد القاضي بسبتة، وأبي القاسم بن بَشْكُوال، وابن حُبَيش، وابن حُمَيد، وأبي بكر بن بيبش الشَّلطيشي، وغيرهم.
من روى عنه
قال الأستاذ: روى عنه جماعة ممن أخذت عنهم، منهم ابنه أبو عبد الله؛ قاضي الجماعة، وأبو العباس بن فرتون، أخذ عنه كثيراً بمدينة فاس.
مولده
قال صاحب الذيل: سألته عن مولده؛ فقال: ولدت في اليوم التاسع عشر من محرم عام واحد وستين وخمسماية بمدينة سبتة.
وفاته
توفي في العشر الوسط من جمادى الآخرة عام ثلاثين وستماية بمالقة. وروضته بها في جنَّة كانت له برَبَضِها الشَّرقي. رحمه الله.
عياض بن موسى
ابن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض بن محمد بن عبد الله ابن موسى بن عياض اليحصبي؛ القاضي الإمام المجتهد؛ يكنى أبا الفضل؛ سبتي الدار والميلاد؛ أندلسي الأصل، بَسْطيه.
أوليته
من كتاب ولده في مآثره، وهو كنَّاش نبيه، قال: استقر أجدادنا في القدم بالأندلس بجهة بسطة، ثم انتقلوا إلى مدينة فاس. وكان لهم استقرار في القيروان، لا أدري قبل حلولهم بالأندلس أو بعد ذلك. وكان عمرون رجلاً خياراً من أهل القرآن، وحجَّ إحدى عشرة حجة، وغزا مع ابن أبي عامر غزوات كثيرة. وانتقل إلى سبتة بعد سكنى فاس. وكان موسراً، فاشترى بها من جملة ما اشتراه الأرض المعروفة بالمنارة، فبنى في بعضها مسجداً، وفي بعضها دياراً حبسها عليه، وهو الآن منسوب إليه، وولد له ابنه عياض، ثم ولد لعياض ابنه موسى ثم ولد لموسى القاضي أبو الفضل المترجم به.
حاله
قال ولده في تأليفه النبيل: نشأ على عفَّة وصيانة، مرضي الخلال، محمود الأقوال والأفعال، موصوفاً بالنُّبل والفهم والحذق، طالباً للعلم، حريصاً عليه، إلى أن برع في زمانه، وساد جملة أقرانه، فكان من حُفاظ كتاب الله، مع القراءة الحسنة، والنَّغمة العَذْبة، والصوت الجهير. والحظ الوافر من تفسيره وجميع علومه. وكان من أيمة الحديث في وقته، أصولياً متكلماً، فقيهاً حافظاً للمسايل، عاقداً للشروط، بصيراً بالأحكام، نحوياً، ريان من الأدب، شاعراً مجيداً، كاتباً غالباً بليغاً، خطيباً، حافظاً للغة والأخبار والتواريخ، حسن المجلس، نبيل النادرة، حلو الدُّعابة، صبوراً، حليماً، جميل العشرة جواداً، سَمْحاً، كثير الصدقة دروباً على العمل، صلباً في الحق.
رحلته وولايته ومنشأ أمره
رحل إلى الأندلس سنة سبع وخمسماية فأخذ بقرطبة ومرسية وغيرهما، ثم عاد إلى سبتة، فأجلسه أهلها للمناظرة عليه في المُدوَّنة، وهو ابن ثلاثين سنة أو ينيف عليها. ثم جلس للشّورى ثم ولّيَ القضاء، فسار في ذلك حسن السّيَرة مشكور الطريقة. وبنى الزيادة الغربية في الجامع الأعظم. وبنى بجبل الميناء الرابية الشهيرة، وعظُم صيته. ثم نُقل إلى غرناطة في أول صفر سنة إحدى وثلاثين وخمسماية، فتلَّقد خُطَّة القضاء بها. ثم وُلي قضاء سبتة ثانية. ولما ظهر أمر الموحدّيَن بادر بالمسابقة إلى الدخول في طاعتهم، ورحل إلى لقاء أميرهم بمدينة سلا، فأجزل صلته، وأوجب بِرَّه، إلى أن اضطربت أمور الموحدين عام ثلاثة وأربعين وخمسماية، وحدث على من كان بقصبتها منهم ما هو معلوم من التغلب عليهم واستئصالهم، ثم من رجوع أمورهم، فالتأثت حاله، ولحق بمراكش مُشَرَّداً به عن وطنه، فكانت بها وفاته.
مشيخته
ورتبهم ولده حسبما نقل من فهرسته على الحروف. فمنهم أحمد بن محمد بن بقي، وأحمد بن سعيد بن مستقر، وأحمد بن محمد بن مكحول وأحمد بن محمد السّلَفي، الشيخ أبو الطاهر، وأحمد بن محمد بن غَلْبون ابن الحصَّار، وأحمد بن محمد بن عبد العزيز المرحي، إلى غيرهم من جملة سبعة عشر رجلاً، والحسن بن محمد الصّدَفي بن سُكَّرة، والحسين بن محمد الغساني، والحسين ابن عبد الأعلى السفاقسي، والحسن بن علي بن طريف، وخلف بن إبراهيم بن النحاس، وخلف بن خلف الأنصاري بن الأنقر، وخلف بن يوسف بن فُرْتون، ومحمد بن عيسى التجيبي القاضي، ومحمد بن علي بن حمدين القاصي، ومحمد بن أحمد التجيبي القرطبي القاضي ابن الحاج، ومحمد بن أحمد بن رشد، ومحمد بن سليمن النفزي بن أخت غانم. وأجازه محمد بن الوليد الطُّرطوشي، ومحمد بن علي بن عمر المازري، ومحمد بن عبد الله المعافري القاضي ابن العربي، ومحمد بن عبد الرحمن بن شبرين القاضي، ومحمد بن علي الأزدي الخطيب الطليطلي، ومحمد بن علي الشاطبي بن الصقيل، إلى غيرهم من جملة أحد وثلاثين شيخاً. وعبد الله بن محمد الخشني، وعبد الله بن محمد بن السَّيد البطليوسي، وعبد الله بن محمد بن أيوب الفهري، وعبد الرحمن بن محمد السبتي بن العجوز، وعبد الرحمن بن محمد بن بقي، وعلي بن أحمد الأنصاري بن الباذش، وعلي بن عبد الرحمن التجيبي بن الأخضر؛ من جملة من سبعة وعشرين. وغالب بن عطيه المحاربي، وسِراج بن عبد الملك ابن سراج أبو الحسن، وسفيان بن العاصي الأسدي؛ من جملة خمسة من الأشياخ في هذا الحرف. وشريح بن محمد الرعيني الإشبيلي، وهشام بن أحمد القرطبي أبو الوليد ابن العواد، وهشام بن أحمد الهلالي الغرناطي، ويونس ابن محمد بن مغيث بن الصفار، ويوسف بن موسى الكلبي؛ سمع منه أرجوزته، ويوسف بن عبد العزيز بن عتريس الطليطلي.
شعره
قال مما كتبته من خطه:
أعوذ بربي من شر ما
يخاف من الإنس والجنة
وأسئله رحمة تقتضي
عوارف توصل بالجنة
فما للخلان من ناره
سوى فضل رحماه من جنة
ومن شعره، قال أنشدنيه غير واحد من أصحابنا، فوارحمة الله عليه:
أذاتِ الخلال كم ذا تنتضيها
علي سيوف عينيك انتضاه
بمطلك لي مواعد أقتضيها
من التوريد واللمس اقتضاه
فقضي وعد مطلك وانجزيه
(خيار الناس أحسنهم قضاه)
قال، ومما كتبته من خطه:
يا من تحمل عني غير مكترث
لكنه للضَّنى والسَّقم أوصاب
تركتني مستهام القلب ذا خوف
أخا جوىً وتباريح وأوصاب
أراقب النجم في جنح الدجا ولهاً
كأني راصدٌ للنجم أوصاب
أوصاب
وما وجدت لذيذ النوم بعدكم
إلا جنى حنظل في الطعم أوصاب
ومن ذلك قوله رحمه الله:
الله يعلم أني منذ لم أركم
كطاير خانه ريش الجناحين
فلو قدرت ركبت المريخ نحوكم
فإن بعدكم عني جنا حين
قال، وكتب من خطّهَ:
يا راحلين وبالفؤاد تحملوا
أترى لكم قبل الممات قفول
أمَّا الفؤاد فعندكم أنباؤه
ولواعج تنتابه وغليل
فترى لكم علمٌ بمنتزح الكرى
عن جفن صبٍّ ليله موصول
أودى بعزَّته صبره وإبايه
طرفٌ أصم ومبسم مصقول
ما ضرَّكم وأضنكم بتحية
يحيى بها عند الوداع قتيل
إن الخليل بلحظه أو لفظه
أو عطفه أو وقفه لبخيل
ومما نسبه إليه الفتح وغيره، ومن العجب إغفال ولده إياه، قوله يصف الزرع والشقائق فيه:
أنظر إلى الزرع وخاماته
تحكي وقد ماست أمام الرياح
[كتيبةٌ خضراء] مهزومة
شقائق النعمان فيها جراح
نثره
وهو كثير. فمن خُطَبِه، وكان لا يخطب إلاّ بإنشايه: ((الحمد لله الذي سبق كل شيءٍ قِدَماً، ووسع كل شيءٍ رحمة وعلماً ونعماً، وهدى أولياءه، طريقاً نهجاً أُمماً، وأنزل على عبده الكتاب، ولم يجعل له عِوَجاً قيّمَاً، لينذر بأْساً شديداً من لدنه: ﴿وَيُبَشَّرُ المُؤْمِنِينَ الذِينَ
يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * ماكثين فيه
أبداً﴾. أحمده على مواهبه وهو أَحقُّ من حُمد، وأسأله أن يجعلنا أَجْمَع، ممن حَظِي برضاه وسَعُد، وأستعينه على طاعته، فهو أَعزُّ من أستعين واستنجد، وأستهديه توفيقاً،
فإن ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِياً
مُرْشِداً﴾، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده، لا شريك له، شهادة فاتحةً لأقفال قلوبنا، راجحة بأثقال ذنوبنا. منزَّهة له
عن التَّشْبيه والتمثيل بنا: ﴿وَأنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبَّنَا مَا اتَّخَذَ
صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً﴾. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أَنْزل عليه الفرقان وبعثه بالهُدى والإيمان، وأغزى بدعوته دعوة أولياء الشيطان، وأبعدهم مقاعد عن السمع،
﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً ﴾. أيها السامع،
قد أيقظك صرفُ القدر من سِنَة الهوى وتيَّاراته، ووعظك كتاب الله بزواجره وعظاته، فتأمل حدوده. وتدَّبر مُحْكم
آياته: ﴿وَاتْلُ مَا أوحِيَ إلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبَّكَ لاَ مُبَدَّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾. أين الذين
عَتَوْا على الله، وتعظَّموا واستطالوا على عباده وتحكَّموا، وظنُّوا أنه لن يقدر عليهم حتى اصطلموا. ﴿وَتِلْكَ
القُرَى أهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ
مَوْعِداً﴾. غرَّهم الأمل وكواذب الظُّنون، وذَهِلوا عن
طوارق القَبْر و﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾. ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إلَيْنَا لاَ يَرْجِعُونَ﴾. ﴿حَتَّى إذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾. فهذّبَوا
رحمكم الله سراركم بتقوى الله واخلصوا، واشكروا
نعمته، ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ واحذروا
نقمته واتقوه. ولا تعصوا، واعتبروا بوعيده. ﴿قُلْ كُلٌ
مُتَرَبَّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أصْحَابُ الصَّرَاطِ السَّوِيَّ
وَمَنِ اهْتَدَى﴾. وانهضوا لطاعته الهمم العاجزة، واركضوا في ميدان التَّقوى، وحُوزوا قصب خَصله العابرة، وادخروا ما يخلصكم يوم المحاسبة والمناجزه،
وانتظروا قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيَّرُ الجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾، ذلك يوم تذهل فيه
الألباب، وتَرجُف القلوب رجفاً، وتُبَدَّل الأرض وتُنْسَف الجبال نَسْفاً، ولا يقبل الله فيه من الظالمين عدلاً ولا
صرفاً. ﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً ﴾، ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبَّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾، اللهم انفعنا بالكتاب
والحكمة، وارحمنا بالهداية والعصمة، وأوزعنا شكر ما
أوليت من النّعَمة. ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيَّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾.
تواليفه
مما أكمله وقُرىء عليه كتاب ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى))؛ ستة أجزاء، وكتاب ((إكمال المعلم في شرح مسلم))؛ تسعة وعشرون جزءاً. وكتاب ((المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة))؛ عشرة أجزاء. وكتاب ((ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك))؛ خمسة أسفار؛ ولم يسمعه، وكتاب ((الإعلام بحدود قواعد الإسلام))، وكتاب ((الإلماع في ضبط الرواية وتقْييد السماع))؛ سفر، وكتاب ((الرايد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوايد))، وكتاب ((خُطَبه))؛ سفر. وكتاب ((المعجم في شيوح أبي سُكَّرة))، وكتاب ((الغُنْية في شيوخه))؛ جزء. ومما تركه في المبيضة؛ كتاب ((مشارق الأنوار على صحيح الآثار))؛ ستة أجزاء ضخمة، وهو كتاب جليل؛ وفيه يقول الشاعر:
مشارق أنوار تبدَّت بسَبْتة
ومن عجب كَوْن المشارق بالغرب
وكتاب ((نظم البرهان على صِحَّة جَزْم الأَذان))؛ جزء، وكتاب ((مسئلة الأهل المشترط بينهم التزاور))؛ جزء. ومما لم يكمله ((المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان))، وكتاب ((الفنون الستة في أخبار سبتة))، وكتاب ((عُنية الكاتب وبُغية الطالب))؛ في الصدور والتَّرسيل، وكتاب ((الأجوبة المحبَّرة على الأسئلة المتخيرة))؛ وجدت منها يسيراً؛ فضممته إلى ما وجدته في بطايقه وعند أصحابه. يقول: هذا ولده من معان شاذة في أنواع شتى سئل عنها رحمة الله عليه. فأجاب: جمعت ذلك في جزء، وكتاب ((أجوبة القرطبيين))؛ وجدتها بطابق؛ فجمعتها مع أجوبة غيرهم؛ وأجوبته مما نزل في أيام قضايه؛ من ((نوازل الأحكام))؛ في سفر، وكتاب (سر السُّراة في أدب القضاة)).
نبذ من أخباره
وأولاً في ثناء الأعلام عليه. قال ولده، أخبرني ابن عمي الزاهد، أن القاضي أبا عبد الله بن حَمْدين كان يقول له وقت رحلته إليه: وحتى يا أبا الفضل إن كنت تركت بالمغرب مثلك. وقال: وأخبرني أن أبا الحسين بن سراج قال له: وقد أراد الرحلة إلى بعض الأشياخ، فهو أحوج إليك منك إليه، وقال: إن الفقيه أبا محمد بن أبي جعفر قال له: ما وصل إلينا من المغرب مثل عياض. وأمثال ذلك كثير. ومن دعابته، قال بعض أصحابنا: صنعت أبياتاً تغزلت فيها، والتف إلى أبيك رضي الله عنه ثم اجتمع بي، فاستنشدني إياها؛ فوجمت، فعزم عليّ فأنشدت:
أيا مكثراً صدىً ولم آت جفوة
وما أنا عن فعل الجفاء براض
سأشكو الذي توليه من سوء عشرة
إلى حكم الدنيا وأعدل قاض
ولا حكم بينك أرتضي قضاياه
في الدنيا سوى ابن عياض
قال فلما فرغت حسَّن، وقال متى عرفتني قواداً يا فلان، على طريق المداعبة. وأخباره حسنة وفضايله جمة.
مولده
بسبتة؛ حسبما نقل من خطه في النصف من شعبان عام ستة وسبعين وأربعماية.
وفاته
توفي بمراكش؛ ليلة الجمعة نصف الليلة التاسعة من جمادى الآخرة من عام أربعة وأربعين وخمسماية. ودفن في باب إيلان من داخل السُّور.
عقيل بن عطية
ابن أبي أحمد جعفر بن محمد بن عطية القضاعي؛
من أهل طُرْطُوشة؛ يكنى أبا المجد.
حاله
كان فقيهاً متطرّفَاً في فنون من العلم، متقناً لما يتناوله من ذلك، حسن التهدي، من بيت طَلَب. وقد تقدم ذكر جده الأُستاذ. ولي عقيل قضاء غرناطة وسلجلماسة.
مشيخته
روي عن أبي القاسم بن بَشْكُوال. قرأ عليه وسمع، وتناول من يده، وأجاز له. وقفت على ذلك بخطه.
شعره
أنشد له في الذيل قوله، مما نظمه لجماعة من السَّادة:
ملوك دون بابكم وقُوف
سَطَتْ بهم الحوادث والصُّروف
أذلَّهم الزمان وكان قدماً
لهم راع وحولهم يطوف
غدوا عبراً لمُعْتَبر فَسُحْقاً
لدنيا أمرها أمر سخيف
وطال وحّقَ مجدك ما تبدوا
وحولهم الغواضب والسيوف
أسود يُقْدمُون أسود حرب
وخلفهم العساكر والصَّفوف
أتى بهم الزمان إليك قصداً
حَيارى فيه يُعجزهم رغيف
فعَطْفاً أيها المولى عليهم
وقاك السوء باريك اللطيف
فرحمةُ سيد قد ذُل فرضٌ
يقول به النَّبي الهادي الشريف
وما يرى الكرام سوى كريم
وأنت الماجد النَّدي العَطُوف
تواليفه
قال الأُستاذ: وقفت على تأليف سماه ((فصل المقال في الموازنة بين الأعمال))؛ تكلم فيه مع أبي عبد الله الحُمَيدي، وشيخه أبي محمد بن حزم؛ فأجاد فيه وأحسن، وأتى بكل بديع. وشرح المقامات الحريرية.
وفاته
في صفر سنة ثمان وستماية.
ومن الكتاب الشعراء
عاصم بن زيد
ابن يحيى بن حنظلة بن علقمة بن عدي بن محمد التميمي، ثم العبادي الجاهلي؛ يكنى أبا المخشبي؛ من أهل إلبيرة.
حاله
كان شاعراً مُجيداً، شهير المكان، بعيد الصّيَت، على عهده. قال أبو القاسم: كان من أعلام الجند ومقدميهم. وقال الرَّازي: دخل والده زيد بن يحيى من المشرق إلى الأندلس، واختط بكورة جند دمشق، وشهر ابنه عاصم هذا بالشعر، إذ كان غزير القول، حسن المعاني، كثير النادر، سبط اللفظ، فاغتدى شاعر الأندلس، ومادح بني أمية، المخلف فيهم قوافي الشعر المديح الشاردة، وقد كان في لسانه بذاءة زايدة، يتسرع به إلى من لم يوافقه من الناس، فيقذع هجوهم، ويقذف نساءهم ويَهْتِك حُرَمهم، وكان أفَّاكاً نهاباً، لا يعدم متظلّمَاً منه، وداعياً عليه، وذاكراً له بالسوء، وهو مستهزىءٌ بذلك جارٍ على غلوائه.
محنته
قال: وكان مع ذلك منقطعاً إلى سليمن بن الأمير عبد الرحمن بن معاوية، كثير المدح له. على أنه ما أَخْلى الأمير هشاماً من مدحه، وهو مع ذلك لا يَسْلُ سخيمته وحقده عليه، لانحطاطه في شُعَب سليمن أخيه، وبينهما من التنافس والمشاحة ما لا شيء فوقه. ورُوي أن الذي هاج غضب هشام عليه، أن قال له الساعي عليه، قد عرَّض بك بقوله في مديح أخيك سليمن في شعر له فيه منه:
وليسوا مثل من بان سيل عرفاً
يقلِّبُ مُقلَةً فيها أعونه
وكان هشام أحول؛ فاغتاظ لذلك. وركب فيه من المثلة وركبه، وحقد عليه، إلى أن استدعاه إلى مدينة ماردة، وهشام يومئذ واليها في حياة الأمير أبيه؛ فخرج إليه أبو المخشبي من قرطبة، طامعاً في نايله، غير مرتاب بباطنه، فلما دخل عليه قال له يا أبا المخشبي، إن المرأة الصالحة التي هَجَوْت ابنها فقذفتها، فأفحشت سبَّها، قد أخلصت دعاها لله في أن ينتقم لها منك، فاستجاب لها، وسلَّطني وتأذن بالاقتصاص لها على يدي منك، ثم أمر به فقطع لسانه، وسُمِلت عيناه، وعولج من جراحه، فاستقل منها، وعاش زمناً ممثلاً به. فأما لسانه فانجبر بعيد وقت إلا قليلاً، واقتدر على الكلام إلاّ تلعثماً كان يعترضه، واستمر العمى، فعظم عليه مصابه، فكثرت في شكواه أشعاره، قال: ويذكر أن قصة أبي المخشبي في نبات لسانه، لما بلغت مالك بن أنس، أشار إليها في فتواه في التأني بديَّة اللسان طمعاً في نبتها، وقال يتأنى بالحكم عاماً، فإن نَبَت أو شيء منه، عُمل في ديتَّه بحسب ذلك، فقد بلغني أن رجلاً بالأندلس نبت لسانه أو أكثره بعد ما قطع، فأمكنه الكلام.
شعره
قالوا: وبلغ الأمير [عبد الرحمن] بن معاوية صنيع ابنه هشام بمادحهم أبي المخشبي، فساءه وكتب إليه يعنفه، وأوصل أبا المخشبي إليه عند استيلايه بعد حين، فاعتذر إليه ورقَّ له، وأنشده بعض ما أحدثه بعد، فكان لا يبين الإنشاد، فينشد له صبي كان قد علمه ودربه، فأنشده قصيدته التي وصف فيها عَمَاه وأولها:
خَضَعتْ أم بناتي للعدا
إذ قضى اللَه بأمر فمضى
ورأت أعمى ضريراً إنما
مَشْيُه في الأرض لْمسٌ بالعصا
فبكت وَجْداً وقالت قولةً
وهي حدا حلَّقت مني المدى
ففؤادي فرحٌ من قولها
ما من الأدواء أس العمى
وإذا نال العمى ذا بصرٍ
كان حياً مثل ميت قد نعا
وكان للناعم المسرور لم
يك مسروراً إذا لاقى الرَّدا
عانى بالقرب وهنا طرب
بين لج في الحما
كيف يعتاد الصَّبا من لا يرا
أبصرت مستبدلاً من طرفه
فأنذا يسعى به حيث سعا
بالعصا إن لم يقده فإنه
وسؤال الناس يمشي إن مشا
وإذا ركب دنوا كأنَّ لهم
هو حملاً في المهمة الخراف الصوى
لم يزل في كل مُخْشِبي الرَّدَى
يصطلي الحرب ويجتاب الدجا
امتطيناها سماناً بدناً
فتركناها نضاءً بالفنا
وذُرَّيتي قد تجاورت بها
مهمها فَقِراً إلى أهل النَّدا
قاصداً خير مَنَافٍ كلها
ومناف خيرٌ من فوق الثَّرا
وهي طويلة، ومن شعره في الوقيعة بأبي الأسود الفهري، وكانت عظيمة من أعظم فتوحات الأمير عبد الرحمن:
ماذا تُسايل عن مواقع معشر
أودى بهم طلب الذي لم يقدر
رشد الخليفة إذا غووا فرماهم
بالموبذي بالحزم والمتَأّزَر
فغدا سليمن السَّماح عليهم
كالليث لا يلوي على مُتَعّذَر
عاداهم متقنعاً في مأزق
في الموت من نجس العوارض الممطر
أما سليمن السماح فإنه
جلى الدُّجى وأقام سيل الأصْعَر
وهو الذي وَرَّث النَّدى أهل الندى
ومحا دُجْنَة يوم وادي الأحمر
بعد القتلى بالمخايض أصبحت
جِيفاً تلوح عظامها لم تُقْبر
فالليل فيها للذباب عرايسٌ
ونهارها وقفٌ لنهش اَلأنْسر
أفناهم سيفٌ مبيرٌ صارم
في قسطلونة وبل بوادي الأحمر
هات عنك ما هربت مخافةً
منه فقع يا ابن اللقيطة أو طر
وفاته
قال ابن حيان: قرأت بخطّ عَبادة الشاعر، قال عمَّر أبو المخشبي بعد محنته الشنعاء حتى لحق دولة الأمير عبد الرحمن، فوالى بين مديح أربعة أمراء، ما بينه وبين جدّهَ عبد الرحمن بن معاوية الأمير الداخل. وتوفي بعد ذلك قريباً من تاريخ الثمانين والماية. وبُعد عليه لحاق دولة الأمير عبد الرحمن لهذا التاريخ.
ومن الأصليين من ترجمة المحدثين والفقهاء والطلبة
النجباء
عيسى بن محمد
ابن أبي عبد الله بن أبي زمنين المرَّي؛ يكنى أبا الأَصْبغ؛ من أهل البيرة.
حاله
نبيه القدر. وروى عن شيوخ بلده.
وفاته
توفي بعد الأربعمائة. قلت قد اعتذرت، وتقدم الاعتذار في إثبات من أثبته من هذا البيت في هذا الاختصار؛ من هذا النمط. فلينظر هنالك إن شاء الله.
عيسى بن محمد
ابن عيسى بن عمر بن سعادة الأموي؛ لَوْشي الأصل؛
غرناطي الاستيطان والقراءة؛ يكنى أبا موسى؛
الشيخ الطبيب بالدار السلطانية.
حاله
من عايد الصلة: بقية أهل العلم، ونسيج وحده في لين الجانب وخفض الجناح، وحسن الخلق. وبذل التواضع، ممتع من معارف قديمة، بين طلب وتعليم، على حال تدين والتزام سنُةَّ، أقرأ الطّبَ، وخدم به الدار السلطانية، وولي القضاء بلوشة بلده.
مشيخته
قرأ على الأستاذ أبي عبد الله الرَّقوطي المُرْسي ولازمه، وأخذ عن أبي الحجاج بن خلصون، وأدرك أُمَّةً من صدور العلماء.
تواليفه
له تأليف كبير متعدد الأسفار سماه كتاب ((القفل والمفتاح في علاج الجسوم والأرواح))؛ تضمن كثيراً من العلم الطبي، وما يتعلق به؛ رأيت أجزاءً من مسودته بيد ولده.
وفاته
توفي بغرناطة ليلة السبت الخامس عشر لجمادى الآخرة عام ثمانية وعشرين وسبعماية.
حرف الغين من الأعيان
غالب بن أبي بكر
الحضرمي؛ من أهل غرناطة؛ يكنى أبا تمام، ويعرف بابن الأشقر.
حاله
كان قايداً جَزْلاً مهيباً، مليح التجنُّد، معروف الدّرَبة والثقافة، مشهور الفروسية، ظريف الشكل، رايق الرَّكبة، حسن الشَّيبة، صَليب العود، مرهوب السطوة، وُلي قيادة العسكر زماناً طويلاً، فوقع الإجماع على أهليته لذلك، تمييزاً للطبقات، وانتهاضاً بالخدمة وإنفاذاً للعزمة، ومعرفة بالعوايد، واقتداراً على السهر في تفقد المسالح، واختبار المراصد، واختيار الحرس، وتنظيم المصاف، وإمساك السّيَقة ممن يرجع إلى حصيف رأيه، ويركن إلى يُمن حَنَكته، ويعترف بحقه. لقي الجند منه ضغطاً لاضطلاعه باستخدامهم، وجعل العقاب من وراء تقصيرهم. فقد كان بعض نُقَبائه يحمل معه مِقصًّا لإيقاع المُثلة بذقون مضَيّعي المسلحة أو مُتهيبي المَلْحمة. ولما أوقع بالسلطان أمير المسلمين أبي الوليد؛ قرابته بباب داره بما هو مشهور، نُمي عنه أنه اخترط سيفه. وكان ممن أثخن الوزير يومئذ جراحة [لا يعلم]، أحيرةً وغلطاً أم تواطأ وقصداً، فقد كان من مَرَج الناس يومئذ؛ وإعمال بعضهم السلاح في بعض ما هو معلوم، فعزل عن الخطة، وسئم خطة الخمول، ففقد مكانه من العنا، واضطر إليه.
وفاته
توفي بغرناطة عشية يوم الخميس الثاني والعشرين لشوال عام سبعة وعشرين وسبعماية، ودفن قرب باب إلبيرة.
ومن المقربين
غالب بن عبد الرحمن
ابن غالب بن عبد الرؤوف بن تمام بن عبد الله بن تمام بن عطية ابن خالد بن خفاف بن أسلم بن مكتوم المحاربي؛ أبو بكر
حاله
كان من أهل العلم والعمل، مُقرياً فاضلاً، راوية، حج وروى، وكفَّ بصره في آخر عمره.
مشيخته
قرأ القرآن بالسَّبع على أبي الحسن بن عبد الله الحضرمي، ودرس الفقه وناظر فيه، على سعيد بن خلف ابن جعفر الكناني. وروى عن أبي علي الغساني، وعن أبيه عبد الرحمن بن غالب، وأبي عمر بن عبد البر الإمام الحافظ.
من روى عنه
حدَّث عنه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن أبي الخصال، وأبو عبد الله بن عبد الرحيم القاضي، وعبد الله بن طلحة بن أحمد ابن عطية.
شعره
قال يحذر من أبناء الزمن:
كن بذي صايد مستأنساً
وإذا أبصرت إنساناً ففر
إنما الإنسي بحرٌ ما له
ساحل فاحذره إياك الغرر
واجعل الناس كشخص واحد
ثم كن من ذاك الشخص حذر
وله رحمه الله:
كيف السُّلو ولي حبيب هاجر
قاسي الفؤاد يسُومني تعذيبا
لما ذرى أن الخيال مواصلي
جعل السهاد على الجفون رقيبا
مولده
ولد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة.
وفاته
توفي ليلةًّ الجمعة لست بقين من جمادى الآخرة سنة ثماني عشر وخمسماية.
غالب بن حسن
ابن غالب بن حسن بن أحمد بن يحيى بن سيدبونه الخزاعي؛ يكنى أبا تمام.
أوليته وحاله
أصل سلفه من بونه؛ من بلد إفريقية، واستوطن جدّه بالأندلس قرية زنيتة؛ من وادي لستة؛ شرقي الأندلس من عمل قسنطانية، وملك فيها أموالاً عريضة. ولما ظهر سِبْطه ولي الله أبو أحمد شيخ المريدين بذلك الصقع، وظهرت عليه البركات، وشهدت بولايته الكرامات، غمرتهم بركته، ونوَّهت بهم شهرته، إلى أن أن استولى العدو على تلك الجهات، بعد وفاة الشيخ رضي الله عنه، فهاجرت ذريته إلى غرناطة، بعد استيطانهم مدينة ألش، وبنوا بالرَّبض المعروف بربض البياَّزين واقتطعوا وامتطوا، واتخذوا دار إقامة، وانتشرت به نحلتهم الإرادية، وانضم إليهم مَنْ تَبِعهم من جالِية أهل الشرق، وتقدم هذا الشيخ بعد، شيخاً ويُعْسوباً وقاضياً وخطيباً به، بعد خاله رحمه الله، فقام بالأعباء، سالكاً سنن الصالحين من أهل الجَلَد والجدَّة والقوة والرجولة، من الإيثار والمثابرة على الرباط، والحفُوف إلى الجهاد، وكان مليح الشَّيبة؛ كثير التَّخلق، جم التواضع، مألفاً للغرباء، مبذول البشر، حسن المشاركة، رافضاً للتصَنًّع، مختصر المطعم والملبس، بقية من بقايا الجلة، معتمداً في مجالس الملوك بالتَّجلَّة.
مشيخته
يحمل عن والده أبي علي، وعن خاله، وعن الخطيب أبي الحسن بن فضيلة، وغيرهم.
تواليفه
له تأليف في تحريم سماع اليراعة المسماة بالشَّبابة، وعلى ذلك درج جمهورهم.
مولده
في ذي القعدة من عام ثلاثة وخمسين وستماية.
وفاته
توفي في عاشر شوال من عام ثلاثة وثلاثين وسبعماية. وكان الحفل في جنازته يشِذُّ عن الوصف. ودفن بمقبرتهم.
غالب بن علي
ابن محمد اللخمي الشقوري؛ من أهل غرناطة؛ يكنى أبا تمام.
حاله
كان من أهل الفضل والدَّماثة، حسن الخلق وسيم الخَلْق، مليح الانطباع، مستطرف الأغراض من بيت كَسْب وخيريَّة. رحل في شبيبته إلى المشرق، فحجَّ، وقرأ الطب بالمارستان من القاهرة المُعِزّيَة، وحذق العلاج على طريقة المشارقة، وأطرف بكثير من أخبارهم، وانتصب للمداواة ببجاية بعد مناظرة لها حكاية. وقدم على بلده، فنَبُه به قدره، واستدعي إلى باب السلطان فخدم به، ثم تحول إلى العُدْوة، فاتصل بخدمة ملكها السلطان أمير المسلمين أبي سعيد، مسَّوغاً ما شاء من قبول، ولطف محلّه عنده، لانطباعه ولين عريكته، وتأَنيه لما يوافق غرضه من سبيل الفكاهة، ووُلّيَ الحِسْبة بمدينة فاس، وأثرى وحسُنت حاله. وكان مثالاً لأهل بلده، موصوفاً بالجود، وبذل المشاركة لمتغرّبَيهم. وله تواليف طَيّبة، كان لا يفتر عن الاشتغال بها؛ بحسب ما فتح له من الإدراك، فمنها نبيل ووبيل. ولما انتقل الأمر إلى أمير المسلمين أبي الحسن، وصل حَبْل رَعْيه، طاوياً بِساط الهزل في شأنه، واتصلت خدمته إياه إلى حين وفاته.
وفاته
توفي في أوايل عام أحد وأربعين وسبعماية بسَبْتة، عند حركة أميره المذكور إلى الجواز للأندلس برسم الجهاد، الذي مَحَصه الله فيه بالهزيمة الكبرى.
مولده
حرف الفاء: الأعيان والكبراء
فرج بن إسمعيل
ابن يوسف بن نصر؛ الرئيس الجليل أبو سعيد. وكان حقُّه أن
يفرد له باب في الأمراء؛ لكنه الأبواب المتعددة الأسماء؛
نؤْثر فيها الجمع والاختصار كما شرطنا.
أَوّلَّيته
معروفة. وكان والده [رحمه الله] صِنو أمير المسلمين الغالب بالله أبي عبد الله، وآثره بمدينة مالقة وما يرجع إليها، عند تصير الملك إليه أو بعده. وكان دونه في السّنَ، فاستمرت أيامه بها إلى أن توفي رحمه الله: وتصيَّر أمره إلى الرييس أبي محمد بن إِشْقَيْلولة، وتخللت ذلك الفتن، حسبما وقع الإلماع به [وتصيَّر أمرُها] إلى ملوك المغرب ثم ما انجلت الحال عن عودتها إلى الملك النصري، ولّىَ عليها الرييس أبا سعيد، ومكنه من ميراث سلفه بها، وهو كما استجمع شبابه، وعقد له على ابنته الحرة لُباب الملك، فقام بأمرها خير قيام، وثبت لزلزال الفتنة حسبما هو مذكور في موضعه.
حاله
كان هذا الرييس نسيج وحده في الحزم والجزالة وفخامة الأحوال، مما يرجع إلى الفتية. ناغى السلطان ابن عمه في اقتناء العقار، وتخليد الآثار، فيما يرجع إلى الفلاحة والاعتمار والازدياد والاستكثار، وأربى عليه بإنشاء المراكب الكبار، فعظمت غلاَّته، وضاقت المسارح عن سائمته، وغُصت الأهراءُ بحبوبه، وسالم الخرج دخل ماله، فبَذَّ الملوك جِدةً ويساراً، تقتحم العين منه ظاهراً ساذجاً، غُفْلاً من الزينة والتصنُّع، في طَيّه ظَرْف وذكاء وحَنَكة وحلاوة، جهورياً، مرسل عِنان النَّادرة، باذلاً النصَّفة، مهيب السَّطا، خصيب المايدة شهير الجلالة، بعيد الصيت. وُلّيَ مالقة عام سبعة وسبعين وستماية، فعانى بها الشّدَة واللّيَان. حتى رسخت بها قدمه، وطالت لأهلها صحبته، وعظم بها قراره وعساكره، وأينعت غرسانه، ونمت متاجره، وتبنَّكت النَّعيم حاشيته، وأُضيفت إليه الجزيرة الخضراء، فاتسعت العِمالة، وانفسحت الخُطَّة إلى أن كان من تغلبه على مدينة سَبْتة، واستيلايه عليها، مما وقع الإلماع به في موضعه من هذا الكتاب، في شهر شوال عام خمسة وسبعماية، فساس رعيتها، وتملك جبالها، وشنَّ الغارة على ما وراءها، وتملَّك القصر المضاف لها، ولم يزل نظره عليها، إلى أواخر ذي قعدة من عام ثمانية وسبعمائة، فصرف عنها، وجُهل قدره، وأُوغر صدره، وأُوعز للولاة بالتضييق على حاشيته، فدعا بمالقة إلى نفسه في شهر شعبان من عام أحد عشر وسبعماية، وقدَّم لطلب الملك ولده إسماعيل، وسماه السلطان. ورتب له الألقاب، ودون الدواوين، فنزع إليه الجند، وانضافت إلى عمالته الحصون. ثم وقعت المهادنة، وأعقبتها المفاتنة، وكان من أمره ما وقع التنبيه على عيون منه في ذكر ولده.
نكبته
ولما استأْصلت القطيعة مُحْتجنه الراكد في مغابن الخزاين من لدن عام سبعة وسبعين وستماية، واستنفدت عتاده المطاولة، نظر لنفسه فوجَّه كاتبه الوزير أبا عبد الله بن عيسى، وعاقده على الخروج له عن مالَقة، مُتَعَوّضَاً عنها بمدينة سلا من عمل ملك المغرب، وتم ذلك في شهر رمضان من عام ثلاثة عشر وسبعماية، وذاع خبره، وضاقت بأولياء انتزايه السبل، إذ تحققوا بإخفاق المسعى، وسقوط العَشِيّ بَهم على سرحان من سلطانهم الراغبين عنه، فداخلوا ولده، المقدَّم الأمر، أبا الوليد، واتفق أمرهم على خلعه، ومعاجلة الأمر قبل تمامه، في..... من شهر رمضان، ركب الرييس رحمه الله في نفر من مماليكه المروقة إلى بعض بساتينه، فلما قضى وطره، وهمّ بالخروج عنه، اعترضه القوم عند بابه، فالتفوا به، وأشعروه غرضهم فيهن وجاءوا به إلى بعض القصور بظاهر البلد، فجعلوه به تحت رَقْبة، وقد بادر ولده القصبة، فاستولى عليها من غير ممانعة، لعدم استرابة ثقاته به، إلاَّ ما كان من خاين يتولى القيام ببعض أبوابها هَمَّ بسدّهَ، فطاح لحينه، وتمّ لولده الاستبداد بالأمر واستولى على النَّصب والذخيرة وباقي المال، ونُقل الرييس إلى معقل قرطبة، فلما خلص الأمر لولده، انتقل إلى مِعقل شلوبانية، فلم يزل به لا يبرح عن باب قصره، مرفَّها عليه إلى أن قضى نحبه.
وفاته
في الرابع عشر لشهر ربيع الأول من عام عشرين وسبعماية، توفي رحمه الله بشلوبانية، وجِيءَ بجنازته محمولاً على رؤوس صدور الدولة ووجوه رجالها، متناغين في لباس شعار الحزن بما لم يتقدم به عهد، ودفن بمقبرة السَّبيكة، وولده أمير المسلمين واقف بإزاء لَحْده، مظهر الاكتراث لفقده، وعلى قبره الآن مكتوب نَقْشاً في الرخام البديع ما نصه: ((هذا قبر عَلَم الأعلام، وعماد دين الإسلام، جواد الأجواد، أسد الآساد، حامي الثغور وممهد البلاد، المجاهد في ذات الله حق الجهاد، شمس الملك وبدره، وعين الزمان وصدره، الكريم الأخلاق، الطاهر الذات والأعراق، الذي سار ذكره في الآفاق، وخَلّد من فضايله ما تتحلى به ظهور المنابر وبطون الأوراق، كبير الإمامة النَّصرية، وعظيم الدولة الغالبية، فرع الملك وأصله، ومن وَسِع الأنام عدله وفضله، مخلَّد الفخر الباقي على الأعصار، والعمل الصالح الذي ينال به الحسنى وعُقبى الدار، بسلالته الطاهرة الكريمة المآثر والآثار، الإمام الرضي ناصر دين المختار، المنتخب من آل نصر ونعم النسب الكريم في الأنصار. الهمام، الأكبر، الأشهر، المقدم، المرحوم، الأطهر، أبو سعيد ابن الإمام الأعلى، ناصر دين الإيمان، وقاهر عَبَدة الصلبان، صِنْو الإمام الغالب بالله، ومجهز الجيوش في سبيل الله، سهام العِدا، وغمام النَّدى، وضرغام الحروب، ذي البأس المرهوب، والجود المسكوب، بطل الأبطال، ومناخ الآمال، المجاهد، الظاهر، المقدس، المرحوم أبي الوليد بن نصر، قدَّس الله مضجعه، ورقاه إلى الرفيق الأعلى ورفعه. كان رضى الله عنه، وحيد عصره، وفريد دهره، علت في سماء المعالي رتبه، وكرُم من أمير المسلمين صهره ونسبه، فلا يُزاحم مكانه، ولا يُدانى منصبه. نفذت أحكامه في الشرق والغرب، ومضت أوامره في العجم والعرب، إلى أن استأْثر الله به، فكانت وفاته ليلة الخميس الرابع عشر لشهر ربيع الأول من عام عشرين وسبعماية، وكان مولده يوم الجمعة الثامن لشهر رمضان المعظم من عام ست وأربعين وستماية، فسبحان الله الملك الحق، الباقي بعد فناء الخلق:
سلام على قبر المكارم والمجد
مُقام الرضى والفوز والبِشر والسعد
مثابة إحسانٍ ومعهد رحمةٍ
ومُسْتَودع العَلْيا والسَر والعد
فيا أيها القبر الذي هو روضة
تفوح شذى أذكى من المسك والند
لك الفضل إذ حملت أرضى أمانة
تودى بإكرام إلى جنة الخلد
ففيك من الأنصار من آل نصرهم
همام كريم الذات والأب والجد
قَسْمُ أمير المسلمين ابن عمه
ونخبة بيت الملك واسطة العِقْد
وحامي ذمار الدين ناصره أبو
سعيد عماد الملك في الحل والعقد
لبَّيْك أمير العُدْوتين بواجبّ
من الحق أبناء الوغى وبنو الرَفد
وتبكي بلاد كان مالك أمرها
أفاض بها النعماء سابغة الورد
أقام بها العدل والفضل سنَّة
بإنصاف مُسْتَعد وإسعاف مستجد
وتبكي أسى ملء العيون لفقده
وبالحق لو فاضت نفوس من الوَجْد
فيا أيها المولى الذي لمصابه
بدا الحزن حتى في المطهمة الجُرْد
لك الله ما أعلى مكارمك التي
تسير بها الركبان في الغُور والنجد
وحسبك أن أورثت خير خليفة
وأبديت منه للورى علم الرشد
إمام هدىً أعماله لله رحمة
تنال بها الزُّلفى من الصَّمد الفرد
عليك من الرحمن أزكى تحية
توفيك من إحسانه غاية القصد
فرج بن محمد
ابن محمد بن يوسف بن نصر؛ الأمير أبو سعيد ولد أمير المسلمين؛
ثاني الملوك النصريين؛ ابن الغالب بالله.
حاله
كان أميراً جليلاً جميلاً، بلغ الغاية في حسن الصورة، وفضل الفروسية على صغر سنه وكان زناتي الشكل والركض والآلة، عروس الميدان، وحِلْس الخيل، يؤثر من شجاعته، وثبات موقفه، على الغرارة، وعدم الحَنَكة، أنه أنشب في اتباع خنزير ضخم الكراديس، عظيم الناب، عريض الغبطة، طرح نفسه عليه في ضحضاح، لفضل شجاعته، فكبا به الطرف، واستقبله ذلك الخنزير الفحل صامداً، فاستقل، زعموا، من السَّقطة، وقد اخترط سيفاً عضْباً كان يتقلده، وسبقه بضربة تحت عينيه، أبانت فكيه، وأطارت محل سلاحه، وخالطه مع ذلك أعزل، فلم يُغْن، وتلاحق به فرسانه، وقد يئسوا من خلاصه، فرأُوا ما بهتوا له، وبُشّرَ بذلك أبوه، فملأ عينه قُرَّة، وكان يولع منه بفرع مُلْك، وصَقْر بيت، وسيف دولة. أسف بذلك ولُّي العهد كبيره، فاعتُبط لأيام من تصير الأمر إليه.
وفاته
توفي مغتالاً في الأول من عام اثنين وسبعماية.
مولده
عام ستة وثمانين وستماية.
فرج بن محمد
ابن يوسف بن محمد بن نصر؛ الأمير أبو سعيد؛
ولي عهد السلطان الغالب بالله.
حاله
كان هذا الأَمير فاضلاً ذكياً، من أهل الأدب والنُّبل، قام الأدب في مدته على ساق، ولاَّه أبوه الغالب بالله عنده، وأَمَّله لمكانه لو أَنَّ الليالي أمهلته.
شعره
وأدبه مما يُنسب إليه بالأندلس، وهو عندي ما يبعد قوله:
أيا ربة الحسن التي سلبت منك
على أي حال كنت لابد لي منك
فإما بذل وهو أليق بالهوى
وإما بَغَر وهو أليق بالملك
وكان ذو الوزارتين أبو عبد الله بن الحكيم رحمه الله يقول؛ أخبرني كاتب هذا الأمير، وهو الوزير أبو عبد الله بن القصيرة الإشبيلي بتونس قال: نظم الأمير بيتاً وطلبني بإجازته، وأن يكون المنظوم مشوب النسيب بالفخر. والبيت:
أرقت لبرق بالسَّبيكة لا الخيف
وإن كان فيه ما أحاذر من حَتْف
فقلت مجيزاً:
تجورُ على قلبي لواحظ غادة
بأنفذ من عزمي وأقطع من سيف
ولي هزَّة نحو الوصال أو اللُّقا
كهزة آبايى الكرام إلى الضيف
أفيضُ وفيضٌ في الجفون وبالحشا
فأشكو بحالي في الشتاء وفي الصيف
لعمري لقد وفَّى العلا حق مفخري
لو اْنِّيَ في الدنيا مُراديَ أستوف
قال واستحسن ذلك ووقع عليه كاتبه؛ يعني بذلك نفسه.
وفاته
عصر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وستماية ابن خمس وعشرين سنة.
ومن الكتاب والشعراء
الفتح بن علي
ابن أحمد بن عبيد الله الكاتب [المشهور]؛ من قرية تعرف
بصخرة الواد؛ من قرى قلعة يحصب؛ يكنى أبا نصر؛
ويعرف بابن خاقان.
حاله
كان آية من آيات البلاغة، لا يُشَقُّ غباره ولا يدرك شأوه، عذب الألفاظ ناصعها، أصيل المعاني وثيقها، لعوباً بأطراف الكلام، معجزاً في باب الحلى والصفات، إلاّ أنه كان مجازفاً، مقدوراً عليه، لا يملُّ من المعاقرة والقَصْف، حتى هان قَدْره، وابتُذِلت نفسه، وساء ذكره، ولم يدع بلداً من بلاد الأندلس إلاَّ دخله، مُسْتَرْفِداً أميره، وواغلاً على عليته. قال الأُستاذ في الصلة: وكان معاصراً للكاتب أبي عبد الله بن أبي الخصال، إلاّ أن بطالته أخلدت به عن مرتبته. وقال ابن عبد الملك، دخل يوماً إلى مجلس قضاء أبي الفضل عياض مخمراً، فتنسم بعض حاضري المجلس رائحة الخمر؛ فأعلم القاضي بذلك، فاستثبت، وحدَّه حدّاً تاماً، وبعث إليه بعد أن أقام عليه الحدّ، بثمانية دنانير وعمامة. فقال الفتح؛ حينئذ لبعض أصحابه: عزمت على إسقاط اسم القاضي أبي الفضل من كتابي الموسوم بقلايد العقيان؛ قال: فقلت لا تفعل وهي نصيحة، فقال: وكيف ذلك، فقلت له، له، قصَّتُك معه من الجايز أن تنسى، وأنت تريد أن تتركها مؤرخة، إذ كل من ينظر في كتابك يجدك قد ذكرت فيه من هو مثله ودونه في العلم والصيت، فيسل عن ذلك، فيقال له: [اتفق معك كيت وكيت] فيُتَوارث فيُتَوارث العلم عن الأكابر الأصاغر. قال، فتبين له ذلك، وعلم صحته، وأقرَّ اسمه.
وحدثني بعض الشيوخ: أن سبب حقده على ابن باجَّة أبي بكر، آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس؛ ما كان من إزرايه به، وتكذيبه إياه في مجلس إقرايه، إذ جعل يكثر ذكر ما وصله به أمراء الأندلس، [ويذكر الفخر بذلك]، ووصف حلياً وكانت تبدو من أنفه أنفه فضلة خضراء اللون. زعموا فقال له، فمن تلك الجواهر إذاً الزمردة التي على شاربك؛ فثلبه في كتابه، مما هو معروف في الكتاب. وعلى ذلك؛ فأبو نصر نسيج وحده، غفر الله له.
مشيخته
روى عن: أبوي بكر بن سليمان بن القصيرة، وابن عيسى بن اللبَّانة، وأبي جعفر بن سعدون الكاتب، وأبي الحسن بن سِراج، وأبي خالد بن مَسْتَقور، وأبي الطَيّب ابن زرقون، وأبي عبد الله بن خلصة الكاتب، وأبي عبد الرحمن بن طاهر، وأبي عامر بن سرور، وأبي محمد بن عبدون، وأبي الوليد بن حجاج، وابن دريد الكاتب.
تواليفه
ومصنفاته شهيرة منها: ((قلايد العقيان))، ((ومطمح الأنفس))، ((والمطمح)) أيضاً. وترسيله مدَّون، وشعره وَسَط، وكتابته فايِقة.
شعره
من شعره قوله؛ وثبت في قلايده؛ يخاطب أبا يحيى ابن الحجاج:
أكعبة علياء وهضبة سؤدد
وروضة مجد بالمفاخر تمطر
هنيئاً لمن زار [نورك أفقه]
وفي صفحتيه من مضايك أسطر
وإني لخفّاق الجناحين كلما
سَرَى لك ذكر أو نسيم مُعَطَّر
وقد كان واشٍ هاجنا لتهاجر
فبت وأحشائي جوى تتفطَّر
فهل لك فّي وُدً ذوى لك ظاهراً
وباطنه يُنْدى صفاءً ويقطر
ولست بعلق بيع بخساً وإنني
لأرفع أعلاق الزمان وأخطر
فروجع عنه بما ثبت أيضاً في قلايده مما أوله:
ثنيت أبا نصر عِناني وربما
ثنت عزمة السَّهم المصَمَّم أسطر
نثره
ونثره شهير، وثبتُّ له من غير المتعارف من السُّلطانيات؛ ظهيراً [كتبه] عن بعض الأمراء لصاحب الشرطة، ولا خفاء بإدلاله وبراعته: ((كتاب تأكيد اعتناء، وتقليد ذي منَّة وغناء، أمر بإنفاذه فلان، أيده الله، لفلان بن فلان صانه الله، ليتقدم لولاية المدينة، بفلانة وجهاتها، ويصرخ ما تكاثف من العدوان في جنباتها، تنويهاً أحظاه بعلائه، وكساه رايق ملائه، لما علمه من سنايه، وتوسَّمه من غِنايه، ورجاه من حسن منابه، وتحققه من طهارة ساحته وجَنَابِه، وتيقن أيده الله أنه مُسْتحق لما ولاه، مُسْتَقلٌ بما تولاَّه، لا يعتريه الكسل، ولا يثنيه عن إمضاء الصوارم والأَسَل، والأَسَل، ولم يَكلِ الأمر منه إلى وَكِل، ولا ناطه مناط عجز ولا فشل، وأمره أن يُراقب الله تعالى في أوامره ونواهيه، وليعلم أنه زاجره عن الجَوْر وناهيه؛ وسايله عما حكم به وقضاه، وأنفذه وأمضاه: ﴿يَوْمَ لاَ
تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً، وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. فليتقدم
لذلك بحزم لا يَخمدُ توقدُّه، وعزم لا ينفد تفقُّده، ونفس ونفس مع الخير ذاهبة، وعلى سنن البرّ وَالتقوى راكبة، راكبة، ويقدم للاحتراس من عُرف اجتهاده وعُلم أرقه في البحث وسُهاده. وحُمدت أعماله، وأُمن تفريطه وإهماله، ويضم إليهم من يحذو حذوهم، ويقفو شأوهم، ممن لا يستراب بمناحيه، ولا يصاب خلل في ناحية من نواحيه، وأن يذكي العيون على الجُناة، وينفي عنها لذيذ السنات، ويفحص عن مكامنهم، حتى يُغَصَّ بالروع بالروع نفس آمنهم، فلا يستقرُّ بهم موضع، ولا يقرُّ يقرُّ منهم مَخبُّ ولا موضع، فإذا ظفر منهم بمن ظفر، ظفر، بحث عن باطنه، وبثَّ السؤال في مواضع تصرفه ومواطنه، فإن لاحتْ شُبهة أبداها الكشف والاستبراء وتعداها للبغي والافتراء، نكله بالعقوبة أشدَّ نكال، وأوضح له منها ما كان ذا إشكال، بعد أن يبلغ أناه، ويقف على [طَرْف] مداه، وحد له ألا يكشف بشرة إلاَّ في حدّ يًتعين، وإن جاءه فاسق أن يتبيَّن، وأن لا يطمع في صاحب مال موفور، وأن لا يسمع من مكشوف في مستور، وأن يسلك السُّنن المحمود، وينزَّه عقوبته من الإفراط، وعفوه من تعطيل الحدود. وإذا انتهت إليه قصة مشكلة أخَّرها إلى غَدِه، فهو على العقاب أقدر منه على ردّهَ، فقد يتبين في وقت ما لا يُتبين في وقت، والمعاجلة بالعقوبة من المَقْت، وأن يتغمد هفوات ذوي الهيآت، وأن يستشعر الإشفاق، ويخلع التَّكَبُّر، فإنه من ملابس أهل النفاق، وليحسن لعباد الله اعتقاده، ولا يرفض زمام العدل ولا مَقَاده، وأن يعاقب المجرم قَدْرَ زلته، ولا يعتز عند ذلَّته، وليعلم أن الشيطان أغواه، وزين له مثواه، فيشفق من عثاره، وسوء آثاره، وليشكر الله على ما وهبه من العافية، وأكسبه من ملابسها الضَّافية، ويذكره جلَّ وتعالى في جميع أحواله، ويفكر في الحَشْر وأهواله، ويتذكر وعداً يُنجز فيه، ووعيداً: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلًّ نَفْسٍ مَا
عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾. والأمير أيده الله، وليٌّ له ما
عَدَل وأقسط، وبريء منه إن جار وقَسَط. فمن قرأه فليقف عند حدّهَ ورَسْمه، وليعرف له حق قطع الشر وحسمه، ومن وافقه من شريف أو مَشْروف، وخالفه في شيء منكر أو أمرٍ بمعروف، فقد تعرَّض من العقاب لما
يذيقه وبال خَبْله: ﴿وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيَّءُ إلاَّ بِأَهْلِهِ﴾.
وكتب في كذا.
وفاته
بمرّاكُش؛ ليلة الأحد لثمان بقين من محرم من عام تسع وعشرين وخمسماية، أُلْفي قتيلاً ببيت من بيوت فُنْدق لبيب؛ أحد فنادقها، وقد ذُبح وعُبث به، وما شُعر به إلاّ بعد ثلاثة ليال من مقتله.
ومن المقريين والعلماء
فرج بن قاسم
ابن أحمد بن لب التغلبي؛ من أهل غرناطة؛ يكنى أبا سعيد.
حاله
هذا الرجل من أهل الخير والطهارة، والزَّكا والديانة، وحسن الخُلُق. رأس بنفسه، وحُلّيَ بفضل ذاته، وبرَّز بمزية إدراكه وحفظه، فأَصبح حامل لواء التحصيل عليه بدار الشُّورى، وإليه مرجع الفتوى ببلده، لغزارة حفظه، وقيامه على الفقه، واضطّلاَعه بالمسائل، إلى المعرفة بالعربية واللغة، والمران في التوثيق، والقيام على القراءات، والتَّبريز في التفسير، والمشاركة في الأصلين والفرايض والأدب. جيد الحظ، ينظم وينثر. قعد ببلده للتدريس على وفور المسجد. ثم استقلَّ بعد، وولي الخطابة بالمسجد الأعظم، وأقرأ بالمدرسة النَّصرية، في ثامن وعشرين من رجب عام أربعة وخمسين وسبعماية؛ معظماً، عند الخاصة والعامة، مقروناً اسمه بالتسويد. وهو الآن بالحالة الموصوفة.
مشيخته
قرأ على الخطيب المقري، شيخنا أبي الحسن القِيجاطي، والخطيب الصالح الفاضل أبي إسحق بن أبي العاصي، والقاضي العدل المحدث العالم أبي عبد الله بن بكر، ولازم الشيخ الفقيه أبا عبد الله البيَّاني، وأخذ العربية عن شيخ العصر أبي عبد الله بن الفخار، وروى عن الشيخ الرحال الراوية أبي عبد الله محمد بن جابر بن محمد القيسي الوادي آشي، وغيرهم.
شعره
من شعره في غرض النسيب قوله:
خذوا للْهوى من قلبي اليوم ما أبقى
فما زال قلبي للهوىّ كلَه رقَّا
دعوا القلب يصلى في لَظَى الوجد ناره
فنار الهوى الكبرى وقلبي هوَ الأشْقى
سَلُوا اليوم أهل الوَجْد ما ذا به لقوا
فكل الذي يلقون بعض الذي ألقى
فإن كان عبدٌ يَسَلِ الْعِتْق مالكاً
فلا ابتغى من مالكي في الهوى عِتْقا
بدعوى الهوى يدعو أناس وكلهم
إذا سئلوا طُرق الهوى جهلوا الطرقا
فطُرق الهوى شتى ولكنَّ أهله
يجوزون في يوم الرَهان بها سبقا
فكم جعمت طرق الهوى بين أهله
وكم أظهرت عند السُّرى بينهم فرقا
بسيما الهوى تسمو معارف أهله
فحيث ترى سيما الهوى فاعرف الصدقا
فمن زَفْرة تُزْجي سحايب زفرة
إذا زفرة ترقى فلا عَبْرة ترقا
إذا سكتوا عن وجْدهم أغرت بهم
بواطن أحوال وما عرفت نطقا
ومن منظومه في وَداع شهر رمضان المعظم قوله:
أأزمعت يا شهر الصيام رحيلا
وقاربت يا بدر التمام أُفُولا
أجِدَّك قد جدَّت بك الآن رحلة
رُوَيْدك أمسك للوداع قليلا
نزلَت فأزْمَعْت الرحيل كلما
نَويت رحيلاً إذ نويت نزولا
وما ذاك إلاَّ أن أهلك قد مضوا
تفانوا فأبصرت الديار طلولا
وقفتَ بها من بعدهم فعل نادى
لربع خلا يبكي عليه خليلا
لقد كنت في الأوقات ناشئة التَّعني
أشدً به وطْساً وأقوم قيلا
ولما انجلى وجهُ الهدى فيك مسفراً
سدلت على وجه الضَّلال سُدولا
متى ارتاد مرتادٌ مَقيلاً لعثْرة
أتاك فألفى للعِثار مقيلا
وناديت فينا صُحْبة الخير أقبلوا
بإقبالكم حُزْتم لديَّ قبولا
لقد كنت لما واصلوكّ ببرَهم
حفياً بهم برّاً لهم ووَصُولا
أقاموا لدين الله فيك شعايراً
هدتهم إلى دار السلام سبيلا
فكم أطلقوا فيها أعنَّةّ جَدَهم
وكم أرسلوا فيها الدموع همولا
دموعاً أثارت سَحَّها ريح زفرة
فسالت وخدَّت في الخدود مسيلا
لديك أيا شهر الهُدى قصَّروا المدى
فكم لك في شأو الفضايل طولا
دلايل تشريف لديك كثيرة
كفى بكتاب الله فيك دليلا
ومن الصوفية والصلحاء
فضل بن محمد
ابن علي بن فضيلة المعافري؛ يكنى أبا الحسن؛ من أهل الشرق
الأندلسي؛ أبو الحسن الولي الصالح الصوفي.
حاله
كان ولياً فاضلاً زاهداً، على سنن الفضلاءَ، وأخلاق الأولياء، غزير العلم، كثير العمل، دايم الاعتبار، مشهور الكرامة، مُسْتجاب الدعوة، صوفياً محققاً، انتهت إليه الرياسة في ذلك على عهده. يدل على ذلك كلامه على أغراض القوم، وكَشْفُه عن رموزهم وإشاراتهم، أديباً بليغاً، كاتباً مرسلاً، لا يُشَقُّ غباره في ذلك. قايماً على تجويد كتاب الله، عالي الرواية، أَسَنَّ وتناهى وازدلف إلى الَتّسْعين، مُمَتَّعاً بجوارحه، ووُلّيَ الخطابة والإمامة بالمسجد الأعظم، أقرأ به مدة كبيرة.
قال ابن الزبير في صلته: كان جليلاً في ذاته وخُلُقه ودينه، معدوم النظير في ذلك، مشاركاً في فنون من العلم، أديباً بارعاً، كاتباً بليغاً، فصيح القلم، متقدماً في ذلك، متصوفاً، سَنِيّاً، ورعاً، معدوم القرين في ذلك، متواضعاً، مقتصداً في شئونه كلها، جارياً في خلقه وأفعاله وأحواله، على سُنَن السلف، أحفظ الناس للسانه وجوارحه وأصدقايه، وأسلمهم عنياً ومشهداً، وأشدهم تمسكاً بهدي السلف الصالح، مؤثراً للخمول، سريع العبرة، شديد الخوف لله سبحانه، تالياً لكتاب الله، كثير الصوم، خفيف القَدَم في حوايج أصحابه، مشاركاً لهم بأقصى ما يمكنه. له تقاييد جوابية عما كان يسئل عنه في الفن الذي كان يؤثره، محرراً ما يلزم التقييد به من كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، غير منافر لمذهب الأشعرية، مالكي المذهب له اختيارات يسيرة لا يُفْتى بها، ولا تتعدى علمه.
مشيخته
روي عن: أبي تمام غالب بن حسن بن أحمد بن سيد بونه، وعن أبي العباس أحمد بن محمد بن شُهيد، وأخذ أيضاً عن أبي بكر بن محرم، وأجاز له أبو بكر بن المرابط، وقرأ على القاضي أبي القاسم بن يحيى بن ربيع، والقاضي أبي عيسى بن أبي السداد المرسي، وغيرهم.
من أخباره
وكراماته شهيرة، فمنها أن رجلاً استفتاه، فأفتاه بجواب لم يحصل له به الإقناع، فرأى في عالم النوم، وإثر سؤاله إياه، رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول له، الحق ما قال لك فلان في المسألة. قال الحاكي، فبكَّر إليه الرجل من الغد، فلما أقبل عليه بموضع إقرايه، قال له، ألم ترد أن تَسْتَفتي يا أبا فلان إلاَّ من رأس العين، فبهت الرجل. وأحواله شهيرة.
مولده
ولد عام سبعة وستماية.
وفاته
في الثامن عشر من محرم عام تسعة وتسعين وستماية. ودفن بمقبرة [ربض] البيّازين مع قومه من صلحاء الشَّرق، وكانت جنازته مشهودة.
ومن العمال الأثرا
فلوج العلج
مولى يحيى بن غانية.
حاله
كان فلُّوج شهماً شجاعاً، مَهيباً حازماً، نال من مولاه حظوة، واستعان به على أموره المهمة. وجرى على يده إغْرام أهل قرطبة، وانطلقت على أموالهم يده، وأثرى وجمع مالاً دَبْراً من الصامت والذخيرة عظيماً.
نكبته
وكان يحيى بن غانيه قد ولاه حصن بني بشير، فثقَّفه وحصَّنه، ونقل إليه أمواله ومتاعه، وذخيرته. ولما توفي مولاه، لحق به وملك أمره واستعان بجماعة من النصارى، ثم بدا له لضعف رأيه، وسوء تدبيره، أن ألقى بيده إلى ابن أخي مولاه إسحق بن محمد بن غانيه، فأناب ولحق به، معتذراً عن توقفه، فقبض عليه وصفَّده، وعرض عليه العذاب، وأسكنه في تابوت، باطنه مسامير، لا يمكنه معها التصرف، وأجاعه بمرأى من الطعام بمطبخه، إلى أن مات جوعاً وألماً. وهو مع ذلك لا يطعمه في شيءٍ من المال. وتخلَّف بالحصن رجلاً من جهة سَرقُسطة، يعرف بابن مالك، ويكنى أبا مروان. فلما ذاع خبر القبض عليه، بادر الموحدون الذين بلَوْشة، فتغلبوا عليه، واستولوا على ما كان به من مال وذخيرة، ووجدوا فيه من أنواع الثياب والحُلي والذَّخيرة، كل خطير عظيم، وشدُّوا على ابن مالك في طلب المال؛ فلم يحدو عنده شيئاً. إلى أن فدى نفسه منهم، بمال كبير. فمضى فلوج على هذا السبيل.
ومن المقريين والعلماء
قاسم بن عبد الله
ابن محمد الشَّاط الأنصاري؛ نزيل سبتة؛ وأصله من بلنسية؛ يكنى أبا القاسم. قال: والشَّاط إسم لجدي؛ وكان طُوالاً؛
فجرى عليه الاسم.
حاله
نسيج وحده في إدراك النظر، ونفوذ الفكر، وجودة القريحة، وتسديد الفهم، إلى حسن الشمايل، وعلو الهمة، وفضل الخلق، والعكوف على العلم، والاقتصار على الآداب السُّنية، والتحلي بالوقار والسكينة. اقرأ عُمْرَه بمدرسة سبتة، الأُصول والفرايض، متقدماً، موصوفاً بالأمانة. وكان موفور الحظ من الفقه، حسن المشاركة في العربية، كاتباً، مُرَسّلاً، ريّان من الأدب، ذا مماسَّة في الفنون، ونظر في العَقْليات، ضرورة لم يتزوج، ممن يتحلى بطهارة وعفاف.
وقال في المؤتمن: كان مع معارفه، عالي الهمة، نزيه النفس، ذا وقار وتُؤدة في مشيه ومجلسه، يُشاب وقاره بفكاهة نظيفة، لا تنهض إلى التأْثير في وقاره، ظريف الملبس، يخضب رأسه بالحنا على كبره.
مشيخته
قرأَ بسبتة على: الأستاذ الكبير أبي الحسن بن أبي الربيع وبه تأدب، وعلى أبي بكر بن مشليون، وعلى الحافظ أبي يعقوب المحاسبي، وعلى الطبيب أبي عبد الله محمد بن علي بن أبي خالد العبدري الأُبَّدي، وعلى أبي الحسن البصري، وعلى خاليه: أبي عبد الله محمد: وأبي الحسن إبني الطرطاني، وأجازه أبو القاسم بن البرَّا، وأبو محمد بن أبي الدنيا، وأبو العباس بن علي الغماز، وأبو جعفر الطباع، وأبو بكر بن فارس، وأبو محمد الأنباري، وغيرهم. وأخذ عنه الجملة من أهل الأندلس من شيوخنا: كالحكيم الأستاذ أبي زكريا بن هُذَيل، وشيخنا أبي الحسن ابن الجياب، وشيخنا أبي البركات، والقاضي أبي بكر بن شِبْرين، وقاضي الجماعة أبي القاسم الحسني الشريف، والوزير أبي بكر بن ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم، والقاضي أبي القاسم بن سَلْمون، وغيرهم.
شعره
وكان يقرض أبياتاً حسنة من الشعر، فمن ذلك قوله يُذَيّل أبياتاً لأبي المطرف بن عميرة وهي:
فَضَل الجمال على الكمال بخّدَه
والحق لا يخفى على من وسَّطه
عجباً له برهانه بشروطه
معه فما مطلوبه بالسَّفْسطه
عَلِم التَّباين في النفوس وإنها
منها [مفرطة وغير مفرطة]
فيه رأت وجه الدَّليل وفرْقهَ
أصْغَت إلى الشُّبهات فهي مورطة
فأراد جمعها معاً في حكمة
هذي بمُنْتجة وذي بمغلَّطة
ومن شعره قوله:
وإني سلكتُ من انقباضي مسلكاً
وجريتُ من صَمْتي على مِنْهاج
وتركت أقوال البرية جانباً
كي لاُ أّميَز مَادحاً من هاج
دخوله غرناطة
ورد على غرناطة عند تصَيُّر سبتة إلى الإيالة النَّصرية مع الوافد من أهلها ببيعة بلدهم، فأخذ عنه بها الجُملة، ثم انصرف إلى بلده. قال شيخنا أبو البركات، وأنشدنا لنفسه:
قلْت يوماً لمن تخذت هواه
ملَّةٌ قد تبعتها وشريعة
لم تْأبَ الوصال وهو مُباح
وتسُوم المحبَّ سوء القَطيعة
قال إني خشيت منك ملالاً
فتركت الوصال مدّ ذريعة
وأنشدنا:
وغزال أنس سَلَّ من ألحاظه
سيفاً أراق دم الفؤاد بّسَلَه
وبِخَدِّه من ذلك أعدل شاهد
يقضي بأن الفتك به من فعله
مالي أطالبه فيدحض حجَّتي
ودمي يُطَلُّ وشاهدي منَ أهله
وأنشدنا الفقيه أبو القاسم الزقَّاق، قال أنشدنا الأستاذ أبو القاسم الشاط، وقد خرجنا معه مشيعين إياه في انصرافه عن غرناطة آيباً إلى بلده:
يا أهل غرناطة إنيُ أودعكم
ودمع عيني من جَراكم جار
تركتُ قلبي غريباً في دياركم
عساه يلْقَى لديكم حُرْمة الجار
تواليفه
منها: ((أنوار البروق في تعقب مسايل القواعد والفروق))، و((غنية الرابض في علم الفرايض))، و((تحرير الجواب في توفير الثَّواب))، و((فهرسة حافلة)). وكان مجلسه مألفاً للصدور من الطلبة، والنبلاء من العامة. حدثني شيخنا القاضي الشريف أبو القاسم؛ قال: كان يجلس عند رجل خياط من أهل سبتة؛ يعرف بالأجعد؛ من العامة؛ فأخذ يوماً يتكلم عن مسألة؛ فقال متمثلاً: كما تقول: الأجعد الخياط فعل كذا؛ ثم التفت معتذراً؛ يتبسم وقال: أتمثل بك؛ فقال الأجعد بديهة: إذاً يا سيدي أُعْتق عليكم؛ إشارة إلى قول الفقهاء: العبد يُعتق على سيده، [إذا مثل به] فاستظرف قوله.
مولده
في ذي قعدة من عام ثلاثة وأربعين وستماية بمدينة سبتة.
وفاته
توفي بها في آخر عام ثلاثة وعشرين وسبعماية، وقد استكمل الثمانين.
قاسم بن عبد الكريم
ابن جابر الأنصاري؛ من أهل غرناطة؛ يكنى أبا محمد،
ويعرف بابن جابر.
حاله
كان رحمه الله من جلة أهل العلم والفضل، حسن الأخلاق، مليح الحديث، عذب الفكاهة، لطيف الحاشية، على دين والتزام سُنَّة. رحل إلى المشرق فلقي العلماء، وأخذ عنهم، وكَلِف بعلم الجَدَل، فقرأه كثيراً، وبهر فيه. وورد على غرناطة من رحلته، فأقرأ بها الأصول وغيرها من جدل ومنطق وفقه.
مشيخته
قرأ بغرناطة على الخطيب ولي الله أبي الحسن بن فضيلة، والأستاذ خاتمة المُقْرِيين أبي جعفر بن الزُّبير، وولّيَ القضاء بِبَسْطة، ثم كَلِف بالإقراه وعكف عليه، فلم ينتقل عنه.
من أخذ عنه
أخذ عنه كراسة الفخر المسماة ((بالآيات البينات))؛ وكان قايماً عليها، جملةٌ من شيوخنا، كالأستاذ التعاليمي أبي زكريا بن هذيل، والأستاذ المقري أبي عبد الله بن البيَّاني.
شعره
له شعر أنشدنا الشيخ أبو القاسم بن سلمون؛ قال أنشدنا في شيخنا ابن جميل؛ قوله:
إن أطْلَع الشَّرقُ شمسٌ دنياَ
قد أطْلَع الغرب شَمْس دين
وبين شمس وبين شمس
ما بين دنيا وبين دين
مولده
ولد بغرناطة عام تسعة وستين وستماية.
وفاته
توفي بها؛ في جمادى الآخرة أو رجب من عام أربعة عشر وسبعماية.
قاسم بن يحيى
ابن محمد الزّرَوالي؛ يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن دِرْهم؛ مالقي؛ أصله من جبال تاغسى؛ ودخل غرناطة، وقرأ بها.
حاله
من تذييل صاحبنا القاضي أبي الحسن؛ قال فيه: كان رحمه الله واحد زمانه، ينبوع الحكمة، يتفجر من لسانه، وعنوان الولاية على طَيْلسانه. ومن عايد الصلة: كان رحمه الله علماً من أعلام الزهد والورع والديانة، والتقلُّل من الدنيا، والعكوف على تجويد كتاب الله وإقرايه، منقطع القرين فيه، كثير المناقشة والتحقيق، يرى أن ليس في الأرض من يحكم ذلك حق إحكامه، ما لم يأخذه.
مشيخته
قرأ على جملة من حملة كتاب الله بالمشرق والمغرب والأندلس، وعُني بذلك. ثم لم يعتمد منهم إلاَّ على الأستاذ أبي إسحق الغافقي بسَبْتة، والخطيب أبي جعفر بن الزيات ببَلّش من الأندلس، واستمرت حاله على سبيلها من الزهد والانقباض والتنطُّع، والإغراق في الصلاح، والشُّذوذ في بعض السجايا إلى أن توفي.
بعضٌ من نوادره مع اخشيشانه
حدثني القاضي أبو الحسن بن الحسن: أن بعض الطلبة المتنَسّكَين قال له: أتيتُك أقرأُ عليك؛ فأستخير الله؛ ثم أتاه فقال: قد استخرت؛ وهمّ بالقراءة؛ فقال له الشيخ: أمسك حتى أستخير أنا الله، في قراءتك عليَّ؛ فقال الطالب؛ وهذا عمل برّ؛ً فقال له الحجة عليك. فانفصل عنه؛ ثم عاد إليه يَسَلُ منه القراءة؛ فقال: يا بني ظهر لي أن لا تقرأَ علي؛ فانصرف.
من أخباره في الكرامة
قال لي المذكور، وقد أزمعت السفر إلى ظاهر طريف مع جَمْع المسلمين، أنك إن سافرت يا ولدي، تُقاسي مشقَّة عظمى إن سبق القدر بحياتك، والله يُرشدك، وقد كنت شرعت في ذلك مع رفقائي. وفي سحر ليلة اليوم، الذي انهزم فيه المسلمون، رأيته في النوم يقول لي منكراً عليَّ، قلت لك لا تسافر يكررها، فاستيقظت وأوقع الله بقلبي الرجوع إلى الجزيرة، لآراب أقضيها، فما بلغ زوال الشمس من اليوم، إلاَّ ومُقَدّمَة الفَلّ عَلى أطواق البلد في أسوإ حال.
وفاته
توفي ببلدة مالقة؛ خامس صفر من عام خمسين وسبعماية في وقيعة الطَّاعون، توفي وآخر كلامه، رزقنا الله عملاً صالحاً يقربنا إليه زُلفى، وجعلنا ممن يمر عُقْبَتي الدنيا والآخرة مرور أهل التقوى.
من الكتاب والشعراء
قرشي بن حارث
ابن أسد بن بشر بن هندي بن المهلب بن القاسم بن معاوية ابن عبد الرحمن الهمداني.
حاله
هو أعرق الناس في الشعر، لأن جدّه المُهَلَّب كان شاعراً، وولده هندي كذلك، وأسد وحارث وقرشي؛ فهم شعراءُ سنة على نسق، ويدل شعرهم على شَرَف نفوسهم، وبُعد هممهم.
شعره
قال أبو القاسم الغافقي: من شعره قوله في هاشم بن كعب التميمي من أنجد الفرسان؛ قتل في يوم، خمسة من أنجاد المُوَلَّدين:
هجرتُ القوافي والظَبِّا الأوانسا
ودعت لذَّاتي نعم واللواعسا
ورعت فؤادي بالمَشِيب عن الصَّبا
وأصبحت عن عهد الغواية يائسا
أبا خالد ما زلتُ مذ كنت يافعاً
لكل سِنات المكارم لابسا
فما حملُت أنثى كمثلّك سيَداً
ولا حملت خيلٌ كمثلك فارسا
قاسم بن محمد
ابن الجد العمري؛ يكنى أبا القاسم، ويعرف بالورسيدي؛
من أهل أَلمريَّة؛ وتكرر وروده على غرناطة.
حاله
قال شيخنا أبو البركات: كان حسن الأخلاق، سليم الصدر، بعيداً عن إذاية الناس بيده أو لسانه بالجملة، له خطٌّ لا بأس به، ومعرفة بالعَدد، وسلك الطريقة الزّمَامية، وله حظ من قَرْض الشعر. وجرى ذكره في الإكليل بما نصه: من أيمة أهل الزمام، خليق برعي الذّمَام، ذو حظ كما تفتَّح زهر الكمام، وأخلاق أعذب من ماء الغمام. كان ببلده محاسباً، في لجة الأعمال راسباً، صحيح العمل، يُلبس الطرُّوس من براعته أَسْنَى الحُلل.
شعره
قال يمدح المقام السلطاني:
أرى أوجه الأيام قد أشرقت بشرا
فقل لي رعاك الله ما هذه البُشْرا
وما بال أنفاس الخُزَامى تعطَّرت
فأرَّجَت الأرجاء من نفحها عطرا
ونقَّبت الشمس المنيرة وجهها
قُصُوَراً عن الوجه الذي أخْجَل البدْرا
وما زالت بأغصان الرجال أريحية
كما عطفت أعطافها تنثني شكرا
فما ذاك إلاَّ أن بدا وجه يوسف
فأرْبَت على الآيات آياتُه الكبرا
خليفّة ربَ العالمين الذي به
تمهدت الأرجاءُ وامتلأت بشرا
وجرت على أعلى المجرَّة ساحباً
ذيول العلى فاستكمل النهي والأمرا
وقام بأمر الله يقضي ويقتضي ال
فتوح التي تُبقي له في العلى ذكرا
وأربى على كل الملوك وفاتهم
بسيرته الحُسْنى التي قد عَلَتْ قَدْرا
هي طويلة، ومن شعره أيضاً قوله:
من أيَن أقْبَلْتَ يا نسيم
جادت بساحاتك الغُيوم
ولا عَدِمناه منك سُرَى
حلَّ به عندنا النعيم
بلغ سلامىُ أهَيل وُدَّي
بلغك الله ما تروم
قل لهم صَبُّكُمُ مشوقٌ
أنْحَله وجدُه القديم
لطالما يسهر الليالي
وطيُّ أضلاعه جحيم
هِبوا رضاكم لذي غرام
ما زال قِدْماً بكم يهيم
إن غبتم عن سواد عيني
فحبكم في الحَشَى مُقيم
لو ثَرَّ ساعد السَّعد أن أراكم
لما اشتكى قلبي السَّقيم
يا حادي العِيس نحو أرض
بنيقة قدرها عظيم
إذا أتيّت اللَوى وسلفا
وبان للناظر الحطيم
ولاح بَالأبْرَقين بدرٌ
بسيره تهتدي النجوم
فقل غريبٌ ثوى بقرب
في بحر أوزاره يَعُوم
قد أثقلت ظهره الخطايا
وشجَبت ذكره الرسوم
إن أعمل الحزم لارتحال
أقعده ذنْبُه العظيم
لهفي هذا الشباب ولى
والقلب في غيه مُقيم
يا رب عفواً لذي اجترام
لا تَهْتّكُ السَتر يا حليم
مالي شفيع سوى رجايي
وحسن ظني أيا كريم
فلا تكلني إلى ذنوبي
وارحمني يا ألله يا رحيم
وفاته
توفي في وقيعة الطاعون عام خمسين وسبعماية.
من المحدثين والفقهاء والطلبة النجباء
قاسم بن أحمد
ابن محمد بن عمر ن الحضرمي؛ من أهل سبتة:
حاله
من خطّ صَاحبنا القاضي أبي الحسن بن الحسن؛ قال: كان شيخنا يتقد ذكاءً. رحل عن سبتة إلى الحجاز؛ فقضى الفريضة، وتطور في البلاد المشرقية نحواً من أربعة عشر عاماً، وأخذ بها عن جلَّة من العلماء. وورد على غرناطة في حدود عام ثمانية عشر وسبعماية، فأخذ عن بعض أشياخها، وعاد إلى بلده، وكان على خِزانة الكتب به، وكان يُقرىء القرآن به، قال: وأنشدني لما لقيته بيتاً واحداً، يحتوي على حروف المعجم؛ وهو:
قد ضم نصر وشَكا بَثَّه
مذ سخطتُ عضَّ على الإبط
مشيخته
أخذ بالمشرق عن جماعة، منهم شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي طالب الدمشقي الحجار، والشيخ المحدث أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد الشيرازي بن جميل، قرأ عليه كتاب ابن الحاجب، وحدثه به عن مؤلفه، وقرأ على الشيخين المقريين الجليلين؛ أبي عبد الله محمد بن عبد الخالق المعروف بابن الضايع وأبي عبد الله ابن يعقوب الجراش المقدسي، جملة من الكتب الحديثية وغيرها، وسمع عليهما كتاب ((الشاطبية))، وحدَّثاه بها معاً عن المُقْري أبي الحسن علي كمال الدين بن شجاع العباسي الضرير، عن صهره مؤلفها.
تواليفه
قال: له في القراءات تقييد حسن سماه ((الشافي في اختصار التيسير الكافي)).
وفاته
توفي أيام الطاعون العام ببلده.
قاسم بن خضر
ابن محمد العامري؛ يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن خضر؛
هكذا دون تعريف. يعرف سلفه ببني عمرون؛ من أهل ألمرية.
حاله
من خط شيخنا أبي البركات: كان هذا الشيخ من وجوه ألمرية، وممن تصرف سلفه في خُطَّة القضاء بها. وهو أقدم خطيب أدركته بسِنّيَ بجامعها الأعظم. وكان شيخاً عفيفاً من رجال الجد، ضيق العَطَن، سريع الغضب، غيوراً على تلك الخطة، لا يُحلى بعينه أحد. لما مات رفيقه في الصلاة والخُطْبة، الشيخ الشهير عند العامة، ثالث اثنين، الخراسي والنطية، أبو عبد الله بن الضايع، فكلُّ من عرض عليه أن يكون معه أباه، فقال أهل البلد: فما العمل، فقال يُكتب إلى أبي القاسم بن الحاج إلى سبتة، ليأتي إلى أرض سلفه، ويكون رفيقي في الصلاة والخطبة يعني عمّيَ؛ فكتب إليه بذلك، فكانت المسألة عند الآخر، أهون من أن يجيب على الكتاب، ولو بالإباية، فبقي الأمر إلى أن قُدّمَ معه الشيخ الصالح الخطيب المِصْقَع أبو الحسن ابن فرحون البِلْفيقي؛ فلم يجد فيه قادحاً إلا كونه ليس من أهل البلد؛ فبقي مرافقاً له إلى حين وفاته.
غريبة
قال الشيخ: أخبرتني جدتي عائشة بنت يحيى بن خليل؛ قالت: كان الرجل الصالح، أبو جعفر بن مكنون؛ خال قاسم بن خضر هذا؛ فرآه يلعب مع الصبيان في أزقة ألمرية؛ فقال له: من يكون خطيب ألمرية يلعب؛ فبقيت في حفظه إلى أن ولي الخطابة.
وفاته
توفي في صفر من عام ثلاثة وسبعماية؛ وكانت جنازته مشهودة.
حرف السين
سّوار بن حمدون
ابن عبده بن زهير بن ديسم بن قديدة بن هنيدة
وكان علماً من أعلام العرب، وصاحب لواء قيس بالأندلس، ونزل جدُّه بقرية قربسانة من إقليم البلاط من قرى غرناطة، وبها أنسل ولده، ولم يزالوا أعلاماً، إلى أن ظهر سوار هذا منهم في الفتنة.
حاله وبعض آثاره وحروبه
قال أبو القاسم، كان سوّار هذا بعيد الصيت، رفيع الذكر، شجاعاً، محباً في الظهور، حامي العرب وناصرهم. وكان له أربعة من الإخوة، مثله في الشجاعة، حضروا معه في الحروب في الفتنة، وهو الذي بنى المدينة الحمراء بالليل، والشَّمعُ تُزْهر لعرب الفحص، وبنى مدينة وادي آش لبني سامي، وبنى مدينة مُنْتِيشة لبني عطاف، وبنى مدينة بَسْطة لبني قحطبة، وبني مَسِيرة، وبنى كورة جيَّان للعرب. ولولا أن الله منَّ على العرب بسوَّار ونصره، لما أبقى العجم والمولدون منهم أحداً. وأنسل سوّار، عبد العزيز المقتول بمُنتِشافر، وعبد الرؤوف وعبد الملك.
مبدأ أمره وحروبه وشعره
قال أحمد بن عيسى بعد اختصار:، في صدر هذه السنة، يعني سنة خمس وسبعين ومائتين، ثار سوَّار ابن حمدون بناحية البراجلة من كورة إلبيرة، وانضوت إليه العرب، قام على تفئة مهلك يحيى بن صُقالة أميرهم، قتيل المُسالِمة والمولَّدين، فطلب بثأْره، وكثرت أتباعه، واعتزت العرب به، وقصد بجمعه إلى مُنْتْ شافِر، وبه من عدوه المذكورين نحو من ستة آلاف رجل نازلهم حتى قهرهم. وطاف على حصونهم فافتتحها، وقتل وغنم، وتنادوا لقتاله في جموع عظيمة، عليها جُعْدُ بن عبد الغافر عامل الأمير عبد الله، وبرز إليهم فيمن برز، وناشبهم الحرب، فانهزموا فقتل منهم خلق حُرِزوا بسبعة آلاف، وأُسر جعد، ومنَّ عليه وأطلقه، وكانت وقيعته الأولى هذه تعرف بوقيعة جَعْد. وغَلَظ، واستند إلى حصن غرناطة، بالقرب من مدينة إلبيرة. وكانت العرب يتأَلبون على المولَّدين، إلى أن عزل الأمير جعداً عن الكورة إرضاءً لسّوار، فأظهر عند ذلك الطاعة، وغزا الحصون الراجعة إلى ابن حَفصون فأوقع بهم، فهاجمهم، واجتمعت عليه كلمتهم، فقصدوه وحصروه بغرناطة في نحو عشرين ألفاً، وبرز إليهم في عدده القليل من عبيده، ورجال بيوتات العرب من أهل إلبيرة، ورجعوا من جبل الفخَّار على تعبئة، يريدون الباب الشرقي من غرناطة، وكادهم لما التحمت الحرب وشب ضرامها، بما دبره من انسِلاله في لَخْمة من فرسانه، حتى اسْتَدبرهم، فحمل بشعاره فانذعروا وانفضُّوا، فتوهَّم حُماتهم أن مدداً جاءهم من ورائهم؛ فولوا منهزمين، وأعمل سوّار وأصحابه السيوف فيهم إلى باب إلبيرة، فيقال: إن قتلاهم في هذه الوقيعة الثانية؛ كانوا إثني عشر ألفاً وهي الوقيعة المعروفة بوقعة المدينة، ولاذ المولَّدون بعد هذا بعمر بن حَفْصون واستدعوه، فوافاهم في جيش عظيم، ودخل إلبيرة، وناهض سوَّاراً. وعنده رجالات عرب الكُوَر الثلاث: إلبيرة وجيَّان وريُّه، واشتد القتال، وجال جيش ابن حفصون جولة، جُرح فيها جراحات صعبة، وكاد سوار يأتي عليه، لولا رجال صدقوه الكرَّ واستنقذوه، وتمَّت عليه الهزيمة، فانقلب على عَقِبه، ونالت الحضرة معرته، فأغرم أهلها الذين استجلبوه ما تشَعَّث من عسكره، واستعمل عليهم قائده حفص بن المُرَّة، وانصرف. ونجح سوَّار بما تهيأَ له على أعدائه، فاعتَلَت همته، وأَجَلَّته العرب، وعلا في الناس ذكره، وقال الأشعار الجَزْلة، فيما تهيأَ له على المولدين، وأكثر الافتخار بنفسه، فشُهر من قوله في ذلك:
صَرَم الغواني يا هُنيد مودتي
إذ شاب مِفْرَقِ لمَّتي وقَذالي
وصَدَدْن عني يا هُنيد وطالما
علقت حبال [وصالها بحبالي]
وهي طويلة، أكثر فيها الفخر، وأَلمَّ بالمعنى.
وفاته
ولما انصرف عمر بن حفصون وترك قائده بإلبيرة، جهز معه طائفة من خيله، وأقره لمُغَاورة سوَّار، ودَرْك النيل لديه، وأعمل حفص جهده، وطلب غرَّته، فأمكنه الله منه، وأنه دنا إليه يوماً، وقد أَكْمنَ أكثر خيله، وظهر له مُسْتَغيراً بجانب من حِصْنه؛ فخرج سوَّار مبادراً من غرناطة لأول الصَّيحة في نفر قليل، لم يحترس من الحيلة، التي يحذرها أهل الحزم، فأصحر لعدوه؛ وخرجت الكماين من حوله، فقتل وجيء بجثته إلى إلبيرة، فذكر أن الثَّكالى من نسايهم قَطَّعن لحمه مرقاً، وأكلنه حنقاً لما نالهن من الثَّكل. وكان قتل سوَّار في سنة سبع وسبعين ومايتين، وقتلت العرب بقتل سوار وكل حدها بما نزل بها.
سليمن بن الحكم
ابن سليمن بن عبد الرحمن الناصر لدين الله؛ الخليفة بقرطبة؛ المكْنى بأبي أيوب؛ الملقب من الألقاب الملوكية بالمُستعين بالله.
أوليته
معروفة.
حاله
كان أديباً شاعراً، مجموع خِلال فاضلة، أصيل الرأي، راجح العقل، ثبتاً. ولي الخلافة غِلاباً، وقَعْصاً، ومنازعة، وأَوْقع بأهل قرطبة وقائع أبادتهم. وخُلع ثم عادت دولته، وجرت له وعليه الهزايم، على قِصَر أمد خلافته، لقيام البربر بدعوته، وتَدْويخ البلاد باسمه، في أخبار فيها عبرة، دخل في بعض حركاتها وهولاتها المُبِيرة، إلى أن طحنته رَحى الفِتنة، وشيكاَ عن دنيا غير هَنِيَّة، وصبابة ليست بسَنِيَّة.
شعره
من شعره يعارض المقطوعة الشهيرة المنسوبة للرشيد:
عجباً يَهاب الليثُ حدَّ سِناني
وأهاب لَحْظَ فواتر الأجفانُ
فأقارع الأهوال لا مُتَهيباً
منها سوى الإعراض والهُجْران
وتمَّلكت نفسي ثلاث كالدُّمى
زُهْر الوجوه نواعمَ الأبدان
ككواكب الظَّلماءِ لُحْن لناظري
من فوق أغصان على كُثْبان
هذي الهلال وتلكُ أخت المشتري
حُسْناً وهذيُ أخت غُصْن البان
حاكمت فيهن السُّلو إلى الهوى
فقضى بسلطان على سلطان
فأبحن من قلبي الحمى وتركنني
في عّزَ ملكي كالأسير العان
لا تعذلوا ملكاً تذلَّل للهوى
ذلُّ الهوى عزٌّ وملكٌ ثان
مقتله
قتله علي بن حَمُّود؛ المتقدم الذكر، متولي الأمر بعده، صبراً بديه، بدم هشام المؤيد، وقال لما زحف إليه: لا يقْتُل الزُّلطان إلاّ الزُّلطان؛ يعني السُّلطان؛ إذ كان بربريّ اللسان؛ وذلك في أُخريات المحرم من سنة سبع وأربعماية.
سليمان بن عبد الرحمن
ابن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان؛
يُكْنى أبا أيوب.
حاله
كان شهماً جريئاً، أَنُوفاً شجاعاً، دَيّناً فاضلاً. ولما توفي أبوه بقصر قرطبة، وهشام وأبو أيوب هذا غائبان، وكَّل ابنه عبد الله، المعروف بالبَلَنْسي، وقال من سبَق إليك من أخويك، فارْم إليه بالخاتم، فإن سبق إليك هشام، فله فضل دينه وعفافه واجتماع الكلمة عليه. فإن سبق إليك سليمان، فله فضل دينه ونجدته، وحبُّ الشاميين له؛ فقدم هشام من ماردة، وتولى الخلافة قبل سليمن؛ واتصل ذلك بسليمن؛ فأخذ لنفسه البيعة بطُليطلة، وما اتصل بها، ودعا إلى نفسه........... وواضع أخاه الحرب غير ما مرة، تجري عليه في كلها الهزايم، إلى أن تبرَّم بنفسه، وأجاز البحر عن عهد إلى ستين ألفاً بُذلت له، واستقرَّ بأهله وولده ببلاد البربر. ولما صار الأمر للحَكم بن هشام، عاد إلى الأندلس سنة اثنتين وثمانين ومائة، وكان اللقاءُ في شوال منها، فانهزم سليمان، ثم عاد للّقَاءُ فانهزم. وفي سنة أربع وثمانين حشد، واحتلَّ بجيَّان ثم بإلبيرة، والتقى بها معه الحَكَم، ودام القتال أياماً، حتى هم الحكم بالهزيمة،؛ ثم انهزم سليمن، وقتل في المعركة بشرٌ كثير، وأفلت سليمان إلى جهة ماردة. وبالتقاء الحكم وعمّهَ سليمان بإلبيرة وأحوزاها، إستحقا الذكر هنا على الشرط المعروف.
وفاته
وبعث الحكم أَصْبغ بن عبد الله؛ في طلب سليمان؛ فأسره وأتاه به، فأمر بقتله، وبعث برأسه إلى قرطبة. قتل في سنة خمس وثمانين بعدها.
سعيد بن سليمان
ابن جودي السعدي.
حاله
كان سعيد بن سليمن صديق سوَّار؛ فغصبت العرب الإمارة به بعده، وعلقت به؛ فقام بأمرها، وضمَّ نَشْرها؛ وكان شجاعاً بطلاً، فارساً مجرّبَاً، قد تصرف مع فروسيته في فنون من العلم، وتحقق بضروب من الآداب؛ فاغتدى أديباً نحريراً، وشاعراً مُحْسناً، واتصل قيامه بأَمر العرب إلى أن قُتل.
شعره
ومن شعره في وقيعة سوَّار بالمولدين قوله من قصيدة طويلة:
قد طلبنا بثأرنا فقتلنا
منكم كل مارق وعنيد
قد قتلناكم بيحيى وما أن
كان حكم الله بالمردود
هجتم يا بني العبيد ليوثاً
لم يكونوا لجارهم بقعود
فاصطلوا حرَّها وحدَّ سيوف
تلظّى عليكم بالوقود
حاكمٌ ماجدٌ يقود إليكم
فئةً سادةً كمثلُ الأسود
مهذَّبٌ من نزار
وعميد ما مثله من عميد
يطلب الثأر بابن قوم كرام
أخذوا بالعهود قبل المُهود
فاستباح الحمى لم يُبْق منها
غير عانٍ فَقْده مَصْفود
قد قتلنا منكم ألُوفاً فما يع
عدل قَتْل الكريم قتل العبِيد
مثَّلوه لما أضاف إليهم
لم يكن قتله برأي سديد
قتلته عبيدُ سوءٍ لئامٌ
وفِعال العبيد غير حميد
لم يصيبوا الرشاد فيما أتوه
لا ولا كان جَدُّهم لسعود
قد غدرتم به بني اللؤم من بع
د يميُنّ قٍد أكَدت وعهود
فلئن كان قتله غدرةً ما
كان بالنَّكّس لا ولا الرَعديد
كان ليثاً يحمي الحروب وحِصْناً
وملاذاً وعصمة المقصود
كان فيه التُقى مع الحلم والبأ
س وجودٌ ما مثله جود
عالٍ مجَّد الأمجاد بعدك
قديماً وفتَّ كل مجيد
فجزاك الإله جنة عدن
حيث يَجْزي الثوابُ كلَّ شهيد
مقتله
قال الملاَّحي: كان من الأعلام، وعُدَّ في الشعراء والفرسان والخُطَباءِ والبلغاءِ، خطب بين يدي الخليفة المنذر، وهو حَدثٌ، أول ما أَفْضَت الخلافة إليه، وعليه قباءُ خزّ،ً وقد تنكب قوساً عربية، والكنانة بين يديه. خطب خطبة بليغة، وصلها بشعر حسن، ولم يزل الَلّواء يتردد عليه في العَزّ والمُقام، ويخطب في أعلى المنبر في المسجد الجامع بإلبيرة. وسجل له الخليفة عبد الله على الكورة، إلى أن همّ بالقيام على بني أُمية عندما اشتدت شكيمته، وظهر على عمر بن حفصون إلى أن قتل بسبب امرأة، تمت عليه الحيلة لأجلها بدار يهودية، إذ كان منحطاً في هوى نفسه، فطاح في ذي قعدة سنة أربع وثمانين ومايتين، وصار أمر العرب بعده إلى محمد بن أضحى حسبما يتقرَّر في مكانه.
ومن ترجمة الأعيان والوزراء والأماثل والكبراء
سهل بن محمد
ابن سهل بن مالك بن أحمد بن إبراهيم بن مالك الأزدي. صدر هذا البيت، وياقوتة هذا العِقد؛ يُكْنى أبا الحسن.
قال أبو جعفر بن مسعدة: كان رأس الفقهاءِ وخطيب الخطباء البلغاءِ، وخاتمة رجال الأندلس. تفَنَّن في ضروب من العلم، وبالجملة فحاله ووصفه في أقطار الدنيا، لا يُجْمله أحد، فحدّثَ عن البحر ولا حرج، ضنَّ الزمان أن يسمح برجل حاز الكمال مثله.
حاله
قال ابن عبد الملك: كان من أعيان مِصْرِه، وأفضل أهل عصره، تفنُّناً في العلوم، وبراعة في المنثور والمنظوم، محدّثَاً ضابطاً، عَدْلاً ثقة ثبتاً، حافظاً للقرآن العظيم، مجوّدَاً له، متقناً في العربية، وافر النصيب من الفقه وأصوله، كاتباً مجيداً للنظم في معرب الكلام وهزله، ظريف الدعابة، مليح التَّندير. له في ذلك أخبار مُسْتَظرفة متناقلة، ذا جدة ويسار، متين الدين، تام الفضل، واسع المعروف، عميم الإحسان، تصدق عند القرب من وفاته بجملة كبيرة من ماله ورباعه، وله وفادةٌ على مراكش.
مشيخته
روى ببلده عن خاله أبي عبد الله بن عروس، وخال أُمه أبي بكر يحيى بن محمد بن عروس، وأبي جعفر بن حَكَم، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي خالد بن رفاعة، وأبي محمد عبد المنعم بن الفَرَس؛ وبمالقة عن أبي زيد السُّهيلي، وأبي عبد الله بن الفخار. وبمرسية عن أبي عبد الله بن حميد، وأبي القاسم بن حُبيش. وبإشبيلية عن أبي بكر بن الجَدّ،َ وأبي عبد الله بن زرقون، وأبوي عبد الله ابن العباس بن مضاء، والجراوي الشاعر، وأبي الوليد بن رشد. قرأ عليهم وسمع، وأجازوا له. وأجاز له من أهل الأندلس أبو محمد عبد الله نزيل سبتة، وعبد الحق بن الخراط نزيل بجاية. ومن أهل المشرق جماعة، منهم إسمعيل بن علي بن إبراهيم الجراوي، وبركات بن إبراهيم الخُشُوعي أبو الطاهر، وعبد الرحمن بن سلامة ابن علي القضاعي، وغيرهم ممن يطول ذكرهم.
من روى عنه
روى عنه: أبو جعفر بن خَلَف والطُّوسي، وابن سعيد القزاز، وأبو الحسن العَنْسي، وأبو عبد الله بن أبي بكر البري، وابن الجنّان، وأبو محمد عبد الرحمن بن طلحية، وأبو محمد بن هرون، وأبو القاسم بن نبيل، وأبو يعقوب بن إبراهيم بن عِقاب، وأبو جعفر الطَّباع، وأبو الحجاج بن حَكَم، وأبو الحسن الرُّعيني، وأبو علي ابن النَّاظر، وغيرهم.
ثناء الأعلام عليه
والمجال في هذا فسيح. ويكفي منه قول أبي زيد الفزاري:
عجباً للناس تاهُوا بثَنيَّات المسالك
وصَفوا بالفضل قوماً وهم ليسوا هُنالك
كثر النَّقل ولكن صحَّ عن سهل بن مالك
شعره
وشعره كثير مما ينخرط في سلك الجيد [فمن ذلك] قوله:
نهارك في بحر السَّفاهة يسبح
وليلُك عن نوم الرَّفاهة يُصبح
وفي لفظك الدَّعوى وليس إزاءُها
من العمل الزَّاكي دليل مصحح
إذا لم توافق قولةً منك فعلةً
ففي كل جزءٍ من حديثك تَفْصَح
تنَحَّ عن الغايات لسْتَ من أهلها
طريق الهُوَينا في سلوكك أوضح
إذا كنت في سن البنى غير صالح
ففي أيَ سِنً بّعد ذلك تصلح
إلى كم أماشيها على الرغم غاية
يصيب المُزَكَّى عندها والمُجَرَّح
وعليها ألاَّ تَنْوِ ولا تَنِى فتُحْسن
في عيّن الشَيبان وتُقْبَح
عسى وطرٌ مونقٌ فالتمس الرَضا
واقرع أبواب الرَّشاد فتَفْتح
فقد ساء ظّنَي بالذي أناَ أهْلُه
وفضلك يا مولاي يعفو ويصفح
وقال في تشييع بعض الفقهاءِ من غرض الأمداح:
يلقاك من كل من يلقاك ترحيب
ومن خليفتها عزٌّ وتقريب
وتصطفيك إلى أحوازها رتب
لها على مفرق الجوزاء ترتيب
تأتي إليك بلا سعي بلا سبب
كأنَّ تَرْكَك للأسباب تَسْبِيب
من كّلَ مشغوفةٍ بالحسن دام لها
إلى غِنائك تَصْعيد وتصويب
يلقاك بالبشر والإقبال خَاطِبُها
وحظُّها منك إعراض وتَقْطيب
ما زلت ترغب عنها وهي راغبة
كأن زهدك فيها عنك ترغيب
فانهض إليها فلو تستطيع كان لها
إلى لقايك إرجاءٌ وتقريب
يحيى وتحيى فلِلْباغي مواهبُها
عذب الزُّلال وللباغين تَعْذيب
سارت على العدل والإحسان سيرتها
حتى تلاقى عّليها الشَّاة والذَيب
لم تُصِبْها لذةُ الدنيا وزخرُفها
ولا سَبتْها المطايا والجلابيب
إذاَ أهمَّ بني الدنيا نعيمهم
فهمها البيضُ والجُرْد السَّلاهيب
فوق الكواكب مضروبٌ سُرادقها
علُى أفق الأفلاك تَطْنِيب
كَرَعْتَ في ظلها الصافي بِسْلسِلها
كأنها لك في المشروب شريب
في قِبْية من بني الآمال قد قرعت
سُهَمٌ إلى طلب العليا طبابيب
إذا حضرنا طعاماً فهي مْأدُبَة
وإن سمعنا كلاماً فهو تأديب
ومن يَلُذْ بأبي إسحاق كان له
أعلاق مالٍ وأغلاق وتهذيب
يا ملدُّ السرَّ من قلبي ويا ملكاً
إن ناب خطب فمن جدواه تأنيب
هبّ القرار لآمالٍ مسافرة
وقد أضرَّ بها بُعْدٌ وتغريب
ففي يمينك وهاباً ومنتظماً
بَسْطٌ وقَبْضٌ وترغيبٌ وترهيب
وما يُصِر كتاباً راق مَنْظَره
إن ناله من تُراب الأرض تتريب
لك السيادة لا يلقى لسؤددها
مثلٌ وإن طال تنقيرٌ وتنقيب
عّزمٌ كحدَ سِنان الرُّمح يصحبه
عدل كما اعتدلت فيه الأنابيب
كمال نفسك للأرواح تكملة
وذكر فضلك للأرواح تشبيب
وعرف ذاتك كافٍ في تعرُّفناّ
بنفحة الطَيب يدري أنه طِيب
إذا ذُكِرت فللأشعار مضطَّرب
رحب المجَال وللألحان تطريب
سِرْ حيث شيت موفَّى من مكارمها
يَهابك الدهر والشُّبّان والشَيب
في غُرَّة تخلق الأيام جدَّتها
لُها على أفق الأملاك تَطْنيب
ومن نمط النسيب والأوصاف قوله وهو بسبتة بعد وصوله من مراكش، وهو مما طار من شعره:
لما حططت بسبتة قَتَب النوى
والقلبُ يرجو أن تحول حاله
والجو مصقول الأديم كأنما
يبدي الخفَّيُ من الأمور صِقاله
عانيت من بلد الجزيرة مسكناً
والبحر يمنع أن يُصاد غزاله
كالشَّكل في المرآة تبصره وقد
قربت مسافته وعز مناله
ومن شعره قوله رحمه الله:
تبسَّم واستأثرتُ منه بقُبلة
فشِمتُ أُقاحاً وارتشفتُ عُقارا
ومرَّ فأيدي الريح ترسل شَعْره
كما ستر الليل البَهيم نهارا
فيا لك ليلاً بالكثيب قطعته
كما رُعت بالزَّجر الغُراب فطارا
تُغَصُّ بنا زُهرُ الكواكب غيرةً
فتقدح في فَحْم الظلام شرارا
ومن ذلك قوله:
ولما رأيت الصبح هبَّ نسيمه
دعاني داعيه إلى البَيْن والشَّتِّ
وقلت أخاف الشمس تفضح سرَّنا
فقالت معاذ اللُه تفضحني أخْت
ومن الحكم وأبيات الأمثال قوله رحمة الله عليه:
مُنَغَّص العيش لا يأوي إلى دَعَة
من كان ذا بلد أو كان ذا ولد
والسَّاكن النفس من لم ترض هِمَّته
سُكنى مكانٍ ولم تَسْكُن إلى أحد
ومن شعره:
وُلا مِثل يوم قد نَعِمْنا بحُسْنه
مُذهَّب أثناء المروج صَقيل
إلى أن بدت شمس النهار تروعنا
بسير صحيح واصفرار عليل
ولا توارت شمسه بحجابها
وأذَّن باقي نورها برَحيلُ
وغابت فكان الأفق عند مغيبها
كَقَلبي مُسْوَدٌّ لفَقْد خَليل
أتانا بها صِفْراً يسطع نورها
فمزق سِرْبال الدُّجا بِفَتيل
فردَّت علينا شمسُنا وأصيلُنا
بمُشَبَّه شمسٍ في شَبيه أصيل
ومن نثره قوله يخاطب بني أبي الوليد بن رشد، تعزيةً في أبيهم، واستفتحه بهذه الأبيات:
ألا ليت شِعري هل لطالب غاية
وصولٌ وأحداثُ الزمان تعوقه
مضى عَلم العِلم الذي ببيانه
تَبيَّن خافيه وبان طريقُه
أخلاَّئي إني من دموعي بزاخرٍ
بعيدٌ عن الشَّطَّين منه غريقه
وما كان ظّنَي قبل فقد أبيكم
بأن مصاباً مثل هذا أطيقه
ولم أدر من أشقى الثلاثة بعده
أبناؤه أم دهرُه أم صديقُه
ومن شاهد الأحوال بعد مماته
تيقن أنَّ الموت نحن نَذُوقه
رجوعاً إلى الصَّبر الجميل فحقُّه
علينا قضى أن لا توفَّي حُقوقه
أعزيكم في البعد عنه فإنني
أّهُنَيه قرباً من جوارٍ يروقه
فما كان فينا منه إلاَّ مكانه
وفي العالم العُلُوي كان رفِيقُه
إيهٍ عن المدامع هلاَّ تَلا انحدار الدّمَعة انحدار الدمعة انحدارُها، والمطامع هل ثَبَت على قُطْب مدارها، والفجائع أَغيَرُ دارٍ بَني رُشد دارها، فإنه حديث أتعاطاه مُسْكراً، وأستريح الله مفكّرَاً، وابثه باعثاً على الأشجان مذكّرَاً، ولا أقول كفا وقد ذهب الواخِذ الذي كنت تتلافى، ولا أستشعر صبراً، وقد حلَّ نور العِلْم قَبْراً، بل أُغْرِق الأجفان بمائها، وأَسْتَدعي الأحزان بالشَّهير من أسمائها، واستوهب الأشجان غمرة غمائها. ثم أتهالك تَهالُك المجنون، وأستجير من الحياة بريب المنون، وأُنَافر السَّلوة منافرة وسْواس الظُّنون، ولا عتب، فإذا خامر الواله جزعه، فإلى نُصْرة المدامع مفزعه، وإذا ضعف احتماله، فإلى غَمْرة الإغماء مآله، ومن قال إنَّ الصبر أولى، وليتُه من ذلك ما تولَّى. أما أنا فأستعيذ من هذا المُقام وأَسْتَعْفيه، وأُنَزّهَ نفس الوفَا عن الحلول فيه، فإنه متى بقي للصَّبر مكان، ففي محل الحُزْن لقَبُول ما يقاومه إمكان، وقد خان الإخاء وجُهل الوفاء، من رام قلبه السلو، وألفت عينه الإغفاء. هو الخطب الذي يقي الهُجود وألزم أَعْيُن الثّقَلين، وبه أعظم الدهر المصاب، المصاب، وفيه أخطأ سهم المَنِيَّة حين أصاب. فحقُّنا أن نتجاوز الجُيوب إلى القلوب، ونتغلَّب إذا غالبنا الحزن بصفة المغلوب، وإذا كان الدهر السَّالب، فلا غضاضة على المسلوب، أستغفر الله، قِفَا نَتَذكَّر من مفقودنا رضي الله عنه حكمه، ونشاهد بعين البصيرة سِيمَه، فأجدهما يكُفَّان من واكف الدمع ديمه، ويقولون عندي آسَّة المصاب، ومزاحمة الأوصاب، أمرّ إن وقع، فقد ضَرَّ فوق ما نفع، فإنه لا ألم الحزن شفاه، ولا حقُّ المصيبة وفاه، ولا الذاهب الفايت استرجعه وتلافاه، فربما جنحت إلى الصبر لا رغبة فيه، بل إيثاراً لمقصده وتشيعاً لتصافيه، فأَسْتَرْوح رايحة السلوّ، وأَنحَطُّ ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ عن سِدْرة ذلك العلو، وأقف بمقام الدهش بين معنى الحزن المستحكم، ولفظ القرا المتلُوّ.َ فأبكي بُكا النساءِ، وأصبر صبر الرؤساء، وأَحْرُز رَزايا الفضلاء، بفضل رزايا الأَخَسَّاء، موازنة بين هذا الوجود، ونِحَل تتعاقب على نحل الجُود. فالدهر يسترجع ما وهَب، كان الصفراء أو الذَّهب. وإذا تحقَّق عدم ثباته، وعدم استرجاعه لجميع هباته، كان المتعرض لكثيره، لكثيره، محلاً لتأثيره. فلا غرو أن دهمكم الرزء مورد الفلك الدَّابر منه الجزأ، فطالما بتم تُرضِعكم الحكمة أخلافها، وتهبكم الخلافة آلافها، وتؤملكم الأيام خلافها. وإذا صحيت العقول، وضنَّ بما لديه المعقول، وصارت الأذهان إلى حيث لا تتصوَّر الألسنة بحيث لا تقول، وردتم معيناً، ووجدتم معيناً، وافْتَضضْتُموها ﴿
كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ ﴾ صوراً عيناً. أظننتم أن عين
عين الله تنام، أم رُمْتم أن يكون صرحاً إلى إله موسى ذلك السنام، لشد ما شيَّدتم البناء، وألزمتم اَتّباع الأب الأب الأبناء، حتى غرق الأول في الآخر، وصار السلف السلف على ضخامته أقل المفاخر. ومن علت في علاها علاها قدم ترقّيَه، ولم يُصب بكماله عيناً يحفظ من عين العلن ويقيه، فكثيراً ما يأتيه محذورُه من جهة توقّيَه. هذا أبوكم رضي الله عنه حين استكمل، فعرف الضَّار والشَّافي، وتعذَّرت صفات كماله على الحرف النَّافي، فيا لله لفظة أُواليها، وأُتْبعها زفرة تَليها، لقد بَحَثَت الأيام عن حَتْفها بِظِلفها، وسَعت على قدمها إلى رغم أَنْفِها، فمن لبث الوصل، ولرعي الوسايل، وإلى وإلى من يُلجأُ في مُشكلات المسايل، ومَن المجيب إذا لم يكن المسئول بأعلم من السَّائل. اللهم صبّرَنا على فقد الأُنْس بالعلم، وأَدِلْنا من حُفوف الوَلَه بوقار الحلم، وأَخْلِفه في بنيه وعامة أهليه، بشبيه ما أوليته في جوارك المقدس وتوليه. وإليكم أيها الإخوة الأولياء، والعلية الذين عليهم قصرت العلياء. أعتذر من اتخاذ الشيء من الكلام الكلام بنقصه الأشياء. فقد خان في هذا الزمان، حتى حتى اللسان، وفقد منه حتى الحسان، وليس لتأبين محمد صلى الله عليه وسلم إلاّ حَسَّان؛ فالعذر مُنْفسح المجال. وإلى التقصير في حَقّ رُزْئكم الكبير نصير في الرَّوية الرَّوية والارتجال. ولذلك عدلت إلى الإيجاز، واعتقدت في إرسال القول في هذا الموضع ضرباً من المجاز. ومبلغ النفس عُذْرها مع العجز كالصَّابر للإعجاز. وأما حسن العزاء على تعاقُب هذه الأرزاء، فأَمَّر لا أَهبه، بلَ أْسْتَجَديه، ولا أُذكركم به، ونَفْس صبركم متوغلة فيه، فسواكم يُلهم للإرشاد. ويذكر بطرق الرشاد، جعل الله منكم لآبايكم خلفاً، وأبقى منكم لأبنائكم سلفاً، ولا لد لكم الوجود الوجود بعده تلفاً. والسلام.
محنته
امتُحن رحمه الله بالتَّغريب عن وطنه، لبغْي بعض حَسَدته عليه، فأُسكن بمرسية مدَّة طويلة، إلى أن هلك بأَلمرية الأمير أبو عبد الله محمد بن يوسف بن هود، آخر جمادى الأُولى سنة خمس وثلاثين وستماية. فسرح أبو أبو الحسن بن سهل إلى بلده في رمضان من هذه السنة. ومن شعره في ذلك الحال مما يدل على بعد شأوه ورفعة همته، قوله:
الدمع هَمَى عن جوانب هِمَّتي
وتأبى هموم العافين عن الدَّفع
وألتمس العتبى وحيداً وغايتي
وصَرْف الليالي والحوادث في جَمْع
وإني من حزمي وعزمي وهمتي
وما رُزِقته النفس من كرم الطَّبع
لفي مَنْصب تعلو السماء سماتُه
فيَثْبُت نوراً في كواكبها السَّبع
علا صرف دهري إذ علا فإذا به
ترابٌ لنَعْلي أو غبار على سَبْع
تَدرَّعت بالصبرالجميل وأجْلَبت
صروف الليالي كي تمّزَق لي درع
فما مللت قلبي ولا قبضتُ يدي
ولا لمحت أصلي ولا حضرت فرع
فإن عَرَضت لي لا يفوه بها فمي
وإن زَحَفت لي لا يضيق بها ذرع
وفي هذه الأبيات تأْنيث السَّبعة الكواكب، وحكمها التذكير، وذلك إما لتأويل بعد أو غفلة، فلينظره. قال أبو الحسن الرعيني: ودخلت عليه بمرسية، وبين يديه شمَّامة زهر، فأنشدني لنفسه:
وحامل طيبٍ لم يُطَيَّب بطيبه
ولكنه عند الحقيقةّ طَيَب
تألف من أغصان زهره
فمن صِفَتيه زاهرٌ ورَطيب
تعانقت الأغصان فيه كما التقى
حبيبٌ على طول النوىَّ وحبيبُ
وإن الذي أدناه دون فراقه
إلى كبيرٍ في الوجود عجيب
مناسبةٌ للبَيْن كان انتسابها
وكل غريب للغريب نَسيب
فبالأمس في إسحاره وبداره
وباليوم في دار الغريب غريب
تواليفه
صنَّف في العربية كتاباً مفيداً، رتب الكلام فيه على أبواب كتاب سيبويه. وله تعاليق جليلة على كتاب المستصفى في أصول الفقه، وديوان شعر كبير. وكلامه الهزلي ظريف شهير.
مولده
عام تسعة وخمسين وخمسماية.
وفاته
توفي بغرناطة منتصف ذي قعدة سنة تسع وثلاثين وستماية. وزعم ابن الأبار أن وفاته كانت سنة أربعين وستماية، وليس بصحيح. ودفن بمقبرة شقستر. قال ابن عبد الملك: وكان كريم النفس، فاضل، الطبع، نزيه الهمة، حصيف الرأي، شريف الطباع، وجيهاً، مبروراً، معظماً عند الخاصة والعامة.
من رثاه
ممن كتب إلى بَنيه يُعزّيَهم في مصابهم بفقده، ويحضهم على الصبر من بعده، تلميذه الكاتب الرييس أبو عبد الله بن الجنَّان:
دعوني وتِستكاب الدموع السَّوابك
فدعوني جُميل الصبر دعوة آفك
أصبرٌ جميل في قبيح حوادث
خَلَعْن على الأنوار ثوب الحَوالك
تنكَّرت الدنيّا على الدَين ضِلَّة
ومن شِيمة الدنيا تنكُّر فارك
فصبحنا حُكم الردى بردائه
فتِلْك وهَذِي هالك في المهالك
عفا طللٌ منها ومنه فأصبحنا
شريكي غماز في تلاً متدارك
فلا بهجةٌ تبدي مسرة ناظر
ولا حجة تهدي بحجة سالك
وما انتظم الأمران إلا ليؤذنا
بأمرٍ دها سَير النجوم السوابك
وإن لمنشور الوجود انتظاره
يكفى فناً للفناء بواشك
أما قد علمنا والعقول شواهد
بأن انقراض العلم أصل المهالك
إذا أهلك الله العلوم وأهلها
فما الله للدهر الجهول ببارك
هل العلم إلاَّ الرُّوح والخلق جثة
وما الجسم بعد الروح بالمتماسك
وما راعني في عالم الكون حادثٌ
سوى حادث في عالم ذي مدارك
لذلك ما أبكي كأني مُتَيَّمٌ
أتمم ما أبقى لإسمي بعد مالك
وسهلٌ عندي أن أرى الحزن مالكي
مُصابي بالفيَّاض سهل بن مالك
إمامُ هدىً كنا نقلد رأيه
كتقليد رأي الشافعي ومالك
غمام سدىً كنا عهدنا سماحه
بساحل دارات العماد الحوائك
أحقاً قضى الجلاّل وقُوَضت
مباني معالٍ في السماء سوامك
وأقفر في نَجْدٍ من المجد ربعه
وعمر قبرٌ مفرد بالدَّكادك
وغبَّ طودٌ في صعيد بمَلْحَد
وغيضِ فجرٌ في يدي مُتَلاحِك
ووارى شمسَ المعارف غَيْهبٌ
من الخَطْب يردي بالشُّموس الدَّوالك
إلا أيها النَّاعي لك الثَّكل لا تفه
بهلْك الدواهي الدَّواهك
لعلك في نعي العلا متكذب
فكم ماحلٌ من قبل فيه وماحك
يُكّذَبَهم يا ليت أنك مثلهم
تواتر أخبارٍ وصِدْق مآلك
فيا حُسْن ذاك القول إذ بان كَذِبه
ويا قُبحهّ والصَدق بادي المسالك
لمقدار جفوا فيه وقلبيَ راجفٌ
مخافة تصديق الظُّنون الأوافك
كأنَّ كمال الفضل كان يسُومُهم
فأبدوا على نغصٍ هو مُتمالك
كأنهم يَسْتَبِطَونُ أيُومةً
كما استبطأ.......... فاتك
كأنهم مُسْتمطرون لعارض
كعارض عاد للتجلُّد عارك
بلى إنهم قد أرْهَصوا لرزيَّة
تُضَعْضع رُكن الصَّابرالمتمالك
فقد كان ما قد أنذروا بوقوعه
فهل بعده للصبر صَوْلةُ فاتك
مصاب مصيب للقلوبّ بسيَد
رّمى عن قِسيً لليالي عواتك
بكت حسنها الغَبْراء فيهَ فأسْعَدت
بأدمعها الخضراء ذات الجَمايك
على عَلَم الإسلام قامت نوادب
بهتْن مباك أو بَهتم مضاحك
فمن سِنة سنّت على الرأس تُربها
ومَكْرَمة ناحت لأكرم هالك
ومن آية تبكي بنور صبحها
إذا قام في جَنْح من الليل حالك
ومن حكمة تبكي لفقدَ مُفّجَر
لّينبوعها السَلسال في الأرض سالك
فيا أسفي مَنْ للهوى ورسومه
ومن لمُنِيخٍ عند تلك المَبارك
ومن للواء الشَّرع يرفع خفْضه
ويمنع من تمزيقه كفَّ هاتكِ
ومن لكِتاب الله يدرس وحيه
ويَقْبس منه النور غير مُتارك
ومن لحديث المصطفى وماجد
يبين بها في فهمه ومُتارك
ومن ذا يُزيل اللَّبس في مُتَشابه
ومن ذا يُزيح الشَّك عن مُتَشابك
ومن لليراع الَمُصْفّرَ طّابت بكفَه
فصارت طوال الشمس مثل النيازك
ومن للرُّقاع البيض طابت بطيبه
فجابت إلى الأملاك سُبُل المسالك
ومن لمقام الحفل يصدع بالتي
تُغَصُّ لقس من جناح المدارك
ومن لمقال كالنُّضار يُخلِّص
لإبْرِيزه التَّبريز لا للسَّبايك
ومن لفِعال إن ذكرت بناءه
فعال وإن تُنْشر فمِسْكَه فارك
ومن لخلال كُرمَت وضَراير
ضربن بقدحٍ في عتاب الضَّرايك
الضَّرايك
ومن لشعار الزهد أخفي بالفنا
ففي طيَه فضل الفضيل ومالك
ومنِ لِشعاب المجد أو لشُعوبه
إذا اختلطت ساداته بالصَّعالك
ألا ليس من فاكْفُف عُويلك أو فرِد
فما بعد سهلٍ في العُلى من مُشارك
أصِبْنا فيالله فيه وإنما
أصبنا لعَمْري في الذُّرى والحوارك
فنادِ بَأفْلاك المحامد اقْصُري
فلا دَوَران بل قُطْب المدارك
وصِحْ يالبناء اَليوم أقْويت منزلاً
بوَطْىءِ المنايا لا بوطىء السَّنابك
على هذه حام الحِمّام محلَقاً
ثمانين حَوْلاً كّالعدوَ المُضاحك
فسالَمهُ في مَعْرك الموت خادعاً
وحاربَه إذ جاز ضَنْك المعارك
طواك الرَّدى مهما يُساكن فإنَّه
مُحَرَكّ جيش ناهب العيش ناهك
نبا سَبا قُدُماً وهي السَّكاسك
وُلم يأل عن خَونٍ لحايزٍ ومالك
وأفْنى من أبناء البرايا جموعها
وألقى البَرايا بالرغم فوق البَرامك
سواءٌ لديه أن يصول بقلبك
من للناس ناس للتقى أو بناسك
ولو أنَه أرْعَى على ذي كرامة
لأعْيى على المختار نجل العواتك
ولو راعه عُمرٌ تكامل ألفه
لما راع نوحاً في السنين الدّكادك
وما من سبيل للدوام وإنما
خُلقنا لأرحاء المنون الرَّامك
فيا آل سهل أو بنيه مخصصاً
نداء عموم في غموم موالك
أعندكم أني لما قد عراكم
أمانع صَبْري لن يلين عزايك
فّكيف أعزَي والتعزي مُحرَّم
علَّي ولكن عادة الرَّمالك
فإن فرحٌ يبدو فذلك تَكَرُّهٌ
لتجريع صابٍ من مصاب مواعك
وإن كان صبراً إنها لحلومكم
توابة في مرَ الرياح السواهك
ورثتم سنا ذاك المقدَّس فارتقوا
بأعلى سَنام مّن ذُرى العزَ تامك
فلم يمض من أبقى من المجد إرْثه
ولم يلق ملكاً تارك مثل مالك
أتدرون لم جَدَّت ركاب أبيكم
كما جَدَّ سير بالقِلاص الرواتِك
تُذكَّر في أفق السماءِ قديمه
فَحنَّ إلى غَيْضٍ هنالك شابك
وكلٌّ سما في حضرة القدس حظه
فلم يلب عنه بالحظوظ الركايك
فيا عجبا منا نبكي مّهنّأ
تبَوأ داراً في جوار الملايك
يلاقيه في تلك المغاني رفيقُه
بوجه منير بالتَّباشير ضاحك
فلا تحسبوا أن النوى غال روحه
لجسم ثَوى تحت الدّكادك سادك
فلو أنكم توشفتم بمكانه
رأيتم مقيماً في أعالي الأرايك
ينعم في روض الرَضا وتجوده
سحايب في كُثْبان مِسْك عواتك
كذلك وعد الله في ذي مناسب
من البرَ صّحَّت بالتغنَي ومناسك
فيا رحمة الرحمن وافِى جنابه
ويا روحّه سلَم عليه وبارك
ويا لَوْعتي سيري إليه برُقعتي
وقصَي شجوناً من حديثي هنالك
حديث الأشجان شجون، ووجوه القراطيس به كوجوه الأيام جون، فارعني سمعك، أبثك بثي واكتئابي، وأَعِرْني نظرة في كتابي، لتعلم ما بي، فعندي ضرب الأسى جناية، وعلى وِردي أطال باغي الأسى حماية، وعَبْرتي أبكت من القَطْر سِجامه، وزَفْرتي أذكت من الجَمْر ضِرامه، ومني تعلمت ذات الهديل كيف تنوح، وعنّيَ أخذت ذات الحسن كيف تغدو والهة وتروح، فما مذعورة راعها القناص، وعلق بواحدها حبل الجهالة فأعوره الخلاص، فهي تتلفت إليه والمخافة خلفها وأمامها، وتتلهف عليه فتكاد تواقع فيه حمامها، بأَخْفَق ضلوعاً، وأَشْفَق رُوعاً، وأضيق مجالاً، وأوسع وجالاً، وأَشْغَل بالاً، وأشعل بلبالاً، بل ماطلاها، وقد رآها، ترمي طلاها، فوقف حتى كاد يشركها في الحين، الحين، ويحصل من الشّرَك تحت جناحين. ثم أفلت وهو يشكُّ في الإفلات، ويشكو وِحْدته في الفلوات، بأرهب نفساً، وأجنب أنساً، وألهب حشاً، وأغلب توحشاً، وأضيع بالمومات، وأضرع لغير الأمات، مني وقد وافى النبأ العظيم، ونثر الهدى بكفّ اَلرَّدى شمله النظيم، وأصبح يعقوب الأحزان وهو كظيم. وقيل أُصيبت الدنيا بحبشتها وحسنها، والديانة بمحسنها وأبي حسنها، فحق فحق على القلوب انفطارها، وعلى العيون أن تهمي قطارها، وعلى الصبر أن يمزق جلبابه، وعلى الصدر أن يغلق في وجه السلو بابه. أنعي الجيليل السعي، ورزية الجميل السجية، ووفاة الكريم الصفات، وفقد الصميم المجد، وذهاب السمح الوهاب، وقبض روحاني الأرض، وانعدام معنى الناس، وانهدام مَغْشَى الإيناس، وانكشاف شمس العلم، وانتِساف قُدْس الحِلم. يا له حادثاً جمع قديماً من الكروب وحادثاً، ومصاباً جرَّع أوصاباً وأضحى كل به مصاباً. لا جرم أني شربت من كأسه مستمفضها، وشرقت بها وبماء دمعي الذي ارفض معها، فغالت خلدي، وغالبت جلدي، حتى غبت عني، ولم أدر بآلامي التي تعني. ثم أفقت من سُكْري، ونفقت مبدَّد فكري، فراجعني التَّذكار والتمام، وطاوعني شجوناً يتعاطاه الحِمام، فبكيت حتى خشيت خشيت أن يعشيني، وغشيت إذ غشيني من ذلك أليم ما غشيني، وظلت ألقى انبجاساً للترح يلقيني، فتارة يُعنيني، وتارة يبقيني، فلو أن احتدامي والتَّدامي وجفني الدامي، اطلعت على بعضه الخنساء، لقالت هذه عَزْمة حزن، لا يستطيعها النّسَاء. ذلك بأن قسمة المراثي كقسمة الميراث، وللذُّكران المزيَّة، كان للسرور أو للرّزَيَّة، على الإناث، هذا لو وازن مبكي مبكياً، ووارى ترابي فلكياً، إنا لنبكي نور علمٍ، وهي تبكي ظلمة جهل، وندبتي بجبل يُدعى بسهل، كان يتفجر منه الأنهار، وينهال جانبه من خشية الله أو ينهار، في مثله ولا أريد بالمثل سواه، فما كان في أبناء الجنس من ساواه. يحسن الجزع من كل مؤمن تقي، ويقال للمتجلد، لا تنزع الرحمة إلا من شقي، فكل جَفْن بعده جاف، فصاحبه جلف أوصاف، وكل فؤاد لم تصدع له صفاته، ولم تتغير لفقده صفاته، فمتحَقَّق عند العلماء معلوم، أنه معدود في الحجارة أو معدوم. فيا ليت شعري يوم ودع للترحال، ودعا حاديه بشدَّ الرَّحال، كيف كان حاضروه في تلك الحال هل استطاعوا معه صبراً، وأطاعوا لتلبيته أمراً، أو ضعف احتمالهم، احتمالهم، وقوي في مفارقة النفوس اعتمالهم. ويا ليت شعري، إذ أفادوا الماء طهارة زائدة بغسل جلاله، هل حنطوه في غير ثنايه، أو كفنوه في غير خلاله. ويا ليست شعري إذا استقل به نعشه لأشرفٍ، ترفرف عليه المليكة ويظلّلَه الرُّفرف هل رأوا قبله حملة الأطوار على الأعواد، وسير الكواكب في مثل تلك المواكب، فيأنسوا بالإلف، ويرفعوا منكم الطرف، ويدعو لفيض من أثر ذلك الظرف. ويا ليت شعري، إذ ودَّعوا درة الوجود، صدفة اللحد المجود، لم أثروا الثرى على نفوسهم، ورضوا الأرض مغرباً لأنوار شموسهم. فهلا حفروا له بين أحناء الضلوع، وجعلوا الصفيح صريح الحبّ وَالولوع. فيكونوا قد فازوا بقربه، وجازوا فخراً خير لتربه. ويا ليت شعري إذا لم يفعلوا ذلك ولم يهتدوا هذه المسالك، هل قضوا حقَّ الحزن، وسَقَوا جوانب الضَّريح من عبراتهم بأمثال المُزْن، وهل اتصفوا بصفة الأسف أو قنعوا منها بأن وصفوها، وهل تلافوا بقايا الأَنْفَس، بعد المفقود الأنفس، وأتلفوه.
فكل أسى لا تذهب النَّفْس عنده
فما هو إلا من قبيل التَّصنُّع
يا قدس الله مثوى ذلك المتوفى، وما أظن الجَزَع تمَّم حقه ووفَّى. ولو درى الزمن وبنوه، قدر من فقدوه، لوجدوا المفاجئ الفاجع، أضعاف ما وجدوه. فقد فقدوا واحداً جامعاً للعوالم، وماجداً رافعاً لأعلام المعالي والمعالم، ومفَدَّى ثَقُل له في الفدا، ونفوس الأوداء والأعدا، ومبكى ما قامت على مثله النوايح ولا حسنت إلاّ فيه المراثي، كما حسنت من قبل فيه المدايح. رحمة الله عليه ورضوانه، وريحان الجنان يحييه به رضوانه. من لي بلسان يقضي حق ندبته، وجنان يقضي بما فيه إلى جثته وتربته، وقد نبهني حزني عليه وبلَّدني، وتملَّكني حصر الحسرة عليه وتعبدني، وأين يقع مُهَلهل البديه، مما يخفيه مُهَلهل الثَّكل ويُبديه؟ يميناً لو لبثت في كهف الروية ثلاثمائة سنين، واستمددت سواد ألسنة الفصحاء اللسنين، ما كنت في تأبين ذلك الفصل المُبين من المُحْسنين، إلاّ أني أَتَيْتُ بالطّريف من بيانه والتَّليد، ورثيت رشد كماله برثايه كمال ابن رشد أبي الوليد، فأنشدت بنيه قوله فيه:
أخلاَّي إني من دموعي بزاخر
بعيدٌ عن الشَّطين منه غريقه
وما كان ظّنَي قبل فقد أبيكم
بأن مصاباً مثل هُذا أطيقه
ولم أدر منَ أشْقى الثلاثة بعده
أأبناؤه أم دهرُه أم صديقه
ثم استوفيت تلك الأبيات والرسالة، وأجريت بترجيعها من دم الكبد ونجيعها عَبراتي المُسالة، فحينئذ كنت أَوفّيَ المصاب واجبه، وأُشْفِي صدوراً صديَّة شجيَّة، وقلوباً وَاجِفَة واجبة. ولو أن ما رثى به نفسه الكريمة من ثرّ إساءته، حين رأى الحين مغتصباً حشاشَة مكرماته. أثار كامن وجدي بألفاظه المُبكية، ومعانيه التي تحلُّ من مزاد العيون الأوكية لاهبَّ لي رنداً، وأعقبني صفاة تَنْدى، وأطعمني في أن يعود بكاي زبداً. فقد بلغني أنه لما وقف على ثنيَّة المنيَّة، وعرف قرب انتقال السَّاكن من البَنِيَّة جمع بنات فكره، كما جمع شيبة الحَمْد بنات خِدره، وقال يا بنياتي، قد آن ليومي أن يأتي فهل لكنْ أن ترينني؟ فوضعن أكبادهن على الوشج، ورفعن أصواتهن بالنَّشيج، وأقبلن يُرجّعَن الأناشيد، ويفجعن القريب والبعيد، حتى أومأ إليهنَّ، بأن قضين ما عليهن، فيا إخوتاه، ومثلي بهذا النداء نخي وتاه، أسهموا أخاكم في ميراث تلكم الكَلِم، واحموا فؤاداً بالمُلّمَ المؤلم المؤلم قد كَلِم، ولا تقولوا يكفيه ميراث الأحزان، فتبخسوا وحاشاكم في الميزان، فإني وإن تناولتها باليدين، وغلبت عليها، فإني صاحب الفريضة والدّيَن، فإني لحظّيَ من ميراث الحكمة سائل، ومع أن لي حقاً فلي ذمم ووسايل، فابعثوا إلي ما يُطارحني في أشجاني، وأقف على رسمه فأقول شجاني، ولا أطلب من كلام ذلكم الإمام، العزيز فَقْده على الإسلام، قوله في التصبير، على الرزء الكبير، ووصاته، لئلاّ يُلزمني، ولست بالمستطيع إصغاءً للمطيع لأمره وإنصاته، فإن امتثلت أصبت قتلي بما نثلت، وإن عصيت أبعدت نفسي من رضاه وأقصيت، ولي في استصحاب حالي أمل، وما لم يرد خطاب لم يلزم عمل. على أني وإن صاب وابل دمعي وصب، وأصبحت بذكر المصاب الكلف الصَّب، فلا أقول إلا ما يرضي الرّبّ، فإني أبكي عالماً كبيراً، وعلماً شهيراً، تسعدني في بكايه الملة، وتنجدني بوَجْده، فأنا الكاتب وهي المُمِلَّة. وأما أنتم أيها الإخوة الفضلاء، والصفوة الكرماءُ، فقد تلقيتم وصلته المباركة شفاها، وداوى صدوركم بكلامه النافع وشفاها، فلا يسعكم إلاَّ الامتثال، والصبر الذي تُضْرب به الأمثال، فعزاءً عزاءً، وانتماءً إلى التأَسّيَ واعتزاءً، وإن فضل رزء أرزاء، وكان جزءٌ منه يعدل أجزاءً، فعلى قَدْرها تُصاب العلياءُ، وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأولياءُ. ذلك لتَبيَّن فضيلة الرّضَاء والتسليم، وتتعيَّن صفات من يأْتي الله بالقلب السَّليم، ويعلم كيف الكريم للكريم، وكيف يحل الأجر العظيم، وهب الله لكم في مصابكم صبراً على قدره، وسكب ديم مغفرته على مثوى فقيدكم وقبره، وطيب بعرف روضات الجنات جنبات قصره، ونفعه بما كان أودعه من أسرار العلوم في صدره وخلَّفه منكم بكل سري بحلة المجد من كل بصدره.
قلت: ذكر الشيخ ابن الخطيب في الأصل في هذه الترجمة ((الأعيان والوزراء))، ستة من أهل هذا البيت، كلهم يسمون بهذا الإسم، عدا واحداً، فإنه سمى بسعيد، وذاك مما يدل على كثرة النباهة والأصالة والوجاهة، رحمهم الله.
سليمن بن موسى
ابن سالم بن حسان بن أحمد بن عبد السلام الحميري الكلاعي؛ بلنسي الأصل؛ يُكْنَى أبا الربيع، ويعرف بابن سالم.
حاله
كان بقيَّة الأكابر من أهل العلم بصُقْع الأندلس الشَّرقي، حافظاً للحديث، مبرّزَاً في نقده، تام المعرفة بطرقه، ضابطاً لأحكام أسانيده، ذاكراً لرجاله، ريَّان من الأدب، كاتباً بليغاً. خطب بجامع بلنسية واستُقْضِي، وعُرف بالعدل والجلالة، وكان مع ذلك من أُولي الحزم والبسالة، والإقدام والجزالة والشهامة، يحضر الغزوات، ويباشر بنفسه القتال، ويُبْلي البلاء الحسن، آخرها الغزاة التي استشهد فيها.
مشيخته
روى عن: أبي القاسم بن حُبيش وأكثر عنه، وأبي محمد بن عبيد الله، وأبي عبد الله بن زَرْقون، وأبي عبد الله بن حُميد، وأبي بكر بن الجدّ،َ وأبي محمد بن سيد بونه، وأبي بكر بن مُغاور وأبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم بن الفرس، وأبي بكر بن أبي جمرة، وأبي الحسن ابن كوثر وأبي خالد بن رفاعة، وأبي جعفر بن حَكَم، وأبي عبد الله بن الفخار، وأبي الحجاج بن الشيخ، وأبي عبد الله بن نوح، وأبي الحجاج بن أبي محمد بن أيوب، وأبي بكر عتيق بن علي العبدري، وأبي محمد عبد الوهاب ابن عبد الصمد بن عتاب الصّدَفي، وأبي العباس بن مضاء، وأبي القاسم بن سَمْحون، وأبي الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع الأشعري، وأبي زكريا الإصبهاني، وأبي بكر أسامة بن سليم، وأبي محمد عبد الحق الأزدي، وأبي محمد الشاذلي، وأبي الطاهر بن عوف، وأبي عبد الله الحضرمي، وجماعة غير هؤلاء من أهل المشرق والمغرب.
من روى عنه
روى عنه: أبو بكر بن أبي جعفر بن عمر، وعبد الله بن حزب الله، وأبو جعفر بن علي، وابن غالب، وأبو زكريا بن العباس، وأبو الحسن طاهر بن علي، وأبو الحسين عبد الملك بن مُفوز، وابن الأبَّار، وابن الجنَّان، وابن الموَّاق، وأبو العباس بن هرقد، وابن الغمَّاز، وأبو عمرو بن سالم، وأبو محمد بن بَرْطَلة، وأبو الحسن الرعيني، وأبو جعفر الطنجالي، وأبو الحجاج بن حكم، وأبو علي بن الناظر.
تصانيفه
منها: ((مصباح الظلم))؛ في الحديث، و((الأربعون عن أربعين شيخاً لأربعين من الصحابة))، و((الأربعون السّبَاعية))، و((السّبَاعيات من حديث الصّدَفي))، و((حِلْية الأمالي في المراقبات العوالي))، و((تَحفة الوداد ونجعة الرواد))، و((المسلسلات والإنشادات))، وكتاب ((الاكتفاء في مغازي رسول الله، ومغازي الثلاثة الخلفاء))، و((ميدان السابقين وحِلْية الصَّادقين المصدّقَين))؛ في غرض كتاب كتاب الاستيعاب، ولم يكمله، و((المعجم ممن وافقت كُنيته زوجه من الصحابة))، و((الإعلام بأخبار البخاري الإمام))، و((المعجم في مشيخة أبي القاسم بن حُبَيْش))، و((برنامج رواياته))، و((جني الرطب في سنِي الخطب))، و((نكتة الأمثال ونَفْثة السّحَر الحلال))، ((وجهد النصيح في معارضة المعرّىَ في خطبة الفصيح))، و((الامتثال لمثال المنبهج في ابتداع الحكم واختراع الأمثال))، و((مفاوضة القلب العليل ومنابذة الأمل الطويل بطريقة أبي العلاء المعري في ملقى السبيل))، و((مجاز فتيا اللَّحن للاَّحن الممتحن))؛ يشتمل على ماية مسأَلة ملغَّزة، و((نتيجة الحب الصميم وزكاة المنثور والمنظوم))، و((الصحف المنشرة في القطع المعشَّرة))، و((ديوان رسايله))؛ سفر متوسط، و((ديوان شعره))؛ سفر.
شعره
من شعره ما كتب به إلى أبي بحر صفوان بن إدريس، عقب انفصاله من بَلَنْسية عام سبعة وثمانين وخمسماية:
أحنُّ إلى نجْدٍ ومن حلَّ في نجد
وماذا الذي يُغني حنيني أو يُجْدي
وقد أوطنوها واد عين وخلَّفوا
مُحبَّهم رهن الصَّبابة والوَجْد
تَبِين بالبَيْن اشتياقي إليهم
ووجدي فساوى ما أجنَّ الذي يبدي
وضاقت على الأرض حتى كأنها
وشاحٌ بخصر أو سوارٌ على زَنْد
إلى الله أشكو مُا ألاقي من الجوى
وبعض الذي لاقيته من جوى يُرْدِ
فراق أخلاَّءٍ وصدٌّ أُحبَّة
كأن صروف الدهر كانت على وَعْد
فيا سَرحتي نجد نداءُ مُتَيَّم
له أبداً شوق إلى سَرْحتي نجد
ظميت فهل طّلٌّ يبرَد لوعتي
ضحَّيت فهل ظلٌّ يُسَكَنّ من وَجْد
ويا زمناً قد مرَّ غير مُذْمَمُ
لعل الأنس قد تصرَّم من رد
لُيالي نَجني الأنس من شجر المنا
ونقطف زهر الوصل من شجر الصَّد
وسًقياً لإخوان بأكناف حايل
كرام السَّجايا لا يحولون عن عهد
وكم لي بنجد من سَرّىً مِمجَّد
ولا كابن إدريس أخي البِشر والجّدَ
أخو همة كالزُّهر في بُعْد نَيْلها
وذو خلق كالزَّهر غبّ الحيا العد
تجمعت الأضداد فيه حميدة
فمن خُلق سَبطٍ ومن حسبٍ جَعْد
أيا راحلاً أودى بصَبْري رحيله
وفلَّل من عزمي وثلم من حد
أتعلم ما يلقى الفؤاد لبعدكم
ألا مُذْ نأيتم لا يُعيد ولا يُبد
فيا ليت شعري هل تعود لنا المُنا
وعيشٌ كما نَمْنَمْتَ حاشيتي برد
عسى الله أن يُدني السرور بقربكم
فيبدو بنا الشَّمل منتظم العِقد
ومن شعره في النسيب وفقد الشباب:
توالت ليالٍ للغواية جونُ
ووافى صباح للرَّشاد مُبين
ركاب شباب أزْمَعت عنك رحلةً
وجيش شَيْبٍ جهَّزته مَنون
ولا أكذب الرحمُن فيما أجِنُّه
وكيف وما يخفى عليه جَنين
ومن لم يخل أن الرَياء يشينه
فمن مذهبي أن الرَّياء يشين
لقد ريع قلبي للشَّباب وفقْده
كما ريع بالعِقْد الفقيد ضنين
وآلمني وخط المشيب بلمَّتي
فخُطَّت بقلبي للشجون فنون
دليل شبابي كان أنْضَر منظراً
وآنق مهما لاحظته عُيون
فآها على عيشٍ تكدَّر صفوه
وأنْس خلا منه صَفاً وحَجون
ويا ويح فودي أو فؤادي كلما
تزيَّد شيبي كيف بعد يكون
حرام على قلبي سكونٌ بغرَّة
وكيف مع الشَّيب الممِضِّ سكون
وقالوا شباب المرء شعبة جنة
فمالي عراني للمشيب جُنون
وقالوا شجاك حِدثان ما أتى
ولم يعلموا أن الحديث شجون
وقال في الاستعانة والتوكل عليه:
أمولى الموالي ليس غيرك لي مولى
وما أحدٌ يا رب منك بذا أولى
تبارك وجْهٌ وجهت نحوه المنى
فأوْزعها شكراً وأوسعها طَوْلا
وما هو إلا وجهك الدايم الذي
أقل حلى عليائه يُخْرس القَوْلا
تبرأت من حولي إليك وقُوَّتي
فكن قوتي في مطلبي وكن الحَوْلا
وهب لي الرضا ما لي سوى ذاك مبتغى
ولا لقيت نفسي على نَيْلها الهولا
وقال:
مضت ليَ سبعٌ بعد عشرين حجة
ولي حركات بعدها وسكون
فيا ليت شعري كيف أو أين أو متى
يكون الذي لابُدَّ أن سيكون
واستجاز المترجم به من يذكر بما نصه: المسئول من السادة العلماء أيمة الدين، وهداة المسلمين، أن يجيزوا لمن ثبت اسمه في هذا الاستدعاء، وهم المولى الوزير العالم الفاضل الأشرف بهاءُ الدين أبو العباس أحمد ابن القاضي الأجل أبي عبد الرحمن بن علي البيساني ولولديه أبي عبد الله، محمد، وأبي عبد الله الحسين، وولده عبد الرحيم، ولأولاد ولده أبي الفتح حسن، وأبوي محمد عبد الرحمن ويوسف، ولمماليكه سنقر وأخيه الصغير وسِنْجر التركيون، وأفيد وأقسر الروميان، ولكمال بن يوسف ابن نصر بن ساري الطباخ، وللوجيه أبي الفخر بن بركات ابن ظافر بن عساكر، ولأبي الحسن بن عبد الوهاب بن وردان، ولأبي البقاء خالد بن يوسف الشَّاذلي، ولولده محمد، ولمحمد بن يوسف بن محمد البزالي الإشبيلي ولولده، ولعبد العظيم بن عبد الله المندري ولولده أبي بكر، ولأبي الحسن بن عبد الله العطار، جميع ما يجوز لهم روايته من العلوم على اختلافها، وما لهم من نظم ونثر، وإن رأوا تعيين موالدهم ومشايخهم، وإثبات أبيات يخف موقعها ثراه من الزلل، ومما يخالف الحق، فعلوا مأجورين. وكتب في العشر الأخر من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين وستماية.
فكتب مجيزاً بما نصه: قال سليمن بن موسى بن سالم الكَلاعي: وكتب بيده، تجاوز الله عنه، وأقام بالعفو من أُوده: إني لما وقفت على هذا الاستدعاء، أجاب الله في مستدعيه المسمى فيه صالح الدعاء، اقتضى حق المسئول له، الوزير الأجل، العالم الأشرف الأفضل بهاء الدين أبو العباس ابن القاضي الأجل، الفاضل العلم الأوحد، ندرة الزمان ولسان الدهر، وقسّ البيان، أبي علي عبد الرحيم بن علي، أعلى الله قدره ورفعه، ووسم سلفه الكريم ونفعه، تأكيد الإسعاف، بحكم الإنصاف له، ولكل من سمي معه. فأطلقت الإذن لجميعهم، على تباعد أفكارهم وتدانيها، وتباين أقدارهم وتساويها، من أب سني، وذرّيَة عريقة في النَّسب العلي، ومماليك له تميزوا بالنسب المولوي، وسُمين بعدهم، اعتلقوا من الرغبة في نقل العلم، بالحَبْل المتين، والسبب القوي. والله بالغ بجميعهم، من تدارك الآمال أَبْعُد الشَّأْو القَصِي، ويجريهم من مساعدة الإمكان، ومسالمة الزمان، على المنهج المرضي، والسنن السَّوي، أن يحدّثَوا بكل ما اشتملت عليه روايتي، ونظمته عنايتي، من مشهور الدواوين، ومنثور الأجزاء المنقولة عن ثقات الرَّاوين، وغير ذلك من المجموعات في أي علم كان من علوم الدين، وكل ما يتعلق بها من قرب أو بعد، مما يقع عليه التعيين، وبما يصح عندهم نسبته إلي من مجموع جمعته، ومنظوم نظمته، أو نثر صنعته. الإباحة العامة على ذلك آتية، ومقاصد الإسعاف لرغباتهم فيه مطاوعة وموافية، فليرووا عني من ذلك مُوفَّقين، ما شاءوا أن يرووه، وليلتزموا في تحصيله أولاً، وأدايه ثانياً، أو في ما التزمه العلماءُ واشترطوه ومن جلَّه شيوخي وصدورهم، الذين سمعت منهم، وأخذت بكل وجوه الأخذ عنهم، القاضي الإمام الخطيب العلامة، أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن يوسف بن حبيش، آخر أيمة المحدثين بالمغرب رضي الله عنهم. والإمام الحافظ الصدر الكبير أبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن فرج بن الجِدّ اَلفهري. والفقيه المشاور القاضي المسند أبو عبد الله محمد بن أبي الطيب. والفقيه الحافظ أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي. والقاضي الخطيب النحوي أبو عبد الله محمد بن جعفر بن حُميد. والأستاذ الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جُمهور القيسي. والشيخ الراوية الثقة أبو محمد عبد الحق بن عبد الملك بن بونه بن سعيد ابن عصام العبدري. والشيخ الصالح أبو جعفر أحمد بن حكم القيسي الحصَّار الخطيب بجامع غرناطة، والفقيه القاضي الأجزل أبو العباس يحيى بن عبد الرحمن بن الحاج. والقاضي الفقيه الحسيب أبو بكر بن أبي جمرة. والقاضي أبو بكر بن مغمور. والقاضي المسند أبو الحسين عبد الرحمن بن ربيع الأشعري. وسوى هؤلاء ممن سمعنا منه كثيراً، وكلهم أجازني روايته وما سمعه. وقرأت على الخطيب أبي القاسم بن حبيش غير هذا وسمعت كثيراً، وتوفي رحمه الله بمرسية في الرابع عشر لصفر لسنة أربع وثمانين وخمسماية. ومولده سنة أربع وخمسماية؛ على ما أخبرني به رحمه الله ورضي عنه. ومما أخذته عن الحافظ أبي بكر بن الجدّ بإشبيلية بلده، مُوَطَّأٌ مالك، رواية يحيى بن يحيى القرطبي، أخبرني به عن أبي بحر سُفيان بن العاصي الأسدي الحافظ، سماعاً بأسانيده المعلومة. وتوفي الحافظ أبو بكر سنة ست وثمانين. وقرأت على الفقيه أبي عبد الله بن زرقون أيضاً موطَّأ مالك، وحدثني به عن أبي عبد الله الخولاني إجازة، قال سمعته على أبي عمرو عثمان بن أحمد بن يوسف اللخمي، عن أبي عيسى يحيى ابن عبد الله بن أبي عيسى، عن أبيه عبيد الله بن يحيى الليثي عن أبيه عن مالك بن أنس، رضي الله عن جميعهم. ولا يوجد اليوم بأندلسنا ومغربنا بأعلى من هذه الأسانيد. وممن كتب لي بالإجازة من ثغر الإسكندرية الإمام الحافظ مُفْتي الديار المصرية ورئيسها أبو الطاهر بن عوف، والفقيه الحاكم أبو عبد الله بن الحضرمي، والفقيه المدرس أبو القاسم بن فِيرُّه، وغيرهم. نفعنا الله بهم، ووفقنا للإقتداء بصالح مذهبهم. وأما المولد الذي وقع السؤال عنه؛ فإني ولدت على ما أخبرني أبواي رحمهما الله، بقاعدة مرسية، مستهل رمضان المعظم سنة خمس وستين وخمسماية. ومما يليق أن يكتب في هذا الموضع ما أنشدني شيخاً الفقيه أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن مغاور رحمه الله في منزله بشاطبة سنة ست وثمانين وخمسماية، وهو بقية مشيخة الكتاب بالأندلس لنفسه، مما أعده ليكتب على قبره:
أيها الواقف اعتباراً بقبري
استمع فيه قول عظمي الرميم
أودعوني بطن الضريح وخافوا
من ذنوب كلومهَا بأديم
قلت لا تجزعوا علي فإني
حسن الظَّن بالرؤوف الرحيم
ودعوني بما اكتسبت رهيناً
غلق الرَّهن عند مولى كريم
انتهى. وكتب هذا بخطه في مدينة بلنسية حماها الله؛ سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي، في الموفى عشرين لجمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وستماية. والحمد لله رب العالمين.
وفاته
كان أبداً يقول إن منتهى عمره سبعون سنة لرؤيا رآها في صغره، فكان كذلك، واستشهد في الكاينة على المسلمين بظاهر أنيشة على نحو سبعة أميال منها؛ لم يزل متقدماً أمام الصفوف زحفاً إلى الكفار، مقبلاً على العدو، ينادي بالمنهزمين من الجند: يفرون، حتى قُتل صابراً مُحْتسباً، غداة يوم الخميس لعشر بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وستماية.
ورثاه أبو عبد الله بن الأَبَّار رحمه الله بقوله:
ألمّا بأشلاء العُلى والمكارم
تُقَدَ بأطْراف القنا والصَّوارم
وْعُوجا عليها مأرباً وحفاوة
مصارعُ غُصَّت بالطّلا والجماجم
تُحيّي وجوهاً في الجَنان وجيهة
بما لقيت حُمراً وجوهُ الملاحم
وأجساد إيمان كساها نجيعُها
بحاسِد من نسيج الظّبى واللَّهاذم
مُكرَّمة حتى عن الدَّفن في الثرى
وما يُكرم الرحمن غير الأكارم
هم القوم راحوا للشهادة فاغْتَدوا
وما لهم في فوزهم من مُقاوم
تساقوا كؤوس الموت في حَوْمة الوغى
فمالت بهم ميل الغصون النَّواعم
مضوا في سبيل الله قُدماً كأنما
يطيرون من أقدامهم بقوادم
يرون جوار الله أكبر مَغْنم
كذاك جوار الله أسنى المغانم
عظائمُ نالوها فخاضوا لنيلها
ولا رَوْع يثنيهم صدور العظائم
وهان عليهم أن تكون لحُودهم
مُتُون الرَّوابي أو بطون التهايم
ألا بأبي تلك الوجوه سواهمًا
وإن كنَّ عند الله غير سَوَاهِم
عفا حُسْنها إلاَّ بقايا مباسم
يعزُّ علينا وطؤها بالمناسم
وسؤر أسارير تنير طلاقة
فتكْسِف أنوار النجوم العَواتم
لئن وكَفَت فيها الدموع سحايباً
فعن بارقات لُحْن فيها لشائم
ويا بأبي تلك الجسوم نواحلاً
بإجرائها نحو الأجور الجسائم
تغلغل فيها كلُّ أسمر ذابل
فجدل منها كل أبيض ناعم
فلا يبعد الله الذين تقرَّبوا
إليه بإهداء النفوس الكرائم
مواقف أبْرار قضوا من جهادهم
حقوقاً عليهم كالفُروض اللَّوازم
أُصيبوا وكانوا في العِبادة أسوة
شباباً وشيباً بالغواشي الغواشم
فعامل رمح دُقَّ في صدر عامل
وقائمٌ سيف قُدَّ في رأس قائم
ويا رُبَّ صوَّام الهواجر واصل
هنالك مصروم الحياة بصارم
ومنقذ عانٍ في الأداهم راسفٌ
ينوء برجلي راسفٍ في الأداهم
أضاعهم يوم الخميس حفاظهم
[وكرُّهم] في المأزق المتلاحم
سقى الله أشلاءً بسفح أنيشة
سوافحُ تُزجيها ثِقال الغمايم
وَصلَّى عليها أنْفُساً طاب ذكرها
فطيَّب أنفاسّ الرَياح النَّواسم
لقد صبروا فيها كراماً وصابروا
فلا غرو أن فازوا بصفو المكارم
وما بذلوا إلاَّ نفوساً كريمة
تحنُّ إلى الأخرى حنين الرَّوائم
ولا فارقوا والموت يُتْلع جيدَه
فحيث التقى الجمعان صِدْق العزائم
بعيشك طارحني الحديث عن التي
أراجع فيها بالدموع السَّواجم
وما هي إلاَّ غاديات فجائع
تُعَبر عنها رايحات مآتم
جلائل دقَّ الصبر فيها فلم نُطِق
سوى غضَ أجفانٍ وغضَّ أباهم
أبيت لها تحت الظلام كأنني
رمي نصال أو لديغ أراقم
أغازل من بَرْح الأسى غير بارح
وأزْجُر من سأم البكا غير سائم
وأعقد بالنجم الّمُشَرَق ناظري
فيغْرُب عني ساهراً غير نائم
وأشكو إلى الأيام سوء صنيعها
ولكنها شكوى إلى غير راحم
وهيهات هيهات العزاء ودونه
قواصِم شتَّىُ أرْدَفت بقَواصم
ولو برَّد السُّلوان حَرَّ جوانحي
لآثرت عن طوعٍ سُلُوَّ البهائم
ومن لي بسُّلوان يحّل منفَراً
بجاثٍ من الأرزاء حولي جاثم
وبين الثنايا والمخارم رمةٌ
سرى في الثَّنايا طيبُها والمخارم
بَكَتْها المعالي والمعالم جهدها
فمن للمعالي بعدها والمعالم
سعيدٌ صعيدٌ لم تَرُمْه قرارة
وأعْظِم بها وسط العظام الرَّمايم
كأنَّ دماً أذكى أديم تُرابها
وقد مازجتهّ الرَيح مِسْك اللَّطايم
يشقُّ على الإسلام إسلام مثلها
إلى خامعاتٍ بالفلا وقشاعم
كأن لم تَبِتْ تغشى للسُّراة قبابها
ويرعى حماها الصَّيد رَعْي السَّوايم
سفَحْتُ عليها الدمع أحمر وارساً
كما تَنْثر الياقوت أيدي النَّواظم
وسامرتُ فيها الباكيات نوادباً
يُورِقْن تحت الليل وُرق الحمايم
وقاسمت في حَمْل الرَّزية أهلها
وليس قسيمّ البرَ غير المُقاسم
فوا أسفا للدين أعضل داؤه
وآيس مُن أسٍّ لمسراه حاسم
ويا أسفا لَلعلم أقْوت رُبوعه
وأصبح مهدود الذَّرى والدَّعائم
قضى حامل الآثار من آل يعرب
وحامي هُدى المختار من آل هاشم
خبا الكوكب الوقاد إذ متَّع الضحى
ليخبطه في ليلٍ من الجهل فاحم
وخَابَتْ مساعي السَّامعين حديثَه
كما شاء يوم الحادث المتفاقم
فأي بهاءٍ غارَ ليس بطَالع
وأي سناءٍ غاب ليس بقادم
سلامٌ على الدُّنيا إذا لم يَلُح بها
مُحيَّا سليمن بن موسى بن سالم
وهل في حياتي مِتْعةٌ بعد موته
وقد أسلمتني للدَّواهي الدَّواهم
فهأناذا في حَرْب دهر مُحارب
وكنت به في أمن دهر مسالم
أخو العزَّة القعساءِ كهلاً ويافعاً
وأكفاؤه ما بين راض وراغم
تفرَّد بالعلياء عِلماً وسؤدداً
وحَسْبُك من عال على الشُّهب عالم
معرسه فوق السُّهى ومقيله
ومَوْرِده قبل النُّسور الجَواِثم
بعيدٌ مداه لا يُشقُّ غباره
إذا فاه فاض السَحر ضَرْبة لازم
يُفوض منه كلُّ ناد ومنبر
إلى ناجح مَسْعاه في كل ناجم
متى صادم الخطب الملمَّ بخطبةٍ
كفى صادماً منه بأكبر صادم
له منطق سهل النَّواحي قريبها
فإن رُمْته ألفيت صعب الشَّكايم
وسحر بيان فات كلَّ مُفوَّهِ
فبات عليه قارعاً سنَّ نادم
وما الروض حلاَّه بجوهره النَّدى
ولا البرد وشَّقه أَكُفَّ الرَّواقم
بأبدع حُسْناً في صحائفه التي
تُسَيَرّها أقلامه في الأقالم
يمانٍ كلاعي نماه إلى العلا
تمامٌ حَواه قبل عقد التمايم
يروق رُواق الملك في كل مَشْهد
ويُحسن وسْماً في وجوه المواسم
ويكثر أعلام البسيطة وحده
كمال مثال أو جمال مقاوم
لعاً لزمان عاثرٍ من خلاله
براق من الجلى أصيب يواقم
مُناد إلى دار السلام مُنادم
بها الحور واهاً للمنادي المنادم
أتاه رداه مقبلاً غير مُدْبر
ليحِظى بإقْبالٍ من الله دايم
إماماً لدين أو قواماً لدولة
تولَّى ولم تلحقه لَوْمَة لايم
فإن عابه حُسَّاده شَرَقاً به
فلن تَعْدم الحسناءُ ذاماً بذايم
فيا أيها المخدوم سَامي محله
فدىً لك من ساداتنا كلَّ خادم
ويا أيها المختوم بالفوز سعيُه
ألا إنما الأعمال حُسن الخواتم
هنيئاً لك الحُسْنى من الله إنها
لكل تقيٍّ خيمه غير خايم
تَبوَّأْت جّناتٍ النعيم ولم تزل
نزيل الثريَّا قبلها والنعائم
وُلم تأل عيشاً راضياً أو شهادة
ترى ما عداها في عداد المآتم
لعمري ما يَبْلى بلاؤك في العدا
وقد جَرَّب الأبطال ذَبْل الهزايم
وتالله لا ينسى مقامك في الوغى
سوى جاحدٍ نور الغزالة كاتم
لقيت الرَّدى في الرَّوع جَذْلان باسماً
فبوركْتَ من جذلان في الرَّوع باسم
وحُمْت على الفردوس حتى وَرَدْتَه
ففُزْتَ بَأشْتات المنا فَوْز غانم
أجِدُك لا تُثني عِناناً لأوبةٍ
أداوي بها بَرْح الغليل المُداوم
ولا أنت بعد اليوم واعد هبَّةٍ
من النوم تحدُوني إلى حال حالم
لسُرْعان ما قَوَّضت رحلك ظاعناً
وسِرت على غير النواحي الرواسم
وخلَّفت من يرجو دفاعك يائساً
من النَّصر اثناء الخطوب الصَّرايم
كأني للأشجان فوق هواجر
بما عادني من عادياتٍ هواجم
عَدِمْتُك مفقوداً يعز نظيره
فيا عزَّ مَعْدوم ويا هون عادم
ورُمتك مطلوبَاً فأعْيَى مناله
وكيف بما أعيا منالاً لرايم
وإني لمحزون الفُؤاد صديعُهٍ
خلافاً لسال قلبه منك سالم
وعندي إلى لقياك شوق مبرح
طواني من حامي الجوى فوق جاحم
وفي خَلَدي والله ثَكْلُك خالدٌ
أليَّة برٍّ لا أليَّة آثم
ولو أن في قلبي مكاناً لسَلْوة
سلوتُ ولكن لا سُلُوَّ لهائم
ظلمتُك أن لم أقض نعماك حَقَهَّا
ومثلي في أمثالها غيرُ ظالم
يطالبني فيك الوفاءُ بغاية
سموت لها حفظاً لتلك المراسم
فأبكي لشلْوٍ بالعراء كما بكى
زياد لقبر بٍين بصرى وجاسم
وأعبد أن يمتاز دوني عبدةً
بعلْياء في تأبين قيسَ بن عاصم
وهذي المراثي قد وفَّيت برَسْمها
مُسّهَمة جهّد الوفَي المُساهم
فمدَّ إليها رافعاً يد قابلٍ
أكبَّ عليها خافضاً فَمَ لاثِم
ومن القضاة في هذا الحرف
سلمون بن علي
ابن عبد الله بن سلمون الكناني؛ من أهل غرناطة؛ يُكْنى أبا
القاسم، ويُدعى باسم جده سلمون. وقد مرَّ ذكر أبيه وأخيه.
حاله
من أهل العلم والهُدى الحسن، والوقار، قديم العدالة، متعدد الولاية، مضطلع بالأحكام، عارف بالشروط، صَدْرُ وقته في ذلك، وسابق حلبته إلى الرواية، والمشاركة، والتَبجُّح، في بيت الخير والحشمة، وفضل الأبوة والأخوة. قلَّ في الأندلس مكانٌ شذَّ عن ولايته، وناب عن القضاة بالحضرة، فُحمد نفاذه، وحسنت سيرته. ثم ولي مستبداًّ في الدولة الباغية، وخاض في بعض أهوائها، بما جرَّ علَيه عَتَباً، فعقبه الإعتاب عن كَثَب.
تواليفه
أَلَّف في الوثائق المرتبطة بالأحكام كتاباً مفيداً، نسبه بعض معاصريه إلى أنَّه قيده عن شيخه أبي جعفر بن فَرْكون، ودوّن مشيخته.
مشيخته
أجازه: الراوية المعمر أبو محمد بن هرون الطايي، والشيخ المسن أبو جعفر أحمد بن عيسى بن عياش المالقي، والشيخ الأديب أبو الحَكَم بن المرحَّل، والعدل أبو بكر بن إسحاق التجيبي، والقاضي أبو العباس بن الغمّاز، والفرضي أبو إسحق التّلَمساني، وأبو الحسن بن عبد الباقي بن الصواف، والمحدث أبو محمد الخلاسي، والراوية أبو سلطان جابر بن محمد بن قاسم بن حيَّان القيسي، والوزير أبو محمد بن سِماك، والشيخ المدرس بالديار المصرية أبو محمد الدُّمياطي، والمقري الرَّاوية أبو عبد الله بن عيَّاش، وأبو الحسن بن مضاء، والمحدث أبو عبد الله بن النجار وأبو زكريا بن عبد الله بن محرز، والمقري أبو بكر بن عبد الكريم بن صدقة السَّفاقُسي، والشيخ زين الدين أبو عبد الله محمد بن الحسن القرشي العوني، وأبو القاسم الأيسر الجذامي، وشهاب الدين الأبرقوسي، والعدل أبو فارس الهواري، وأبو الكرم الحميري، وأبو الفدا بن المعلم، والشريف أبو الحسن القرافي، وأبو عبد الله بن رحيمة، والشيخ أبو عبد الله بن اللبيدي، وأبو الحسن بن عطية البودري، وأبو محمد بن سعيد المسراتي، وأبو عبد الله بن عبد الحميد، والخطيب أبو الحسن بن السفاج الرندي، وأبو محمد بن عطية، والوزير أبو عبد الله بن أبي عامر بن ربيع، والعدل أبو الحسن بن مستقور، والخطيب أبو عبد الله بن شعيب، والشريف أبو علي بن طاهر بن أبي الشرف، والأستاذ أبو بكر بن عبيدة. وقرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وبرنامج رواياته نبيه.
مولده
عام خمسة وثمانين وستماية.
من المحدثين والفقهاء وسائر الطلبة النجباء بين أصلي وغيره
سعيد بن محمد
ابن إبراهيم بن عاصم بن سعيد الغساني؛ من أهل غرناطة؛ يُكْنَى أبا عثمان.
حاله
هذا الرجل من أهل الذكاء والمعرفة والإدراك، يقوم على الكتاب العزيز حِفْظاً وتدريساً، ويشارك في فنون، من أصول وفقه وحساب وتعديل، ومعرفة بالإلمامات الشُّعاعية. يكتب خطاًّ حسناً، وينظم الشعر، ويحفظ الكثير من الَنّتف والأخبار، مقتصد، منقبض عن الناس، مشتغل بشأنه، قيد الكثير، يسير إلي لزمانة، أصابت أُختها، بما يدل على نشاطه وهمته.
مشيخته
قرأ على الأُستاذ الخطيب أبي القاسم بن جُزي ورحل إلى العدوة، فلقي بفاس وتلمسان جُملة، كالأُستاذ أبي إسحق السَّلاوي التلمساني، وأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن المكناسي من أهل فاس، والحاج ابن سبيع وغيرهم. واستدعيته لتأديب ولديّ أسعدهم الله، فبلوت منه على السنين، نضحاً وسلامة وديناً وعفَّة.
شعره
جرى ذكر في الإكليل الزاهر بما نصه: ممن يتشوَّق إلى المعارف والمقالات، ويتشوَّف إلى الحقائق والمجالات، ويشتمل على نفْس رقيقة، ويسير من تعليم القرآن على خير طريقة، ويعاني من الشّعَر ما يشهد بنبله، ويستطرف من مثله. فمن شعره قوله:
لمَّا نأوا في الظاعنين وساروا
أضحت قلوب العاشقين تحار
تركوهم في ظُلمة وتوحُّش
ما انجابت الأضواءُ وَالأنوار
ذهبوا فأبقوا كل عقل ذاهلاً
ولكل قلب بالنُّزوح مطار
ظَعنوا وقد فَتَنوا الورى بجمالهم
عَبَثوا بأفئدة الأنام وحارُ
ما ضرَّهم قبيل النَّوى لو ودَّعوا
ما ضرَّهم لو أعلموا إذ سارٌ
فقلوبنا من بعدهم في فجْعة
ودموعنا من بعدهم أمطار
يا دار أين أحبَّتي ووصالنا
أين الذي كُنَّا به يا دارُ
كنا نذيع به عبير حديثنا
وكلامنا الألطاف والأشعار
والطَّير تتْلُو فوقنا نغماتها
والدهر يسمح والمُدام تدار
ولطالما بِتْنا وبات رقيبنا
في غفلةّ قُضَيت بها الأوطار
هل زمن تقادم عهده
نلنا بها النُّعْمى ونحن صغار
فلا تَذْر على الوصال وابْكِيَنْ
ما دامت الآصال والأسحار
ومن المقطوعات:
وكم عذلوني في هواه وما رأوا
محياه حتى عاينوه وسلَّموا
وقالوا نعم هذا الكمال حقيقةٌ
فحطُّوا وجاءوا صاغرين وسلَّموا
وكتب إلي صحبة كتاب أعرته إياه، عقب الفراغ من مطالعته:
هذا كتاب كَلّ مُعْجَم
أفحمني معناه إفحاما
أعجمه منشئه أولا
وزاده النَّاسخ إعجاما
أسقط من إجماله جملة
وزاد في التفصيل أقساما
وغيَّر الألفاظ عن وَضْعها
وصيَّر الإيجاد إعداما
فليس في إصلاحه حيلةٌ
تُرجى ولو قوبل أعواما
نثره
كتب إليّ شافعاً في الولد، وأنا واجد عليه: من حلَّ محلَّ السيد نادرة الزمان، وسابق حلْبة البيان، في رسوخ العلم، والسُّمو في درجة الحلم، وأرضعته الحِكَم دَرَّتها، وقلَّدته المعارف دُرَرها، وجلَت عليه بدرها، وجلبت إليه بذرها، كان بالحنوّ وَالرأفة خليقاً، وأن يهب نسيمه لدناً رفيقاً، وأن يتعاهد بالعطف غرساً في زاكي تربته ظلي، وإلى مَحْتده المنجب وفضله المنجب أنتمى، فيلحفه من الرحمة جناحاً، ويطلع عليه في ليل الوحشة المؤلمة من نور صفحه عن حفوته مصباحاً، والذنب إذا لم يكن عقوقاً ولا سوء أدب، وكان في المماليك والقيم المالية مغتفر، عند الأكابر مثله من ذوي الرتب، وقد بلغ في الاعتراف غاية المدى، وانْدَمل الجُرح الذي أصابته المدى، والبون واضح في المقاييس، بين المرؤوس والرئيس، وشتان بين الزيف والجوهر النفيس. ومع أن الولد كمد، فهو للنفس ريحانة، وفي فصّ خَاتم الإنسان جُمانة، وقد نال منه هذا الإمضاءُ، والصارم يتخذ فيزيد منه المضاءُ، وهو يرتجي كل ساعة، أن يفد عليه البَشير برضاك، فيستأنف جهوراً، وينقلب إلى أهله مسروراً، والله يبقيك، والوزارة ترفل منك في مظهر حُلَل، ويريك في نفسك وبَنيك غاية الأَمل.
مولده
التاسع لذي الحجة عام تسعة وتسعين وستماية. وهو الان على حاله الموصوفة.
ومن كتاب والشعراء
سهل بن طلحة
من أهل غرناطة؛ يُكْنَى أبا الحسن.
حاله
كان ظريفا، عنده مشاركة في الطَّلب، مدح ولي العهد أبا عبد الله بن الغالب بشعر وسط، فمن ذلك قوله من قصيدة أولها:
أنا للغرام وللهوى مدفوع
فمتى السَلوٌّ ووصلها ممنوع
يقول أيضا منها بعد كثير:
يا حبذا دارٌ لزينب باللّوَى
حيث الفؤاد على الهوى مطبوع
يا حادي العيس التفت نحو اللوى
إني بسكان الّلَوى مَفْجوع
وعِج المطيّ بلعلع وبرامة
فهناك قلب للشَّجي مروع
أطلال آرام وبيض خردٌ
هنَّ الأهلَّة بالجيوب طُلوع
في ظبية من بيهن تصدُّني
حُسنا ولي أبداً إليه نُزوع
حوراء جايرة عليَّ بحكمها
ظُلْما وإني مُذعن وسميع
تَفْنَى الليالي والزمان وأَنقَضِي
كمدا ولا نبأ لها مسموع
فيا ليت هل دهر يعود بوصلها
فيكون للعيش الخصيب رجوع
وتعود أيام السُّرور كمثل ما
قد عاد روح حياتها والروع
فقدوم مولانا الأمير محمد
خير الملوك ومن له التَّرفيع
وفاته
كان حيّاً سنة اثنتين وخمسين وستمائة.
سالم بن صالح
ابن علي بن صالح بن محمد الهمداني؛ من أهل مالقة؛
يكنى أبا عمرو؛ ويعرف بابن سالم.
حاله
قال الأُستاذ أبو جعفر بن الزُّبير: كان أديباً مُقَيّداً، كتب بخطَه كثيراً، وانتسخ أجزاء عدَّة، واجتهد وأكثر، وكان مُتَبَذّلاً في لباسه، متواضعاً، مقتصداً، مليح المُجالسة، حسن العشرة، جليل الأخلاق، فاضل الطبع.
مشيخته
روى عن: الحافظ أبي عبد الله بن الفخار، وأبي زيد السهيلي، وأبي الحجاج بن الشيخ، وأبي جعفر ابن حَكَم، وأبي بكر بن الجَدّ،َ وأبي عبد الله بن زَرْقون، وأبي محمد بن عبيد الله، وشارك في كثير من شيوخه أبا محمد القرطبي، وكان يناهضه.
دخوله غرناطة
دخلها، وأقام بها، وأخد عن شيوخها، وتردد إليها.
شعره
قال في رُمْح:
أنا الرُّمح المُعَدُّ إلى النوايب
فصاحبي تجدني خير صاحب
لئن فَخَر اليراع بكتب خطً
فلخطَيّ فخرٌ بالكتايب
ومما كتب له ابن خميس قوله:
إلهي قد عصينا منك ربَّاً
تعلَّى أن يقابل بالمعاصي
فكيف خلوصُنا من هَوْل يوم
تَشِيب لهوله سُود النَّواصي
وجلب شعراً كثيرا دون شُهْرته، وما ذكر به، وتوفي بمالقة ليلة الإثنين لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان المعظم سنة عشرين وستمائة.
حرف الهاء من الملوك والأمراء
هشام بن محمد
ابن عبد الله بن عبد الرحمان الناصر لدين الله بن محمد بن عبد الله؛ أخو المٌرتَضى المتقدم الذّكَر؛ يُكْنَى أبا بكر،
ويلقب بالمُعْتَد بالله؛ الخليفة بقرطبة.
صفته
أبيض أصهب، إلى الأدمة، سَبْط الشعر، أَخْنَس، خفيف العارض واللّحَية، حسن الجسم، إلى قصر، أُمُّه أم ولد تسمى عاتبا.
حاله
بويع له بالثَّغر، فقرطبة أيام استقراره بحصن أَلبُنْت، عند صاحبه عبد الله بن قاسم الفهري. قال ابن حيان، ثالباً إياه على عادته، قُلد الأمر في سن الشيخوخة، وكان معروفاً بالشَّطارة في شبابه، وأقلع فُرجي فلاحه، وقال، دخل قرطبة في زِيّ تًقتحمه العين، وهنًا وقلَّة، عديم رواءُ وبهجة، وعَددٍ وعُدَّة، فوق فرسٍ دون مراكب الملوك بحِلية مختصرة، سادلاً سَمْل غفارة على ما تحتها من كسوة رثَّة، قُدَّامه سبع خبايب من خيل العامريين دون عَلَم ولا مضطرد، يسير هَوْناً والناس ينظرون إليه، ويصيحون بالدُّعاء في وجهة. فدخل القصر، وقلَّد حَكَماً المعروف بالقزاز الأعمال والأمر، وأطلق يده في المال، وهو الذي يقول فيه الشاعر:
هبْك كما تدَّعي وزيرا
وزيرُ من أنت يا وزير
والله ما للأمير معنى
فكيف من وزير الأمير
وضعُف أمره، وآثر الناس الوثوب على وزيره، فأوقع به طايفة من الجند، وثارت العامة بهشام فخُلع في خبر طويل، ودخل غرناطة مع أخيه المرتضى، ولحق يوم هزيمته بظاهرها، بحصن أَلْبُنْت إلى أن بويع له بقرطبة يوم الأحد لخمس بقين من ربيع الآخر سنة ثمان عشرة وأربعماية.
محنته
ثارت العامة به بقرطبة كما تقدم، ملتفَّةً على أُمية ابن عبد الرحمان بن هشام بن سليمن بن عبد الرحمان الناصر، يوم الثلاثاء الثاني عشر لذي حجة من سنة اثنتين وأربعمائة، بسوء تدبير وزيره، وبادر الاعتصام بعِلْية القصر، وأُنزل منها إلى ساباط الجامع بالأمان، فيمن تألَّف إليه من ولده وحريمه، فحدَّث بعض سَدَنة الجامع، أنَّ أوَّل ما سأَل الشيوخ، إحضار كسيرة من خبز يسدُّ جوع طُفَيلة له، كان قد احتضنها، ساتراً لها بكمه من قَرّ لَيلته تلك، كانت تشكو الجوع ذاهلة عما أحاط به، فأبكى من كلَّمه اعتبار بعادية الدّهر، وأُخرج إلى الحصن ابن الشرف إلى أن هلك.
وفاته
في صفر ثمان وعشرين وأربعمائة، وسنة نحو أربعة وستين سنة. وكان آخر ملوك بني أُمية بالأندلس.
ومن ترجمة الأعيان والكبرا والأماثل والوزرا
هاشم ابن أبي رجاء
الإلبيري؛ الوزير؛ يُكْنَى أبا خالد.
حاله
كان من عظماء أهل إلبيرة وحليتهم، وهو الذي عاد الفقيه الزاهد أبا إسحاق بن مسعود الإلبيري في مرضه، وعذله على رداءة مسْكنه، وقال له لو سكنْتَ داراً خيراً من هذه لكانت أولى لك؛ فأجابه رحمة الله بقوله:
قالوا ألا تستجيد بيتاً
تعجب من حسنه البيوت
فقلت ما ذاكم صوابٌ
حقيرٌ كثير لمن يموت
لولا شتاءٌ ولفح قيظ
وخوف لصّ وًحفظ قوت
ونسوة يبتغين كِنّاً
بُنيت بُنيان عنكبوت
وأي معنى لحسن مَغْنى
ليس لسكَّانه ثُبوث
ما لوعظ القبر لوعقلنا
موعظة للناطق الصموت
يُومِي إلى ممتطي الحنايا
مالك عن مضجعي عميت
نسيت يومي وطول نومي
وسوف تنسى كما نسيت
وسُدْتَ يا هادمي قصورًا
نَعِمْت فيهنَّ كيف شيت
معتنقاً للحسان فيها
مستنشقا مسكها الفتيت
تسحب ذيل الصّبَا
وتلهو بآنسات يقلن هيت
فاذكر سُهادي قبل التَّنادي
واسهد له قبل أن يفوت
فعن قريب يكون ظعني
سَخِطَّت يا صاح أم رضيت
حرف الياء: الملوك والأمراء
يوسف بن إسماعيل
ابن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر الأنصارى الخزرجي؛ أمير المسلمين بالأندلس؛ أبو الحجَّاج.
حاله وصفته
كان أبيض أزهر، أَيَّداً، برَّاق الثنايا، أَنْجَل رَجل الشَّعر أسوده، كثَّ اللحية، تقع العين منه على بدر تمام، يفضل الناس بحُسْن المرأى، وجمال الهيئة، كما يفضلهم مقاماً ورتبة، عذب اللسان، وافر العقل، عظيم الهيبة، إلى ثقوب الذهن، وبُعد الغور، والتفطُّن للمعاريض، والتَّبريز في كثير من الصنائع العملية، مائلا إلى الهدنة، مُزْجيا للأمور كلفاً بالمباني والأثواب، جمَّاعة للحُلى والذَّخيرة، مستميلا لمعاصريه من الملوك، تولى الملك بعد أخيه بوادي السَّقايين من ظاهر الخضراء، ضحوة يوم الأربعاء الثالث عشر من ذي الحجة عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، وسنُّه إذ ذاك خمسة عشر عاماً وثمانية أشهر، واستقلَّ بالملك، واضطَّلع بالأعباء، وتملأ الهدنة ما شاء، وعظُم مرانه لمباشرة الألقاب، ومطالعة الرسم، فجاء نسيج وحده، ثم عانى شدايد العدو، فكُرم يوم [ الوقيعة العظمى بظاهر] طريف موقعه، وحُمد بعد في منازلة الطَّاغية عند الجثوم على الجزيرة صبرُه، وأجاز البحر في شأْنها، فأفلت من مكيدة العدو التي تخطَّاها أجله، وأَوهن حبْلها سعده، ولما نفذ فيها القدر، وأَشْفَت الأندلس، سدَّد الله أمور المسلمين بها على يده، وراخى مُخَنَّق الشّدَة بسعيه، فعرفت الملوك رجاحته، وأثنت على قصده، إلى حين وفاته.
أمه
أُم ولد تسمى بهارا، طِرْفٌ في الخير والصون والرجاحة.
ولده
كان له ثلاثة من الولد، كبيرهم محمد أمير المسلمين من بعده، وتِلوه أخوه إسماعيل المستقر في كنفه، محجوراً محجوراً عليه التصرف إلى أعمال التدبير، وثالثهم إسمه قيس، شقيق إسماعيل.
وزراء دولته
توَّلى وزراته لأول أُمره، كبير الأكره ونبيه الدهَّاقين، الدهَّاقين، من مُنْتَجعي المَدَر بحضرته، أبو اسحاق بن عبد عبد البر، لمخيَّلة طمع نشأت لمقيمي الدولة فيما بيده، سدًّا لحال بها على عوز طريقه إلى حضرته، إلى ثالث شهر المحرم من العام، وأَنِف الخاصة والنبهاء، رياسته فطلبوا من السلطان إعاضته، فعدل عنه إلى خاصة دولتهم الحاجب أبي نعيم [رضوان]، مظنَّة التَّسديد، محطَّ الإنفات، فاتصل نظره مستبدا عليه، في تنفيذ الأمور، وتقديم الولاة والعمال، وجواب المخاطبات، وتدبير الرعايا، وقَوْد الجيوش، ثم نَكَبه، وأحاط به مكروها، مجهول السبب، ليلة الأحد الثاني والعشرين لرجب عام أربعين وسبعمائة. وتولى الوزارة بعده، ابن عمة أبيه القايد أبو الحسن علي بن موْل بن يحيى بن مول الأمي، ابن عم وزير أخيه، رجل جَهْوري حازم، مؤثر للغلطة على الشَّفقة، ولم يَنْشب أن كفَّ استبداده، فانكدر نجم سعادتهم، والتأَثَث حاله، ولزمته شكاية سدركت فاستنقذته. وأقام لرسم الوزارة كاتبه شيخنا نسيج وحده أبا الحسن بن الجياب إلى أخريات شوال عام تسعة تسعة وأربعين وسبعمائة، وهلك رحمه الله فأُجري لي الرَّسم، وعَصَّب لي تلك المثابة، مُضاعف الجراية، معزَّزة بولاية القيادة.
كتابه
تولى كتابته كاتب أخيه وأبيه، شيخنا المذكور إلى حين وفاته. وقلَّدني كتابة سرّهَ مثنَّاة بمزيد قربه، مظفَّرة برسم وزراته.
قضاته
تولى أحكام القضاء، قاضى أخيه الصَّدر البقِيَّة، شيخنا أبو عبد الله محمد بن يحيى بن بكر إلى يوم الوقيعة الوقيعة الكبرى بطريف، وفُقد في مصاَفّه، وتحت لوائه، لوائه، وتولى القضاء الققيه المُفْتي البقيَّة أبو عبد الله الله محمد بن عيَّاش، من أهل مالقة أياما، ثم طلب الإعفاء. فأُسعف عن أيام تقارب أسبوعا، وولَّي مكانه الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن بُرطال من أهل مالقة. فسدّد الخُطَّة، وأجرى الأحكام، إلى الرابع من شهر ربيع الآخر؛ عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة، وقُدّمَ عوضا عنه، الفقيه الشريف الصَّدر الفاضل أبو القاسم محمد بن أحمد الحسيني السَّبتي المولد والمنشأ، الطالع على أفق حضرته في أيام أخيه، النازع أخيه، النازع إلى إيالتهم النصرية معدودا في مفاخر أيامها، مشارا إليه بالبنان عند اعتبار أعلامها، ثم عزله لغير جُرمة تذكر، إلاَّ مالا ينكر وقوعه، مما تجره تبعات الأحكام، وولي الخطة شيخنا نسيج وحده الرُّحلة البقية أبا البركات بن الحاج، شيخ الصُّقع، وصدرُ الجلَّة، واستمرار قاضيا إلى... وأربعين وسبعمائة. ثم أعاد إليها القاضي المفوض هونه، الشريف الفاضل، أبا القاسم، إلى يوم وفاته.
رئيس الغزاة ويعسوب الجند الغربي
تولى ذلك [لأول] الأمر الشيخ أبو ثابث عامر بن عثمان بن إدريس بن عبد الحق، قريع دهره في النكراء والدهاء، المسلم له في الرتبة، عِتاقة ورأيا وثباتا، إلى أن نكبه، وقبض عليه وعلى إخوته، يوم السبت التاسع والعشرين؛ من ربيع الأول، عام أحد وأربعين وسبعمائة، وأقام شيخا ورئيسا، دايلهم وابن عمهم، المتلَقّف لكرة عزّهَم، يحيى بن عمر بن رحُّو، ولي ذلك بنفسه ونديمه ومبرز خصاله إلى تمام مدته.
من كان على عهده من الملوك
وأولاً بفاس: دار الملك بالمغرب، السلطان المتناهي الجلالة، أبو الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق، وجاز على عهده إلى الأندلس، إثر صلاة يوم الجمعة تاسع عشر صفر، من عام أحد وأربعين وسبعمائة، بعد أن أوقع بأُسطول الروم، المُسْتَدعى من أقطارهم، وقيعة كبيرة شهيرة، استولى فيها من المتاع والسلاح والأجفان، على ما قدم به العهد، واستقر بالخضراء في جيوش وافرة، وكان جوازه، في مائة وأربعين جفنا غزويا، وبادر إلى لقائه، واجتمع به في وجوه الأندلسيين وأعيان طبقاتهم بظاهر، الجزيرة الخضراء، في اليوم الموفي عشرين من الشهر المذكور، ونازل إثر انقضاء المولد النَّبوي، مدينة طريف، ونصب عليها المجانيق، وأخذ بمخنَّقها، واستحثَّ من بها من المحصورين، طاغية الروم، فبادر يقتاد جيشا، يجرّ الشَّجر والمَدَر. والمَدَر. وكانت المناجزة؛ يوم الإثنين السابع لجمادى الأولى من العام، ومُحَّص المسلمون بوقيعة هايلة، أتت على النفوس والأموال والكِراع، وهلك فيها بمَضْرب المُلْك من العقايل الكرام، فعضمت الأُحْدوثة، وجلَّت المصيبة، وأسرع اللّحَاق بالمغرب مفلولاً في سبيل الله، مُحْتسباً يروم الكرَّة: وكان ما هو معلوم، من إمعانه في حدود الشَّرق، عند الإحكام المهادنة بالأندلس، وتوغُّله في بلاد إفريقية، وجريان حكم الله عليه بالهزيمة، [ظاهر القيروان] التي لم ينتشله الدهر بعدها، وعلقت آمال الخلق بولده، مستحق الملك، من بين ساير إخوته، وهلك على تَفِية لحاقه بأحواز مراكش، ليلة الأربعاء السادس والعشرين لربيع الأول عام اثنين وخمسين وسبعمائة، فاختار الله له ما عنده، بعد ما بلغ من من بُعد الصيت، وتعظيم الملوك له، وشهرة الذكر، ما لم يبلغه سواه. ونحن نجلب دليلاً على فضله، والإشادة بفخره، نسخة العقد الذي تضمن هديته إلى صاحب الديار المصرية، صحبة الرَّبعة الكريمة بخطَّه، وذلك: ((قبّة من مائة بنيقة، وفيها أربعة أبواب، وقبّة أخرى من ستة وثلاثين بنيقة؛ داخلها حلة محلوقة ووجهها حرير أبيض، وركيزها أبنوس وعاج مرصع، والاهار فضة مذهبة، والشرايط حرير. وضربت القَّبتان بالصفصيف، وحل فيها جميع الهدية. وصُفّفَت جميع الدواب بجهازاتها أمام القبة. من الخيل ثلاثمائة، وخمسة وثلاثون من البغل بين الذكور وأُناث، ومن الجمال سبعماية، إلا أنها لم تصفف، بل أعدت لحمل الهدية، ومن البُزاة الأحرار أربعة وثلاثون، ومن أحجار الياقوت مائتان وخمسة وعشرون، ومن قطب الزمرد ماية وثمانية وعشرون، ومن حبوب الجوهر الفاخر أكثره، ثلاثة آلاف وأربعة وستون. ومن أحجار الزبرجد ثمانية وعشرون، ومن المهنّدات بحلية الذهب عشرة، ومن أزواج مهاميز الذهب عشرة، ومن أزواج الأركب عشرة، واحد كله ذهب، وثلاثة كلها فضة، وستة من حبحبة مذهبة على الحديد، واثنان من اللضمات من ذهب. وشاشية مذهبة، وحلل ثلاث عشرة. وعشر كلل ومخاد حلة، وتوق ذهب مائتان، واشتراق ذهب عشرون، وقدود ستة وأربعون، وفرشا جلَّة، وعشر علامات مُعَشَّشة. وعشر وقايات مذهَّبة. وثلاثون من وجوه اللَّحف حرير وذهب، ومائتان من المحررات الملونة الرفيعة المختمة. وحيطيان أحدهما حلة والآخر طوق. وثلاثة وعشرون شُّقة من الرهاز. واثنان من هنابل الحلة. وعشرة براقع للخيل منها ثمانية من الحلة. ومن أسلة الخيل ثلاثون، وثلاثة طنافس من الحرير. وهنابل حرير اثنان. وعشرة هنابل من الحرير والصوف. وهنابل وانشريشية وزمورية ماية وسبعة. وأربعة آلاف من الجلد التركي والأغماتي. ومن دَرَق اللَّمط المثمنة مائتان. ومن الأكْسية المحررة أربعة وعشرون. ومن البرانس المحررة ثمانية. ومن الأحارم ما بين محررة وصوف عشرون. ومن أزواج المحفف خمسون. وعشر لزمات من الفضة، وستة عشر شُقة من الملف. وما أزودة الحجاج فأعطى للحرة المكرمة أخته، أعزها الله، ثلاثة آلاف دنير من الذهب، ومائتي كسوة برسم العرب. ولمن سافر معها ستماية وسبعين. ولأبي إسحاق بن أبي يحيى ثلاثمائة من الذهب وكسوة رفيعة، ولعريفه يحيى السويدي ألف دنير من الذهب. إلى العدد الكثير من الذهب العين برسم الوصفان والخدام، ولرسوم التحبيس على قراء الرابعة الكريمة، ستة عشر ألفاً وخمسمائة دنير)). انتهى.
وكان هذا السلطان رحمه الله، ممَّن دوَّخ الأقطار، وجاهد الكفار، ووطىء بالأساطيل خدود البحار، والتمس ما عند الله من الثواب، وأعلق يده من نسخ كتابه بأوثق الأسباب، إلى أن استوسق الأمر لولده، أمير المؤمنين بالمغرب وما إليه، فارس المكني بأبي عنان، الملقب بالمتوكل على الله. فقام بالأمر أحمد قيام. وجرت بين هذا السلطان وبينه المخاطبات والمراسلات، وسفَّرني إليه لأول مرة، مُعَزّيَا بأبيه، ومُهَنّيا بما صار إليه من ملكه، واستصحبت إليه كتاباً من إنشائي، نجليه بحول الله تجميما لمن يقف على هذه الأخبار، وإن اقتحمتها ثبج الإكثار وهو:
المقام الذي رسخت منه في مقامَيْ الصَّبر والشكر قَدَم، فلا يغيره وجود لا يروعه عدم، وصدقت منه في كتاب المجد عزمة لم يختلجها وَهَن ولا ندم، حتى تصرفت بحكم معاليه أيام دهره ولياليه، هو ولدان وهذه خدم. مقام محل أخينا، الذي إن جاشت النوايب وسعها صدره، أو عظمت المواهب، ترفع عنها قدره، أو أظلمت الكروب جلاها بَدْرُه. أو تألبت الخطوب، هزمها صبره، أو أظلَّت سحايب النعم، أسدرها حمد الله وشكره، أو عرضت عقود الحمد في أسواق المجد أغلاها فجره. أو راقت حلل الصنايع طرزَّها ذكره، أو طبّقَت سيوف الناس أغمدها صفحه، وسلَّها قهره. السلطان الكذا أبقاه الله ضاحك السعد، كلما بكت عين، مجموع الشَّمل كلما أزِف بَيْن. وارِىَ الزَّند إذا اقتضى دين، محي الذًّمار بانفساخ الأعمار، كلما أغار على الأحياء حين، ولازال يقيد منه شكر الله نعما ما في وعدها ليّ، ولا في قولها مين. ويلبس منها حللا تقواه في عواتقها زين. مساهمة في كل خَطْب غَمَّ، أو فضل من الله عم، ومقاسمةً في كل ما ألمَّ وتهنئة بالملك الذي خلص وتَمَّ، فلان.
أما بعد حمد الله الذي جعل الصَّبر في الحوادث حصنا منيعا، والشكر يستدعي المزيد من النعم سريعا، فمتى أُعملت للصبر دعوة، كان بها الأجر سميعا. ومتى رُفعت من الشكر رُقعة، كان المزيد عليها توقيعا. والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله، الذي بوَّأَنا من السعادة جنابا مَريعا، وبين له حدود أوامره ونواهيه فطُوبى لمن كان مُطيعا. وكان لنا في الدنيا هاديا، ونجده في الآخره شفيعا، والرضا عن آله وصحبه، الذين كانوا على العُداة قيضا، وللعُفاة ربيعا، فحلُّوا من الإقتداء به فيما ساء وسرًّ، وأَحْلَى وأَمرَّ مقاما رفيعا. وخفض عليهم مضاضَة فقده، مثابرتهم على ضمّ شمَل المسلمين من بعده، اقتداءًا بقوله
سبحانه: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً ﴾. والدُّعاءِ
لمقامكم الأسمى بالنصر، الذي يشكر منه الجياد والبيضُ الحدادً صنيعا. وتشرح منه ألسن الأقلام تهذيبا وتقريعاً، والصبر الذي زرافات الأجر قطيعاً، فقطيعاً، فإنا كتبناه إليكم، كتب الله لكم من حظوظ الخير أوفرها عددا. وأقطعكم من خُطَط السَّعد أبعدها مداً؛ وأتبعكم من كَتايِب العز أطولها يدا، وخولَّكم من بَسْطة المُلك مالا يبيد أبدا، وألهمكم من الصبر لما تقَدّمُونه فتجدونه غدا. من حمراء غرناطة، حرسها الله وعندنا من الإعتداد في الله أسبابٌ وثيقة، وأنسابُ صدق في بحبوحة الخُلوص عريقة. ومن الثناء عليكم حدايقُ روضٍ لا تحاكيها حديقة، ومن المساهمة لكم في شتّىَ الأحوال، مقاصدُ لا تلتبس منها طريقة، ومن السُّرور بما سناه الله لكم، نعمٌ بِشُكر الله عزَّ وجلَّ خليقة.
وإلى هذا، أيَّدكم الله بنصره، وحَكم لمقامكم بشَدّ أَزْرِه، وإعلاءِ أمره، فإِنَّنا ورد علينا الخبر الذي قبض وبسط، وجار وأَقْسَط، وبخَس ووفَّى وأَمْرض وشفى، وأضحى وظلَّل، وتجهَّم وتهلَّل، وأمَرَّ وأَحْلَى، وأساء ثم أَحْسَن، وبشَّر بعد ما أَحْزَن، خبرُ وفاة والدكم، محَلّ أبينا، السلطان العظيم القدر الكبير الخَطَر، قدَّس الله طاهِرَ تُربته، وكرَّم لَحْده، كما أحيا بكم معالم مجده. فياله من سَهْم رمى أغراض القلوب فأثبتها. وطرق مجتمعات الآمال فشتَّتها. ونعى إلى المجد إنسان عينه وعَيْن إنسانه. وإلى المُلْك هُيولي أركانه، إلى الدين ترجمة ديوانه، وإلى الفضل عميد إيوانه، حادثٌ نبَّه العيون من سِنَة غرورها. وذكَّر النفوس بَهْم أمورها. وأَشْرَق المحاجر بماءِ دموعها، وأضرم الجوانح بنار ولُوعها. وبيَّن أن سَراب الأمال سراب، وأنَّ الذي فوق التُّراب تراب. فمن تأمل الدنيا وطباعها، والأَيام وإسراعها، والحوادث وقِراعها، بدا له الحقُّ من المَيْن. واستغنى عن الأثر بالعين. فشأنها أن لا تفترَّ عن سهم تُسَدّدَه إلى غرض. وصحَّةٍ تعقبها بمرض، وجوهر ترميه بعرض. وداءِ للموت قديم، وقُرْبُه لا يُبْقي عليه أديم. وكأسه يشربها مُوسرٌ وعديم. دبَّت إلى كسرى الفُرْس عقاريه، فلم تمنعه أساورته ولا مرازِبُه. وقصر قصَير على حكمه فكدَّرت مشاريه. وأتبر سيف بن ذي يزن عمدانه، فلم ترعه مضاربه. وأردى تُبَّعاً، فلم يكن في أتباعه من يحاربه. لم تدافع عنهم الجنود المجنَّدة. ولا الصّفَاح المهنَّدة. ولا الدُّروع المحكمة، ولا الَنّياب المعْلمة. ولا الجياد الجُرد المسَوَّمة. ولا الرّمَاح المثقَّفة المُقَومة. كلَّ قدَّم على ما قدَّم. وجَّد إلى ما أعدَّ. جعلنا الله ممن يَسَّر لسفره زاداً. وقدَّم بين يديه رباطا شافعا لديه وجهادا. ووثَّر لنفسه بمناصحة الله والمؤمنين في أعلى عليين، مهادا. وطوَّق المسلمين عدلا وفضلا وإمدادا، غير أن هذا الفاجئ الذي فجع، ومنع القلوب أن تقرَّ والعين أن تَهْجَع. غمرته البُشرى، وغلبته المسرَّة الكبرى، وعارضته من بقايكم الآية المحكمة الأخرى. فاضمحل من بعد الرُّسوخ. وصار ليله في حُكْم المَنْسُوخ. ما كان من استخلاصكم الملك الذي أنتم أهله، واحْتيازكم المجد الذي أشرق بكم محلهُّ. وكيف بسَهْم أخطأ ذاتكم الشريفة، أن يقال فيه أصمى وأَجْهَز. والأَمل بعد بقايكم أن يقال فيه تعذَّر أو أعْوَز. إنما الآمال ببقايكم للملأ مَنُوطة. وسعادة الإسلام بحياتكم المتَّصلة مشروطة.
ومنها: فأَي تَرَح يبقى بعد هذا الفَرح، وأي كسل يَنْشأُ بعد هذا المَرح. إن أَفَل البدرُ، فقد تبلَّج الفجرُ، أو غاص النّيَل فقد فاض البحر. وإن مال فَلَكُ الملك، فقد عاد إلى مَداره. وإن أذنب الدَّهر، فقد أحسن ما شاء في اعتذاره. إنْما هذا الخطب وهنٌ أعقبه ضوء النهار، وسطعت بعده أشعةُ الأنوار، وصِمْصامةٌ أُغمدت، وسُلَّ من بعدها ذو الفقار.
ومنها: وإنَّنا لما..... عن حَقّه ورصدنا طالعه في أُفقه، قابلنا الواقع بالتَّسليم، والمنْحة الرَّادفة بالشكر العظيم. وأَنِسْنا في غمام الهُدنة ربَّ هذا الإقليم. وقلنا استقر الحق ووضحت الطرق، وهوى الرَّايد وصدق البرق، وتقرَّرت القاعدة وارتفع الفرق، واستبشر يإبْلال المغرب أخوه الشَّرق، وثابث آمال أُولي الجهاد إلى اقحتام فُرضة المجاز، وأُولي الحج إلى مرافقه ركب الحجاز، وآن للدنيا أن تلبس الحُلى العجيبة بعد الإبتزاز. والحمد لله الذي زيَّن بكم أفق الملك، وكيَّف بسَعْدكم نظم ذلك السّلَك. وهنَّأَ الله إيالتكم، العباد والبلاد، والحجَّ والجهاد. وصدَّق الظنون الذي في مقامكم، الذي جاز في المكارم الآماد. بادرنا أيَّدكم الله من برّكَم إلى غرضين. وقمنا من حقَّ عزايمكم وهنايكم بواجبين مُفْتَرضين. وشرعنا ومن لدَينا، أن نباشر بالنفوس، هذين القَصْدين. إلاَّ أننا عاقنا عن ذلك، ما اتصل بنا، من العدُوّ اَلذي بلينا بجواره، ورُمِينا بمصابرة تيَّاره. وإلاَّ فهذا الغرض قد كنَّا لا نرى فيه بإجراء الإستنابة، ولا نحظى غيرنا بزيارة تلك المثابة. فليَصل الفضل جلالُكم. ويقبل العُذْر كمالُكم. وإذا كان الإستخلاف مما تحتمله العبادة، ولا ينكره عند الضرورة العُرْف والعادة، فأحرى الأخوة والودادة، والفضل والمجادة. فتخيرنا جهدنا، واصطفينا لباب اللُّباب فيمن عندنا، فعيَّنا فلانا. واتصلت أيامه إلى آخر مدته.
وبمدينة تِلمْسان: عبد الرحمان بن موسى بن عثمان بن يَغْمراس بن زيّان، يكنى أبا تاشفين. وقد تقدم ذكره، وهو الذي انقضى ملك بني زيان على يده. تولى الملك عام ثمانية عشر كما تقدم، وتهنَّأَه إلى أن تأَكَّدت الوُحْشة بينه وبين السلطان ملك المغرب، فتحرَّك لمنازلته، وأخذ بكَظْمه، وحصره سنين ثلاثاً، واقتحم عليه ملعب البلدة، ليلة سبع وعشرين من رمضان عام سبعة وثلاثين وسبعمائة. وفي غرَّة شوال منها، دخل البلد من أقطاره عَنْوة، وقف هو وكبير ولده برحبة قصره، قد نزعا لام الحرب المانعة من من عمل السلاح استعجالا للمنِيَّة ورغبة في الإجهاز وقاما مقام الثَّبات والصبر والإستجماع، إلى أن كُوثِرا وأُثخنا، وعاجلتهما منيَّةُ العزّ قَبل شدّ اَلوِثاق، وإمكان الشَّمات، الشَّمات، واستولى على الملك ملك المغرب. وفي ذلك قلت من الرّجَز المسمى بقطع السلوك في الدول الإسلامية، مما يخص ملوك تلمسان، ثم أميرها عبد الرحمان هذا:
وحل فيها عابدُ الرحمان
فاغترَّ بالدنيا وبالزمان
وسار فيها مطلق العِنان
من مظهر سام إلى جنان
كم زخرف علياه من بنيان
آثاره تُبني عن العيان
وصرف العزم إلى بجاية
فعظمت في قومها النَكّاية
حتى ما إذا مدة الملك انقضت
وأوجُه الأيام عنهم أعرضت
وحقَّ حقُّ الدهر فيها ووجب
وكتب الله عليها ما كتب
حثَّ إليها السير ملك المغرب
يالك من ممارس مجرّبَ
فغلب القوم بغير عهد
بعد حصار دائم وجَهْد
فأقفرت من ملكهم أوطانه
سبحان من لا ينقضي سلطانه
ثم نشأت لهم بارقة، لم تكد تَقد حتى خَبَتْ، عندما جَرتْ على السلطان أبي الحسن الهزيمة بالقيران؛ وانبتَّ عن أرضه، وصُرفت البيعة في الأقطار إلى ولده، وارتحل إلى طلب منصورا ابن أخيه، المنتزي بمدينة فاس. فدخلوا تلمسان، وقبضوا على القايم بأمرها، وقدموا على أنفسهم عثمان بن يحيى بن عبد الرحمان بن يغمراسن المتقدم الذكر في رسم عثمان وذلك في الثامن والعشرين لجمادى الآخرة من عام تسعة وأربعين وسبعمائة؛ واستمرت أيامه أثناء الفتنة وارتاش، وأقام رسم الإمرة، وجدَّد مُلْك قومه. واستمرت حاله إلى أن أوقع بهم ملك المغرب، أمير المسلمين أبو عنان الوقيعة المصطلمة التي خضدت الشوكة، واستأصلت الشَّأَفة. وتحصل عثمان في قبضته. ثم ألحقت النكبة به أخاه؛ فكانت سبيلهما في القتل صبرا عِبرة، وذلك في وسط ربيع الأول من عام التاريخ.
وبتونس: الأمير أبو يحيى أبو بكر ابن الأمير أبي زكريا ابن الأمير أبي إسحاق ابن الأمير أبي زكريا إلى أن هلك. وولي الأمر ولده عمر[ثم ولده أحمد] ثم عاد [الأمر] إلى عمر. ثم استولى ملك المغرب السلطان أبو الحسن على ملكهم. ثم ضُمَّ نَشْرُهم بعد نكبته وخروجه عن وطنهم على أبي إسحاق بن أبي بكر.
ومن ملوك النصارى بقَشْتالة: ألفنش بن هِرَنْدُه بن دون جانْجُه بن ألفنش المستولي على قرطبة ابن هرنده المستولي على إشبيلية. إلى عدد جمّ. وكان طاغية مرهوبا، وملكا مجدودا. هبَّت له الريح، وعظمت به إلى المسلمين النكاية. وتملَّك الخضراء بعد أن أوقع بالمسلمين الوقيعة الكبرى العظمى بطريف. ثم نازل جبل الفتح، وكاد يستولي على هذه الجزيرة؛ لولا أن الله تداركها بجميل صنعه وخفيّ لَطفه، لا إله إلا هو. فهلك بظاهره في محلَّته حَتْفَ أنفه ليلة عاشوراء من عام أحد وخمسين وسبعمائة. فتنفس المُخنَّق، وانجلت الغُمَّة، وانسدل السّتَر. كنت منفردا بالسلطان رحمه الله، وقد غلب اليأس، وتُوُقّعَت الفضيحة، أَؤنِسُه بعجايب الفرج بعد الشدة، وأُقوي بصيرته في التماس لطف الله، وهو يرى الفرج بعيدا، ويتوقع من الأمر عظيما. وورد الخبر بمهلكه، فاستحالت الحال إلى ضدها، من السُّرور والإستشبار. الحمد لله على نعمه. وفي ذلك قلت:
ألا حدّثَاني فهي أم الغرايب
وما حاضرٌ في وصفها مثل غايب
ولا تُخْليا منها على قَطْر السُّرى
سروج المذاكي أو ظهور النجايب
أيوسُف إنَّ الدهر أصبح واقفا
على بابك المأمول موقف تايب
دعاؤك أمضى من مهندة الظبا
وسعدك أقضى من سعود الكواكب
سيوفك في أغمادها مطمئنة
ولكن سيف الله دامي المضارب
فثِق بالذي أرْعاك أمر عباده
وسَلْ فضله فالله أكرم واهب
لقد طرَّق الأذفنش سعدك خزية
تجدُّ على مَرّ العصور الذواهب
وفَّيت وخان العهد في غير طايل
وصدَّق أطماع الظنون الكواذب
هوى في مجال العجب غير مقصر
وهل نهض العُجْب المخل براكب
وغالب أمر الله جلَّ جلاله
ولم يَدْرِ أنَّ الله أغلب غالب
والله في طَيّ الوجود كتايب
تدقُّ وتَخْفى عن عيون الكتايب
تغير على الأنفاس في كل ساعة
وتكمن حتى في مياه المشارب
فمن قارع في قومه سنَّ نادم
ومن لاطم في ربعه خدَّ نادب
مصايب أشجى وقعُها مُهج العِدا
وكم نْعمٌ في طي تلك المصايب
شواظُّ أراد الله إطفاء ناره
وقد نَفَج الإسلام من كل جانب
وإن لم يصب منه السلاح فإنما
أُصيب بسهم من دُعايك صايب
والله من ألطافه في عباده
خزاينُ ما ضاقت لمطلب طالب
فمهماغَرَسْتَ الصبَّرفي تربة رضا
بأحكامه فلتجن حسن العواقب
ولا تعدَّ الأمر البعيد وقوعه
فإن الليالي أُمَّهات العجايب
وهي طويلة سهلة؛ على ضعفٍ كان ارتكابه مقصوداً في أمداحه.
وببرجلونة: السلطان بِطْره المتقدم ذكره في اسم أخيه. ومن الأحداث في أيامه الوقيعة الكبرى بظاهر طريف، يوم الإثنين السابع من جمادى الأولى، من عام أحد وأربعين وسبعمائة، وما اتصل بذلك من منازلة الطاغية أَلْهَنْشُه، قلعة يحصب الماسة الجوار من حضرته، واستيلائه عليها، وعلى باغة. ثم منازلة الجزيرة الخضراء عشرين شهرا، أوجف خلالها بجيوش المسلمين من أهل العدوتين إلى أرضه. ثم استقر منازلا إياها إلى أن فاز بها قِداحه، والأمر لله العلي الكبير، في قَصَص يطول ذكره، تضمن ذلك طُرْفة العصر من تأليفنا. ثم تهنأَ السلم، والتحف جناح العافية والإمنة برهة، رحمه الله.
وفاته
وما استكمل أيام حياته، وبلغ مداه، أتمَّ ما كان شباباً واعتدالا وحسنا، وفخامة وعزاًّ [حتى] أتاه أمر الله من حيث لا يَحْتَسب، وهجم عليه يوم عيد الفطر، من عام خمسة وخمسين وسبعمائة، في الركعة الأخيرة، رجل من عِداد الممرورين، رمى بنفسه عليه، وطعنه بخنجر كان قد أعدَّه، وأغرى بعلاجه، وصاح، وقُطعت الصلاة، وقُبض عليه، واسْتُفهم، فتكلم بكلام مُخَلَّط، واحتُملُ إلى منزله، على فَوْت لم يستقر به، إلا وقد قضى رحمه الله ورضي عنه، وأُخّرِج ذلك الخبيث للناس، وقتل وأحرق بالنار مبالغة في التشفي؛ ودفن السلطان عشية اليوم في مقبرة قصره؛ لصق والده، وولي أمره ابنه أبو عبد الله محمد، وبولغ في احتفال قبره، بما أشف على من تقدمه، وكتب عليه ما نصه:
((هذا قبر السلطان الشهيد، الذي كَرُمت أحسابُه وأعراقه، وحاز الكمال خَلْقُه وأخلاقه، وتحدَّث بفضله [وحلمه] شامَ المعمور وعراقُه، صاحب الآثار السَّنيَّة، والأيام الهَنيَّة، والأخلاق الرضِيَّة، والسير المَرْضيَّة. الإمام الأعلى، والشّهَاب الأجلى، حُسام الملة، علم الملوك الجلَّة، الذي ظهرت عليه عناية رَبّه، وصُنع الله له سَلْمه وحَرْبه. قطب الرَّجاحة والوقار، وسلالة سَيّد الأنصار، حامي حمى الإسلام برأيه ورايته، المستولي في في ميدان الفخر على غايته، الذي صحبته [عناية الله] الله] في بداية أمره وغايته، أمير المسلمين أبي الحجاج يوسف ابن السلطان الكبير، الإمام الشهير، أَسَدَ دين الله، الذي أذعنت الأعداء لقهره، ووقفت الليالي والأيام عند نهيه وأمره. رافع ظلال العدل في الآفاق [حامي حِمى السُّنة بالسمر الطوال والبيض الرّقَاق]، مخلد صحف الذّكَر الخالد والعَزّ الباق، الشَّهيد السعيد المقدس أبي الوليد، ابن الهمام الأعلى الطاهر النسب والذات، ذي العز البعيد الغايات، والفخر الواضح الآيات، كبير الخلافة النصرية، وعماد الدولة الغالبِيَّة، المقدس المرحوم أبي سعيد فرج بن اسماعيل بن نصر، تغمده الله برحمته من عنده، وجعله في الجنَّة جاراً لسعد بن عُبادة جدّهَ، وجازى عن الإسلام والمسلمين، حميد سعيده، وكريم قصده. قام بأمر المسلمين أحمد القيام، ومهَّد لهم الأمن من ظهور الأيام، وجلَّى لهم وجه العناية مشرق القسام، وبذل فيهم من تواضعه وفضله، كل واضح الأحكام. إلى أن قضى الله بحضور أجله، على خير عمله، وختم له بالسعادة، وساق إليه على حين إكمال شهر الصوم هديَّة الشهادة، وقبضه ساجدا خاشعا، مُنيبا إلى الله ضارعا، مستغفراً لذنبه، مطمئنا في الحالة، التي أقرب ما يكون العبد فيها من رَبّه. على يد شقّيً قيضه الله لسعادته، وجعله سببا لنفوذ سابق مشيئته وإرادته. خفي مكانه لخمول قدره. وتمَّ بسببه أمر الله لحقارة أمره. وتمكن له عند الإشتغال بعبادة الله، ما أضمره من غدره، وذلك في السجدة الأخيرة من صلاة العيد. غرة شوال، من عام خمسة وخمسين وسبعماية. نفعه الله بالشهادة التي كرم منها الزمان والمكان، ووضح منها على قبول رضوان الله البيان. وحَشَره مع سلفه الأنصار، الذين عزَّ بهم الإيمان، وحصل لهم من النار الأمان. وكانت ولايته الملك في غرة اليوم الرابع عشر لذي الحجة من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، ومولده في الثامن والعشرين لربيع الآخر عام ثمانية عشر وسبعمائة، فسبحان من انفرد بالبقاء المحض، وحتَّم الفناء على أهل الأرض ثم يجمعهم إلى يوم الجزاء والعرض، لا إله إلا هو)).
وفي جهة الأخرى من النظم، وكلاهما من إملائي، ما نصه:
يحييك بالرحيان والروح من قبر
رضى الله عمَّن حلَّ فيك مدى الدهر
إلى أن يقوم الناس تعنو وجوههم
إلى باعث الأموات في موقف الحشر
ولست بقَبْرٍ إنما أنت روضة
مُنَعَّمة الريحان عاطرة النَّشر
ولو أنني أنصفتك الحق لم أَقُل
سوى يا كِمام الزَّهر أو صدف الدُّر
ويا ملْحَد التقوى ويا مَدْفَن الهُدى
ويا مسقط العليا ويا مغرب البدر
لقد حطَّ فيك الرحل أي خليفة
أصل المعالي غُرَّةٌ في بني نصر
لقد حلَّ فيك العزُّ والمجد العلى
وبدر الدُّجا والمُسْتَجار لدى الدهر
ومن كأبي الحجاج حامي حمى الهُدى
ومن كأبي الحجاج ماحي دجا الكفر
إمام الهُدى غيث النَّدى دافع العدا
بعيد المدى في حومة المجد والفخر
سلالة سَعْد الخزرج بن عُبادة
وحسبك من بيت رفيع ومن قدْر
إذا ذُكر الإِغضاءُ والحلم والتُّقى
وحدَّثْت عن علياه حدّثَ عن البحر
تخوَّنه طرفُ الزمان وهل ترى
بقاءً لحيّ أًو دواماً على أمر
هو الدهر ذو وجهين يومٌ وليلة
ومن كان ذا وجهين يُعتب في غدر
تولى شهيدا ساجداً في صلاته
أصيل التقى رَطْب اللسان من الذكر
وقد عرف الشَّهر المبارك حق ما
أفاض من النَّعمى ووفى من البر
وباكر عيد الفطر والحكم مبرم
وليس[سوى] كأس الشهادة من فطر
أتيح له وهو العظيم مهابةً
وقدرا حقير الذَّات والخلق والقدر
شقيُّ أتت من لدنه سعادة
ومُنْكر قوم جاء بالحادث النُّكر
وكم من عظيم قد أُصيب بخامل
وأسباب حكم الله جلَّت عن الحصر
فهذا عليٌّ قد قضى بابن ملجم
وأوقع وحشي بحمزة ذي الفخر
نَعُدُّ الرّمَاح المشرفية والقنا
ويطرق أمر الله من حيث لا تدري
ومن كان بالدُّنيا الدَّنية واثقا
على حالة يوما فقد باءَ بالخُسر
فيا مالك الملك الذي ليس ينقضي
ويا من إليه[الحكم] في النهي والأمر
تغمَّد بستر العفو منك ذنوبنا
فلسنا نُرَجّي غير سترك من ستر
فما عندك اللهم خيرٌ ثوابه
وأبقى ودنيا المرء خدعة مغترَ
ومما رثي به قولي في غرض ناءٍ عن الجزالة، متحرّيَا اختيار ولده:
العُمْر يوم والمُنى أحلام
ماذا عسى أن يستمر منام
وإذا تحققنا الشيءَ بَدْأَة
فله بما تقضي العقول تمام
والنفس تجمع في مدى آمالها
ركْضاً وتأبى ذلك الأيام
من لم يُصَبْ في نفسه فمصابه
بحبيبه نفذت بذا الأحكام
بعد الشبيبة كبرة ووراءها
هَوْمٌ ومن بعد الحياة حِمام
ولحكمة ما أشرقت شُهب الدُّجا
وتعاقب الإصباح والإظلام
دنياك يا هذا محلَّة نُقلة
ومناخ ركبٍ ما لديه مقام
هذا أمير المسلمين ومن به
وُجد السَّماح وأُعدم الإعدام
سر الإمامة والخلافة يوسف
غيثُ الملوك وليثها الضرغام
قصدته عادية الزمان فأقصدت
والعزُّ سام والخميس لهام
فُجعت به الدنيا وكُدّرَ شربها
وشكى العراق مصابه والشام
أسفاً على الخُلق الجميل كأنه
بدر الدجنة قد جلاه تمام
أسفا على العمر الجديد كأنه
غضُّ الحديقة زهره بسَّام
أسفا على الخلق الرَّضي كأنها
زهر الرّيَاض همى عليه غمام
أسفا على الوجه الذي يهمي ندًى
طاشت لنور جماله الأفهام
يا ناصر الثَّغر الغريب وأهله
والأرض ترجف والسماء قَتام
يا صاحب الصَّدمات في جنح الدجا
والناس في فرش النعيم نيام
يا حافظ الحَرم الذي بظلاله
سُتر الأرامل واكتسى الأيتام
مولاي هل لك للقصور زيارة
بعد انتزاح الدار أو إلمام
مولاي هل لك للعبيد تذكَّر
حاشاك أن تنسى لديك ذِمام
يا واحد الآحاد والعلم الذي
خفقت بعزّهَ نُصْرة الأعلام
وافاك أمر الله حين تكاملت
فيك النُّهى والجود والإقدام
ورحلت عنا الرّكَب خير خليفة
أثنى عليك الله والإسلام
نعم الطريق سلكت كان رفيقه
والزَّاد فيه تهجُّدٌ وصيام
وكسفت يا شمس المحاسن ضحوةً
فاليوم كيل والضياء ظلام
سقاك عيد الفطر كأس شهادة
فيها من الأجل الحرمي مدام
وختمت عُمْرك بالصلاة فحبذا
عملٌ كريم سعيه وختام
مولاي كم هذا الرقاد إلى متى
بين الصَّفايح والتُّراب تنام
أعد التحية واحتسبها قُربة
إن كان يمكنك الغداة كلام
تبكي عليك مصانع شهدتها
بيض كما تبكي الهديل حَمام
تبكي عليك مساجد عمرتها
فالناس فيها سُجَّدٌ وقيام
تبكي عليك خلايق أمَّنتها
بالسَّلم وهي كأنها أنعام
عاملت وجه الله فيما رُمته
منها فلم يبعد عليك مرام
لو كنت تُفْدَى أو تُجاز من الرَّدى
بُذلت نفوس من لدنك كرام
لو كنت تمنع بالصَّوارم والقنا
ما كان ركنك بالغلاب يُرام
لكنه أمر الإله ومالنا
إلاَّ رضى بالحكم واستسلام
والله قد كتب الفنا على الورى
وقضاؤه جَفَتَّ به الأقلام
نم في جوار الله مسرورا بما
قدَّمت يوم تزلزل الأقدام
واعلم بأن سليل ملك قد غدا
في مستقر عُلاك وهو إمام
بستر تكنَّف منه من خلَّفته
ظل ظليل فهو ليس يُضام
كنت الحُسام وصرت في غمد الثرى
ولنصر ملكك سل منه حُسام
خلَّفت أُمة أحمد لمحمد
فقضت بسعد الأمة الأحكام
فهو الخليفة للورى في عهده
تُرعى العهود وتوصل الأرحام
أبقى رسومك كلها محظوظة
لم ينتثر منها عليك نظام
العدل والشَيّم الكريمة والتُّقى
والدَّار والألقاب والخُدَّام
حسبي بأن أخشى ضريحك لائمًا
وأقول والدمع السَّفوح سِجام
يا مدفن التَّقوى ويا مثوى الهدى
منَيّ عليك تحية وسلام
أخفيتُ عن حزني عليك وفي الحشا
نارٌ لها بين الضلوع ضرام
ولو أنني أدَّيت حقَّك لم يكن
لي بعد فقدك في الوجود مقُام
وإذا الفتى أدَّى الذي في وُسْعه
وأتى بَجَهدٍ ما عليه ملام
وكتبت في بعض المعاهد التي كان يأنس بها رحمة الله عليه:
غِبتَ فلا عَين ولا مخبر
ولا انتضارٌ منك مرقوب
يا يوسف أنت لنا يوسف
وكلُّنا في الحزن يعقوب
يوسف بن عبد الرحمان
ابن حبيب بن أبي عبيدة بن عُقْبة بن نافع الفهري.
أوليَّته
كان عبد الرحمان أحد زعماء العرب بالأندلس. وكان ممن ثار منها من أصحاب بلج عصبيَّةً لقتله، فخرج عن الأندلس إلى إفريقية. وجدُّه عقبة بن نافع، هو الذي اختط قيروانها أيام معاوية بن أبي سفيان. قال عيسى بن أحمد: وهرب ابنه يوسف هذا من إفريقية إلى الأندلس مغاضبا له أيام بشر بن صفوان الكلبي؛ فهوى الأندلس، واستوطنها، فساد بها ثم تأَمَّر فيها.
حاله
كان شريفاً جليلا، حازما عاقلا. اجتمع عليه أهل الأندلس من أجل أنه قُرشي، بعد موت أميرهم ثوابة بن سلامة، ورضى به الخِيار من مُضر واليمن، فدانت له الأندلس، تسع سنين وتسعة أشهر، وكان آخر الأمراء بالأندلس، وعنه انتقل سلطانها إلى بني أمية. وأشرك الصُّميل بن حاتم في أمره، فتُركت لذلك نسبة الأمر له، وكانت الحرب التي لم يُعرف بالمشرق والمغرب، أشدَّ جلاداً، ولا أصبر رجالا منها، واعتزلها يوسف تحرُّفا، وقام بأمرها الصُّميل، وانهزم اليمانيون واستلحموا ملحمة عظيمة، واستوسق الأمر ليوسف. وغزا جِلّيَقية، فعظم في عُدوّهَا أثره. ولما تمَّ له الأمر طرقه ما تقدم به الإلماع، من عبور صقر بني أمية عبد الرحمان الداخل في خبر طويل. والتقى بظاهر قرطبة سنة ثمان وثلاثين وماية في ذي الحجة. وانهزم يوسف بن عبد الرحمان والصُّميل، ولحقا بإلبيرة. وأتبعهما عبد الرحمان بن معاوية فنازله، وقد تحصن بمعقل إلبيرة حصن غرناطة، وترددت بينهما الرُّسل في طلب المهادنة والبقاء على الصلح. وتخلَّى يوسف عن الدعوة، واستقر سكناه بقرطبة. وذلك في صفر سنة تسع وثلاثين وماية، وأقبل معه في عسكره إلى قرطبة. وذُكر أنه تمثل عند دخوله عسكر عبد الرحمان ببيت جرور بن النعمان:
فبتنا نسوس الأمْرَ والأمر أمرنا
إذا نحن فيهم سوقةٌ نتنصَّف
فتبًّا لدنيا لا يدوم نعيمها
تُقّلَب ساعات بنا تصرّفَ
واستقر بقرطبة دهراً، ثم بدا له في الخلاف. ولحق بأحواز طليطلة، وأعاد عهد الفتنة، فاغتاله مملوكان له، وقتلاه رحمه الله، في سنة اثنتين وأربعين ومائة، وأخبار يوسف بن عبد الرحمان معروفة، وهو محسوب من الأمراء الأُصلاء بغرناطة، إذ كانت له قبل الإمارة بها ضياع يتردد إليها.
ومن غير الأصليين
يحيى بن عبد الله
ابن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي عزفة اللخمي؛ الرييس أبو زكريا، وأبو عمرو بن الرييس أبي طالب بن الرييس أبي القاسم. كناه أبوه أبا عمرو؛
وغلبت عليه الكنية المعروفة.
حاله
كان قيّمَا على طريقة أصحاب الحديث، رواية وضبطا وتقييدا وتخريجا، مع براعة خط، وطرف ضبط، شاعرا مُجيدا مطبوعا. ذا فكاهة وحُسن مجالسة. رأس بسَبْتة، بعد إجازته البحر من الأندلس والإحتلال بفاس، نايبًا عن ملك المغرب السلطان أبي سعيد بن عبد الحق، لأمر متَّ به إليه قبل استقلاله، ليس هذا موضع ذكره. ثم استبدَّ بها مخالفا عليه، لأَمر يطول شرحه، أجرى فيه مُوَفَّى الجانب من الخلع، باسلاً مقداما. سكون طاير، مثقَّفا بخلال رياسته، ضاماً لأطرافها. ونازله جيش المغرب، وبيد أميره ولده أبو قاسم مُرْتَهنا، فأتيح له ظفرٌ أجلى ليلة غربيات المحلة والأثر فيها، واستخلاص ولده.
مشيخته
أخذ عن جماعة من أهل بلده وغيرهم، قراءة وسماعاً وإجازة. فممن أخذ عنه من أهل بلدة سَبتة: أبو إسحاق الغافقي، وأبو عبد الله بن رُشيد، وأبو الظفر المنورقي، وأبو قاسم البلفيقي، وأبو علي الحسن بن طاهر الحسيني، وأبو إسحاق التّلَمساني، وأبو محمد عبد الله بن أبي القاسم الأنصاري، وأبو قاسم بن الشَّاط. وبغرناطة لما قدم عليها، مُغَرَّباً عن وطنه، عند تصيرُّه إلى الإيالة النَّصرية من أيديهم، وسكناه بها، عن أبي محمد عبد المنعم بن سماك، وأبي جعفر بن الزبير، وأبي محمد بن المؤذن، وأبي الحسن بن مَسْتقور وغيرهم. ومن أهل ألمرية أبو عبد الله محمد بن الصايغ، وأبو عبد الله بن شعيب. ومن أهل مالقة الولي أبو عبد الله بن الطَّنجالي، وأبو محمد الباهلي، وأبو الحسن بن منظور، وأبو الحسن بن مصامد. ومن أهل الخضراء، أبو جعفر بن خميس. ومن أهل بَلّش أبو عبد بن الكماد. ومن أهل أُرُجبة أبو زكريا البُرشالي. ومن أهل بجاية أبو علي ناصر المِشْدالي، وأبو عبد الله بن غربوز. ومن أهل فاس أبو عبد الله المومناني. ومن أهل تيزي أبو عبد الله محمد القيسي. وكتب له بالإجازة طايفة كبيرة من أهل المشرق، منهم قطب الدين القسطلاني.
شعره
قال لي شيخنا أبو البركات: سألته، وأنا معه واقفٌ بسور قصبة سبتة، أن يجيزني ويكتب لي من شعره، فكتب لي قطيعات منها في تهنئة السلطان أبي الجيوش يوم ولايته:
الآن عاد إلى الإمامة نورها
وارتاح منبرها وهشَّ سريرها
وبدا لنا من بعد طول قطوبها
منها التهلُّل واستبان سرورها
وضعت أَزمَّتها بكف خليفة
هو أصلها الأوْلى بها ونصيرها
من معشر عرفت بطون أكفَهّم
بذل النَّدى واللاَّثمين ظهورها
خُرصانهم ووجوههم في ظلمة ال
نَّقع المُثار نجومها وبدورها
وسع الرعايا منه عدله
لم يزل إليه قلوبهم ويصورها
حتى اغتدت بالحب فيه صدورها
ملأي وأخلص في الولاءِ ضميرها
رام العُداة لمجده كَيْدا فلم
تنجح مساعتُها وساءَ مصيرها
وكذاك فعل الله فيمن كاده
جهلا وغرَّته المُنا وغرورها
مولاي إنا عصبةٌ معروفة
بالحبّ فَيك صغيرها وكبيرها
جينا نُقضّيَ من حقوقك واجبا
نُسدي بالمدايح تارة ونبيرها
ولقد خدمتُ مقامكم من قبلها
بفرايد حَسْنا يعز نظيرها
فاجذب بضبعي من حضيض مزارتي
عرّست وعلى يديك مسيرها
وافتكني من أسر فرط خصاصة
عنفت فلم يقصد سواك أسيرها
لازلت للإسلام تحمي أمة
دانته مما يتَّقي ويجيرها
وبقيت في عز وسعد شامل
حتى يحين من الرفاة نُشُورها
وفي الإلغاز بالأقلام والمحبرة:
وسربٌ ضمَّهم دَسْت ستير
شباب ليس يفزعهم قَتير
قد اختصروا فلم يُفرش سآد
لمجلسهم ولم يُنصب سرير
لهم كأس إذا دارت عليهم
فقد أزف الترحُّل والمسير
وأفشوا سرَّ سياقهم بلفظ
مُبين ليس يفهمه البَصير
وهزَّت من روسهم نشاطا
وعند الصَّحو يعروهم فتور
فصاح إن تحللهم وإلاَّ
فشأنهم التَّلعْتُم والقصور
صلاب حين تعجمهم ولكن
إذا طعنوا فدمعهم غزير
لهم عقل يلوم على القوافي
لذاك نومهم أبدا كثير
طويلهم يطول العُمر منه
أخا نَعبٍ ويخترم القصير
وهم لم يشف يوما
بغير القطع عضوهم الكبير
فقل لي من هُم لا زلت فردا
دياجي المشكلات به تسير
نكبته
تنظر في العبادلة في اسم أبيه.
مولده
سنة سبع وسبعين وستمائة.
وفاته
عام تسعة عشر وسبعمائة، في شعبان، رحمه الله.
يحيى بن علي
ابن غانية الصحراوي؛ الأمير أبو زكريا.
حاله
كان بطلا شهما حازما، كثير الدهاء والإقدام، والمعرفة بالحروب، مُجْمَعاً على تقدمه. نشأ في صحبة الأمير بقرطبة محمد بن الحاج اللَّمتوني وولاَّه مدينة إستجة، فهي أول ولايته. وليها يحيى، وتزوج محمد الحاج أمه غانية بعد أبيه وكفله، وأقام معه بقرطبة، إلى أن كان من محمد بن الحاج ما كان من مداخلة أشياخ مَسُّوفَة على خلع محمد بن يوسف بن تاشفين [عن الأمر]، وصرف البيعة إلى يحيى الحفيد، الوالي في ذلك العهد بمدينة فاس، ولم يتم له الأمر، فأجلى عن نكبته. وانفصل يحيى بن غانية عن جماعته، وأقام متصرّفَاً في الحروب، معروف الحق والغِناء، إلى أن اشتهرت بسالته وديانته، ورغب يدّيَر ابن ورقا صاحب بلنسية من السلطان في توجيهه إليه، ليستعين به على مدافعة العَدوّ،َ فأجيب إلى ذلك. فوصل يحيى بلنسية، وأقام بها ذابّاً على المسلمين، إلى أن توفي يَدّيَر بن ورقا، فولاه علي بن يوسف إياها وشرق الأندلس، فظهر غناؤه وجهاده، وهزم الله بها ابن رُذْمير الطاغية منازلا إفراغة على يده، فطار ذكره، وعظُم صيته، واشتهر سَعْده، وأَسُل عن البيضة دفاعه،
أخبار عزمه
حكي عنه أنه تزوج في فُتُوَّتِه امرأة من قومه شريفة جميلة، وقرَّ بها عينا، ثم تركها وطلَّقها، فسئل عن ذلك، فقال والله ما فارقتها عن خلَّة تُذَم، ولكن خِفت أن اشتغل بها عن الجهاد، ولم يزل يدافع النصارى عن المسلمين بالأندلس، فهزم ابن رذمير، وأقلع محلاتهم عن مدينة الأُشبونة، واستمسك به حال الأندلس. ووُلّيَ قرطبة وما إليها من قبل تاشفين بن علي بن يوسف، عام ثمانية وثلاثين وخمسمائة، فاستقامت الأمور بحسن سيرته، وظهور سعده، إلى صفر من عام تسعة وثلاثين. وكانت ثورة ابن قَسي، باكورة الفتنة. ولما خرج إلى لَبْلة، ثار ابن حَمْدِين بقرطبة دار ملكه في رمضان من العام، واستباح قصره، وانطلقت الأيدي على قومه، وتم له الأمر، وبلغ يحيى الخبر، فرجع أدراجه إلى إشبيلية، فثار به أهلها، وناصبوه الحرب وأصابوه بجراحة، فلجأ إلى حصن مرجانة، فأقام بها يصابر الهول، ويرَقّع القُنَن. ثم تحرك إليه جيش ابن حمدين، وكانت بينهما وقيعة انهزم فيها ابن حمدين، واستولى ابن غانية على قرطبة، في شعبان من عام أربعين، وتحصن ابن حمدين بأندوجر ممتنعا بها. ونهض يحيى إلى منازلته. فاستعان ابن حمدين بملك قشتالة، وأطعمه في قرطبة؛ فتحرك إلى نُصرته. ولما وصل أندوجر، أعذر يحيى في الدفاع والمصابرة، ثم انصرف بالجيش إلى قرطبة، وأخذ العدُوُّ في آثارهم، صحبة مستغيثه ابن حمدين. فنازل قرطبة، وامتنع ابن غانية بالقصر وما يليه من المدينة. وأدخل ابن حمدين النصارى قرطبة في عاشر ذي الحجة من عام أربعين، فاستباحوا المسجد، وأخذوا ما كان به من النواقيس، ومزقوا مصاحفه، ومنها زعموا مصحف عثمان، وأنزلوا المنار من الصَّومعة، وكان كله فِضَّة، وحُرقت الأسواق، وأفسدت المدينة، وظهر من صبر ابن غانية، وشدة بأسه، وصدق دفاعه، ما أيأس منه. وكان من قدر الله، أن بلغ طاغية الروم يوم دخولهم قرطبة، اجتياز الموحّدَين إلى الأندلس، فأجال طاغيتهم، قداح الرأي، فاقتضى أن يهادن ابن غانية. ويتركه بقرطبة في نحر عدوّهَ من الموحدين، سدّا بينهم وبين بلاده، فعُقدت الشروط، ونزل إليه ابن غانية فعاقده، واستحضر له أهل قرطبة، وقال لهم، أنا قد فعلت معكم الخير، ما لم يفعله مَنْ قبلي، غلبتكم في بلدكم وتركتكم رعيَّة لي، وقد ولَّيت عليكم يحيى بن غانية، فاسمعوا له وأطيعوا. قال المؤرخ، وفَخَر الطاغية في ذلك اليوم بقومه، وقال، ولا يُريبنكم أن تكونوا تحت يدي ونظري، فعندي كتاب نبيكم إلى جَدّيَ، حدَّث ابن أمُّ العماد أبو الحسن، قال: حضرتُ، وأُحضر حقٌّ من ذهب، فُتح وأخرج منه كتابٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى قيصر ملك الروم، وهو جدُّه بزعمه. والكتاب بخط على بن أبي طالب. قال أبو الحسن: قرأته من أوله إلى آخره، كما جاء في حديث البخاري. وانصرف إلى بلاده، وانصرف ابن حمدين؛ فكان هلاكه بمالقة؛ بعد اضطراب كثير. واستقر ابن غانية بقرطبة الغادر به أهلها، فشرع في بنيان القصبة وسَدّ عورتها، وسام أهلها الخسف وسوءَ العذاب، ووالى إغْرامهم. واستعجل أمرهم، واتصل سَلْمه مع العدو إلى تمام أحد وأربعين وخمسمائة، وقد تملك الموحدون إشبيلية وما إليها. وضيَّق عليه النصارى في الطلب الإتاوة، واشْتطُّوا عليه في طلب ما بيده. ونزل طاغيتهم أندوجر وبه رجل يعرف بالعربي، واستدعى ابن غانية. فلما تحصَّل بمحلته، طلبه بالتخَّلي عن بيَّاسة وأُبَّدة، فكان ذلك. وتشاغل الموحدون بأمر ثاثر نازعهم بالمغرب. فكُلب العدو على الأندلس، فنازل الأُشبونة وشنترين، وألمرية وطُرْطُوشة ولاردة وإفراغة، وطمع في استيصال بلاد الإسلام، فداخل ابن غانية سراً من باشبيلية من الموحّدَين، ووصله كتاب خليفتهم بما أحبَّ، وتحرك الطاغية في جيوش لا تُرام. وطالب ابن غانية بالخروج عن جيَّان وتسليمها إليه، وكاده، حسبما تقدم في اسم عبد الملك بن سعيد. ونهض بعد هذه الكاينة إلى غرناطة، وهي آخر ما تبقى للمرابطين من القواعد؛ ليجمع بها أعيان لَمْتُونة ومسُّوفة، في شأن صرف الأمر إلى الموحدين.
وفاته
لما وصل الأمير يحيى بن غانية إلى غرناطة أقام بها شهرين، وتوفي عصر يوم الجمعة الرابع عشر شعبان عام ثلاثة وأربعين وخمسمائة، ودفن بداخل القصبة في المسجد الصغير، المتصل بقصر باديس بن حَيُّوس مجاوراً له في مدفنه، وعليه في لوح من الرخام تاريخ وفاته. والناس يقصدونه للتبرك به.
يوسف بن تاشفين
ابن إبراهيم بن توقورت بن وريابطن بن منصور بن مصالة ابن أمية بن وايامى الصنهاجي ثم اللمتوني؛ يُكْنَى أبا يعقوب، ويلقب بأمير المسلمين.
أوليته
ذكروا أن يحيى بن إبراهيم بن توقورت حجّ، وهو كبير قَبِيل الصحراويين في عشر الأربعين وأربعمائة، واجتاز على القيروان، وهي موفورة بالعلماء، وتعرّف بالفقيه أبي عُمران الفاسي، ورغب إليه أن ينظر له في طلب من يستصحبه، ليعَلّم قومه ويفقههم، فخاطب له فقيهاً من فقهاء المغرب الأقصى واسمه واجاج، واختار له واجاج، عبد الله بن ياسين القايم بدولتهم، البادي نظم نشرهم، وتأليف كلمتهم، فاجتمع عليه سبعون شيخاً من نبهائهم ليعلمهم، فانقادوا له انقيادا كبيراً، وتناسل الناس، فضخم العدد، وغزا معهم قبايل الصحراءِ. ثم التأَثَثْ حاله معهم؛ فصرفوه، وانتهبوا كتبه، فلجأ إلى أمير لمتونة يحيى بن عمر بن تلايكان اللمتوني؛ فقبله، وأعاد حاله، وثابث طاعته، فأمضى القتل على من اختلف عليه. وكان يحيى بن عمر يمتثل أمر عبد الله امتثالا عظيماً. ثم خرج بهم إلى سجلماسة. فتملكوها، وتملكوا الجبل. ثم ظهروا على المغرب، ثم قُتل الأمير يحيى بن عمر، فقدَّم عبد الله أخاه أبا بكر بن عمر بدَرْعة، ونهد به، فتملك جبال المصامدة، واحتل بأغمات وَريكة واستوطنها. ولعبد الله أخبار غريبة، وشذوذ في الأحكام؛ الله أعلم بصحتها. وقتل عبد الله بن ياسين برغواطة. ولم يزل الأمير أبو بكر بن عمر حتى أخذ ثأره، وأثخن القتل فيهم، وقدَّم ابن عمه يوسف بن تاشفين بن ابراهيم، على عسكر كبير، فيهم أشياخ لمتونة، وقبايل البرابرة والمصامدة، واجتاز على بلاد المغرب، فدانت له. وطرق الأمير أبا بكر خبرٌ من قومه من الصحراء انزعج له، فولَّى يوسف بن تاشفين على مملكة المغرب، وترك معه الثلث من لمتونة، إخوانه، وأوصاه، وطلَّق زوجته زينب، وأمره بتزوُّجها، لما بلاه من يُمنها. فبنى يوسف مدينة مراكش وحصَّنها، وتحبب إلى الناس، واستكثر من الجنود والقوة، وجَبى الأموال، واستبدَّ بالأمر. ورجع الأمير أبو بكر من الصحراء سنة خمس وستين وأربعمائة، فألفى يوسف مستبدًّا بأمره؛ فسالمه، وانخلع له عن الملك، ورجع إلى صحرايه؛ فكان بها تَصِله هدايا يوسف إلى أن قتله السُّودان. واستولى يوسف على المغرب كله ثم أجاز البحر إلى الأندلس؛ فهزم الطاغية الهزيمة الكبرى بالزلاَّقة، وخلع أُمراء الطَّوائف، وتملك البلاد إلى حين وفاته.
حاله
قال أبو بكر بن محمد بن يحيى الصيرفي: كان رحمه خائفاً لرَبّه كتوماً لسرّهَ، كثير الدعاءِ والإستخارة، مقبلاً على الصلاة، مديماً للإستغفار، أكثرُ عقابه لمن تجرأ أو تعرض لانتقامه، الإعتقال الطويل، والقَيْدُ الثُّقيل، والضرب المُبرّحَ، إلاَّ من انتزى أو شقَّ العصا، فالسيف أَحْسَم لانتثار الداء. يُواصل الفقهاء، ويعظّمَ العلماء، ويصرف الأُمور إليهم، ويأخذ فيه بآرائهم، ويقضي على نفسه وغيره يفُتْياهم، ويحضُّ على العدل، ويصْدع بالحق، ويعضّدَ الشَّرع، ويحْزِم في المال، ويُولَع بالإقتصاد في الملبس والمطعم والمسكن، إلى أن لقي الله، مجدًّا في الأمور، ملُقناً للصواب، مستحبًّا حال الجد، مؤدّيَاً إلى الرعايا حقَّها، من الذَّب عنها، والغِلْظة على عدوها، وإفاضة الأمن والعدل فيها. يرى صور الأشياء على حقيقتها تسمى بأمير المسلمين لما احتل الأندلس وأوقع بالروم، وكان قبل يدعى الأمير يوسف، وقامت الخطبة فيها جميعا باسمه، وبالعُدْوَة، بعد الخليفة العباسي. وكان درهمه فضَّة، ودُنيْره تِبْر محض، في إحدى صحفتى الدُّنير ((لا إله إلا الله، محمد رسول الله)) وتحت ذلك أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، وفي الداير، {ومن يتَّبع
غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من
الخاسرين}. وفي صفحة الأخرى، ((الإمام عبد الله أمير المسلمين يوسف بن تاشفين))، وفي الداير تاريخ ضربه وموضع سِكَّته، وفي جهتي الدرهم ما حمله من ذلك.
بعض أخباره
في سنة سبعين وأربعمائة وردت عليه كتب الأندلس، يبثُّون حالهم، ويحرّكَونه إلى نصرهم. وفي سنة اثنتين بعدها، ورد عليه عبد الرحمان بن أسباط، من ألمرية، يشرح حال الأندلس. وفي سنة خمس وسبعين بعدها، وجَّه إلى شراءِ العدد فيها، واستكثر منها. وفي سنة ستّ بًعدها فتح مدينة سَبْتة، ودخلها عنوة على الثَّاير بها سَقُوت البرغواطي. وفي سنة ثمان اتصل به تملُّك طاغية قشتالة مدينة طُليطُلة، وجاز إليه المعتمد بن عباد بنفسه، وفاوضه واستدعاه لنُصرة المسلمين، وخرج إليه عن الجزيرة الخضراء. وعلم بذلك الأدفنش، فاخترق[بلاد المسلمين] معرضاً عن رؤساء الطوائف، لا يرضى أخذ الجِزْية منهم، حتى انتهى إلى الخضراء، ومثل على شاطئ البحر، وأمر أن يُكتب إلى الأمير يوسف بن تاشفين، والموج يضرب أرساغ فرسه، بما نسخه:
((من أمير الملَّتَيْن أذفونش بن فردلند إلى الأمير يوسف بن تاشفين. أما بعد: فلا خفاءَ على ذي عينين أنك أمير الملَّة المسلمة، كما أنا أمير الملَّة النصرانية. ولم يخف عليكم ما عليه رؤساؤكم بالأندلس من التَّخاذل، والتواكل، وإهمال الرعية، والإخلاد إلى الراحة، وأنا أسومهم سوءَ الخسْف، وأضرب الدّيَار، وأهتك الأستار، وأقتل الشبان، وأسبي الولدان، ولا عذر لك في التَّخَلّف عن نُصرتهم، إن أمكنتك قُدرة. هذا وأنتم تعتقدون، أن الله تبارك وتعالى، فرض على كل منكم، قتال عشرة منا، ثم خفَّف عنكم فجعل على كل واحد منكم، قتال اثنين منا، فإن قتلاكم في الجنة، وقتلانا في النار، ونحن نعتقد أن الله أظهرنا بكم، وأعاننا عليكم، إذ لا تقدرون دفاعا، ولا تستطيعون امتناعا. وبلغنا عنك أنك في الإحتفال على نِيَّة الإقبال؛ فلا أدري أن كان الحين يبطئُ بك أمام التكذيب لما أُنزل عليك. فإن كنت لا تستطيع الجواز فابعث إلىَّ ما عندك من المراكب الأجوز إليك، وأُناجزك في أحب البقاع، فإن غلبتني، فتلك غنيمة جاءَت إليك، ونعمة مَثَلَث بين يديك. وإن غلبتك، كانت لي اليد العليا، واستكملت الإمارة. والله يتمُّ الإرادة))
فأمر يوسف بن تاشفين أن يُكتب في ظهر كتابه: ((جوابك يا أذفونش ما تراه، لا ما تسمعه إن شاء الله))؛ وأردف الكتاب ببيت أبي الطيب:
ولا كتب إلاَّ اَلمَشْرفيَّة والقنا
ولا رسل إلاَّ الخميس العرمرم
وعبر البحر، وقد استجاش أهل الأندلس. وكان اللقاء يوم الجمعة منتصف رجب من عام تسعة وسبعين وأربعمائة. ووقعت حرب مُرَّة، اختلط فيها الفريقان، بحيث اقتحم الطاغية محلة المسلمين، وصدم يسارة جيوش الأندلس، واقتحم المرابطون محلَّته للحين. ثم برز الجميع إلى مأزق، تعارفت فيه الوجوه، فأبلوا بلاءً عظيماً، وأَجْلَت عن هزيمة العدو، واستيصال شأفته. وأفلت أذفونش في فَل قليل، قد أصابته جراحة، وأعزَّ الله المسلمين ونصرهم نصراً لا كفاء له، وأكثر شُعراء المعتمد القول في ذلك. فمن ذلك قول عبد المجيد بن عبدون من قصيدة:
فأين العجب يا أذفونش هلاَّ
تجنبت المشيخة يا غلام
شَمْلك النساءُ ولا رجال
فحدّثَ ما وراءك يا عصام
أقمت لدى الوغى سوقاً فخذها
مناجزة وهَوْنٌ لا تنام
فإن شيت اللُّجين فثمَّ سام
وإن شيت النُّضار فثمَّ حام
رأيت الضَّرب تطيُّبا فَصّلَب
فأنت على صليبك لا تُلام
أقام رجالك الأشقون كلاَّ
وهل جسدٌ بلا رأس ينام
رفعنا هامهم في كلَ جّذع
كما ارتفعت على الأَيْك الحمام
سيعبد بعدها الظلماءَ لمَّا
أُتيح لها بجانبها اكتِتمام
ولا ينفكُّ كالخفَّاش يُغْضي
إذا ما لم يباشره الظلام
نضا إذ راعه واجتاب ليلا
يودُّ لو أنَّ طول الليل عام
سيبقى حسرةً ويبيد إن لم
أبادتها القَناة أو الحُسام
وعاد إلى العُدْوة. ثم أجاز البحر ثانية إلى منازلة حصن لييط، وفسد ما بينه وبين أمراء الأندلس، وعاد إلى العدوة، ثم أجاز البحر عام ثلاثة وثمانين وأربعمائة، عاملاً على خَلْعهم. فتملَّك مدينة غرناطة في منتصف رجب من العام المذكور، ودخل القصر بالقصبة العُليا منها، واستحسنه، وأمر بحفظه، ومواصلة مرمَّته. وطاف بكل مكان منه ثم تملَّك ألمرية وقرطبة وإشبيلية وغيرها، في أخبار يطول اقتضاؤها، والبقاء لله.
وفاته
توفي رحمه الله بمدينة مراكُش يوم الإثنين مستهل محرم سنة خمسماية. وممن رثاه أبو بكر سوَّار من قصيدة أنشدها على قبره:
ملك الملوك وما تركت لعامل
عملا من التقوى يُشارك فيه
يا يوسف ما أنت إلا يوسف
والكلُّ يعقوب بما يطويه
إسمع أمير المؤمنين وناصر ال
دين الذي بنفوسنا نُفديه
جوزيت خيرا عن رعيتك التي
لم ترض فيها غير ما يُرضيه
أما مساعيك الكرام فإنها
خرجت عن التَّكييف والتَّشبيه
في كل عام غزوةٌ مبرورة
تُرْدي عديد الروم أو تُفنيه
تصل الجهاد إلى الجهاد موفَّقا
حتم القضاءُ بكل ما تقضيه
ويجيء ما دبَّرته كمجيئه
فكأَنَّ كلَّ مُغَيَّب تدريه
متواضعا الله مظهرُ دينه
في كل ما تبديه أو تخفيه
ولقد ملكت بحّقَك الدنيا وكم
ملك الملوك الأمر بالتَّمويه
لو رامت الأيام أن تحصي الذي
فعلت سيوفُك لم تكد تُحصيه
إنا لمفجوعون منك بواحد
جُمعت خُصال الخير أجمع فيه
وإذا سمعت حمامة في أيكة
تبكي الهديل فإنها ترثيه
وميضٌ قد استرعى رعيَّة أُمة
فأقام فيهم حقَّ مُسترعيه
وإذا هِزْبَر الغاب صَرى شِبله
في الغاب كان الشَبّل شِبْه أبيه
وإذا عليُّ كان وارث ملكه
فالسهم يُلقى في يَدَي باريه
يوسف بن محمد
ابن يوسف بن محمد بن نصر؛ ولي عهد أبيه؛
أمير المسلمين الغالب بالله.
حاله
كان أميرا جليلا حصيفا فاضلا، ظاهر النبل، محبا في العلم...... من فنونه. [مال] إلى التعاليم والنجوم، أفرط في الإستغراق في ذلك، ونمى إلى أبيه، فأنكره، وقصد يوما منزله لأجل ذلك، ودخل المجلس، وبه مجلَّدات كثيرة، وقال ما هذه يا يوسف، فقال سَتْراً لغرضه المتوَقّع فيه نكير أبيه، يا مولاي هي كتب أدب، فقال السلطان، وقد قنع منه بذلك، يا ولدي ما أخذناه يعني السلطنة، إلا بقلَّة الأدب، تورية حسنة، إشارة إلى الثورة على ملوك كانوا تحت إيالتهم، فغرب في حسن النادرة، وكان قد ولاَّه عهده بعد أخيه، لو أمهلته المنية.
وفاته
توفي يوم الجمعة ثالث عشر صفر عام ستين وستمائة.
يوسف بن عبد المؤمن
ابن علي؛ الخليفة أبو يعقوب؛ الوالي بعد أبيه.
حاله
كان فاضلا كاملا عدلا ورعا جزلا، حافظا للقرآن بشرحه، عالما بحديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خطِئه وصحيحه، آية الموحّدَين في الإعطاء والمواساة، راغباً في العمارة، مثابرا على الجهاد، مشِيعا للعدل. أصلح العُدْوة وأمنهان وأنس شاردها، وحصّن جزيرة الأندلس ببعوثه لها، فقمعوا عاصيها، وافْتَرعوا بالفتح أقاصيها، وأحسن لأجنادها، وأمدّهم من الخيل بالمُبين من أعدادها، رحمه الله.
ولده
ثمانية عشر؛ أكبرهم يعقوب ولي عهده، نَجْمُ بني عبد المؤمن، وجوْهرتُهم.
حاجبه
أبو حفص شقيقه.
وزراؤه
إدريس بن جامع، ثم أبو بكر ين يوسف الكومي.
قُضاته
حجاج بن يوسف بن عُمران، وابن مَضاء.
كتَّابه
أبو الحسن بن عيَّاش القرطبي، وأبو العباس ابن طاهر بن مَحْشَرة.
بعض أخباره
في أيامه، استُوصلت دولة ابن مردنيش، بعد حروب مُبيرة، ودوَّخ إفريقية، وردَّ أهل باجَة إلى وطنهم، بعد تملُّك العدو إياه، وجبرهم جدا واستنقاذا، وفتح حصن بلج.
وفاته
في الثامن والعشرين لربيع الآخر سنة ثمانين وخمسمائة، بظاهر شنترين من سهم أصابه في خبائه، وهو محاصر لها، فقضى عليه، وكُتِم موته حتى اشتهر بعد رحيله. ذكر ذلك أبو الحسن بن أبي محمد الشَّريسي، فكانت خلافته اثنين وعشرين عاما، وعشرة أشهر، وعشرة أيام وعمره سبع وأربعون سنة.
مولده
في مستهل سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ودخل غرناطة لأول مرة، ووجب ذكره فيمن حلَّ بها.
يوسف بن يعقوب
ابن عبد الحق بن محيو؛ أمير المسلمين بالمغرب؛
يُكْنَى أبا يعقوب.
أوليته
معروفة مذ وقع الإلماع بذلك في اسم أمير المسلمين أبيه.
حاله
كان ملكا عالي الهمة، بعيد الصيت، مرهوب الشَّبا، رابط الجأْش، صعب الشَّكيمة، على عهده اعتُلي الملك، وناشب القبيل، واستوسق الأمر. جاز إلى الأندلس مع والده، ودوَّخ بين يديه بلاد الروم، ووقف بظاهر قرطبة وإشبيلية، وحضر الوقيعة بذنونه، وجَرَت بينه وبين سلطان الأندلس، على عهده، مُنافرات، أَجْلَت أخيرا عن لحاق السلطان به مُسْتَعتبا. واستقرَّ آخر محاصرا لتلمسان، غازيا لبني زيَّان الأُمراء بها، وابتنى مدينة سماها تلمسان الجديدة، وأقام محاصراً لها، مضيقا على أهلها نحواً من ثمانية أعوام، وعظَّمته الملوك شرقا وغربا، ووردت عليه الرُّسل والهدايا من كل جهة، وهابه الأقارب والأُباعد.
وفاته
ولما أراد الله إنفاذ حكمه فيه، قيّض له عبْداً خِصِيا حَبَشيًّا، أَسِفَه بقتل أخٍ له أن نسيب، في باب خيانة عثر له عليها، فاقْتَحم عليه دار الملك على حين غفلة، فدجَّاه بسكين أعدَّه لذلك، وضجَّ القصر، وخرج وبالسلطان رمق، ثم توفي من الغد، أو قريبا منه، في أوايل ذي قعدة من عام ستة وسبعمائة؛ فكانت دولته إحدى وعشرين سنة وأشهرا، وانتقل إلى مدفن سلفه بسلا، وقبره بها وركب قاتِلُه فرساً أزعجها ركضا، يروم النجاة واللّحَاق بالبلد المحصور، وسبقه الصّيَاح، فسُدّ بعض الأبواب التي أمل النجاة منها، وقُتل وأُلْحق به كثير من جنسه.
وجرى ذكره في الرَّجز المتضمن دول الملوك من تأليفنا بما نصه:
حتى إذا الله إليه قيَّضه
قام ابنه يوسف فيها عوضه
وهو الهمام الملك الكبير
فابتهج المنبر والسَّرير
وضخم الملك وذاع الصَّيت
بملكه وانتضم الشَّتيت
وساعد السَّعد وأغضى الدهر
وخلُص السرُّ له والجهر
وأمل الجود وخيف البأس
واستشعر الخِشْية منه الناس
ثم تقضَّى معظم الزمان
مواصلا حَصْر بني زيَّان
حتى أهلَّ تلمسان للفرج
ونشقوا من جانب اللطف الفرج
لما توفي درج السعد درج
فانفرج ضيق الحصر عنها وانفرج
ونزل بظاهر غرناطة وببعض مروجها بقرية أشقطمر، في بعض غزوات أبيه إلى قرطبة، وتقدم السلطان إليهم من البرّ وَالقرى، ما كثر الإخبار به والتعجب منه، ووجَّه إليهم ولده وولي عهده.
يعقوب بن عبد الحق
ابن محيو بن بكر بن حمامة بن محمد بن رزين بن فقوس بن كرناطة ابن مَرين؛ من قبيلة زناتة؛ أمير المسلمين؛ المُكْنى بأبي يوسف؛ الملقَّب بالمنصور؛ رحمه الله.
أوَّليَّته
ظهر بالمغرب أبوه الأمير عبد الحق، وقد اضطربت دولة الموحّدَين، والتَأَثَ أمرهم، ومَرَجت عرب رياح، لعجز الدولة عن كفّ عَدوانهم؛ فخرج الأمير عبد الحق في بحبوحة قومه من الصحراء، ودعا إلى نفسه، واستخلص الملك بسيفه، عام عشرة وستمائة، وكان على ما يكون عليه مثله، ممن جعله الله جرثومة مُلْك وخَدَم دولة، من الصّدَق والدَّهاء والشجاعة. ورأى في نومه كأنَّ شُعَلاً أربع من نار، خرَجْن منه، فَعَلَوْنَ في جوّ اَلمغرب، ثم احْتَوين على [جميع] أقطاره، فكان تأويلها تملُّك بنيه الأربعة بعده، والله يُؤتي مُلْكه من يشاءُ. وكان له من الولد: إدريس، وعثمان، وعبد الله، ومحمد، وأبو يحيى، وأبو يوسف، ويعقوب. هذا ولما هلك هو وابنه إدريس في وقِيعة رِياح، ولي أمره عثمان ولده، ثم ولي بعده أخوه محمد، ثم ولي بعده أبو يحيى أخوهما. وفي أيامه اتَّسق الملك، وضَخُم، وافتتحت البلاد. ولما هلك حتف أنفه بفاس في رجب من عام ستة وخمسين وستمائة، قام بالملك أخوه يعقوب المترجم به، وأرَّث المُلْك بنيه.
حاله
كان ديّنَا فاضلاً حيَّيّاً، جواداً سَمْحاً، شجاعا، محبا في الصالحين، منقادا إلى الخير، حريصا على الجهاد. أجاز ولده في أوائل عام اثنين وسبعين وستمائة إلى الأندلس، ثم عبر بنفسه في سِرار صفر من العام بعده، فاحتل بظاهر إشبيلية، وكَسَر جيش الرُّوم، المنعقد على زعيمهم المسمى ذُنُونه، بظاهر إستجة في ربيع الآخر من العام. ثم عبر ثانيا، مغتنماً ما نشأ بين الروم من الفُرقة، فغزا مدينة قرطبة. وصار أمر العدو في أطواق الفُرُنْتيرة، بحيث لا يوجد في بطن القتيل منها إلا العشب أزلاً ومسْغَبة، لانتشار الغارات، وانتساف الأقوات، وحديث الفتنة. وسببها ما كان من تصيُّر مالقة إليه، من أيدي المنتزين عليها من بني إشقيلولة، ثم عودتها إلى سلطان الأندلس، من أيدي رجاله، شيوخ بني مُحلَّى، ثم تدارك الله المسلمين بصلاح ذات البين، واحتلَّ بظاهر غرناطة، في بعض هذه الغزاوت، فنزل بقرية إسقطمر من مرْجها، واحتفل السلطان رحمه الله في برّهَ، وأجزل نَزله، وتوجيه ولده إليه. وذكر سيرته شاعرهم أبو فارس عزُّوز في أرجوزته، فقال:
سيرة يعقوب بن عبد الحق
قد حاز فيها قصبات السَّبق
بُغْيَتان يقرأ الكتاب
وتذكُّر العلوم والآداب
يقوم للكتاب ثُلْثَ الليل
وماله عن ورده من سبيل
حتى إذا الصباح لاح وارتفع
قام وصلَّى للإله وركع
وضجَّ بالتَّسْبيح والتقديس
حتى يتم الحزب في التغليس
يقرأ أولا كتاب السّيَر
والقَصَص الآتي بكل خبر
ثم فُتُوح الشَّام باجتهاد
وبعده المشهور بالإنجاد
سؤاله تعجز عنه الطَّلبة
ومن لديه من أجل الكتبة
يعقد الكَتْب إلى وقت الضُّحى
ثم يصلَيّها كفعل الصُّلحا
ويأمر الكتَّاب بالأوامر
في باطنٍ من سرّهَ وظاهر
ويدخل الأشياخ من مرين
للرأى والتدبير والتَّزْيين
مجلسُه ليس به فُجور
ولا فتًى في قوله يَجُور
كأنهم مثلُ النجوم الزُّهر
وبينهم يعقوب مثل البَدْر
قد أَسْبر الوقار والسكينة
وحلَّ في مكانةٍ مكينة
حتى إذا ما جاز وقت الظهر
قام إلى بيت للندى والفخر
يبقى إلى وقت صلاة العصر
يأتي إلى بيت العُلى والأمر
وينصف المظلوم ممن ظلمه
ولم يزل إلى صلاة العَتْمة
ثم يؤمُّ بَيْته الكريما
ويترك الوزير والخديما
ثم ينام تارةً وتارة
يدَبّر الأمور بالإدارة
ما إن ينام الليل إلاّ ساهرا
ينوي الجهاد باطناً وظاهراً
فهل سمعتم مثل هذه السّيَرة
وهذه المآثر الأثيرة
لملكٍ كان من الملوك
أو مالكٍ في الدهر أو ممْلوك
كذاك كان فِعْلُه قديما
بذاك نال المُلْك والتَّعظيما
ومن الرَّجز المسمى بقطع السُّلوك من تأليفنا، في ذكره، قولى:
تبوَّأ هذا الأمر عبد الحق
أكرم من نال العُلى بحق
واستخلص الملك بحدّ اَلمرهف
لسن مجدٍ عظيم الشرف
وكان سلطانا عظيم الجود
وصدقت رؤياه في الوجود
فأعلى الأيام نور سعده
ونالها أبناؤه من بعده
عثمان ثم بعده محمد
ثم أبو يحيى الهمام الأسعد
تمهَّد الملك له لما هلك
وسلك السَّعد به حيت سلك
وفُتِحت فاسُ على يديه
والملك العلي حلَّه لديه
وكان ذا فضل وهدًى وورع
قد رسم الملك فيهم واخترع
ثم أَتَتْ وفاته المشهورة
فولي المنصور تلك الصُّورة
وهو أبو يوسف غلاَّب العدا
وواحدُ الأملاك بأسا وندا
مُمَهّدَ الملك ومُوري الزَّند
وباسط العدل ومُولي الرّفَد
مُدَّت إلى نُصرته الأَكُفُّ
والروم في العُداون لا تَكُفُّ
فاقتحم البحر سريعا وعبر
ودافع الأعداء فيها وصبر
ووقعت في عهده أُمور
وفتنة ضاقت لها الصُّدور
وآلت الحال إلى التِيام
فما أُضيعت حُرمة الإسلام
حتى إذا الله إليه قبضه
قام ابنه يوسف فيها عِوَضه
وفاته
توفي في شهر المحرم عام خمسة وثمانين وستمائة، بالجزيرة الخضراء ودُفن بها. ثم احتُمل بَعْدُ إلى سَلا، فدفن بالجبانة المعروفة هنالك لملوك من بني مرين. ومحلُّ هذا السلطان في الملوك المجاهدين المرابطين معروف، تغمده الله برحمته.
الأعيان والوزراء والأماثل والكبراء
يحيى بن رحو
ابن تاشفين بن معطي بن شريفين؛ أقرب القبائل المرينية إلى قَبيل سلطانهم؛ من بني حمامة. خدم جدُّه بتونس، ثم بالأندلس؛ يُكْنَى أبا زكريا؛ شيخ القبيل الزَّناتي؛ ومحراب رأيهم؛
وقُطْب رحَى حماتهم.
حاله
كان هذا الشيخ وحيد دهره، وفريد وقته، وشامة أهل جِلْدته، في النُّبل والفطانة، والإدراك والرَّجاحة، شديد الهزل مع البأو، والممالقة مع التَّيقُور، والمهاترة مع الحشمة. عارفا بأخلاق الملوك وشروط جُلسائها، حسن التوصُّل إليها، والتأتّيَ لأغراضها، بعيد الغُور، كثير النَّكراء، لطيف الحلة، عارفا بسياسة الوطن، قيوما على أخلاق أهله، عديم الرّضَا بسير الملوك، وإن أعلقوا بالعروة الوثقى يده، ويسَّروا على العبور، عقبة الصّرَاط عونه، وأقطعوه الجنَّة وحده، طنازاً بهم، مُغْريا، خائنة الأعين بتصرُّفاتهم، مقتحما حِمى اغتيابهم، قد اتخذ ذلك سجيَّة، أُقْطعته جانب القطيعة برهة، فارتكب لها الأداهم مدَّة. جمَّاعة للمال، ذايدا عنه بعصى التَّقتير، وربما غمس فيه إبرةً للصدقة، وساما بينه وبين الوزير، مُكْفِي السماءَ على الأرض، برأيه المستعين على الفتكة وما وراءها، بمنيع موالاتهم، وبانيه يوم مكاشفة الملأ إياه بالنُّفرة، وكان قُطْب الرَّحى للقوم في الوجهة إلى الأمير عبد الحليم، ومقيم رسمه، وانصرف إلى جهة مراكش عند الهزيمة عليه، فاتَّصل بعميدها عامر بن محمد بن علي الهنتاني، وجرت عليه خطوب، وعاثت في الكثير من نعمته أكفُّ التَّمزيق، ديْدَن الدهر، في الأموال المُحتجنة، والنقود المُكتنزة، واستقر أخيراً بسلجماسة، في مظاهرة الأمير عبد الحليم المذكور، وبها هلك. وكان على إزرايه ولَسْب لِسانه، واخز تلال حيَّة حدَّته، ناصح الرأي لمن استنصحه، قوَّاما فيه بالقسط، ولو على نفسه والوالدين والأقربين، فضيلة عُرف فيها شأوه، مقيما لكثير من الرُّسوم الحَسِبِيْة.
دخوله غرناطة
قدم غرناطة في جمادى من عام تسعة وخمسين [وسبعمائة] في غرض الرّسَالة، ووصل صحبته قاضي الجماعة بالمغرب أبو عبد الله المقَّري، وكان من امتِساكه بالأندلس، ما أوجب عودة المترجم به في شأنه، فتعدد الإستمتاع بنُبله.
وفاته
توفي قتيلا في الهزيمة على الأمير عبد الحليم بظاهر سجلماسة في ربيع الأول من عام أربعة وستين وسبعمائة.
يحيى بن طلحة
ابن محلَّى البطوي؛ الوزير أبو زكريا.
حاله
كان مجموعا رائعا، حُسْنَ شكل وجمال رواءِ، ونصاعة ظَرْف، واستجادة مَرْكب وبزَّة، قديم الجاه، مرعى الوسيلة، دِرْباً على الخدمة، جلدا على الوقوف والملازمة، مُجدي الجاه، تلمُّ به نوبة تواضع، يتشبَّث به الفقراءُ وأولي الكُدْيَة، فَكِه المجلس، محبًّا في الأدب، ألفاً للظرفاءِ، عاملا على حسن الذّكَر وطيب الأُحدوثة. تولَّى الوزارة للسلطان أبي الحسن، ونشأ في حجر أبيه، ماتًّا إليهم بالخؤولة القديمة، فتملأ ما شاء من قرب ومزيَّة، وباشر حصار الجبل لمّا نازله الطاغية، لقرب عهد بفتحه، فأبلى وحَسُن أثره. نشأ بالأندلس، وسكن وادي آش وغرناطة، واستحق الذكر لذلك.
شعره
وكان ينظم الشعر. فمن ذلك قوله في مُزْدوجة في غرض الفخر:
أنا ابن طلحة ولا أُبال
ليثَ اّلسُّرى في الحرب والنزال
يحيى حياة البِيض والعُوال
مبيدٌ كلَّ بطلٍ مغتال
إن سمعوا باسمي في مجال
يلقوا بأيديهم إلى النَكّال
أَسْتَنْزل القرن لدى الصّيَال
وأكسر النَّصل على النَصّال
أملي التفريق للأموال
والجمع بين الأقوال والفعال
والشَعّر إن تسمعه من مقال
تعلم بأن السّحَر في أقوال
أُوشج الغريب فالأمثال
وأُقرن الأشباه بالأمثال
وأُفَضّل المرجان باللَّلآل
وأذكر الأيام واللَّيال
فمَنْ أبو أُمية الهلال
ومَنْ وحيدُ عصره الميكال
هذا ولي في غير ذا معال
بها أعالي الدَّهر من أعال
كما لحَسَب الصَّميم والمعال
والمحتد الضَّخم الحفيل الحال
وكَرَم الأعمام والأخوال
والصَّون والعفاف والأَفْضال
فمن يُساجلني فَذَا سِجال
ومن يُناضلني فذا نِضال
وفاته
توفي في أواخر عام خمسة وثلاثين وسبعمائة. أصابه سهْمُ نفطٍ رُمي من سور تلمسان؛ أيام الحصار؛ فقضى عليه. نفعه الله.
يحيى بن عبد الرحمان
ابن إبراهيم بن الحكيم اللخمي؛ أخو الوزير أبي عبد الله بن الحكيم وكبيرهُ؛ يُكْنى أبا بكر؛ رُنْدي الأصل. قد مرَّ شيء من ذكر أَوَّليته. ودخل غرناطة مرات؛ وافدًا وزايراً، وساكنا ومغرَبًا.
حاله
كان وزيرا جليلا، وقورا عفيفا، سرِيَّا فاضلا، رحْب الجانب، كثير الأمل، جمَّ المعروف، شَهير المحل، عريض الجاه، صريح الطُّعمة، من أقطاب أرباب النعم، ومُنْتَجعي الفلاحة بالأندلس. استبدَّ ببلده برهة، بإسناد ذلك إليه وإلى أخيه، من السلطان أمير المسلمين أبي يعقوب ملك المغرب، الصَّاير إليه أمره عند نبذها مغاضبا، ثم أصاره إلى إيالة السلطان، ثاني الملوك من بني نصر، على يدي أخيه كاتبه، ووزير ولده.
محنته ووفاته
ولما تقلَّد أخوه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن الحكيم الأمر، سما جاهُه، وعظم قدره وتعدَّد أمله، إلى أن تعدَّى إليه أمر المحنة يوم الفتك بأخيه، فطاح في سبيله نَشَبُه، وذهب في حادثه الشنيع مَكْسبُه. واستقرَّ مُغرَّباً بمدينة فاس، تحت سِتر وجراية.، وبها أَدْرَكته وفاته في أوايل شوال من عام عشرة وسبعمائة.
يحيى بن عمر
ابن رحّو بن عبد الله بن عبد الحق؛ جَدّ الملوك من بني مَرِين؛ يُكْنَى أبا زكريا؛ شيخ الغزاة؛ ورئيس جميع القبايل بالأندلس.
أَوَّليته
قد تقدمت الإشارة إلى أَوَّلية هذا البيت، ونحن نُلمع بسبب انتباذهم عن قومهم، وهو ما كان من قتل أخي جَدّهَم، يعقوب بن عبد الله بن عبد الحق، ابن أخي السلطان أبي يوسف، إذ كان ثائرا مُصْعبا، مظنَّة للملك، ومحلاًّ للأمال، فنافسه وليُّ العهد وأوقع به، فوقع بينهم الشَّتات، وفرَّ شيوخ هذا البيت وأتباعهم إلى تِلمسان، ثم اجتازوا إلى الأندلس، منهم من آثر الجهاد، أو نبا به ذلك الوطن، أو شرَّده الخوف، أو أحطب به الإستدعاءُ. فمنهم موسى وعمران والعباس، أبناءُ رحُّو بن عبد الله، وعثمان ابن إدريس وغيرهم. فبدت فيهم الشياخة، وصحبهم التَّقديم، وأقامت فيهم الخُطَّة، وتردَّدت بينهم الولاية.
حالة
هذا الشيخ مُستحق الرُّتبة، أهلٌ لهذه الرياسة، بأسا ونجدة، وعِتقا وأصالة، ودهاءً ومعرفة، طِرْف في الإدراك، عامل على الحُظوة، مستديمٌ للنعم، طَيّب بالخدمة، كثير المزاولة والحَنَكة، شديد التَّيقظ، عظيم الملاحظة، مُسْتَغْرق الفكرة في ترتيب الأُمور الدنيوية، بحَّاث عن الأخبار، ملتمس للعُيون، حسن الجوار، مبذول النَّصفة، بقيةُ بيته بالعُدوتين، وشيخ رجاله. له الإمامة والَتّبريز في معرفة لسانهم، وما يتعلق به من شِعْرٍ ومُثُل وحكمة وخَبر، لو عرضت عليه رِمَم من عَبَر منهم لأَثْبتَها، فضلا عن غير ذلك، نسَّابة بطونهم وشِعابهم، وعلاَّمة سيرهم، وعوايدهم، ألمعيٌّ، ذكي، حافظ للكثير من الحكم والتواريخ، محفوظ الشَّيبة من العِصمة، طاهر والعفَّة، مشهور الشَّهامة والنَّجدة، معتدل السَّخاءِ، يضع الهناءِ مواضع النُّصب فلا يُخدع عن جدته، ولا يُطمع في غفلته، ولا ينازع فيما استحقه من مزيَّته، خدم الملوك، وخبر السّيَر، فترك الأخبار لعلمه، وعَضَل عقله بتجربته. تولى رياسة القَبيل وَسَط صَفَر من عام سبعة وعشرين وسبعمائة، معوَّضًا به عن شيخ الغُزاة عثمان ابن أبي العلاء، فتنعَّم البيت، وخدن الشُّهرة، عندما أظلم ما بينه وبين ابن المحروق مدَبّر الدولة، ودافعه بالجيش، في ملْقى حَرانه، من أحواز حصن أندرش مرات، تناصف الحرب فيها، وربما ندر الفَلْج في بعضها، واستمرت حاله إلى سابع من محرم؛ من عام تسعة وعشرين وسبعمائة، وأُعيد عثمان بن أبي العلاء إلى رتبته على تَفئِة مهلك ابن المحروق، وانتقل هو إلى مكانه بوادي آش في قومه، تحت حفظٍ ومبرَّة. ثم دالت له الدولة، وعادت إلى ولده الكُرة، يوم القبض على نظرائه وقرابته، مُتْرفي حظوته، ولد الشيخ أبي سعيد عثمان بن أبي العلاءِ، عند إيقاع الفتكة بهم؛ يوم السبت التاسع والعشرين لربيع الأول عام أحد وأربعين وسبعمائة. واستمرت له الولاية، وألقت عصاها كَلِفَة منه بالكفؤ الذي سلَّم له المنازع، إلى أن قبض سلطانه رحمه الله، فجرى ولده على وتيرة أبيه، ووفَّى له صاع وفائه، فجدَّد ولايته، وشدا حسَّه، ونوَّه رتبته، وصدر له يوم بيعته منشور كريم من إنشائي نصه:
((هذا ظهير كريم منزلته في الظهاير الكريمة منزلة المعتمد في الظُّهر الكرام، أطلع وجه التعظيم سافر القِسام، وعقد راية العَزّ السامي الأعلام، وجدَّد كريم المتات وقديم الذّمَام، وانتضى للدفاع عن حَوْزة الدين حُساما يقر بمضايه صدر الحُسام، فأعلن تجديده بشدّ أَزر المُلك ومُناصحة الإسلام، وأعرب عن الإعتناء الذي لا تخلق جديده أيدي الليالي والأيام. أمر به الأمير عبد الله محمد ابن أمير المسلمين أبي الحجَّاج، ابن أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر، أيد الله أمره وأعز نصره، لولَيّه الذي هو عِماد سلطانه، وواحد خُلصائه، وسَيْف جهاده ورأس أُولي الدفاع عن بلاده وعقد ملكه، ووُسْطى سِلكه، الشيخ الجليل الكبير الشهير، الأعَزّ الأَسْنَى، الصدر الأَسْمَى، الأحفل، الأسعد، الأطهر، الأظهر، الكذا، أبي زكريا ابن الشيخ الكذا، أبي علي ابن الشيخ الكذا، أبي زيد رحُّو بن عبد الله بن عبد الحق، زاد الله قدره علُوًّا، ومجده سموًّا، وجهاده ثناءاً متلوًّا. لما كان محله من مقامه، المحل الذي تتقاصر عنه أبصار الأطماع فترتَدُّ حاسرة، وكان للدولة يداً باطشة، ومُقلة باصِرة، فهو مَلاك أمورها واردةً أو صادرةً، وسيف جهادها الذي أصبحت بمضائه ظافرة، وعلى أعدائها ظاهرة، وكان له الصّيَت البعيد، والذكر الحميد، والرأي السديد، والحَسَب الذي يليق به به التمْجيد، والقدر الذي سما منه الجِيد، وعرفه القريب والبعيد، والجهاد الذي صدق به في قواعده الإجتهاد والتَّقليد، فإن أقام جيشا أَبْعَد غارته، وإن دبَّر أمرا أحكم إدارته، مستظهرا بالجلال الذي لبس شارته. فهو واحدُ الزمان، والعُدَّة الرفيعة من عُدد الإيمان، ومن له بذاته وسلفه علو الشأْن، وسمو المكان، والحسب الوثيق البُنيان، ولبيته الكريم، بيت بني رحُّو السابقة في ولاية هذه الأوطان، والمدافعة عن حوزة المُلك وحِمى السلطان. إن فوخروا صدعوا بالمكارم المعْلُومة، ومتُّوا إلى ملك المغرب ببنوة العُمومة، وتزيَّنوا من حُلى الغرب بالتيجان المنظومة. فهم سيوف الدين، وأبطال الميادين، وأُسود العَرين، ونجوم سماء بني مَرِين. وكان سلفه الكريم رضي الله يستضيء من رأيه بالشّهَاب الثاقب، ويحلُّه من بِساط تقريبه أعلى المراتب، ويستوضح ببركته جميع المذاهب. ويستظهر بصدق دفاعه على جهاد العَدَوّ الكاذب، ويرى أنه عزَّ دولته، وسيف صوْلته، وذخيرة فخره، وسِياج أمره. جدّد له هذا الرَّتب تجديدا، صيَّر الغاية منها ابتداءاً، واستأنف به إعلاءً، ولم يدَّخر عنه حُظْوة ولا اعتناءاً. وحين صيَّر الله إليه مُلْك المولى أبيه بمظاهرته، وقلَّده قلادة الملك بأصيل اجتهاده، وحميد سعيه، بعد أن سبق الألوف إلى الأخذ بثاره، وعاجلت البَطْشة الكبرى يد ابتداره، وأردى بنفسه الشَّقي الذي سعى في تبديد شمل الإسلام، وإطفاء أنواره، على تعدُّد الملك يومئذ وتوفر أنصاره. فاستقر الملك في قراره، وانسحب السّتَر على محَلّه، وامتد ظل الحفظ على داره. عَرَف وسيلة من المقام الذي قامه، والوفاء الذي رفع أعلامه، وألقى إليه في أهم الأُمور بالمقاليد، وألزمه ملازمة الحظور بمجلسه السَّعيد، وشديد الإغتباط على قربه، مُسْتَنْجحًا منه الرأي السَّديد، ومستندا من وُدّهَ إلى الركن الشَّديد، وأقامه بهذه الجزيرة الأندلسية عِماد قومه، فهو فيهم يعسوب الكتيبة، ووسطى العقد الفريد، وفَذْلكة الحِساب وبيت القَصيد، فدوَّاره منهم للشريد، مأوى الطَّارف والتليد، الكفيل بالحسنى والمزيد. يقف ببابه أُمراؤهم، وتنعقد في مجلسه آراؤهم، ويركض خلفه كبراؤهم. مجدّدَا من ذلك ما عقده سلفه من تقديمه، وأوجبه مزيَّة حديثه وقديمه. فهو شيخ الغُزاة على اختلاف قبايلهم، وتشعُّب وسايلهم، تتفاضل درجات القبول عليهم بتعرفيه، وتَشْرُف أقدارهم لديه بتشريفه، وتثبت واجباتهم بتقديره، وينالهم المزيد بتحقيقه للغناء منهم وتقريره، فهو بعده، أيده الله، قبْلَة آمالهم، وميزان أعمالهم، والأُفق الذي يصوب من سحاب قَطْره غمام نَوالهم، واليد التي تستمنح عادة أطمعتهم وأموالهم. فليتولَّ ذلك عظيمَ القدر، منشرحَ الصدر، حالاًّ من دائرة جمعهم، محلَّ القلب من الصدر، متألقا في هالتها تألُّق البدر، صادعا بينهم باللُّغات الزَّناتية، التي تدل على الأصالة العريقة، والَنّجار الحُرّ.َ وهو إن شاء الله الحُسام الذي لا ينبه على الضريبة، ولا يزيده حُسنا جلب الحُلّيَ العجيبة، حتى يشكر الله والمسلمون اغتباط مقامه بمثله، ويزري برُّه له على من أسرَّ برَّه من قبله، ويجني الملك ثمرة تقريبه من محلّه. ومن وقف على الظهير الكريم من الغزاة. آساد الكفاح، ومتقلدى السيوف ومعتلقي الرماح، كُماة الهيجاء وحُماة البِطاح، حيث كانوا من مُوسَّطة أو ثغر، ومن أُقيم في رسم من الجهاد أو أمر، أن يعلموا قدر هذه الغاية المُشْرقة، واليد المطلقة، والحُظوة المتأَلّقَة، فتكون أيدهم فيما قلدوه ردًّا ليده، وعزايمهم متوجّهَة إلى مقصده، فقصده، فقدُره فوق الأقدار، وأمره الذي ناب أَمره مقابل الإبتدار، على توالي الأيام وتعاقب الأعصار، وكتب في كذا.....
مولده
ولد بظاهر تلمسان، عند لحاق أبيه رحمه الله بسلطانها عام أحد وتسعين (وستمائة) تلقَّيته من لفظه. ومنالمُسْتدرك: وتمادت ولايته إلى الأوايل من شهر رمضان عام اثنين وستين وسبعمائة. فلما تصيرت إلى قِدار ناقتها، محمد بن إسماعيل بن نصر، عزله، وهمَّ به، فغرَّبه إلى بلد الروم، فرار أرَّق به البسالة والصبر، وتبعه الجيش، فأُصيب بجراحة، ورد من صامتِه، وجلى عن نفسه، فتخلصه عزمه ومضاؤه، واستقرَّ عند طاغية الروم، فأولاه من الجميل ما يفوت الوصف، واجتاز العُدْوة، فعُرف بها حقُّه، وعادت رتبة هذا الرجل، بعد أن ردَّ الله على سلطانها ملكه، إلى أحسن أحوالها من الجاه والحظوة، وانطلاق اليد. والسلطان مع ذلك مُنْطوٍ له على الضّعَن لأُمور، منها غَمْسُ اليد في أمر عمه، وقعوده عنه، وهو أحوج ما كان لنصره، وانزحاله عنه في الشّدَة، عندما جمعه المنزل الخَشِن، فسحب عليه أذيال النكبة لابنه عثمان، مُتْرفى مرقب الظهور في عودته، والمستأْثر بجواره، والمحكَّم في أمره، فتُقُبّضَ عليهما، وعلى من لهما محالفاً للوقت فيهما، إذا كان متوفرا على الحلم لحِدْثان العودة، وجِدة الإِيالة، صبيحة يوم الإثنين لثالث عشر لرمضان عام أربعة وستين وسبعمائة. فأحاط بهم الرجال لهذا السلطان والتُقِطوا من بين قَبيلهم، ودهمهم الرجال، آخذين بحجزهم وأيديهم إلى دور الثقاف. ثم أُركبوا الأداهم، وانتقلوا إلى بعض الأطباق المتفرّقَة بقصبة المُنكَّب، واقتضى نظر السلطان جلأ المترجم به وأولاده من مرسى المنكب؛ ونُقل ولده الأكبر إلى ألمريَّة حسبما مرَّ في اسمه، فلينظر هنالك، واستقر إلى هذا العهد، بعد قُفوله من الحجّ بمَدينة فاس، فلقي بها برًّا وعناية، ولحق ولداه بالأندلس، وهما بها تحت جراية وولاية.
يوسف بن هلال
صِهر الأمير أبي عبد الله بن سعد.
حاله
كان شجاعا حازما، أحظاه الأمير المذكور وصاهره، وجعل لنظره حصن مطرنيش ومواضع كثيرة. وفسدت طاعته إياه، فقبض عليه ونكبه وعذَّبه، واستخلص ما كان لنظره وتركه. فأعمل الحيلة، ولحق بمُورتلة فثار بها، وعاقد صاحب برجلونة على تصيير ما يملكه إليه. فأعانه بجيش من النصارى، ولم يزل يضرب ويوالي الضَّرب على بلنسية ويشجي أهلها، وتملك الصَّخرة والصُّخيرة وغيرهما. واتفق أنَّ خيلاً جهزها ابن سعد للضرب عليه، عثرت بجملته متوجها إلى شنت بيطر، فقُبض عليه، وقيد أسيراً، فنهض به للحين إلى مُورتلة وطلبه بإخلائها، فأبى [فأمر] ابن مردنيش بإخراج عينه اليمنى، فأُخرجت بعود. ثم قرّبَ من الحصن وطلبه بإخلائها، فدعا بزوجه وطلبها بإخلاء الحصن، وإلا فتخرج عينه الأُخرى، فحُمل على التكذيب، ولم يجبه أحد، فأُخرجت للحين عينه الأخرى، وسيق إلى شاطبة، فبقي إلى أن مات سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ودخل غرناطة، وباشر منازلتها مع الأميرة صهره، فاستحق الذكر لذلك.
ومن القضاة الأصليين وغيرهم
يحيى بن عبد الله
ابن يحيى بن كثير بن وسلاسن بن سمال بن مهايا المصمودي
أوليته وحاله
دخل أبو عيسى يحيى بن كثير الأندلس مع طارق بن زياد، وقيل له اللَّيثي؛، لأنه أسلم على يد رجل اسمه يزيد بن عامر الليثي، فنسب إليه، وقيل إنهم نزلوا بنزل اللَّيثي، فنسبوا إليه، يُكنى يحيى هذا، أبا عيسى. وكان جليل القدر، عالي الدرجة في القضاء. وُلّيَ قضاءَ إلبيرة وبجَّانة مدة، وولي قضاء جيَّان وطليطلة، ثم عزل عن طليطلة، وأُضيفت إليه كورة إلبيرة مع جيَّان. ثم استعفى عن جيَّان وبقي يلي قضاءَ إلبيرة، وكان لا يرى القُنوت في الصلاة، ولا يقْنُت في مسجده البتَّة.
مشيخته
روى عن أبي الحسن النحاس، وسمع الموطأ من حديث اللَّيث وغيره؛ من عم أبيه عبيد الله بن يحيى.
مولده
في ذي القعدة سنة سبع وثمانين ومائيتين.
وفاته
توفي ليلة الثلاثاء بعد صلاة العشاء، ودفن يوم الثلاثاء بعد العصر، لثمان خلت من رجب عام سبعة وستين وثلاثمائة.
يحيى بن عبد الرحمان
ابن أحمد بن ربيع الأشعري؛ يُكْنَى أبا عامر.
حاله
العالم الجليل، المحدّثَ الحافظ، واحد عصره، وفريد دهره، كان رحمه الله علماً من أعلام الأندلس، ناصراً لأهل السنة، رادعا لأهل الأهواء، متكلما دقيق النظر، سديد البحث، سهل المناظرة، شديد التَّواضع، كثير الإنصاف، مع هيبة ووقار وسكينة، ولّيَ قضاءَ الجماعة بقرطبة ثم بغرناطة وأقرأ بغرناطة لأكابر علمائها ونبهائها، الحديث والأصلين وغير ذلك، بالمسجد الجامع منها وبغيره.
مشيخته
حدث عن والده العالم المحدث أبي الحسن عبد الرحمان بن أحمد بن ربيع، وعن الشيخ الأستاذ الخطيب أبي جعفر أحمد بن يحيى الحميري، وعن الرواية المحدث أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بَشْكوال، وعن الحفاظ المسن أبي بكر بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن اَلجَدّ الفهري، والقاضي أبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون، والزاهد الورع، أبي الحجاج يوسف بن محمد البلوي المالقي، عرف بابن الشيخ، وأبي زكريا يحيى بن عبد الرحمان بن عبد المنعم الإصبهاني الواعظ، والفقيه القاضي أبي محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحمان الخزرجي.
وفاته
بمالقة سنة سبع وثلاثين وستمائة.
يحيى بن عبد الله
ابن يحيى بن زكريا الأنصاري.
أوليته
تقدمت في اسم عمه أبي إسحاق، فلينظر هنالك.
حاله
من أهل العدالة والزَّكا والسَّلف في الخطط الشرعية، سَكُون، متفَنّن في العلوم الشرعية من فقه وأحكام، وله التقدم في الوقت في علم الفرايض والحساب. وحَبَس على الزاوية التي اتَّخذتُها بالحضرة، موضعات في ذلك الغرض نبيهة، لم يَقْصُر فيها عن الإجادة، وتولَّى قضاءَ مواضع من الأندلس، ثم استُعمل في النّبَاية عن قاضي الحضرة العلية، وهو الآن قاض بمدينة وادي آش، وخطيب بمسجدها الأعظم، تنتابه الطَّلبة للأخذ عنه، والقراءة عليه.
مشيخته
روى مع الجملة ممن هو في نمطه، وأخذ بالإجازة عن الشيخ الأستاذ الصالح أبي إسحاق بن أبي العاصي، والخطيب أبي علي القرشي، وعن الفقيه الخطيب أبي عبد الله البيّاني، وعن الأستاذ شيخ الجماعة أبي عبد الله بن الفخَّار، وأخذ عن والده وعمه أبي اسحاق وأجازه الشيخ القاضي الخطيب أبو البركات بن الحاج، والخطيب الصالح أبو محمد بن سَلْمُون، والكاتب الجليل أبو بكر بن شبرين، ورييس الكتاب أبو الحسن بن الجيَّاب، وقاضي الجماعة أبو القاسم الشريف، والخطيب أبو عبد الله القرشي، وهو الآن بالحال المذكورة.
يوسف بن الحسن
ابن عبد العزيز بن محمد بن أبي الأحوص القرشي الفهري؛ يُكْنَى أبا المجد، ويعرف بابن الأحوص.
حاله
كان من أهل العلم والعدالة والنزاهة. وُلّيَ كثيرا من القواعد، فظهر من قصده الحق، وتحريه سبيل الصواب، ما يؤثر عن الجلَّة
مشيخته
قرأ على والده ورى عنه، واستدعى له بالإجازة من أعلام زمانه، فأجازه الرواية أبو يحيى بن الفَرَس، وأبو عمر بن حوط الله، وأبو القاسم بن ربيع، وأبو جعفر أحمد بن عروس العقيلي، وأبو الوليد العطار، والخطيب أبو إسحاق الأوسي القرطبي، والقاضي أبو الخطاب بن خليل، وأبو جعفر الطبَّاع، وغيرهم.
قال القاضي أبو المجد شيخنا رحمه الله: أنشدني أبو علي الحسن؛ قال أنشدني الخطيب أبو الربيع بن سالم؛ قال أنشدنا أبو عمرو السّفَاقي؛ قال أنشدنا أبو نعيم الحافظ؛ قال أنشدنا عبد الله بن جعفر الجابري؛ قال أندشنا ابن المعتز:
ألم تر أن الدهر يومٌ وليلةٌ
يكُرَّان من سَبْت عليك إلى سَبْت
فقل لجديد العَيْش لابدَّ من بِلًى
وّقل لإجتماع الشَّمل لابد من شَتَ
وبالسند المذكور إلى أبي الربيع بن سالم؛ قال: أنشدنا أبو محمد عبد الحق بن عبد الملك بن بونه؛، قال: أنشدنا أبو بكر غالب بن عطية الحافظ لنفسه:
جفوتُ أُناسا كنت إِلْفَ وصلهم
وما بالجفا عند الضرورة من ناس
بلوتُ فلم أُحْمَد فأصبحت يائسا
ولا شيء أشفى للنفوس من الياس
فلا تعذلوني في انقباضي فإنني
وجدتُ جميع الشَّر في خِلْطة الناس
وفاته
في اليوم التاسع عشر من شهر رجب الفرد عام خمسة وسبعمائة.
يوسف بن موسى
ابن سليمن بن فتح بن أحمد بن أحمد الجذامي المنتشافري؛ من أهل رُنْدة؛ يكنى أبا الحجاج.
حاله
هذا الرجل حسن اللقاء، طِرْفٌ في التخلق والدماثة، وحسن العشرة، أديب ذاكر للأخبار، طُلَعَةُ، يكتب ويشعر، سيال الطبع مَعِينه. ولّيَ القضاء ببلده رُندة، ثم بمَرْبلَّة. وورد غرناطة في جملة وفود من بلده وعلى انفراد منهم. وجرى ذكره في التاج المُّحلى بما نصه: حسنة الدهر الكثير العيوب، وتَوْبةُ الزمان الجم الذنوب، ما شيت من بِشْرٍ يتأَلَّق، وأدب تتعطَّر به النَّسمات وتتخلَّق، ونفس كريمة الشمايل والضرايب، وقريحة يقذف [بحرها] بدور الغرايب؛ إلى خشية لله تحول بين القلوب وقرارها، وتُثني النفوس عن اغترارها، ولسان يبوح بأشواقه، وجفن يسخو بدرر آماقه، وحرص على لقاء كل ذي علم وأدب، وممن يَمُتُّ إلى أهل الديانة والعبادة بسبب. سبق بقُطرة الحَلْبة، وفَرَع من الأدب الهَضْبة، ورفع الراية، وبلغ في الإحسان الغاية، فطارت قصائده كل المطار، وتغنَّى بها راكب الفُلْك وحادي القِطار. وتقلد خُطَّة القضاء ببلده، وانتهت إليه رياسة الأحكام بين أهله وولده، فوضحت المذاهب بفضل مذهبه، وحسن مَقْصِده. وله شيمةٌ في الوفا تعلَّم منها الآس، ومؤانسة عذبة لا تستطيعها الأكواس. وقد أثبت من كلامه ما تتحلَّى به ترايب المهارق، ويجعل طيبه فوق المفارق، وكنت أتشوَّقُ إلي لقايه، فلقيته بالمحلَّة من ظاهر جبل الفتح، لُقْيا لم تَبْل صداً، ولا شفت كمدا، وتعذَّر بعد لقاؤه فخاطبته بقولي:
حمدتُ على فرط المشقة رحلة
أتاحت لعيني اجتلاء محيَّاك
وقد كنت في التَّذكار بالبعد قانعا
وبالريح إن هبَّت بعاطر ريَّاكا
فَجلَت لي النُّعمى بما أنعمت به
علَّي فحياها إلاله وحيَّاكا
أيها الصَّدر الذي بمخاطبته يُبأَى ويُتَشرَّف، والعلم والعلم الذي بالإظافة إليه يُتعرَّف، والروض الذي لم يزل على البعد بأزهاره الغضَّة يتُحْفَ. دُمْت تتزاحم على موارد ثنائك الألسن [وتروي للرواة ما يصح من أنبائك ويُحْسَن] طالما مالت إليه النفوس منَّا وجَنحت، وزجرت وزجرت الطائر الميمون من رُقاعك كلما سنحت. فالآن اتضح البيان، وصدق الأثر العيان. ولقد كنا للمُقام بهذه الرّحَال نَرتَمض، ويجِنُّ الظَّلام فلا نَغْتَمض، هذا يُقلقله إصفار كيسه، وذا يتوجَّع لبعد أنيسه، وهذا تروّعَه الأهوال، وتضجره بتقلُّباتها الأحوال. فمن أنَّة لا تنفع، وشكوى إلى الله [تعالى] ترفع. فلما ورد بقدومك البَشير، وأشار إلى ثنيَّة طلوعك المشير، تشَّوَفت النفوس الصَّدِيَّة إلى جَلايِها، وصِقالها، والعُقول إلى حَلّ عِقالها، [والألسن المعجمة] إلى فَصْل مقالها. ثم إنَّ الدهر راجع التفاته، واسْتَدرك ما فاته، فلم يسمح من لقايك إلا بلَمْحة، ولا بعث من نَسِيم روضك بغير نَفْخَة، فما زاد أن هيَّج الأشواق فالتهبت، وشنَّ غاراتها على الجوانح فانتهبت، وأعلَّ القلوب وأمْرَضها، ورمى ثغرة الصَّبر فأصاب غرضها. فإن رأيت أن تنَفّس عن نَفْسٍ شدَّ الشوق مُخَنَّقَها، وكدَّر مشارب أُنْسِها[وأذهب] رونقها، رونقها، وتُتحف من آدابك بدرر تُقتنى، وروضة طيَّبة الجِنى، فلَيْسَت ببدع في شميتك، ولا شاذَّة في باب كرمك، ولولا شاغل لا يَبْرح، وعوائق أكثرها لا يُشرح، لنافست هذه السّحَاءَة في قدوم عليك، والمُثول بين يديك، فتشُّوفي إلى اجتلاء أنوارك شديد وتشيُّعي فيك على إبلاء الزمان جديد. فراجعني بقوله:
حَباك فؤادي نيلُ بشرى وأَحْكايا
وحيَّد بآداب نفايَسَ حيَّاكا
بدايعُ أبداها بديعُ زمانه
فطاب بها يا عاطر الرّوض ريَّاكا
أمهديها أودعتَ قلبي علاقةً
وإن لم يزل مُغْرًى قديما بعَلْياك
إذا ما أشار العصر نحو فرِنْده
فإيَّاك أعني بالإشارة إيَّاكا
لأتحفني لُقياك أسمى مومَّلي
وهل تُحفة في الدهر إلاَّ بُلْقياكا
وأَعْقَبَت إتحافي فرايدُك التي
وجُوب ثناها يا لساني أعياكا
خصصتني أيها الحبر المخصوص بمآثر أعيا عدها وحصرها، ومكارم طيَّب أرواح الأزاهر عطرُها، وسارت الركبان بثنايها، وشملت الخواطر محبة علائها، وبفرايدك الأنيقة، وفوايدك المزرية جَمالاً على أزهار الحديقة، ومعارفك التي زكت حقَّا وحقيقية، وهدت الضال عن سبيل الأدب مَهْيعه وطريقَه، وسَبْقُ تحفتك عندي أعلى أعلى التحف، وهو مأمول لقائك، والتمتع بالتماح سناك الباهر وسنائك، على حين امتدت لذلك اللقاء أشواقي، وعظم من فوت استنارتي بنور محيّاك إشفاقي، وتردد لهجي بما يبلغني من معاليك ومعانيك، وما شاده فكرك الوقاد من مبانيك. وما أَهَلَّت به بلاغتك من دراسه، وما أَضْفَتْ على الزمان من رايق مَلابسه، وما جمعت من أَشْتاته، وأحيت من أمواته، وأيقضت من سِناته، وما جاد به الزمان من حسناته. فلتَرداد هذه المحاسن من أنبايك، وتصرُّف الألسنة بثنايك، علقت النفس من هواها بأشد علاقة، وجَنحت إلى لقايك جُنوح والهة مُشْتاقة، والحوادث الجارية، تصرّفَها، والعوايق الحادثة كلما عطفت بأملها إليه، لا تتحفها به ولا تَعْطفها، إلى أن ساعد الوقت، وأسعد، البخت، بلقياكم هذه السفرة الجِهادية، وجاد إسعاف الإسعاد من من أمنيتي بأسنى هدية، فلقيتكم لقيا خجل، ولمحت أنواركم لمحةً على وجل، ومهجتي، في محاسنكم الرائقة، ومعاليكم الفائقة، على ما يعلمه ربنا عزَّ وجلَّ. وتذكرت عند لقايكم المأمول، إنشاء الله قائل يقول:
كانت محادثة الركبان تخبر عن
محمد بن خطيب بأطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت
أذني بأحسن مما قد رأى بصري
قسما لعمري أقواله وأعتقده، وأعتدُّه، فلقد بهرت بهرت منك المحاسن، وفُقْتَ من يُحاسن، وقَصُر عن شأوك كل بليغ لَسِن، وسبقت فِطْنتُك النَّارية النُّورية بلاغة كل فَطِن، وشهد لك الزمن أنك وحيده، ورئيس ورئيس عصبته الأدبية وفريده. فبورك لك فيما أُنلت من من الفضايل، وأوتت من آيات المعارف التي بها نور الغزالة هايل، ولازلت مُرَقَّى في مراتب المعالي، موقَّى صروف الأيام والليالي. ومن شعره يمدح الجهة النَّبوية، مُصَدّرَا بالنَّسيب لبسط الخواطر النَّفسانية:
لما تناهى الصبُّ في تشويقه
درر الدموع اعتاضها بعقيقه
متلَهّفَ وفؤاده متلَهّب
كيف البقاءُ مع احتدام حريقه
متوّجَ بحر الدموع بنَجْدِه
أنى خلاص يُرتجى لغريقه
متجرّعَ صاب النَّوى من هاجر
ما إن يحنُّ للاعِجات مشوقه
يُسْبي الخواطر حُسْنه ببديعه
يُصبي النُّفوس جماله بأنيقه
قَيْدُ النواظر إذ يلوح لرامقٍ
لا تَنْشنى الأحداق عن تَحْديقه
للبدر لمحته كبِشر ضيائه
للمسك نَفْحته كنَشْر فتيقه
سَكِرت خواطر لامِحيه كأنَّهم
شربوا من الصّبَا كأس رحيقه
عطشوا لثَغر لا سبيل لريقه
إلا كلَمْحِهم للَمْع بَريقه
ما ضرَّ مولًى عاشقُوه عبيدُه
لو رقَّ إِشفاقا لحال رقيقه
عنه اصطباري ما أَنا بمُطِيعه
مثل السُّلوّ وَلا أنا بمُطيقه
سجع الحمام يُشوق تَرجيع الهوى
فأثار شَجْو مشوقه بمشوقه
وبكت هديلاً راعها تفريقه
ويحقُّ أن يبكي أخُو تفريقه
وبكاء أمثالي حقُّ لأنني
لم أَقضِ لِلمولى أكيد حقوقه
وغَفَلت في زمن الشباب المنقضي
أقَبّح بنسخ بروره بعقُوقه
وبدا المشيب وفيه زجْرُ ذوي النهى
لو كنت مزدجرا لشيم بروقه
حَسْبي ندامة آسف مما جنى
يصل النَّشيج لوزره بشيهقه
ويَرُم ما خَرم الهوى زمن الصبا
ويرُوم من مولاه رَتْق فُتوقه
ويردد الشكوى لديه تذلُّلا
علَّ الرّضَا يُحبيه درْك لحوقه
فَيصْحُ من سُكر التَّصابي صَحْوه
نسخاً لحكم صبوحه بغبوقه
لو كنت يممَّت التُّقى وصحبته
وسلكت إيثارا سواءَ طريقه
لأَفَدْت منه فوائداً وفرائداً
عُرضت تُسام لرابح في سوقه
الله أرباب القلوب فإنهم
من حِزْب من نال الرّضَا وفريقه
قاموا وقد نام الأنام فنورهم
هَتَك الدُّجا بضيائه وشُروقه
وتأَنّسوا بحبيبهم فلهم به
بِشْرٌ لصدق الفضل في تحقيقه
قَصَرت عنهم عندما سبقوا المدى
ولسابق فَضْل على مَسْبوقة
لولا رجاءُ تَلمُّحي من نورهم
يحيي الفؤاد بسيره وطُروقه
وتأَرُّجٌ يُسْتاف من أرواحهم
سببُ انتعاش الرُّوح طيب خلوقه
لَفُتِنْت من جرّاء جرائريَ التي
من خوفها قلبي حليف خفوقه
ومعي رجاءُ توسُّل أَعْدَدته
ذخرا لصدمات الزمان وضِيقه
حبّيَ ومَدْحي أحمد الهادي الذي
فوزُ الأنام يصِحُّ في تصديقه
أَسْمَى الورى في منْصِب وبمَنْسب
من هاشم زاكي النَجّار عريقه
الحقُّ أظهر عقيب خفائه
والدّيَن نظَّمه لدى تفريقه
ونفى هُداة ضلالةً من جائرٍ
مستوثق بنعوته ولعوقه
سبحان مَرْسِلُه إلينا رحمة
يَهدي ويَهدى الفضل من توفيقه
والمعجزات بدت بصدق رسوله
وحقيقُه بالمأثرات خليقُه
كالظبي في تكليمه والجِذْع في
تَحْنينه والبدر في تَشْقيقه
والنَّار إذ خمدت بنور ولاده
وأجاجُ ماءِ قد حلا من ريقه
والزَّاد قلَّ فزاد من بركاته
فكفى الجيوش بتَمْره وسُوَيقه
ونُبوع ماءِ الكفَ مّن آياته
وسلام أحجار غَدت بطريقه
والنخل لمَّا أن دعاه مشى له
ذا سرعة [بعروقه وعذوقه]
والأرض عاينها وقد زُويت له
فقريب ما فيها رأى كسحيقه
وكذا ذراع الشَّاة قد نطفت له
نُطْق اللسان فصيحُه وذليقه
ورمى عِداه بكف حصباء فانثنت
هرباً كمذعور الجنان فروقه
وعليه آيات الكتاب وتنزَّلت
تُتلى بعُلْو جلاله وبسوقه
فأذيق من كأس المحبة صَرْفَها
سبحان ساقيه بها ومُذِيقه
حاز السَّناءَ وناله وبعرُوجه
جاز السماءَ طِباقها بخروقه
ولكم له من آية من رَبّه
ورعاية وعناية بحقوقه
يا خيرة الأَرْسال عند إلهه
يا مُحْرز العَلْيا على مخلوقه
عَلقَت آمالي بجاهك عدَّة
والقصد ليس يخيب في تعليقه
ووثقت من حبل اعتمادي عُمدة
لتمسُّكي بقَوَيّه ووثيقه
ولئن غذوتُ أَخِيذ ذنبي إنني
أرجو بقصدك [أن أُرى] كطليقه
وكساد سُوقي مذ لجأت إلى بابكم
يقضي حصول نفوذه وتفوقه
ويحِنُّ قلبي وهو في تغريبه
[لمزاره لريَّاك] في تشريقه
وتزيد لوعته متى حثَّ السُّرى
حاد حداً بجماله وبنُوقه
وأرى قَشِيب العمر أَمْسى بالياً
ومرور دهري جدَّ في تمزيقه
وأخاف أن أقضي ولم أقض المُنى
بنفوذ سهم مَنِيَّتي ومُرُوقه
فمتى أحطُّ على اللَّوى رَحْلي وقد
بَلَغت ركابي لِلْحمى وعقيقه
وأمرّغَ الخدين في تُرْبٍ غدا
كالمِسْك في أَرَج شذا مَنْشُوقه
وأَعيد [إنشادي وإنشائي] الثَّنا
ببديع نظم قريحتي ورقيقه
حتى أُميل العاشقين تطرُّباً
كالغُصْن مرَّ صباً على مَمْشوقه
وتحَّيَّة التسليم أبلغ شافعي
وثنا المديح حديثُه وعتيقُه
ولذي الفخار وذي العلى ووزيره
صدّيَقه وأخي الهدى فارُوقه
مني السلام عليهم كالزهر في
تألِيفها والزَّهر في تأليفه
قال: وكتب بذلك إلي في جملة من شعره:
هواكم بقلبي لأحكامه نسخ
ومن أجله جَفْني بمدمعه يَسْخُ
ومن نشأتي ما إن صَحَت منه نَشْوَتي
سواءٌ به عصر المشيب أو الشَّرخ
عليه حياتي مذ تمادت ومَيْتَتي
وبَعْثي إذا بالصُّور يتفق النَّفخ
ولي خَلَدٌ أضحى قنيص غرامه
ولا شركٌ يُدني إليه ولا فخُّ
قتلت سُلُوّي حين أحييت لوعتي
وما اجتيح بالإقرار في حالتي لَطْخ
لَطْخ
وناصح كتمي إذا زكت بيناته
يجول عليه من دموع الأسى نَضْخ
وأرجو بتحقيق هواكم بأن أفي
فعهدٌ ولا نقصٌ وعقدٌ ولا فَسْخ
وما الحب إلاَّ ما استقل ثبوته
لمبناه رصٌّ في الجوانح أو رَسْخ
إذا مسلكٌ لم يستقم بطريقه
سلكتُ اعتدالا مثل ما يَسْلك الرُّخ
بدا لضميري من سناكم تلمُّح
فبخَّ لعقل لم يطر عندها بخُّ
على عود ذاك اللَّمح مازلت نادباً
كما تندب الورق فارقها الفَرْخ
يَدي بأياديكم وقلبي شاغل
فمن فِكرتي نسجٌ ومن أُنْملي نَسْخ
ومن شعره أيضا قوله في غرض يظهر منه:
إليك تحن النُّجب والنُّجباءُ
فهم وهي في أشواقهم شُركاءُ
تَخُبُّ بركاب تحبُّ وصولها
لأرض بها بادٍ سنى وسناءُ
فأنفاسها ما أن تني صعداؤها
وأنفاسهم من فوقها سعداءُ
همُوا عالجوا إذا عجَّل السيَّر داءَهم
وأشباه مثلي مُدْنَفون بُطاءُ
فعدت ودوني للحبيب ترحَّلوا
وما قاعد والراحلون سواءُ
له وعليه حبُّ قلبي وأدمعي
وقد صحَّ لي حبٌّ وسحَّ بكاءُ
بطيبة هل أرضى وتبدو سماؤها
وإن[تك أرضا فالحبيب] سماءُ
شَذا نفحها واللَّمح منها كأنه
ذكاء عبير والضَّياء ذكاءُ
فيا حاديا غَنَيّ وللرَّكب حاديا
عِناني بعد البعد عنك عناءُ
بسِلْع فسلْ عما أُقاسي من الهوى
وسَلْ بقِباء إذا يلوح قباءُ
وفي عالج منَيّ بقلبي لاعج
فهل لي علاج عنده وشفاءُ
وفي الرقمتين أرقم الشوق لاذع
ودرياقه أن لو يُباح لِقاءُ
أماكن تمكين وأرضٌ بها الرضى
وأرجاء فيها للمشوق رجاءُ
ومن المقطوعات قوله:
أدب الفتى في أن يُرى متيقَظّاً
لأوامر من رَبّه ونواهِ
فإذا تمسَّك بالهوى يهوي به
[والحبْل منه] لمن تيقَّن واهِ
ومن ذلك:
يا من بدُنياه ظلُّ في لُججج
حّقَق بأن النَّجاة في الشاط
تطمع في إرثك الفلاح وقد
أضعت ما قبله من أَشْراط
كن حذراً في الذي طمعت به
من حَجْب نقص وحجب إسْقاط
وقال:
ترى شعُروا أني غَبطت نسيمةً
ذكت بتلاقي الرَّوض غبَّ الغمايم
كما قابلت زُهر الرياض وقبَّلت
ثُغور أقاحيه بلا لوم لايم
وقال:
ورَدَ المشيب مبيَّضا بوُروده
ما كان من شعْر الشَّبيبة حالكا
يا ليته لو كان بيَّض بالتُّقى
ما سوَّرته مآثم من حالكا
إنَّ المشيب غدا رداءً للرَّدى
فإذا علاك أجدَّ في تَرْحالكا
وأنشدني صاحبنا القاضي أبو الحسن؛ قال: مما أنشدني الشيخ أبو الحجاج لنفسه:
لوعة الحبّ فَي فؤادي تعاصت
أن تُداوى ولو أتى [أَلفُ راق]
كيف يبرأ من علَّة وعليها
زائد علَّة النَّوى والفِراق
فانكساب الدموع جارٍ فجارٍ
والتُهاب الضُّلوع راقٍ فراق
نبذة من أخباره
نقلت من خط صاحبنا الفقيه القاضي المؤرخ أبي الحسن بن الحسن، قال حاكيا عنه: ومن غريب ما حدَّثني به؛ قال: كنت جالسا بين أيدي الخطيب أبي القاسم التاكُرونّي صبيحة يوم بمسجد مالقة الأعظم؛ فقال لنا في أثناء حديثه: رأيت البارحة في عالم النَّوم، كأن أبا عبد الله الجلياني يأتيني ببيتي شعر في يده؛ وهما:
كل علْم يكون للمرء شُغلا
بسِوى الحقَ قّادحٌ في رشاده
فإذا كان الله فيه حظٌّ
فهو مما يُعِدُّه لمعاده
قال: فلم ينفصل المجلس، حتى دخل علينا الفقيه الأديب أبو عبد الله الجِلياني والبيتان عنده؛ فعرضهما على الشيخ، وأخبره أنه صنعهما البارحة، [فقال له كل من في المجلس:، أخبرنا بهذا الشيخ قبل مجيئك، فكان هذا من العجائب]، وقد وقعت الإشارة لذلك في في اسم الشيخ.
مشيخته
منقول من خطّهَ في ثَبتٍ أجاز فيه أولادي، أسعدهم الله، بعد خطابة بليغة. قال فمن شيوخي الذين رويتُ عنهم، واستردفتُ البركة منهم، الشيخ الخطيب الصالح المتفنن، أبو محمد عبد الواحد بن أبي السداد الباهلي، والشيخ الإمام أبو جعفر بن الزُّبير، والشيخ الوزير المشاور أبو عبد الله بن أبي عامر بن ربيع، والقاضي العدل أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن برطال، والشيخ الخطيب الصالح أبو عبد الله الطَّنجالي، والرواية المسن أبو عمرو محمد بن عبد الرحمان الرندي الطنجي، والمدرس الصالح أبو الحسن على بن أحمد الإشبيلي بن شَالة، والخطيبان الأستاذان الحاجان أبو عبد الله محمد بن رُشيد الفهري، وأبو عثمان سعيد بن ابراهيم بن عيسى الحِميْري، والشيخ الصالح أبو الحسين عبد الله بن محمد ابن محمد بن يوسف بمن منظور، والخطيب الصالح العلاَّمة المصنف أبو جعفر بن الزيات، والفقيه القاضي أبو جعفر بن عبد الوهاب، والشيخ الرواية المحدث أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الكماد، والخطيب أبو العباس أحمد بن محمد اللورقي، والعدل أبو الحسن علي بن محمد الطائي بن مستقور، والخطيب الصالح أبو العباس أحمد بن محمد بن خميس الجزيري، والقاضي العدل الحاج أبو محمد عبد الله بن أبي أحمد بن زيد الغرناطي، والشيخ الرواية الحاج الرّحال الصوفي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أمين الفارسي العجمي الأقشري، والقاضي الحسيب أبو عبد الله محمد بن عِياض بن محمد بن عياض، والقاضي أبو عبد الله بن عبد المهيمن الحضرمي، والأستاذ أبو إسحاق الغافقي، والإمام أبو القاسمي بن الشَّاط، والخطيب القاضي أبو عبد الله القرطبي، والرواية أبو القاسم البلفيقي، والمحدث أبو القاسم التجيبي، والخطيب أبو عبد الله الغماري، والإمام الكبير ناصر الدين المِشْدالي، والفقيه الصوفي أبو عبد الله محمد بن محمد الباهلي عرف بالمسفر من أهل بجاية، وقاضي القضاة بتونس أبو إسحاق بن عبد الرفيع، والعلامة أبو عبد الله ابن راشد، والخطيب أبو عبد الله بن عزْمون، والعلامة الخطيب أبو محمد عبد الواحد بن منظور بن محمد بن المنير الجذامي. قال: وكلهم أجازني عامة ما يرويه، وكان ممن لقيته، وقرأت عليه، إلاَّ المدرس أبا الحسن بن شالة؛ فوقع لي شك في إجازته.
تواليفه
قال، ومما يسَّر الله تعالى فيه من التأليف، كتاب ((ملاذ المستعيذ، وعياذ المستعين، في بعض خصائص سيد المرسلين، في الأحاديث الأربعين المروية على آياتٍ من الذكر الحكيم والنور المبين)). وكتاب ((تخصيص القرب وتحصيل الأرب))، و((قبول الرأي الرشيد، في تخميس الوتريات النبويات لإبن رُشيد)). و((انتشاق النَّسمات النَّجدية، واتساق النزعات الجدّيَة)). و((غُرَر الأماني المُسْفرات في نظم المُكَفّرَات)). و((النَّفحات الرُّندية واللَّمحات الزَّنَدية))؛ وهو مجموع شعري، و((حقائق بركات المنام، في مرأى المصطفى خير الأنام)). و((الإسْتِشْفاء بالعدة، والإستشعاع بالعمدة، في تخميس القصيدة النبوية المسماة بالبُردة)). و((توجُّع الراثي في تنوع المراثي))، و((اعتلاق المسايل بأفضل الوسايل)). و((لمح البهيج، ونفح الأريج))؛ في ترجيز ما لولي الله أبي مدين شعيب بن الحسين الأنصاري رضي الله عنه، من عبارات حكمة وإشارات صوفية، و((تجريد رؤوس مسائل البيان والتحصيل، لتيسير البلوغ لمطالعتها والتوصيل)). و((فهرسة روايتي)). و((رجز)) في ذكر مشيخة شيخنا الرواية أبي عمر الطَّنجى، رحمه الله وإسناده. قال: ومما كنت شَرعت فيه ولم يتفق تمامه، كتاب سميته ((عواطف الأعتاب، في لطايف أسباب المتاب)). ومما بيدي الآن جمعه؛ وهو إن شاء الله على التمام، أربعون حديثاً متصلة الإسناد؛ أول حديث منها في الخوف، والثاني في الرجاءِ، بلواحق تتبعها، وسميته ((أرج الأَرْجاءِ، في مزج الخوف والرجاءِ)). والله يصفح عنا، ويغفر زلاَّتِنا، وأن لا يجعل ما نتولاه من ذلك حجة علينا، وأن نكون ممن مُنَح مقولا، ومنع معقولا، ويختم لنا بخواتم السُّعداء من عباده، وممن وفَّق وهدى إلي سبيل رشاده.
وفاته
كان حيًّا عام أحد وستين وسبعمائة.
ومن المقريين
يحيى بن أحمد
ابن هذيل التجيبي؛ يكنى أبا زكريا؛ شيخنا أبو زكريا بن هُذيل رحمه الله؛ أرجِدوني الأصل؛ ينسب إلى سَلَفِه؛ أملاك ومعاهد
كولابج هذيل؛ مما يدل على أصالة.
حاله
كان آخر حَمَلة الفنون العَقْلية بالأندلس، وخاتمة العلماء بها، من طبّ وًهندسة وحساب وأصول وأدب، إلى إمتاع المحاضرة، وحسن المجالسة، وعموم الفائدة، وحسن العهد، وسلامة الصَّدر، وحفظ الغيب، والبراءة من التصنُّع والسَّمت، مؤثرا للخمول، غير مبال بالناس، مشغولا بخاصَّة نفسه. خدم أخيراً باب السلطان بصناعة الطّبَ، وقعد بالمدرسة بغرناطة، يقرئ الأُصول والفرايض والطب.
عمن أخذ
قرأ على جملة من شيوخ وقته، كالأستاذ أبي بكر ابن الفخار، أخذ عنه العربية والأدب. وقرأ الطب على أبي عبد الله الأَركُشي، وأبي زكريا القصري، وجملة من الإسلامين بالعُدْوة. وقرأ كراسة الإمام فخر الدين الرازي المسماة ب((الآيات البَيّنات))، على الأُستاذ أبي القاسم بن جابر، ونظم الأُصول على الأُستاذ النظَّار أبي القاسم بن الشَّاط، وأخذ الحساب عن أبي الحسن بن راشد، والحساب والهندسة والأصول وكثيراً من عمليات الحساب وجَبْره ومقابلته والنجوم، على الأُستاذ أبي عبد الله بن الرَّقام؛ ولازمه كثيراً.
تواليفه
وله تصانيف وأوضاع منها: ديوان شعره المسمى ب((السليمانيات والعربيات وتنشيط الكسل)). ومنها شرحه لكَّراسة الفَخْر، وهو غريب المأْخذ، جمع فيه بين طريقتي القداماءِ والمتأخرين من المنطقتين. وكتابه المسمى ب((الاختيار والاعتبار))؛ في الطبّ.َ وكتابه المسمى ((بالتذكرة في الطبّ)َ).
شعره
وجرى ذكره في التاج المحلَّى بما نصه: درَّة بين الناس مُغْفَلة، وخِزانة على كل فائدة مُقْفَلة، وهدية من الدهر الضَّنين لبنيه مُحْتَفلة، أبدع من رتَّب التعاليم وعلَّمها، وركَّض في الألواح قلمها، وأتقن من صور الهيئة ومثَّلها، وأَسس قواعد البراهين وأثَّلها، وأعرف من أول شِكاية، ودفع عن جسم نِكاية، إلى غير ذلك من المشاركة في العلوم، والوصول من المجهول إلى المعلوم، والمحاضرة المستفزّة للحلوم، والدُّعابة التي ما خلع العِذار فيها بالملوم. فما شِيت من نفسٍ عذْبة الَشّيَم، وأخلاق كالزهر من بعد الدّيَم، ومحاضرة تُتْحف المجالس والمحاضر، ومذاكرة يروق النواظر زهرها الناضر. وله أدبٌ ذهب في الإجادة كل مذهب،، وارتدى من البلاغة بكل رداءٍ مُذهب، والأدب نقطة من حَوْضه، وزهرة من زهرات روْضه، وسيمر له في هذا الديوان، ما يُبهر العقول، ويحاسن برُوائه، ورائق بهائه، الفرند المصقول. فمن ذلك ما خرَّجته من ديوان شعره المسمى ((بالسُّليمانيات والعربيات)) من النَّسيب:
ألا أستودع الرحمان بدراً مكملا
بفاس من الدرب الطويل مطالعه
وفي فلك الأزرار يطلع سعدُه
وفي أفق الأكباد تُلفى مواقعه
يصير مرآه منجم مُقلتي
فتصَدّقُ في قطع الرجاء قواطعه
تجسَّم من نور الملاحة خدّه
وماءُ الحيا فيه تَرَجْرَج مائعه
تلَّون كالحرباء في خجلاته
فيحمرُّ قانيه ويبيضُّ ناصعه
إذا اهتزَّ غنَّى حلْيُه فوق نحره
كغُصن النَّقا غَنَّت عليه سواجعه
يذكر حتف الصبّ عَامل قدره
وتقطف من واو العِذار توابعه
أعدَّ للورى سيفا كسيف لِحاظه
فهذا هو الماضي وذاك يُضارعه
ومن أخرى في النَّسيب، وتضمّنت التَّورية الحسنة:
وصالك هذا أم تحيةُ بارق
وهجرُك أو ليل السَّلم لتائق
أُناديك والأشواق تركض حجرها
بصفحة خدّيَ من دموع سوابق
أَبارق ثغر من عُذيب رُضابه
قضت مهجتي بين العُذيب وبارق
ومنها:
فلا تُتعبنَّ ريح الصَّبا في رسالة
ولا تُخجل الطَّيف الذي[هو طارق]
متى طعمت عيني الكرى بعد بعدكم
فإني في دعوى الهوى غير صادق
[قوله((أبارق ثغر من عذيب رضابه))؛ ينظر إلى قول ابن النبيه في ذلك:
يلوي على زرد العذار دلاله
كم فتنة بين اللَوّى وزرُود]
ومن قصيدة ثبتت في السلمانيات:
بدا بدر تمْ فوقه الليل عَسْعسا
وجنَّة أُنس في صباحٍ تنفَّسا
حوى النجم قِرْطاً والدَّراري مُقلدا
وأَسْبل من مسك الذوايب حِندِسا
كأَنَّ سنا الإصباح رام يزورنا
وخاف العيون الرامقات فغلَّسا
أتى يحمل التوراة ظَبياً مُزّنَّرا
لطيف التثني أشنب الثَّغر ألعسا
وقابل أحبار اليهود بوجهه
فبارك ربّيَ عليه وقدَّسا
ومنها وتماجن ما شاء غفر الله له:
رويت ولوعي من ضلوعي مُسَلْسلا
فأصبحت من علْم الغرام مُدرّسَا
نفى النوم عني كي[أكون مسهدا]
فأَصبحت في صيد الخيال مهندسا
غزال من الفردوس تسقيه أدمعي
ويأَوي إلى قلبي مثيلاً ومكنساً
طغى ورْد خدَّيه بجنَّات صدغه
فأضعفه بالآس نَبْتا وما آسا
[قوله طغى ورد خديه، البيت محال على معنى فلاحي، إذ من أقوالهم أن الآس، إذا اغتُرس بين شجر ورد، أضعفته بالخاصية]. وقال أيضاً في قصيدة مهيارية:
نام طفل النَّبت في حجر النَّعامى
لاهتزاز الطَّلِّ في مهدالخزامى
وسقَى الوسْمِيُّ أغصان النَّقا
فهوت تلثم أفواه النَّدامى
كحَّل الفجرُ لهم جَفْن الدُّجى
وغدا في وجْنة الصُّبح لِثاما
تحسب البدر مُحيَّا ثمل
قد سقَتْه راحة الصبح مُداما
حوله الزهر كؤوس قد غدت
مِسكة الليل عليهنَّ ختاما
يا عليل الريح رفقاً علَّني
أٌشْف بالسَّقم الذي حُزت سقِاما
وأُبلَغّنْ شوقي عريباً باللَّوى
هَمَت في أرض بها حلُّوا غِراما
فرشوا فيها من الدُّر حصًى
ضربوا فيها من المسك خِياما
كنت أشفي غلة من صدّكَم
لو أَذِنتم لجُفوني أن تناما
واستفَدْتُ الرُّوح من ريح الصَّبا
لو أتتْ تحمل من سلْمى سلاما
نشأت للصَّب منها زفرة
تَسْكُب الدَّمع على الرَّبع سِجاما
طَرِب البرق مع القلب بها
وبها الأَنَّات طَارَحْنَ الحِماما
طللٌ لا تستشفي الأذن به
وهو للعينين قد أَلْقى كلاما
ترك السَّاكن لي من وصْلِه
ضمّة الجُدران لثْما والتزاما
نزعات من سليمان بها
فَهِم القلب معانيها فَهاما
شادنٌ يَرْعى حشاشات الحشَى
حَسْبُ حظَيّ منه أن أرْعى الذَمّاما
وقال من قصيدة أولها في غرض النسيب:
أأرجو أمانا منك واللحظ غادر
ويثبتُ عقلي فيك والطَّرف ساحر
أعدَّ سليمان أليم عذابه
لهدهُد قلبي فهو للبينصائر
أشاهد منه الحُسن في كل نظرة
وناظر أفكاري بمغناه ناظر
دعَتْ للهوى أنصار سحر جُفونه
فقلبي له عن طيب نفس مُهاجر
إذا شقَّ عن بدر الدجى أُفق ذرّهَ
فإني بتمويه العواذل كافر
وقد حُرم السُّلوان طافَتْ خواطري
وقلبي لما في وجنتيه مُجاور
وقد ينْزع القلب المُبَلَّى لسَلْوة
كما اهتزَّ من قطر الغمامة طاير
يقابل أغراضي بضِدّ مَرادها
ولم يدر أن الَضّد للضّدَ قاهر
ونارُ اشتياقي[صعَّدت] مُزْن أدمعي
فمُضمَر سرّيَ فوق خدّيَ ظاهر
وقد كنت باكي العين والبين غايب
فقل إلى كيف حال الدمع والبين حاضر
وليس النَّوى بالطبع مرًّا وإنما
لكثرة ما شُقَّت عليه المرائر
ومنها في وصف ليلة:
وزنجيَّة فات الكؤوس بنحْرها
قلايد ياقوت عليها الجواهر
ولا عيب فيها غير أن ذبالها
يُقَطَبّ فتبدو الكؤوس سراير
تجنبت فيها نَيْل كل صغيرة
وقد غُفرت فيها لدي الكبائر
ومن السُّليمانيات من قصيدة:
يا بارقا قاد الخيال فأومضا
أَقصِد بطيفك مُدْنَفاً قد غمّضا
ذاك الذي قد كنت تعهد نائما
بالسُّهد من بعد الأحبَّة عوَّضا
لا تحسبُني مُعْرضا عن طيفه
لكن منامي عن جُفوني أعرضا
عجب الوشاة لمهجتي أن لم تذُبْ
يوم النَّوى وتشكَّكت فيما مضى
ومنها:
خفيت لهم من سَرّ صبري آية
ما فهمت إلاَّ سليمان الرّضَا
الله درُّك ناهجاً سبُل الهوى
فلمثله أمر الهوى قد فوّضَا
أمنت نملاً فوق خدّكَ سارحا
وسللت سيفاً من جُفونك مُنْتضى
ومن الأمداح قوله من قصيدة:
حريص على جَرّ الذوايب والقنا
إذا كعَّتِ الأبطال والجوُّ عابس
وتعتنق الأبطال لولا سقوطها
لقلت لتوديعٍ أَتتْه الفوارس
إذا اختطفتم كفّه فسروجهم
مجالٌ وهم في راحيته فرائس
وقال يمدح السلطان أمير المسلمين أبا الوليد بن نصر عند قومه من فتح أشكر من قصيدة أولها:
بحيث البنود الحمر والأسد الورد
كتائب سكَّان السماء لها جند
وتحت لِواء النصر ملك هو الورى
تضيق به الدنيا إذا راح أو يغدو
تأَمَّنت الأرواح في ظل بنْده
كأنَّ جناح الروح من فوقه بَنْد
فلو رام إدراك النجوم لنالها
ولو همَّ لانْقَادت إليه السّنَد والهند
بعيني بحر النَّقع تحت أَسِنَّة
تُنمنمه[وهناً] كما نمنم البرد
سماءُ عجاج والأَسنَّة شهبها
ووقْع القنا رعدٌ إذا برق الهند
وفي وصف آلة النَّفط:
وظنَّوا بأنَّ الرعد والصعق في السما
[فحاق بهم من دونها] الصعق والرعد
عجائب أشكال سما هِرْمس بها
مهندمة تأتي الجبال فتَنْهدُّ
إلاَّ إنَّها الدنيا تريك عجايبا
وما في القوى منها فلا بُدَّ أن يبدو
وكتب وهو معتقل بسبب عمل تولاه جحدرية أولها:
تباعد عني منزلٌ وحبيب
وهاج اشتياقي والمزار قريب
وإني على قرب الحبيب مع النوى
يكاد إذا اشتدُّ الأنين يجيب
لقد بعدت عني ديارٌ قريبة
عجبت لجار الجنب وهو غريب
ومنها:
أعاشر قوماً ما تقر نفوسهم
فلَلْهّم فيها عند ذاك ضروب
إذا شعروا من جارهم بتأَوُّه
أجابته منهم زفرةٌ ونحيب
فلا ذاك يشكو هم هذا تأسُّفا
لكل امرئ مما دهاه نصيب
كأني في غاب الليوث مُسلَمّاً
يروّعَني منها الغداة وثوب
تحكَّم فينا الدهر والعقل حاضر
بكلَ قّياس والأديب أريب
ولو مال بالجهَّال ميلته بنا
لجاءَ بعذرٍ إنَّ ذا لعجيب
رفيقٌ بمن لا ينثني عن جريمة
بطوش بمن ما أوبقته ذنوب
وتطعمنا منه بوارقُ خُلَّب
نقول عساه يرْعَوي ويتوب
إذا ما تشبثنا بأذيال بُرده
دهَتْنا إذا جرّ الذيول خطوب
أدار علينا صولجنا ولم يكن
سوى أنه بالحادثات لُعوب
ومنها:
أيا دهر إني قد سئمت تهدُّفي
أَجرْني فإن السهم منك مصيب
إذا خفق البرق الطروق أجابه
فؤادي ودمع المقلتين سَكوب
وإن طلع الكفُّ الخضيب بسحره
فدمعي بحنَّاءٍ الدماءِ خضيب
تُذَكَرّني الأسحار داراً ألفتها
فيشتد حُزني والحمام طروب
إذا عَلِقت نفسي بليت ربما
تكاد تفيض أو تكاد تذوب
دعوتك ربّيَ والدعاء ضراعة
وأنت تُناجى بالدعا فتجيب
لئن كان عُقبى الصبر فوزاً وغبطة
فإني على الصبر الجميل دَرُوب
وبعثت إليه هدية من البادية، فقال يصف منها ديكا، وكتب بذلك رحمة الله عليه:
أيا صديقاً جعلته سندا
فراح فيما أحبَّه وغدا
طلبت منكم صُرَيْدِكاً خنثا
وجَّهْتموني مكانه لبدا
صيَّر منى مؤرخاً ولكم
ظللت في علمه من البُلدا
قلتُ له آدم أتعرفه
قال حفيدي بعصرنا وُلدا
نوحٌ وطوفانه رأيتهما
قال عَلَوْنا لفيضه أُحُدا
فقلت هل لّي بجرهم خبر
فقال قومي وجيرتي السعدا
فقلت قحطان هل مررت به
قال نفثنا ببُرده العُقَدا
فقلت صف لي سَبا وساكنها
فعند هذا تنفَّس الصَّعدا
وقال كم لي بدُجنهم سحرا
من صرخةٍ لي وللنوم هدا
فقلت هاروت هل سمعت به
فقال ريشي لسِحره نَفِدا
فقلت كسرى وآل شرعته
فقال كنا بجيشه وَفْدا
ولٌّوْا وصاروا وها أنا لبدٌ
فهل رأيتم من فوقهم أحدا
ديكٌ إذا ما انثنى لفكرته
رأى الوجود طرائقا قددا
يرفل في طيلسانه ولِهاً
قد صيُّر الدهر لونه كمِدا
إذا دجا الليل غاب هيكله
كأن حبرا عليه قد جَمدا
كأنما جلنار لحيته
بُرْجان حازا من الهواء مدا
كأنا حصنا علا بهامته
أعدَّه للقتال فيه عدا
يرنو بياقُوتَتي لواحظه
كأنما اللحظ منه قد رمدا
كأن منجالتي ذؤابته
قوسٌ سما من أجله بُعدا
وعَوْسَج مدَّ من مخالبه
طغى بها في نقاره وعَدا
فذاك ديكٌ جلَّت محاسنه
له صراخ بين الدُّيوك غدا
يطلبني بالذي فعلت به
فكم فَلَلنا بلبَّتيه مدا
وجَّهته محنةٌ لآكلة
والله ما كان ذاك منَيّ سدى
ولم نزل بعدُ نستعدي عليه بإقراره، وبقتله، ونطلبه بالقود عند تصرفه في العمل، فيوجه الدّيَة، لنا في ذلك رسائل.
ومن شعره في غرض الحسن بن هانئ:
طرقنا ديور القوم وهنا وتغليسا
وقد شرَّفوا الناسوت إذا عبدوا عيسى
وقد رفعوا الإنجيل فوق رؤوسهم
وقد قدَّسوا الروح المقدَّس تقديسا
فما استيقضوا إلاَّ لصكَّة بابهم
فأدهش رُهبانا وروَّع قِسّيَسا
وقام بها البطريق يسعى مُلبّيَا
وقد ليَّن الناقوس رفقاوتأْنيسا
فقلنا له آمنَّا فإنَّا عصابة
أتينا لتَثْليث وإن شِيت تَسْديسا
وما قصدنا إلاَّ الكؤوس وإنما
لَحَنَّا له في القول خُبْثا وتدليسا
ففُتحت الأبواب بالرحب منهم
وعرَّس طلاب المُدامة تَعْريسا
فلما رأى زقَيّ أمامي ومزْهري
دعاني أتأنيسا لحنت وتَلْبيسا
وقام إلى دَن يفضُّ ختامه
فكبَّس أجرم الغياهب تكبيسا
وطاف بها رطب البنان مُزَنَّر
فأبصرت عبدًاً صيَّر الحرَّ مرؤوسا
سُلافا حواها القار لبسا فخلتها
مثالا من الياقوت في الحبر مغموسا
إلى أن سطا بالقوم سُلطان نومهم
ورأس قبيل الشمع نُكَسّ تنكيسا
وثبْتُ إليه بالعناق فقال لي
بحقَ اّلهوى هَبْ لي من الضَمّ تَنفيسا
كتبت بدمع العين صفحة خَدّهَ
فطلَّس حبر الشعر كتبي تطليسا
فبيس الذي احتلنا وكدنا عليهم
وبيس الذي قد أضمروا قبل ذا بيسا
فبتنا يرانا الله شرَّ عصابة
نطيع بعصيان الشريعة إبليسا
وقال بديهة في غزالة من النحاس على بِرْكَة في محل طلب منه ذلك فيه:
عنَّت لنا من وحش وجرَّة ظَبْية
جاءت لورد الماء مِلءَ عنانها
وأظنها إذا حدَّدت آذانها
ريعت بِنا فتوقفت بمكانها
حيَّت بقرني رأسها إذا لم نجد
يوم اللقاء تحية ببنانها
حنَّت على النَدّمان من إفلاسهم
فرمت قضيب لُجَيْنها لحَنانها
الله دَرء غرالة أبدت لنا
دُرَّ الحِباب تصوغُه بلسانها
وفاته
فلِج فالتزم المنزل عندي لمكان فضله، ووجوب حَقّه، وقد كانت زوجُه توفيت، وصَحِبه عليها وجدٌ شديد، وحُزْنٌ مُلازم، فلما ثقُل، وقرُبت وفاته، استدعاني، وقد كان لسانه لا يُبين القول، وأملى على فيما وصاني به من مُهم أمره:
إذا متُّ فادفنَيّ حذاءَ حليلتي
يُخالط عظمي في التُّراب عظامها
ولا تدفنَيّ في البقِيع فإِنَّني
أُريد إلى يوم الحساب التزامها
ورتب ضريحي كيفما شاء الهوى
تكون أمامي أو أكون أمامها
لعل إله العرش يجبر صدعتني
فيعلي مُقامي عنده ومُقامها
ومات في ليلة الخامس والعشرين من عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، ودَفَنْتُه عصره بباب إلبيرة؛ حذاء حَلِيلته كما عَهد، رحمة الله عليه.
يحيى بن عبد الكريم
الشنتوفي؛ من أهل الجزيرة الخضراء.
حاله
كان أديبا ثرثاراً، أديباً لَوْذعيا، كثير النظم والنثر، كتب عن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب، وابنه أبي يعقوب، واحتل معهم بظاهر غرناطة.
كتابته
كتب عن المذكور عند نزوله غازيا ومجاهدا بظاهر شَرِيش ما نصه: ((أخونا الذي يسير بما يخَلّده بطون أوراق الدفاتر، من مأثور حميد المآثر، ويتلقى ما يَرِد عليه من قبلنا من منشور حِزْب البشاير، بمعاشر القبايل والعشاير، ويفوّقَ ما قَبسته، المنن لأقلام وأفواه المحابر، في مراقب مراقي المنابر، ويجمع لما وشْته سحايب الخواطر، من روْضات السَّجلاَّت في النوادي والمحاضر، الأمير الكذا، أدام الله اهتزازه للأنباء السارة وارتياحه، ونَعَّم بها أرواحه، ووصل بكل أرجٍ من نسيم الجَذْل، ومُبْهج من وسيم الأمل، غدوه ورواحه، وأحبَّ به أرواحه. سلام كريم عليكم، ورحمة الله وبركاته، من أخيكم، الذي لا يَتِمُّ بِشْره إلاَّ بأَخْذِكم منه بأوفى حظّ،ً وأوفر نصيب، ومُصافيكم الذي لا يَكْمُل سروره، ويجمُل حبوره، حتى يكون لكم فيه سهم مُصِيب، ومَرْعى خصيب، الأمير يوسف ابن أمير المسلمين وناصر الدين يوسف بن عبد الحق. أمَّا بعد حمد الله مُحِق الحق بتصعيده فوق النُّجوم ومُعليه، ومُبطل الباطل بتصريبه تحت النجوم ومُدليه، ومطهّرَ الأرض من نجس دنس الكفر وأوليه، ضَرْبا بالمُرهفات صبراً وطعنا بالمُشْعفات دِراكا، وجاعل البلاد الشّرَك الأسار عُباد الإفك، بما نظمهم من سِلك الملك، وبدَّدهم من هَتْك السّتَر، بالفَتْك والسَّفك، حبائل لا يخرجون منها وأشراكا، وخاذل من زلَّت عن السُّور قدمُه، وخرجت من الدُّور ذِمَمه، بأن يُراق دمه، ويُعدم وجوده وقِدمه، بلوغا لأمان أماني الإيمان وإدراكا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، ناظم فرايد الفرايد، مُنَضّدَ عوايد المواعد، بالظَّفر المنتظر بكل جاحد مُعاند، قلايد لا تنتثر وأسلاكا وسالك مسالك الغزوات، وناسك مناسِك الخَلوات، ومُدرك مدارك قبول الدَّعوات، إفناءً الأعداء الله وإهْلاكا: والرضا على آله وصحبه، المُرتَدِين بمننه، المُهتدين بسُنَنِه، في إباحة حَرَم الحُرم، وإزاحة ظُلم الظُّلم، حنادس وأَحْلاكا، القارعين بأسيافهم أصْلاب كِلاب الصلُّبان تباكا، والقارعين أبواب ثَواب الرحمان نُسَّاكا، وموالاة الدُّعاء لسيدنا ومولانا الوالد، بتخليد السّعد المُساعد، وإدارة الإرادة بعَضد من النَّصر وساعد، مقادير كما يشاءُ وأفلاكا، وممالآت آياته آيات، هذه الرَّايات، بإدراك نهايات الغايات، في اشتباه أشياء ذوي الشَّايات، فلا تذر في الأرض كُفرا، ولا تدع فيها إشراكا. فكتبناه، كتب الله لإيخائكم الكريم أرفع الدرجات عُلاً، وأتمَّها تعظيما، وفضلكم مع العقود عن الشهود بالنّيَة التي لها أكرم ورود، وأصدق وفود، أجرا عظيما، من منزلنا بمخنَّق شَريش، حيث الكتايب الهايلة هالَّة بدُرها البادية الخُسوف، والحُماة الكماة، أكمام زهرها الدَّاني القطوف، وسوار معصمها النائِي عن العصمة مجرَّدات صفوف صنُوف السيوف، فالشّفَار بالأحداق، كالأشفار بالأحداق إدرارتها، الطَّاقة بحيزومها نطاقا، والفتح قد لاحت مَخَايِلُه، وباحت مقاوِلُه، والكفر فلَّت مناصله وعُرفت مقاتله، والمُترف يتمنى أن يلقاه قاتله، فلا يقاتله فَرقاً، لا يجدون له فراقا فواقاً، فحماتُها العُتاة لا يرون إلا سماءَ نقع الكفاح، لمعاً متلاقيا وائتلافا، وكُماتها لا يشربون إلاَّ من تحت دمِهم المُطهّرَ بنَجسه وجه الأرض، المعدي به هريقُه من فيح حَثّهم يوم العَرْض، المؤدي بإراقته واجب الفرض، إعدادا لامتثال الأمر الإلهي واعتناقا))...
ومن هذا الكتاب وهو طويل: ((ووَصَلْنا والخيل تَمْرح في أَعَنَّتها تصلُّفا، وتختال في مَشْيها تغطْرُفاَ، وتعضُّ على لُجُمها تحدُّقا وتحرُّفا، كأنها لم تَرْم قُصارى قُصور النصارى، دون تصور عنها، أغراضا وأهدافا، ودون معاهدة العُيون وَصْف الواصف، والأقلّ ممَا احتوى عليه هذا الفتح، تهتزُّ المعاطف، إذ الإيمان اهتزَّ إعطافا، وتوشح به عطافا. وهل الكَتْبُ وإن طال، نبذة من نُبَذ الفُتوح، وفَلْذة من كبد النَّصر المَمْنُوح، وزهرةٌ من غُصن النَّدا المَروح، أدنينا لإيخائكم الكريم منه اقتطافا، والسلام)).
شعره
مالي وللصبر عني دونكم حجبا
وطالما هزَّني أُنْسي لكم طربا
فحين شبَّ النوى في أضلعي لهبا
هزَزْتُ سيف اصطباري بعدكم فَنبا
وقلت للقلب يَسْلو بعدكم فأبا
غبتم فغاب لذيذُ الأُنس والونس
وخانني جَلَدي فيكم فأَرَّقني
ذكرى ليالينا في غفلة الزمن
فارقتُموني وطيبُ العيش فارقني
وصرتُ من بعدكم حيران مكتئبا
من لي بقُرْبكم في حِفْظ عهدكم
فكم ظَفِرتُ به أيام وُدّكَم
وكم جرى دمع أجفاني لفقدكم
فلو بكيتُ دماً من بُعدكم
لم أقضِ من حقَ ذّاك القُرب ما وجبا
لله أيامُنا ما كان أَجْملها
أوزَعَت بآخرها شكرا وأولها
من حُسنها لم أزل أصبو بها ولها
يا صاح صبراً على الأيام إن لها
على تصاريفها من أمرها عجبا
صبراً على زمن يبديك شيمته
إقبَلْ مساءته واحمد مسرَّته
فما عسى يبلغ الإنسان مُنْيته
ومن كَرِهْت ومن أحببت صحبته
لا بد أن يفقد الإنسان من صحبا
[قلت عجبا من الشيخ ابن الخطيب رحمه الله، في ذكره هذا المترجم به في ترجمة المُقْرئين، مع تحليته له، ووصفه إياه بما وصفه من الكتابة والشّعَر، بل وإثباته له كتابته، وشعره، فكان حقَّه أن يكون في ترجمة الكتَّاب والشعراء بعد هذه الترجمة].
يوسف بن إبراهيم
ابن يوسف بن محمد بن قاسم بن علي الفهري؛ من أهل غرناطة؛ يكنى أبا الحجاج، ويعرف بالسَّاحلي.
حاله
من العايد: صدْرٌ في حملة القرآن، على وتِيرة الفضلاء وسُنن الصالحين، من لِين الجانب، والعُكوف على الخير، وبذل المعروف، وحسن المشاركة، والخُفوف إلى الشّفاعة. أب الأُمراء، وحضي بتَسْويدهم، وناب في الخطابة بالمسجد الأعظم من حمرائهم، وكان إماما به، ذا هُدًى وسكينة ووقار. وحجَّ، ولقي المشايخ، واعتنق الرواية والتَّقييد، فانتُفع بلقايه.
مشيخته
قرأ على: الأُستاذ العلامة أبي جعفر بن الزبير ببلده، وعلى الشيخ الخطيب الصوفي أبي الحسن بن فضيلة، وعلى الخطيب الصالح، أبي جعفر بن الزيات، والمحدّثَ الرَّحال أبي عبد الله بن رُشيد. وأخذ في رحلته عن جُملة، كالخطيب الرواية، أبي عبد الله محمد بن محمد بن فُرتون، وناصر الدين منصور بن أحمد المشدالي، والأستاذ أبي عبد الله بن جعفر اليحصبي، وقاضي الجماعة ببجاية الإمام أبي عبد الله بن يحيى الزواوي، والفقيه المحدث أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن الحسن الشافعي. وأجازه سوى من تقدَّم ذكره، من أهل المشرق، عبد الغفار بن محمد الكلابي، وحسن بن عمر بن علي الكردي، وعَتِيق ابن عبد الرحمان بن أبي الفتح العمري، ومحمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني، وعمر بن أبي بكر الوادي آشي، وصالح بن عباس بن صالح بن أبي الفوارس الأسعد الصدفي، وأحمد بن محمد بن علي الكناني، ومحمد بن أحمد، وأحمد بن إسماعيل بن علي ابن محمد بن الحباب، وأم الخير ابنة شرف الدين بن الطباخ الصُّوفي. وقرأ ببلده غرناطة على الأستاذ أبي جعفر الطبَّاع، والشيخ أبي الحسن معن بن مؤمن، وأبي محمد النبغدي، أبي الحسن البلوطي.
أنشدنا؛ قال: كتب إليَّ شيخنا محمد بن عتيق بن رشيق؛ في الاستدعاء الذي أجازني؛ ولمن سمَّى فيه:
أجزتُ لهم أبقاهم الله كلما
رويت عن الأشياخ في سالف الدهر
وما سمعت أذُناي عن كل عالِم
وما جاد من نظمي وما راق من نثر
على شرط أصحاب الحديث وضَبْطهم
بَريٌّ من التَّصحيف عار من النُّكر
وجدّيَ رشيق شاع في الغرب ذكره
وفي الشَّرق أيضا فادْر إن كنت لا تدر
ولي مولدٌ من بعد عشرين حجة
ثمان على الَسّت المبين ابتدا عمرِ
وبالله توفيقي عليه توكلي
له الحمد في الحالتين في العُسْر واليُسْر
حدثني شيخنا أبو بكر بن الحكيم؛ قال: أصابتني حُمَّى، فلما انصرفت عني، تركت في شفتي بثوراً علي، فزارني الفقيه أبو الحجاج السَّاحلي، فأنشدني:
حاشاك أن تمرض حاشاك
قد اشتكى قلبي لشَكْواكا
إن كنت محموما ضعيف القوى
فإِنَّني أَحْسِد حُمَّاكا
ما رضيت حُمَّاك إذ باشرت
جسمك حتى قَبَّلت فاكا
مولده
عام سبعة وستين وستماية.
وفاته
توفي رحمه الله بالحمراء العلية؛ في السابع والعشرين لشهر رمضان من عام اثنين وخمسين وسبعماية.
من الكتاب والشعراء بين أصلي وغيره
يحيى بن محمد
ابن يوسف الأنصاري؛ يُكْنَى أبا بكر، ويعرف بابن الصَّيرفي؛ من أهل غرناطة.
حاله
كان نسيج وحده في البلاغة والجزالة، والتبريز في أسلوب التاريخ، والتملؤ من الأدب، والمعرفة باللغة والخبر. قال أبو القاسم: من أهل المعرفة بالأدب والعربية والفقه والتاريخ، ومن الكتاب المجيدين والشعراء المطبوعين المكثرين. كتب بغرناطة عن الأمير أبي محمد تاشفين، وله فيه نظم حسن.
مشيخته
قرأ على شيوخ بلده، وأخذ عن العالم الحافظ أبي بكر بن العربي ونمطه.
تواليفه
ألَّف في تاريخ الأندلس كتاباً سماه ((الأنوار الجلية في أخبار الدولة المرابطيَّة))؛ ضمنه العُجاب إلى سنة ثلاثين وخمسماية. ثم وصله إلى قرب وفاته، وكتاباً آخر سماه ((تقصي الأنباء وسياسة الرؤساء)).
شعره
قال: أنشدت الأمير تاشفين؛ في هلاك ابن رذمير:
أشكو الغليل بحيث المشرب الخضر
حسبي وإلاَّ فورِدٌ ما له صدرُ
تجهَّمت لي وجوه الصبر مُنْكرة
ولاحظتني عيونٌ حشوها حَذَر
إني لأجزع من ذاك الوعيد وفي
ملقى الأسنَّة منَّا معشرٌ صبر
فلت سلاحي الليالي أي ظالمة
ولو أعادت شبابي كنت أنتصر
مُشَيَعّاً كنت ما استصحبت من أمل
كماّ يُشَيَع سهم النَّازع الوتر
فها أنا وعزيز في نَامِسَة
تسود في عينه الأوضاح والغُرَر
يا حيّ عذرة فُتياكم بنازلة
لم تنفصل يمنٌ عنها ولا مضر
ما الحكم عندكم إذ نحن في حُرم
على جِنايةٍ رامٍ سهمه النَّظر
أرعاني الشُّهب في أحشاء ليلتها
حمل من الصُّبح أرجوه وانتظر
يفترُّ عن بُرد من حوله لَهَبٌ
أو عن نباتٍ أقاح أرضُه سَقَر
وبين أجفانه نهيف الأمير أبي
محمد تاشفين أو هو القَدَر
سيفٌ به ثُلَّ عرش الروم واطَّادَتْ
قواعد المُلْك واستولى به الظَّفر
وأدرك الدين بالثأر المنيم على
رغمٍ وجاءت صروف الدهر تعتذر
منىً تنال وأيامٌ مُفَضَّضة
مُذْهَّبات العشايا لَيْلُها سَحَر
وفي الذُّؤابة من صنهاجة مَلِكٌ
أغرُّ أبلج يُسْتَسقى به المَطَر
مؤيدٌ من أمير المسلمين له هوىً
ورأيٌ ومن سيرٍ له سير
أنحى على الجَور يمحو رسم أحرفه
حتى استجار بأحداق المَهَى الحَوَرُ
يا تاشفين أما تنفَكُّ بادرة
من رَاحَتَيْك المنايا الحُمْر تَبْتَدر
وكم ترنَّح فيٍ رَوْضٍ جَداوله
بيضُ السيوف وملتفٌّ للقَنَى شجر
هي التَّرايك فوق الهام لا حَبَبٌ
والسَّابغات على الأعْطاف لا القَدَر
لك الكتايب ملءُ البيد غازيةٌ
إذا أتت زمرٌ منها مضت زُمَر
على ساكبها للْنَّقَع أرْدِية من
تحتهاّ جِلَق من تحتها زُبر
تدبُّ منها إلى الأعداء سابلة
عقاربُ ما لها إلاَّ القَنَاِ إبَر
بعثتهُا أسُداً شتى إذا مَرجت
جِنَّ الوغا انقَضَّ منها أنجمٌ زهر
يا أيها الملك الأعلى الذي سجدت
لسيفه الهام في الهيجاء والقُصُرَ
أعِرْ حِرار ضُلولعي بَرْدَ ما نهلت
خيل الزُّبير ونار الحرب تَسْتعر
حيث الغُبار دخانٌ والظُّبا لهبٌ
والأسِنَّة في هام العِدا شُرر
والنَّقْع يطفو وبيضُ الهند راسية
إن الصواعق يوم الغَيْم تَنْكدر
أعْطى الزبيرُ فتى العلياء صارمَه
لكن بسَعْدك ما لم يُعطَه عُمر
وَلَّته أظْهُرَها الأبطال خاضعة
تَكْبُو وتصفعها الهندِيَّة البُتُر
بحر من الخلق المَسْرود مُلتَطمٌ
يسيل من كل سيف نحوه نَصْرَ
أمَّ ابنُ الزبير ابن رُذمير بداهيةِ
عضَّت ومسَّك من أظْفَاره ظَفَر
لقد نفحت من التيجان في محم
وأين من فَتَكات الضَّيغم النُّمر
لقد نجوتَ طليق الركض في وَهَن
من الأسنَّة حتى جاءك القدر
خلعت دِرعاً واعتضت الظَّلام بها
وخاض بحرُ الوَغا مركوبَك الخطر
ومنها:
ما بال إنجيلك المتروك ما ذمرت
نفوس قومك منه الآي والسُّور
أهديتها غير مشكور مُضمَّرة
ملء الأعنَّةَ منها الزَّهو والأسر
وظل طفلٌ من البولاد دانية
سمراً تُرضِعه اللَّبات والثَّغر
وعابسُ المنايا وهي ضاحكة
منَ خّدَه بثغورٍ زانها أشر
وكل حارسة في الرَّوع لابَسها
منسوجةٌ من عيون ما لها نظر
أعدت للحرب إنذاراً سخوت بها
عّلى الرَجال التي منها لها وِزر
قضَتك من حِمير صيدٌ غطارفة
فضُّ الرجاحة عوص الدهر ينحبر
ملثَّمون حياءً كلما سَفَرت لهم
وجوه المنايا في الوَغا سَفروا
جادوا بطعنٍ كأسماع المحاص
إلى ضرب كما فَغَرت أفواهها الحُمُر
وحدْت عنها محياَّ مُرَوَّعة
فضت بما مجَّ في أحشائك الذُّعر
فرَّت إلى حتفها من حتفها فمضت
والموت يطْرُدُها والموت ينتظر
قالوا نجا بذما النَّفْس منك فما
نجا وقد بقرته الحية الذَّكر
توزَّعت نفساً على حِشيَّتها طنباً
للوساوس يَحْدُو جيشُها السَّهر
نصرٌ عزيز وفتحٌ ليس يَعْدله
فتحٌ ولله فيه الحمد والشكر
فاهنأ به ابن أمير المسلمين وَدُم
للمُلْك ما قامت الآصال والبُكرْ
واهنأ بعيدك وافخر شانئيك به
فإنها نُسْك الأسياف لا الجزر
جاورتُ بحرك تغشاني مواهبُه
فمن بذاك ونَظْمي هذه الدُّرر
وأنشد أيضاً من شعره قوله رحمة الله عليه:
رَكِبت خَيْلها جيوشُ الضَّلال
وسُرَّت من رِماحها بذُبال
ملقيات دُروعها لا لوقت
فيهّ تَنْضُو الجلود رقش الصَلال
حثَّ في إثرها الأمير بعُقْبا
ن جيادٌ هُوت بأسْد رجال
في صُقَيل البُريك تُحْدِث للشم
س بعكس الشُّعاع حُمَّى اشتعال
لاث بالريح عِمَّةً من غُبار
ومشى للحديدَ في أذْيال
كلما جرَّها على الصَّلد أبقت
كخطوط الصَلال فوق الرمال
لَبِست أمرها على الرُّوم حتى
فجئتها كعادة الآجالَ
أبْدَلت هامها قِصار قُدُود
بِطَوالّ من الرَماح الطوال
والذي فرَّ عن سيوفكَ أوْدَى
بقَنا الرُّعب في ثنايا الجبال
كنت فيها وأنت في كل حرب
مُغْمد النَّصل في طِلَى الأبطال
يطلع البدر منك حاجِبَ شمس
ويُرى الليث في إهاب هِلال
يا لصَنْهَاجة وحولك منهم
خيرُ جيش عليهم خيرُ وال
ملكٌ ليس يركب الدهر إلاَّ
كلَّ عالي الركاب عالي القَذال
ما عرا الجَدْبُ أو علا الخَطْبُ
سال غَيْثاً ولاح بَدْرُ كمال
وخفيفٌ على أمور خفاف
وثقيلٌ علىُ أمور ثِقال
لاعب المِعْطفين بالحمد زَهْواً
شيمة الرُّمح هزَّةٌ في اعتدال
مُسْتَرِقُّ النفوس خوفاً وحسنا
إنما السيف هَيْبَةٌ في جمال
شيمٌ كالغمام يَنْشُر في الرو
ض بأندابه صغار اللآل
وسجايا تفتَّحت زهرات
وخلالٌ تسدُّ كل اختلال
أنت يا تاشُفين والله واقٍ
لك شخص العُلا ونفسُ الكمال
ليس آمال من على الأرض إلاً
أن ترى وأنت غاية الآمال
وهنياَّ بأن نَهضْتَ وأقبل
ت عزيز النُّهوض والإقبال
وعلى الكفر منك حرٌّ مُجيرّ
وعلى الدَين منك بَرْدٌ ظِلال
يا فتى والزمان نُعْمى وبؤسٌ
شرٌّ حالَ أفْضَت إلى خَيْر حال
وبما تجزع النفوس من الأم
ر له فُرْجةٌ كّحَل العِقال
رُبَّ أشياء ليس يبلغ منها
كُنْه ما في النُّفوس بالأقوال
غير أن الكلام إن جلَّ قدراً
وعلا كنت فوقه في الفِعال
ومن شعره، وقد بيَّت العدو محلة الأمير تاشفين، ويذكر حسن ثباته، وقد أسلمه قومه، وهي من القصائد المفيدة المبدية في الإحسان المعيدة:
يا أيها الملك الذي يتقنَّع
من منكم البطل الهمام الأرْوع
ومن الذي غدر العدوُّ به دجىً
فانفضَّ كلٌّ وهو لا يتزعزع
تمضي الفوارس والطعان يصدُّها
عنه ويزجرها الوفاء فترجع
والليل من وضح التَّرايك والظُّبا
صبح على هام الكماة مُمَنَّعُ
عن أربعين ثَنَتَ أْعنَّتها دُجىً
ألفان ألفٌ حاسر ومقَنَّع
لولا رجال كالجبال تعرَّضت
ما كان ذاك السيل مما يُرْدع
يتقحَّمون على الرماح كأنهم
إبل عطاش والأسنة تكرع
ومن الدُّجى لهم على قمم الرُّبى
وذؤابة بين الظُّبا تتقطع
نصرت ظلام الكفر ظُلمة ليلة
لم يدر فيها الفجر أين المطلع
لولا ثبوتك تاشُفِين لغادرت
أخرى الليالي وهَيْبَةٌ لا تُرقَع
فثبتَّ والأقدام تزلق والرَّدى
حول السُّرادقَ والأسِنَّة تقرع
لا تعظُمَنَّ على الأمير فإنها
خِدَع الحروب وكل حرب تَخْدع
ولكل يوم حَنْكة وتمرُّس
وتجارب في مثل نفسك تَنْجع
يا أشجع الشجعان ليلَة أمْسِه
اليوم أنت على التجارب أشجع
أهديك من أدب الوَغا حكماً بها
كانت ملوك الحرب مثلك تولع
لاَ أنَّني أدري بها لكنها
ذكرى تخُصُّ المؤمنين وتَنْفع
اختر من الخلق المضاعفة التي
وصَّى بها صُنْع السَّوابغ تُبَّع
والهند وانى الرفيق فإنه
أمضى على حلْق الدلاص وأقطع
ومن الرواجل ما إذا زعزعته
أعطاك هزَّة معطفيه الأشجع
ومن الجياد الجُرْد كل مُضَمَّر
تُشْجَى بأرْبُعه الرياحَ الأربع
والصَّمَّة البطل الذي لا يلتوي
منه الصَّليَب ولا يلين الأخْدَع
وكذاك قدرٌ في العدو حزامة
فالنبع بالنَّبع المُثَقَّف يقرع
خندقٌ عليك إذا اضطربت محلَّة
سيَّان تَتْبع ظافراً أو تُتْبَع
واجعل ببابك فّي الثَقات ومن له
قلبٌ على هول الحروب مُشَيَّع
وتوقَّ من كِذب الطلايع إنَّه
لا رأى للمكذوب فيها يصنع
فإذا احْتَرست بذاك لم يَكُ للعدا
في فرصةٍ أو في انتهازٍ مطمع
حارب بمن يخشى عقابك بالذي
يخشى وّمن في جُود كفَك يَطْمع
قّبل التَّناوش عبَ جيشك مُفْحصا
حيث التمكَّن والمجال الأوسع
إياك تَعْبية الجيّوش مضيَقاً
والخيل تَفْحص بالرجال وتَمْرع
حصَن حواشيها وكن في قلبها
واجعل أمامك منهم من يُشْجع
والبس لُبوساً لا يكون مشهَّراً
فيكون نحوك للعّدوَ تطلعُّ
واحتلَّ لتوقع في مُضايقة الوَغى
خِدَعاً ترويها وأنت مُوَسَعّ
واحذر كمين الرُّوم عند لقائها
واقضِ كمينك خَلْفها إذ تدفع
لا تُبْقين النهر خلفك عندما
تلقى العدوَّ فأمرُه متوقَّع
واجعل مناجَزة العدو عشيَّة
ووراء الصدف الذي هَو أمْنَع
واصْدِمْه أول وهلة لا تَرْتدع
بعد التقدم فالنُّكول يُضَعْضع
وإذا تكاثفت الرجال بمعركٍ
ضَنْكٍ فأطّراف الرَماح توسع
حتى إذا اسْتَعْصت عليك ولم يكن
إلاَّ شِماس دايم وتمنُّع
ورأيت نار الحرب تُضرم بالظُّبا
ودخانها فَوق الأسِنَّة يَسْطع
ومضت تؤذَن بالصُّميل جيادها
والهام تَسْجَد والصَّوارم تركع
والرمح يُثني معْطفيه كأنه
في الرّاح لا عِلْق الفوارس يكرع
والريح تنشُأ سَجْسَجاً هفَّافة
وهي السَّكينة عن يمينك توضع
أقصر الكمين على العدو فإنه
يعطيك من أكتافه ما يمنع
وإذا هَزمتَ عِداك فاحذر كرَّها
واضْرب وجوه كُماتها إذ ترجع
وهي الحروب قوى النَّفوس وحزبها
من قوَّة الأبدان فيها أنفع
ثم انْتَهض بجميع من أَحْمدته
حتى يكون لك المحلُّ الأرفع
وبذاك تعتب إن تولَّت عصبة
كانتّ تُرفَه الوغى وّتُرفَع
من مَعْشَرٍ إعراض وجهك عنهم
فعل الجميل وسُخطك المتَوقَّع
يكبو الجواد وكل حَبْر عالم
يهْفو وتَنْبُو المُرْهفات القُطَّع
أنَّى قَرَعْتُم يا بني صنهاجة
وإليكم في الرَّوع كان المَفْزِع
ما أنتم إلا أسودٌ حفيَّةٌ
كلٌّ بكل عظيمة تُسْتَطلع
ما بال سيدكم تورَّط لم يكن
لكم التفات نحوه وتجمُّع
إنسان عين لم يصبه منكم
جفْنٌ وقلبٌ أسلمته الأضلع
تلك التي جرَّت عليكم خُطَّةً
شَنْعَاء وهَي على رجال أشْنع
أو ما ليوسفّ جَدَه مِننٌ على
كل وفضل سابق لا يُرفع
أما لوالده عليّ نعمة
وبكل جيدٍ رِبْقةٌ لا تُخلع
ولكم بمجلس تاشفين كرامةٌ
وشفيعُكم فيما يشاءّ مُشَفَع
ألا رعيتم ذاك وأحسابكمَ
وأنِفْتُم من قالةٍ تُسْتشْنَع
أبطأتم عن تاشفين ولم يزل
إحسانه لجميعكم يتسرَّع
رُدَّت مكارمه لكم وتوَطَّأت
أكنافُه إن الكريم سُمَيْدع
خاف العِدى لكن عليكم مُشْفِقاً
فهجعتم وجفونه لا تَهْجع
ومن العجايب أنه مع سّنَه
أدْرَى وأشهر في الخطوب وَأضْلع
ولقد عفا والعفو منه سَجيَّةٌ
ولسطوةٍ لو شاء فيكم مَوْضع
يا تاشفين أقم لجيشك عُذْره
فالليل والقَدَر الذي لا يُدفع
هجم العدو دُجىً فروع مُقبلاً
ومضى يهيم وهو منك مروَّع
لا يزدهي إلاَّ سواك بها ولا
إلاَّ لغيركّ بالسَنان يُقَعْقع
لما سَدَدْت له الثَّنيَّة لم يكن
إلا على ظهر المَنيَّة مَهْيع
وكذاك للعِير إقدام على
أسْد العَرين الوُرد مما يجزع
ولقد تقفاها الزبير وقد نجت
إلا فلولا وإنَّ منه المصرع
وغداً يعاقب والنفوس حميَّة
والسُّمر هيمٌ والصَّوارم جُوَّع
أعْطِش سلاحك ثم أوردها الوغا
كيما يلذُّ لها ويصفو المشرع
كم وقعةٍ لك في ديارهم انثنت
عنهاَ أعزَّتُها تُذَل وتَخْضع
النَّعمة العظمى سلامتك التي
فيها من الظَّفَر الرّضى والمقْنَع
لا ضيَّع الرحمن سَعْيك إنه
سعيٌ به الإسلام ليس يُضَيَّع
نستحفظ الرحمن منك وديعةً
فهو الحفيظ لكل ما يُسْتَوْدع
وفاته
بغرناطة في حدود السبعين وخمسماية.
من ترجمة الشعراء من السفر الأخير وهو الثاني عشر المفتتح بالترجمة بعد:
يحيى بن محمد
ابن أحمد بن عبد السلام التطيلي الهذلي؛ أصله من تُطيلة؛ وهو غرناطي؛ يُكْنَى أبا بكر.
حاله
قال أبو القاسم المَلاَّحي: أديب زمانه، وواحد أقرانه، سيال القريحة، بارع الأدب، رائق الشعر، عَلَم في النحو واللغة والتاريخ والعَروض، وأخبار الأمم، لحق بالفحول المتقدّمَين، وأعجزت براعته، براعة المتأخرين، وشعره مدون، جرى في ذلك كله طلق الجُموح. ثم انقبض، وعكف على قراءة القرآن، وقيام الليل، وسرد الصوم، وصُنع المُعَشَّرات في شرف النبي عليه الصلاة والسلام. وأشعاره كثيرة من الزهد والتذكير للآخرة، والتَّجريد من الدنيا، حتى جُمع له من ذلك ديوان كبير.
شعره
من ذلك قوله من قصيدة:
أذوب حياءً إن تذكرت زلَّتي
وحلمك حتى ما أقلَّ نواظري
وأسكت مغلوباً وأطرق خَجْلة
على مثل أطراف القنا والتَّواتُر
تعود بصفحٍ إثر صفحٍ تكرُّماً
على الذنب بعد الذنب يا خير غافر
وتلحظُني بالعفو أثناء زلَّتي
وتنظر مني في خلال جَراير
وحقُّ هواك المُسْتَكِنَّ بَأضْلُعي
ومالك عندّي من خَفيَ ضمائر
لما قُمْت بالمعشار من عُشر عشرة
ولو جيتُ فيه بالنجوم الزَّواهر
فيا أيها المولى الصَّفوح ومن به
تَنُوءُ احتمالاتي بأعباء شاكرَ
أنِلني من برْد اليقين صبابةً
ألفُّ بها حدَّ الهوى والهواجر
وخِلت الدُّجى عذراً هابت سُرى العدا
إليَّ تّغَطَيُني بسود الغدائر
وخافت على عيني من السُّهد والبكا
فذرَّت بقايا الكُحل من جَفْن ساهر
وقال راداً على ابن رشد؛ حين ردَّ على أبي حامد في كتابه المسمى ((تهافت التهافت)):
كلام ابن رشد لا يبين رشاده
هو اللَّيل يَعْشى الناظرين سواده
ولاسيما نقض التهافت إنه
تضمَّن برساماً يعزُّ اعتقاده
كما لطرد المحموم في هذيانه
يفوه بما يُملي عليه احْتداده
أتى فيه بالبَهْت الصَّريح مغالطاً
فما غيّر البحر الخضمَ ثماده
وحاول إخفاء الغزالة بالسُّهاَ
فأخْفَق مسعاه ورُدَّ اعتقاده
دّلايل تعطيك النَّقيضين بالسَوى
وأكثر ما لا يستحيل عناده
إذا أوضح المطلوب منها وضدَّه
يبين على قربٍ وبان انفراده
وأنت بعيد الفكر عن تُرَّهاته
فمعظمها رأيٌ يقلُّ سدادُه
ومن شعره:
إليك بسطت الكفّ في فحمة الدجى
نداء غريق في الذنوب عريق
رجاك ضمّيري كي تخلَص جُمْلتي
فكم من فريقٍ شافعٍ لفريق
مشيخته
أخذ عن أبيه أبي عبد الله، وحدَّث عن الأُستاذ أبي الحسن جابر بن محمد التميمي، وعن الأستاذ المقري ببلنسية أبي محمد عبد الله بن سعدون التميمي الضرير، عن أبي داود المقري. وقرأ أيضاً على الخطيب أبي عبد الله محمد بن عروس، وعلى القاضي العالم أبي الوليد بن رشد.
مولده
فجر يوم الثلاثاء الخامس والعشرين لمحرم تسعة وخمسين وخمسماية.
وفاته
بغرناطة عام تسعة وعشرين وستماية.
يحيى بن بقي
من أهل وادي آش.
حاله
بارع الأدب، سيَّال القريحة، كثير الشعر جيده في جميع أنواعه. وكان مع ذلك موصوفاً بغفلة.
شعره
بأبي غزال غازَلْته مُقْلتي
بين العذَيب وبين شَطَّي بارق
وَسألت منه قُبْلة تشفي الجوى
فأجاب عنها بوعد صادق
وأتيت منزله وقد هَجع العِداُ
أسْري إليه كالخيال الطَّارق
بِتْنا ونحن من الدُّجى في لُجَّة
ومن النجوم الزُّهر تحت سُرادق
عاطيته والليل يسحب ذيله
صباً كالمسك العتيق لناشق
حتى إذا ما مالت به سنة الكرى
باعدته شيئاً وكان معانِقِ
معانِقِ
أبعدته من أضلع تشتاقه
كي لا ينام على وساد خافق
وضممتُه ضمَّ اّلكمَي لسيفه
وذؤابتاه حمايل في عاتق
لما رأيت الليل ولَّى عمره
قد شِاب في لمَم له ومَفارِق
ودَّعَت من أهوى وقلت تأسُفاً
أعْزِز علي بأن أراك مُفارق
وفاته
توفي بمدينة وادي آش؛ سنة أربعين وخمسماية.
يحيى بن عبد الجليل
ابن عبد الرحمن بن مُجْير الفهري؛ فرنشي، وقال صفوان: إنه بَليي؛ يكنى أبا بكر.
حاله
قال ابن عبد الملك: كان في وقته شاعر المغرب، لم يكن يجري أحد مجراه، من فحول الشعراء. يعترف له بذلك أكابر الأدباء، وتشهد له بقوة عارضته وسلامة طبعه، قصائده التي صارت مثالاً، وبعدت على قربها منالاً. وشعره كثير مدوَّن، ويشتمل على أكثر من سبعة آلاف بيت وأربعمائة بيت. امتدح الأُمراء والرؤساءَ، وكتب عن بعضهم، وحظِي عندهم حُظوة تامة، واتصل بالأمير أبي عبد الله بن سعد، وله فيه أمداح كثيرة. وبعد موته موته انتقل إلى إشبيلية، وبملازمته للأمير المذكور، وكونه في جملته، استحق الذكر فيمن حل بغرناطة. ومن أثرته لدى ملوك مراكش، أنه أنشد يوسف بن عبد المؤمن؛ يهَنّيه بفتح؛ من قصيدة:
إنَّ خير الفتوح ما جاءت عفْواً
مثل ما يخطب البليغ ارتجالا
قالوا: وكان أبو العباس الجراوي الأعمى الشاعر حاضراً، فقطع عليه، لحسادة وجدها؛ فقال يا سيدنا اهتدم فيه بيت ابن وضَّاح:
خيرُ شراب ما جاء عفواً
كأنه خطبة ارتجال
فبدر المنصور؛ وهو حينئذ وزير أبيه، وسنه في حدود العشرين من عمره؛ فقال: إنْ كان قد اهتدمه؛ فقد استحقَّه؛ لنقله إياه من معنى خسيس إلى معنى شريف؛ فسُرَّ أبوه لجوابه، وعجب منه الحاضرون.
ومرَّ المنصور أيام إمرته بلوقية؛ من أرض شِلب، ووقف على قبر أبي محمد بن حزم؛ وقال: عجباً لهذا الموضع، يخرج منه مثل هذا العالم. ثم قال: كل العلماء عيال على ابن حزم. ثم رفع رأسه، وقال: كما أن الشعراء عيال عليك يا أبا بكر؛ يخاطب ابن مجير.
شعره
من شعره يصف الخيل [العتاق] من قصيدة في مدح المنصور:
له خُطَّت الخيُل العِتاق كأنها
نشاوى تهادت تطلب العَرْف والقصفا
عرايسُ أَغْنَتها الحجول عن الحُلا
فلم تَبْغ خُلخالاً ولا التمست وقفا
فمن يَفُق كّالطَرس تحسب أنه
وإن جرَّدوه في ملاءته التفَّا
وأبلُق أعطى الليل نصف إهابه
وغار عليه الصبح فاحتبّس النَصفا
ووردٌ تغشى جلده شفق الدُّجى
فإذا حازه حلَّى له الذَّيل والعُرْفا
وأشقرُ مجَّ الراح صِرفاً أديمه
وأصفر لم يسمح بها جلده صرفا
وأشهبّ فِضَي الأديم مُدنَّر
عليه خُطوط غير مُفْهمةٍ حَرْفا
كما خطر الزاهي بمُهْرق كاتبٍ
يجرُّ عليه ذيله وهو ما جرفا
تهبُّ على الأعداء منها عواصف
تنسف أرض المشركين بها نَسْفا
ترى كل طرف كالغزال فتمتري
أطِيباً ترى تحت العَجاجة أم طَرْفا
وقد كان في البَيْداءِ يألف سِربه
فربَّته مُهراً وهي تَحْسَبه خَشَفا
تناوله لفظُ الجواد لأنه
متى ما أردت الجَرْي أعطاكه ضعفا
ولما اتخذ المنصور ستارة المقصورة بجامعه، وكانت مدبرة على انتصابها، إذا استقر المنصور ووزراؤه بمصلاه، واختفائها إذا انفصلوا عنها، أنشد في ذلك الشعراءُ، فقال من قصيدة أولها:
أعلمتُني ألقي عصاّ التَسيار
في بلدة ليست بدار قرار
ومنها في وصف المقصورة:
طوراً تكون بمن حَوَتْه محيطةٌ
فكأنها سورٌ من الأسوار
وتكون حيناً عنهم مخُبوَّة
فكأنها سرٌّ من الأسرار
وكأنما علمت مقادير الوَرى
فتصرَّفت لهم على مقدار
فإذا أحسَّت بالإمام يزورها
في قومه قامت إلى الزوَّار
ويكفي من شعر ابن مُجير هذا القدر العجيب رحمه الله. من روى عنه
حدَّث عنه أبو بكر محمد بن محمد بن جمهور، وأبو الحسن بن الفضل، وأبو عبد الله ابن عيَّاش، وأبو علي الشُّلوبين، وأبو القاسم بن أحمد بن حسان، وأبو المتوكل الهيثم، وجماعة.
وفاته
توفي بمراكش؛ سنة ثمان وثمانين وخمسماية، وسنه ثلاث وخمسون سنة.
يوسف بن محمد
ابن محمد اليحصبي اللوشي؛ أبو عمر.
حاله
من كتاب ابن مسعدة، خطيب الإمامة السَّعيدة النَّصرية الغالبية، وصاحب قلمها الأعلى. كان شيخاً جليلاً، فقيهاً، بارع الكتابة، ماهر الخطة، خطيباً مِصْقعاً، منقطع القرين في عصره، منفرداً عن النظير في مصره، عزيزاً، أنوفاً، فاضلاً، صالحاً، خَيّراً، شريف النفس، منقبضاً، وقوراً، صموتاً، حسن المعاشرة، طيب المحادثة. مشيخته
حدَّث عن والده الشيخ الراوية أبي عبد الله، وعن الأستاد ابن يربوع. ولقي بإشبيلية الأستاذ أبا الحسن الدبَّاج، ورئيس النحاة أبا علي الشُّلوبين، وغيرهم.
شعره
ومن شعره؛ وإن كان غير كثير، قوله:
شرَد النوم عن جفونك وانظر
كلمةً توقظ النفّوس النَياما
فحرام على امرىءٍ يشاهد
حكمة الله أن يلذَّ المناما
وقوله:
ليس للمرء اختيار في الذي
يتمنَّى من حِراك وسكون
إنما الأمر لربٍّ واحد
إن يشاء قال له كن فيكون
وفاته
توفي في المحرم من عام ستين وستماية، ودفن بمقبرة باب إلبيرة. وحضر جنازته الخاصة والعامة، السلطان فما دونه، وكل ترحم عليه، وتفجع له. حدثني حافده شيخنا، قال: أخرج الغالب بالله، يوم وفاته، جبَّة له، لبسته مرفوعة، من ملف أبيض اللون، مخشوشنة، زعم أنها من قديم مكسبه من ثمن مغنم ناله، قبل تصيُّر الملك إليه، أمر بِبَيْعها، وتجهيزِه من ثمنها؛ ففعل، وفي هذا ما لا مزيد عليه من الصّحَة والسلامة، وجميل العهد، رحم الله جميعهم.
يوسف بن علي
الطرطوشي؛ يكنى أبا الحجاج.
حاله
من العايد: كان رحمه الله من أهل الفضل والتواضع، وحسن العشرة، مليح الدعابة، عذب الفكاهة، مُدِلاً على الأدب جدّهَ وهزله، حسن الخط، سلس الكتابة، جَيّد الشعر، له مشاركة في الفقه، وقيام على الفرايض. كتب بالدار السلطانية، وامتدح الملوك بها، ثم توجه إلى العدوة، فصحب خُطة القضاء، عمره، مشكور السيرة، محفوفاً بالمبَرَّة.
وجرى ذكره في الإكليل بما نصه: روض أدب لا تعرف الدواة أزهاره، ومجموع فضل لا تَخْفى آثاره، كان في فنون الأدب، مطلق الأَعنَّة، وفي معاركه ماضي الظُّبا والأسنة. فإن هزل، وإلى تلك الطريقة اعتزل، أبرم في الغزال ما غزل، وبذل من دنان راحته ما بذل. وإن صرف إلى المُعْرب غَرْبَ لسانه، وأعاره لمحة من إحسانه، أطاعه عاصيه، واستجمعت لديه أقاصيه. وَرَد على الحضرة الأندلسية، والدنيا شابَّة، وريح القبول هابَّة، فاجتلى محاسن أوطانها، وكتب عن سلطانها. ثم كرَّ إلى وطنه وعطف، وأسرع اللحاق كالبارق إذا خطف، وتوفي عن سن عالية، وبرود من العمر بالية.
ومن شعره أيام حلوله بهذه البلاد، قوله، يمدح الوزير ابن الحكيم، ويلم بذكر السَّلم في أيامه:
رضاكم إن مننتم خيرُ مرهوب
وما سوى هجركم عنديبموهوب
لكم كما شيتم العُتْبى وعَتْبكُم
مقابل الرضا من غير تثريب
مُنُّوا بلحظ رضىً لي ساعة
فعسى أنال منه لدهري طبَّ مطبوب
فكم أثارت لي الأيام وابتسمت
ثغور سعدي بتقريب فتقريب
قد كنَّ بيضاً رعابيباً بقربكم
والآن يوصفْن بالسُّود الغرابيب
آهاً لدهر تقضَّى لي بباكمّ
مرتَبٌ للأماني أيَّ ترتيب
ما كان إلاَّ كأحلام سررت بها
فواصلت حال تقْويض بتَطنيب
يا ليت شعري هل تقضى بعودته
فأقدر الحُسن منه بعد تَجْريب
ومنها:
يا أيها السيد الأعلى الذي يده
حازت ندى السُّحب مسكوباً بمسْكوب
فلو سالنا بلاد الله عن كرم
فيها لكفَّيه والأنواءُ منسوب
لقُلْن إن كان جودٌ لا يضاف لذي ال
وزارتين فجودٌ غير محسوب
فالعُود جنسٌ ولكن في إضافته
للهند يختصُّ عود الهند بالطَيب
من سيَدّ لا يُوفَي الحمدُ واجبه
ولو تواصل مكتوباً بمكتوب
له المحامد لا تُحصى ولا عجب
فرمل عالج شيىٌّ غير محسوب
تناول الشَّرف الأقصى بعزمة ذي
ظن نبيل الأماني غير مكذوب
وواصل المجد من آياته شرفاً
بمجُده وصل أنبُوب بأنبوب
وجاء مكتسباً أعلى ذخائره
والمجد ما بين موروث ومكْسُوب
رِدْءُ الخليفة لا يرتاح من نصب
في بذل نصح لحفظ مَنْصوب
موفَق الرأي مأمون النَّقيبة في
تدبير ذي حُنْكة صحَّت وتدريب
تهابه النفس إذ ترجوه من شرف
فشأنه بين مَرْهوب ومَرْغوب
ومنها:
يا أوْحد العصر في فضل وفي كرم
خصال قاطع دهره في التَّجاريب
أعِدْ فُديت لأمري مُنْعماً نظراً
يَنْلَ به همُّ حالي بعض تشبيب
لولا ارتكاب حسُودي لأمر في ضرري
ما كان ظهر النَّوى عندي بمركوب
هذا زماني ومنك الأمن حاربني
حتى أراني في حالات محروب
فامنُنْ بتفريج كَرْبي بالرضا فإذا
رَضِيت لم أك من شيءٍ بمكْروب
إن لم أَذُق من رضاكم ما ألذُّ به
فلا حيْاة بمأكول ومشروب
ومن شعره:
بذكرك تُشرح أي العلا
وتسند أخباره في الصحيحُ
بأفقك يشرق بَدْرُ السَّنا
وباسمك يحسُن نظمُ المديح
وما يحسن العِقْد إلا إذا
تحلَّت به ذاتُ وجه مليح
وفاته
كان حياً عام أحد وأربعين وسبعماية.
من ترجمة المحدثين والفقهاء وسائر الطلبة النجباء
يحيى بن محمد
ابن عبد العزيز بن علي الأنصاري؛ يكْنَى أبا بكر، ويعرف بالعشَّاب، ويعرف بالبُرشاني.
حاله
كان هذا الشيخ من أهل الخير كثير التؤدة والصمت، معرضاً عمَّا لا يعنيه. رحل إلى الحج، وأقام هنالك سنين، وقفل منها فخطب بأُرْجبة. وأخذ ببلاد المشرق عن قطب الدين القَسْطَّلاني، وأبي الفضل بن خطيب المري، وزين الدين أبي بكر محمد بن إسماعيل الأنماطي. ولقي أبا علي ابن الأحوص بالأندلس؛ ولم يأخذ عنه. أنشدني شيخنا أبو البركات، قال: أنشدني الشيخ أبو بكر البُرشاني، قد لقيته بأُرجبة. قال: أنشدنا الإمام أبو عبد الله بن النعمان عن قطب الدين:
إذا كانُ أنسي في لزومي وحدتي
وقلبي من كل البريَّة خال
فما ضرَّني من كان لي الدهر قالياً
وما سرَّني من كان فيَّ مُوال
ومن العمال
يوسف بن رضوان
ابن يوسف بن رضوان بن يوسف بن رضوان بن يوسف
ابن رضوان بن محمد بن خير بن أسامة الأنصاري النَّجاري.
قال القاضي المؤرخ أبو الحسن بن الحسن ممليه: والذي رفع إليَّ هذا النسب للركانة: هو صاحبنا الفقيه أبو القاسم ولده، ورَفْع هذا النسب بحاله من التكرار دليل على أصالته.
حاله
من أهل الخير والخُصوصية، وحُسن الرُّواء والوقار، والحياء، والمودة. نبيه القدر، معروف الأمانة، صدرٌ في أهل العقد والحل ببلده، بيته بيت صون وخير واستعمال، ولو لم يكن من بركات هذا الرجل، وآثار فضله، إلاّ ابنه صدر الفضلاء، وبقية الخواص أبو القاسم، لكفاه. تولى قيادة الديوان بمالقة بلده، أرفع الخطط الشرعية العملية، فحمدت سيرته.
وفاته
بمالقة في....... وعلى قبره مكتوب من نظم ولده:
إلاهي خّدَي في التراب تذللاً
بسطتُ عسى رحماك يحيى بها الروح
وجاوزت أجداث الممالك خاضعاً
وقلبي مصدوع ودمعي مسفوح
ووجَّهت وجهي نحو جُودك ضارعاً
لعلَّ الرضا من جنب حلمك ممنوح
أتيت فقيراً والذنب تؤدُني
وفي القلب من خوف الجرايم تبريح
ولم أعتمد إلا الرَّجا وسيلة
وإخلاص إيمان به الصدر مَشْرُوح
وأنت غنيٌّ عن عذابي وعالم
بفقري وباب العفو عندك مفتوح
فهب لي عفواً من لدنك ورحمةً
يكون بها من ربْقة الذنب تسْريح
وصل على المختار ما هَمع الحيا
وما طلعت شمس وما هَبَّتْ الريح
من ترجمة الزهاد والصلحاء
يحيى بن إبراهيم
ابن يحيى البرغواطي.
من أهل أَنْفا؛ من بيت عمال يعرفون ببني الترجمان أولي [شهرة] وشدَّة على الناس وضغط. وكان من الحظوة وضدها بباب سلطانهم، ديدن الجُباة. غُرَّب عنهم وانقطع إلى لقاء الصالحين، وصحبة الفقراء المتجردين، وقدم على الأندلس عابداً، كثير العمل، على حداثة سنه، ونزل برباط السُّودان، من خارج مالقة، واشتهر، وانثال عليه الناس. ثم راض طول ذلك الاجتهاد، وأنس بمداخلة الناس.
حاله
هذا الرجل نسيج وحده في الكفاية، وطلاقة اللسان، مدل على أغراض الصوفية، حافظ لكل غريبة من غرايب طريقتهم، متكَلّم في مشكلات أقوالهم، قايم على كثير من أخبارهم، يستظهر حفظ جزأي إسماعيل الهروي المسمى ((بمنازل السايرين إلى الحق))، والقصيدة الكبيرة لابن الفارض. عديم النظير في ذلك كله، مليح الملبس، مترَفّع عن الكُدية، عزيز النفس، قليل الإطراءِ، حسن الحديث، عذب التَّجاوز فيه، على سنن من السَّذاجة والسَّلامة والرجولة والحمل، صاحب شهرة قرعت به أبواب الملوك بالعُدوتين. وعلى ذلك فمغضوض منه، محمول عليه، لما جبل عليه من رفض الاضطّلاَع، وترك السَّمت، واضطراح التغافل، وولوعه بالنقد والمخالفة في كل ما يطرق سمعه، مرشّحَاً ذلك بالجد المبرم، ذاهباً أقصى مذاهب القِحة، كثير الفَلَتات. نالته بسبب هذه البليَّة محن كثيرة، أفلت منها بجريعة الذقن، ووسم بالوهن في دينه، مع صحة العقل. وكان الآن عامراً للرباط المنسوب إلى اللَّجام، على رسوم الشياخة، وعدم التابع، مهجور الفِناءِ.
مشيخته
زعم أنه حجَّ، ولقي جلَّة، منهم الشيخ أبو الطاهر بن صفوان المالقي، ولقاؤه إياه، وصحبته، معروف
بالأندلس، وغير ذلك مما يدَّعيه متعدد الأسماء.
تواليفه
قيَّد الكثير من الأجزاء، منها في نِسْبة الذنب إلى الذاكر، جزءٌ نبيل غريب المأْخذ، وفيما شْكُل من كتاب أبي محمد بن الشيخ. وصنف كتاباً كبير الحجم في الاعتقاد، جلَب فيه كثيراً من الأقوال والحكايات، رأيت عليه بخط شيخنا عبد الله بن المقَّري ما يدل على استحسانه، وطلب مني الكَتْب عليه بمثل ذلك، فكتبت له ببعض ورقاته، إثارة لضجره، واستدعاءً لفكاهة انزعاجه، ما نصه: وقفت من الكتاب المنسوب لأبي زكريا البرغواطي، على برسام محموم، واختلاط مَذْموم، وانتساب زنْج في روم، وكان حقه أن يتهيَّب طريقاً لم يسلكها، ويتجنب غفلة لم يملكها، إذ المذكور، لم يتلق شيئاً من علم الأُصول، ولا نظر في الإعراب في فصل من الفصول. إنما هي قِحة وخلاف، وتهاوُن بالمعارف واستخفاف. غير أنه يحفظ في طريق القوم كل نادرة، وفيه رجولة ظاهرة، وعنده طلاقة لسان، وكفاية قلما تتأتى لإنسان. فإِلى الله نَسَل أن يعرَّفنا بمقادير الأشياء، ويجعلنا بمعْزِل عن الأغبياء. وقد قلت مرتجلاً عند أول نظرة، واجتزأت بقليل من كثرة: كثرة:
كل جار لغاية مرجوة
فهو عندي لم يعد حدَّ الفتوَّهْ
وأراك اقتحمت ليلاً بهيماً
مُولجاً منك ناقةً في كوَّبهْ
لاّ اتَباعاً ولا اختراعاً أرتنا
إذ نظرنا عروسك المجلَّوهْ
كل ما قلتُه فقد قاله النا
س مقالاً آياته متلُوَّهْ
لَم تزد غير أن أبَحْت حمى الإع
راب في كل لفظة مقروَّهْ
نسل الله فكرة تلزم العق
ل إلى حِشْمة تحوطها المُرُوَّهْ
وعزيز علي أن كب يحيى
ثم لم نأخذ الكتاب بقوَّهْ
ومن البرسام الذي يجري على لسانه بين الجَدّ والقِحة، والجهالة والمجانة، قوله لبعض خدام باب السلطان، وقد ضُويق في شيءٍ أَضْجَره منقولاً من خطه، بًّعد رد كثير منه إلى الإعراب: ((الله نور السموات من غير نار، ولا غيرها، والسلطان ظلاله وسرُاجه في الأرض، ولكل منهما فراشٌ مما يليق به، ويُتهافت عليه، فهو تعالى مُحْرقٌ فراشه بذاته، مغرقُهم بصفاته، وسراجِه وظَلّه. وهو السلطان محرق فراشه بناره، مُغْرقهم بزَيْته ونواله. ففِراشُ الله، ينقسم إلى حامِدين، ومُسَبّحين، ومُسْتغفرين، وأُمناءَ وشاخِصين. وفراشُ السلطان ينقسمون إلى أقسام، لا ينفك أحدهم عنها. وهم وزغة ابن وزغة، وكلب ابن كلب، وكلب مطلقاً، وعارٌ ابن عار، وملعون ابن ملعون، وقط [ابن قط]، ومُحق. فأما الوزغة، فهو المحرق في زيت نواله، المشغول بذلك عما يليق بصاحب النّعَمة من النصح، وبذل الجهد. والكلب ابن الكلب، هو الكَيّسُ المتحرّزَ في تهافته، من إحراق وإغراق، يعطي بعض الحق، ويأخذ بعضه. وأما الكلب مطلقاً، فهو الواجد والمشرّدَ للسفهاء عن الباب المعظَّم لقليل النّعَمة. وأما العارُ ابن عار فهو المتعاطي في تهافته ما فوق الطَّوق، ولهذا امتاز هذا الإسم بالرياسة عند العامة، إذ مرَّ بهم جِلْفٌ أو مُتَعاط، يقولون، هذا العار بن عار، يحسب نفسه رئيساً، وذلك بقرب المناسبة، فهو موضوع لبعض الرياسة، كما أن الكلب ابن الكلب لبعض الكياسة. وأما الملعون ابن المعلون، فهو الغالط المُعاند، المشارك لرَبّه، المنعم عليه في كبريائه وسلطانه. وأما القطُّ فهو الفقير مثلي، المُسْتَغْنى عنه، بكونه لا تُخصُّ به رتبة، فتارة في حِجْر الملك، وتارة في السّنَداس، وتارة في أعلى المراتب، وتارة محسنٌ، وتارة مسيىءٌ، تُغْفر سيئاته الكثيرة بأدنى حسنة، إذ هو من الطوافين، مُتطير بقَتْله وإهانته، تيَّاه في بعض الأحيان لعزَّة يجدها في نفسه، من حرمة أبقاها الشارع له، وكل ذلك لا يخفى. وأما الفِراش المُحق، فهو عند الدُّول نوعان، تارة يكون ظاهراً وحظُّه مسح المصباح، وإصلاح فتيله، وتصفية زيته، وستر دخانه، ومُسايسة ما أَعْوَز من المطلوب منه. ووجود هذا شديد الملازمة ظاهراً. وأما المُحِقُّ الباطن، فهو المشار إليه في دولته بالصلاح والزهد والورع، فتستقبله اْلخَلِقُ لتعظيمه، وتركه لما هو بسبيله، فيكون وسيلةً بينهم وبين رَبّهم، وخليفته الذي هو مصباحهم. فإذا أراد الله بهلاك الدولة، وإطفاء مصباحها تولَّى ذلك أهل البطالة والجهالة، فكان الأمر كما رأيتم، والكلُّ يعمل على شاكلته)).
وأفضى به الهوى، وتسور حمى السياسة، والإغياءُ في ميدان القِحة إلى مصرع السوءِ، فجُلِد جَلْداً عنيفاً بين يدي السلطان؛ كان سبب وفاته في المُطْبِق. وذلك في شهر المحرم من عام ثمانية وستين وسبعماية. وقانا الله المَعرَّات، وجَنَّبنا سُبل المضرَّات، وفي كثرة تبجُّحه باصطلاح المنطق قيل:
لقد كان يحيى منطقياَّ مُجادلاً
تجارى في سبل الهوى وتهوَّرا
غدا مطلق التقوى وراح مكَّمما
وأصبح من فوق الجدار مُسوَّرا
فما نال من معنى اصطلاح أداره
سوى أن بَدا في نفسه وتصوَّرا
تجاوز الله عنا وعنه......
بقية السفر الثاني عشر من كتاب
الإحاطة مشتملة على ترجمة ابن
الخطيب مكتوبة بقلمه
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
وسلم تسليما.
يقول مؤلف هذا الديوان تغمد الله خطله، في ساعات أضاعها، وشهوة من شهوات اللسان أطاعها، وأوقات للاشتغال بما لا يعنيه، استبدل بهما اللهو لما باعها: أما بعد حمد الله الذي يغفر الخطية، ويحث من النفس اللجوج المطية، فيحرك ركابها البطيّة، والصلاة على سيدنا ومولانا محمد، مُيَسَّر سبل الخير القاصدة الوطيَّة، والرضا عن آله وصحبه، منتهى القصد ومناخ الطيّة. فإني لمّا فرغت من تأليف هذا الكتاب الذي حمل عليه فضل النشاط، مع الالتزام لمراعاة السياسة السلطانية والارتباط، والتفت إليه، فراقني منه صوان درر، ومطلع غرر، قد تخلدت مآثرهم بعد ذهاب أعيانهم، وانتشرت مفاخرهم، بعد انطواء زمانهم، نافستهم في اقتحام تلك الأبواب، ولباس تلك الأثواب، وقنعت باجتماع الشمل بهم ولو في الكتاب. وحرصت على أن أنال منهم قربا، وأخذت من أعقابهم أدباً وحباً، وكما قال: ساقي القوم آخرهم شرباً. فأجريت نفسي مجراهم في التعريف، وحذوت بها حذوهم، في باب النسب والتصريف، بقصد التشريف. والله لا يعدمني وإياهم واقفا يترحم، وركاب الاستغفار بمنكبيه يزحم، عندما ارتفعت وظايف الأعمال؛ وانقطعت من التكسبات حبال الآمال، ولم يبق إلا رحمة الله، التي تنتاش النفوس وتخلصها، وتعينها بميسم السعادة وتخصصها. جعلنا الله ممن حسن ذكره، ووقف على التماس ما لديه فكره، بمنه.
المؤلف
محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد ابن علي بن أحمد السلماني. قرطبي الأصل ثم طليطليه، ثم لوشيه. ثم غرناطيه. يكنى أبا عبد الله، ويلقب من الألقاب المشرقية بلسان الدين.
أوليتي
يعرف بيتنا في القديم ببني وزير، ثم حديثنا بلوشة؛ ببني الخطيب. انتقلوا مع أعلام الجالية القرطبية: كيحيى بن يحيى الليثي، وأمثاله؛ عند وقعة الربض الشهيرة إلى طليطلة، ثم تسربوا محومين على وطنهم، قبل استيلاء الطاغية عليها، فاستقر منهم بالموسطة الأندلسية، جملة من النبهاء، تضمن منهم ذكر خلف: كعبد الرحمن قاضي كورة باغة، وسعيد المستوطن بلوشة، الخطيب بها، المقرون اسمه بالتسويد عند أهلها، جاريا مجرى التسميه بالمركب. تضمن ذلك تاريخ الغافقي وغيره. وتناسل عقبهم بها، وسكن بعضهم بمنتفريو، مملكين أياها، مخططين قبل التحصين والمنعة فنسبوا إليها. وكان سعيد هذا؛ من أهل العلم، والخير والصلاح، والدين والفضل، [وزكاء الطعمة]. وقفني الشيخ المسن الوزير أبو الحكم بن محمد المنتفريدي رحمه الله، وهو بقية هذا البيت وإخباريه، على جدار برج ببعض ربى أملاكنا بلوشة، تطأه الطريق المارة من إغرناطة إلى إشبيلية، وقال كان جدك يُرْبع بهذا المكان فصولاً من العام، ويجهر بقراءة القرآن؛ فيستوقف الرَّفْق المدلجة، المدلجة، الحنين إلى نغمته، والخشوع لصدقه، فتعرس رحالها لصق جداره، وتريح ظهرها موهناً، إلى أن يأتي على ورده.
وتوفي وقد أصيب بأهله وحرمته، عندما تغلب العدو على بلده عنوة في خبر طويل. وقفت على مكتوبات من المتوكل على الله، محمد بن يوسف بن هود؛ أمير المسلمين بالأندلس، [القائم بها بدعوة الأئمة من ولد العباس، رضي الله عنهم، ومن ولده أبي بكر الواثق بالله ولي عهده]، في غرض إعانته، والشفاعة إلى الملكة زوج سلطان قشتالة، بما يدل على [نباهة قديم]؛ ويفيد إثارة عبرة، واستقالة عثرة.
وتخلف ولده عبد الله، جاريا مجراه في التجلة، والتمعش من حر النشب، والتزيي بالانقباض، والتحلي بالنزاهة إلى أن توفي، وتخلف ولده سعيد جدنا الأقرب؛ وكان صدراً خيراً، مستولياً على خلال حميدة، من خط وتلاوة وفقه، وحساب، وأدب نافس جيرته من بني الطنجالي الهامشيين، وتحول إلى غرناطة؛ عندما شعر بعملهم على الثورة، واستطلاعهم إلى النزوة؛ التي خضدت الشوكة، واستأصلت منهم الشأفة؛ وصاهر بها الأعيان من بني أضحى بن عبد اللطيف الهمداني، أشراف جند حمص، الداخلين إلى الجزيرة، في طليعة بلج بن بشر القشيري، ولحقه من جراء منافسيه، لما جهروا السلطان بالخلعان، اعتقال أعتبه السلطان بعده وأحظاه على تفئته، وولاه الأعمال النبيهة، والخطط الرفيعة. حدثني من أثقه، قال: عزم السلطان أن يقعد جدك أستاذاً لولده؛ فأنفت من ذلك أم الولد، إشفاقاً عليه من فظاظة كانت فيه. ثم صاهر القواد من بني الجعدالة على أم أبي، وتمت إلى زوج السلطان ببنوة الخؤولة، فنبه القدر، وانفسحت الحظوة، [وانتاب البيت] الرؤساء والقرابة. وكان على قوة شكيمته، وصلابة مكسرة، مؤثراً للخمول محباً في الخير. حدثني أبي عن أمه، قالت: قلما تهنأنا نحن وأبوك طعاماً [حافلا] لإيثاره به من كان يَكْمِن بمسجد جواره، من أهل الحاجة، وأحلاف الضرورة، يهجم علينا منهم بكل وارش، يجعل يده ثُني يده، ويشركه في أكليته، ملتذاً بموقعها من فؤاده. توفي في ربيع الآخر من عام ثلاث وثمانين وستماية، صهرته الشمس مستسقيا في بعض المحول، وقد استغرق في ضراعته، فدلت الحتف على نفسه. وتخلف والدي، نابتاً في الترف نبت العليق، يكنفه رعي أيَّم تجر ذيل النعمة، وتحنو منه على واحد تحذر عليه [الحولى من ولد الذر]، ففاته لترفه حظ كبير من من الاجتهاد. وعلى ذلك؛ فقرأ على الخطيب أبي الحسن البلوطي، والمقرئ أبي عبد الله بن مستقور، وأبي إسحاق بن زورال، وخاتمة الجلة أبي جعفر بن الزبير، وكان يفضله، وشارك أهل عصره في الرواية المستدعاه عن أعلام المشرق، كجار الله أبي اليمن، وغيره. وانتقل إلى لوشة بلد سلفه؛ مقيما للرسم، مخصوصاً بلقب الوزارة، مرتباً بعادة الترف؛ إلى أن قصدها السلطان أبو الوليد، متخطيا إلى الحضرة، هاويا ملك البيضة، وأجزل نزله، وعضد أمره، وأدخله بلده، لدواع يطول استقصاؤها. ولما تم له الأمر، صحبه إلى دار ملكه، مستأثراً بشِقْصٍ عريض من دنياه. وكان من رجال الكمال، طلق الوجه، أنيق المجلس، حلو النادرة، مستوليا على كثير من الخَصْل، متجنداً مع الظرف. تضمن كتاب التاج المحلى، والإحاطة جزءاً رائعاً من شعره، وفقد في الكائنة العظمى بطريف، يوم الاثنين السابع من جمادى الأولى؛ عام أحد وأربعين وسبعمائة، ثابت الجأش غير جزوع ولا هيابة. حدث الخطيب بالمسجد الجامع من غرناطة، الفقيه أبو عبد الله بن اللوشي؛ قال: كبا بأخيك الطّرف يومئذ؛ وقد غشى العدو، وجنحت إلى إردافه؛ فانحدر إليه والدك وصرفني، وقال: أنا أولى به؛ فكان آخر العهد بهما. وخلفني عالي الدرجة، شهير الخطة، مشمولاً بالقبول، مكنوفاً بالعناية: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾. فقلدني السلطان كتابة سره، ولمّا يجتمع الشباب، ويستكمل السن، معززة بالقيادة، ورسوم الوزارة، واستعملني في السفارة إلى الملوك، واستنابني بدار ملكه، ورمى إلى يدي بخاتمه وسيفه، وائتمنني على صيوان ذخيرته، وبيت ماله، وسجوف حرمه، ومعقل امتناعه، ومن فصول منشوره: ((وأطلقنا يده على كل ما جعل الله لنا النظر فيه)). ولما هلك، قدس الله روحه، ضاعف ولده، مولاي رضي الله عنه، حظوتي، وأعلى مجلسي، وقصر المشورة على نصحي، إلى أن كانت عليه الكائنة؛ [فاقتدى فيَّ، أخوه المتغلب على الأمر؛ فسجل الاختصاص، وعقد القلادة، ثم قطع الإبقاء، وعقد الاختصاص، وحل القلادة، لمّا حمله أولوا الشحناء، من أعوان ثورته على القبض عليّ فكان ذلك]. وقبض عليّ، ونكث ما أبرم من أماني، واعتقلت بحال ترفيه. وبعد أن كبست المنازل والدور، واستكثر من الحرس، وختم على الأعلاق، وأُبْرد إلى ما نأى، فاستؤصلت نعمة لم تكن بالأندلس من ذوات النظائر [ولا ربات] الأمثال، في تبحر الغلة، وفراهة الحيوان، وغبطة العقار، ونظافة الآلات، ورفعة الثياب، واستجادة العدة، ووفور الكتب، إلى الآنية والخرثى، والفرش، والماعون، والزجاج، والمحكم، والطيب، والذخيرة، والمضارب، والأقبية. واكتسحت السائمة، وثيران الحرث، وظهر الحمولة، وقوام الفلاحة، وأذواد الخيل، فأخذ الجميع البيع، وتناهبتها الأسواق، وصاحبها البخس، ورزأتها الخونة، وشمل الخاصة والأقارب الطلب، واستخلصت القرى والجنات، وأعملت الحيل، ودست الإخافة، وطوقت الذنوب، وأمد الله بالصبر، وأنزل السكينة، وانصرف اللسان إلى ذكر الله [تعالى]، وتعلقت الآمال به، وطبقت [نكبة] مصحفية، مطلوبها مطلوبها الذات، وسبب إفاتتها المال، حسبما قلت عند إقالة العثرة، والخلاص من الهفوة:
تخلَّصْت منها نكبة مصحفيَّة
لفقداني المنصور من آل عامر
ووصلت الشفاعة فيّ مكتتبة بخط ملك المغرب، وجعل خلاصي شرطاً في العقدة، ومسالمة الدولة؛ فانتقلت صحبة سلطاني المكفور الحق إلى المغرب. وبالغ ملكه في بري، واغياً في حُلَّة رعيي، منزلا رحبا، وعيشا حفضا، وإقطاعا جما، وجراية ما وراءها مرمى؛ وجعلني بمجلسه صدرا. ثم أعسف قصدي في تهنيء الخلوة بمدينة سلا، منوه الصكوك، مهنأ القرار، متفقدا باللُّهى والخلع، مخول العقار، موفور الحاشية، مخلى بيني وبين إصلاح معادي، إلى أن رد الله تعالى على السلطان أمير المسلمين أبي عبد الله ابن أمير المسلمين أبي الحجاج ملكه، وصير إليه حقه، وصرف إليه كرسيه؛ فطالبني بوعد ضربته وعهد في القدوم عليه بولده أحكمته؛ ولم يوسعني عذراً، ولا فسح في الترك مجالا. فقدمت عليه بولده، في اليوم الأغر المحجل، وقد ساءه بإمساكه رهينة ظنّه، ونغص مسرة الفتح بعده، على حال من التقشف، والرغبة عما بيده، وعزف عن الطمع في الكسب وزهد في الرَّفد، حسبما قلت في بعض المقطوعات في مخاطبته؛ شكر الله عني فضله:
الوا لخدمته دعاك محمد
فكرهتها وزهدت في التنويه
فأجبته أنا والمهيمن كاره
في خدمة المولى محب فيه
عاهدت الله على ذلك، وشرحت صدري إلى الوفاء به، وجنحت إلى الانفصال لبيت الله الحرام نشيدة أملي، ومرمى نيتي، فعلق بي علوق الكرمة، وصارفني بدار العبرة، وخرج لي عن الضرورة، وأراني أن مؤازرته أبر القربة، وراكنني إلى عهد بخطه، فسح لعامين أمد الثواء، واقتدى بشعيب صلوات الله عليه، في خطب الزيادة، وعلى تلك النسبة وأشهد من حضر من العلية. ثم رمى إلي بعد ذلك مقاليد رأيه، وحكم عذلي في اختبارات عقله، وغطى على جفائي بحلمه، وحثا في [وجوه] شهواته بتراب زجري، ووقف القبول على وعظي، واستنزل هواي في التحول، نابيا عن قصدي، واعترب بقبول نصحي. فاستعنت الله عليه، وعاملت وجهه فيه، من غير تلبس بخديعة، ولا تشبث تشبث بولاية مقتصرا على الكفاية، حذرا من النقد، خامل المركب، معتمدا على المنسأة، مستمتعا بخلق النعل، راضيا بغير النبيه من الثوب، مشفقا من موافقة الغرور، هاجرا للزخرف، صادعا بالحق في أسواق الباطل، كافا عن السخال، براثن السباع، مفوتا للأصول في سبيل الصدقة. ثم صرفت الفكر إلى بناء الزاوية والمدرسة والتربة، بكر الحسنات بهذه الخطة، بل بالجزيرة فيما سلف من المدة، فتأتى بمنة الله من صلاح السلطان، وعفاف الحاشية، ونشر الأمن، وروم الثغور، وتثمير الجباية، وإنصاف الحماة والمقاتلة، ومقارعة الملوك المجاورة، في إيثار المصلحة الدينية، والصدع فوق المنابر، ضمانا عن السلطان بترياق سُمّ الثورة، وإصلاح بواطن الخاصة والعامة، ما الله المجازي عليه، والمعوض من سهر خلعته على أعطافه، وكد أعملته من جرايه وخطر اقتحمته من أجله، لا للثّريد الأعفر، ولا للجُرُد تمرح في الأرسان، ولا للبِدَر تثقل الأكتاد، فهو الذي لا يضيع عمل عامل من ذكر وأنثى، سبحانه إليه الرُّجْعَى، والآخرة والأولى. ومع ذلك فقد (عادت هيف إلى أديانها) من الاستهداف للشرور، والاستعراض للمحذور، والنظر الشزر، المنبعث من خزر العيون، شيمة من ابتلاه الله بسياسة الدهاء، ورعاية، سخطة أرزاق السماء، وقتلة الأنبياء، وعبدة الأهواء، ممن لا يجعل لله إرادة نافذة، ولا مشيئة سابغة، ولا يقبل معذرة، ولا يجمل في الطلب، ولا يتلبس مع الله بأدب، ربنا لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا. والحال إلى هذا العهد [وهو أول عام أحد وسبعين وسبعمائة]؛ على ما ذكرته، أداله الله بحال السلامة، وبفيأة العافية، والتمتع بالعبادة؛ وربّك يخلق ما يشاء ويختار. وقال الشاعر:
وعلي أن أسعى ولي س علي إدراك النجاح
ولله فينا سرّ غيب؛ نحن صائرون إليه، ألحفنا الله بلباس التقوى، وختم لنا بالسعادة، وجعلنا في الآخرة من الفائزين.ًّ نَفَثْتُ عن بَث، وتَأوَّهْتُ عن حُمَّى؛ لِيُعْلم بعد المنقلب قصدي، ويَدُلُّ مُكْتَتبي على عِقْدي.
ذكر بعض ما صدر لي من التشريعات الملوكية.
أيام تأَبُّشي بهذه الغُرور
من ذلك ظهير من مولاي السلطان أبي عبد الله، عندما صار له أمر والده المقدس أبي الحجاج، رحمة الله عليه، وقد ثبت في المحمدين، في اسم السلطان أيده الله، فلينظره هنالك من تشوف لاحتفاله واحتفايه، وظاهر برّه واعتنايه. وكتب إليَّ مخبراً بما فتح الله عليه، قبل الوصول إليه:
((من أمير المسلمين عبد الله محمد بن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج بن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد ابن نصر، أيّد الله أوامرهم، ونصر أجنادهم المظفرة وعساكرهم، وخلد مفاخرهم الكريمة ومآثرهم)).
((إلى وليَّنا في الله تعالى، الذي نعلم ماله في الإخلاص لجانبنا من حسن المذاهب، ونعتد به اعتداداً يتكفل بنجاح القاصد المآرب، وخلاصتنا الذي نثني على مجده البعيد الغايات، في الشاهد والغايب، الفقيه، الوزير الجليل، الصدر الأوحد المثيل، العالم العلم الأوحد، الرفيع الشهير، الحسيب الأصيل، الماجد الأثيل الخطير، الخطيب البليغ الكبير، الأوحد، الحافل الفاضل الكامل، إمام البلغاء، وصدر الخطباء، وعلم العلماء، وكبير الرؤساء، الحبيب المخلص الأود الأصفى؛ أبي عبد الله ابن الوزير الفقيه الجليل، الأعز الأرفع، الماجد الأسمى، الصدر الحافل، الفضل الكامل، الأعلى الكبير، الخطير الأثير، الأرضى، المعظم الموقر، المبرور المقدس، المرحوم الشهيد، أبي محمد بن الخطيب، وصل الله سعده، وحرس مجده؛ سلام عليكم، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله، ولي الحمد وأهله، وناصر الحق، ومطلع أنواره، من آفاق رحمته وفضله، وقاهر كل باغ، وخاذله ومذله، والصلاة على سيدنا ومولانا محمد، صفوة أنبيائه، وخاتم رسله، المبتعث بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، نبي الرحمة، الذي ببركة محبته، نلنا الأمنية، في جمع الدين ونظم شمله، وبفضيلة جاهه، عدنا إلى أرفع رتبة ملكنا، وأعلى محله. والرضا عن آله وصحبه، المقتدين بهديه في أمرهم كله. فكتبناه إليكم، كتب الله لكم، عزا لا يبلى جديده، وسعدا لا ينقطع مزيده. من حمراينا بغرناطة حرسها الله ومهدها، ولا متعرف بفضل الله سبحانه إلا ما عود من ألطافه الخفية، وأسدى من صنائعه السّنيّة، وعنايته التي كفلت ببلوغ الأمنية. والحمد لله كثيرا، كما ينبغي لجلاله، ويليق بصفات كماله. وعندنا من إجلالكم ما يليق بكمالكم، ومن المعرفة بمقداركم ما يعرب عن حسن اعتقادنا، في كريم نجاركم، ومن قدر أحسابكم، ما يلزم بسببه تعظيم جنابكم. وإلى هذا وصل الله سعدكم، وحفظ مجدكم، فإننا بحسب الودّ الذي نصل لمعاليكم، والحب الذي نضاعفه فيكم، خاطبناكم بهذا المكتوب، بشرح ما من الله علينا، من الفتح العظيم، الذي أشرقت به أقطار هذه البلاد، وما من به من العودة، إلى ملكنا المتوارث عن كرام الآباء والأجداد، وما أنعم به من قهر ذوي الشقاق والعناد. وذلك أنا أعزكم الله طال علينا المقام برندة، ولم نزل نوجه إلى أهل الحصون، التي بغربي مالقة وغيرهم، نقص عليهم، ما ألزمهم الله من الوفاء ببيعتنا، ونحذرهم عار النكث لطاعتنا، إلى أن آن أوان الفرح، ونفذ قضاء الله وقدره، بالعودة إلى ما كنا تغلبنا عليه. فاقتضى نظرنا أن خرجنا إلى مالقة في مائتي فارس، فما وصلنا واديها، وعلم بها أهلها إلاّ وخرج لنا جميعهم، ملبين بالبيعة، فرحين بقدومنا. وفي الحين بادرنا لقتال القصبة، حتى استخلصت، وأنزل من فيها بنواحيها. وليوم آخر، وصلتنا بيعات أهل الجهات التي تواليها، من أنتقيرة، ولوشة، وبلش، وصالحة، وقمارش، والحمة، وسائر الحصون الغربية، فلما وصل الخبر إلى الغادر الخاسر، خاف وذعر، ورأى أن لا ملجأ له، إلاّ أن يفر، فجمع شرذمته، وألف حاشيته، وخرج عن الحمراء ليلاً، في ليلة الخميس الماضي، قريبا من التاريخ، هاربا إلى أرض الكفار. وفي صبيحة الليلة، وجه إلينا أهل حضرتنا، وتوجهت الأجناد إلى بيعتنا، وانصرفنا إلى دار ملكنا، وحللناها يوم السبت الماضي، من غير حرب ولا قتال، بل بفضل الله تعالى، ذي العظمة والجلال. وعرفناكم بذلك، لتأخذوا بحظكم من هذه المسرة الكبرى، إذ أنتم الحبيب الذي لا يشك فيه، والخلاصة الذي نعلم صدق خلوصه وتصافيه، والله يصل سعودكم، ويحفظ وجودكم، والسلام الكريم عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتب في يوم الأربعاء الرابع والعشرين لجمادى الثانية، من عام ثلاثة وستين وسبعمائة)).
وعند استقراري لديه، وقدومي عليه، أصدر لي هذا الظهير الكريم، بما يظهر من فصوله:
((هذا ظهير كريم، أقام مراسم الوفاء، وأحيا معالم الحق الفسيحة الأرجاء، وقلص ظلال الجود المتكاثفة الأفياء، وجلى بأنوار الحق، ظلم الظلم والاعتداء، وأدى الأمانة إلى أهلها، إذ كانت متعينة الأداء. أمر بتسويغ إنعامه، وإبرام أحكامه، أمير المسلمين، عبد الله محمد بن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج بن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر، أعلى الله مقامه، وشكر إنعامه. لولي مقامه، ومحل إجلاله وإعظامه، كبير دولته، وفخر مملكته، ومشيد سلطانه، وعين زمانه، ظهيره الذي ببركاته أنجحت مقاصده، وحامل لواء وزارته، الذي بيمن رأيه، عذبت مصادره وموارده، الفقيه الأجل، الوزير المثيل الماجد الأثيل، الحسيب الأصيل، العالم العلم، الطاهر الظاهر، العظيم المفاخر، الكريم المآثر، إمام البلاغة، وفارس البراعة واليراعة، فخر الرياسة، ومدبر فلك السياسة، الخطيب الحافل، الصدر الفاضل الشمايل، الحبيب الخالص الأود الأصفى، أبي عبد الله محمد بن الوزير الجليل الأوحد الأعلى، الصدر الكبير الخطير الشهير الأسنى، الحافل الفاضل، الظاهر الطاهر، السامي الأرقى، المعظم الموقر، الشهيد المقدس السعيد، أبي محمد ابن الخطيب، وصل الله سعادته، وحرس مجادته، وحفظ رتبته الرفيعة، ومكانته، وبلغه أمله الأرضى وإرادته. لما كان أبقاه الله مدبر ملك المولى أبيه، وظهيره الذي لم يزل يدنيه ويصطفيه، وعماده الذي ألقى إليه مقاليد الملك، حين علم أنه صدر الأولياء، وواسطة السلك، ووزيره الذي اعتمده بإدارة أمره، وركن إلى مناصحته في سره وجهره، وقلده نجاد الوزارتين، وحلاه بحلى الرياستين، فاكتفى منه عن الأثر بالعين، ونشر له لواء الولايتين، فتلقاه بيمينه، وقام مضطلعا بأمره، قيام الأسد دون عرينه. وحين انعقد هذا الأمر العلي، قام بسياسة ملكه أحسن قيام، وأوفاه، وأداره فأصاب في إدارته، مرمى السداد الذي لم يوافقه إلاّ أياه. واستولى في هذه الميادين على غاية الكمال، واضطلع بالرياسة والسياسة، اضطلاع أفذاذ الرجال. ولم يزل يدفع عن حماه، ويذب عن حوزته بما يحبه الله ويرضاه، حتى انتظمت بالسعود أفلاكه المنيفة وأملاكه، ودارت بالتأيد أفلاكه.
ولما كان الشقي الغادر، الذي اغتصب الحق، وطهر منه الطرق، قد جار على جانب المعتمد به في ماله، وتعدى بالبغي على حاله، ظلما وعدوانا، وجورا وطغيانا، لم يقدم أيده الله عملا، عند العودة إلى ملكه المؤيد، وسلطانه الأسعد، وفخره المجدد المؤيد، وأخذ الله تعالى له، من الظالم أعظم ثأر، وأمده بأعلامه، وإظهاره بأعظم الأنصار، على أن صرف عليه جميع أملاكه، التي خلصت له بالشرع موجباتها، ووضعت في سبيل الاستحقاق بيناتها، مما كان الغادر قد غصبه له وانتهبه، وقطع بالباطل عنه سببه، ومكنه أيده الله منها باحتيازها، وتولى لنفسه إحرازها، وعاد بهذا التسويغ الملكي، يوم عودتها إليه خيرا من أمسه، هنأه الله الانتفاع بها في العمر الطويل، وحفظها عليه وعلى عقبه، يتملكها الجيل منهم بعد الجيل. وهي كذا وكذا، بداخل الحضرة وخارجها، وكذا وكذا من البلاد. سوغ إليه أيده الله ذلك، تسويغا شرعيا، ورفع به عنه فيه الأغراض، رفعا كليا أبديا، وتبرأ من حق يتعلق به، أو شبهة تتطرق بسبه. فليتصرف أعزه الله في ذلك بما شاء من أنواع التصرفات، على ما توجبه السنة الواضحة الآيات، من غير حجر إليه، ولا تعقب لما لديه. وشمل حكم هذا التسويغ الجسيم، والإنعام العميم، جميع ما يستغل على الأرض والجنات والكروم، والثمرات من العايد المستقبلة عليها، والغلات، شمولا تاما، مطلقا عاما، وأن يكون هذا ثابتا صحيحا، ومن الشك مزيحا، وحكمه على الأيام، واتصال الشهور والأعوام، متصل الدوام. كتبنا خط يدنا شاهدا بإمضائه، وسجلنا الحكم باستقلاله واقتضايه. فليعلم ذلك من يقف عليه، ويعتبر ما لديه. وذلك في اليوم الثاني لرمضان المعظم من عام ثلاثة وستين وسبعماية.. صح هذا)).
ولما قضى الله بالانصراف إلى العدوة الغربية، صدرت عن سلطانها أمير المسلمين أبي سالم منشورات رفيعة؛ منها، وقد تشوفت إلى مطالعة بلاده الغربية، وجهاتها المراكشية، بقصد لقاء أهل الصلاح والعبادة، وزيارة ملاحد السادة، ما نصه:
((هذا ظهير كريم أشاد بالتنويه الفسيح المجال، والإكرام السابغ الأذيال وأعاد النعم بعد إبدائها عميمة النوال، ووارفة الظلال وألقى في يد المعتمد به، صحيفة الاعتناء حميدة المقال، مقتضبة ديوان الآمال، ورفع له لواء الفخر العزيز المنال، على النظراء والأمثال، حكم بإعماله، وإمضاء أمره الكريم وامتثاله، عبد الله المستعين بالله إبراهيم ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل الله رب العالمين، أبي الحسن ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي يوسف بن عبد الحق. أيد الله أمره، وأعز نصره، للشيخ الفقيه الأجل، الأعز الأسنى، الوزير الأمجد الأنوه المحترم، الملحوظ، الأثير الأكمل، السري الحظي الذكي الأخلص، أبي عبد الله بن الشيخ الوزير، الفقيه الأجل، الأعز الأسنى الأمجد، الحسيب الأصيل، الأنوه الأنزه، الأثير الأكمل، المبرور المرحوم أبي محمد بن الخطيب. وصل الله حظوته، ووالي عزته. جدد له الحظوة التي يضفى لباسها، وصحح بنظر البر والإكرام قيامها، وشدد بمباني الحفاية التي مهد أساسها ولما وفد على بابه الكريم، عايذا بجواره، وملقيا في ساحة العز المشيد عصا تسيار، ومجريا في ميدان الثنا جياد أفكاره، ومعتمدا على نظرنا الجميل في بلوغ آماله، وحصول أوطاره، فسحنا له في ميدان البر والترحيب فبلغ مداه، وأنس في حضرتنا الكريمة، أنوار العناية، التي كانت هداه، وأحللناه من بساطنا المحل الذي اشتمل به العز وارتداه، وكمل له الأمل ووفاه. وأذنا له، تفننا في إسداء النعم الثرة، وتلقي وفادته بوجوه القبول والمبرة، في زيارة التربة المقدسة بشالة المعظمة، حيث ضريح مولانا المقدس ومن معه من أسلافنا الكرام، نور الله مثواهم، وجعل في الجنة مأواهم: وهذا الغرض الجميل، وإن عد من أنواع التكريم والإحسان العميم، فهو السعي الذي تصرف إليه وجوه [القبول] والرضا والاهتمام، والرغبة التي يصفى لها موارد الإسعاف عذوبة الحمام، والتقرب الذي تؤثره [مهاد البر المستدام] ولفاعله مزية الاعتناء والتقديم، وجزاء القيام بخدمة سلفنا الكريم، وقد أذنا له في مشاهدة تلك الجهات من حضرتنا العلية، إلى مراكش المحروسة، للقاء الأعلام، واجتلاء المعاهد الكرام، والآثار الباقية على الأيام، كيف أحب، وعلى ما شاء من إراحة أو إلمام، مصحبا بمن ينوه به في طريقة من الخدام، تنويها للكرامة وتعديدا، وتجديدا للعناية وتأكيدا. فليعلم بذلك، ماله في بابنا الكريم من الاعتناء، وما اعتدنا لمحبي أسلافنا الكرام من الجزاء، ويجري في جميع مآربه وأحواله على النهج السواء، مراعى حال إيابه إلى مقره من حضرتنا العلية، ومحله من بساطنا الأشف، وعرضه أعمال القايمين ببره، وأكرمنا بين أيدينا، فيجني المبادرة إلى تفويه آمال، وثمرة أعماله، ويقابل القايم بمبرته. والله المستعان، وكتب بالمدينة البيضاء، مهدها الله، في الحادي والعشرين لربيع الثاني عام أحد وستين وسبعماية، وليعتمد لوزيرنا الشيخ الأجل الحظي الأكمل أبو الحسن علي العباس، أكرمه الله، على أن يدخله إلى الساكن العلية بقصبة مراكش حرسها الله، ليشاهد الآثار السلطانية، التي انظمت في سلكنا، وعفى عليها جديد ملكنا. فليعلم ذلك. وليعمل به، والله المستعان، وكتب في التاريخ المؤرخ به)).
وجر هذا إنعام دنيا عريضة، تفتقت فيها المواهب، ووضحت من اشتهارها المذاهب، شكر الله نعمته، ووالى على تربته رحمته.
وصدر لي عن المتصير إليه أمره ما نصه، وهو بعض من جملة، ونوع من أجناس مبرة:
((هذا ظهير كريم نظم العناية ووصلها، وأجمل الرعاية وفصلها، وأحرز مواهب السعادة وحصلها، أمر بإبرامه، والوقوف عند أحكامه، عبد الله المتوكل على الله محمد، أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين ابن مولانا الأمير عبد الرحمن ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، أبي الحسن ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي سعيد ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي يوسف بن عبد الحق، أيده الله ونصره، وسنَى له الفتح المبين ويسره، للشيخ الفقيه الأجل، الأسنى الأعز، الأحظى الأرفع، الأمجد الأسنى، الأنوه الأرقى، العالم العلم، الرئيس الأعرف، المتفنن الأبرع، المصنف المفيد، الصدر الأحفل، الأفضل الأكمل، أبي عبد الله، ابن الشيخ الفقيه الوزير الأجل، الأسنى الأغر، الأرفع الأمجد، الوجيه الأنوه، الأحفل، الأفضل، الحسيب الأصيل الأكمل، المبرور المرحوم أبي محمد بن الخطيب، أيده الله بوجه القبول والإقبال، وأضفى عليه ملابس الإنعام والإفضال، ورعى له خدمة السلف الرفيع الرفيع الجلال، وما تقرر من مقاصده الحسنة في خدمة أمرنا العال. وأمر في جملة ما سوغ من الآلاء الوارفة الظلال، الفسيحة المجال، بأن يجدد له حكم ما بيده من الأوامر المتقدم تاريخها، المتضمنة تمشية [خمسمائة من الفضة العشرية]؛ في كل شهر، عن مرتب له ولولده الذي لنظره، من مجبي مدينة سلا حرسها الله، في كل شهر، من حيث جرت العادة أن يتمشى له، ورفع الاعتراض ببابها فيما يجلب من الأدم والأقوات؛ على اختلافها، من حيوان وسواه، وفيما يستفيده خدامه بخارجها وأحوازها من: عنب، وقطن، وكتان، وفاكهة، وخضر، وغير ذلك؛ فلا يطلب في شيء من ذلك بمغرم ولا وظيف، ولا يتوجه فيه إليه بتكليف. يتصل له حكم في كل عام، تجديداً تاماً، واحتراماً عاماً؛ أعلن بتجديد الحظوة واتصالها، وإتمام النعمة وإكمالها، من تواريخ الأوامر المذكورة إلى الآن، ومن الآن إلى ما يِأتي على الدوام، واتصال الأيام، وأن يحمل جانبه فيمن يشركه أو يخدمه محمل الرعي، والمحاشاة من السخرة، متى عرضته، والوظائف إذا افترضت، حتى يتصل له تالد العناية بالطارف، وتتضاعف أسباب المنن والعوارف، بفضل الله، وتحرر له الأزواج التي يحرثها، تبالغت من كل وجيبة ويحاش من كل مغرم أو ضريبة، بالتحرير التام، بحول الله وعونه، ومن وقف على هذا الظهير الكريم، فليعمل بمقتضاه، وليمض ما أمضاه، إن شاء الله. وكتب في العاشر لشهر ربيع الآخر من عام ثلاثة وستين وسبعماية. وكتب في التاريخ)).
وهذا ومثله، لولا أنه أحظوظ [ربما انتفع العقب بوَضَمِها]، ورمى غرض الإغفال بسهمها؛ لم يعن بها، من يرى أن لا جدوى إلاّ في التقوى، وأن يد الله من هذه الأسباب الضعيفة أقوى.
وأما ما رفع إلي من الموضوعات العلمية والوسائل الأدبية والرسائل الإخوانية؛ لما أقامني الملك صنماً يعبد وجَبَلاً إليه يستند صادرة عن الأعلام، وحملة الأقلام، ورؤساء النثار والنظام، فجم يضيق عنه الإحصاء، ويعجز عن ضم نشره الاستقصاء. فربما تضمن هذا الكتاب كتاب الإحاطة هذا منه كثيراً، منظوماً ونثيراً، جرى في أثناء الأسماء، وانتمى إلى الإجادة أكبر الانتماء. غفر الله لي ولقائله، فما كان أولاني وأياه، بستر وزره، وإغراء الإضراب بغروره، فأهون بما لا ينفع، وإن ارتفع الكلم الطيب لا يدفع اللهم تجاوز عنا بكرمك وفضلك.
المشيخة
قرأت كتاب الله عز وجل على المكتب، نسيج وحده، في تحمل المنزل حق حمله، تقوى وصلاحاً، وخصوصية وإتقاناً، ونغمة، وعناية وحفظاً، وتبحراً في هذا الفن، واضطلاعاً بضرايبه، واستيعابا لسقطات الأعلام، الأستاذ الصالح، أبي عبد الله بن عبد الولى العواد، كتبا ثم حفظا، ثم تجويدا إلى مَقْرئ أبي عمرو، رحمة الله عليهما. ثم نقلني إلى أستاذ الجماعة، ومطية الفنون، ومفيد الطلبة، الشيخ الخطيب أبي الحسن القيجاطي، فقرأت عليه القرآن والعربية، وهو أول من انتفعت به. وقرأت على الحسيب الصدر أبي القاسم بن جزي، ولازمت قراءة العربية والفقه، والتفسير، على الشيخ الأستاذ الخطيب أبي عبد الله بن الفخار البيري، الإمام المجمع على إمامته في فن العربية، المفتوح عليه من الله فيه، حفظا واضطلاعا، ونقلا وتوجيها، بما لا مطمع فيه لسواه. وقرأت على قاضي الجماعة الصدر المتفنن أبي عبد الله بن بكر، رحمه الله. وتأدبت بالشيخ الرئيس صاحب القلم الأعلى الصالح الفاضل، أبي الحسن بن الجياب. ورويت عن كثير ممن جمعهم الزمان بهذا القطر من أهل الرواية، كالمحدث أبي عبد الله بن جابر، وأخيه أبي جعفر، والقاضي الشهير بقية السلف، شيخنا أبي البركات بن الحاج، والشيخ المحدث الصالح أبي محمد بن سلمون، وأخيه القاضي أبي القاسم بن سلمون، وأبي عمرو بن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وله رواية عالية. والأستاذ اللغوي أبي عبد الله بن بيبش، والمحدث الكاتب أبي الحسين التلمساني، والشيخ الحاج أبي القاسم بن البناء، والعدل أبي محمد الزرقون، يحمل عن الإمام ابن دقيق العيد، والقايد الكاتب ابن ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم، والقاضي المحدث الأديب، جملة الظرف، أبي بكر بن شبرين، والشيخ أبي عبد الله بن عبد الملك، والخطيب أبي جعفر الطنجالي، والقاضي أبي بكر بن منظور، والراوية أبي عبد الله بن حزب الله، كلهم من مالقة. والقاضي أبي عبد الله المقري التلمساني، والشريف أبي علي حسن بن يوسف، والخطيب الرئيس أبي عبد الله بن مرزوق كلهم من تلمسان. والمحدث الفاضل الحسيب أبو العباس بن يربوع السبتي، والرئيس أبي محمد الحضرمي السبتي، والشيخ المقري أبي محمد ابن أيوب المالقي آخر الرواة عن ابن أبي الأحوص، وأبي عثمان بن ليون من ألمرية، والقاضي أبي الحجاج المنتشافري من أهل رندة، وطائفة كبيرة من المعاصرين، ومن أهل العدوة الغربية والمشرق، الكثير بالإجازة، وأخذت الطب والتعاليم، وصناعة التعديل عن الإمام أبي زكريا بن هذيل، ولازمته. هذا على سبيل الإلمام. ولو تفرغت لذكرهم، لخرج هذا التقييد عما وضع له.
التواليف
من ذلك: ((اللمحة البدرية في الدولة النصرية)). و((الحلل المرقومة)). و((مثلى الطريقة)). و((السحر والشعر)). و((ريحانة الكتاب))؛ في أسفار ثمانية. و((كتاب المحبة))؛ في سفرين. و((الصيب والجهام))؛ مجموع شعري. و((معيار الاختيار)). و((مفاضلة [بين] مالقة وسلا)). و((رسالة الطاعون)). و((المسايل الطبية))؛ سفر. و((الرجز في عمل التَّرياق)). و((اليوسفي في الطب))؛ في سفرين. و((التاج المحلى))؛ في سفر. و((نفاضة الجراب))؛ في أربعة أسفار. و((البيزرة))؛ في سفر. و((البيطرة))؛ في سفر؛ جامع لما يرجع إليها من محاسن الخيل وغير ذلك. و((رسالة تكوين الجنين)). و((الوصول لحفظ الصحة في الفصول)). و((رجز الطب)). و((رجز الأغذية)). و((رجز السياسة)). و((كتاب الوزارة)). و((مقامة السياسة)). و((كتاب الإحاطة))؛ هذا في خمسة عشر سفراً. إلى ما صدر مني في هذا العهد القريب؛ وهي: ((الغيرة على أهل الحيرة)). و((حمل الجمهور على السنن المشهور)). و((الزبدة الممخوضة والرميمة)). و((الرد على [أهل الإباحة])). و((سد الذريعة في تفضيل الشريعة)). و((تقرير الشبه وتحرير المُشَبّه)). و((استنزال اللطف الموجود في سر الوجود)). ومن التواليف الصادرة قديماً: ((بستان الدول))؛ وهو موضوع غريب ما سمع بمثله؛ قل أن شذ عنه فن من الفنون؛ يشتمل على شجرات عشر؛ أولها شجرة السلطان، ثم شجرة الوزارة، [ثم شجرة الكتابة، ثم شجرة القضاء والصلاة، ثم شجرة الشرطة والحسبة]، ثم شجرة العمل، ثم شجرة الجهاد؛ وهو فرعان: أسطول وخيول، ثم شجرة ما يضطر باب الملك إليه من: الأطباء والمنجمين [والبيازرة والبياطرة والفلاحين] والندماء والشطرنجيين والشعراء والمغنين، ثم شجرة الرعايا. وتقسيم هذا غريب، يرجع إلى: شعب وأصول، وجراثيم وعمد، وقشر ولحاء، وغصون وأوراق، وزهرات مثمرات وغير مثمرات؛ مكتوب على كل جزء من هذه الأجزاء، اسم الفن المراد به؛ وبرنامجة صورة بستان؛ كمل منه نحو ثلاثين جزءاً تُقارب الأسفار؛ ثم قطع عنه الحادث على الدولة. وأبيات الأبيات. وفتات الخوان ولقط الصوان؛ في سفر؛ يتضمن المقطوعات. و((عايد الصلة))؛ في سفرين؛ وصلت به ((صلة)) الأستاذ أبي جعفر بن الزبير. و((تخليص الذهب في اختيار عيون الكتب الأدبيات)). و((جيش التوشيح)). و((طرفة العصر في دولة بني نصر))، ثلاثة أسفار. إلى غير ذلك. حتى في الموسيقا وسواها. هذرٌ كُثَّف به الحجاب، ولعب بالنفس الإعجاب وضاع الزمان، ولا تسل بين الرد والقبول. والنفي والإيجاب. ولله در القائل:
والكون أشراك نفوس الورى
طوبى لنفس حرة فازت
إن لم تحز معرفة الله قد
أورطها الشيء الذي حازت
وكل ميسر لما خلق له، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. [هذا، وقد ذكرت مؤلفات ابن الخطيب، التي أوردها في ختام ترجمته لنفسه، بصور مختلفة، وفقا لتواريخ كتابتها، وقد أورد لنا المقري منها صورة رتبت على نمط آخر، وبها زيادات لم ترد في نسخة الإسكوريال مما يدل على أن نسخة الإحاطة التي وردت بها، قد كتبت في وقت لاحق. وقد رأينا أن ننقلها فيما يلي: التواليف: ((التاج المحلى في مساجلة القدح المعلى)).
و((الكتيبة الكامنة في أدباء المائة الثامنة)). و((الإكليل
الزاهر فيما فضل عند نظم التاج من الجواهر)). ثم
((النّفاية بعد الكفاية))، هذا في نحو القلايد والمطمحين لأبي نصر الفتح ابن محمد. و((طرفة العصر في دولة بني نصر))؛ في أسفار ثلاثة. و((بستان الدول))؛ موضوع غريب ما سمع ممثله... (إلخ الأوصاف التي وردت في
البيان السابق). وديوان شعري في سفرين، سميته
((الصيب والجهام والماضي والكهام)). والنثر في غرض السلطانيات كثير. والكتاب المسمى ب((اليوسفي في صناعة الطب)) في سفرين كبيرين، كتاب ممتع. و((عايد
الصلة))؛ وصلت به صلة الأستاذ أبي جعفر بن الزبير؛ في سفرين. و((كتاب الإحاطة بما تيسر من تاريخ
غرناطة))؛ كتاب كبير في أسفار تسعة، هذا متصل
بآخرها. و((تخليص الذهب في اختيار عيون الكتب
الأدبيات الثلاثة)). و((جيش التوشيح))؛ في سفرين. ومن بعد الانتقال إلى الأندلس، وما وقع من كياد الدولة:
((نفاضة الجراب في علالة الاغتراب))؛ موضوع جليل في أربعة أسفار. و((كتاب عمل من طب لمن حب))؛ ومنزلته في الصناعة الطبية، بمنزلة كتاب أبي عمرو بن الحاجب المختصر في الطريقة الفقهية، لا نظير له. ومن الأراجيز، المسماة برقم الحلل في نظم الدول. والأرجوزة المسماة ب((الحلل المرقومة في اللمع المنظومة؛ ألفية من
ألف بيت في أصول الفقه. والأرجوزة المسماة
ب((المعلومة))؛ معارضة للمقدمة المسماة بالمجهولة، في
العلاج من الرأس إلى القدم، إذا أضيفت إلى رجز
الرئيس أبي علي، كملت بها الصناعة كمالاً لا يشينه
نقص. والأرجوزة المسماة ب((المعتمدة في الأغذية المفردة)). و((الأرجوزة في السياسة المدنية)). إلى ما يشذ عن
الوصف، ك((الرجز في عمل الترياق الفاروقي)).
و((الكلام على الطاعون المعاصر)). و((الإشارة)). و((قطع السلوك)). و((مثلى الطريقة في ذم الوثيقة)). حتى في: الموسيقى والبيطرة والبيزرة. هَذَرٌ به كُثَّفَ الحجاب، ولعِب بالنفس الإعجاب، ولله در القائل: الشعر السابق ذكره].
الشعر
من ذلك قولي في الجناب الكريم النبوي، شرفه الله، وهو من أوليات نظمي في ذلك الغرض:
هل كنت تعلم في هبوب الريح
نفسا يؤجج لاعج التبريح
أهدتك من مشج الحجاز تحية
غاضت عرض الفجاج الفيح
بالله قل لي كيف نيران الهوى
ما بين ريح بالفلاة وشيح
وخضيبة المنقار تحسب أنها
نهلت بمورد دمعي المسفوح
باحت بما تخفي وناحت في الدجا
فرأيت في الآفاق دعوة نوح
نطقت بما يخفيه قلبي أدمعي
ولطالما صمتت عن التصريح
عجبا لأجفاني حملن شهادة
عن خافت بين الضلوع جريح
ولقلما كتبت رواه مدامعي
في طُرَّتيها حلية التجريح
أجاد الحمى بعدي وأجرع الحمى
جود تكل به متون الريح
هن المنازل ما فؤادي بعدها
سال ولا وجدي بها بمريح
حسبي ولوعا أن أزور بفكرتي
زوارها والجسم رهن نزوح
فأبث فيها من حديث صبابتي
وأحث فيها من جناح جنوحي
ودُجُنَّة كادت تضل بني الشرى
لولا وميضا بارق وصفيح
وعشت كواكب جوها فكأنها
ورق تقلبها بنان شحيح
صابرت منها لجة مهما ارتمت
وطمت رميت عبابها بسبوح
حتى إذا الكف الخضيب بأفقها
مسحت بوجه للصباح صبيح
شمت المنى وحمدت إدلاج السرى
وزجرت للآمال كل سنيح
فكأنما ليلي نسيب قصيدتي
والصبح فيه تخلص لمديح
لما حططت لخير من وطيء الثرى
بعنان كل مولد وصريح
رحمى إله العرش بين عباده
وأمينه الأرضى على ما يوحي
والآية الكبرى التي أنوارها
ضاءت أشعتها بصفحة يوح
رَبُّ المقام الصدق والآي التي
راقت بها أوراق كل صحيح
كيف الأنام إذا تفاقم معضل
مثلوا بساحة بابه المفتوح
يردون منه على مثبة راحم
جم الهبات عن الذنوب صفوح
لهفي على عمر مضى أنضيته
في ملعب للترهات فسيح
يا زاجر الوجناء يعتسف الفلا
والليل يعثر في فضول مسوح
يصل السرى سبقا إلى خير الورى
والركب بين موسد وطريح
لي في حمى ذاك الضريح لبانة
إن أصبحت لُبْنى أنا ابن ذريح
وبمهبط الروح الأمين أمانة
اليمن فيها والأمان لروحي
يا صفوة الله المكين مكانه
يا خير مؤتمن وخير نصيح
أقرضت فيك الله صدق محبتي
أيكون تجري فيك غير ربيح
حاشا وكلا أنت تخيب وسائلي
أو أن رأى مسعاي غير نجيح
إن عاق عنك قبيح ما كسبت يدي
يوما فوجه العفو غير قبيح
وأخجلتا من جلبة الفكر التي
أغريتها بغرامي المشروح
قصرت خطاها بعد ما ضمرتها
من كل موفور الجمام جموح
مدحتك آيات الكتاب فما عسى
يثني على علياك نظم مديح
وإذا كتاب الله أثنى مفصحا
كان القصور قصار كل فصيح
صلى الله عليك ما هبت صبا
فهفت بغصن في الرياض مروح
واستأثر الرحمن جل جلاله
عن خلقه بخفي سر الروح
وأنشدت السلطان ملك المغرب، ليلة الميلاد الأعظم من عام ثلاثة وستين وسبعمائة؛ هذه القصيدة:
تألق نجديا فأذكرني نجدا
وهاج بي الشوق المبرح والوجدا
وميض رأى برد الغمامة معقلا
فمد يدا بالتبر أعلمت البردا
تبسم في مَجْرِيَّة قد تجهمت
فما بذلت وصلا ولا ضربت وعدا
وراود منها فاركا قد تنعمت
فأهوى لها نصلا وهددها رعدا
فَخِلْتها الحمراء من شفق الضحى
نضاها وحل المزن من جيدها عقدا
لك الله من برق كأن وميضه
يد الساهر المقرور قد قدحت زندا
تعلم من سكانه شيم الندى
فغادر أجراع الحمى روضة تندى
وتوج من نوارها قُنَنَ الربا
وختم من أزهارها القضب الملدا
لسرعان ما كانت مناسف للصبا
فقد ضحكت زهرا وقد خجلت وردا
بلاد عهدنا في قرارتها الصبا
يقل لذاك العهد أن يألف العهدا
إذا ما النسيم اعتل في عرصاتها
تناول فيها البان والشيح والرندا
فكم في مجاني وردها من علاقة
إذا ما استثيرت أرضها أنبتت وجدا
إذا استشعرتها النفس عاهدت الجوى
إذا ما التحمتها العين عاقدت السهدا
ومن عاشق حر إذا ما استماله
حديث الهوى العذري صيره عبدا
ومن ذابل يحكي المحبين رقة
فيثني إذا ما هب عرف الصبا قدا
سقى الله نجدا ما نضحت بذكرها
على كبدي إلا وجدت لها بردا
وآنس قلبي فهو للعهد حافظ
وقل على الأيام من يحفظ العهدا
صبور وإن لم يبق إلا ذبالة
إذا استقبلت مسرى الصبا اشتعلت وقدا
صبور إذا الشوق استجاد كتيبة
تجوس خلال الصبر كان لها بندا
وقد كنت جلدا قبل أن يذهب النوى
ذمائي وأن يستأصل العظم والجلدا
أأجحد حق الحب والدمع شاهد
وقد وقع التسجيل من بعد ما أدى
تناثر في إثر الحُمُول فريده
فلله عينا من رأى الجوهر الفردا
جرى يَقَقاً في ملعب الجدّ أشهبا
وأجهده ركض الأسى فجرى وردا
ومرتحل أجريت دمعي خلفه
ليرجعه فاستن في إثره قصدا
وقلت لقلبي طر إليه برقعتي
فكان حماما في المسير بها هدا
سرقت صواع العزم يوم فراقه
فلج ولم يرقب صواعا ولا ودا
وكحلت عيني من غبار طريقه
فأعقبها دمعا وأورثها سهدا
إلى الله كم أهدي بنجد وحاجر
وأكنى بدعد في غرامي أو سعدى
وما هو إلا الشوق ثار كمينه
فأذهل نفسا لم تبن عنده قصدا
وما بي إلا أن سرى الركب موهنا
وأعمل في رمل الحمى النص والوخدا
وجاشت جنود الصبر والبين والأسى
لدي فكان الصبر أضعفها جندا
ورمت نهوضا واعتزمت مودعا
فصدني المقدور عن وجهتي صدا
رقيق بدت للمشترين عيوبه
لم تلتفت دعواه فاستوجب الردا
تخلف عني ركب طيبة عانيا
أما آن للعاني المعنى بأن يفدى
مخلف سِرْبي قد أصيب جناحه
وطرن فلم يسطع مراحا ولا مغدى
نشدتك يا ركب الحجاز تضاءلت
لك الأرض مهما استعرض السهب وامتدا
وجم لك المرعى وأذعنت الصوى
ولم تفتقد ظلا ظليلا ولا وردا
إذا أنت شافهت الديار بطيبة
وجئت بها القبر المقدس واللحدا
وآنست نورا من جناب محمد
يجلي القلوب الغلْقَ والأعين الرمدا
فنب عن بعيد الدار في ذلك الحمى
وأذر به دمعا وعفر به خدا
وقل يا رسول الله عبد تقاصرت
خطاه وأضحى من أحبته فردا
ولم يستطع من بعد ما بعد المدى
سوى لوعة تعتاد أو مدحة تهدى
تداركه يا غوث العباد برحمة
فجودك ما أجدى وكفك ما أندى
أجار بك الله العباد من الردى
وبوأهم ظلا من الأمن ممتدا
حمى دينك الدنيا وأقطعك الرضا
وتوجك العليا وألبسك الحمدا
وطهر منك القلب لما استخصه
فجلله نورا وأوسعه رشدا
دعاه فما ولى هداه فما غوى
سقاه فما يظما جلاه فما يصدى
تقدمت مختارا تأخرت مبعثا
فقد شملت عليؤك القبل والبعدا
وعلة هذا الكون أنت وكل ما
أعاد وأنت القصد فيه وما أبدا
وهل هو إلا مظهر أنت سره
ليمتاز في الخلق المكب من الأهْدا
ففي عالم الأسرار ذاتك تجتلى
ملامح نور لاح للطور فانهدا
وفي عالم الحسن اغتديت مبوأ
لتشفي من استشفى وتهدي من استهدا
فما كنت لولا أن بُثَّتْ هداية
من الله مثل الخلق رسما ولا حدا
فما عسى يثني عليك مقصر
ولم يأل فيك الله شكرا ولا حمدا
بماذا عسى يجزيك هاو على شفا
من النار قد أسْكَنَتْه بعدها الخلدا
[عليك صلاة الله يا خير مرسل
وأكرم هاد أوضح الحق والرشدا]
عليك صلاة الله يا كاشف العمى
ومذهب ليل الشرك وهو قد أربدا
إلى كم أراني في البطالة كانعا
وعمري قد ولى ووزري قد عدا
تقضى زماني في لعل وفي عسى
فلا عزمة تمضي ولا لوعة تهدا
حسام جبان كلما شيم نصله
تراجع بعد العزم والتزم الغمدا
ألا ليت شعري هل أراني ناهدا
أقود القلاص البدن والضامر النهدا
رضيع لبان الصدق فوق شَمْله
مضمرة وسدت من كورها مهدا
فتهدي بأشواقي السرة إذا سرت
وتحدي بأشعار الركاب إذا تحدا
إلى أن أحط الرحل في تربك الذي
تضوع ندا ما رأينا له ندا
وأطفيء في تلك الموارد غلتي
وأحسب قربا مهجة شكت البعدا
بمولدك اهتز الوجود فأشرقت
قصور ببصرى ضاءت الهضب والوهدا
ومن رعبه الأوثان خرت مهابة
ومن هوله إيوان كسرى قد انهدا
وغاض له الوادي وصبح عزه
بيوتا لنار الفرس أعدمها الوقدا
رعى الله منها ليلة أطلع الهدى
على الأرض من آفاقها القمر السعدا
وأقرض ملكا قام فينا بحقها
لقد أحرز الفخر المؤثل والمجدا
وحيا على شط الخليج محلة
يحالف من ينتابها العيشة الرغدا
وجاد الغمام العد فيها خلائفا
مآثرهم لا تعرف الحصر والعدا
عليا وعثمان ويعقوب لا عدا
رضى الله ذاك النجل والأب والجدا
حموا وهم في حومة البأس والندى
فكانوا الغيوث المستهلة والأسدا
ولله ما قد خلفوا من خليفة
حوى الإرث عنهم والوصية والعهدا
إذا ما أراد الصعب أغرى بنيله
صدور العوالي والمطهمة الجردا
فكم معتد أردى وكم تائه هدا
وكم حكمة أخفى وكم نعمة أبدا
أبا سالم دين الإله بك اعتلى
أبا سالم ظل الإله بك امتدا
فدم من دفاع الله تحت وقاية
كفاك بها أن تسحب الحلق السردا
ودونكها مني نتيجة فكرة
إذا استرشحت للنظم كانت صفا صلدا
ولو تركت مني الليالي صبابة
لأجهدتها ركضا وأرهقتها شدا
ولكنه جهد الممقل [على الثوى]
وقد أوضح الأعذارمن بلغ الجهدا
ومن ذلك قصيدة أنشدتها مولاي السلطان الغني بالله بمحضري بالمشور الحافل، المتخذ بعد الرجوع إلى الأندلس، في بعض ليالي المولد الكريم، المنوه بوليمتها، وهي خاتمة النظم في هذا الغرض المقتضى الإلمام، بمدح السلطان، صرف الله وجوهنا إليه:
ما على القلب من بعدكم من جناح
أن يرى طائرا بغير جناح
وعلى الشوق أن يشب إذا هب
بأنفاسكم نسيم الصباح
جيرة الحي والحديث شجون
والليالي تلين بعد الجماح
أترون السلو خامر قلبي
بعذلكم لا وفالق الإصباح
ولو أنى أعطى اقتراحي على ال
أيام ما كان بعدكم باقتراح
ضايقتني فيكم صروف الليالي
واستدارت علي دور الوشاح
وسقتني كأس الفراق دهاقا
في اغتباق مواصل باصطباح
واستباحت من جدتي وقبائي
حرما لم أخله بالمستباح
قصفت صعدة انتصاري وفلت
غرب عزمي المعد يوم كفاح
لم تدع لي من السلاح سوى مغ
فر شيب أهوى به من سلاح
عاجلتي به وفي الوقت فضل
لاهتزازي إلى الهوى وارتياح
فكأن الشباب طيف خيال
أو وميض قماً عقيب التماح
ليل أنس دَجَى وأقصره ليل
جاذبت برده يمين صباح
صاح والوجد مشرب والورى صف
ان من مُنتشر وآخر صاح
يا ترى والنفوس أسرى الأماني
ما لها عن وثاقها من سراح
هل يباح الورود بعد ذياد
أو يتاح اللقاء بعد انتزاح
وإذا أعوز الجسوم التلاقي
ناب عنه تعارف الأرواح
جاء عهد الهوى من السحب هام
مستهل الوميض ضافي المناح
كلما أخضل الربوع بكاء
ضحكت فوقها ثغور الأقاح
عادني من تذكر العيد عيد
كان مِنِّي للعين عيد الأضاح
سفحت فيه الدموع دما
فهي فوق الخدود ذات انسياح
وركاب سروا وقد شمل اللي
ل بمسح الدجى جميع النَّواح
وكأن الظلام عسكر زنج
ونجوم الدجى نصول الرماح
حملت منهم ظهور المطايا
أي جد بحت وعزم صراح
ستروا الوجد وهو نار وكان ال
ستر يجدي لولا هبوب الرياح
خلفوني من بعدهم يائس الطر
ف ثقيل الخطا مهيض الجناح
وجدوها مثل القسي ضمورا
قد برت منهم سهام قداح
وطووا طوع باعث الوجد والشو
ق إلى الأبطحي غير البطاح
مصطفى الكون من ظهورالنبيي
ن هداة الأنام سبل الفلاح
حجة الله حكمة الله سر ال
له في كل غاية وافتتاح
حاشر الخلق عاقب الرسل المث
بت بالله بعدهم والمَاح
صاحب المعجزات لا يتمارى ال
عقل في آيها الحسان إلى الصحاح
من جماد يقرا وقمر يشق
والماء من بنان الراح
دعوة الأنبياء منتظر الكو
ن ودعوى البشير باستفتاح
مظهر الوحي مطلع الحق مَعنَى ال
خلق فتح المهيمن الفتاح
أي غيث من رحمة الله هام
وسراج يهديه وضَّاح
ما الذي يشرح امرؤ في رسول
عاجل الله صدره بانشراح
شقه الروح ثم طهر منه ال
قلب من بعد بالبرود القراح
مدحتك الرسل يا خاتم الرس
ل فمن لي بعدها بامتداح
ولعجز النفوس عن درك الح
ق وإيقافها وقوف افتضاح
صلوات الإله يا نكتة الكو
ن على مجدك اللباب القراح
عدد القطر والرمال وما
عاقب دهر غدوه برواح
وجزاك الإله أفضل ما يج
زى كرام الأيمة النصاح
أسفي كم أرى طريد ذنوب
أوبقتني فليس لي من براح
قد غزتني الخطوب غزو الأعادي
وبرتني الهموم بري القداح
سبق الحكم واستقل وهل يم
حى قضا قد خُطَّ في الألواح
لا لدينا جنحت ألغُّ فيها
لا لدين خلصت لا لصلاح
قاطعا في الغرور برهة عمري
خسرت صفقتي وخاب قداح
طمع الشيب باللجام المحلى
حين أبديت أن يرد جماح
فأبت نفسي اللجوج وجدت
في سمو إلى الهوى وطماح
يا طبيب الذنوب تدبيرك النا
جع في علتي ضمين النجاح
يا مجلي العمى وكافي الدواهي
ومداوي المرضى وآسي الجراح
سد باب القبول دوني وما لي
يا غياثي سواك من مفتاح
خصك الله بالكمال وزند ال
كون لم تقترن بكف اقتداح
قبل أن يوجد الوجود وأن يت
حف بالنور ظلمة الأشباح
وأضاءت من بعد ميلادك الأر
ض وهزت له اهتزاز ارتياح
فسرى الخصب الجسوم الهزالى
وجرى الرسل في الضروع الشحاح
ولقد روعيت لديه حقوق
اقطعتها العدى جناب اطراح
لمعالي محمد بن أبي الحج
اجي ليث العدا وغيث السماح
ناصر الحق مرسل النفع سحبا
بين سمر القنا وبيض الصفاح
ومريد الجياد أرض الأعادي
وهي مختالة لفرط المراح
يتلاعبن بالظلال عرابا
غذيت في الفلا لبان اللقاح
يا سراج النادي وحتف الأعادي
وعماد الملك الكريم المناح
جمع الله من حلى آل عبا
س لعلياك في سبيل امتداح
بين رأي موفق واعتزام
مستعين وصارم سفاح
وخفضت الجناح في الأرض حتى
لم تدع فوق ظهرها من جناح
أنت مصباحها ونور دجاها
دافع الله عنك من مصباح
محص الله منك ياقوتة المل
ك وينبوع العدل والإصلاح
بخطوب أرت حديث سليما
ن وجاءت بالحادث المجتاح
بيدي فاقد الحجا هلهل النس
ج أخي جرأة ورب اجتراح
نال منها عقبى مسيلمة الكذ
اب إذ عاند الهوى وسجاح
ثم ردَّ الأمور ردا جميلا
لكن من بعد فرقة وانتزاح
فأجره في الورى الجميل وعامل
منه كنز الغنى ومثوى الرياح
واشتر الحمد بالمواهب واعقد
عقدها في مطنة الأرياح
بركات السماء تبتدر الأر
ض إذا استودعت بدور السماح
وتهنأ بدنيا سعيدا
جاء للمعلوات وفق اقتراح
وتمتع منه بهالة ملك
أطلعت منك أي بدر لياح
منشور الرأي مجمع الحفل مثوى
كل ذي ذمر وسيد جحجاح
ومقام السلام في مدة السل
م وغاب الأسود يوم الكفاح
ملتقى حكمة وملعب إلها
م ومغنى السرور والأفراح
أين كسرى وأين إيوان كسرى
لا يُغَلَّس الخضم بالضحضاح
أين نور الأبدان من عنصر النا
ر إذا ما اعتبرته يا صاح
بنية كان فضلها لك مذخو
راً كزهر الرياض في الأدواح
حين طاب الزمان واعتدل الفص
ل استجدت وبادرت بافتتاح
هاكها قد تتوجت بالمعاني
واكتست حلة اللغات الفصاح
حين غاض الشباب وارتجع الفك
ر وضاق الخطو العريض الساح
جهد قلبٍ لَفَّقْتُه بعد جهاد
نقطة من قليبه الممتاح
ومعاني البيان من عذاري
لا يُبِحْنَ للشيوخ عقد نكاح
والشيخ سوى الرجوع إلى الله
ونجوى أهل التقى والصلاح
ولزوم الباب الذي يجبر الكس
ر ووصل السؤال والإلحلح
وعلى ذلك فهي ساحرة الأح
داق تري بكل خود رداح
تنفث السحر في الجفون وتهدي
طرر الحسن في الوجوه الملاح
دمت في عزة ورفعة قدر
بين مغدى موفق ومراح
ما تولت دهم الدجنة غدوا
وجرت خلفهن شهب الصباح
ومن غرض الأمداح قولي في امتداح سلطان المغرب أبي عنان، لما توجهت إليه رسولا، محملاً مصالح البلاد والعباد واستدعى الشعر مني فقلت:
أبدى لداعي الفوز وجه منيب
وأفاق من عذل ومن تأنيب
كلف الجنان إذا جرى ذكر الحمى
والبان حن له حنين النيب
والنفس لا تنفك تكلف بالهوى
والشيب يلحظها بعين رقيب
رحل الصبا فطرحت في أعقابه
ما كان من غزل ومن تشبيب
أترى التغزل عد أن ظعن الصبا
شأني الغداة أو النسيب نسيب
أنى لمثلي بالهوى من بعد ما
للوخط في الفودين أي دبيب
لبس البياض وحل ذروة منبر
مني ووالى الوعظ فعل خطيب
قد كان يسترني ظلام شبيبتي
والآن يفضحني صباح مشيب
وإذا الجديدان استجدا أبليا
من لبسته الأعمار كل قشيب
سلني عن الدهر الخؤون وأهله
تسل المهلب عن حروب شبيب
متقلب الحالات فاخبر تقله
مهما أعدت يدا إلى تقليب
فكل الأمور إذا اعترتك لربها
ما ضاق لطف الرب عن مربوب
قد يخبأ المحبوب في مكروهها
من يخبأ المكروه في المحبوب
واصبر على مضض الليلالي إنها
لحوامل سيلدن كل عجيب
واقنع بحظ لم تنله بحيلة
ما كل رام سهمه بمصيب
يقع الحريص على الردى ولكم غدا
ترك التسبب أنفع التسبيب
من رام نيل الشيء قبل أوانه
رام انتقال بلملم وعسيب
فإذا جعلت الصبر مفزع معضل
عاجلت علته بطب طبيب
وإذا استعنت عن الزمان بفارس
لبى نداءك منه خير مجيب
بخليفة الله الذي في كفه
غيث يروض ساح كل جديب
المنتقى من طينة المجد الذي
ما كان يوم صرفه بمشوب
يرمي الصعاب بسعده فيقودها
ذللا على حسب الهوى المرغوب
ويرى الحقائق من وراء حجابها
لا فرق بين شهادة ومغيب
من آل عبد الحق حيث توشحت
شعب العلى وربت بأي كثيب
أسد الشرى سرج الورى فمقامهم
لله بين محارب وحروب
أما دعى الداعي وثوب صارخا
ثابوا وأموا حومة التثويب
شهب ثواقب والسماء عجاجة
مأثورها قد صح بالتجريب
ما شئت في آفاقها من رامح
يبدو وكف بالنجيع خضيب
عجبت سيوفهم لشدة بأسهم
فتبسمت والجو في تقطيب
نظموا بلبات العلا واستوسقوا
كالرمح أنبوبا على أنبوب
تروي العوالي [في المعالي] عنهم
أثر الندى المولود والمكسوب
عن كل موثوق به استناده
بالقطع أو بالوضع غير معيب
فأبو عنان عن علي نصه
للنقل عن عثمان عن يعقوب
جاءوا كما اتسق الحساب أصالة
وغدوا فذلك ذلك المكتوب
متجسدا من جوهر النور الذي
لم ترم يوما شمسه بغروب
متألقا من مطلع الحق الذي
هو نور أبصار وسر قوب
قل للزمان وقد تبسم ضاحكا
من بعد طول تجهم وقطوب
هي دعوة الحق التي أوضاعها
جمعت من الآثار كل غريب
هي دعوة العدل الذي شمل الورى
فالشاة لا تخشى اعتداء الذئب
لو أن كسرى الفرس أدرك فارسا
ألقى إليه بتاجه المعصوب
لما حللت بأرضه متمليا
ما شيت من بر ومن ترحيب
شمل الرضا فكأن كل أقاحة
تومي بثغر للسلام شنيب
وأتيت في بحر القرى أم القرى
حتى حططت بمرفإ التقريب
فرأيت أمر الله من ظل التُّقَى
والعدل تحت سرادق مضروب
ورأيت سيف الله مطرور الشَّبا
يمضي القضاء بحده المرهوب
وشهدت نور الحق ليس بآفل
والدين والدنيا على ترتيب
ووردت بحر العلم يقذف موجه
للناس من درر الهدى بضروب
الله من شيم كأزهار الربى
غب انثيال العارض المسكوب
وجمال مرأى في رداء مهابة
كالسيف مصقول الفرند مهيب
يا جنة فارقت من غرفاتها
دار القرار بما اقتضته ذنوب
أسفي على ما ضاع من حظي بها
لا تنقضي ترحاته ونحيب
إن أشرقت شمس شرقت بعبرتي
وتفيض في وقت الغروب غروب
حتى لقد علمت ساجعة الضحى
شجوي وجناحة الأصيل شحوب
وشهادة الإخلاص توجب رجعتي
لنعيمها من غير مس لغوب
يا ناصر الدين الحنيف وأهله
إنضاء مسغبة وفل خطوب
حقق ظنون بنيه فيك فإنهم
يتعللون بوعدك المرقوب
ضاقت مذاهب نصرهم فتعلقوا
بجانب عز من علاك رحيب
ودجا ظلام الكفر في آفاقهم
أوليس صبحك منهم بقريب
فانظر بعين العز من ثغر غدا
حذر العدا يرنو بطرف مريب
نادتك أندلس ومجدك ضامن
أن لا تخيب لديك في مطلوب
غضب العدو بلادها وحسامك
الماضي الشبا مسترجع المغصوب
أرها السوابح في المجاز حقيقة
من كل قعدة محرب وجيب
يتأود الأسل المثقف فوقها
وتجيب صاهلة رغاء نجيب
والنصر يضحك كل مبسم غرة
والفتح معقود بكل سبيب
والروم فارم بكل نجم ثاقب
يذكي بأربعها شواظ لهيب
بذمايل السلب التي تركت بني
زيان بين مجدل وسليب
وأضف إلى لام الوغى ألف القنا
تظهر لديك علامة التغليب
إن كنت تعجم بالعزايم عودها
عود الصليب اليوم غير صليب
ولك الكتايب كالخمايل أطلعت
زهر الأسنة فوق كل قضيب
فمرنح العطفين لا من نشوة
ومورد الخدين غير مريب
يبدو سداد الرأي في راياتها
وأمورها تجري على تجريب
وترى الطيور عصايبا من فوقها
لحلول يوم في الضلال عصيب
هذبتها بالعرض يذكر يومه
عرض الورى للموعد المكتوب
وهي الكتايب إن تنسي عرضها
كانت مدونة بلا تهذيب
حتى إذا فرض الجلاد جلاده
ورأيت ريح النصر ذات هبوب
قدمت سالبة العدو وبعدها
أخرى بعز النصر ذات وجوب
وإذا توسط نصل سيفك عندها
جزأي قياسك فزت بالمطلوب
وتبرأ الشيطان لما أن علا
حزب الهدى من حزبه المغلوب
الأرض إرث والمطامع جمة
كل يهش إلى التماس نصيب
وخلايف التقوى هم وراثها
وإليكها بالحظ والتعصيب
لكأنني بك قد تركت ربوعها
قفرا بكر الغزو والتعقيب
وأقمت فيها مأتما لكنه
عرس لنسر بالفلاة وذيب
وتركت مفلتها بقلب واجب
رهبا وخد بالأسى مندوب
تبكي نوادبها وينقلن الخطا
من شلو طاغية لشلو صليب
جعل الإله البيت منك مثابة
للعاكفين وأنت خير مثيب
فإذا ذكرت كأن هبات الصبا
قضت بمدرجها لطيمة طيب
لولا ارتباط الكون بالمعنى الذي
قصر الحجا عن سره المحجوب
قلنا لعلمك الذي شرفته
حسد البسيط مزية التركيب
ولأجل قطرك شمسها ونجومها
عدلت عن التشريق للتغريب
تبدو بمطلع أفقها فضية
وتغيب عنك وهي في تذهيب
مولاي أشواقي إليك تهزني
والنار تفضح عرف عود الطيب
بحلى علاك أطلتها وأطبتها
ولكم مطيب وهو غير مطيب
طالبت أفكاري بفرض بديهها
فوفت بشرط الفور والترتيب
مُتَبَتِّيءٌ أنَّا في حُلا تلك العُلا
لكن شعري فيك شعر حبيب
الطبع فحل والقريحة حرة
فاقبله بين نجيبه ونجيب
لكنني سهلتها وأدلتها
من كل وحشي بكل ربيب
هابت مقامك فاطبيت صعابها
حتى غدت ذللا على التدريب
إن كنت قد قاربت في تعديلها
لا بد في التعديل من تقريب
عذري لتقصيري وعجزي ناسخ
ويجل منك العفو عن تثريب
من لم يدن لله فيك بقربة
هو من جناب الله غير قريب
والله ما أخفيت حبك خيفة
إلا وأنفاسي علي تشي بي
وقولي في امتداح سلطاني؛ لما احتفل لإعذار ولده، واستركب الفرسان لمزاملة الهدف الخشبي المتخذ في الجو المسمى بالطبلة؛ وأرسل جوارح الأكلب الضخام، المجتلبة من أرض ألان؛ خلف فحول البقر الطاغية الشرس؛ تمسكها من آذانها وأجنابها حتى تتمكن منها الرجال، وغير ذلك من أوضاع الإعذار وجزئياته. وهي آخر الشعر في هذا الغرض لخجل السلطان من تنزلي إلى ذلك، وترفيهي عنه تجلة. أجله الله، وكرمه لديه:
شحطت وَفَوْدُ الليل بأن به الوخط
وعسكره الزنجي هم به القبط
أتاه وليد الصبح من بعد كبرة
أيولد أجْنَى ناحل الجسم مشمط
كأن النجوم الزهرأعشار سورة
ومن خطرات الرجم أثناءها مط
وقد وردت نهر المجرة سحرة
غوائص فيه مثلما تفعل البط
وقد جعلت تفلي بأنمله الدجى
وترسل منها في غدائره مشط
يحف عباب الليل عنها جواهر
فيكثر فيها النهب للحين واللقط
فعادت خيالا مثلها غير أنه
من البث والشكوى يبين له لغط
سرت سلخ شهر في تلفت مقلة
على كثب الأحلام تسمو وتنحط
لي الله من نفس شعاع ومهجة
إذا قدحت لم يخب من زندها سقط
ونقطة قلب أصبحت منشأ الهوى
وعن نقطة مفروضة ينشأ الخط
فأقسم لولا زاجر الشيب والنهى
ونفس لغير الله ما خضعت قط
لريع لها الأحراس مني بطارق
مفارقه شمط وأسيافه شمط
تناقله كوماء سامية الذرى
ويقذفه شهم من النيق منحط
ولولا النهى لم تَسْتَبِنْ سبل الهدى
وكاد ويزان الحق يدركه الغمط
ولولا عوادي الشيب لم يبرح الهوى
يهيجه نوء على الرمل مختط
ولولا أمير المسلمين محمد
لهالت بحار الروع واحتجب الشط
ينوب عن الإصباح إن مطل الدجى
ويضمن سقيا السرح إن عظم القحط
تقر له الأملاك بالشيم العلا
إذا بذل المعروف أو نصب القسط
أرادوه فاتدوا وجاروه فانثنوا
وساموه في مرقى الجلالة فانحط
تثرُّ على المداح غر خلاله
وما رسموا فوق الطروس وما خط
تعلم منه الدهر حاليه في الورى
فآونة يسخو وآونة يسط
وتجمَّع بين القبض والبسط كفه
بحكمة من في كفه القبض والبسط
خلايق قد طابت مذاقا ونفحة
كما مزجت بالبارد العذب أسْقَط
أسِبْطَ الإمام الغالبي محمد
ويا فخر ملك كنت أنت له سبط
وقتك أواقي الله من كل غائل
فأي سلاح ما المجن وما اللمط
لقد زلزلت منك العزايم دولة
أناخت على الإسلام تجني وتشتط
أيالة غدر ضعضع الله ركنها
ونادى بأهلها التَّبار فلم يبط
على قدر جلى بك الله بؤسها
ولا يكمل البحران أو ينضج الخلط
وكانوا نعيم الجنتين تفيأوا
ولما يقع منها النزول أو الهبط
فقد عوضوا بالأثل والخمط بعدها
وهيهات أين الأثل منهم أو الخمط
فمن طايح فوق العراء مجدل
ومن راسف في القيد أرهقه الضغط
انمت على مهد الأمان عيونها
فيسمع من بعد السهاد لها غط
وصم صدى الدنيا فلما رحمتها
تزاحم مرتاد عليها ومختط
وألْحَف منك الله أمة أحمد
أمانا كما يضفوا على الغادة المرط
وأحكمت عقد السلم لم تأل بعده
وجاء فصح العقد واستوثق الربط
وأيقن مرتاب وأصحب نافر
وأذعن معتاص وأقصر مشتط
ولله مبناك الذي معجزاته
أبت أن توافيها الشفاه أو الخط
وأنست غريب الدار مسقط رأسه
ومن دون فرخيه القتادة والخرط
تناسبت الأوضاع فيه وأحكمت
على قدر حتى الأرائك والبسط
فجاء على وفق العلا رائق الحلى
كما سمط المنظوم أو نظم السمط
ولله إعذار دعوت له الورى
فهبوا لداعيه المهيب وإن شطوا
تقودهم الزلفى ويدعوهم الرضا
ويحدوهم الخصب المضاعف والغبط
وأغريت بالبهم العلاج تحفيا
فلم يدخر الشيء الغريب ولا السمط
أتت صوراً معلولة عن مزاجها
وأصل اختلاف الصورة المزج والخلط
قضيت بها دين الزمان ولم يزل
ألدَّ كذوب الوعد يلوي ويشتط
وأرسلت يوم السبق كل طمرة
كما ترسل الملمومة النار والنفط
رنت عن كحيل كالغزال إذا رنا
وأوفت بهاد كالظليم إذا يعط
وقامت على منحوتة من زبرجد
تخط على الصم الصلاب إذا تخطو
وكل عتيق من تماثيل رومة
تأنق في استخطاطه القس والقمط
وطاعته نحر السكاك أعانها
على الكون عرق واشج ولحا سبط
تلقف حيات العصى إذا هوت
فثعبانها لا يستتم له سرط
أزرت بها بحر الهواء سفينة
على الجود لا الجودي كان لها حط
وطارت مقدام الصوار بجارح
يصاب منه الصماح أو الإبط
وجيء بشبل الملك ينجد عزمه
عليه الحفاظ الجعد والخلق السبط
سمحت به لم ترع فرط ضنانة
وفي مثلها من سنة يترك الفرط
فأقدم مختارا وحكم عاذرا
ولم يشتمل مسك عليه ولا ضبط
ولو غير ذات الله رامته تضَنَّضَتْ
قتلى كالأفاعي الرقط أو دونها الرقط
وأسد نزال من ذؤابة خزرج
بهاليل لا روم القديم ولا قبط
جلادهم مثنى إذا اشتجر الوغى
كأن رعاء بالعضاة لها خبط
كتائب أمثال الكتاب تتاليا
فمن بيضها شكل ومن سمرها نقط
دليلهم القرآن يا حبذا الهدى
ورهطهم الأنصار يا حبذا الرهط
وبيض كأمثال البروق غمامها
إذا وشحت سحب القتام دم عبط
ولكنه حكم يطاع وسنة
وأعمال بر لا يليق بها الحبط
وربة نقص للكمال مآله
ولا غرو فالأقلام يصلحها القط
فهنيته صنعا ودمت مملكا
عزيزا تشيد المعلوات وتختط
ودون الذي يهدي ثناؤك في الورى
من الطيب ما تهدي الأُلوَّة والقسط
رضيت ومن لم يرض بالله حاكما
ضلالا فلله الرضا وله السخط
حياتك للإسلام شرط حياته
ولا يوجد المشروط إن عدم الشرط
ومن أغراض النسيب قولي في الأوليات والله ولي المغفرة:
تعلقته من دوحة الجود والبأس
قضيبا لعوبا بالرجاء وبالياس
[دروبا بتصريف] اليراعة والقنا
طروبا بحمل المشرفية والكأس
يُذَكِّر فيه الصبح عند انصداعه
جمال رواء في تأرج أنفاس
ويبدو لعيني شعره وجبينه
إذا ما سفحت الحبر في صفح قرطاس
أجال من الشوق المبرح غارة
على أرْبُعٍ من حنين صبري أدراسي
فظاهرت من سرد السقام ملامة
وأوجفت من شفر الدموع بأمراس
لك الله من ربى طواك على الظما
ومن أمل لم أجن منه سوى يأس
ومن قمر سعد عشوت لنوره
فسعر أحشائي وصعد أنفاس
إذا ما شرعت اللحظ نحوي عابسا
أقول القلب ضاع ما بين جلاس
أيا عبد شمس الحسن هل لك قدرة
على سطوة السفاح من آل عباس
سجمت على هول الغرام بمهجة
تعامت فلم تدر النعيم من الياس
توهج نار الخد نار جوانحي
ويعيث وسواس الحلى بوسواس
يا قلب صبرا في الغرام وحسبة
لمن تشكى بالداء والممرض الآس
ومطلولة الأعطاف جرت ذيولها
على مسكة من مسكة الغاسق القاسي
يحدق من أجفانه نرجس الربى
وهدد من آذانه ورق الآس
لعمرك ما رأى وقد ثقف النهى
إذا التبس الحق المبين بالياس
أتلك شمال أم شمول مدارة
على كل غصن في الحديقة مياس
لقد ضعضت حلمي ولم أر نسمة
تضعضع من هباتها جبل راس
رعى الله أجراع الحمى دار صبوتي
ومربع ألامي ومعهد إيناس
فما كان فيه الوصل إلا علالة
كنقبة مرتاح ونهبة خلاس
وقالوا أبعت العيش بعد فراقنا
فلففت أدراني حياء على الراس
ثقوا بوفائي ما استقلت جوارحي
ورعي ذمامي ما تماسك إحساس
ولا تعذروني إن نسيت عهودكم
وإن رفع الله الجناح عن الناس
فؤادي غني بالوفاء وربما
تسجل في صبري وثيقة إفلاس
لي الله من قلب خفوق معذب
يرى أن ما بالموت في الحب من باس
تجول بنات الفكر حول خياله
كما حف جوال الفراش بنبراس
أفوض للرحمن أمري في الهوى
وأعلق كفي من حماه بأمراس
وآمل لطف الله فيه فإنه
أبر بميثاق وأوفى بقسطاس
وقلت في النسيب كذلك:
أما وخيال في المنام يزور
وإن كان عندي أن ذلك زور
لقد ضقت ذرعا بالشوق بعد بعدكم
على أني للنائبات صبور
أدافع في شوقي ووجدي كتايبا
تزلزل رضوى عندها وثبير
سرايا إذا ما الليل مد رواقه
على ساحة الصبر الجميل ثغير
برى جسدي فيكم غرام ولوعة
إذا سكن الليل البهيم تثور
ولا أنيني ما اهتدى نحو مضجعي
خيالكم بالليل حين يزور
ولو سئت في طي الكتاب لزرتكم
ولم تدر عني أحرف وسطور
تذكرت عهدا طال بعد انصرامه
عليه الأسى وانجاب وهو قصير
وقد طلعت للراح في ظلماته
نجوم توالى حثهن بدور
وتبنيتم الوصل في روضة الرضا
بليلا وأكواس السرور تدور
وعهدا بعين الدمع للدمع بعده
موارد في آماقنا وبحور
عهود منى غص الزمان بحسنها
فغار عليها والزمان غيور
فها أنا أستقري الرياح إذا سرت
ليخبرني بالظاعنين خبير
وإن خط وجدي من دموعي رسالة
على صفح خدي فالنسيم سفير
يا رحلة الصيف التي بجوانحي
لهل لهب لا ينقضي وسعير
أحول منك الشهر حولا على الورى
وأصبحت الأيام وهي شهور
ويا قلب لا تطرح سلاحك رهبة
فهل هي إلا أنة وزفير
جنيت النوى لا عن ملال ولا قلى
فمثلي بموصل الملام جدير
وجردت عني لبسة الوصل طايعا
وكم شرق بالماء وهو نمير
أأحمد إن جل الذي بي من الجوى
وأصبحت مالي في هواك نصير
فلست من اللطف الخفي بيائس
فكم من بكاء كان عنه سرور
أتاني كتاب منك لا بل حديقة
تفياتها والهجر منك هجير
وأرسلت دمع العين حين قرأته
فمنها أمامي روضة وغدير
تكلفت فيك الصبر والصبر معوز
وهونت فيك الخطب وهو عسير
ولذت إلى الآمال وهي سفاهة
وملت إلى الأطماع وهي غرور
سألقي إلى أيدي الزمان مقادتي
فيعدل في أحكامه ويجور
وإن الذي بالبعد أجرى قضاءه
على جمع شملي كيف شاء قدير
فتدرك آمال وتقضى مآرب
لدينا وتشفى باللقاء صدور
وقلت؛ وهي من القصائد التي تشتمل على أغراض غريبة:
عسى خطرة بالركب يا حادي العيس
على الهضبة الشماء من قصر باديس
لنظفر من ذاك الزلال بعِلَّة
وننعم في تلك الظلال بتعريس
حسبت بها ركبي فواقا وإنما
عقدت على قلبي بها عقد تحبيس
وقد رسخت آي الجوى في جوانحي
كما رسخ الإنجيل في قلب قسيس
بميدن جفني للسهاد كتيبة
تغير على سرح الكرى في كراديس
وما بي إلاّ نفحة حاجرية
سرت والدجى ما بين وهن وتغليس
ألا نفس يا ريح من جانب اللوى
يُنفس من نار الجوى بعض تنفيس
ويا قلب لا تلق السلاح فربما
تعذر في الدهر اضطراد المقاييس
وقد تعتب الأيام بعد عتابها
وقد يعقب الله النعيم من البؤس
ولا تخش لج الدمع يا خطرة الكرى
على الجفن بل قيسى على صرح بلقيس
تقول سليمى ما لجسمك شاحبا
مقالة تأنيب يشاب بتأنيس
وقد كنت تعطو كلما هبت الصبا
بريان في ماء الشبيبة مغموس
ومن رابح الأيام يا ابنة عامر
يجوب الفلا فلت يداه بتفليس
فلا تحسبي والصدق خير سجية
ظهور النوى إلا بطون النواميس
ومنها:
وقفراء أما ركبها فمضلل
ومربعها من آنس غير مأنوس
خبطنا بها من هضبة للقرارة
ضلالا وملنا من كناس إلى خيس
وقد غمر الآل الرال كأنما
تخبط منه في ضباب الدماميس
إذا ما نهضنا من مقيل غزالة
نزلنا فعرسنا بساحة عريس
أدرنا بها كأسا دهاقا من السرى
أملنا بها عند الصباح من الروس
وحانة خمار هدانا لقصدها
شميم الحميا واصطكاك النواقيس
تطلع ربانيها من جداره
يهينم في جنح الظلام بتقديس
بكرنا وقلنا إذ نزلنا بحانة
عن الصافنات الجرد والضمر العيس
أيا عابد الناسوت إنا عصابة
أتينا لتثليث بلى ولتسديس
وما قصدنا إلا المقام بحانة
وكم ألبس الحق المبين بتلبيس
فأنزلنا قوراء في جنباتها
محاريب شتى لاختلاف النواميس
بدرنا بها طين الختام بسجدة
أردنا بها تجديد حسرة إبليس
وطاف العذارى بالمداكم كأنها
قطا تتهادى في رياش الطواميس
وصرفنا فيه نضاراً بمثله
كأنا ملأنا الكأس ليلا من الكيس
وقمنا نشاوى عندما مَتَعَ الضُّحى
كما نهضت غلب الأسود من الخيس
فقال لبئس المسلمون ضيوفنا
أما وأبيك الحَبْر ما نحن بالبيس
وهل في بني مثواك إلا مبرز
بحلبة شورى أو بحلقه تدريس
يحدق تحت النقع مقلة ضاحك
إذا التقت الأبطال عن مقل شوس
إذا هز عسال اليراعة فاتكا
أسال نجيع الحبر فوق القراطيس
سبينا عقار الروم في عقر حانها
بحيلة تمويه وخدعة تدليس
لئن أنكرت شكلي ففضلي واضح
وهل جائز في العقل إنكار محسوس
رسبت بأقصى الغرب ثغر مظنة
وكم درة علياء في قاع قاموس
وأغريت سوسي بالعذيب وهاجر
على وطن داني الجوار من السُّوس
وقلت في أسلوب مهيار رحمه الله:
جُزْ على جَرْع الحمى لا محالهْ
وتعرض لرايد الرحّالهْ
وافض في تلاح نجد وقد ج
مَّ بها الحمض واذكر زابقا له
وأدر في قرارة الماء قد دا
رت على بدرها من الريع هالهْ
ربما يعجز القوي عن الأم
ر فيرضي الضعيف فيها احتيالهْ
فإذا ما استجدت من خبر الح
مى يقينا أو التمحت جلالهْ
فاعقل الحرف في ظلال من البا
ن على الوحش في الهجير ممالهْ
وادخل الحي عندما روح الرا
عي وضم المسا فيه رعالهْ
لا تجاوز أطناب خيمة
ظميا فهاتيك القلوب حباله
ولتقل إن أتتك تسأل عن حا
لي تعوضتها بحالك حاله
ليس إلا امتعاضة لغريب
أثخنته جفونك القتالهْ
سال الماء والمزادة ملأى
ثم ما نال غير نفس مساله
كيف لو جاء سائلا منك رسلا
أو أتى يحتدي جواب رساله
قسما أنه أخي ضنين
وهب البأس شأنه والبساله
بكت الورق شجوه حين ناجا
ها وأبدى له الأصيل اعتلاله
نازح زار من تبالة نجدا
أين ما بينه وبين تباله
أيها السابق العنيف ترى المه
ر يسقى يمينه وشماله
يرد الحوض حوله كل أشقى
كل حوله يلقى عليه مساله
فكراه إذا استحم غرار
وقراه إذا ألم عجاله
فالسُّكان راحة والأماني
لليالي شرابة أكاله
لا تحلوا دم الغريب المعنى
وعلى الله في الجزاء الحواله
وكسا من نمارق السندس المخ
ضرِّ ذهنا بالحيا ورساله
يا لقومي من ذكر تلك المغاني
ما لقلبي يهوى أنين ماله
علق البث والصبابة فيها
ويلي البحر عندها والملاله
كان لا يرتضي الحياض لورد
فهو اليوم قانع ببلاله
همة تزحم السماك وقلب
آثر اللبث في حضيض الإقاله
كان أولى له الإباية والع
ز فيا بئس ما ارتضى لولى آله
والهوى مركب الهوان إذا هم
لج في ملعب الصبا والجهاله
ما الذي يجلب العذول لسمعي
من حديث خبا إلي خباله
لا أبالي بما يقول فهلا
أقصر العذل جاهدا لا أبا له
أنا ما بي سوى لحاظ فتاة
ختلتني وأدبرت مختاله
بست أقحوانة وتثنت بانة
ثم لاحظتني غزاله
ورمتني فقل لعراف نجد
إن تخلصت فدونك ماله
إخبر الخابط المدوم نشكو
أظهر العيس جملة وفصاله
إنني قد نزعت عن نتن الغَ
يّ ويا طالما انتحلت محاله
ومن الفخر والتأبين، قلت متشبعا، علم الله بألا أملك، وإنما هي أغراض الشعراء يتفنن فيها، والله ولي التجاوز عن التجاوز:
لنا في الفخر سيمة مطلة
تقوم على دعاويها الأدلهْ
وشمس الحق منظور سناها
على الشبه المخيلة المخلهْ
بنى سلمان سل عنهم ستدري
على الأجيال منهم كل جلهْ
يمانية المناسب والمواضي
مفاخرها رسوم مستقلهْ
فمن نار الوغى في كل واد
ومن نار القرى في كل حلهْ
ومن وصل الخطاب من كل ناد
ومن فضل الثناء بكل ملهْ
تهش لنا البدور بكل خدر
وتهوانا الشموس بكل كلهْ
ويمرضنا العفاف فكم عليل
وما غير الهوى والكتم علهْ
تحج بيوتنا القصاد دأبا
فلا تنفط طايفة مهلَّهْ
بحيث البيض ضامنة المساعي
وحيث السمرمثمرة مغلهْ
فعند السلم محرمة عكوف
وعند الحرب فاتكة محلهْ
وحيث الجرد للغارات تردي
فتركها جواسر مشمعلهْ
ولم أر مثلنا في الدهر قوما
رياح الجو تلحف بالأجلهْ
وتضطَّبن الصواعق في غمود
وتقتنص البوارق بالأهلهْ
فتطعما المجاني والرواسي
وتسقينا الغيوث المستهلهْ
وتفترش البطاح لنا الحشايا
وللرايات أروقة مظلهْ
وتعرف من أغرتنا الدياجي
لعز الله خاضعة أذلهْ
أبا عبد الله فدتك نفس
على ما حزت من فضل مدلهْ
دعوتك مستجدا عهد أنس
أبلته الليالي المستملهْ
وقد ضعن الصبا إلا ادكار
وقد ذهب الهوى إلا تعلهْ
فساعدني عليه من اغتراب
له في مهجتي وخز الأخلهْ
وماحلني بفخرك في صريح
فكم تاج هناك وكم تجلهْ
ودمت مجمعا شمل المعالي
ومقتاد أمن الدنا شملهْ
وقلت أرثي ثلاثة من الإخوان تقاربت وفياتهم، جمع الله الشمل بهم في دار الرضوان والمغفرة بمنه:
أسايلكم هل من خبير سلوان
ففي ليل همي ضاع أو سيل أجفاني
وهل عندكم علم بصبري إنني
فقدت جميل الصبر أوجع فقدان
يقول خفض بعض ما بك من جوى
هان على المرتاح ما لقي العان
تضيق علي الأرض وهي فسيحة
كما خلق فوق الخصر معقد هيمان
وما يفتأ الشوق المقيم بأضلعي
إذا مرت عن طوق الصبابة أفنان
وليس مشيبا ما ترون بمفرقي
ولكن خطوب جمة ذات ألوان
وأرق عيني الأسى يبعث الأسى
مطوقة نامت على غصن البان
لمن دمن يشكو العفاء رسومها
كحظ زبور في مصاحف رهبان
وقفت بها أذري النجيع كأنما
تقري وشك البين مني بقربان
ديار الأولى كانوا إذا أفق دجا
كواكب يجلو نورها ليل أشجان
هوت من سمائي بعد ما كن زينة
ولهفي عليها من ثلاثة شهبان
رماني بيعقوب الزمان وبعده
رماني بدرهم يا لك سهمان
وإن كان ما بين الخطوب تفاضل
فلا تنل فقدي بأحمد بن سليمان
كفاني أن أدرجت محض مسرتي
وجملة أنسي بين لحد وأكفان
ووالله ما أنساني الدهر أولا
بثأر ولا أنسيت بالثالث الشان
تخونهم صرف الردى فتحرموا
كما انتثرت يوما قلادة عقيان
فمن سابق ولى على إثر سابق
كما استبقت غر الجياد بميدان
بنفسي من حييته فاستحف بي
ولو أنه رد التحية أحيان
وعهدي به مهما دعوت وبينه
وبيني العلى والنيل والخيل لبان
دنا منزلا مني وشط مزاره
فيا من لقلبي منه بالساخط الداني
ألا ليت عمري لم يفدني زمانه
مودة خل سار عني وخلان
فلو شعرت نفسي فإنني لشاعر
به يوم أرداني لشمرت أردان
هو الموت يختار الخيار وينتقي
جنى لبني الدنيا كما يفعل الجان
فلا تُقْنِ ما يفنى تعش وادع الحشا
أبى الدهر أن يلقى على الدهر ألفان
صديق الفتى إن خفق الحق روحه
فكم نسبة ما بين روح وجثمان
وما حال زند لم يؤيد بساعد
وما حال طرف قد أصيب بإنسان
وهبني أمنت الحادثات ولم يرع
جناني وخلاني الزمان وخلان
أليس إلى التحليل كل مركب
مقدمة لم يختف عندها اثنان
يدبر لي الدهر المكيدة في المنى
فإن قلت قضاني الخفوق تقاضان
وليل بقبابي محلة قلعة
أهدرته في ترض على منان
أيعقوب ما حزني عليك بمنقض
ولا أنس إنسان مصابك أنسان
ولا حالي الحالي على البعد غرني
ولا عيشي الهاني على النأي ألهان
فمن لي بدمع في المحاجر مهتد
عليك وقلب في الحناجر حيران
نسبت إلى ماء السماء مدامعي
فأورت لي فيها شقايق نعمان
إذا ما حدت ريح الزفير سحابها
ثقالا سقى منها المعاهد عهدان
وقد دان قبل اليوم دمعي خالصا
ولكن أمهلني على الدمع إدمان
لقد كنت لي ركنا شديدا وساعدا
مديدا ومذخورا لسري وإعلان
كسا لحدك الريحان والروح والرحا
فقد كنت روحي في الحياة وريحان
وجادت على مثواك مزنة رحمة
يحييك منها كل أوطف هتان
وما كان إبراهيم إلا حديقة
من الفضل تؤتي أكلها كل إنسان
أمين على السر المصون محافظ
على كتمه إن ضاق صدر بكتمان
لئن بليت تلك المحاسن في الثرى
فحزني شديد ما استمر الجديدان
قراه عليها من نعيم ونضرة
ولهفي عليه من شباب وريعان
ذكتك والأيام سلم وشملنا
جميع وطرف الدهر ليس بيقظان
وللنرجس المطلول تحديق أعين
وللآسة النحاتي ربذ آذان
وللشمس ميل للغروب مرنح
ترى رجح الدنير في كف ميزان
بساط طواه الدهر إلا تذكرا
كما تنقع الرمضاء غلة ظنان
وإن ذكر الإخوان من مثل أحمد
ألا كل مرعى تعده غير سعدان
ذخيرة أيامي ووسطى قلادتي
ونكتة إخلاصي وحكمة ديوان
وثران ضللت الفضل يوم استفادة
هداني إلى نهج السبيل وهادان
شهيد ذرت عيني عليه نجيعها
كأنهم واروه ما بين أجفاني
أخلاء كانوا في الشدائد عدة
إذا أثمرت هوج الخطوب بخطبان
شلهم شوى الردى فتجملوا
وحلوا جوار الله أكرم ضيفان
يحق لهم أن يغبطوا إذ تنقلوا
إلى العالم الباقي والعالم الفان
وما أكتب اللقا وإن بعد المدا
ويا قرب ما بين المعجل وألوان
سكنتم فحركتم جحيم جوانحي
وغبتم فأحضرتم لواعج أحزان
ويممتم دار النعيم وإنني
لأشقى فيا بؤسي بسكان نعمان
ولو أنني أعطيت نفسي حقها
فما أنا للعهد الكريم بخوان
ولا عار في ورد الحمام فإنه
سبيل الورى ما بين شيب وشبان
لعمرك ما يصفو الزمان لوارد
وإن طال ما أحمى لظى الحرب صفان
وقس آتيا من أمره بالذي مضى
فرب قياس كان إجلاء لبرهان
أما تركت كسرى كسيرا صروفه
ولان على صولاته ملك اللان
ومد إلى سيف أكف اعتدايه
فأخرجه بالرغم من غمد غمدان
وهل دافعت خطبا توابع تبع
وهل درأت كربا سياسة ساسان
وكان قياد الصعب صعبا ممنعا
فألقى إلى الدنيا مقادة إذعان
جلت لبني العباس وجه عبوسها
وقبل أمدت سرب أبناء مروان
وكم أخلفت شتى المنا من خليفة
وأذوت رياح الدهر إذواء تيجان
وغادرت القصر المشيد بناؤه
بسنداد قفرا بلقعا بعد عمران
ولم تبق يوما للخورنق رونقا
ولا شعبت بالقتل من شعب بوان
وكم من أبي سامه العسر دهره
فأبدى له بعد الرضا وجه غضبان
ومحتقر ماضي الذبابين في الوغى
سطا منه بالأنف الحمي ذبابان
وأي سرور لم يعد بمساءة
وأي كمال لم يعاقب بنقصان
ومن باع ما يبقى بفان فإنما
تعجل في دنياه صفقة خسران
خذوها على بعد النوى من مسهد
حليف أسى ما في الجوانح لهفان
ووالله ما وفيت حق مودة
ولكنه وسعي ومبلغ إمكان
ومهما تساوى طيب ومقصر
بحال فحكم النطق والصمت سيان
ولا لوم لي في العجز عن نيل فايت
فإن الذي أعيا البرية أعيان
ومن الاسترجاع والاعتبار، والتحرز لورطة الغفلة، وما توفيقي إلاّ بالله، قلت من الشعر المتقدم عن هذا الوقت:
جهاد هوى لكن بغير ثواب
وشكوى جوى لكن بغير جواب
وعمر تولى في لعل وفي عسى
ودهر تقضى في نوى وعتاب
أما آن للمنبت في سبل الهوى
بأن يهتدي يوما سبيل صواب
تأملتها خلفي مراحل جبتها
ينهاز فيها الأربعين حساب
جرى بي طرف اللهو حتى شكا الوجى
وأقفر من زاد النشاط جراب
وما حصلت نفسي عليها بكامل
ولا ظفرت كفي ببعض طلاب
نصيبي منها حسرة كونها مضت
بغير زكاة وهي مثل نصاب
وما راعني والدهر رب وقائع
سجال على أبنائه وغلاب
سوى شعرات لحن من فوق مفرقي
قذفن لشيطان الصبا بشهاب
أبحن ذماري وانتهبن شبيبتي
أهن نصول أم نصول خطاب
وقد كنت يهدى المروض طيب شمائلي
ويمرح غصن البان بين ثياب
فمذ كتب الوخط الملم بعارضي
حروفا أتى منها بمحض عتاب
نسخت بما قد خطه مسند الهوى
وكم سنة منسوخة بكتاب
سلامي على تلك المعاهد إنها
مرابع ألافي وعهد صحاب
ويا آلة العهد انعمي فلطالما
سكبت على مثواك ماء شباب
كأني بذات الضَّال من فَتًى
تذكر فيها اللهو بعد ذهاب
تقول اذكري بعد ما بان حيرتي
وصوح روضى واقشعر جناب
وأصبحت من بعد الأوانس كالدمى
يهول حداة العيس جوب يباب
تغار الرياح الساجيات بطارقي
فما أن تديم الركض حول هضاب
فإن سجع الركبان في بمدحة
حثَّ في وجوه المادحين تراب
ألم تعلموا أن الوفاء سجيتي
إذا شحطت داري وشط ركاب
سقاك كدمعي أو لحودي وابل
يقلد نحر الحوض در حباب
ولا برحت تهفو لعهدك الصَّبَا
ويسحب فيه المزن فضل سحاب
سوايَ يردع الدهر أو يستفزُّه
بيوم فراق أو بيوم إياب
وغيري يثنى الحوض ثني عنانه
إلى نيل رفد والتماس ثواب
تملأت بالدنيا النية خبرة
فأعظم ما بالناس أيْسَر ما بِ
وأيقنت أن الله يمنع جاهدا
ويرزق أقواما بغير حساب
فيا ذل أذن ضمها أذن حاجب
ويا هون وجه خلف سدة باب
وقد كان همي أن تعاني مطيتي
ببعض نبات الليل خوض عباب
وأضحي ومحراب الدجا متهجدي
وأمسي وماء الرافدين شراب
وتضحك من بغداد بيض قبابها
إذا ما تراءت بالسواد قباب
ولكن قضاء يغلب العزم حكمه
ويضرب من دون الحجا بحجاب
يقولون لي حتى م تندب فاسا
فقلت وحسن العهد ليس يعاب
إذا أنا لم آسف على زمن مضى
وعهد تقضى في صبا وتصاب
فلا نظمت در القريض قريحتي
ولا كانت الآداب أكبر دأب
وقلت أبياتاً تبرز بها يد من طاق خشبي، لتمام ساعة من الليل، في نهاية الإحكام وحسن الشكل، ينصب مكانها بين يدي السلطان ليلة اتخاذ لمولد الكريم، فكان منها عند تمام الساعة الرابعة قولي:
سبق القضاء وأبرم المحتوم
والغيب عنا سره مكتوم
حال الزمان إذا اعتبرت غريبة
والحال في التحقيق ليس تدوم
والليل سلك درة ساعاته
إن حل معقده هوى المنظوم
أكرم برابعة تولت بعدما
ثبتت لها في الصالحات رسوم
ولقد سهرت مفكرا والبدر في
بحر السماء مع النجوم يعوم
فحسبت شكل البدر أبيض هائما
فوقي يحلق طيره ويحوم
ومنها:
حجر رماه المنجنيق فشأنه
متطأطئ متدافع ملموم
ومن النجوم أسنة لجيوشها
من كل مطلع علي هجوم
رجعت إلى حربي وعمري معقل
ومخلصي من نابها معدوم
بدرت لها شرفات أسناني تهي
وقواي تفقد رجعة وتقوم
فصرخت يا ويلي أصيبت غرتي
ماذا عسى هذا البناء يدوم
وإذا رمى فلك البروج مدينة
بالمنجنيق فسورها المهدوم
ما دون وجه الحق إن حققته
يفنى ويبقى الواحد القيوم
المقطوعات المشتملة على الأغراض العديدة
منها في غرض التورية:
ناديت دمعي إذ جد الرحيل بهم
والقلب من فرق التوديع قد وجبا
سقطت يا دمع من عيني غداة نأى
عني الحبيب ولم تقض الذي وجبا
وقلت في التورية أيضا:
كتبت بدمع عيني صفح خدي
وقد منع الكرى هجر الخليل
ورأيت الحاضرين فقلت هذا
كتاب العين ينسب للخليل
وقلت في التورية أيضا:
ولما رأت عزمي حثيثا على السرى
وقد رابها صبري على موقف البين
أتت بصحاح الجوهري دموعها
فعارضت من دمعي بمختصر العين
وقلت في التورية أيضا:
مضجعي فيك عن قتادة يروي
وروى عن أبي الزناد فؤادي
وكذا النوم شاعر فيك أمسى
من دمعي يهيم في كل واد
وقلت في التورية أيضا:
حين ساروا عني وقد خنقتني
عبرات قد أعربت عن ولوع
صحت من فيض العذيب فلما
لم أجد ناصرا فلعت دموع
وقلت في التورية أيضا:
قال لي والدموع تنهل سحبا
في عراض من الخدود محول
بك ما بي فقلت مولاي عافا
ك المعافي من عبرتي ونحول
أنا جفني القريح يروى عن الأع
مش والجفن منك عن مكحول
وقلت في التورية أيضا:
مكناسة جمعت بها زمر العدا
فمدا بريد فيه ألف بريد
من واصل الجوع لا لرياضة
أو لابس الصوف غير مريد
فإذا سلكت طريقها متصوفا
فابن السلوك بها على التجريد
وقلت في التورية أيضا ولها حكاية:
قلت لما استقل مولاي زرعي
ورأى غلة الطعام قليلة
دمنتي لانتجاعي الحرث كلت
فهي اليوم دمنة وكليلة
وقلت في التورية أيضا، وقد أهدى الوزير عمر بن عبد الله فرسا [به جراد في عرقوبه]:
أشكو إلى الله [الصبر من] أبناء يعقوب
والوعد ما بين مرموق ومرقوب
زرعت عرقوب أرضي من شعيركم
جاء الجراد فأفنى زرع عرقوب
وقلت أيضا، وقد جلس السلطان للسلام في يوم شديد البرد:
جلس المولى لتسليم الورى
ولفضل البرد في الجو احتكام
فإذا ما سألوا عن يومنا
قلت هذا اليوم برد وسلام
وقلت في التورية أيضا في سنة قحط:
سألنا ربيع العام للعام رحمة
فضن ولم يسمح بذرة إنعام
وقلنا وقد رد الحياء وجوهنا
قليل الحياء والله أصبحت من عام
وقلت في التورية أيضا وضمنته مثلا:
لما رأوا كلفي به وردوا
قدر الذي في فيه من حب
قالوا الفتى حلو فقلت نعم
طلعت حلاوته على القلب
وقلت في ذلك والله ولي التجاوز:
أنا كافر وسواي فيه بعاذل
لا يستبين الصدق في آياته
ومصدق بصحيفة الخد الذي
قد أعجب الكفار حسن نباته
وقلت في التورية أيضا:
بأبي ظبي غزاني مستبيحا شرح صدري
فأنا اليوم شهيد ال حب من غزوة بدر
وقلت في التورية أيضا على طريقة المشارقة:
أشكو لمبسمه الحزين وقد حمى
عني لماه المشتهى ورحيقه
يا ريقة حيرتني ومطلتني
ما أنت إلا بارد يا ريقه
وقلت في التورية فيمن ركب البحر وماد:
ركب السفينة واستقل بأفقها
فكأنما ركب الهلال الفرقد
وشكوا إليه بميده فأجبتهم
لا غرو أن ماد القضيب الأملد
وقلت في التورية أيضا:
يا مالكي بخلال تهدي إلى الفكر خيره
أضرمت قلبي نارا يا مالك بن نويره
وقلت في التورية على عرف العامة:
قلت وقد ألبس جسمي الضنا
صبغة سقم أبدا لا تحول
يا من رآني أشفق لما حلّ بي
ويلبس مخيوط على ذي النحول
وقلت في التورية، وقد دلك السلطان يديه بالحناء:
إن شمس الدين مخبر الملوك
درة العقد ووسطى السلوك
دلك الكف بحناء فقلنا
أنت شمس الدين عند الدلوك
وقلت من التورية في رثاء رجل اسمه الحسن:
أشكو إلى الله من بثي ومن شجني
لم أجن من شجني سوى محن
أصابت الحسن العين التي رشقت
وعادة العين لا تصمي سوى الحسن
وقلت من التورية الغربية، عندما خرج السلطان من المدينة البيضاء [بفاس] طالبا حقه يريد الحمراء بغرناطة:
ولما حثثت السير والله حاكم
لملكك في الدنيا بعز وفي الأخرى
حكى فرس الشطرنج طرفك لا يرى
ينقل من بيضاء إلا إلى حمرا
وقلت في قرية شخت من بادية المنكب، وتمكنت فيها التورية من وجهين:
بات رفيقي لهم شخب
بشيبته عافها العيان
وقلت ما هذه البوادي
فقال لي شخت يا فلان
وقلت في قريب منه:
تعجلت وخط الشيب في زمن الصبا
لخوضي غمار الهم في طلب المجد
فمهما رأيتم شيبة فوق مفرقي
فلا تنكروها إنها شيبة الحمد
وقلت من التورية بالفقه وقد صدرت بها كتابا، مجيبا به آخر تقدمه:
يا من تقلد للعلاء سلوكا
والفضل أضحى نهجه مسلوكا
كاتبتني متفضلا فملكتني
لا زلت منك مكاتبا مملوكا
وقلت من أبيات في التورية:
وما كان إلا أن جنى الطرف نظرة
غدا القلب رهنا في عقوبة ذنبه
وما الحق أن يأتي امرؤ بجريرة
فيؤخذ في أوزارها جار جنبه
وقلت في التورية:
ما للسها بادي النحول كأنه
متستر تبدو مخايل خوفه
قالوا عليك قلت هذا ممكن
والله أعلم داؤه من جوفه
وقلت في التورية أيضاً:
أجاد يراع الحسن خط عذاره
وأودعه السر المصون الذي تَدْرِ
ولم يفتقر فيه لختم وطابع
فمبسمه أغناه عن طابع السر
وقلت في عين قرية البذول وفيه التورية:
قلت اعشقوا عين البذول التي
في مثلها يرفض قول العذول
فقلّ ما أبصرتم منظرا
أملح من منظر عين البذول
وقلت أيضا في التورية:
وظبي لأوضاع الجمال مدرس
عليهم بأقسامالمحاسنماهر
أرى جيده نص المحلى وقررت
ثناياه ما ضمت صحاح الجواهر
وقلت في التورية أيضاً، وفي إشارة إلى رجل يقصد الولائم من أجل بطنه، وشدة نهمه:
أذمم ذوي التطفيل مهما أتى
وإن تكن أجملتهم فاعنه
يمشي على رجليه مع كونه
من جنس من يمشي على بطنه
وقلت في التورية أيضا، والتورية طبية، وقد سهرت في طريق المنكب برأس المزاد، وقد صدعتني وعورته:
عند رأس المزاد عادني السه
د ولم تغن حيلتي واجتهادي
حسبي الله كيف يبرأ سريعا
سهر عن صداع رأس الزاد
وقلت في التورية بكتاب مسلم، من كتب الحديث:
ذهب الأُلَى كانوا نجو ما للورى فالكون مظلم
وتذاكر الناس الحدي ث الحق وافتقد المعلم
أنا كاتب السلطان ما طالعت كتاب مسلم
إلا سخاما قادحا في الدين والله المسلم
وقلت في التورية النجومية في المدح:
إن أبهم الخطب جلى في دجنته
رأيا يفرق بين الغي والرشد
وإن غَنا الدهر أبدى من أسرته
وكفه هدي حيران وري صد
وإن نظرت إلى لألاء غرته
يوم الهياج رأيت الشمس في الأسد
وقلت من التورية في المدح:
تخونه صرف الزمان وهل ترى
دواما لحال أو بقاء على أمر
هو الدهر ذو وجهين يوم وليلة
ومن كان ذا وجهين معتب في غدر
وقلت وقد جمدت رجلاي لشدة البرد بتاجرة، موريا بعرف العامة، إذ تقول لمن بولغ في نكاله، عملت أطرافه:
لقد جمدت رجلاي تاجرة الردى
فخفضت من بأي لديه وإشراف
وما ارتجي من بقعة قد هجوتها
لقد ظفرت بي فهي تعمل أطراف
وقلت في التورية لمن يدعى شمس الدين:
قل لشمس الدين وقيت الردى
لم يدع سقمك عندي جلدا
رمدت عينك هذا عجيب
أو عين الشمس تشكو الرمدا
وقلت في التورية في رجل أقسم أنه ذو مالية وأمانة، وطلب من السلطان خدمته:
حلفت لهم بأنك ذو يسار
وذو ثقة وبر باليمين
ليستندوا إليك بحفظ مال
فتأكل باليسار وباليمين
ومن المقطوعات أيضاً
في غرض المدح:
طوى البعد عن شوق وحث ركابه
وأوشك في مغناك حط رحاله
ومما شجاه البعد عنك وشفه
تبدى نحول السقم فوق هلاله
وكتبت في جواب للسلطان، وقد رحلت لتفقد الثغور، وكان من فصوله إلى تقرير التشوق إلى اللقاء:
تخالف جنس الشوق والحكم واحد
وكل محب في الكمال مشتاق
فمعنى اشتياق الأرض للغيث حاجة
ومعنى اشتياق الغيث لأرض إشفاق
وخاطبت سلطان المغرب ابن السلطان أبي الحسن، ولها حكاية وأبو الحسن الصغير، رجل كبير من فقهايها:
قل للذي ذكرى الهدى وعهوده
فبكى وأصبح مشفقا من فقدها
غصبت حقوق الله جل جلاله
فقضى أبا الحسن الصغير بردها
وقلت في غرض المدح، أشير إلى الكفتين، والعدد المستخرج منهما للمجهول:
لا عدل في الملك إلا وهو قد نصبه
وصير الخلق في ميراثه عصبه
والكفتان ترى من كفه درة
تستخرج العدد المجهول للطلبة
وقلت وقد مررت بين يدي السلطان، في يوم شديد الهاجرة، وهو ينظر من طاق بقبة قصره، وأنا أروم تفقد أملاكي بالفحص، وأنكر ذلك في شدة الحر:
إذا كان فقي من نداك غمامة
وحولي روح من رضاك وريحان
فإن سموم القيظ عندي نسمة
وإن مشيم القفر عندي بستان
وقلت مشيرا إلى الحديث في البحر:
رأيت بكفك اعتبارا
بأسا وندى ما أن يبارى
فقلت وقد عجبت منه
يا بحر متى تعود نارا
وقلت وقد جعل السلطان في رأسه بيضة السلاح مصقولة:
يا إماما أطال ربي علاه
وهماما بالفخر ما أولاه
أنت كالرمح في اعتدال وطول
وانتخاب الحديد في أعلاه
وقلت في غرض الافتخار:
ما ضرني أن لم أجئ متقدما
بالسَّبق يعرف آخر المضمار
ولئن غدا ربع البلاغة بلقعا
فلرب كنز في أساس جدار
وقلت وفيه الإشارة إلى الكاتب ابن الكواكب:
بأوت على زمني همة
فأعتبني الزمان العاتب
وشرفني الله في موطني
وفي بيته يشرف الكاتب
وقلت وهو من التخلص المخترع، وقد جرى بعض ما مدح به الملوك من بني العباس:
أقول والليل أعياني تطاوله
وأوسع الذم والتعنيت أسوده
ما كان يجرأ ليلي أن يطاولني
شعاركم يا بني العباس أيده
وقلت وهو من بديع التخلص:
أقول والصبح لا تبدو مخايله
وقد تعجبت من سهدي ومن أرق
كأنما الليل زنجي ملابسه
قد زينت بلآليء أنجم الأفق
ونام سُكْراً فلا شيء يُنَبِّهُه
لما يخشى حراكا حمرة الشفق
وقلت من أبيات أمدح السلطان أبا الحجاج رحمه الله:
في مصر قلبي من خزائن يوسف
حب وعير مدامعي تمتاره
حليت شعري باسمه فكأنه
في كل قطر جلُّهديناره
وخاطبت ولده رضي الله عنه، معترفا بحبي فيه، وكره الخدمة:
قالوا لخدمته دعاك محمد
فكرهتها وزهدت في التنويه
فأجبته أنا والمهين كاره
في خدمة المولى محب فيه
وراجعته عن كتاب كتب لي بخطه، من فصوله الإنحاء على رداءة الحبر:
إذا ما تجلى النور في جنح ظلمة
جلاها كما تجلو الدجا غرة الفجر
فلا تنكرن الحبر إن حال لونه
فوجهك يجلو ظلمتي الليل والحبر
ومن مدح البلاد وفيه بيان سبب حبها قولي في غرناطة:
أحبك يا مغنى الجلال بواجب
وأقطع في أوصافك الغُرِّ أوقات
تقسم منك الترب قومي وجيرتي
ففي المظهر أحياء وبالبطن أموات
وفي سبتة المحروسة:
حييت يا مختط سبت بن نوح
بكل مزن يغتدي أو يروح
وحمل الريحان ريح الصبا
أمانة فيك إلى كل روح
ولينظر تمام هذه المقطوعة في اسم الخطيب أبي عبد الله بن مرزوق في حرف الميم. وقلت في بنيونش؛ من أحواز خارج سبتة المذكورة:
الله بنيونش تحكي منازلها
كواكب أشرقت في جنح ظلماء
صح النسيم فما يعتل من أحد
إلا النسيم وما يرتاع من داء
ومن كرامتها أن الشمال إذا
رامت زيارتها تمشي على الماء
وفي مصر وقد بنيت مزية محبيها
على من دونهم:
سلمت لمصر في الهوى من بلد
يهديه هواؤه لدي استنشاقه
من ينكر دعواي فقل عني له
تكفي امرأة العزيز من عشاقه
وفي غرناطة:
بلد تحف به الرياض كأنه
وجه جميل والرياض عذاره
وكأنما واديه معصم فضة
ومن الجسور المحكمات سواره
وفي رياض الكدية، التي لولدي أسعده الله، ولا نظير لها في جلالة القدر:
حدث عن الكدية من شيته
يظن إخبارك تصحيفا
فالعقل بالمعتاد مستأنس
إن ذكر الواصف موصوفا
والحق في أوصافها أنها
خرقاء حسن وجدت صوفا
وفي جنة أخيه المعروفة بجنان الورد:
إذا أهدي الإنسان وردة جنة
تهلل من بعد العبوس محياه
وأمل أن يحيا لفصل يعيدها
فكيف بمن في جنة الورد مثواه
وفي جنة أخيهما بالزاوية:
إن كانت الجنة موجودة
في الأرض قلنا جنة الزاوية
يا بقعة فاز بها المشتري
فأم من خلقها هاوية
ومن أغراض النسيب قلت من قصيدة:
تذكرت عهدا كان أحلى من الكرى
وأقصر من إلمام طيف خياله
فيا ليت شعري من أتاح لي الجوى
وعذب بالي هل أمر بباله
وقلت وهو من التشبيه العقيم:
أمعللي بمطامع من دونها
جوب النفوس مفاوز الأعمار
تزداد أشواقي إذا يوم خلا
كتضاعف الأعداد بالأسعار
وقلت من أغراض المشارقة:
رموا بالسلو حليف الغرام
وأدمعه كالحياء الهاطل
أعوذ بعزك يا سيدي
لذلِى من دعوة الباطل
وقلت من أبيات:
عذبت قلبت بالهوى فقيامه
في نار جهرك دايما وقعوده
ولقد عهدت القلب منك مُوجِدا
فعلام يقضى في العذاب خلوده
وقلت في ذي ذؤابة سوداء:
يا غزالا ترك القلب المبلى
حين ولي في ذفوف وكآبه
كيف يخشى القلب مني خفقانا
ودواء المسك في تلك الذؤابه
وقلت في النسيب:
من لي بذكرى كلما أوْجَبْتُها
تمحو سلوي واشتياقي تثبت
وسحاب دمع كلما اسْتَمْطَرْته
غير القتاد بمضجعي لا تنبت
وقلت في النسيب أيضا:
أضاف إلى الجفون السود شعرا
كجنح الليل أو صبغ المداد
فقلت أمير هذا الحسن تزكو الأ
جور له بتكثير السواد
وقلت في المعنى أيضا:
من لي به أسمر حلو اللما
أهيف ماضي السحر مرهوبه
كالنحل في رقة خصر وفي
لسع متى شاء ومقلوبه
وقلت في النسيب أيضا:
أنكرته لما أطل عارضه
فقال لي حين رابه نظري
ألم تقل لي بأنني قمر
فانظر إلىَّ وبر أرنب القمر
ومن أغراض التضمين قلت:
لا تهج بالذكر من خلدي
نار شوق شق محتمله
ويقول الناس في مثل
لا تحرك من دنا أجه
وقلت من التضمين:
يا من بأكناف فؤادي رُتَعْ
قد ضاق بي في حبك المتسع
ما فيك لي جدوى ولا أرعوى
شح مطاع وهوى متبع
وقلت من التضمين:
قال جوادي عندما همزت همزا أعجزه
إلى متى تهمزني ويل لكل همزة
وقلت:
أصبح الخد منك جنة عدن
مجتلى أعين وشم أنوف
ظَلَّلْتَنَا من الجفون سيوف
جنة الخلد تحت ظل السيوف
وقلت:
محاسنك اغتدت جنات عدن
لمن يرتاد إحسانا وحسنا
فمهما حلها إنسان عين
فلإنسان فيها ما تمنى
وقلت في طول الليل:
ساورت أسود من ظلام دجا
من باته فإلى الجحيم دفع
أنا لا أقول سطا الصباح به
لكن طغى ثعبانه فربع
وقلت:
رفعت قصة اشتياقي ليحي
فورَّى الوجه رافضا للفتوة
ورمى بالكتاب ضعف ابتسال
قلت يحي خذ الكتاب بقوة
وقلت:
سار بي للأمير يشكو اعتراضا
يوسف والشهود أبناء جنسه
قال ما تقول قلت بديها
لم أخف من عقابه أو حبسه
حصص الحق يا خوند فدعني
أنا راودت يوسفا عن نفسه
وقلت:
يا كوكب الحسن يا معناه يا قمر
يا روضة المتناهي الريع يا ثمره
أمرتني بسلو عنك ممتنع
مأمور حسنك لما يقض ما أمره
وقلت في ذلك أيضا:
أفقد عَيْنَيَّ لذيذ الوسن
من لم أزل فيه خليع الرسن
عذاره المسكي في خده
أنبته الله النبات الحسن
وقلت في العين الذي بحصن نارجة، وهو ينفع من مرض الحصا:
أنظر إليه شبيه معجزة العصا
ماؤه بتنقية المثانة خصصا
فإذا الطبيب سقاه أسرع نجحه
وتحدث بالماء الزلال مع الحصا
وقلت في التضمين أيضا:
يعاهدني دمعي على كتم سره
ويجري إذا ذكر جوىويمين
وذك لأني من نجيعي خضبته
وليس لمخضوب البنان يمين
ومن الأوصاف وما يرجع إليها
قلت في الليل:
تَلَوَّى ظلام الليل بالصبح ظالما
إلى أن تبدى الضوء واقشع الحلك
كما سرق العبد العبوس عمامة
فأخرجها من تحته حاكم الفلك
وقلت في المعنى:
أقول ووعد الصبح يمطله الدجا
إلى أن تبدى للعيون محياه
كأن صباح الطلق طفل مجرد
تلقفه الثعبان ثم تبناه
وقلت فيه:
عبس الليل فلا صبح يرى
وهوى النجم وغاب الفرقد
وضحكنا وحلينا طرفا
أفلا يضحك هذا الأسود
وقلت فيه:
أيا ليل أفرطت في جفوتي
وعودتني منك شر الخلال
ومالي ذنب ولكن سخفت
بقرط الثريا وتاج الهلال
وقلت فيه:
أرقت وجنح الليل قيد خطوة
فلهفي على الجفن القريح المسهد
وما بليت نفس أمرت تنظر فيه
بأوحش من عبد عبوس مقيد
وقلت فيه:
يا ليل طلت ولم تجد بتبسم
وأريتني خلق العبوس النادم
هلا رحمت تغربي وتفرقي
لله ما أقساك يا ابن الخادم
وقلت فيه:
حار الظلام علي دورة كافر
فقصدت قصد عبادة وتلاوة
ولو أنني كابرته لم أستطع
ما حال أبيض في بلاد قهاوة
وقلت فيه:
بليل كانون عرفت الجوى
لولا ضياء كف من ظلمه
طال به نفح نسيم الصبا
فاشتعل الإصباح في فحمه
وقلت فيه:
وكأن جنح الليل أسود سارق
سرق الصباح الطلق ثوبا أبيضا
ما زال يضرب بالبوارق ظهره
حتى أقر به فها هو قد أضا
وقلت فيه:
يا ليلة ساهرت طالع أفقها
حتى تمايل غاربا أو غاطسا
والصبح من ريح الشمال بزكمة
تركته من بعد استكان عاصفا
وقلت في ليلة انتخب لها الكثير من الفواكه:
أيا ليلة بالخصب لم تألُ شهرة
كما اشتهرت في فضلها ليلة القدر
فأمن فيها اللوز من غمة النوى
وأصبح فيها التين منشرح الصدر
وقلت في وصف السماء:
تتعاور القطبان فها رقعة
وكلاهما فيها لعوب حاذق
الزهرة الزهراء قربان بها
والبدر شاة والنجوم بياذق
وقلت أصف فرسا أهديته:
إذا ما سرى ليلا فبالنجم يهتدي
ومهما انتمى يوما فللبرق ينتم
يصيخ إذا أصغى بمسمع كاهن
ويرنو إذا أومى بطرف منجم
فبوأته من مهجتي متبوأ
خفيا على سر الفؤاد المكتم
فيا عجبا مني وفرط تشيعي
أهيم بوجدي فيه وهو ابن ملجم
وقلت أصف سكين بَشر للسلطان أبي سالم ملك المغرب:
أرى سيف إبراهيم بيني وبينه
مناسبة عند اعتبار المناسب
أزيل حروف الخط عند التباسها
وتبشر حدَّاهُ حروف الكتايب
وقلت في سكين الأضاحي للسلطان أبي الحجاج:
لي الفضل أن شاهدتني واختبرتني
على كل مصقول الغرارين مرهف
كفانيَ فخرا أن ترانيَ قائما
بسنة إبراهيم في كفّ يوسف
وقلت كذلك:
إن شهرت نصلي يدا يوسف
ريعت لكفي مهجة الليث
ولحت مثل البرق في كفه
لا ينكر البرق على الغيث
وقلت في برادة كان يشرب فيها السلطان:
عَلَم الملوك أعني يوسف المولى الهُماما
الغمام لأرض سقى وأنا أسقي الغماما
وقلت في طَيْفُور طعام أهديته:
تعلم طيفوري خلال سَمِيِهِ
وإن كان منسوبا إلى غير بسطام
فجاء فقير الوقت لابس خرقة
وليس براض غير صحبة صوام
فديتك لا تردده عنك مخيبا
ودرسه يا مولاي قصة بلعام
وقلت في روض:
كأنما الروض ملك يبْأى به جلساه
يرضى النديم فمهما سقى الرياض كساه
وقلت في مروحة سلطانية:
كأني قرص الشمس عند طلوعها
وقد قدمت من قبلها نسمة الفجر
وإلا كما هبت بمحتدم الوغى
صبا النصر لكن من بنود نصر
وقلت في بحريَّ يلعب على الشريط، منوع الحركات:
ويجر تلاعب في شريط
وحِيَّ الفعل متصل الصموت
تدلى وارتقى وسما وأهوى
فأعجب في التماسك والثبوت
فقلنا إن يكن بشراً سويا
ففيه غريزة من عنكبوت
وقلت في بيضة سلاح مصقولة، اتخذت للسلطان:
خصصت بالحسن وانفردت به
فجل قدري وقل أشباه
كأنني كوكب الصباج بدا
على جبين الغني بالله
وقلت في الدواة والقلم:
ما رأت عيني عجيبا كيراعي في الدواة
غايصا يستخرج الد ر من بحر الظلمات
وقلت كذلك:
أقلامنا الواسطية ذوابل خطية
مصروفة لجهاد وحكمة وعطية
وقلت في ملزم الكتب:
يا حسنه من ملزم أثاره
لذوي الوراقة أحسن الآثار
وكأنما الكراس طرف أشهب
شدوا على شفتيه عود زيار
وكأنما قلم الكتاب بصفحه
مكوى وذاك النفط نفط النار
وقلت في بيضة السلاح أيضا:
إذا أنت لاحظت السلاح وجدتني
أطاوله عزا وأفضله قدرا
ويلبسني المولى الإمام محمد
فتبصر منه الشمس توجت البدر
وقلت في ذلك:
لحسن بني نصر صنعت محمدا
فيهديك معنى العز فألي والنصر
علوت على بحر السماء حبابة
ولا غرو أن يعلوا الحباب على البحر
وقلت في مرآة اتخذت للسلطان أيضا:
لمجدد الملك الرفيع محمد
أنشيت فأعجب من غرابة شان
تبدو مظاهري لأمور كأنني
من باطن المولى الذي أنشان
وقلت في وصف قينة:
ومرضعة طفلا من العود ثديها
ولا در إلا الدر من أدب محض
إذا لمسته بالبنان تخالها
طبيبا من الحذاق جس على نبض
وقلت أيضا في البدر:
أقول والبدر يسمو في السماء صعدا
لصاحبي والدجا مستقبل الفجر
أنظره في كفة الميزان صاعدة
كأنها ضجة بيضاء من حجر
وقلت متغزلاً والله ولي التجاوز:
قلم المحاسن خط نور عذاره
أو مثل حلته يحاك بلا علم
لا تتقوا عينا تصيب جماله
فالله عوضه بنون والقلم
وقلت في معنى غريب:
ولربَّ رزق غدا لقيت مواجها
كفت أكفهم وقاية واق
جاورت والتفتوا إلي فخلتهم
جعلوا ذوابلهم على الأعناق
وقلت في رمانة:
رمانة راق منها منظر عجيب
تريك صورتها إبداع باريها
كأنما حبها در وظاهرها
خد ومن شحمها قطن يواريها
وقلت مرتجلاً لمن طلب ذلك على ضفة الوادي الكبير:
ومنتقش المتن كالمبرد
إذا هب عرف النسيم الندي
تدافع مسترسلا مايجا
كما اندفع الدرع من مزود
وقلت وقد استزاد الطلبة الحاضرون من
ذلك:
وطموح العباب ضافي المقيل
حسر الروح عن حسام صقيل
كسبيك اللجين ذهبه الصا
نع صبحانه بشمس الأصيل
واستزادوا من ذلك فقلت:
ومدرع ينساب في منبت الخوط
تعيا مثوى ظله كل مغبوط
أقام شعاع الشمس يشغل فوقه
فسال له ذوب اللجين في البوط
ثم قلت في ذلك:
ثعبان نهر راعنا مده
لما أتى ينساب من حجره
فاهتزت الأغصان من فوقه
وصاحت الأطيار في إثره
ثم قلت في ذلك:
أنظر إليه والأصيل مورس
والشمس ترسل من عنان مسيرها
وكأنما هو زئبق مترجرج
ألقت عليه الشمس من إكسيرها
ومن وصف المواضيع قلت في تاجرة:
بتاجرة ريح أزاحك بردها
إله متى استرحمته فهو يرحم
رأت عصبي غزلا وجسمي مرمة
فها هي تسدي كل يوم وتلحم
ومن ذلك أيضا:
يا بقعة بالحمد معروفة
تحذِّرها الشمس فلا تشرق
ترى عيون الماء عمشا بها
وأعين النيران لا تنطق
ومن ذلك أيضا:
جفاك الحيا من بقعة ظلت عندها
بلا جلد مما لقيت ولا جلد
فلو سامتها الشمس أرعد قرصها
ولثت فلم تسطع حراكا من البرد
وقلت أصف جبل شُلَّير:
شلير لعمري أسا الجوار
وسد علي رحيب الفضا
هو الشيخ أبرد شيء يرى
إذا لبس البرنس الأبيضا
وقلت أخاطب بعض أصحابنا ممن يخضب بياض شيبه من بعد الانقاء:
وكريمة شهد الخضاب شهادة
بفتوها عند الأداء مزورة
مرض الفؤاد وحم لأجلها
فجعلت منها للعلاج مزورة
وقلت وقد استزاد الحاضرون من هذا المعنى:
عهدي بهاتيك الكريمة مهرق
يقن تسرُّ به العيون وتغبط
أغريت أجزاء المداد بظلها
وكذا المداد على الطروس مسلط
وقلت في ذلك:
خضتها بعد ما لاح المشيب وقد
جوزت في العقل كتم الصبح بالغبش
فاض البياض على رغم السواد بها
ويرشح الدمع تحت الكحل في العمش
وقلت عند الرجوع من الرحلة:
رجعنا بفضل الله بعد استدارة
وفينا بها الأنس كيل اختياره
كما راجع البركان مفروض تقطة
من السطح منها كان بدء مداره
وقلت في الغرض المذكور:
البصر تنأى الشهب والشمس فتنة
تلألأ منا البر والبحر ذو الموج
رحلنا عن الأوج الرفيع نحلها
من أجل شتى ثم عدنا إلى الأوج
وقلت أخاطب شيخنا أبا الحسن بن الجياب:
بين السهام وبين كتبك نسبة
مهما يصاب من العدو المقتل
وإذا أردت لها زيادة نسبة
هذي وهذي في الكنانة تجعل
وقلت في البراغيث وفيها التجنيس:
بتنا نكابد هم القحط ليلتنا
وأنجد السهد والكرب البراغيث
وكنَّا نحمل ما كنا نكابده
من المشقة لو أن البرى غيثا
وقلت في ذلك:
وقالوا بدت منكم على الجلد حمرة
فقلنا براغيث لكم رقطونا
عدت نحونا ليلا ومن بعد ذا امتدت
كما رقصت في القلوب زرقطونا
وقلت في معنى غريب:
إن اللِّحاظَ هي السُّيوف حقيقة
ومن استراب فحجتي تكفيه
لم يدع غمد السيف جفنا باطلاً
إلاَّ تشبَّه اللحظ يغمد فيه
وقلت فيما يظهر منها:
هممت لأن أقبلها بشيبتي
فأبدت عند ذا سمة القنوط
وقالت لي رأيتك في حياتي
جعلت بجسمي قطن الحنوطو
ومن الدعابة والفكاهة، قولي أخاطب رجلاً منتفخا بالجاه، يعطي أموره فوق حقها:
رفقا بنفسك سيدي رفقا
فالفضل أن تبرا وأن تبقى
أما مزاجك فهو معتدل
لكن أظن خيالك استسقا
وقلت في الغرض المذكور:
رأيت بمخدومي انتفاخا فرابني
وباكرت دكان الطبيب كما وجب
فقال وقاك الله فيه فلا تخف
عليه فهذا النفخ ليس له سبب
وقلت على طريقة المشارقة:
هَمَّ أن يَنْتِفَ ذَقْني قلت والاني بفضله
لم أكن أدخل إلا أمرد جنة وصله
وقلت على طريقتهم أيضا:
قلت لما سألوني بامتحاني واختباري
أنا من عاري كأس أنا من كاسي عار
وقلت على طريقتهم أيضا:
وقالت حلقت الكس مني بنورة
فقلت لها استنصرت من ليس ينصر
ألا فاخبري عني فديتك واصدقي
بحلق ذاك الكس أني مقصر
وقلت في بعض الأصحاب، وقد أكثر من سرقة كتب البرق الشامي للعماد الأصفهاني، رحمه الله:
خليلَيَّ إن يقض اجتماع بخالد
فقولا له عني ولن تعدوا الحقا
سرقت العماد الأصفهاني برقه
وكيف ترى في شاعر يسرق البرقا
وقلت، وقد أرجف قوم من الممرورين بظهور الخاتم:
وقالوا قد ظفرنا في الزمان بخاتم
قد اجتمعت أوصافه الغر في شخص
فقلت لهم إن صح ما قد ذكرتم
فلا بد أن يحتاج فيه إلى فص
وقلت، ونستغفر الله من السفاهة:
قالت بعقلك فاحتفظ كي لا ترى
تبكي بضر ليس يعرف كاشفا
واعمل فديت حساب سحري وارعوي
فأنا الذي أخرجت على سرِّنا كاشفا
وقلت مطاوعا إخوان الدعابة:
قالت إذا استخبرتها عن زوجها
هو يقرن الأزواج في الفدان
قلت ابلغي عني السلام تحية
عند المجئ لزوجك القران
وقلت وهي نزعة بيطارية:
وذي زوجة تشكو فقلت له اسقها
دواء من الحب الملين للبطن
فقالت أبت شرب الدواء بطبعها
فقلت أسقها إن عافت الشرب بالقرن
وقلت أخاطب بعض الطلبة، وكنية أبيه أبو الربيع، واتهمته بأكل الحشيش:
إنني ابن سليمان وفي الفكر فترة
تخبر أن العقل جد مغيب
فقلت أظن السيد أعتم عمة
ولكنها في الأصل من كنية الأب
وقلت على طريق المشارقة والله ولي المغفرة:
قال لي عندما أتى بجدال
وشكوك على أصول الدين
ولساني يبدل الدال تا
عاجزا في الأمور عن تبيين
التمس مخرجا يوافق قولي
قلت أحسنت يا حلاّل التين
وقلت معارضا أبياتا مثلها لبعض المعاصرين:
بعثت له إذ اتبعنا عصيرا
هجرنا في تفقده البيوتا
لعلك يا حبيب القلب تأتي
فتأكل عندنا عنبا وتوتا
وقلت أخاطب من أدل عليه، وما أولاني بذلك:
إذا قمت قلت بعقيب الكرى
إلهي أنت إله الورى
تباركت أنشأتهم من تراب
وأنشأتني بينهم من خرا
وقلت وهي نزعة مشرقية:
يا قايدي نحو الغرام بمقلة
نفقت حلاوتها بكل فؤادِ
ماذا جنيت علي من مضض الهوى
الله ينصف منك يا قَوَّادِ
وقلت فيمن رعى محبوبه عارضه في حال السكر، ولحية التيس دواء نافع للبطن:
رعى عارضي ظبي شكى سقم بطنه
وقال ولم ترشد لحذق ولا كيس
ألم تر أني علة البطن أشتكي
وينفع من يشكو بها لحية التيس
وقلت:
حين لم أرج للخلاص سبيلا
دأبه بالصدود في عشاقه
قيض الله لحية لخلاصي
قبضت بالبنان فوق خناقه
وقلت في ذلك:
لم أجد فيه لين بث لقلبي
وقبولا لحجتي واعتذاري
ثقل الله ظهره بعيال
سود الله وجهه بعذار
وقلت في ذلك:
ناديت مبتهلا وقد جن الدجى
لما برمت برده وبنهجه
يا رب واجعل لوعتي في قلبه
يا رب واجعل لمحتي في وجهه
وفي قريب من ذلك، والله العفو الغفور:
لي حبيب لست أعصى أمره
لم أطق بعد وصال هجره
يدعي أني ثقيل مبرم
أثقل الله بعدلي ظهره
وقلت في مجتمع فضلاء:
أقول وقد جاء الغلام بمثردة
بأمثالها يحيى السعيد وينعم
بنيت على زرد ولقمني الفتى
كذلك ماعون البناء يقلم
وقلت والله ولي التجاوز أداعب بعضهم:
شيخ رباط إن أتى شادن
خلوته عند انسدال الظلام
أدلى وقد أبصره دلوه
وقال يا بشرى هذا غلام
وقلت مشيرا إلى بعض طبقات الغناء:
ضرط الفقيه فقلت ذاك غريبة
ما كان ذلك منه بالمعلوم
فرنا إلي وقال قد أطرفتكم
من ضرطتي بغريبة المزموم
وقلت أصف رجلا خبيثا غفر الله لي وله:
وذي حيل يعي التقية أمرها
مكايده في لجة الليل تسبح
يدب شبول الليث والليث ساهر
ويسرق ناب الكلب والكلب ينبح
وقلت في نزاعات المشارقة:
أقول لعذالي لما نهاني
وقد وجد الملامة إذ جفاني
علمت بأنه مر التجني
وفاتك أنه حلو اللسان
ومن أغراض الإشارات الصوفية وغيرها من الوعظ والجد والحكم ولعل ذاك ماحيا لما تقدمه بفضل الله
قلت ربما ثبتت في كتاب المحبة من تأليفي:
تعددت الألفاظ واتحد المعنى
وأصبح فردا ما مرت به مثنى
وعادت لعين الجمع وهي كثيرة
محا كل فرق مجتلى وجهك الأسنى
تعبدت الأفكار آثارك العلا
وقيدت الأبصار روضتك الغنا
وقصرت الألفاظ عن نيل غاية
ببعض الذي أبدته ذاتك من معنى
وقلت:
لا ينكر لي إن كنت قد أحببتكم
أو أنني استولى علي هواكم
طوعا وكرها ما ترون فإنني
طفت الوجود فما وجدت سواكم
وقلت:
والكون أشراك نفوس الورى
طوبى لنفس حرة فازت
إن لم تحز معرفة الله قد
أورطها الشيء الذي حازت
وقلت أيضا في المشيب وما في معناه:
أنى لمثلي بالهوى من بعد ما
للوخط بالفودين أي دبيب
لبس البياض وحل ذروة منبر
مني ووالى الوعظ فعل خطيب
وقلت في تعلل يناقض ذلك:
قلت للشيب لا يربك جفائي
في اختصاري لك البرور ومقتك
أنت بالعتب يا مشيبي أولى
جيتني فجأة وفي غير وقتك
فقلت:
طال حزني لنشاط ذاهب
كنت أسقى دايما من خانِهِ
وشباب كان يندى نضرة
نزل الثلج على ريحانه
ونظرت يوما إلى ولدي فأعجبتني شيبته فقلت:
سرق الدهر شبابي من يدي
ففؤادي مشعر بالكمد
وحملت الأمر إذ أبصرته
باع ما أفقدني من ولدي
وقلت وهو الحق:
أنظر خضاب الشيب قد نصلا
ورائد العيش بعده انفصلا
ومطلبي والذي كلفت به
قد رمت تحصيله فما حصلا
لا أمل مسعف ولا عمل
نحن في ذا والموت قد وصل
وقلت:
قحطنا ثم صاب الغيث رحمى
فشكرا يا حمام إذا الغطتَّا
ويا غيث الرضا عنا انسكابا
فأنت على الخبير به سقطتا
وقلت لما أخذت في طريقة أبي الفرج:
فعدت لتذكير ولو كنت منصفا
لذكرت نفسي فهي أحوج للذكرى
إذا لم يكن مني لنفسي زجرا
فيا ليت شعري كيف نفعل فيأخرى*
وقلت وأنا بسلا وقد أحسست غفلة، والحال كله كذلك:
أيا أهل هذا القطر ساعده القطر
دهيت فدلوني لمن يرفع الأمر
تشاغلت بالدنيا ونمت مفرطا
وفي شغلي أو نومتي سرق العمر
وقلت في منكانة الرمل وهو بديع:
منكانة الرمل فيها عبرة ونهى
وشاهد أن كلا منقض كمدا
لباب عمر الفتى يجري بجريتها
كأنما العمر لما أطلقت فصدا
ولم ارتجلت ذلك استزاد الحاضرون فقلت:
تأمل الرمل في المنكان منطلقا
يجري وقدره عمرا منك منتهبا
والله لو كان وادي الرمل ينجده
ما طال طايله إلا وقد ذهب
وقلت في قريب منه:
حَمَى الفلك الدوار جفني عن الكرى
لشتى هموم منه فكري يجنيها
أراه رحى قين وعمري صفيحة
يكر عليها بالمدار فيفنيها
وقلت في الوصايا:
إذا ما النفس مالت نحو حسن
فقد خطرت على خطر الولوع
فإن أحست بالمَيْل أدركها
فما بعد المميل سوى الوقوع
وقلت في المعنى:
إذا صرفت نحو وجه حسن
طرفك واستهداك للحين الطمع
فلا تمل قلبك ما استطعت له
فالقلب كالحائط أن مال وقع
وقلت:
أخي لا تقل كذبا إن نطقت
فللناس في الصدق فضل وضح
وخف إن كذبت طُروُّ افتضاح
فما كذب الفجر إلا افتضح
وقلت منحيا على عالم الكون والفساد:
والله لو كانت حياتي في يدي
مع جهل وعد الله أو لقياه
في خفض عيش لا تكلف منة ال
إنسان مطعمه ولا سقياه
ما كان هذا العالم الجم الأذى
مما يؤمل عاقل بقياه
وكتبت في بعض الحيطان لما اجتزت على مدينة سبتة:
أقمنا برهة ثم ارتحلنا
كذلك الدهر حال بعد حال
وكل بداية فإلى انتهاء
وكل إقامة فإلى ارتحال
ومن سام الزمان بعام أمر
فقد وقف الرجاء على المحال
ولنختم غرض هذه المقطوعات بقولي، ولا حول ولا قوة إلا بالله:
عد عن كيت وكيت ما عليها غير ميت
كيف ترجو حالة البقا ء لمصباح وزيت
ومن الموشحات التي انفرد باختراعها الأندلسيون، وقد
طمس اليوم رسمها؛ قولي
رب ليل ظفرت بالبدر ونجوم السما لم تدر
حفظ الله ليلنا ورعى أي شمل من الهوى جمعا
غفل الدهر والرقيب معا
ليت نهر السِّر لم يجر حكم الله لي على الفجر
علل النفس يا أخا الطرب بحديث أحلى من الضَّرَبِ
في هوى من وصاله أرب
كلما مر ذكر من أدري قلت يا برده على صدر
صاح لا تهتم بأمر غد وأجز صرفها يدا بيد
بين نهر وبلبل غرد
وغصون تميل من سكر أعلنت الغمام بالشكر
يا مرادي ومنتهى أملي هاتها عسجدية الحلل
حلت الشمس منزل الحمل
ورد الربيع في نشر والصبا عنبرية النشر
غرة الصبح هذه وضحت وقيان الغصون قد صدحت
وكأن الصبا إذا نفحت
وسما طيبها عن الحصر مدحة في علا بني نصر
هم ملوك الورى بلا ثنيا مهدوا الدين زينوا الدنيا
وحمى الله منهم العليا
فالإمام المرفع الخطر والغمام المبارك القطر
إنما يوسف إمام هدى جاز في المعلوات كل مدى
قل لدهر بملكه سعدا
افتخر واجبا على الدهر كافتخار الربيع بالزهر
يا عماد العلاء والمجد أطلع العيد طالع السعد
ووفى الفتح به بالوعد
وتجلت فيه على العصر غرر من طلايع النصر
فتهنأ من حسنه البهج بحياة النفوس والمهج
واستمعها ودع مقال شجي
قسما بالهوى لذي حجر ما لليل المشوق من فجر
ومن ذلك قولي أيضا:
أطرد الهم بابنة العنب وأحل غيم الثرى
عن شموس عكفن في حجب عن عيون الورى
هي كنز من خالص الذهب حل عند العرا
كم فقير أتى يستنجز
أضحك الفجر مبسم الشرق فاستراب الظلام
وانتضى الأفق صارم البرق من قراب الغمام
وتحلت ترايب الورق در زهر الكمام
وخيول السحاب بالبرق أبد تنهمر
وقدود الغصون ترتاح للقاء النسيم
وشميم الرياض نفاح كثناء الكريم
ومحيا الصباح يلتاح في الجمال الوسيم
للهوى قدوة من الناس ذات نهج قويم
لا ترى في المدام من بأس وارتشاف النديم
بحديث الغرام والكأس في الزمان القديم
طَوِّرْ ديوانٍ طَرِّزْ
قف ركاب المدايح الغر بأهل برِّ الهدى
يوسف الملك نخبة الأمر غيث أفق الندى
من لأسلافه بني نصر في جهاد العدى
وكتبت عن السلطان أبي الحجاج ابن السلطان أبي الوليد بن نصر، رحمه الله، إلى التربة المقدسة، تربة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهي من أوليات ما صدر عني في هذه الأغراض:
إذا فاتني ظل الحمى ونعيمه
فحَسْبُ فؤادي أن يهب نسيمه
ويقنعني أني به متكيف
فزمزمه دمعي وجسمي حطيمه
يعود فؤادي ذكر من سكن الغضا
فيقعده فوق الغضا ويقيمه
ولم أر يوما كالنسيم إذا سرى
شفا سقم القلب المشوق سقيمه
نعلل بالتذكار نفسا مشوقة
يدير عليها كأسه ويديمه
وما شَفَّني بالغور قد مُرَنَّم
ولا شاقني من [حش وجدة] ريمه
ولا سهرت عيني لبرق ثنية
من الثغر يبدو موهنا فأشيمه
براني شوق للنبي محمد
يسوم فؤادي برحه ما يسومه
ألا يا رسول الله ناداك ضارع
على البعد محفوظ الوداد سليمه
مشوق إذا ما الليل مد رواقه
تحث به تحت الظلام همومه
إذا ما حديث عنك جاءت به الصبا
شجاه من الشوق الحديث قديمه
أيجهر بالنجوى وأنت سميعها
ويشرح ما يخفي وأنت عليمه
وتعوزه السقيا وأنت غياثه
وتتلفه البلوى وأنت رحيمه
بنورك نور الله قد أشرق الهدى
فأقماره وضاحة ونجومه
[لك أنهل فضل الله بالأرض ساكبا
فأنواؤه ملتفة وغيومه]
ومن فوق أطباق السماء بك اقتدى
خليل الذي أوطاكها وكليمه
لك الخلق الأرضى الذي جل ذكره
ومجدك في الذكر الحكيم عظيمه
يجل مدى علياك عن مدح مادح
فموسر در القول فيك عديمه
ولي يا رسول الله فيك وراثة
ومجدك لا ينسى الزمام كريمه
وعندي إلى أنصار دينك نسبة
هي الفخر لا يخشى انتقالا مقيمه
وكان بودي أن أزور مبوأ
بك افتخرت أطلاله ورسومه
وقد يجهد الإنسان طرف اعتزامه
ويعوزه من بعد ذاك مرومه
وعذري في تسويف عزمي ظاهر
إذا ضاق عذر العزم عمن يلومه
عَدَتْني بأقصى الغرب عن تُربك العدا
جلالقة الثغر الغريب ورومه
أجاهد منهم في سبيلك أمة
هي البحر يعيي أمرها من يرومه
فلولا اعتناء منك يا ملجأ الورى
لريع حماه واستبيح حريمه
فلا تقطع الحبل الذي قد وصلته
فمجدك موفور النوال عميمه
وأنت لنا الغيث الذي نستدره
وأنت لنا الظل الذي نستديمه
ولما نأت داري وأعوز مطمعي
وأقلقني شوق يُشَبُّ جحيمه
بعثت بها جهد المقل معولا
على مجدك الأعلى الذي جل خيمه
وكلت بها همي وصدق قريحتي
فساعدها هاء الروي وميمه
فلا تنسني يا خير من وطىء الثرى
فمثلك لا ينسى لديه خديمه
عليك صلاة الله ما ذَرَّ شارق
وما راق من وجهه الصباح وسيمه
إلى رسول الحق، إلى كافة الخلق، وغمام الرحمة الصادق البرق، والحايز في ميدان اصطفاء الرحمن قصب السبق، خاتم الأنبياء، وإمام ملائكة السماء، ومن وجبت له النبوة، وآدم بين الطين والماء، شفيع أرباب الذنوب، وطبيب أدواء القلوب، ووسيلة الخلق إلى علام الغيوب، نبي الهدى الذي طهر قلبه. وغفر ذنبه، وختم به الرسالة ربه، وجرى في النفوس مجرى الأنفاس حبه، المُشفَّع يوم العرض، المحمود في ملإ السماوات والأرض، صاحب اللواء المنشور، والمؤتمن على سرّ الكتاب المسطور، ومخرج الناس من الظلمات إلى النور، المؤيد بكفاية الله وعصمته، [الموفور حظه من عنايته ونعمته]. الظل الخفاق على أمته من لو حازت الشمس بعض كماله، ما عدمت إشراقا، أو كانت للآباء رحمة قلبه، ذابت نفوسهم إشفاقا، فائدة الكون ومعناه، ومعناه، وسرّ الوجود الذي بَهَرَ الوجود سناه، وصفي حضرة القدس الذي لا ينام قلبه إذا نامت عيناه، البشير الذي سبقت له البشرى، ورأى من آيات آيات ربه الكبرى، ونزل عليه: ﴿سُبحَانَ الذِي أسْرَى﴾. الأنوار من عنصر نوره مستمدة. [ مستمدة. [والآثار من آثاره مستجدة]؛ من طوي بساط الوحي لفقده، وسد باب النبوة والرسالة من بعده، وأوتي جوامع الكلم، فوقف البلغاء حسرَى دون دون حده، الذي انتقل في الغرر الكريمة نوره، وأضاءت لميلاده مصانع الشأم وقصوره، وطفقت الملائكة تُحيَّيه، وفودها وتزوره. وأخبرت الكتب المنزلة على الأنبياء بأسمائه وصفاته، [فجاء بتصديق الخبر ظهوره ]؛ وأخذ عهد الإيمان على من اتصلت بمبعثه منهم أيام حياته]؛ المفزع الأمنع يوم الفزع الأكبر، والسند المعتمد عليه في أهوال المحشر، ذو المعجزات المعجزات التي أثبتتها المشاهدة والحس، وأقرّ بها الجن والإنس، من جماد يتكلم، وجذع لفراقه يتألم، وقمر له ينشق، وشجر يشهد أن ما جاء به هو الحق، وشمس بدعائه عن مسيرها تحبس، وماء من أصابعه الكريمة ينبجس، وغمام باستسقائه يصوب، وركيّة بصق في في أجاجها، فأصبح ماؤها وهو العذب المشروب، المخصوص بمناقب الكمال، وكمال المناقب، المسمى بالحاشر والعاقب، ذو المجد البعيد المراقي والمرقب، أكرم من [رفعت إليه] وسيلة المعترف والمغترب، سيد الرسل، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، الذي فاز بطاعته المحسنون، واستنقذ بشفاعته المذنبون، وسعد باتباعه الذين: ﴿لاَ خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. صلى الله عليه وسلم، ما لمع برق، وهَمَعَ وَدْق، وطلعت شمس، ونسخ اليوم أمس. من عتيق شفاعته، وعبد طاعته المعتصم بسبه، المؤمن بالله ثم به، المستشفي بذكره كلما تألم، المفتح بالصلاة عليه كلا تكلم؛ الذي [إن ذكر] تمثل طلوعه بين أصحابه أصحابه وآله، وإن هب النسيم العاطر، وجد فيه طيب خلاله، وإن سمع الآذان تذكر صوت بلاله، وإن ذكر ذكر القرآن، استشعر تردد جبريل بين معاهده وخلاله، لاثم تربه، ومؤمل قربه، ورهين طاعته وحبه، المتوسل به إلى رِضَى الله ربّه، يوسف بن إسماعيل بن نصر، كتبه إليك يا رسول الله، والدمع ماح، وخيل الوجد ذات جماح، عن شوق يزداد كلما نقص الصبر، وانكسار لا يتاح له إلاّ بدنو مزارك الجبر؛ [ وكيف لا يُعيي مشوقك الأمر وتوطأ على كبده الجمر] الجمر] وقد مطلت الأيام بالقدوم على تربتك المقدسة المقدسة اللحد، ووعدت الآمال، ودانت بإخلاف الوعد، وانصرفت الرفاق والعين، بإثمد ضريحك ما اكتحلت، والركائب إليك ما ارتحلت، والعزائم قالت وما فعلت، والنواظر في تلك المشاهد الكريمة لم تسرح، وظهور الآمال عن ركوب العجز لم تبرح، فيا لها لها معاهد فاز من حياها، ومشاهد ما أعطر رياها، بلاد بلاد نيطت بها عليك التمائم، وأشرقت بنوك منها النجود والتهائم. ونزل في حجراتها عليك الملك، وانجلى بيضاء فرقانك فيها الحلك، مدارس الآيات والسور، ومطالع المعجزات السافرة الغرر، حيث قضيت الفروض وختمت، وافتتحت [سور الوحي] وختمت، وابتديت الملة الحنيفة وتممت، ونسخت الآيات وأحكمت. أما والذي بعثك بالحق هاديا [وأطلعك للخلق نورا باديا]؛ لا يطفي غلتي إلاّ شربك، ولا يسكن لوعتي إلا قربك، فما أسعد من أفاض من حرم الله إلى حرمك، وأصبح بعد أداء ما فرضت عن الله ضيف كرمك، وعفر الخد في معاهدك ومعاهد أسرتك، وتردد ما بين دارَيْ بعثتك وهجرتك. وإني لما عاقتني عن زيارتك العوائق وإن كان شغلي عنك بك، وصدتني الأعداء فيك عن وصل سببي بسببك، وأصبحت بين بحر تتلاطم أمواجه، وعدو تتكاثف أفواجه، ويحجب الشمس عند الظهيرة عجاجه، في طائفة من المؤمنين بك، وطنوا على الصبر نفوسهم، وجعلوا التوكل على الله وعليك لبوسهم، ورفعوا إلى مصارحتك رؤوسهم، رؤوسهم، واستعذبوا في مرضاة الله ومرضاتك ومرضاتك بوسهم، يطيرون من هيعة إلى أخرى، أخرى، ويلتفتون والمخاوف عن يمنى ويسرى، ويسرى، ويقارعون وهم الفئة القليلة، جموعاً كجموع قيصر وكسرى، لا يبلغون من عدو وهم الذر من انتشاره عُشْرَ معشاره، قد باعوا من الله تعالى الحياة الحياة الدنيا؛ لأن تكون كلمة الله هي العليا. فيا له من سرب مروع، [وصريخ إلاّ منك ممنوع] ودعاء ودعاء إلى الله وإليك مرفوع. وصبية حمر الحواصل، تخفق فوق أكارها أجنحة المناصل، والصليب قد تمطى يَمدُّ ذراعيه ورفعت الأطماع بضبعيه، وقد حجبت بالقتام السماء، وتلاطمت أمواج الحديد والبأس الشديد، فالتقى الماء؛ ولم يبق إلاّ الذّمَاء. وعلى ذلك فما ضعفت البصائر، ولا ساءت الضنون، وما وعد به الشهداء تعتقده القلوب، حتى تكاد تشاهده العيون، إلى أن نلقاك غداً إن شاء الله. وقد أبلينا العذر، وأرغمنا الكفر، وأعملنا في سبيل الله وسبيلك البيضَ والسُّمْر. استنبت رقعتي هذه لتطير إليك [من شوقي] بجناح خافق، وتشعر نيتي التي تصحبها برفيق برفيق مرافق، فتؤدَّي عن عبدك وتبلغ، وتعفر الخد في تُرْبِك وتمرغ، وتطيب بريَّاها معاهدك الطاهرة وبيوتك، وتقف وقوف الخشوع والخضوع تجاه تابوتك، تابوتك، وتقول بلسان التملق عند التشبث بأسبابك والتعلق، منكسرة الطرف، حذرا بَهْرَجُها من عدم الصرف. يا غياث الأمة، وغمام الرحمة، ارحم غربتي وانقطاعي، وتغمد بطولك قصر باعي، وقوّ علي هيبتك خَوَر طباعي. فكم جزت من لج مهول، وجبت من حزون وسهول، وقابل بالقبول نيابتي، وعجل بالرضا إجابتي، ومعلوم من كمال تلك الشيم، وسَخا تلك الدَّيَم، أن لا يخيب قصد من حط بفنايها، ولا يظمأ وارد وارد أكب على إنائها. اللهم يا من جعلته أول الأنبياء بالمعنى وآخرهم بالصورة، وأعطيته لواء الحمد، يسير آدم فمن دونه، تحت ظلاله المنشورة، وملكت أمته ما زوي له من زوايا البسيطة المعمورة، وجعلتني من أمته المجبولة على حبه المفطورة [وشوَّقتني إلى معاهده المبرورة ومشاهده المزورة] ووكلت لساني بالصلاة عليه، وقلبي وقلبي بالحنين إليه، ورغبتني في التماس ما لديه، فلا تقطع عنه أسبابي، ولا تحرمني في حبه أجر ثوابي، وتداركني بشفاعته يوم أخذ كتابي. هذه يا رسول الله وسيلة ما بعدت داره، وشط مزاره، ولم يجعل بيده اختياره. فإن لم تكن هذه للقبول أهلا، فأنت للإغضاء والسمح، أهل؛ وإن كانت ألفاظها وعرة، فجنابك للقاصدين سهل؛ وإذا كان الحب يتوارث كما أخبرت، والعروق تدس حسبما إليه أشرت، فلي بانتسابي إلى سعدٍ عميد أنصارك مزية، ووسيلة أثيرة حفيَّة. حفيَّة. فإن لم يكن لي عمل ترتضيه، فلي نية فلا تنسني ومن بهذه الجزيرة [التي افتتحت] بسيف كلمتك، كلمتك، على خيار أمتك؛ فإنما نحن بها وديعة تحت بعض أفضالك، نعوذ بوجه ربك من إغفالك، ونستنشق من ريح عنايتك نفحة، ونرتقب من مُحَيَّا قبولك لمحة، ندافع بها عدوا طغى وبغى، وبلغ من مضايقتنا ما ابتغى. فمواقف التمحيص قد أعيت من كتب وأرخ، والبحر قد أصمتت [بواعث بواعث لحجه] من استصرخ، والطاغية في العدوان مستبصر، والعدو محلق، والولي مقصر؛ وبجاهك نستدفع؛ ما لا نطيق، وبعنايتك نعالج سقيم الدين فيفيق؛ [فلا تفردنا ولا تهملنا، وناد ربك فينا: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمَّلْنَا﴾؛ وطوائف أمتك، حيث كانوا عناية منك تكفيهم] وربك يقول لك، وقوله الحق: ﴿وَمَا كَانَ
كَانَ اللَّهُ لِيُعَذَّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. والصلاة والسلام
عليك، يا خير من طاف وسعى، وأجاب داعيا إذا دعا، وصلى الله على جميع أحزابك وآلك، صلاة تليق بجلالك، وتحق لكمالك، وعلى ضجيعيك وصديقيك وحبيبيك ورفيقيك، خليفتك في أمتك، وفاروقك المستخلف بعده على ملتك، وصهرك ذي النورين، المخصوص ببرك ونحلتك، وابن عمك، سيفك المسلول المسلول على حلتك، بدر سمائك ووالد أهلتك. [والسلام الكريم عليك وعليهم، كثيرا أثيرا] ورحمة الله تعالى وبركاته. وكتب بحضرة جزيرة الأندلس الأندلس غرناطة؛ صانها الله تعالى ووقاها، ودفع عنها عنها ببركتك كيد عداها.
وكتبت عن ولده أمير المسلمين أبي عبد الله إلى ضريح رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وضمنت ذلك ما فتح الله عليه من لفتوحات السنيَّات، إليه وفي أوائل عام
أحد وسبعين سبعمائة.
دعاك بأقصى المغربين غريب
وأنت على بعد المزار قريب
مدل بأسباب الرجاء وطرفه
غضيض عل حكم الحياء مهيب
يكلف قرص البدر حمل تحية
إذا ما هوى والشمس حين تغيب
ليرجع من تلك المعالم غدوة
وقد ذاع من ورد التحية طيب
ويستودع الريح الشمال شمائلا
من الحب لم يعلم بهن رقيب
ويطلب في جيب الجيوب جوابها
إذا ما أطلت والصباح منيب
[ويستفهم الكف الخضيب ودمعه
غراما بحناء النجيع خضيب
ويتبع آثار المطيّ تشيعا
وقد زمزم الحادي وحن نجيب]
إذا أثر الأخفاف لاحت محاربا
يخر عليها راكعا وينيب
ويلقي ركاب الحج وهي قوافل
طلاح وقد لبى النداء لبيب
فلا قول إلا أنة وتوجع
ولا حول إلا زفرة ونحيب
غليل ولكن من قبولك منهل
عليل ولكن من رضاك طبيب
ألا ليت شعري والأماني ضلة
وقد تخطىء الآمال ثم تصيب
أينجد نجد بعد شطِّ مزاره
ويكتب بعد البعد منه كتيب
وهل ينقضي ديني فيسمح طايعا
وأدعو بحظي مسمعا فيجيب
ويا ليت شعري هل لحومي موردٌ
لديك وهل لي في رضاك نصيب
ولكنك المولى الجواد وجاره
على أي حال كان ليس يخيب
وكيف يضيق الذرع يوما بقاصد
وذاك الجناب المستجار حبيب
وما هاجني إلا تألق بارق
يلوح بفود الليل منه مشيب
ذكرت به ركب الحجاز وجيرة
أهاب بها نحو الحبيب مهيب
فبت وجفني من لآلئ دمعه
غني وصبري للشجون سليب
تريحني الذكرى ويهفو بي الهوى
كما غصن في الرياض رطيب
وأحضر تعليلا لشوقي بالمنى
ويطرق وجد غالب فأغيب
مُنايَ لو أعطيت الأماني زورة
يبث غرام عندها ووجيب
فقول حبيب إذ يقول تشوقا
عسى وطن يدنو إلي حبيب
تعجبت من سيفي [وقد سابق القضا]
وقلبي فلم يسكبه منه مذيب
وأعجبُ أن لا يورق الرمح في يدي
ومن فوقه غيث المشوب سكيب
فيا سرح ذاك الحي لو أخلف الحيا
لأغناك من صوب الدموع صبيب
ويا هاجر الجو الجديب تلبثا
فعهدي رطب الجانبين خصيب
ويا قادح الزند الشجاع ترفقا
عليك فشوقي الخارجي شبيب
أيا خاتم الرسل المكين مكانه
حديث الغريب الدار فيك غريب
فؤادي على جمر البعاد مقلب
يماح عليه للدموع قليب
فوا الله ما يزداد إلا تلهبا
أأبصرت ماء ثار عنه لهيب
فليلته ليل السليم ويومه
إذا شد للشوق العصاب عصيب
[هواي هدى فيك اهتديت بنوره
ومنتسبي للصحب منك نسيب]
وحسبي على أني لصبك منتم
وللخزرجيين الكرام نسيب
عدت عن مغانيك المشوقة للعدا
عقارب لا يخفى لهن دبيب
حراص على إطفاء نور قدحته
فمستلب من دونه وسليب
تمر الرياح الغفل فوق كلومهم
فتعبق من أنفاسها وتطيب
بنصرك عنك الشغل من غير منة
وهل يتساوى مشهد ومغيب
فإن صح منك الحظ طاوعت المنى
ويبعد مرمى السهم وهو مصيب
ولولاك لم تُعْجم من الروم عودها
فعود الصليب الأعجمي صليب
وقد كانت الأحوال لولا مراغب
ضمنت ووعد بالظنون تريب
منابر عز أذن الفتح فوقها
وأفصح للعَضْب الطرير خطيب
نقود إلى هيجائها كل صائل
كما ريع مكحول اللحاظ ربيب
ونجتاب من سرد اليقين مدارعا
يكفتها من يجتني ويثيب
إذا اضطرّت الخُطَى حول غديرها
يروقك منها لجة وقضيب
فعذرا وإغضاء ولا تنس صارخا
بعزك يرجو أن يجيب مجيب
وجاهك بعد الله نرجو وإنه
لحظ ملي بالوفاء رغيب
عليك صلاة الله ما طيب الفضا
عليك مطيل بالثناء مطيب
وما اهتز قد للغصون مرنح
وما افتر ثغر للبروق شنيب
إلى حجة الله تعالى، المؤيد ببراهين أنواره، وفائدة الكون ونكتة أدواره، وصفوة نوع البشر ومنتهى أطواره. إلى المجتبي وموجود الوجود، لم يغن بمطلق الوجود عديمه، والمصطفى من ذرية آدم، قبل أن يكسو يكسو العظام أديمه، المحتوم في القدم، وظلمات العدم، عند صدق القدم تقديمه وتفضيله، إلى وديعة النور المنتقل في الجباه الكريمة والغرر، وغمام الرحمة الهامية الدرر. إلى مختار الله المخصص باجتبائه، وحبيبه الذي له المزية على أحبائه، من ذرية أنبياء الله تعالى آبائه. إلى الذي شرح صدره وغسله، ثم بعثه واسطة بينه وبين العباد وأرسله، وأتم عليه إنعامه الذي أجزله، وأنزل عليه من النور والهدى ما أنزله. إلى بشرى المسيح والذبيح، ومن لهم التجر الربيح، المنصور بالرعب والريح، المخصوص بالنسب الصريح. إلى الذي جعله في المحول غماما، وللأنبياء إماما، وشق صدره لتلقي روح أمره غلاما، وأعلم به في التورات والإنجيل إعلاما، وعلم المؤمنين صلاة عليه وسلاما. إلى الشفيع الذي لا ترد في العصاة شفاعته، والوجيه الذي قرنت بطاعة الله طاعته، والرؤوف الرحيم الذي خلصت إلى الله في أهل الجرائم ضراعته. صاحب الآيات التي لا يسع ردها، والمعجزات التي أربى على الألف عدّها، من قمر شُقَّ، وجذع حن له وحق، وبنان يتفجر بالماء [فيقوم بريَّ] الظمأ [وطعام يشبع الجمع الكثير يسيره، وغمام يظلل به مقامه ومسيره]، خطيب المقام المحمود إذا كان العرض، وأول من تنشق عنه الأرض [ووسيلة الله تعالى التي لولاها ما أقرض القرض] ولا عرف النَّفْل والفَرْض، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، المحمود الخلال، من ذي الجلال، الشاهدة بصدقه صحف الأنبياء وكتب الإرسال، وآياته التي أثلجت القلوب، ببرد اليقين السلسال. صلى الله عليه وسلم، ما ذرَّ شارق، وأومض بارق، وفرق بين اليوم الشامس والليل الدامس فارق، صلاة تتأرج عن شذا الدَّهر، وتنبلج عن سناء الكواكب الزهر، وتتردد بين بين السرّ والجهر، وتستغرق ساعات النهار، وأيام الشهر، وتدوم بدوام الدهر، من عبد هداه، ومستقري مواقع نداه، ومزاحم أبناء أنصاره في منتداه، وبعض سهامه المُفَوَّقَة إلى نحور عداه. مؤمل العتق من النار بشفاعته، ومحرز طاعة الجبار بطاعته، الآمن باتصال رعيه من إهمال الله وإضاعته، متخذ الصلاة عليه وسائل نجاة، وذخائر في الشدائد مرتجاة ومتاجر بضائعها غير مزجاة، الذي ملأ بحبه جوانح صدره، وجعل فكره هالة لبدره، وأوجب حقه على قدر العبد لا على قدره، محمد بن يوسف بن نصر الأنصاري الخزرجي، نسيب سعد بن عبادة من أصحابه، وبوارق سحابه، وسيوف نصرته، وأقطاب دار هجرته، ظلله الله يوم الفزع الأكبر، من رضاك عنه بظلال الأمان كما أنار قلبه من هدايتك بأنوار الهدى والإيمان، وجعله من أهل السياحة في فضاء حبك والهيمان، كتبه إليك يا رسول الله، واليراع يقتضي مقام الهيبة صفرة لونه، والمداد يكاد يحول سواد جونه، ورقَّة الكتاب يخفق فؤادها حرصا على حفظ اسمك الكريم وصونه، والدمع يقطر فتنقط به الحروف، وتفصل الأسطر، وتوهم المثول بمثواك المقدس، لا يمرّ بالخاطر سواه، ولا يخطر عن قلب بالبعد عنك قريح، وجفن بالبكاء جريح، [وتأوه عن تبريح]، كلما هبَّت هبَّت من أرضك نسيم ريح، وانكسار ليس له إلا جبرك، واغتراب لا يؤنس فيه إلا قربك، وإن لم يقض فقبرك. وكيف لا يسلم في مثلها الأسى، ويوحش الصباح والمسا، ويرجف جبل الصبر بعد ما رسى، لولا لعل وعسى. فقد سارت الركبان إليك ولم يقض مسير، وحومت الأسراب عليك، والجناح كسير، ووعدت الآمال فأخلفت، وحلفت العزائم ولم تف بما حلفت، ولم تحصل النفس من تلك المعاهد ذات الشرف الأثيل، إلاّ على التمثيل، ولا من المعالم المتناهية التنوير، إلاّ على التصوير، ومَهْبط وحي الله ومتنزل أسمائه، ومتردد ملائكة سمائه، ومرافق أوليائه وملاحد أصحاب خيرة خيرة أنبيائه، رزقني الله الرضا بقضائه، والصبر على جاحم البعد ورمضائه.
من حمراء غرناطة [حرسها الله تعالى] دار ملك الإسلام بالأندلس، قاصية سُبُلك، ومُسَلَّحة رجلك، رجلك، يا رسول الله وخيلك، وأنأى مطارح دعوتك دعوتك ومساحب ذيلك، حيث مصاف الجهاد في سبيل الله وسبيلك قد ظللها القتام، وشهبان الأسنة أطْلَعها أطْلَعها منه الإعتام، وأسواق بيع النفوس من الله، قد تعدد بها الأيامى والأيتام، حيث الجراح قد تحلت بعسجد نجيعها النحور، والشهداء تحف بها الحور والأمم الغريبة قد قطعتها عن المدد البحور، حيث المباسم المفترة، تجلوها المصارع البرة، فتحييها بالعراء ثغور الأزاهر، وتندبها صوادح الأدواح برنات تلك المزاهر، حيث الإسلام من عدوه المكايد بمنزلة قطرة من عارض غمام وحصاة من ثَبير أو شِمام، وقد سدّت سدّت الطريق، وأسلم [الفراق الفريق]، وأُغِصَّ الريق ويئس من الساحل الغريق، إلا أن الإسلام بهذه الجهة المتمسكة بحبل الله وحبلك، المهتدية بأدلة سبلك، سالم والحمد لله من الانصداع، محروس بفضل الله من الابتداع، مقدود من جديد الملة، معدوم فيه وجود الطوائف المضلة، إلا ما يخص الكفر من هذه العلة، والاستظهار على جمع الكثرة من جموعه، بجمع القلة. ولهذه الأيام يا رسول الله، أقام الله أَوَدَه برا بوجهك الوجيه ورعيا، وإنجازا لوعدك وسعياً وهو الذي لا لا يخلف وعدا، ولا يخيب سعيا و وفتح لنا فتوحا أشعرتنا برضاه عن وطننا الغريب، وبشرتنا منه تعالى بتغمد التقصير ورفع التثريب، ونصرنا، وله المنة، على على عبدة الصليب، وجعل لألفنا الرُّدَيْنِيَّ ولأُمَّنا السَّرديّ، حكم التغليب. وإذا كانت الموالي التي طوقت طوقت الأعناق مننها، وقررت العوائد الحسنة سيرها سيرها وسننها، تبادر إليها نوابها الصرحاء، وخدامها النصحاء بالبشائر والمسرات، التي تشاع في العشائر، وتجلو لديها نتائج أيديها، وغايات مبادئها، وتتاحفها وتهاديها، بمجاني جناتها وأزاهر غواديها، وتطرف محاضرها بطرف بواديها، فبابك يا رسول الله أولى بذلك وأحق، ولك الحق الحق، والحر منا عبدك المسترق، حسبما سجله الرق. وفي رضاك من كل من يلتمس رضاه المطمع، ومثواك المجمع، وملوك الإسلام في الحقيقة عبيد سُدَّتِك المؤملة وخول مثابتك المحسنة بالحسنات المجمّلة، وشهب تعشو إلي بدورك المكملة، ومحض سيوفك المقلدة في سبيل الله المحملة، وحرمة مهادك، وسلاح جهادك، وبروق عهادك، وإن مكفول احترامك الذي لا يخفر وربي إنعامك الذي لا يكفر، وملتحف جاهك جاهك الذي يمحى ذنبه بشفاعتك إن شاء الله ويُعْفر، يطالع روضة الجنة المفتحة أبوابها بمثواك، ويفاتح صوان القدس الذي أجنَّك وحواك، وينثر بضائع الصلاة عليك بين يدي الضريح الذي يهواك، ويعرض ويعرض جنى ما غرست وبذرت، ومصداق ما بشرت به [لمَّا بشَّرت] وأنذرت، وما انتهى إليه طلق جهادك، ومَصَبُّ عِهادك، لتقر عين نصحك، الذي أنام العيون العيون الساهرة هجوعها، وأشبع البطون ورواها ظمأها من الله وجوعها. وإن كانت الأمور بمرأى من عين عنايتك، وغيبها متعرف بين إفصاحك وكتابتك، ومُجْمَلُهُ يا رسول الله، صلى الله عليك، [وبلغ وسيلتي إليك] هو أن الله سبحانه، لما عرَّفني لطفه الخفي في التمحيص، المقتضي عدم المحيص، ثم في التخصيص، المغني بعيانه عن التنصيص، ووفَّقْ ببركتك ببركتك السارية رحماها في القلوب، ووسايل محبتك العايدة بنيل المطلوب، إلى استفادة عظة واعتبار، واغتنام إقبال بعد إدبار، ومزيد استبصار، واستعانة بالله تعالى وانتصار. فسكن هبوب الكفر بعد إعصار، وحل مخنق الإسلام بعد حصار، وجرت عن سنن السنة، بحسب الاستطاعة والمنة اليسيرة، وجبرت بجاهك القلوب الكسيرة، وسُهَّلَت المآرب العسيرة، ورفع بيد العزّة الضيم، وكشف بنور البصيرة الغيم، وظهر القليل على الكثير، وباء الكفر بخطة التعثير، واستوى الدين الحنيف على المهاد الوثير، فاهْتبلْنا يا رسول الله غرَّة العدوَّ وانتهزناها، وشَمَمْنا صوارم صوارم [عزَّ الله]، وهززناها، وأزحنا علل الجيوش وجهزناها، فكان مما ساعد عليه القدر، والحظ والحظ المبتدر والورد الذي [حسن منه] الصدر، أننا أننا عاجلنا مدينة بُرغة، وقد جرَّعَت الأختين: مالقة مالقة ورُندة، من ميادين دينك، وخزائن ميادينك، أكواس الفراق، وأذكرت مثل من بالعراق، وسدت طرق التزاور على الطرَّاق، وأسالت المسيل بالنَّجيع المراق، في مراصد المراد والمراق، ومنعت المراسلة مع هدْي الحمام، لا بل مع طيف المنام عند الإلمام، فيسر الله اقتحامها، وألحمت بيض الشَّفار في رؤوس الكفار إلحامها، وأزال بَشْرُ السُّيوف من بين تلك الحروف أقحامها؛ فانطلق المسرى، واستبشرت القواعد الحسرى، وعدمت بطريقها المخيف مصارع [ الصَّرعى، ومثاقف] الأسرى، والحمد لله على فتحة الأسْنَى، ومنحه الأسرى، ولا إله إلاَّ هو مُنْفل قيصر وكسرى، وفاتح مغلقاتهما المنيعة قسرا، واستولى الإسلام منها على قرار جنات، وأم بنات، وقاعدة حصون، وشجرة غصون، وطهرت مساجدها المغتصبة المكرهة، وفجع فيها الفيل الأفيل وأبرهة، وأطلقت بذكر الله الألسنة المدْرهة، وفاز بسبق ميدانها الجياد الفرهة هذا وطاغية الروم على توفُّر جموعه، وهول مرئيه ومسموعه، قريب جواره، بحيث يتصل خواره، ثم نازل المسلمون بعدها شجا الإسلام، الذي أعيا النَّطاسي علاجه، وكرك هذا القطر الذي لا تُطاول أعلامه ولا يصاول أعلاجه، وركاب الغارات التي تطوي المراحل إلى مكايدة المسلمين طيّ البرود، وجحر الحيّات التي لا تخلع على اختلاف الفصول جلود الزُّرود، ومنغَّص الورود في العذب المورود، ومقض المضاجع، وحلم الهاجع، ومجهز الخطب الفاجىء الفاجع، ومستدرك فاتكه الراجع، قبل هبوب الطائر الساجع، حصن آشِر حماه الله دعاء لا خبرا كما جعله جعله للمتفكرين في قدرته معتبرا، فأحاطوا به إحاطة القلادة بالجيد، وأذلوا عزته بعزة ذي العرش المجيد، وحفت به الرايات [يسمها وسمك، ويلوح في صفحاتها اسم الله تعالى واسمك]؛ فلا ترى إلاّ نفوسا تتزاحم على موارد الشهادة أسرابها، وليوثا يصدق [طعانها في في الله وضِرابُها]؛ وأرسل الله عليها رجزا إسرائيليا من من جراد السهام، تشذ آيته عن الأفهام، وسدد إلى الجبل النفوس القابلة للاهتمام، من بعد الاستغلاق والاستبهام، وقد عبثت جوارح صخوره في قنايص الهام، وأعيا صعبه على الجيش اللهام، فأخذ مسائغه النَّقْضُ والنَّقْبُ، ورغا فوق أهلة الصَّقْب، ونصبت ونصبت المعارج والمراقي، وفُرعت المناكب والتراقي، واغتنم الصادقون من الله الحظ الباقي، وقال الشهيد الشهيد المسابق يا فوز استباقي، ودخل البلد فالتحم فالتحم السيف، واستلب البحث والزيف، ثم استخلصت القصبة، فعلت أعلامك في أبراجها المُشَيّدة، وظفر ناشد دينك منها بالنَّشيدة، وشكر الله في قصدها مساعي النصائح الرشيدة، وعمل ما يرضيك يا رسول الله في سد ثلمها وصون مستلهمها، ومداواة ألمها، حرصا على الاقتداء في مثلها بأعمالك والاهتداء بمشكاة كمالك، ورتب فيها الحماة تشجي العدو، وتوصل في [مرضاة الله تعالى] ومرضاتك الرَّواح والغُدُوَّ. ثم كان الغزو إلى مدينة أُطْريرة بنت حاضر الكفر إشبيلية، التي أظلتها بالجناح الساتر، وأقامتها في في ضمان الأمان للحسام الباتر، وقد وتر الإسلام في في هذه المومسة البائسة بوتر الواتر، وأحفظ منها بأذى الوقاح المهاتر، لما جرته على أسراه من عمل عمل الخاتل الخاتر؛ [حسب المنقول لا بل المتواتر]؛ فطوى إليها المسلمون المدى النازح، ولم تشك المطي الرّوازح، وصدق في الجد جدها المازح، وخفقت فوق أوكارها أجنحة الأعلام وغشيها أفواج [الملائكة الموسومة] وظلال الغمام، وصابت من السهام ودق ودق الهام، وكاد يكفي السماء على الأرض أرتجاج أطوادها بكلمة الإسلام، وقد صم خاطب عروس الشهادة عن الملام، وسمح بالعزيز المصون مُبايع الملك العلام، وتكلم لسان الحديد الصامت، وصمت إلاّ بذكر الله، لسان الكلام، ووفت الأوتار بالأوتار، ووصل بالخَطِيَّ درع الأبيض البتار، وسلطت النار على أربابها، وأذن الله في تبار تلك الأمة وتبابها، فنزلوا على [حكم السيف] آلافا بعد بعد أن أتلفوا بالسلاح إتلافا واستوعبت المقاتلة أكنافا وقرنوا في الجدل أكتافا أكتافا، وحملت العقائل والخرائد، والولدان والولائد، إركابا من فوق الظهور وإردافا، وأقلت منها أفلاك الحمول بدورا تضىء من ليالي المحاق أسدافا، وامتلأت الأيدي من المواهب والغنائم، بما لا يصوره حلم النائم، وتركت العوافي تتداعى إلى تلك الولائم، وتَفْتَنُّ من مطاعمها في الملائم، وشنت الغارات على حمص، فجللت خارجها مغارا، وكست كبار الروم بها صغارا، وأحجرت أبطالها إحجارا، واستاقت من النعم ما لا يقبل الحصر استبحارا، ولم يكن إلاّ أن عدل القسم، واستقل [بالقفول العزيز] الرسم، ووضح من التوفيق الوسم. فكانت الحركة إلى جيان، قيعة الظّل الأبرد، ونسيجة المنوال المفرد، [ وكناس الغيد الخرد] وكرسي الإمارة، وبحر العمارة، ومهوى هوى الغيث الهتون، وحِزْبُ التين والزيتون، حيث خندق الجنة المعروف، تدنو لأهل النار مجانيه، وتشرق بشواطئ الأنهار إشراق الأزهار زهر مبانيه، والقلعة التي تختمت بنان شرفاتها بخواتم النجوم، وهمت من دون سحابها البيض، سحايب الغيث السجوم [ والعقيلة التي أبدى الإسلام يوم طلاقها، وهجوم فراقها سمة الوجوم، لذلك الهجوم] فرمتها البلاد المسلمة بأفلاذ أكبادها الوادعة، وأجابت منادي دعوتك الصادقة الصادعة، وحبتها بالفادحة الفادعة، فغصت الربى والوهاد، بالتكبير والتهليل، وتجاوبت الخيل بالصهيل، وانهالت الجموع المجاهدة [في الله تعالى] انهيال الكثيب المهيل، وفهمت نفوس العباد المجاهدة في الله حق الجهاد، معاني التيسير من ربها والتسهيل، وسفرت الرايات عن المرأى الجميل، وأربت المحلات المسلمة على على التأميل. ولما صبحتها النواحي المقبلة الغرر، والأعلام المكتتبة الطرر، برز حاميتها مُصْحرين، وللجوزة المستباحة مستنصرين فكاثرهم من سرعان سرعان الأبطال، رجل الدَّبى، ونبت الوهاد والرُّبَى، فأقحموهم من وراء السور، وأسرعت أقلام الرماح في بسط عددهم المكسور، وتركت صرعاهم ولائم للنسور. ثم اقتحموا ربض المدينة الأعظم فافترعوه وجدلوا من دافع عن أسواره وصرعوه، وأكواس الحتوف جرعوه، ولم يتصل أولى الناس بأخراهم ويحمدوا بمخيم النصر العزيز سراهم، حتى خذل الكفار الصبر، وأسلم الجلد، وأنزل على المسلمين النصر، فدخل البلد، وطاح في السيل الجارف الوالد منه والولد، وأتهم المطرف منه والمتلد، هولا بعيد بعيد الشناعة، وبغتا كقيام الساعة، أعجل المجانيق عن الركوع، والسجود، والسلالم عن مطاولة النجود، والأيدي عن ردم الخنادق والأغوار، والأكْبُش عن مناطحة الأسوار، والنفوط عن إصعاق الفُجّار، وعمد الحديد، ومعاول البأس الشديد، عن نقب الأبراج، ونقض الأحجار، فهيلت الكثبان، [وأبيدت الشيب والشبان] وكسرت الصلبان، وفجع بهدم الكنائس الرهبان وأهبطت النواقيس من مراقيها العالية، وصروحها المتعالية، وخلعت ألسنتها الكاذبة، ونقل ما استطاعته الأيدي المجاذبة، وعجزت عن الأسلاب ذوات ذوات الظهور، وجلل الإسلام شعار العزّ والظهور، بما بما خلت عن مثله سوالف الدهور والأعوام والشهور، والشهور، وأعرست الشهداء بالحور، ومنُّوا النفوس البيعة من الله بحلَّ الصدقات الصادقة والمهور. ومن ومن بعد ذلك هدم السور، ومحيت من مُخْتَطَّه المحكم السطور، وكاد يسير ذلك الجبل الذي اقتعدته تلك المدينة، ويدك ذلك الطور. ومن بعد ما خرب الوجار، وعقرت الأشجار، عُفَّر المنار، وسلطت على بنات بنات التراب الماء النَّار، وارتحل عنها المسلمون وقد عمتها المصائب، وأصمى لبَّتَها السهم الصائب وظلَّلَتْها القشاعم العصايب. العصايب. فالذئاب في الليل البهيم تَعسل، والضباع من الحدب البعيد تنسل، وقد ضاقت الجدل عن المخانق، وبيع العرض الثمين بالدانق، وسبكت إسورة الأسوار، وسويت الهضاب بالأغوار، واكتسحت الأحواز القاصية سرايا الغِوَّار، وحجبت بالدخان مطامع الأنوار، الأنوار، وتخلفت قاعتها عبرة للمعتبرين، وعظة للناظرين، وآية للمستبصرين، ونادى لسان الحمية يا لثارات الإسكندرية، فأسمع آذان المقيمين والمسافرين، وأحق الله الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ، وقطع دابر الكافرين. ثم كانت الحركة إلى أختها الكبرى، ولُدَّتها الحزينة عليها العبرى، مدينة أبدة، ذات العمران المستبحر، والربض والربض الحزق المُصْحر، والمباني الشمّ الأنوف، [ وعقائل المصانع الجمة الحلي والشنوف وألعاب الأنوف] وبلد التَّجر، والعسكر المجر، وأفق الضلال الضلال الفاجر الكاذب على الله الكذب الفجر. فخذل الله حاميته التي يعيي الحسبان عدُّها، وسَجَر بحورها التي لا يرام مدها، وحقت عليها كلمة الله التي لا يستطاع ردها. فدخلت لأول وهلة، واستوعب جمعها والمنة لله، في نهلة، [ولم يَكُ للسيف من عطف عليها ولا مهلة]. ولمّا تناوله العفاء العفاء والتخريب واستباحها الفتح القريب، وأسند عن عواليها حديث النصر الحسن الغريب، وأقعدت أبراجها من بعد القيام والانتصاب، وأضرعت مسايفها لهول المصاب، انصرف عنها المسلمون بالفتح الذي عظم صيته، والعز الذي سما طرفه واشرأب ليته، والعزم الذي حمد مسراه ومبيته، والحمد لله ناظم الأمر، وقد رأب شتيته، وجابر الكسر وقد أفات الجبر مفيته. ثم كان الغزو إلى أم البلاد، ومثوى الطارف والتلاد، قرطبة وما قرطبة، المدينة التي على عمل أهلها في القديم، بهذا الإقليم، كان العمل، والكرسي الذي بعصاه رعي المهل، والمصر الذي له في خطه المعمور الناقة والجمل، والأفق الذي هو لشمس الخلافة العبشمية، الحمل فخيم فخيم الإسلام بعَقْرتها المستباحة، وأجاز نهرها المعيي على السباحة، وعمّ دوحها الأشِبَ بوارا، وأدار الكماة بسورها سوارا، وأخذوا بمخنقها حصارا، وأعمل النصل بشجر نصلها اجتناء ما شاء واهتصارا، واهتصارا، وجدل من أبطالها من لم يرض انجحارا، فأعمل إلى المسلمين إصحارا، حتى فرع بعض جهاتها غلابا جهارا، ورفعت الأعلام إعلاما بعز الإسلام وإظهارا، فلولا استهلال الغوادي، وإن أتى الوادي، لأفضت إلى فتح الفتوح تلك المبادي، ولقضى ولقضى فثه العاكف والبادي، فاقتضى الرأي ولذنب الزمان في اغتصاب الكفر إياها متاب، تعمل ببشراة بفضل الله أقتاد وأقتاب، و{ لِكُلَّ أَجَلٍ كِتَابٌ}؛ أن يراض صعبها حتى يعود ذلولاً، وتعفى معاهدها الآهلة فتترك طلولاً. فإذا فجع الله بمارج النّار طوائفها المارجة، وأباد نجارجها الطائرة والدارجة، خطب السيف منها أمَّ خارجة. فعند ذلك أطلقنا بها ألسنة النار، ومفارق الهضاب الشُّمّ قد شابت، والغلات والغلات المُسْتَغَلَّة قد دعاها الفضل فما ارتابت، وكأن صحيفة نهرها لما أضرمت النار حفافي ظهرها ذابت، وحَيَّتهُ فرّت أمام الحريق فانسابت، وتخلفت لغمائم الدخان عمائم تلويها برؤوس الجبال أيدي الرياح، وتنشرها بعد الركود أياد الاجتياح. وأغريت بأقطارها بأقطارها الشاسعة، وجهاتها الواسعة [جنود الجوع] وتوعدت بالرجوع، فسلب أهلها لتوقع الهجوم، منزور الهجوع. فأعلامها خاشعة خاضعة، وولدانها لثدي البؤس راضعة، والله سبحانه، يوفد بخبر فتحها القريب ركاب البشرى، وينشر رحمته قبلنا نشرا، [ولهذا العهد يا رسول الله صلى الله عليك، وبلغ وسيلتي إليك، بلغ عن هذا القطر المرتدي بجاهك الذي لا يذل من ادرعه. ولا يضل بالسبيل الذي يشرعه، إلى أن لاطفنا ملك الروم بأربعة من البلاد كان الكفر قد اغتصبها، ورفع التماثيل ببيوت الله ونصبها. فانجاب عنها بنورك الحلك ودار بدالتها إلى دعوتك الفلك، وعاد إلى مكاتبها ا لقرآن الذي نزل به على قَلْبِكَ الملك] ثم تنوعت يا رسول الله لهذا العهد أحوال العدو تنوعا يوهم إفاقته من الغمرة، وكادت فتنته تؤذن بخمود الجمرة، وتوقع الواقع، وحذر ذلك السم الناقع، وخيف الخرق الذي يحار فيه الراقع، فتعرفنا عوائد الله سبحانه ببركة هدايتك، وموصول عنايتك، فأنزل النصر والسكينة، ومكن العقائد المكينة، فثابت العزائم وهبّت، واضطرت عوائد الإقدام واستتبت، وما راع العدو إلا خيل الله تجوس خلاله، وشمس الحق تُقلَّص ظلاله، وهُداك الذي أهديت يُدحض ضلاله. ونازلنا حِصْنَيْ: قنبيل والحواير، وهما معقلان متجاوران، يناجي منهما الساكن سرارا، وقد اتخذا بين النجوم قرارا، وفصل بينهما حسام النهر يروق غرارا، والتفّ معصمه في حلة الخصْب ود جعل الجسر سوارا، فخذل الصليب بذلك الثغر من تولاه، وارتفعت أعلام الإسلام بأعلاه، وتبرجت عروس الفتح المبين بمجلاه، والحمد لله على ما أولاه. ثم تحركنا على تَفيةِ تعدي ثغر الموسطة على عدوه المساور في المضاجع، ومصبحة بالفاجىء الفاجع، فنازلن حصن روطة، الآخذ بالكظم، المعترض بالشجا اعتراض العظم، وقد شحنه العدو مددا بئيسا، ولم يأل اختياره رأيا ولا رئيسا فأعيا داؤه، واستقلت بالمدافعة أعداؤه. ولما أتلع إليه جيد المنجنيق، وقد بَرْك عليه برك الفنيق، وشد عصاب العزم الوثيق، لجأ أهله إلى التماس العهود والمواثيق، وقد غصوا بالريق، وكاد يذهب بأبصارهم لمعان البريق، فسكناه من حامية المجاهدين يمن يحمي ذماره، ويقرر اعتماره، واستولى أهل الثغور إلى هذا الحد، على معاقل كانت مستغلقة ففتحوها، وشرعوا أرشية الرماح إلى قلب قلوبها ففتحوها. ولم تكد الجيوش المجاهدة تنفض عن الأعراف متراكم الغبار، وترخي عن [آباط خيلها] شد حزم المغار، حتى عاودت عاودت النفوس شوقها، واستتبعت ذوقها، وخطبت التي لا فوقها، وذهبت به الآمال إلى الغاية القاصية، والمدارك المتصاعبة. على الأفكار المتعاصية. فقصدنا الجزيرة الخضراء، باب هذا الوطن، الذي منه طرق وادعه، ومطلع الحق الذي صدع الباطل صادعه، وثنية الفتح الذي برق منها لامعه، ومسرب الهجوم الذي لم تكن لتعثر على غيره مطامعه، وفرضة المجاز التي لا تنكر، ومجمع البحرين في بعض ما يذكر، حيث يتقارب الشطان [وتتقاطر ذوات الأشطان]، ويتوازى الخطان، ويكاد أن تلتقي حلقتا البطان. وقد كان الكفر قد قدر هذه الفرضة التي طرق منها حماه، ورماه الفتح الأول بما رماه، وعلم أن لا تتصل أيدي المسلمين بإخوانهم إلا من تلقائها، وأنه لا يعدم المكروه مع بقائها، فأجلب عليها برجله، وخيله، وسدّ أفق البحر من أساطيله، ومراكب ومراكب أباطيله، بقطع ليله. وتداعى المسلمون بالعدوتين إلى استنقاذها من لهواته، أو إمساكها من دون مهواته. فعجز الحول، ووقع بملكه إياها القول، واجتازها قهرا، قهرا، وقد صابرت الضيق ما ينهاز ثلاثين شهراً، وأطرق الإسلام بعدها إطراق الواجم، واسودت الوجوه لخبرها الهاجم، وبكتها حتى دموع الغيث السَّاجم، وانقطع المدد إلا من رحمة من ينفس الكروب، ويغري بالإدالة الشروق والغروب. ولما شككنا بشَبا الله نحرها، وأغصصنا بجيوش الماء وجيوش الأرض، تكاثر نجوم السماء برها وبحرها، ونازلناها نذيقها شديد النزال، ونجحنا بصدق الوعيد في غير سبيل الاعتزال، رأينا بأوا لا يظاهر إلاّ بالله ولا يطال، ومَنَعَةً يتحاماها الأبطال، وجنابا روضه الغيث الهطال. أمّا أسوارها، فهي التي أخذت النجد والغور. واسْتَعْدَتْ بجدال الجلاد الجلاد عن البلاد، فارتكبت الدَّوْر تحوز بحرا من الاعتمار ثانيا، وتشكك أن يكون الإنس لها بانيا. وأما أبراجها فصفوف وصنوف، تزين صفحات المَسَايف منها منها أنوف، وآذان لها من دوافع الصخر شُنُوف. وأما خندقها فخر مجلوب، وسور مقلوب. وصدقها المسلون القتال بحسب محلها من نفوسهم، واقتران اغتصابها ببؤسهم، وأفول شموسهم. فرشقوها من النبال بظلال تحجب الشمس فلا يشرق سناها، وعرجوا في المراقي البعيدة يفرعون مبناها، ونقبوها أنقابا، وحصبوها عقابا. ودخلوا مدينة إلبِنَة بنتها غلابا، وأحسبوا السيوف السيوف استلالا، والأيدي اكتسابا، واستوعب القتل مقاتلتها السابغة الجُنَن، البالغة المنن فأخذهم الهول المتفاقم، وجدلوا كأنهم الأرقام، لم تفلت منهم عين طرف، ولا لسان يلبي من يستطيع الخبر أو يستشرف. ثم ثم سمت الهمم الإيمانية إلى المدينة الكبرى، فداروا سوارها على سورها، وتجاسروا على اقتحام أودية الفناء من فوق جسورها، ودفُّوا إليها بالضروب من حيل الحروب بروجا مشيدة، ومجانيق توثق حبالها منها نشيدة، وخفقت بنصر الله عذبات الأعلام، وأهدت الملائكة مدَدَ الإسلام، فخذل الله كفارها، وأكْهَم شفارها، وقلم بيد قدرته أظفارها، فالتمسوا الأمان للخروج، ونزلوا عن مراقي العروج، إلى الأباطح والمروج، من سمائها ذات البروج، فكان بروزهم إلى العراء من الأرض، تذكرة بيوم العرض، وقد جلل المقاتلة الصَّفار [وتعلق بالأمهات النَّشْأُ الصَّغار] وبودرت المدينة بالتطهير، ونطقت المآذن العالية بالأذان الشهير، والذكر الجهير، وطرحت كبار التماثيل عن المسجد الكبير، وأزرى بألسنة النواقيس لسان التهليل والتكبير. وأنزلت عن الصروح أجرامها يعي الهندام مرامها، وألفي منبر الإسلام بها مجفوا، فأنست غربته، وأعيد إليه قربه وقربته، وتلا واعظ الجمع المشهود، قول منجز الوعود،
ومورق العود: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ التِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبَّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ * وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبَّكَ إذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾؛ إلى آخرها، فكاد الدمع
الدمع يرق الآماق، والوجد يستأصل الأرماق، [وارتفعت الزَّعقات.. وعلت الشَّهْقات] وجيء بأسرى المسلمين يرسفون في القيود الثقال، وينسلون من أجداث الاعتقال، ففكت عن سوقهم أساور الحديد، وعن أعناقهم فلكات البأس الشديد، وظللوا بجناح اللطف العريض المديد، وترتبت في المقاعد الحامية، وأزهرت بذكر الله المآذن السامية، فعادت المدينة لأحسن أحوالها، وسكنت من بعد أهوالها، وعادت الجالية إلى أموالها، ورجع إلى القطر شبابه، ورد على دار هجرة الإسلام بابه، واتصلت بأهل لا إله إلا الله أسبابه، فهي اليوم في بلاد الإسلام، قلادة النحر، وحاضرة البر والبحر، أبقى الله عليها، وعلى ما وراءها من بيوت أمتك، ودائع الله في ذمتك [ظلال عنايتك الواقية، وأمتعها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها]، بكلمة دينك الصالحة الباقية، وسدل عليها أستار عصمته الواقية. وعدنا والصلاة عليك شعار البروز والقفول، وهجيري الشروق والأفول. والجهاد يا رسول الله الشأن المعتمد، ما امتد بالأجل الأمد، والمستعان الواحدالفرد الصَّمَد. فوجبت مطالعة مقرك النبوي بأحوال هذه الأمة المكفولة في حجرك، المفضلة بإرادة تجرك، المهتدية بأنوار فجرك. وهل هو إلا ثمرة سعيك ونتائج رعيك، وبركة حبك ورضاك، الكفيل برضا ربك، وغمام رعدك وإنجاز وعدك، وشعاع من نور سعدك، وبَذْرٌ يجنى ريعه من بعدك، ونصر رايتك، وبرهان آيتك، وأثر حمايتك ورعايتك. واستنبت هذه الرسالة ماتحة بحر الندى الممنوح ومفاتحة باب الهدى بفتح الفتوح، وفارعة وفارعة المظاهر والصروح، وملقية الرحل بمتنزل الملائكة والروح، لتمد إلى قبولك يد استمناح، وتطير إليك من الشوق الحثيث بجناح، ثم تقف بموقف بموقف الانكسار، وإن كان تجرها آمنا من الخسار، وتقدم بأنس القُربة، وتحجم بوحشة الغربة، وتتأخر بالهيبة، وتجهش لطول الغيبة، وتقول ارحم بعد داري، وضعف اقتداري، وانتزاح أوطاني، وخُلوَّ أعطاني، وقلة زادي، زادي، وفراغ مزادي، وتقبل وسيلة اعترافي، وتغمد هفوة اقترافي، وعجل بالرضا انصراف متحملي لانصرافي، فكم من جُبب من بحر زاخر، وقف بالركاب بالركاب ساخر، وحاشى لله أن يخيب قاصدك، وأن تتخطاني مقاصدك. أو تطردني موائدك، أو تضيق عني عوائدك، ثم تمدُّ مُقْتضية مزيد رحمتك مستدعية دعاء من حضر من أمتك. وأصحبتها يا رسول الله، عرضا من النواقيس التي كانت بهذه البلاد المفتتحة تُعَيّن الإقامة والأذان، وتسمع الأسماع الضالة والآذان، مما قبل الحركة، وسالم المعركة، ومكن من نقله الأيدي المشتركة، واستحق بالقدوم عليك، والإسلام بين يديك، السابقة في الأزل البركة، وما سواها فكانت جبالاً عجز عن حملها الهندام، فنسخ وجودها الإعدام. وهي يا رسول الله جني من جناك، ورطب من أفنانك، وأثر ظهر عليها من مسحة حنانك هذه هي الحال والانتحال، والعائق أن تشد إليك الرَّحال، الرَّحال، ويُعْمَل التَّرْحال، إلى أن نلقاك في عرصات عرصات القيامة شفيعا، ونحل بجاهك إن شاء الله محلا رفيعا، ونقدم في زمرة الشهداء الدامية كلومهم من أجلك، الناهلة غللهم في سجلَّك ونبتهل إلى الله الذي الذي أطلعك في سماء الهداية سراجا، وأعلى لك في السبع الطباق معراجا، وأم الأنبياء منك بالنبي الخاتم، وقفى على آثار نجومها المشرقة بقمرك العاتم، أن لا يقطع عن هذه الأمة الغريبة أسبابك، ولا يسد في وجوهها أبوابك، ويوفقها لاتباع هداك، ويثبت أقدامها على جهاد عداك. وكيف تعدم ترفيها، أو تخشى بخسا وأنت موفيها، أو يعذبها الله وأنت فيها. وصلاة الله وسلامه تحط بفنايك رحال طيبها، وتَهْدُر في ناديك شقاشق خطيبها، ما أذكر الصباح الطلق هداك، والغمام السكب نداك، وما حنّ مشتاق يلثم ضريحك، وفليت نسمات نسمات الأسحار عما اسْتَرَقَتْ من ريحك.
وصدر عني قبل هذه الرسالة عن السلطانرضي الله عنه رسالة بهذه الفتوح إلى صاحب تونسنصها:
الخلافة التي ارتفع في عقائد فضلها الأصيل القواعد الخلاف، واستقلت مباني فخرها الشائع، وعزها الذائع على ما أسسه الأسلاف، ووجب لحقها الجازم، وفرضها اللازم الاعتراف، ووسعت الآملين لها الجوانب الرحيبة والأكناف، وامتزاجنا بعلائها المنيف، وولائها الشريف، كما امتزج الماء والسُّلاف، وثناؤنا على مجدها الكريم، وفضلها العميم، كم تأرجت الرياض الأفواف، لما زارها الغمام الوكاف، ودعاؤنا بطول بقائها، واتصال علائها، يسمو به إلى قرع أبواب السماوات العلا الاستشراف، وحرصنا على توفية حقوقها العظيمة، وفواضلها العميمة، لا تحصره الحدود، ولا تدركه الأوصاف، وإن عذر في التقصير، عن نيل ذلك المرام الكبير، الحق والإنصاف. خلافة وجهة تعظيمنا إذا توجهت الوجوه، ومن نؤثره إذا همنا ما نرجوه، وفديه ونبديه، إذا استمنح المحبوب، واستدفع المكروه، السلطان الخليفة، [الجليل الكبير الشهير، الإمام الهمام، الأعلى الأوحد، الأصعد، الأسعد، الأسمى، الأعدل، الأفضل، الأسنى، الأطهر، الأظهر، الأرضى، الأحفل، الأكمل، أمير المؤمنين أبي إسحاق ابن الخليفة الإمام البطل الهمام، عين الأعيان، وواحد الزمان، الكبير الشهير، الطاهر الظاهر، الأوحد الأعلى، الحسيب، الأصيل، الأسمى، العادل، الحافل، الفاضل، المعظم، الموقر الماجد، الكامل، الأرضى، المقدس، أمير المؤمنين أبي يحيى أبي بكر، ابن السلطان الكبير، الجليل، الرفيع، الماجد، الظاهر، الطاهر، المعظم، الموقر الأسمى، المقدس، المرحوم أبي زكريا، ابن الخليفة الإمام، المجاهد، الهمام، الكبير، الشهير الخطير، بطل الميدان، مفخر الزمان، الطاهر الظاهر، الأمضى المقدس، الأرضى، أمير المؤمنين أبي إسحاق، ابن الخليفة الهمام، الإمام؛ ذي الشهرة الجامحة، والمفاخر الواضحة، علم الأعلام، فخر السيوف والأقلام، المعظم الممجد، المقدس، الأرضى، أمير المؤمنين المستنصر بالله، أبي عبد الله بن أبي زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص] أبقاه الله، ومقامه مقام إبراهيم، رزقا وأمانا، لا يخص جلب الثمرات إليه وقتا، ولا يعين زمانا، وكان على من يتخطف الناس من حوله، مؤيدا بالله معانا، معظم قدره العالي على الأقدار، ومقابل داعي حقه بالابتدار، المثنى على معاليه المخلدة الآثار، في أصونة النظام والنثار، ثناء الروضة المعطار على الأمطار، الداعي إلى الله، بدوام بقائه في عزّة منسدلة الأستار، وعصمة ثابتة المركز، مستقيمة المدار، وأن يختم له بعد بلوغ غايات الآجال، ونهايات الأعمار، بالزلفى وعقب الدار.
سلام كريم، كما حملت نسمات الأسحار أحاديث الأزهار، وروت ثغور الأقاحي والبهار، عن مسلسلات الأنهار، وتجلى على منصة الاشتهار، وجه عروس النهار، يخص خلافتكم الكريمة النجار، العزيزة الجار، ورحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله الذي أخفى حكمته البالغة عن أذهان البشر، فعجزت عن قياسها، وجعل الأرواح كما ورد في الخبر تحن إلى أجناسها، منجد هذه الملة من أوليائه الجلة، بمن يروض الآمال بعد شماسها، وييسر الأغراض قبل التماسها، ويعنى بتجديد المودات في ذاته، وابتغاء مرضاته، على حين إخلاق لباسها، الملك الحق، واصل الأسباب بحوله، بعد انتكاث أمراسها، ومغني النفوس بطوله، بعد إفلاسها، حمدا يدر أخلاف النعم بعد إبساسها، وينشر رمم الآمال من أرماسها ويقدس النفوس بصفات ملائكة السماوات بعد إبلاسها. والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله، سراج الهداية ونبراسها، عند اقتناء الأنوار واقتباسها، مطهر الأرض من أوضارها وأدناسها، ومصطفى الله من بين ناسها، وسيد الرسل الكرام، ما بين شيثها وإلياسها، الآتي مهيمنا على آثارها في حين فترتها، ومن بعد نصرتها واستيناسنها، مرغم الضراغم في أخياسها، بعد افترارها وافتراسها، ومعفر أجرام الأصنام ومصمت أجراسها والرضا عن آله وأصحابه، وعترته وأحزابه، حماة شرعته البيضاء وحراسها، وملقحي غراسها، ليوث الوغى عند احتدام مراسها، ورهبان الدجى تتكفل مناجاة السميع العليم في وحشة الليل البهيم بإيناسها، وتُفاوح نواسم الأسحار عند الاستغفار بطيب أنفاسها، والدعاء لخلافتكم العلية المستنصرية بالصنايع التي تشعشع أيدي العزة القعساء من أكواسها، ولازالت العصمة الإلهية كفيلة باحترامها باحترامها واحتراسها، وأنباء الفتوح المؤيدة بالملائكة والروح، ريحان جلاسها، وآيات المفاخر التي ترك الأول للآخر، مكتتبة الأسطار بأطراسها، وميادين الوجود مجالاً لجياد جودها وبأسها، والعز والعدل منسوبين لفسطاطها وقسطاسها، وصفيحة النصر العزيز تفيض كفّها المؤيد بالله على رياسها، عند اهتياج أضدادها وشرَّة انتكاسها لانتهاب البلاد وانتهاسها، وهبوب وهبوب رياح رياحها وتمرد مرداسها.
فإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم من كتائب نصره أمدادا تذعن أعناق الأنام، لطاعة ملككم المنصور الأعلام، عند إحساسها، وأتاكم من آيات العنايات آية تضرب الصخرة الصماء ممن عصاها بعصاها، فتبادر بانبجاسها من حمراء غرناطة، حرسها الله، وأيام الإسلام، بعناية الملك العلام، تحتفل وفود الملائكة الكرام لولائمها وأعراسها، وطواعين الطعان، في عدو الدين المعان، تجدد عهدها بعام عمواسها [والحمد لله حمدا معادا يُقَيَّدُ شوارد النعم] ويستدر مواهب الجود والكرم والكرم ويؤمن من انتكاب الجدود وانتكاسها، ولي الآمال ومكاسها وخلافتكم هي المثابة التي يزهى الوجود بمحاسن مجدها. زهو الرياض بوردها وآسها، وتستمد أضواء الفضائل من مقباسها، وتروي رواة الإفادة والإبادة [غريب الوجادة] عن ضحاكها وعباسها، وإلى هذا أعلى الله معارج قدركم وقد فعل، وأنطق بحجج فخركم من احتفى وانتعل. فإنه وصلنا كتابكم الذي حسبناه على صنائع الله لنا تميمة، لا تَلْقَع بعدها عين، وجعلناه على حلل مواهبه قلادة لا يحتاج معها زين، ودعوناه من جيب الكنانة آية بيضاء الكتابة. الكتابة. لم يبق معها شك ولا مَيْن، وقرأنا منه وثيقة ودّ، هضم فيها عن غريم الزمان دين، ورأينا منه إنشاء، خدم اليراع بين يديه وشاء، واحتزم بهَيْمان عقدته مشاء، وسئل عن معانيه الاختراع، فقال: ﴿إنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إنْشَاءً﴾، فأهلاً به من عربيّ أبيّ يصف السانح والبانة، ويبين فيحسن الإبانة. أدى الأمانة، وسئل عن حَيَّه فانتمى إلى كنانة، وأفصح وهو لا ينبس، وتهللت وتهللت قسماته. وليل حبره يعبس وكأن خاتمة المقفل على صوانه، المتحف بباكر الورد في غير أوانه رعف من مسك عنوانه. ولله من قلم دبج تلك الحلل، ونقع بمجاج الدواة المستمدة من عين الحياة الغلل. فلقد تخارق في الجود، مقتديا بالخلافة التي خلد فخرها في الوجود، فجاد بسر البيان ولبلبه، وسمح في سبيل الكرم حتى بماء شبابه، وجمح لفرط بشاشته وفهامته، بعد شهادة السيف بشهامته، فمشى من الترحيب في الطرس الرحيب على أم هامته. وأكرم به من حكيم أفصح بملغوز الإكسير، في اللفظ اليسير، وشرح بلسان الخبير، سر صناعة التدبير، كأنما خدم الملكة الساحرة بتلك البلاد، قبل اشْتجار الجلاد فآثرته بالطارف، من سحرها والتلاد، أو عثر بالمعلقة، وتيك القديمة المطلقة، بدفينة دار، أو كنز تحت جدار، أو ظفر لباني الحنايا، قبل أن تقطع به عن أمانيه المنايا، ببديعة، أو خلف جرجير الروم، قبل منازلة القروم على وديعة، أو أسَهَمة ابن أبي سرح سرح في نشب للفتح وسرح، أو ختم له رَوْح بن حاتم حاتم ببلوغ المطلب، أو غلب الحظوظ بخدمة آل الأغلب، أو خصه زيادة الله بمزيد، أو شارك الشيعة في أمر أبي زيد، أو سار على منهاج في منصحة بني صنهاج، وفضح بتخليد أمداحهم، كل هاج. وأعجب له، وقد عزز منه مثنى البيان بثالث، فجلب سحر الأسماع، واسترقاق الطباع بين مثان للإبداع ومثالث. كيف اقتدر على هذا المحيد، وناصح مع التثليث مقام التوحيد، نستغفر الله ولي العون، على الصَّمْت والصَّوْن. فالقلم فالقلم هو الموحد قبل الكون، والمتصف بصفات السادة، أولي العبادة، بضمور الجسم وصفرة اللون. وإنما هي كرامة فاروقية، وأثارة من حديث سارية وبقية، سفر وجهها في الأعقاب، بعد طول الانتقاب، وتداول الأحقاب، ولسان مناب عن كريم جناب، وإصابة السهم لسواه محسوبة، وإلى الرمي الذي يسدّده منسوبة ولا تنكر على الغمام بارقة، ولا على المتحققين بمقام التوحيد كرامة خارقة، فما شاءه الفضل من غرائب بر بر وجد، ومحاريب خلق كريم ركع الشكر فيها وسجد، حديقة بيان استثارت نواسم الإبداع من مَهَبَّها، واستزارت غمائم الطباع، من مصبها فآتت أكلها مرتين مرتين بإذن ربها، لا بل كتيبة عز طاعنت بقنا الألفات سطورها، فلا يرومها النقد ولا يطورها ونزعت عن قسي النونات خطوطها، واصطفت من بياض الطرس، وسواد النفس بُلْقٌ تحوطها. فما كأس المدير على الغدير، بين بين الخورنق، والسدير، تقامر بنرد الحباب، عقول عقول ذوي الألباب، وتغرق كسرى في العباب، وتهدي وهي الشمطاء، نشاط الشباب. وقد أسرج ابن سُريح وألجم، وأفصح القريض بعد ما جَمْجم، وأعرب النأي الأعجم، وقع مُعيدا بالقضيب، وشرعت وشرعت في حساب العقد بنان الكف الخضيب، وكأن الأنامل فوق مثالب العود ومثانيه، وعند إغراء الثقيل بثانيه، وإجابة صدى الغناء بين مغانيه. المراود تشرع في الوشي أو العناكب تسرع في المشي، فما المخبر بنيل الرَّغائب، أو قدوم الحبيب الغائب، لا بل إشارة البشير، بكم المشير على العشير، بأجلب للسرور من زايره المُتَلَقَّى بالبرور، وأدعى للحبور من سفير المبهج السفور. السفور. فلم نر مثله من كتيبة كتاب تجنب الجرد، تمرح تمرح في الأرسان، وتتشوف مجالي ظهورها إلى عرائس الفرسان، وتهز معاطف الارتياح، من صهيلها الصراح بالنغمات الحسان. إذا أوجست الصريخ نازعت إثناء إثناء الأعنَّة، وكاثرت بأسنة آذانها مشرعة الأسنة، فإن فإن ادعى الظليم إثكالها فهو ظالم، أو نازعها الظبي الظبي هواديها وأكفالها فهو هاذ أو حالم. وإن سئل الأصمعي عن عيوب الغرر والأوضاح، قال مشيرا إلى إلى وجوهها الصباح، "جلدة بين العين والأنف سالم" من كل عبل الشوى، مسابق للنجم إذا ما هَوَى سامى التليل، عريض ما تحت الشليل، ممسوحة أعطافه بمنديل النسيم النسيم البليل، من أحمر كالمدام، تجلى على الندام عقب الفدام، أتحف لونه بالورد، في زمن البرد، وحُيَّي أفق أفق محياه بكوكب السعد، وتشوف الواصفون إلى عد محاسنه، فأعيت على العد. بحر يساجل البحر، عند المد، وريح تباري الريح عند الشد، بالذراع الأشد، حكم له مُدَبَّرُ فلك الكفل باعتدال فصل القد، وميزه قدره الميز يوم الاستباق، بقصب السباق، عند اعتبار الجد، وولد مختط غرته أشكال الجمال، على الكمال، بين البياض والحمرة، ونقاء الخد، وحفظ رواية الخلق الوجيه عن جده الوجيه، ولا تنكر الرواية على الحافظ ابن الجد، وأشقر أبيُّ الخلق والوجه الطلق أن يحقر كأنما صيغ من من العسجد، وطرف بالدر، وأنعل بالزبرجد. ووسم في الحديث، بسمة اليمن والبركة، واختص بفلج الخصام عند اشتجار المعركة وانفرد بمضاعف السهام، المنكسرة على على الهام، في الفرائض المشتركة، واتصفت فلك كفله كفله بحركتي الإرادة، والطبع من أصناف الحركة. أصغى إلى السماء بأذن الملهم، وأُغْرِيَ لسان الصَّهيل عند التباس معاني المهمز، والتسهيل ببيان المبهم، وفتنت العيون، من ذهب جسمه، ولجين نجمه بحب الدُّنَيْر والدَّرهم، فإن انقض فرجم، أو ريح لما هجم، وإن اعترض فشفق لاح به للنجم نجم. وأصفر قيد الأوابد الحرة، وأمسك المحاسن، وأطلق الغرة، وسئل من أنت في قواد الكتائب، وأولي الأخبار العجائب، فقال: أنا المهلب بن أبي صفرة، نرجس هذه الألوان، في رياض الأكوان، تحيا به محيا الحرب العوان. أغار بنخوة الصائل الصائل على معصفرات الأصائل، فارتداها، وعمد إلى خيوط شعاع الشمس، عند جانحة الأمس، فألحم منها حلته وأسداها، واستعدت عليه ملك المحاسن فما أعداها، فهو أصيل تمسك بذيل الليل عرفه وذيله، وكوكب يطلعه من القتام ليله، فيحسده فرقد الأفق وسهيله، وأشهب تغشى من لونه مَفاضه وتسربل منه لأْمَةٌ فضفاضة، قد احتفل زينه، لما رقم بالنبال لجينه، فهو الأشمط الذي حقه لا يغمط، والدارع المسارع والأعزل الذَّارع، وراقي الهضاب الفارع، ومكتوب الكتيبة البارع، وأكرم به من مرتاض سالك، ومجتهد على غايات السابقين الأولين متهالك. وأشهب يروي من الخليفة، ذي الشَّيَم المنيفة، عن مالك. وحُباريّ كلما سابق وبارى، أستعار جناح الحُبارى، فإذا أعلمت هذه الحسبة، قيل من هنا جاءت النسبة طرد النمر لما عظم أمره وأمر، فنسخ وجوده بعدمه، وابتزه الفروة، ملطَّخة بدمه، وكأن مضاعف الورد، نثر عليه من طبقه، أو الفلك، لما ذهب الحلك، مزح فيه بياض صبحه بحمرة شفقه، وقرطاسي حقه لا يجهل، متى ما ترقى العين فيه تسهل، إن نزع عنه جله، فهو نجم كله، انفرد انفرد بمادة الألوان، قبل أن تَشُوبها يد الأكوان، وتمزجها وتمزجها أقلام المَلَوَان، يتقدم منه الكتيبة لواء ناصع، ناصع، أو أبيض مماصع. لبس وقار المشيب، في ريعان ريعان العمر القشيب، وأنصتت الآذان من صهيله المطيل المطيب، لما ارتدى بالبياض إلى نغمة الخطيب وإن تعتب منه للتأخير المتعتب، قلنا الواو لا ترتب، ما بين فحل وحرة، وبَهْرَمانة ودرة، ويا لله من ابتسام غرة، ووضوح يمن في طرة، وبهجة للعين وقرة. وإن ولع الناس بامتداح القديم، وخصوا الحديث بفري الأديم، وأوجب المتعصب، وإن أبى المنصب مزية التقديم، وطمح إلى رتبة المخدوم طرف الخديم، وقورن المثري بالعديم، وبخس في سوق الكسد الكيل، ودجا الليل وظهر في فلك الإنصاف الميل، لما تذوكرت الخيل، فجيء بالوجيه والخطار، والزّائد وذي الخمار، وداحس والسكب، والسكب، والأبجر وزاد الركب، والجموح واليحموم، والكميت ومكتوم، والأحوج والحلوان، ولاحق والغضبان، وعفزر والزعفران، والمحبر واللعاب، والأغر والأغر والغراب، وشعلة والعقاب، والفياض واليعبوب، والمذهب واليعسوب، والصَّموت والقطيب، والقطيب، وهديب والصبيب، وأهلوب وهداج، والحرون وخرَّاج، وعلوى والجناح، والأحوى ومُجاج، والعصا والنعامة، والبلقاء والحمامة، وسكاب والجرادة، وخوصاء والعرادة، فكم بين الشاهد والغائب، والفروض والرغائب، وفرق ما بين الأثر والعيان، غني عن البيان، وشتان ما بين الصريح والمشتبه، ولله در القائل في مثلها: "خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به". والناسخ يختلف به الحكم، وشر الدواب عند التفضيل بين هذه الدَّواب، الصُّمُّ البُكْم، إلاّ ما ركبه نبي. أو كان له يوم الافتخار برهان خبيّ ومفضل ما سمع على ما رأى غبيّ، فلو أنصفت محاسنها التي وصفت، لأقضمت حب القلوب علفا، وأوردت ماء الشبيبة نطفا، واتخذت لها من عذر الخدود الملاح عذر موشية، وعللت بصفير ألحان القيان كل عشية، انعلت بالأهلة، وغطيت بالرياض بدل الأجلة. إلى الرقيق، الخليق بالحسن الحقيق، تسوقه إلى مثوى الرعاية روقة الفتيان راعته، ويُهْدي عقيقها من سَبَجِه أشكالا تشهد للمخترع سبحانه، بأحكام ومخترعاته، وقفت ناظر الاستحسان لا يريم، لما بهره منظرها الكريم، وتخامل الظليم، وتضاءل الرّيم. وأُخْرِس مُفَوَّه اللسان، وهو [بملكة بملكة التبيان] الحفيظ العليم. وناب لسان الحال عن لسان لسان المقال، عند الاعتقال، فقال يخاطب المقام، الذي أطلعت أزهارها غمائم جوده، واقتضت اختيارها بركة وجوده، لو علمنا أيها الملك الأصيل، الذي كرم منه الإجمال، والتفصيل، أن الثناء يوازيها لكلنا لك بكيلك، أو الشكر يعادلها ويجازيها، لتعرضنا بالوَشَل إلى نيل نيل نيلك، أو قلنا هي التي أشار إليها مستصرخ سلفك المستنصر بقوله: ((أدرك بخيلك)) حين شَرِقَ بدَمْعه بدَمْعه الشّرق، وانهزم الجمع، واستولى الفَرَق، واتسع فيه، والحكم لله، الخرق، ورأى أن مقام التوحيد بالمظاهرة على التثليث، وحزبه الخبيث، هو الأولى والأحق. والآن قد أغنى الله بتلك النية، عن إنجاد الطوال الرَّدِينِيَّة، وبالدعاء من تلك المثابة الدينية، إلى رب البنية، عن الأمداد السنية، والأجواد تخوض بحر الماء إلى بحر المنية، وعن الجرد العربية في مقاود الليوث الأبية. فجدَّد برسم برسم هذه الهدية، مراسم العهود الودية، والذمم الموحدية لتكون علامة على الأصل، ومُكذَّية لدعوى الوقف والفصل، وإشعارا بالألفة التي لا تزال ألفها [بحول الله] الله] ألف الوصل، ولامها حراما على النصل. وحضر بين يدينا رسولكم فلان، فقرر من فضلكم، ما لا ينكره من عرف علو مقداركم، وأصالة داركم، وفلك إبداركم، وقطب مداركم، وأجبناه عنه بجهد ما كنا لنقنع من جناه المهتصر، بالمقتضب المختصر، ولا لنقابل طول طوله بالقصر، لولا طروء الحصر. وقد كان بين الأسلاف رحمة الله عليهم ورضوانه، وُدٌّ أبرمت من أجل الله معاقده، ووثرت للخلوص الجلي النصوص، مضاجعه القارة ومراقده، وتعاهد بالجميل، توجع لفقده [ فيما سلف] فاقده أبى الله ألا يكون لكم الفضل في تجديده، والعطف بتوكيده. ونحن الآن لا ندري أي مكارمكم نذكر أو أي فواضلكم نشرح أو نشكر، أمفاتحتكم التي هي في الحقيقة عندنا فتح، أم هديتكم وفي وصفها للأقلام سبح، ولعدو الإسلام بحكمتها كبح. إنما نكل الشكر لمن يوفي جزاء الأعمال البرة، ولا يبخس مقال الذرة، ولا أدنى من مثقال الذرة، ذي الرحمة الثرة، والألطاف المتصلة المستمرة لا إله إلا هو. وإن تشوفتم إلى الأحوال الراهنة، وأسباب الكفر الواهية [بقدرة الله] الواهنة، فنحن نطرفكم بطرفها، ونطلعكم على سبيل الإجمال بطَرَفها، وهو أننا لما أعادنا الله من التمحيص، إلى مثابة التخصيص، من بعد المرام العويص، كحلنا بتوفيق الله بصر البصيرة، ووقفنا على سبيله مسعي الحياة القصيرة، ورأينا كما نقل إلينا، وكرَّر على من قبلنا وعلينا، أن الدنيا، وإن غر الغرور، وأنام على سرر الغفلة السرور، فلم ينفع الخطور على أجداث الأحباب والمرور، جسر يعبر، ومتاع لا يغبط من حبي به، ولا يُجبر إنما هو خبر به يخبر [وأن الحسرة الحسرة بمقدار ما على تركه تجبر] وأن الأعمار أحلام، أحلام، وأن الناس نيام، وربما رحل الراحل عن الخان، وقد جلله بالأذى والدخان أو ترك به طِيبا، وثناء يقوم بعده للآتي خطيبا، فجعلنا العدل في الأمور ملاكا، والتفقد للثغور مسواكا، وضجيج المهاد، حديث الجهاد، وأحكامه مناط الاجتهاد، وقوله: ﴿ يَا أيُّهَا
الذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُّلُكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾؛ دليل
الاستشهاد، وبادرنا رَمَق الحصون المضاعة، وجنح وجنح التقية دامس، [وعورتها لا ترد يد لامس]، لامس]، وساكنها بائس والأعصم في شَعَفاتها من من العصمة آيس، فًزَيَّنا ببيض الشرفات ثناياها، وأفعمنا بالعذب الفرات ركاياها، وغشينا بالصفيح المضاعف أبوابها، واحتسبنا عند موفي الأجور ثوابها، وبيضنا بناصع الكلس أثوابها، فهي اليوم توهم حِسَّ العيان، أنها قطع من بيض العنان، تكاد تناول قرص البدر بالبنان، متكفلة للمؤمن، من فزع الدنيا والآخرة والآخرة بالأمان، وأقرضنا الله قرضا، وأوسعنا مدونة الجيش عرضا، وفرضنا أنصافه مع الأهلة فرضا، واستندنا من التوكل على الله الغني الحميد إلى ظل لواء، ونبذنا إلى الطاغية عهده على سواء، وقلنا: ربّ أنت العزيز، العزيز، وكل جبّار لعزك ذليل، وحزبك هو الكثير، وما سواه فقليل، أنت الكافي، ووعدك الوعد الوافي فأفض علينا مدارع الصابرين، واكتبنا من الفائزين، بحظوظ
رضاك، الظافرين، ﴿وَثَبَّتْ أقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ
الكَافِرِينَ ﴾. فتحركنا أولى الحركات، وفاتحة مصحف البركات، في خف من الحشود، واقتصار على من بحضرتنا من العساكر المظفرة والجنود إلى حصن آشر البازي المطل [وركاب العدو] الضال المضل، ومهدي ومهدي نفثات الصل، على امتناعه وارتفاعه، وسموّ يفاعه، وما بذل العدو فيه من استعداده، وتوفير أسلحته وأزواده، وانتخاب أنجاده. فصلينا بنفسنا ناره، وزاحمنا وزاحمنا عليه الشهداء نصابر أواره، ونلقي بالجوارح العزيزة سهامه المسمومة، وجلامِدَه الملمومة وأحجاره، حتى فرعنا بحول من لا حول ولا قوة إلاّ به، أبراجه المنيعة وأسواره، وكففنا عن البلاد والعباد أضراره، بعد أن استضفنا إليه حصن السهلة جاره، ورحلنا عنه بعد أن شحناه رابطة وحامية، وأزوادا نامية، وعملنا في بيدنا في في رم ما ثلم القتال، وبقر من بطون مسابقة الرجال واقتدينا بنبينا صلوات الله وسلامه عليه في الخندق، لما حمى ذلك المجال، ووقع الارتجاز المنقول خبره والارتجال، وما كان ليقر الإسلام مع تركه القرار، وقد وقد كتب الجوار، وتداعى الدعرة، وتعاوى الشرار. وقد كنا أغزينا الجهة الغربية من المسلمين بمدينة بُرغة التي سدت بين القاعدتين رندة ومالقة الطريق، الطريق، وألبست ذل الفراق ذلك الفريق، ومنعتهما أن تسيغا الريق، فلا سبيل إلى الإلمام لطيف المنام إلا في الأحلام، ولا رسالة إلا في أجنحة هدي الحمام، فيسر فيسر الله فتحها، وعجل منحها، بعد حرب أنبتت فيها النحور وتزينت الحور، وتبع هذه الأم بنات شهيرة، وبقع للزرع والضرع خيرة، فشفي الثغر من بوسه، وتهلل وجه الإسلام بتلك الناحية بعد عبوسه. ثم أعملنا الحركة إلى مدينة الجزيرة، على بعد المدا [وتغلغلها في] بلاد العدا، واقتحام هول الفلا وغول الرَّدى، مدينة تبنتها تبنتها حمص، فأوسعت الدار، وأغلت الشوار، وراعت الاستكثار، وبسطت الاعتمار، رجح إلينا قصدها على البعد، والطريق الجعد، ما أشقت به المسلمين، من من استئصال طائفة من أسراهم، مروا بها آمنين، وبطائرها المشئوم متيمنين، قد أنهكم الاعتقال، والقيود والقيود الثقال، وأضرعهم الإسار، وجللهم الانكسار. فجدلوهم في مصرع واحد، وتركوهم عبرة للرائي والمشاهد، وأهدوا بوقيعتهم إلى الإسلام، ثكل الواجد، وتِرَة الماجد، فكبسناها كبسا، وفجأناها، بإلهام من لا يضل ولا ينسى، فصبحتها الخيل، ثم تلاحق الرَّجْل لمَّا لمَّا جَنَّ اللَّيْل، وحاق بها الويل، فأبيح منها الذَّمَار الذَّمَار وأخذها الدمار، ومحقت من مصانعها البيض البيض الأهلة، وخسفت الأقمار، وشفيت من دماء أهليها، الضلوع الحرار، وسلطت على هياكلها النار، النار، واستولى على الآلاف العديدة من سبيها الإسار، الإسار، وانتهى إلى إشبيلية الثكلى المغار، فجلل وجوه من بها من كبار النصرانية الصغار، واستولت الأيدي على ما لا يسعه الوصف ولا تقله الأوقار، وعدنا والأرض تموج سبيا، لم تترك بِعِفَّرين شبلاً، ولا بَوْجرة ظبيا، والعقائل حسرى، والعيون يبهرها الصنع الأسرى، وصبح السرى قد حمد، من بعد بعد المسرى، ف﴿سُبْحَان الذِي أسْرَى﴾، ولسان الحمية ينادي في تلك الكنائس المخزية والنوادي، يا لثارات الأسرى. ولم يكن يكن إلاّ أن نُفَّلَت الأنفال، ووسمت بالأوضاخ الأغفال، وتميزت الهوادي والأكفال، وكان إلى غزو مدينة جيان الاحتفال، قدنا إليها الجرد تلاعب الظلال نشاطا، والأبطال تقتحم الأخطار رضى بما عند الله اغتباطا، والمهندة الدَّلِق تسبق إلى الرقاب استلالا واختراطا، والرَّدِينِيَّة السمر تسترط حيَّاتها النفوس استراطا. [واستكثرنا من عدد القتال احتياطا]، وأزحنا وأزحنا العلل عمن أراد جهادا، منجيا غباره من دخان دخان جهنم ورباطا، ونادينا الجهاد الجهاد، يا [أمة الجهاد راية] النبي الهاد ((الجنة الجنة تحت ظلال السيوف)) الحداد، فهزّ النداء إلى الله تعالى، كل عامر عامر وغامر، وائتمر الجمّ من دعوة الحق إلى أمر آمر، وأتى الناس من الفجوج العميقة رجالاً، ﴿وَعَلَى كُلَّ ضَامِرٍ ﴾، وكاثرت الرَّايات أزهار البطاح لونا وعدا، وسدت وسدت الحشود مسالك الطرق العريضة سدا، ومد بحرها الزاخر مدا، فلا يجد لها الناظر ولا المناظر حدا. وهذه المدينة هي الأم الولود، والجنة التي في النار لسكانها من الكفّار الخلود، وكرسي الملك، ومجنبته الوسطى، من ذلك السلك، باءت بالمزايا العديدة، ونجحت وعند الوزان بغيرها من أُمَّات البلاد رجحت، رجحت، غاب الأسود، وجحر الحيات السود، ومنصب التماثيل الهائلة، ومعقل النواقيس الصائلة. وأدنينا إليها المراحل [وعينا لبحار] المحلات المستقلات منها منها الساحل. ولمّا أكْثَبْنا جوارها، وكدنا نلمح نارها، نارها، تحركنا ووشاح الأفق المرقوم بزهر النجوم، قد دار دائره، والليل من خوف الصباح، على سرحه المستباح، المستباح، قد شابت غدائره، والنسر يرفرف باليمن طائره، والسَّماك الرامح يثأر بعزّ الإسلام ثائره، والنعائم راعدة فرائض الجسد من خوف الأسد، والقوس يرسل سهم السعادة، بوتر العادة إلى أهداف النَّعَم المعادة، والجوزاء عابرة نهر المجرة، والزهرة تغار من الشعرى العبور بالضرة، وعطارد يسدي في حبل الحروب على البلد المحروب ويلحم، ويناظر على أشكالها الهندسية فيفحم، والأحمر يبهر، والعلم الأبيض يفري وينهر، والمشتري في فضل الجهاد ويعيذ، ويزاحم في الحلقات الحلقات على ما للسعادة من الصفات ويزيد، وزحل عن الطالع منزحل، وعن العاشر مرتحل، وفي زلق السقوط وحل، والبدر يطارح حجر المنجنيق، كيف يهوي إلى النيق، ومطلع الشمس يرقب، وجدار الأفق يكاد بالعيون عنها ينقب. ولما فشا سر الصباح واهتز أعطاف أعطاف الرايات لتحيات مبشرات الرياح، أطللنا عليها إطلالا الأسود على الفرائس، والفحول على العرائس، فنظرنا منظرا يروع بأسا ومنعة، ويروق وضعا وصنعة، تلفعت معاقله الشم للسحاب ببرود ووردت من غدير المزن في برود، وأسرعت لاقتطاف أزهار النجوم، والذراع بين النطاق معاصم رود، وبلدا يعيي الماسح والذارع، وينتظم المحاني والأجارع. فقلنا الهم نفله أيدي أيدي عبادك، وأرنا فيه آية من آيات جهادك، فنزلنا بساحتها العريضة المتون، نزول الغيث الهتون، وتيمنا من فحصها الأفيح بسورة التين والزيتون، متبرية من أمان الرحمن للبلد المفتون، وأعجلنا الناس بحمية نفوسهم النفيسة، وسجية شجاعتهم البئيسة، عن أن نُبَوَّىِءَ للقتال المقاعد، وندني بإسماع شهير النفير منهم الأباعد. وقبل أن يلتقي الخديم بالمخدوم، ويركع المنجنيق ركعتي القدوم، فدافعوا من أصحر إليهم من الفرسان، وسبق وسبق إلى حومة الميدان، حتى أحجروهم في البلد، وسلبوهم لباس الجلد، في موقف يذهل الوالد عن الولد، صابت السهام فيه غماما، وطارت كأسراب الحمام تهدي حماما، وأضحت القنا قصدا، بعد أن كانت شهابا رصدا. وماج بحر القتام بأمواج النصول، وأخذ الأرض الرجفان لزلزال الصباح الموصول. فلا ترى إلا شهيدا تظلل مصرعه الحور، وصريعا تقذف به إلى الساحل أمواج تلك البحور، ونواشب تبأى بها الوجوه الوجوه الوجيهة عند الله والنحور، فالمقضب فوده يُخْصَب، والأسمر غصنه سيثمر، والمغفر حماه يخفر، يخفر، وظهور القسيّ تُقْصَم، وعصم الجند الكوافر الكوافر تفصم. وورق اليلب في المنقلب يسقط، والبتر تكتب، والسمر تنقط، فاقتحم الربض الأعظم لحينه، وأظهر الله لعيون المبصرين والمستبصرين عزة دينه، وتبرأ الشيطان من خدينه وبَهَت الكفار وخذلوا وبكل وبكل مَرْصَدٍ جدلوا، ثم دخل البلد بعده غلابا، وجلل وجلل قتلا واستلابا، فلا تسل إلا الظبا والأسل، عن قيام ساعته، وهول يومها وشناعته، وتخريب المبايت والمباني، وغنى الأيدي من خزائن تلك المغاني، ونقل الوجود الأول إلى الوجود الثاني، وتخارق السيف فجاء فجاء بغير المعتاد، ونهلت القنا الرَّدِينِيَّة من الدماء، حتى حتى كادت تورق كالأغصان المغترسة والأوتاد، وهامت أفلاك القسي وسحت، وأرنت حتى بحت، ونفدت مواردها فشحت بما ألحت، وسدت المسالك جثث القتلى فمنعت العابر، واستأصل الله من عدوه الشأفة وقطع الدابر، وأزلف الشهيد، وأحسب الصابر، وسبقت رسل الفتح الذي لم يسمع بمثله في الزمن الغابر، تنقل البشرى من أفواه المحابر، إلى آذان المنابر. أقمنا بها أياما نعقر الأشجار، ونستأصل بالتخريب الوجار، ولسان الانتقام من عبدة الأصنام، ينادي يا لثارات الإسكندرية تشفيا من الفجار، ورعيا لحق الجار. وقفلنا وأجنحة الرايات برياح العنانات خافقة، وأوفاق التوفيق، الناشئة الناشئة من خطوط الطريق موافقة، وأسواق العز بالله نافقة، وحملاء الرفق مصاحبة، والحمد لله، مرافقة، وقد ضاقت ذروع الجبال عن أعناق الصب السَّبال، ورفعت ورفعت على الأكفال ردفاء كرائم الأنفال، وقلقلت من النواقيس أجرام الجبال بالهندام والاحتيال، وهلك بمهلك هذه الأم، بنات كن يرتضعن ثديها الحوافل، ويستوثرن حجرها الكافل، شمل التخريب أسوارها، وعجلت النار بواها.
ثم تحركنا بعدها حركة الفتح، وأرسلنا دِلاَء الأدلاَّء قبل المَتْح، فبشرت بالمنح. وقصدنا لمدينة أُبَّدَة، وهي ثانية الجناحين، وكبرى الأختين، ومساهمة جيان في حين الحين، مدينة أخذت عرض الفضاء الأخرق، وتمشت في أرباضها تمشي الكتابة الجامحة في المُهْرَق، المشتملة المشتملة على المتاجر والمكاسب، والوضع المناسب، والفلح المعيي رَيْعًه عمل الحاسب، وكوارة الدير اللاّسِب، [المتعددة اليعاسب] فأناخ العفاء بربوعها العامرة، ودارت كؤوس عقار الحتوف ببنان السيوف على متديريها المعاقرة، وصبحتها طلائع الفاقرة، وأغنيت ببطون أسوارها، عوج المعاول الباقرة، ودخلت مدينها عنوة السيف، في أسرع من خطرة الطيف، ولا تسل عن الكيف. فلم يبلغ العفاء من مدينة حافلة، وعقيلة في حلل المحاسن رافلة، ما بلغ من هذه البائسة، التي سجدت لآلهة النيران أبراجها، وتضاءل بالرغام معراجها، وضفت على أعطافها ملابس الخذلان وأقفر من كنائسها كناس الغزلان. ثم تأهبنا لغزو أم القرى الكافرة، وخزائن المزائن الوافرة، وربة الشهرة السافرة، [والأنباء [والأنباء المسافرة] قرطبة، ﴿وَمَا أدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾، ذات ذات الأرجاء الحالية الكاسية، والأطواد الراسخة الراسية، والمباني المباهية، والزهراء الزاهية، والمحاسن غير المتناهية، حيث هالة بدر السماء، قد استدارت من السور المشيد البناء دارا، ونهر المجرة من نهرها الفياض، الملسول حسامه من غمود الغياض قد لصق بها جارا، وفلك الدولاب المعتدل الانقلاب، قد استقام مدارا، ورجع الحنين اشتياقا إلى الحبيب الأول، وادكارا، حيث الطود كالتاج، يزدان بلجين العذب المجاج فيزري بتاج كسرى ودارا، حيث قسي الجسور المديرة، كأنها عوج المَطِيَّ الغريرة، تعبر النهر قطارا، حيث آثار العامري المجاهد، تعبق بين تلك المعاهد شذا معطارا، حيث كرائم السَّحاب تزور عرائس الرياض الحبايب فتحمل لها لها من الدر نثارا، حيث شمول الشَّمال تدار على الأدواح، بالغدو والرواح، فترى الغصون سكارى، وما هي بسكارى، حيث أيدي الافتتاح تفتض من شقائق البطاح أبكارا، حيث ثُغُور الأقاح الباسم، تقبلها بالسحر زوار النواسم، فتخفق قلوب النجوم، الغيارى حيث المصلى العتيق قد رحب مجالا، وطال منارا، وأزرى ببلاط الوليد احتقارا، حيث الظهور المثارة بسلاح الفلاح، تجب عن مثل أسنمة المهارى، والبطون كأنها لتدميث الغمائم بطون العذارى، والأدواح العالية تخترق أعلامها الهادية بالجداول الخيارى. فما شئت من جو صقيل صقيل ومعرس للحُسْن ومقيل، ومالك للعقل وعقيل، وخمائل كم فيها للبلابل من قال وقيل، وخفيف يجاوب بثقيل، وسنابل تحكي من فوق سوقها، وقضب بسوقها الهمزات فوق الألفات، والعصافير البديعة الصفات، فوق القضب المؤتلفات، تميل لهبوب الصَّبا والجنوب، مالئة الجيوب بدرر الحبوب، وبطاح لا تعرف تعرف عين المحل، فتطلبه بالذخل، ولا تصرف في خدمة بيض قباب الأزهار، عند افتتاح السوسن والبهار، غير العبدان من سودان النحل، وبحر الفلاحة الذي لا يدرك ساحله، ولا يبلغ الطيَّة البعيدة راحله، إلى الوادي، وسمر النوادي، وقرار دموع الغوادي المتجاسر على تخطيه، عند تمطيه، الجسر العادي، والوطن الذي ليس من عمرو ولا زيد، والفرا الذي في جوفه كل صيد أقل كرسيه خلافة الإسلام، وأغار بالرصافة والجسر دار السلام، وما عسى أن تطنب في وصفه ألسنة الأقلام، أو تعبر به عن ذلك الكمال، فنون الكلام. فأعملنا إليها السرى والسير، وقدنا إليها الخيل وقد عقد الله في نواصيها الخير. ولما وقفنا بظاهرها المبهت المعجب، واصطففنا بخارجها المنبت المنجب، والقلوب تلتمس الإعانة من منعم مجزل، وتستنزل مدد الملائكة من منجد منزل، والركائب واقفة من خلفنا بمعزل، تتناشد في معاهد الإسلام:
(ِ(قِفا نَبكِ من ذكرَى حبيب ومَنْزل)).
برز من حاميتها المحامية، ووقود النار الحامية، وبقية السيف الوافرة على الحصاد النامية، قطع الغمائم الهامية، وأمواج البحور الطامية واستجنت بظلال أبطال المجال، أعداد الرجال الناشبة والرامية، وتصدى للنزال، من صناديدها الصهب السيال، أمثال الهضاب الراسية، يجنُّها جُنَنُ السوابغ الكاسية، وقواميسها المُغادية للصلبان يوم بؤسها بنفوسها المواسية وخنازيرها التي عدتها عن قبول حجج الله ورسوله، ستور الظلم الغاشية، وصخور القلوب القاسية، فكان بين الفريقين أمام جسرها الذي فرق البحر، وحلي بلجينه ولآلي زينه منها النحر، حرب لم تنسج الأزمان على منوالها، ولا أتت الأيام الحبالى بمثل أجنة أهوالها، من قاساها بالفجار أفك وفجر، أو مثلها بجفر الهِباءَة خرف هجر، ومن شبهها بحرب داحس والغبراء، فما عرف الخبر، فليسل من عرَّف وخبر. ومن نظرها بيوم شعب جبله، فهو ذو بله، أو عادلها ببطن عاقل، فهو غير عاقل أو احتج بيوم ذي قار، فهو إلى المعرفة ذو افتقار. أو ناضل بيوم الكديد، فسهمه غير السديد. إنما كان مقاما غير معتاد، ومرعى نفوس لم يَفِ بوصفه لسان مرتاد، وزلزال جبال أوتاد، ومتلف مذخور لسلطان الشيطان وعتاد، أعلم فيه البطل الباسل، وتورَّد الأبيض الباتر، الباتر، وتأود الأسمر العاسل، ودوم الجلمد المتكاسل، وانبعث من حدب الحنية إلى هدف الرمية الناشر الناسل، ورويت لمرسلات السهام المراسل، ثم أفضى أمر الرماح إلى التشاجر والارتباك، ونَشِبَت الأسنَّة في الدروع نَشَب السمك في الشباك، ثم اختلط المرعى بالهمل، وعزل الرَّديني عن العمل، وعادت السيوف من فوق المفارق تيجانا، بعد أن شقت غدر السوابغ خلجانا، واتحدت جداول الدروع فصارت بحرا، وكان التعانق، فلا ترى إلا نحرا يلازم نحرا، عناق وداع، وموقف شمل ذي انصداع، وإجابة مناد إلى فراق الأبد وداع. واستكشفت مآلَ الصبر الأنفس الشفافة، وهبت بريح النصر الطلائع المبشرة الهفافة، ثم أمد السَّيْل ذلك العباب، وصقل الاستبصار الألباب، واستخلص العزم صفوة اللباب،
وقال لسان النصر: ﴿ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ ﴾
فأصبحت طوائف الكفار، حصائد مناجل الشفار، فمغافرهم قد رضيت حرماتها بالإخفار، ورؤوسهم ورؤوسهم محطوطة في غير مقام الاستغفار، وعلت الرايات من فوق تلك الأبراج المستطرفة والأسوار، ورفرف على المدينة جناح البوار، لولا الانتهاء إلى الحد والمقدار، والوقوف عند اختفاء سر الأقدار. ثم عبرنا نهرها، وشَدَدْنا بيدي الله قهرها، وضيقنا حصرها [ وأدرنا بلآليء القباب البيض خصرها]، وأقمنا بها أياما تحوم عقبان البنود على فريستها حِياماً، وندمى الأدواح ببوارها، ونسلط النَّيران على أقطارها، فلولا عائق المطر، لحصلنا من فتح ذلك الوطن على الوطر. فرأينا أن نروضها بالاجتثاث والانتساف، ونوالي على زروعها، وربوعها كرات رياح الاعتساف، حتى يتهيأ للإسلام لوك طعمتها، ويتهنأ بفضل الله، إرث نعمتها. ثم كانت عن موقفها الإفاضة بعد نحر النُّحور، النُّحور، وقذف جمار الدمار، على العدو المدحور، وتدافعت خلفنا [السَّيقات المتسقات] تدافع أمواج البحور البحور وبعد أن ألححنا على جناتها المصحرة، وكرومها المستبحرة إلحاح الغريم، وعوضناها المنظر الكريه [من المنظر الكريم]: وطاف عليها طائف من ربَّك فأصبحت كالصَّريم، وأغرينا حلاق النار بحمم الجحيم، وراكمنا في أجواف أجوائها غمائم الدخان، الدخان، تذكر طيبة البان بيوم الغميم، وأرسلنا رياح الغارات، لا تذر من شيء أتت عليه، إلا جعلته كالرميم، واستقبلنا الوادي يهول مدا، ويروع سيفه الصّقيل حدّاً، فيسره الله من بعد الإعواز، وانطلقت على الفرضة، بتلك الفرصة، أيدي الانتهاز، الانتهاز، وسألنا من ساءله أسد بن الفرات فأفتى برجحان الجواز، فعم الاكتساح ولاستباح جميع الأحواز، فأديل المصون، وانتهبت القرى، وهدمت الحصون واجتثت الأصول، وحطمت الغصون، ولم نرفع عنها إلى يوم غارة، تصافحها بالبؤس، وتطلع عليها غررها الضاحكة باليوم العبوس، فهي الآن مجرى السوابق ومجر العوالي، على التوالي، والحسرات تتجدد في أطلالها البوالي، وكأن بها قد عرصت، وإلى الدعوة المحمدية قد أسرعت، بقدرة من أنزل القرآن على الجبال، فخشعت من خشية الله وتصَدَّعت، وعزَّة من أذعنت الجبابرة لعزه، وخنعت. وعدنا والبنود لا يعرف اللفَّ نشرها، والوجوه المجاهدة لا يخالط التَّقَطُّب بشرها، والأيدي بالعروة الوثقى معتلقة، والألسن بشكر نِعَمِ الله منطلقة، والسيوف في مضاجع الغمود قلقة، وسرابيل الدُّروع خلقة والجياد من ردها إلى المرابط والأواري ردَّ العواري حنقة، وبعبرات الغيظ المكظوم مختنقة، تنظر إلينا نظر العاتب، وتعود من ميادين المراح والاختيال تحت حلل السلاح عود الصبيان إلى المكاتب، والطبل بلسان العز هادر، والعزم إلى منادي العود الحميد مبادر، ووجود نوع الرماح من بعد ذلك الكفاح نادر، والقاسم ترتب بين يديه من السبي النوادر، ووارد مناهل الأجور غير المحلا ولا المهجور غير صادر، ومناظر الفضل الآتي عقب أُخَيَّه المُتأتي على المطلوب المُواتي مصادر، والله على تيسير الصعاب وتخويل المنن الرغاب قادر، لا إله إلا هو، فما أجمل لنا صنعه الخَفِيَّ، وأكرم بنا لطفه الحَفِيَّ، اللهم لا نحصي ثناء عليك، ولا نلجأ منك إلا إليك، ولا نلتمس خير خير الدنيا والآخرة، إلا لديك، فأعد علينا وعوائد نصرك، يا مبدي يا معيد، وأعنا من وسائل شكرك على ما ينثال به المزيد، يا حيّ يا قيُّوم، يا ﴿فَعَّالٌ ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾. وقارنت رسالتكم الميمونة لدينا حذق فتح، بَعُد صيته مشرئب ليته، وفخر من فوق فوق النجوم العواتم مبيته، عجبنا من تأتي أمله الشارد، وقلنا البركة في قدوم الوارد، وهو أن ملك النصارى لاطفنا بجملة من الحصون، كانت من مملكة مملكة الإسلام قد غصبت، والتماثيل فيها ببيوت الله قد قد نصبت، أدالها الله بمحاولتنا الطيب من الخبيث، والتوحيد من التثليث، وعاد إليها الإسلام عودة الأب الغائب، إلى البنات الحبائب، يسأل عن شئونها ويمسح دموع الرقة عن جفونها، وهي للروم خطة خسف، قل من ارتكبوها فيما نعلم من العهود، ونادرة من نوادر الوجود، وإلى الله علينا وعليكم عوارف الجود، وجعلنا في محاريب الشكر من الركع السجود. عرفناكم بمجملات أمور تحتها تفسير، ويمن من الله وتيسير، إذ استيفاء الجزئيات عسير، لنسركم بما منح الله دينكم، ونتوج بعز الملة الحنيفية جبينكم، ونخطب بعده دعاءكم وتأمينكم، فإن دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب سلاح ماض، وكفيل بالمواهب المسئولة من المنعم الوهَّاب متقاض، وأنتم أولى من ساهم في برّ، وعامل الله بخلوص سرّ، وأين يذهب الفضل عن بيتكم وهو صفة حيكم، وتراث ميتكم، ولكم مزية القدم، ورسوخ القدم، والخلافة مقرها إيوانكم، وأصحاب الإمام مالك، رضي الله عنه، مستقرها قيروانكم وهجير المنابر ذكر إمامكم، إمامكم، والتوحيد أعلام أعلامكم، والوقائع الشهيرة في الكفر، منسوبة إلى أيامكم، والصحابة الكرام فتحة أوطانكم، وسلالة الفاروق عليه السلام، وشايج سلطانكم، ونحن نستكثر من بركة خطابكم، ووصلة جنابكم، ولولا الأعذار لوالينا بالمتزيدات تعريف أبوابكم، والله عز وجل يتولى عنا، من شكركم المحتوم، ما قصَّر فيه المكتوب منه عن المكتوم، ويبقيكم لإقامة الرسوم، ويحل محبتكم من القلوب محل الأرواح من الجسوم، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، ويوالي نعمه عندكم. والسلام الكريم الطيب [الزاكي المبارك] البر، العميم، يخصكم كثيرا أثيرا، ما أطلع الصُّبح وجها منيرا، بعد أن أرسل النسيم سفيرا، [وكان الوميض الباسل] لأكواس الغمائم، على أزهار الكمائم مديرا، مديرا، ورحمة الله تعالى وبركاته.
وصدر عني في مخاطبة الشيخ الخطيب أبي عبد الله بن
مرزوق جوابا عن كتابه
ولما أن نأت عنكم دياري
وحال البعد بينكم وبين
بعثت لكم سوادا في بياض
لأنظركم بشيء مثل عين
بِمَ أفاتحك يا سيدي، وأجل عددي [كيف أهدى] أهدى] سلاما فلا أحذر ملاما، أو أنتخب لك كلاما، فلا أجد لتبعة التقصير في حقك الكبير إيلاما. إن قلت تحية كسرى في الثناء وتبع. فكلمة في مربع العجمة تربع، ولها المصيف فيه والمربع، والجميم والمنبع، فتروى متى شاءت وتشبع، وإن قلت إذا العارض خطر، ومهما همى أو قطر، سلام الله يا مَطَر، فهو في الشريعة بطر، ومركبه خطر، ولا يرعى به وطن. ولا يقضى وطر؛ وإنما العرق الأوشج، ولا يستوي البان والبنفسج، والعوسج والعَرْفَج:
سلام وتسليم وروح ورحمة
عليك وممدود من الظل سجسج
وما كان فضلكم ليمنعني الكفران أن أشكره، ولا لينسيني الشيطان أن أذكره، فأتخذ في البحر سببا، أو أسلك غير الوفاء مذهبا، تأبى ذلك، والمنة لله تعالى طباع، لها في مجال الرعى باع، وتحقيق وإشباع، وسوايم من الإنصاف لها مرعى في رياض الاعتراف، فلا يطرقها ارتياع، ولا تخيفها سباع. وكيف نجحد تلك الحقوق، وهي شمس ظهيرة، وأذان عقيرة جهيرة، فوق مئذنة شهيرة. أدت الأكتاد لها ديون تستغرق الذمم، وتسترق حتى الرمم، فإن قضيت في الحياة فهي الخطة التي نرتضيها، ولا نقنع من عامل الدهر المساعد، إلاّ بأن ينفذ مراسمها ويمضيها، وإن قطع الأجل، فالغني الحميد من خزائنه التي لا تبيد، يقضيها ويرضي من يقضيها. وحيا الله أيها العلم السامي الجلال، زمنا بمعرفتك المبرة على الآمال أبرّ واتحف، وإن أساء بفراقك وأجحف، وأعرى بعدما ألحف، وأظفر باليتيمة المذخورة للشدائد والمزاين، ثم أوحش منها أصونة هذه الخزائن، فآب حنين الأمل بِخُفَّيْه، وأصبح المغرب غريبا يقلب كفيه، ونستغفر الله من هذه الغفلات، ونستهيه دليلا في مثل هذه الفلوات، وأي ذنب في الفراق للزمن أو لغراب الدمن، أو للرواحل المدلجة ما بين الشام إلى اليمن، وما منها إلا عبد مقهور، وفي رمة القدر مبهور، عقد والحمد لله مشهور، وحجة لها على النفس اللوامة ظهور. جعلنا الله ممن ذكر المسبب في الأسباب، وتذكر: ﴿ وَمَا يَذْكُرُ إلاَّ أُولُوا الأَلْبَابِ ﴾؛ قبل غلق الرهن وسد الباب، وبالجملة فالفراق ذاتي ووعده مأتي، فإن لم يَحن فكأن قد، ما أقرب اليوم من الغد، والمرء في الوجود غريب، وكل آت قريب، وما من مقام إلاّ لزيال من غير احتيال، والأعمار مراحل، والأيام أميال.
نصيبك في حياتك من حبيب
نصيبك في منامك من خيال
جعل الله الأدب مع الحق شأننا، وأبعد عنا الفَرَق الذي شاننا وإني لأسر لسيدي، بأن رعى الله صالح سلفه، وتداركه في التلافي في تلفه، وخلص سعادته من كلفه، وأحله من الأمن في كنفه، وعلى قدرها تصاب العلياء، وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء، هذا والخير والشرّ في هذه الدار المؤسسة على الأكدار، ظلان مضمحلان فإذا ارتفع ما ضر أو ما نفع، وفارق المكان، فكأنه ما كان، وما كلمات الملوك البعيدة عن الشكوك، إلى أن يشاء ملك الملوك:
خذ من زمانك ما تيسر
واترك بجهدك ما تعسر
ولرب مجمل حالة
ترضى به ما لم يفسر
والدهر ليس بدائم
لا بد أن سيسوء إن سر
واكتم حديثك جاهدا
شمت المحدث أو تحسر
والناس آنية الزجا
ج إذا عثرت به تكسر
لا تعدم التقوى فمن
عدم التقى في الناس أعسر
وإذ امرؤ خسر الإل
ه فليس خلق منه أخسر
وإن لله في رعيك لسرا، ولطفا مستمرا مستقرا، إذا ألقاك، [بسر الروع] إلى الساحل، وأخذ بيدك من ورطة الواحل، وحرك منك عزيمة الراحل، إلى المَلِكِ الحُلاَحِل، [فإذا لك] من إبراهيمك سميا، وعرفك بعد الولي وسميا، ونقلك من إلى عناية، وهو الذي يقول وقوله الحق: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾؛ الآية. وقد وصل كتاب سيدي يحمد والحمد لله العواقب، ويصف المرقي التي حلها والمراقب، وينشر المفاخر الحفصية والمناقب، ويذكر ما هيأه الله لديها من إقبال، ورخاء بال، وخصَّيصَى اشتمال ونشور آمال، وأنه اغتبط وارتبط، وارتبط، وألقى العصا بعد ما خبط. ومثل تلك الخلافة العلية من تزن الذوات، المخصوصة من الله بشريف الأدوات، بميزان تمييزها، وتفرق بين شبه المعادن وإبريزها، وشبه الشيء مثل معروف. ولقد أخطأ من قال الناس ظروف، إنما هم شجرات مَربْع في بقعة ماحلة، وإبل مائة لا تجد فيها راحلة، وما هو إلا اتفاق، ونجح للملك وإخفاق، وقلما كذب إجماع وإصفاق، والجليس الصالح لرب السياسة أمل مطلوب، وحظ إليه إليه مجلوب. وإن سئل أطرف، وعمر الوقت ببضاعة أشرف، وسرق الطباع، ومدد في الحسنات الباع، وسلى في الخطوب، وأضحك في اليوم القطوب، وهدى إلى أقوم الطرق، وأعان على نوائب الحق، وزرع له المودة في قلوب الخلق، زاد الله سيدي لديها قربا أثيرا، وجعل فيه للجميع خيرا كثيرا، بفضله وكرمه. ولعلمي بأنه أبقاه الله يقبل نصحي، ولا يرتاب في صدق صبحي، أغبطه بمثواه، وأنشده ما حضر من البديهة في مسارة هداه ونجواه:
بمقام إبراهيم عُذْ واصرف له
فكرا تؤرق عن بواعث تعتري
فجواره حرم وأنت حمامة
ورقاء والأغصان عود المنبر
فلقد أمنت من الزمان وريبه
وهو المروع للمسيء وللبري
وإن تشوف سيدي للحال، فلعمر وليه، لو كان المطلوب دنيا، لوجب وقوع الاجتزاء، ولاغتبط بما تحصل في هذه الجزور، المبيعة في حانوت الزور، من السهام الوافرة الأجزاء، فالسلطان رعاه الله، يوجب ما فوق مزية التعليم، والولد هداهم الله، قد أخذوا بخط قل أن ينالوه بغير هذا الإقليم، والخاصة والعامة، تعامل بحسب ما بلته من نصح سليم، وترك لما بالأيدي وتسليم، وتدبير عاد على عدوهم بالعذاب الأليم، إلا من أبدى السلامة، وهو من أبطان الحسد بحال السليم، ولا ينكر ذلك في الحديث ولا في القديم. لكن النفس منصرفة عن هذا الغرض، ونافضة يدها من العرض، قد فوتت الحاصل ووصلت في الله القاطع، وقطعت الواصل، [وصدقت لما نصح الفود الناصل] وتأهبت للقاء الحمام الواصل، وقلت:
أنظر خضاب الشباب قد نصلا
وزائر الأنس بعده انفصلا
ومطلبي والذي كلفت به
حاولت تحصيله فما حصلا
لا أمل مسعف ولا عمل
نحن في ذا الموت قد وصلا
والوقت إلى الإمداد منكم بالدعاء في الأصائل والأسحار إلى مقيل شديد الافتقار، والله عز وجل يصل لسيدي رعي جوانبه، ويتولى تيسير آماله، من فضله العميم، ومآربه، وأقرأ عليه من التحيات، المحملة من فوق رحال، الأريحيات أزكاها، ما أوجع البرق الغمائم فأبكاها وحسد الروض جمال النجوم الزواهر، فقاسها بميسم الأزاهر وحكاها، واضطبن هرم الليل، عند الميل، عصا الجوزاء وتوكاها، ورحمة الله تعالى وبركاته...
وخاطبت الفقيه الرئيس أبا زيد بن خلدون
لما ارتحل من بحر المرية، واستقر ببسكرة عند الرئيس بها أبي العباس بن مزنى صحبة رسالة خطّبها أخوه أبو زكريا، وقد تقلد كتابة الإنشاء لصاحب تلمسان، ووصل الكَتْب عنه من إنشائه:
بنفسي وما نفسي علي بهينة
فينزلني عنها المكاس بأثمان
حبيب نأى عني وصمَّ لأنني
وراش سهام البين عمدا فأصماني
وقد كان هم الشيب لا كان كافيا
فقد أدَّني لما ترحَّل همَّان
شرعت له من دمع عيني موردا
فكدَّرَ شربي بالفراق وأظماني
وأرعيته من حسن عهدي حَميمَه
فأجدب آمالي وأوحش أزماني
حلفت على ما عنده لي من رضى
قياسا بما عندي فأحنث إيماني
وإني على ما نالني منه من قلًى
لأشتاق من لقياه نغبة ظمآن
سألت جنوني فيه تقريب عرشه
فقست بجن الشوق جن سليمان
إذا ما دعى داع من القوم باسمه
وثبت وما اسْتَثْبَتُّ شيمة هيمان
وتالله ما أصغيت فيه لعاذل
تحاميته حتى ارعوى وتحاماني
ولا استشعرت نفسي برحمة عابد
تظلل يوما مثله عبد رحمن
ولا شعرت من قبله بتشوق
تخلل منها بين روح وجثمان
أما الشَّوق فحدَّث عنه ولا حرج، وأما الصَّبر فاسأل به أية درج، بعد أن تجاوز المدى والمنعرج، لكن الشدَّة تعشق الفرج، والمؤمن ينشق من روح الله الأرج، وإنى بالصَّبر على أبر الدّبر، لا بل الضرب الهبْر، ومطاولة اليوم والشهر، تحت حكم القهر، وهل للعين أن تسلو سلو المقصر عن إنسانها المبصر، أو تذهل ذهول الزائد عن سرها الرَّائي والمشاهد، وفي الجسد بضعة يصلح إذا صلحت، فكيف حاله إذا رحلت عنه ونزحت، وإذا كان الفراق هو الحمام الأول، فعلام المعول. أعيت مراوضة الفراق على الرَّاق، وكادت لوعة الاشتياق أن تفضي إلى السَّباق:
تركتموني بعد تشييعكم
أوسع أمر الصبر عصيانا
أقرع سني ندما تارة
واستميح الدمع أحيانا
وربما تعللت بغشيان المعاهد الخالية، وجددت رسوم الأسى بمباكرة الرسوم البالية، أسأل نون النَّوَى، عن أهليه، وميم الموقد المهجور عن مصطليه، وثاء الأثافي المثلثة عن منازل الموحدين، وأحار بين تلك الأطلال حيرة الملحدين، لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. كلفت لعمر الله، بسال عن جفوني المورقة، ونائم عن همومي المتجمعة المتفرقة، ظعن عن ملال لا متبرما مني بشرَّ خلال، وكدر الوصل بعد صفائه، وضرج النصل بعد عهد وفائه:
أقل اشتياقا أيها القلب ربما
رأيتك تصفي الود من ليس جازيا
فها أنا أبكي عليه بدم أساله، [وأنهل فيه أسى له، وأعلل بذكراه قلبا صدعه] وأودعه من الوجد ما أودعه، لما خدعه، ثم قلاه وودعه، وأنشق رياه أنف ارتياح قد جدعه، واستعديه على ظلم ابتدعه:
خليلي هل أبصرتما أو سمعتما
قتيلا بكى من حب قاتله قبلي
فلولا عسى الرجاء ولعله، لا بل شفاعة المحل الذي حله [لمزجت الحنين بالعتب]، وبثثت كتائبه كمناء في شعاب الكتب، تهز من الإلفات رماحا خُزْر الأسنة، وتوثر من النونات أمثالا لقسي المُرِنَّة، وتقود [من من مجموع الطَّرس والنَّفس] بلْقا تردي في الأعنة. الأعنة. ولكنه أوى إلى الحرم الأمين، وتفيأ ظلال الجوار المؤمن من معرة الغِوار، عن الشمال واليمين، حرم الخلال المزنية، والظلال اليزنية، والهمم السنية، والشيم التي لا ترضى بالدون ولا بالدنية، حيث الرفد الممنوح، والطير الميامن يزجر لها السنوح، والمثوى الذي إليه، مهما تقارع الكرام على الضيفان، حول جوابي الجفان الميل والجنوح:
نسب كأن عليه من شمس الضحى
نورا ومن فلق الصباح عمودا
ومن حل بتلك المثابة، فقد اطمأن جنبه، وتغمد بالعفو ذنبه. ولله در القائل:
فو حقه لقد انتدب لوصفه
بالبخل لولا أن حمصا داره
بلد متى أذكره تهتج لوعتي
وإذا قدحت الزند طار شراره
اللهم غَفْراً [لاَ كُفْراً] وأين قرارة النخيل من مثوى مثوى الأقلف البخيل، ومكذبة المخيل، وأين ثانية هجر من متبوإ من ألْحَدَ وفَجَر؟
من أنكر غيثا منشؤه
في الأرض فليس بمخلفها
فبنان بني مزني مزن
تنهل بلطف مُصَرِّفها
مزن مذ حل ببسكرة
يوما نطقت بمُصَحَّفِها
شكرت حتى بعبارتها
وبمعناها وبأحرفها
ضحكت بأبي العباس من ال
أيام ثنايا زخرفها
وتنكرت الدنيا حتى
عرفت منه بمعرفها
بل نقول يا محل الولد: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌ بِهَذَا البَلَدِ ﴾؛ لقد حل بينك عرى الجلد،
وخلد الشوق بعدك يا ابن خلدون في الصميم من الخلد. فحيا الله زمنا شفيت برُقَى قُرْبِكَ زَمَانَتُهُ، واجتليت في صدف مجدك جُمَانَتُه، [ويا من لشوق لم تقض من طول] خلتك لبانته، وأهلا بروض أظلت أشتات معارفك بانته، فحمائمه بعدك تَنْدُب، فيساعدها الجندب، ونوامسه ترق فتتغاشى، وعشياته تتخافت وتتلاشى، [مزنه باك] وأدواحه [في ارتباك، وحمائمه] في مأتم ذي اشتباك، كأن لم تكن قمر هالات قبابه، ولم يكن أنسك شارع بابه، إلى صفوة الظرف ولبابه، ولم يسبح إنسان عينك في ماء شبابه، فلهفي عليك من درة اختلستها يد النوى، ومطل بردها الدهر ولوى، ونعق الغراب ببينها في ربوع الجوى ونطق بالزجرة فما نطق عن الهوى. وبأي شيء يُعْتاض منك أيتها الرياض، بعد أن طما نهرك الفياض، الفياض، وفهقت الحياض. ولا كان الشانىء المشنوء، والجَربُ المهنوء، من قطع ليل أغار على الصبح فاحتمل، وشارك في الذم الناقة والجمل، واستأثر جنحه ببدر النادي لما كمل. نشر الشراع فراع، وأعمل الإسراع، كأنما هو تمساح النيل، ضايق الأحباب في البرهة، واختطف لهم من الشط نزهة العين وعين النزهة. ولَجَّجَ بها والعيون تنظر، والغمر عن الأتباع يحظر، يحظر، فلم يقدر إلا على الأسف، والتماح الأثر المُنْتَسف، والرجوع بملء العيبة من الخيبة، وَ وِقُرُ الجَسْرة من الحَسْرة، إنَّما نشكو إلى الله البث والحزن، ونستمطر من عَبَرَاتنا المُزْن، وبسيف الرجاء نصول، إذا أُشْرِعَت لليأس أَسِنَّةٌ ونُصول: ونُصول:
ما أقدر الله أن يدني على شحط
من داره الحزن ممن داره صول
فإن كان كَلْمُ الفراق رغيبا، لما نويت مغيبا، وجللت الوقت الهني تشغيبا، فلعل الملتقى يكون قريبا، وحديثه يروي صحيحا غريبا. إيه [شقة النفس] كيف حال تلك الشمائل المزهرة الخمائل، والشَّيَم الهامية الديم، هل يمر ببالها من راعت بالبعد باله؟ وأخمدت بعاصف البين ذباله، أو ترثي لشئون شأنها سكب لا يفتر، وشوق يبت حبال الصبر ويبتر، وضنى تقصر عن عن حلله الفاقعة صنعاء وتستر، والأمر أعظم والله يستر. وما الذي يضيرك، صينَ من لفح السموم نضيرك، بعد أن أضرمت وأشعلت وأوقدت وجعلت، وفعلت فعلتك التي فعلت، أن تترفق بذماء، أو تَرُدَّ بِنُغْبَة ماء أرْماقَ ظِماء، ظِماء، وتتعاهد المعاهد بتحية يشم عليها شذا أنفاسك، أو تنظر إلينا على البعد بمقلة حوراء من بياض قرطاسك، وسواد أنفاسك، فربما قنعت الأنفس المحبة بخيال زور، وتعللت بنوال منزور. ورضيت لما لم تَصِدِ العَنْقاءَ بزَرْزُور.
يا من ترَحَّلَ والرِّياح لأجله
يشْتاقُ إن هبت شذا رياها
تحيي النفوس إذا بعثت تحية
فإذا عزمت إقرأ ((وَمَنْ أَحْيَاهَا))
ولئن أحييت بها فيما سلف نفوسا تفيدك، والله إلى الخير يهديك، فنحن نقول معشر مُوَدَّيك، ثنَّ ولا تجعلها بيضة الدَّيك، وعذرا فإني لم أجترئ على خطابك بالفِقَر الفقير، وأدْلَلْت لدى حجراتك برفع العقيرة، عن نشاط بعثت مرسومه، ولا اغتباط بالأدب تغري بسياسته سوسه، وانبساط أوحى إلي على الفترة ناموسه، وإنما هو اتفاق جرته نفثة المصدور، وهناء الجرب المجدور [وخارق لا مخارق]، فثمّ قياس فارق، أو لحن غنى به بعد البعد مخارق. والذي [هيأ هذا القدر] القدر] وسببه وسَوَّغ منه المكروه وحببه، ما اقتضاه الصنو يحيى مدّ الله حياته، وحرس من الحوادث ذاته من خطاب ارتشف به لهذه القريحة بلالتها، بعد أن رضي علالتها، ورشح إلى الصهر الحضرمي سُلالتها، فلم يسع إلاّ إسعافه بما أعافه، فأمليت مجيبا، ما لا يعد في يوم الرَّهان نجيبا، وأسمعت وجيبا، لما ساجلت بهذه الترَّهات سحرا عجيبا، حتى إذا ألف القلم العريان سبحه، وجمح برذون الغزارة فلم أطق كبحه، لم أفق من من غمرة غلوه، وموقف متلوه، إلاّ وقد تحيَّز لفئتك، مُغْتَراً بل مُعْتَراً، واستقبلها ضاحكا مفترا، وهش لها برا، وإن كان لونه من الوجل مصفرا. وليس بأول من من هجر، في التماس الوصل ممن هجر، أو بعث التمر إلى هجر، وأي نسب بيني اليوم وبين زخرف الكلام، وإجالة جياد الأقلام، في محاورة الأعلام، بعد أن حال الجريض، دون القريض، وشغل المريض عن التعريض، التعريض، واستولى الكسل، ونسلت الشعرات البيض، كأنها الأسل، تروع برقط الحيات، سرب الحياة، وتطرق بذوات الغرر، والشَّيات عند البيات. البيات. والشيب الموت العاجل، وإذا ابيض زرع صبحته المناجل، والمعتبر الآجل. وإذا اشتغل الشيخ بغير معاده، حكم في الظاهر بإبعاده، وأسره في ملكة عاده فأغضي أبقاك الله واسمح، لمن قصر عن المطمح بالعين الكليلة فالمح، واغتنم لباس ثوب الثواب، واشف بعض الجوى بالجواب، تولاك الله فيما استضفت وملكت ولا بعدت ولا هلكت، وكان لك آية سلكت، ووسمك من السعادة بأوضح السمات، وأتاح لقاءك من قبل الممات. والسلام الكريم يعتمد جلال ولدي، وساكن خلدي، بل أخي، أخي، وإن اتَّقَيْت عتبه وسيدي، ورحمة الله وبركاته. [ [من محبه المشتاق إليه محمد بن عبد الله بن الخطيب. وفي الرابع عشر من شهر ربيع الثاني، من عام سبعين وسبعمائة].
وخاطبت الفقيه أبا زكريا بن خلدون
لما ولي الكتابة عن السلطان أبي حمو موسى بن زيان، واقترن بذلك نَصْرٌ وَصُنْعٌ غَبَطتُه به، وقصدت بذلك تنفيقه وإنهاصَه لديه: نخص الحبيب، الذي هو في الاستظهار به أخ، وفي الشفقة عليه ولد، والولي الذي ما بعد قرب مثله أمل، ولا على بعده جلد، والفاضل الذي لا يخالف في فضله ساكن ولا بلد، أبقاه الله، وفاز فوزه، وعصمته لها من توفيق الله سبحانه عمد، ومورد سعادته، المسوغ لعادته، [لا غور ولا ثمد] ومدى إمداده من خزائن إلهام الله وسداده، ليس له أمد، وحمى فرح قلبه، بمواهب من ربه [أن يطرقه كمد] تحية محلة من صميم قلبه بمحله، المنشئ رواق الشفقة، مرفوعا بعمد المحبة والمِقَة، فوق ظعنه وحله، مؤثره ومجله، المعتني بدق أمره وجِلّه، ابن الخطيب. من الحضرة الجهادية غرناطة، صان الله حُلالها، ووقى هجير هجر الغيوم ظلالها، وعمر بأسود الله أغيالها، كما أغرى بمن كفر بالله صيالها. ولا زائد إلاّ منن من الله الله تصوب، وقوة يسترد بها المغصوب، ويخفض الصليب المنصوب، والحمد له الذي بحمده ينال المطلوب، وبذكره تطمئن القلوب. ومودتكم المودة التي غذتها ثدي الخلوص بلبانها، وأحلتها حلائل المحافظة بين أعينها وأجفانها، ومهدت موات إخواتها الكبرى أساس بنيانها، واستحقت ميراثها مع استصحاب حال الحياة إن شاء الله، واتصال أزمانها، واقتضاء عهود الأيام بيمنها وأمانها. ولله درّ القائل:
فإن لم يكنها أو تكنه فإنه
أخوها غذته أمه بلبانها
وصل الله ذلك من أجله وفي ذاته، وجعله وسيلة إلى مرضاته وقربة تنفع عند اعتبار ما روعي من سنن الجبار ومفترضاته. وقد وصل كتابكم الذي فاتح بالريحان والروح، وحل من مرسوم الحياة محل البسملة من اللوح، وإذن لنوافح الثناء بالبوح، يشهد عدله بأن البيان يا آل خلدون، سكن من مثواكم دار خلود، وقدح زندا غير صلود، واستأثر من محابركم السيالة، وقضب أقلامكم الميادة الميالة، بأب منجب وأم ولود، يقفو يقفو شانيه غير المشنو، وفصيله غير الأجرب، ولا المهنو المهنو من الخطاب السلطاني، سفينة منوح، إن لم نقل سفينة نوح، ما شئت من آمال أزواج، وزمر من الفضل وأفواج، وأمواج كرم تطفو فوق أمواج، وفنون بشائر، وأهطاع قبائل وعشائر، وضرب للمسرات أعيا السّامر. فلله هو من قلم راعي نسب القنا، فوصل فوصل الرحم، وأنجد الوشيج الملتحم، وساق بعصاه من البيان الذود المزدحم. وأخاف من شذ عن الطاعة مع
الاستطاعة، فقال: ﴿لاَ عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أمْرِ اللَّهِ إلاَّ مَنْ
رَحِمَ ﴾؛ ولو لم يوجب الحق برقه ورعده، ووعيده ووعده، لأجوبه بمنَّه وسعده. فلقد ظهرت مخائل نجحه، نجحه، علاوة على نصحه، ووضحت محاسن صبحه، في وحشة الموقف الصعب وقبحه، وصل الله له عوائد منحه، وجعله إقليدا كلما استقبل باب أمل وكله الله بفتحه. أما ما قرره ولاؤكم من حب زكا عن حبه القلب حبه، وأنبته النبات الحسن ربه، وساعده من الغمام سكبه، ومن النسيم اللدن مهبه، فرسم ثبت عند المولى المولى نظيره، من غير معارض يضيره، وربما أربى بتذييل مزيد، وشهادة ثابت ويزيد. ولم لا يكون ذلك، ذلك، وللقلب على القلب شاهد، وكونها أجنادا مجندة، لا يحتاج تقريره إلى ماهد، أو جهد جاهد. ومودة الأخوة الأخوة سبيلها لاحب، ودليلها للدعوى الصادقة مصاحب، إلى ما سبق من فضل ولقاء ومصاقبة سقاء، سقاء، واعتقاد لا يراع سربه بذيب انتقاد، واجتلاء شهاب وقاد، لا يحوج إلى إيقاد. إنما عاق من مواصلة ذلك نوى شط منها الشطن، وتشذيب لم يتعين معه الوطن. فلما تَعَيَّن، وكاد صبح الحق أن يتبين، عاد الوميض ديجورا، والثَّمَاد بحرا مسجورا، إلى أن أعلق الله منكم اليد بالسبب الوثيق، وأحلكم بمنجى نيق، لا لا يخاف من منجنيق، وجعل يراعاكم لسعادة موسى، معجزة تأتي على الخبر بالعيان، فتخر لثعبانه سحرة البيان.
أيحيى سقى حيث لحت الحيا
فنعم الشعاب ونعم الركون
وحيا يراعك من آية
فقد حرك القوم بعد السكون
دعوت لخدمة موسى عصاه
فجاءت تلقف ما يأفكون
فأذعن من يدعي السحرر غما
وأسلم من أجلها المشركون
وساعدك السعد فيما أردت
فكان كما ينبغي أن يكون
فأنتم أولى الأصدقاء بصلة السبب، ورعي الوسائل والقرب، أبقاكم الله وأيدي الغبطة بكم عالية، عالية، وأحوال تلك الجهات [بدرركم المهمات] المهمات] حالية، وديم المسرات من [أنعامكم المدرات] المدرات] على معهود المبرات المتوالية. وأما ما تشوفتم إليه من حال وليكم، فأمل متقلص الظل، وارتقاب لهجوم جيش الأجل المطل، ومقام على مساورة الصل، وعمل يكذب الدعوى، وطمأنينة تنتظر الغارة الشعواء. ويد بالمذخور تفتح، وأخرى تجهد وتمنح، ومرض يزور فيثقل، وضعف عن الواجب يُعْقَل. إلا أن اللطائف تستروح، والقلب من باب الرجاء لا يبرح. وربما ظفر اليائس، ولم يضطرد المقايس، تداركنا الله بعفوه، بعفوه، وأوردنا من منهل الرضا والقبول على صفوه، وأذن لهذا الخرق في رفوه. وأما ما طلبتم من انتساخ ديوان، وإعمال بنان في الاتحاف ببيان، فتلك عهود لدي مهجورة، ومعاهد لا متعهدة ولا مزورة، شغل عن ذلك ذلك خوض يعلو لَجَبُه، وحرصٌ يقضى من لغط المانح عجبه، وهول جهاد تساوى جماديه ورجبه، ولولا التماس أجر، وتعلل بربح تجر، لقلت أهلا بذات النَّحْيَيْن. فلهن شَكَت، وبذلت المصون بسبب ما أمسكت، فلقد ضحكت في الباطن ضعف ما بكت، ونستغفر الله من سوء انتحال، وإيثار المزاح بكل حال. وما الذي ينتظر مثلي ممن عرف المآخذ والمتارك، وجرب لما بلى المبارك، وخبر مساءة الدنيا الفارك. هذا أيها الحبيب ما وسعه الوقت الضيق، وقد ذهب الشَّباب الرَّيَّق. فليسمح فيه معهود كمالك، جعل الله مطاوعة آمالك، مطاوعة يمينك لشمالك، ووطأ لك موطأ العز، بباب كل مالك، وقرن النجح بأعمالك [وحفظك في نفسك وأهلك ومالك]. والسلام من فلان.
وكتبت إلى الأولاد وهم بالمنكب صحبة السلطان،
رضي الله عنه
يا ساكني مرفا الشواني
شوقي من بعدكم شواني
ولاهج الشوق قد هواني
من بعدكم فاقتضى هواني
كأنه مالكا عناني
أنموذج من أبي عنان
لقد كفاني لقد كفاني
باقي ذما ذاهب كفاني
منوا على الخوف بالأماني
فأنتم جملة الأماني
إلى أيَّ كاهن أتنافر، وفي أي ملعب أتجاول وأتظافر، وبين يدي أي حاكم أتظالم فلا أتغافر، مع هذا الجبل، الذي هو في الشكل جمل، حفّ به من الثَّعب همل، سنامه التامك أجرد، وذنبه الشَّابل كأنه جمل يطرد، وعنقه إلى مورد البحر يتعرج ويتعرد، وكأنما البنية بأعلاه، خدر فاتنة، أو برق غمامة هاتنة أستأثر غير ما مرة بأنسي، وصارت عينه الحمية مغرب شمسي، حتى كأن هذا الشكل من خدر وبعير، وإن كان مجاز مستعير، يتضمن شكوى البين، ويفرق بين المُحبَّيْن:
ما فرق الأحباب بعد الله إلا الإبل
والناس يلمون غرابالبين لما جهل
وما على ظهر غرابالبين تُنْضى الرحل
ولا إذا صاح غراب في الديار ارتحل
وما غاب البين إلا ناقة أو جمل
فأقسم لولا أن الله ذكر الإبل في الكتاب الذي أنزل، وأعظم الغاية بها وأجزل، لَسَلَلْتُ عليه سلاح الدعاء، وأغريت بهجره نفوس الرعاء. وقلت أراني الله إكسارك من بعير فوق سعير، ولا سمحت لك عقبة إلاّ ندر، والسَّعير ببُرّ ولا شعير:
دعوت عليك لما عيل صبري
وقلبي قائل يا رب لا.. لا
نستغفر الله، وأي ذنب لذي ذنب شائل، وليث مائل بإزاء لج هائل، يتعاوره الوعد والوعيد، فلا يبدي يبدي ولا يعيد، وتمر الجهة والعيد، فلا يستدبر ولا ولا يتعيَّد، إنما الذنب لدهر يرى المجتمع فيغار، ويشن منه على الشمل المَغار، ونفوس على هذا الغرض تسانده وتعينه، ليبطش ساعده، وتقاربه فيما يريد فلا تباعده:
ولقد علمت فلا تكن متجنيا
إن الفراق هو الحمام الأول
حسب الأحبة أن يفرق بينهم
صرف الزمان فما لنا نستعجل
لكن المُحِبَّ جَنِيب؛ ولغرض المحبوب سليب:
ويحسن قبح الفعل إن جاء منكم
كما طاب عرف العود وهو دخات
وقد قنعت برسالة تبلغ الأنة، وتدخل بعد ذلك الصراط الجنة، وتُغَيَّر لسانها عن شوقي من دون عقله، عقله، وتنظر عني، من بياض طرسها، وسواد نفسها بمقله، وإن كان الجواب، فهو الأجر والثواب، ولم أر مثل شوقي، من نار تخمد بطرس يلقى على أوارها، فيأمن عادية جوارها. لكنها نار الخليل، ربما تمسكت من المعجزة بأثر، وعثرت على آثاره مع من عثر. جمع الله الشمل بكم ما انتشر، وأنسى بالعين الأثر، وحرس على الكل من مسوق وسائق، وموحش ورائق، سر القلوب، ومناخ الجوى المجلوب، ومثار الأمل المطلوب، ولا زالت العصمة تنسدل فوق مثواه قبابها، والسعود تحمل في أمره العلي منانها، فالمحبوب إليه حبيب وإن وإن أساء، وأوحش الصباح والمساء:
إن كان ما ساءني مما يسركم
فعذبوا فقد استعذبت تعذيبي
والسلام عليكم من حن مشوق، وتأود لليراع في رياض الرقاع قضيب ممشوق، ورحمة الله وبركاته.
وأجاب عن ذلك الفقيه أبو عبد الله بن زمرك، كاتب الدولة، والولدان عبد الله وعلي، بما يستحسن في غرض الرسالة وأبياتها؛ فراجعت الثلاثة بما نصه:
أكرم بها من بناء بان
أرسخ في الفخر من أبان
أجبنا لديها الرضا جنان
من المعاني جنا جناني
أو جنى للأكف دانٍ
ما للمبارِّ به يدان
أقسم بالذكر والمثان
ما لك فيما سمعت ثان
مدامة برَّة الأوان
تشطُّ للقول كل وان
تقول أوضاعها للَّغو أن
بالعلم عن زينة الغوان
يا رب بارك لمن بان
في الفكر والقلب والبنان
هكذا هكذا؛ وبعين الحسود القذا، تُسْتَشار الدُّرر الكامنة، وتهاج القرائح النائمة، في حجر الغفلة الآمنة، وتقضى الديون من الطباع الضامنة:
أعيذها بالخمس من ولائد
قد قلدت بنخب القلائد
أعيذها بالخمس من حبائب
يغذين بالمراضع الأطايب
أعيذها بالخمس من وجوه
يصونها الله من المكروه
ويا ماتِح قلب القلوب أرْوَيْت، وصدق ما نويت، البير بيرك، ذو حَفَرْت وذو طَوَيْت: ﴿وَمَا رَمَيْتَ رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ﴾؛ ولو علمنا السرائر، لأعددنا لهذا المكيل الغرائر، ولو تحققنا إجابة السؤال، والنسيج على هذا المنوال، لفسحنا الظروف لهذا النوال. ساجلنا الغيوث فشححنا، وبارزنا الليوث فافتضحنا، وصلينا والحمد لله على السلامة بما قدحنا؛ لا بل التمسنا نغْبه، فاقطعنا تنُّوراً، واقتبسنا جذوة فأقبسنا نوراً: ﴿ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبَّكَ
مَحْظُوراً ﴾.
ملك الثلاث الآنسات عناني
وحللن من قلبي بكل مكان
هذي الهلال وتلك بنت المشتري
حسنا وهذي أخت غصن البان
متى كان أفق المنكب، مطلعا لهذا الكوكب، وأجمة ذلك الساحل الماحل، مرتبعا لهذا الذمر الحلاحل، ومورد الجَمَل البادي العُرَّ، مغاصا لمثل هذا الدر، إلاّ أن يكون كنز هذا المرام، المستدعي للكلف والغرام، من مستودعات تلك الأهواء والأهرام، دفنه الملك الغصاب، بعد أن قدست الأنصاب، وأخفى الأثر فلا يصاب، أو تكون الأنوار هنالك تتجسم، والحظوظ تعين وتقسم، والحقائق تحد وترسم، أو تتوالد بتلك المغارات، يوسانيا ورُوسم. أنا ما ظننت بأن تثور من أجم الأقلام أسود، وتعبث بالسويدوات من نتائج اليراع والدواة لحاظ سود. من قال في الإنسان عالما صغيرا، فقد ظلمه، كيف والله بالقلم علمه، ورفع في العوالم علمه، لقد درت حلمات تلك الأقلام من رسل غزير، وما كان فحل تلك الأقلام بزير، ولا سلطان تلك الطباع المديدة الباع ليستظهر بوزير. إنما هي مشاكي كمال أوقدها الله وأسرجها، وملكات في القوة رجحها مرجح القوة فأبرزها، إلى العقل وأخرجها. وأحر بها أن تحط بذرى بذرى المدارك الإلهية رحالها، وتترك إلى الواجب الحق الحق محالها. فتتجاوز أوحالها، مستنيرة بما أوحي لها. إيه بنية، أقسم برب البنية، وقاسم الحظوة السنية، لقد فزت من نجابتكم، عند التماح إجابتكم بالأمنية، فما أبالي بعدها بالمنية. وقاه الله عين الكمال من كمال، صان سروجه من إهمال، واكتنفه بالمزيد من غير يمين وشمال، كما سوغ الفقير مثلي إلى فقرها زكاة جمال لا زكاة جِمال. ولعمري وما عمري علي بهين، ولا الحلف في مقطع الحق بمتعين، لقد أحقب منها إلا ثلاث كتائب، قادها النصر جنايب، ألفاتها العصي، ونوناتها القسي، وغاياتها المرام القصي، ورقومها الحلق، وجيادها قد فشا فيها البلق، بحيث لا استظهار للشيخ إلا بشعب سدر، ولا افتراس إلا لمَرَقة قدر، ودريد هذا الفن يحمل في خدر:
سلت علي سيوفها أجفانه
فلقيتهن من المشيب بمغفر
فلولا تقدم العهد بالسلم، لخيف من كلمها وقوع الكلم. أما إحداهن ذات القتام، والدلج بالإعتام، المستمد سواده الأعظم من مسك الختام، فعلَّلَت فريضة فريضة نظامها بالزيادة، وعلت يدها بمنشور السيادة، ورسم شنشنتها المعروفة لأخزم، وجادها من الطبع السماك والمرزم، وضفر أشجاعها المضفرة لزوم ما لا يلزم:
خدم اليراع بها فدبَّجَها
وسألت مجتهدا عن الغرض
فعلمت أن الصلح مقصده
لتزول بعض عداوة الربض
وما أختها التالية، ولدتها الحافلة الحالية، فنؤوم مكسال، ريقها برود سلسال، ومن دونها موارد ونُسال، وذئب عسال، وإن علَّلَت بنقص في النظم، النظم، وقد أخذت من البدائع بالكظم، وامتكته المعاني المعاني امتكاك العظم. وأما الثالثة فكاعب حسنها بالعقول متلاعب، بنت لبون، لا لهمة حرب زبون، حياها الله وبياها، فما أعطر رياها:
تشم أرواح نجد من ثيابهم
عند القدوم لقرب العهد بالدار
ولو قصرت لتغمد تقصيرها، وكثر بالحق نصيرها، فكيف وقد أجادت، وصابت غمامتها وجادت. وقد شكرت على الجملة والتفصيل، وعرفت منة البذل وجهد الفصيل، وطالعت مسائل البيان والتحصيل، وقابلت مفضض الضحى بمذهب الأصيل، وأثرت يدي وكانت إلى تلك الفقر فقيرة، ونبهت في عيني الدنيا، وكانت حقيرة، ورجحت أن لا تعدم هذه الأسواق مديرا، ولا تفقد هذه الآفاق روضة وغديرا، وسألت لجملتكم المحوطة للشمل، الملحوظة بعين الستر والحمل. عزا أثيرا، وخيراً وخيراً كثيراً وأمناً تحمدون منه فراشاً وثيراً. وعذرا أيها الأحباب، والصفو اللباب، عن كدح سن وكبرة، وفل استرجاع وعبرة، استرقته ولج الشغب ذو النظام، والخلق فراش يكبون مني على حطام، ورسل الفرنج قد غشى المنازل منثالها، ونبحتها بالعشي أمثالها، والمراجعات تشكو اللَّبْث والجباة تستشعر المكيدة والخَبْث:
ولو كان هما واحدا لبكيته
ولكنه هم وثان وثالث
والله عز وجل يمتع بأنسكم من عدم الاستمتاع بسواه، وقصر عليه متشعب هواه، ويُبقي بركة المولى الذي هو قطب مدار هذه الأقمار، والأهلة لا بل مركز فلك الملة، وسجل حقوقها المستقلة، والسلام عليكم ما حنت الني إلى الفصال، وتعللت أنفس المحبين بذكران سنة الوصال، وكرّت البكر على الآصال، ورحمة الله وبركاته.
وكتبت إلى بعض الفضلاء، وقد بلغني مرضه أيام
كان اللحاق بالمغرب
وردت علي من فئتي التي إليها في معرك الدهر أتحيز، وبفضل فضلها في الأقدار المشتركة أتميز سحاءة سرت وساءت، وبلغت من القصدين ما شاءت، أطلع بها صنيعة وده من شكواه على كل عابث في السويداء، موجب اقتحام البيداء، مضرم نار الشفقة في فؤاد، لم يبق من صبره إلا القليل، ولا من إفصاح لسانه إلا الأنين والأليل، ونوى مدت لغير ضرورة يرضاها الخليل، فلا تسل عن ضنين تطرقت اليد إلى رأس ماله، أو عابد موزع متقبل أعماله، وأمل ضويق في فذلكة آماله، لكني رجحت دليل المفهوم على دليل المنطوق وعارضت القواعد الموحشة بالفروق، ورأيت الخط يبهر والحمد لله ويروق، واللفظ الحسن ومض في حبره للمعنى الأصيل بروق، فقلت ارتفع الوصب، ورد من الصحة المغتصب، وكلة الحس والحركة هو العصب. وإذا أشرق سراج الإدراك، حمل على سلامة سليطه، والروح خليط البدن، والمرء بخليطه، وعلى ذلك فبليد احتياطي لا يقنعه إلا الشرح، فيه يسكن الظمأ البرح. وعذرا عن التكليف، فهو محل الاستقصاء والاستفسار، والإطناب والإكثار. وزند القلق في مثلها أورى، والشفيق بسوء الظن مغرى. والسلام.
وخاطبت بعضهم
كتبت إلى سيدي، والخجل قد صبغ وجه يراعي، وعقم ميلاد إنشائي واختراعي، لمكارمه التي أعيت منة ذراعي، وعجر في خوض بحرها سفيني وشراعي فلو كان فضله فنا محصورا، لكنت على الشكر معانا منصورا، أو على غرض مقصورا، لزارت أسدا هصورا، ولم يكن فكري عن عقال البيان حصورا، لكنه نجد تألق بكل ثنية، ومكارم رمت عن كل حنية، ومجد سبق إلى كل أمنية، وأياد ببلوغ غايات الكمال معنية. فحسبي الإلقاء باليد لغلبة تلك الأيادي وإسلام قيادي إلى ذلك المجد السيادي، وإعفاء يراعي ومدادي، فإذا كانت الغاية لا تدرك، فالأولى أن يلقى الكدّ ويترك، ولا يعرج على الادعاء، ويصرف القول من باب الخبر إلى باب الدعاء. وقد وصل كتاب سيدي مختصر الحجم، جامعا بين النجم والنجم، قريب عهد من يمينه بمجاورة المطر السجم، فقلت اللهم كلف سيدي وأجزه، ومدّ يده بالضرّ فاخزه. ولله درّ المثل، أشبه امرؤ بعض بره كمال واختصار، وريحان أنوف وإثمد أبصار. أعلق بالرعي الذي لا يقر بعد الدار من شيمته، ولا يقدح اختلاف العروض والأقطار في ديمته. إنما نفسه الكريمة والله يقيها، وإلى معارج السعادة يرقيها، قانون يلحق أدنى الفضائل بأقصاها، وكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، وإني وإن عجزت عما خصني من عمومها، وأحسني من جموعها، لمخلد ذكر يبقى وتذهب اللها، ويعلى مباني المجد، تجاوز ذوابها السها، ويذيع بمخايل الملك فما دونها، ممادح يهوى المسك أن يكونها، ويقطف له الروض المجود غصونها، وتكحل به الحور العين عيونها، وتؤدي منه الأيام المتهربة ديونها. وإن تشوَّف سيدي، بعد حمده وشكره، واستنفاد الوسع في إطالة حمده، وإطابة ذكره، إلى الحال، ففلان حفظه الله يشرح منها المجمل، ويبين من عواملها الملغى والمعمل. وإما اعتناء سيدي بالولد المكفن بحرمته، فليس ببدع في بعد صيته، وعلو همته على من تمسك بأذمته، وفضله أكبر من أن يقيد بقصة، وبدر كماله أجل من أن يعد بوسط أو حصة. والله تعالى يحفظ منه في الولاء ولي القبلة، وولي المكارم بالكسب والجبلة، ويجعل جيش ثنائه لا يؤتى من القلة، بفضله وكرمه، والسلام الكريم عليه، ورحمة الله وبركاته. وكتب في كذا.
ومن تشوف إلى الإكثار من هذا الفن؛ فعليه بكتابنا المسمى ب((ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب)).
رسالة السياسة
[قال ابن الخطيب]: ولنختم هذا الغرض ببعض ما صدر عني في السياسة [وكان إملاؤها في ليلة واحدة]. حدث من امتاز باعتبار الأخبار، وحاز درجة الاشتهار، بنقل حوادث الليل والنهار، وولج بين الكمائم والأزهار، وتلطف لخجل الورد من تبسم البهار.
قال: سهر الرشيد ليلة، وقد مال في هَجْر النبيذ ميلة، وجهد ندماؤه في جلب راحته، وإلمام النوم بساحته، فشحت عهادهم، ولم يغن اجتهادهم فقال: اذهبوا إلى طرق سماها ورسمها، وأمهات قسمها، فمن عثرتم عليه من طارق ليل، أو غثاء سيل، أو ساحب ذيل، فبلغوه، والأمنة سوغوه، واستدعوه، ولا تدعوه. فطاروا عجالا، وتفرقوا ركبانا ورجالا، فلم يكن إلا ارتداد طرف، أو فواق حَرْف، وأتوا بالغنيمة التي اكتسحوها، والبضاعة التي ربحوها، يتوسطهم الأشعث الأغبر، واللج الذي لا يعبر؛ شيخ طويل القامة، ظاهر الاستقامة سبلته مشمطة، وعلى أنفه من القُبْح مَطَّة، وعليه ثوب مرقوع، لطير الخرق عليه وقوع، يُهَيْنِم بذكرٍ مسموع، وينبي عن وقت مجموع. فلما مثل سلم، وما نبس بعدها ولا تكلم. فأشار إليه فقعد، بعد أن أن انشمر وابتعد، وجلس فما استرق، النظر ولا اختلس، إنما حركة فكره، معقودة بزمام ذكره، ولحظات اعتباره، في تفاصيل أخباره. فابتدره الرشيد سائلا، وانحرف إليه مائلا، وقال: ممن الرجل، فقال فارسي الأصل، أعجمي الجنس، عربي الفصل. قال: بلدك، وأهلك وولدك. قال: أما الولد، فولد الديوان، وأما البلد، فمدينة الإيوان. قال: النحلة وما أعملت إليه الرحلة، قال: [أما الرحلة فالاعتبار، وأما النحلة فالأمور الكبار]. قال: فنك، الذي اشتمل عليه دنك، فقال: الحكمة فني الذي جعلته أثيرا، وأضجعت منه فراشا وثيرا، وسبحان الذي يقول:
﴿وَمنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراَ﴾. وما سوى
ذلك فتبيعٌ ولي فيه مصطاف وتربيع. قال: فتعاضد جذل الرشيد وتوفر، وكأنما غشي وجهه قطعة من ﴿الصُّبْحِ إذَا أسْفَرَ﴾، قال: ما رأيت كالليلة أجمع لأمل شارد، وأنعم بمؤانسة وارد. يا هذا إني سائلك، ولن تخيب بعد وسائلك، فاخبرني بما عندك في هذا الأمر الذي بلينا بحمل أعبائه، ومنينا بمراوضة آبائه. فقال هذا الأمر الأمر قلادة ثقيلة، ومن خطة العجز مستقيلة، ومفتقرة ومفتقرة لسعة الذرع، وربط السياسة المدنية بالشرع، يُفْسدها الحلم في غير محله، [ويكون ذريعة إلى حله] حله] ويصلحها مقابلة الشكل بشكله:
ومن لم يكن سبعا آكلا
تداعت سباع إلى أكله
فقال الملك أجملت ففصل، وبريت فنصل، [وكلت فأوصل] وانثر الحب لمن يحوصل، وأقسم السياسة فنونا، فنونا، واجعل لكل لقب قانونا، وابدأ بالرعيّة، وشروطها المرعية، فقال: رعيتك ودائع الله قبلك، ومرآة العدل الذي عليه جبلك، ولا تصل إلى ضبطهم [إلاّ بإعانته] التي وهب لك. وأفضل ما استدعيت به عونك فيهم، وكفايته التي تكفيهم، تقويم نفسك عند قصد تقويمهم، ورضاك بالسهر لتنويمهم، [وحراسة كهلهم ورضيعهم، والترفع عن تضييعهم]، وأخذ كل طبقة بما عليها، وما وما لها، أخذا يحوط ما لها، ويحفظ عليها كمالها، ويقصر عن غير الواجب آمالها، حتى تستشعر عليُّها رأفتك وحنانك، وتعرف أوساطها في [النصب امتنانك] امتنانك] وتحذر سفلتها سنانك، وحظر على كل طبقة منها، أن تتعدى طورها، أو تخالف دورها، أو تجاوز بأمر طاعتك فورها. وسد فيها سبل الذريعة، واقصر جميعها على خدمة الملك بموجب الشريعة، وامنع أغنياءها من أغنياءها من البطر والبطالة، والنظر في شبهات الدين الدين بالتمشدق والإطالة، وليقل فيما شجر بين السّلف السّلف كلامها وترفض ما ينبز به أعلامها، فإن ذلك ذلك يسقط الحقوق، ويرتب العقوق. وامنعهم من فحش الحرص والشره، وتعاهدهم بالمواعظ التي تجلو البصائر من الموه، واحملهم من الاجتهاد في العمارة على أحسن المذاهب وانههم عن التحاسد على المواهب، ورضهم على الإنفاق بقدر الحال، والتعزي عن الفائت، فرده من المحال. وحذَّر البخل على أهل اليسار، والسخاء على أولي الإعسار. وخذهم من الشريعة بالواضح الظاهر، وامنعهم من تأويلها منع القاهر. ولا تطلق لهم التجمع على من أنكروا أمره في نواديه، وكفّ عنهم أكف تعديهم. ولا تبح لهم تغيير ما كرهوه بأيديهم. ولتكن غايتهم فيما توجهت إليه إبايتهم، ونكصت عن الموافقة عليه رايتهم، إنهاؤه إلى من وكلته بمصالحهم من ثقاتك، المحافظين على أوقاتك. وقدم منهم من أمنت عليهم مكره، وحمدت على الإنصاف شكره، ومن كثر حياؤه منع التأنيب، وقابل الهفوة باستقالة المنيب ومن لا يتخطى عندك محله الذي حله، فربما عمد إلى المبرم فحله. وحسن النية لهم بجهد الاستطاعة، واغتفر المكاره في جنب حسن الطاعة. وإن ثار جرادهم واختلف في طاعتك مرادهم، فتحصن لثورتهم، وأثبت لفورتهم [فإذا سألوا وسلوا، وتفرقوا وانسلوا، فاحتقر كثرتهم، ولا تقل عثرتهم] واجعلهم لما بين أيديهم وما خلفهم نكالا، ولا تترك لهم على حلمك اتكالا.
ثم قال: والوزير الصالح أفضل عددك، وأوصل مددك [فهو الذي] يصونك عن الابتذال، ومباشرة الأنذال، ويثب لك على الفرصة، وينوب في تجرع الغصة، واستجلاء القصة، ويستحضر ما نسيته من أمورك، ويغلب فيه الرأي بموافقه مأمورك، ولا يسعه ما تمكنك المسامحة فيه، حتى يستوفيه. واحذر مصادمة تياره، والتجوز في اختياره، وقدم استخارة الله في إيثاره وارسل عيون الملاحظة في آثاره، وليكن معروف الإخلاص لدلوتك، معقود الرضا والغضب برضاك وصولتك، زاهدا عما في يديك، مؤثراً كلّ ما يزلف لديك، بعيد الهمة، راعيا للأذمة، كامل الآلة، محيطا بالإيالة، رحب الصَّدر، رفيع القدر، معروف البيت، نبيه الحي والميت، مؤثرا للعدل والإصلاح، دَرِباً بحمل بحمل السلاح، ذا خبرة بدخل المملكة وخرجها، وظهرها وسرجها، صحيح العقد، متحرزا من النقد، جادا عند لهوك، متيقظا في حال سهوك، يلين عند غضبك، ويصل الإسهاب بمُقتَضِبك قلقا من شكره دونك وحمده، ناسبا لك الأصالة بعمده. وإن أعيا عليك وجود أكثر هذه الخلال، وسبق إلى نقيضها شيء من الاختلال، فاطلب منه سكون النفس وهدوئها، وأن لا لا يرى منك رتبة إلاّ رأى قدره دونها. وتقوى الله تفضل شرف الانتساب، وهي للفضائل فذلكة الحساب. وساو في حفظ غيبه بين قربه ونأيه، واجعل حظه من نعمتك موازيا لحظك من حسن رأيه واجتنب منهم من يرى في نفسه إلى الملك سبيلا، أو يقود من عيصه للاستظهار عليك قبيلا، أو من كاثر مالك ماله، أو من تقدم لعدوك استعماله، أو من سمت لسواك آماله، أو من يعظم عليه إعراض وجهك، ويهمه نادرة نهجك، نهجك، أو من يدخل غير أحبابك، أو من ينافس أحدا أحدا ببابك.
(وأما الجند) فاصرف التقويم منهم للمقاتلة والمكايدة المخاتلة، واستوفي عليهم شرائط الخدمة، وخذهم بالثبات للصدمة، ووفّ ما أوجبت لهم من الجراية والنعمة، وتعاهدهم عند الغناء بالعلف والطعمة، ولا تكرم منهم إلاّ من أكرمه غناؤه، وطاب في الذبّ عن ملَّتِك ثناؤه، ودُلَّ عليهم النبهاء من خيارهم، واجتهد واجتهد في صرفهم عن الافتنان بأهلهم وديارهم، ولا توطئهم في الدّعة مهادا، وقدمهم على حفظك وبعوثك وبعوثك متى أردت جهادا. ولا تُلِن لهم في الإغماض الإغماض عن حسن طاعتك قيادا وعودهم حسن المواساة بأنفسهم اعتيادا، ولا تسمح لأحد منهم في إغفال شيء من سلاح استظهاره، أو عدة اشتهاره، وليكن ما فضل عن شبعهم وريهم مصروفا إلى سلاحهم، وزيهم، والتزيد في مراكبهم وغلمانهم من غير اعتبار لأثمانهم. وامنعهم من المستغلات والمتاجر، وما يكسب منه غير المشاجر، وليكن من الغزو اكتسابهم، وعلى المغانم حسابهم، كالجوارح التي تفسد باعتيادها، أن تطعم من غير اصطيادها، واعلم أنها لا تبذل نفوسها من عالم الإنسان، إلاّ لمن يملك قلوبها بالإحسان، وفضل اللسان، ويملك حركاتها بالتقويم، ورتبها بالميزان القويم، ومن تثق بإشفاقها على أولادها، وتشتري رضا الله بصبرها على طاعته وجلادها. فإذا استشعرت لها هذه الخلال، تقدمتك إلى مواقف التلف مطيعة دواعي الكلف، واثقة منك بحسن الخلف. واستبق إلى تمييزهم استباقا، وطبقهم طباقا، أعلاها من تأملت منه في المحاربة عنك إحظارا، وأبعدهم في مرضاتك مطارا، واضبطهم لما تحت يدك من رجالك حزما ووقارا، واستهانة بالعظائم واحتقارا، وأحسنهم لمن تقلده أمرك من الرعية جوارا، إذا أجدت اختيارا، وأشدهم على مماطلة من مارسه من الخوارج عليك اصطبارا. ومن بَلا في الذبّ عنك إحلاء وإمرارا، ولحقه الضر في معارك معارك الدفاع عنك مرارا. وبعده من كانت محبته لك أكثر من نجدته، وموقع رأيه أصدق من موقع صَعْدَته. وبعده من حسن انقياده لأمرائك وإحماده لآرائك، ومن جعل نفسه من الأمر حيث جعلته، وكان صبره على ما عراه أكثر من اعتداده بما فعله. [واحذر منهم من كان عند نفسه أكبر من موقعه في الانتفاع، ولم يستح من التزيد بأضعاف ما بذله من الدفاع، وشكى البخس] فيما تعذر عليه من فوائدك، وقاس بين عوائد عدوك وعوائدك، وتوعد بانتقاله عنك وارتحاله، وأظهر الكراهية لحاله.
(وأما العمال) فإنهم يبينون عن مذهبك، وحالهم في الغالب شديدة الشبه بك، فعرفهم في أمانتك السعادة، وألزمهم في رعيتك العادة، وأنزلهم من كرامتك بحسب منازلهم في الاتصاف بالعدل والإنصاف، وأحلهم من الحفاية، بنسبة مراتبهم من الأمانة والكفاية، وقفهم عند تقليد الأرجاء مواقف الخوف والرجاء، وقرر في نفوسهم أن أعظم ما به إليك تقربوا، وفيه تدربوا، وفي سبيله أعجموا وأعربوا، إقامة حق، ودحض باطل، حتى لا يشكو غريم مطل ماطل، وهو آثر لديك من كل رباب هاطل. وكفهم من الرزق الموافق عن التصدي لدني المرافق. واصطنع منهم من تيسرت كلفته، وقويت للرعايا ألفته، ومن زاد على تأميله صبره، وأربى على خَبَرُه خُبْرُه، وكانت رغبته في حسن الذكر، تشِفُّ على غيرها من بنات الفكر. واجتنب منهم من غلب عليه التخرق في الإنفاق، وعدم الإشفاق، والتنافس في الاكتساب، وسهل عليه سوء الحساب، وكانت ذريعته المصانعة بالنفاية، دون التقصي والكفاية ومن كان منشؤه منشؤه خاملا، ولأعباء الدناءة حاملا، وابغ من يكون الاعتذار في أعماله، أوضح من الاعتذار في أقواله، ولا يَفْتننَّك من قلدته اجتلاب الحظ المُطْمِع، [والتنفق بالسعي المسمع] ومخالفة السنن المرعية، [وإتباعه رضاك رضاك بسخط الرعية] فإنه قد غشك من حيث بلّك ورشك، وجعل من يمينك في شمالك، حاضر مالك. ولا تضمن عامل ما عمله، وحل بينه فيه وبين أمله، فإنك تميت رسومك بمحياه، وتخرجه من خدمتك فيه إلا أن تملكه إياه. ولا تجمع له في الأعمال، فيسقط استظهارك استظهارك ببلد، على بلد، والاحتجاج على والد بولد، واحرص على أن تكون في الولاية غريبا، ومتنقله منك قريبا، ورهينة لا يزال معها مريبا، ولا تقبل مصالحته على شيء اختانه، ولو برغيبة فتانة، فتقبل المصانعة في أمانتك، وتكون مشاركا في خيانتك، خيانتك، ولا [تطل مدة] العمل، وتعاهد كشف الأمور الأمور ممن يرعى الهمل، ويبلغ الأمل.
(وأما الولد) فأحسن آدابهم، واجعل الخير دأبهم، وخف عليهم من إشفاقك، وحنانك، أكثر من غلظة جنانك، واكتم عنهم ميلك، وأفض عليهم جودك ونيلك، ولا تستغرق بالكلف بهم يومك ولا ليلك، وأثبهم على حسن الجواب، [وسبق إليهم] خوف الجزاء على رجاء الثواب، وعلمهم الصبر على الضرائر، والمهلة عند استخفاف الجرائر، [وخذ لهم] بحسن السرائر، وحبَّبْ إليهم مراس الأمور الصعبة المراس، وحَصَّن الاصطناع والاغتراس، والاستكثار والاستكثار من أولي المراتب والعلوم، والسياسات والحلوم، والمقام المعلوم، وكره إليهم مجالسة الملهين ومصاحبة الساهين، وجاهد أهواءهم عن عقولهم، واحذر الكذب على مقولهم، ورشحهم إذا أنست منهم منهم رشدا أو هديا، وأرضعهم من المؤازرة، والمشاورة والمشاورة ثديا، لتمرنهم على الاعتياد، وتحملهم على الازدياد، ورضهم رياضة الجياد، واحذر عليهم الشهوات فهي داؤهم، وأعداؤك في الحقيقة وأعداؤهم. وتدارك الخلق الذميمة كلما نجمت، [واقذعها إذا هجمت]، قبل قبل أن يظهر تضعيفها، ويقوى ضعيفها، فإن أعجزتك في صغرهم الحيل، عظم الميل:
إن الغصون لإذا قومتها اعتدلت
ولن تلين إذا قومتها الخشب
وإذا قدروا على التدبير، وتشوفوا للمحل الكبير، فلا توطنهم في مكانك [جهد إمكانك]، وفرقهم وفرقهم [في بلدانك] تفريق عبدانك. واستعملهم في بعوث جهادك، والنيابة عنك في سبيل اجتهادك، فإن حضرتك تشغلهم بالتحاسد، والتباري والتفاسد. وانظر إليهم بأعين الثقات، فإن عين الثقة، تبصر ما لا تبصر عين المحبة والمقة.
(وأما الخدم) فإنهم بمنزلة الجوارح التي تفرق بها وتجمع، وتبصر وتسمع، فرضهم بالصدق والأمانة، وصنهم صون الجفانة، وخذهم بحسن الانقياد، على ما ما آثرته، والتقليل مما استكثرته. واحذر منهم من قويت شهواته، وضاقت عن هواه لهواته، فإن الشهوات تنازعك في استرقاقه، وتشاركك في استحقاقه. وخيرهم من ستر ذلك عليك بلطف الحيلة، وآداب للفساد مخيلة. مخيلة. وأشرب قلوبهم أن الحق في كل ما حاولته واستنزلته، وأن الباطل في كل ما جانبته واعتزلته، وأن من تصفح منهم أمورك فقد أذنب، وباين الأدب وتجنب وأعط من أكددته، وأضقت منهم ملكه وشددته، روحة يشتغل فيها بما يغنيه، على حسب صعوبة ما يعانيه، تغبطهم فيها بمسارحهم، وتجم كليلة جوارحهم. ولتكن عطاياك فيهم بالمقدار الذي لا يبطر أعلامهم، ولا يؤسف [الأصاغر فيفسد] أحلامهم، ولا ترم ترم محسنهم بالغاية من إحسانك، واترك لمزيدهم فضلة من رفدك ولسانك. وحذر عليهم مخالفتك ولو في صلاحك بحد سلاحك. وامنعهم من التثاوب والتشاجر، ولا تحمد لهم شيم التقاطع والتهاجر، واستخلص منهم لسرّك ما قلت من الإفشاء ذنوبه، وكان أصبرهم على على ما ينوبه ولودائعك من كانت رغبته في وظيفة لسانك، أكثر من رغبته في إحسانك، وضبطه لمَّا تَقلَّده من وديعتك، أحب إليه من حسن صنيعتك، وللسفارة عنك من حلا الصدق في فمه، وآثاره ولو بإخطار دمه، واستوفى لك وعليك فهم ما تحمله، وعني بلفظه حتى لا يهمله، [ولمن تودعه أعداء] دولتك، من كان مقصور الأمل، قليل القول صادق العمل، ومن كانت قسوته زائدة على رحمته، وعظمه في مرضاتك آثر من شحمته، ورأيه في الحذر سديد، وتحرزه من الحيل شديد. ولخدمتك في ليلك ونهارك من لانت طباعه، وامتد في حسن السجية باعه، وآمن كيده وغدره، وسلم من الحقد صدره، ورأى المطامع فما طمع، واستثقل إعادة ما سمع، وكان بَرِياً من الملال، والبشر عليه أغلب الخلال، ولا تؤنسهم منك بقبيح فعل ولا قول، ولا تؤسهم من طَوْل. ومكن في نفوسهم أن أقوى شفعائهم، وأقرب إلى الإجابة من دعائهم، إصابة الغرض فيما به وكلوا، وعليه شكلوا، فإنك لا تعدم بهم انتفاعا، ولا يعدمون لديك ارتفاعا.
(وأما الحرم)؛ فهم مغارس الوُلْد، ورياحين الخُلْد، وراحة القلب الذي أجهدته الأفكار، والنفس التي تقسمها الإحماد إلى المساعي والإنكار، فاطلب منهن من غلب عليهن من حسن الشيم، المترفعة عن القيم، مالا يسوءك في خلدك، أن يكون في ولدك، واحذر أن تجعل لفكر بشر دون بصر إليهن سبيلا، وانصب دون ذلك عذابا وبيلا، وارعهن من النساء العجز من فاقت في الديانة والأمانة سبيله، وقويت غيرته ونبله، وخذهن بسلامة النيات، والشيم السنيات، وحسن الاسترسال، والخلق السلسال. وحَظَّر عليهن التغامز والتغاير، والتنافس والتخاير، وآسِ بينهن بينهن في الأغراض، والتصامم عن الأعراض، والمحاباة بالإعراض. وأقلل من مخالطتهن، فهو أبقى لهمتك، وأسبل لحرمتك، ولتكن عشرتك لهن عند الكلال والملال، وضيق الاحتمال، بكثرة الأعمال، وعند الغضب والنوم، والفراغ من نصب اليوم، واجعل مبيتك بينهن تنم بركاتك، وتستتر حركاتك، وأفضل من ولدت منهن إلى مسكن يختبر فيه استقلالها، ويُعْتَبر بالتفرد خلالها، ولا تطلق لحرمة شفاعة ولا ولا تدبيرا، ولا تنط بها من الأمر صغيرا ولا كبيرا، واحذر أن يظهر على خدمهن في خروجهن عن القصور وبروزهن من أجمة الأسد الهصور زِيٌّ مفارع، ولا ولا طيب للأنوف مسارع، واخصص بذلك من طعن في السّن، ويئس من الإنس والجن، ومن توفر النزوع إلى الخيرات قبله، وقصر عن جمال الصورة وَوُسم بالبَلَه.
ثم لما بلغ إلى هذا الحد، حمي وطيس استجفاره، استجفاره، وختم حزبه باستغفاره، [ثم صمت مليا]، مليا]، واستعاد كلاما أوليا. ثم قال: واعلم يا أمير المؤمنين، سدّد الله سهمك لأغراض خلافته، وعصمك من الزمان وآفته، أنك في مجلس الفصل، ومباشرة الفرع من ملكك والأصل، في طائفة من عز الله، تذب عنك حماتها، وتدافع عن حوزتك كماتها، فاحذر أن يعدل بك غضبك، عن عدل تزري منه ببضاعة، أو يهجم بك رضاك على إضاعة. ولتكن قدرتك وقفا على الاتصاف بالعدل والإنصاف، واحكم بالسوية، واجنح بتدبيرك إلى حسن الرّوية. وخف أن تقعد بك أناتك عن حزم تعين، أو تستفزك العجلة في أمر لم يتبين، وأطع الجحة ما توجهت عليك، ولا تحتفل بها إذا كانت إليك، فانقيادك إليه أحسن من ظفرك، والحق أجدى من نفرك. ولا تردن النصيحة في وجه، ولا تقابل عليها بنجه، فتمنعها إذا استدعيتها، وتحجب عنك إذا استوعيتها، ولا تستدعها من غير أهلها، فيشغبك أولو الأغراض بجهلها. واحرص على أن لا ينقضي مجلس جلسته، أو زمن اختلسته، إلاّ وقد أحرزت فضيلة زائدة، أو وثقت منه في معادك بفائدة، ولا يزهدنك في المال كثرته، فتقل في نفسك أثرته. وقس الشاهد بالغائب واذكر وقوع ما لا يحتسب من النّوائب، فالمال المصون أمنع الحصون. ومن قل ماله قصرت آماله، وتهاون بيمينه شماله، والملك إذا فقد خزينته، أنحى على أهل الجدة التي تزينه، وعاد على على رعيته بالإجحاف، وعلى جبايته بالإلحاف، وساء معتاد عيشه، وصغر في عيون جيشه، ومنوا عليه بنصره، وأنفوا من الإقصار على قصره. وفي المال قوة سماوية، تصرف الناس لصاحبه، وتربط آمال أهل السلاح به. والمال نعمة الله تعالى، فلا تجعله ذريعة إلى خلافه، فتجمع بالشهوات بين إتلافك وإتلافه. واستأنس بحسن جوارها، واصرف في حقوق الله بعض أطوارها، فإن فضل المال على الأجل فَأجَلّ، ولم يضر ما تلف منه بين يدي الله عز وجل، وما ينفق في سبيل الشريعة، وسد الذريعة، مأمول خلفه، وما سواه فمُسْتَيْقِنٌ تلفه. واستخلص لحضور نواديك الغاصة، ومجالسك العامة والخاصة، من يليق بولوج عتبها، والعروج لرتبها. أما العامية فمن عظم عند الناس قدره، وانشرح بالعلم صدره، أو ظهر يساره، وكان لله إخباته وانكساره، ومن كان للفتيا منتصبا، وبتاج المشورة معتصبا. وأما الخاصية الخاصية فمن رقت طباعه، وامتد فيما يليق بتلك المجالس باعه، ومن تبحر في سير الحكماء، وأخلاق الكرماء، ومن له فضل سافر وطبع للدنية منافر، ولديه من كل ما تستتر به الملوك عن العوام حظ وافر، وصف ألبابهم بمحصول خيرك، وسكن قلوبهم بيمن طيرك، وأغنهم ما قدرت عن غيرك. واعلم بأن مواقع العلماء من ملكك، مواقع المشاعل المتألقة، والمصابيح المتعلقة، وعلى قدر تعاهدها تبذل من الضياء، وتجلو بنورها صور الأشياء، وفرَّعْها لتحبير ما يزين مدتك، ويحسن من بعد البلى جدتك. وبعناية الأواخر، ذكرت الأوائل، الأوائل، وإذا محيت المفاخر خربت الدول. واعلم أن أن بقاء الذكر مشروط بعمارة البلدان، وتخليد الآثار الباقية في القاصي منها والدان. فاحرص على ما يوضح يوضح في الدهر سبلك، ويحوز المزية لك على من قبلك، وإن خير الملوك من ينطق بالحجة، وهو قادر على القهر، ويبذل الإنصاف في السر والجهر. مع التمكن من المال والظهر. ويسار الرعية جمال للملك وشرف، وفاقتهم من ذلك طرف، فغلّب أيْنَق الحالين بمحلك، وأولاهما بضعنك وحِلَّك. واعلم أن كرامة الجور دائرة، وكرامة العدل مكاثرة، والغلبة بالخير سيادة وبالشر هوادة. وأعلم أن حسن القيام بالشريعة، يحسم عنك نكاية الخوارج، ويسمو بك إلى المعارج، فإنها تقصد أنواع الخدع، وتوري بتغيير البدع. و أطلق على عدوك أيدي الأقوياء من الأكفاء، وألسنة اللفيف من الضعفاء، واستشعر عند نكثة شعار الوفاء، ولتكن ثقتك بالله أكثر من [ثقتك بقوة تجدها]، وكتيبة تنجدها، فإن فإن الإخلاص يمنحك قوى لا تكتسب، ويهديك مع الأوقات نصرا لا يحتسب. والتمس سِلْمَ من سالمك، بنفس ما في يدك. وفضل حاصل يومك على منظر غدك، فإن أبى وضحت محجتك، وقامت عليه للناس حجتك، فلنفوس على الباغين ميل، ولها من جانبه نيل، واستمد كل يوم سيرة من يناويك. واجتهد أن لا يباريك في خير ولا يساويك، واكذب بالخير ما يُشَنَّعه يُشَنَّعه من مساويك، ولا تقبل من الإطراء إلاّ ما كان فيك، فضل عن إطالته، وجد يزري ببطالته. ولا تلق المذنب بالحميتك وسبك، واذكر عند حميّة الغضب ذنوبك إلى ربك. ولا تنس أن ذنب المذنب أجلسك مجلس الفصل، وجعل من قبضتك رياش النصل. وتشاغل في هدنة الأيام بالاستعداد، واعلم أن التراخي منذر بالاشتداد. ولا تهمل عرض ديوانك، واختبار أعوانك، وتحصين معاقلك وقلاعك، وعم إيالتك بحسن اضطلاعك. ولا تشغل زمن الهدنة بلذاتك، فتجني في الشدة على ذاتك. ولا تطلق في دولتك ألسنة الكهانة والإرجاف، ومطاردة الآمال العجاف، فإنه يبعث سوء سوء القول، ويفتح باب الغول. وحذر على المدرسين والمعلمين، والعلماء والمتكلمين، حمل الأحداث على الشكوك الخالجة، والزلاَّت الوالجة، فإنه فإنه يفسد طباعهم، ويغري سباعهم، ويمد في مخالفة الملة باعهم، وسدّ سبل الشفاعات، فإنها تفسد عليك حسن حسن الاختيار، ونفوس الخيار. وابذل في الأسرى من من حسن ملكتك ما يرضي من ملكك رقابها، وقلدك وقلدك ثوابها وعقابها، وتلق بدء نهارك بذكر الله في ترفعك وابتذالك، واختم اليوم بمثل ذلك. واعلم أنك مع كثرة حجابك، وكثافة حجابك، بمنزلة الظاهر للعيون، المطالب بالديون، لشدة البحث عن أمورك، وتعرف السر الخفي بين آمرك ومأمورك، فاعمل في سرك ما لا تستقبح أن يكون ظاهرا، ولا تأنف أن تكون به مجاهرا، واحكم بريك في الله ونحتك، وخف من فوقك يخفك من تحتك. واعلم أن عدوك من أتباعك من تناسيت حسن قرضه أو زادت مؤونته على نصيبه منك وفرضه. فاصمت للحجج، وتوق اللّجج، واسترب بالأمل، ولا يحملنك يحملنك انتظام الأمور على الاستهانة بالعمل. ولا تحقرن صغير الفساد، فيأخذ في الاستئساد. واحبس الألسنة عن التَّحالي باغتيابك، والتشبث بأذيال ثيابك، فإن سوء الطاعة يتنقل من الأعين الباصرة، [إلى الألسن القاصرة]، ثم إلى الأيدي المتناصرة. ولا تثق بنفسك في في قتال عدو ناواك، حتى تظفر بعدو غضبك وهواك. وليكن خوفك من سوء تدبيرك، أكثر من عدوك الساعي في تَتْبيرك. وإذا استنزلت ناجما، أو أمنت ثائرا هاجما، فلا تقلده البلد الذي فيه نجم، وهمى عارضه فيه وانسجم، يعظم عليك القدح في اختيارك، والغضّ من إيثارك، واحترز من كيده في حوزك ومأمك، فإنك أكبر همه، وليس بأكبر همك، وجمل المملكة بتأمين الفلوات، وتسهيل الأقوات، وتجويد ما يتعامل به من الصرف في البياعات وإجراء العوائد مع الأيام والساعات، ولا تبخس عيار قيم البضاعات، ولتكن يدك عن أموال الناس محجورة، وفي احترامها إلا على الثلاثة مأجورة: مال من عدا طَوْرُه وطور أهله، وتجاوز في الملابس والزينة، وفضول المدينة، يروم معارضتك بحمله، ومن باطن أعداك، وأمن اعتداك، ومن أساء جوار رعيتك بإخساره، وبذل الإذاية فيهم بيمينه ويساره. وأضرّ ما منيت به التعادي بين عبدانك، أو في بلد من بلدانك، فسد فيه الباب، وانقلهم بوساطة أولي، الألباب، إلى حالة الأحباب، ولا تطوق الأعلام أطواق المنون، بهواجس الظنون، فهو أمر لا يقف عند حد، ولا ينتهي إلى عد. واجعل ولدك في احتراسك، [وصِدْق مراسك] حتى لا يطمع في افتراسك. ثم لما رأى رأى الليل قد كاد ينتصف، وعموده يريد أن ينقصف، ومجال الوصايا أكثر مما يصف، قال: يا أمير المؤمنين، بحر السياسة زاخر، وعمر التَّمتّع بناديك العزيز مستاخر، فإن أذنت في فن من فنون الأنس يجذب بالمقاد، إلى راحة الرقاد، ويعتق النفس بقدرة ذي الجلال، من ملكة الكلال. فقال: أما والله قد استحسنا ما سردت، فشأنك وما أردت؛ فاستدعى عوداً، فأصلحه حتى أحْمَده وأبعد في اختياره أمده. ثم حرّك فمه، وأطال الحسن ثَمَّه، ثم تغنى بصوت يستدعي الإنصات، ويصدع الحصاة، ويستفز الحليم عن وقاره، ويستوقف الطير، ورزق بنيه في منقاره، وقال:
صاح ما أعطر القبول بنمه
أتراها أطالت البث ثَمَّهْ
هي دار الهوى منى النفس فيها
أبد الدهر والأماني جَمَّهْ
إن يكن ما تأرج الجو منها
واستفاد الشذى وإلا فَمِمَّهْ
من بطرفي بنظرة ولأنفي
في رباها وفي ثراها بشمهْ
ذكر العهد فانتفضت كأني
طرقتني من الملائك لمهْ
وطن قد نضيت فيه شبابا
لم تدنس منه البرود مذمهْ
بنت عنه والنفس من أجل من
خلفته في جلاله مغتَّمه
كان حلما فويح من أمل الده
ر وأعماهه جهله وأصمه
تَأمُّلُ العيش بعد أن أخلق الجس
م وبنيانه عسير المرمه
وغدت وفرة الشبيبة بالشي
ب على رغم أنفها معتمه
فقد فاز مالكٌ جعل الل
ه إلى الله قصده ومأمه
من يبت من غرور دنيا بهم
يلدغ القلب أكثرالله همه
ثم أحال اللحن إلى لون التنويم، فأخذ كل في النعاس والتهويم، وأطال الجس في الثقيل، عاكفا عكوف الضاحي في المقيل، [فخاط عيون القوم بخيوط النوم، وعمر بهم المراقد، كأنما أدار عليهم الفراقد] ثم انصرف، فما علم به أحد ولا عرف. ولما أفاق الرشيد جد في طلبه، فلم يعلم بمنقلبه، فأسف للفراق، وأمر بتخليد حكمه في بطون الأوراق. فهي إلى اليوم تروى وتنقل، وتجلى القلوب بها وتصقل. والحمد لله رب العالمين.
هذا ما حضرني من المنثور، والمنظوم، وحظه عندي [في الإفادة] حظ ضعيف، وغرضه كما شاء الله سخيف، لكن الله بعباده لطيف، [سبحانه لا إله إلا هو].
مولدي
في الخامس والعشرين لرجب عام ثلاثة عشر
وسبعمائة، وكم بالحي ممن ذكرته، ألحق بالميت،
وبالقبر قد استبدل من البيت، ولا حول ولا قوة إلاّ
بالله العلي العظيم.
قلت هنا انتهى هذا التأليف المسمى ((بالإحاطة في تاريخ غرناطة)) بالاختصار، وتحصل منه ما أردناه من هذا المقدار، ووهبناه للناظر فيه هبة ليست بهبة اعتصار، بل هي لتحصيله ذات انتصار، ولما لم يمكنه أن يعرف بمحنته ووفاته، رأيت أنّا بعده أن أُعَرَّف بذلك في مُخْتَصَري هذا على مَهْيَعه، وعادته، فأقول:
محنته وفاته
رأيت تعليقا بخط بعض العدول المعاصرين، الأذكياء المحاضرين، الأدباء المجيدين، الظرفاء المقيدين؛ وهو صاحبنا أبو عبد الله............ الواد آشي حفظه الله، طرفة زمان، وحفظة أوان، وهو ما نصه من تاريخ ابن خلدون.. قال:
الخبر عن مقتل ابن الخطيب
ولما استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد، دار ملكه فاتح ست وسبعين، واستقل بسلطانه، والوزير محمد بن عثمان مستبد عليه، وسليمان ابن داود من أعراب [كبير] بني عسكر رديف له. وقد كان الشرط وقع بينه وبين السلطان ابن الأحمر، عندما بويع بطنجة، على نكبة ابن الخطيب وإسلامه إليه، لما نمي عنه أنه كان يغري السلطان عبد العزيز بملك الأندلس. فلما زحف السلطان أبو العباس من طنجة، ولقي الوزير أبا بكر بن غازي بساحة البلد الجديد، فهزمه السلطان، ولاذ منه بالحصار، آوى معه ابن الخطيب إلى البلد الجديد خوفا على نفسه، فلما استولى السلطان على البلد، أقام أياما، ثم أغراه سليمان بن داود بالقبض عليه، فقبضوا عليه، وأودعوه بالسجن، وطيروا بالخبر إلى السلطان ابن الأحمر، وكان سليمان بن داود شديد العداوة لابن الخطيب، لما كان سليمان قد قد تابع السلطان ابن الأحمر على مشيخة الغزاة بالأندلس، متى أعاده الله إلى ملكه. فلما استقر له سلطانه، أجاز إليه سليمان سفيرا، عن عمر بن عبد الله، ومقتضيا عهده من السلطان. فصدّه ابن الخطيب عن ذلك، بأن تلك الرياسة، [إنما هي] لأعياص الملك من آل عبد الحق، لأنهم يعسوب زناتة؛ فرجع آيسا، وحقد وحقد ذلك لابن الخطيب. ثم جاور الأندلس بمحل إمارته من جبل الفتح، فكانت تقع بينه وبين ابن الخطيب، مكاتبات ينفس كل منهما لصاحبه، بما يحفظه؛ لما كمن في صدورهما. وحين بلغ الخبر بالقبض على ابن الخطيب إلى السلطان، بعث كاتبه، ووزيره بعد ابن الخطيب، وهو عبد الله بن زمرك، فقدم على السلطان أبي العباس، وأحضر ابن الخطيب بالمشْوَر في مجلس الخاصة وأهل الشورى، وعرض عليه بعض كلمات وقعت له في كتابه، فعظم عليه النُّكر فيها، فوبخ ونكّل، وامتحن بالعذاب بمشهد ذلك الملإ. ثم تلَّ إلى محسبه، واشتوَروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجلة عليه، وأفتى بعض الفقهاء فيه، ودسّ سليمان بن داود إليه لبعض الأوغاد من حاشيته بقتله، فطرقوا السجن ليلا، ومعهم زعانفة جاءوا في لفيف الخدم مع سفراء السلطان ابن الأحمر، وقتلوه خنقا في محبسه، وأخرجوا شلوه من الغد، فدفن في مقبرة باب المحروق. ثم أصبح أصبح من الغد على شأفة قبره طريحا، وقد جمعت له أعواد، وأضرمت عليه ناراً، فاحترق شعره، واسود بشره، وأعيد إلى حفرته. وكان في ذلك انتهاء محنته. وعجب الناس من هذه السَّفاهة التي جاء بها سليمان واعتدوها من هنّاته، وعظم النّكير فيها عليه، وعلى قومه، وأهل دولته. والله فعّال لما يريد. وكان عفى الله عنه، أيام امتحانه بالسجن، يتوقع مصيبة الموت، فيتجيش هواتفه بالشعر يبكي نفسه. ومما قال في ذلك:
بعدنا وإن جاورتنا البيوت
وجئنا بوعض ونحن صموت
وأنفاسنا سكنت دفعة
كهجر الصلاة تلاه القنوت
وكنا عظاما فصرنا عظاما
وكنا نقوت فها نحن قوت
وكنا شموس سماء العلا
غَرُبْن فناحت عليها البيوت
فكم جدَّلَت ذا الحسام الظبا
وذو البخت كم جدلته البخوت
وكم سيق للقبر في خرقة
فتى ملئت من كساه التخوت
فقل للعدا ذهب ابن الخطيب
وفات ومن ذا الذي لا يفوت
فمن كان يفرح منكم له
فقل يفرح اليوم من لا يموت
انتهى من السفر الأخير منه، حيث عرف بنفسه وبشيوخه، رحمة الله على الجميع.
قلت: وهنا انتهى ما قصدناه، وتم بحول الله ما أردناه واستوفيناه، واستلحمناه وذلك بغرناطة أقالها الله وصانها، وعمر بالعلماء الأعلام، وصالحي الإسلام، عمرانها وبتاريخ أوائل شهر ربيع الآخر من عام خمسة وتسعين وثمانمائة. والحمد لله. وسلام على عباده الذين اصطفى.
الحمد لله.. من كتاب نفاضة الجراب لابن الخطيب المذكور رحمه الله، الذي ألفه بالعدوة بعد صرفه عن الأندلس، واستقراره بالعدوة بآخرة من عمره، وقرب وفاته ولذلك سماه ((نفاضة الجراب)). قال في أثنائه ما نصه: وإلى هذا العهد صدر عني من النظم والنثر بحال القلعة، ومكان الغمرة، وسائل إخوانية، ومقطوعات أدبية، نُثبتها إحماضا وراحة، لتعيد مطالع هذا جماما، أو تهدي إليه أنسا. والحمد لله على البأساء والنعماء:
جزتني غرناطة بعد ما
جلوت محاسنها بالجلا
ولم تبق جاها ولا حرمة
ولم تبق مالا ولا منزلا
كأني انفردت بقتل الحسين
وجردت سيفي في كربلا
ولم أجن ذنبا سوى أنني
صعدت بأمداحها في الملا
وأني صنعت فيها الغريب
فصرت الغريب أجول الفلا
يمينا لقد أنكرت ما جرى
نفوس الورى وأبته العلا
وما خصني زمني بالعقوق
فكم من فاضل مبتلا
أإن ظهرت نعمة الإله
علي فألبست منها حلا
أإن قربتني الملوك الكرام
يقلد آخرها الأولا
وأن مكنتني من أمرها
فشمت السيوف وصنت الطلا
وقابلت بالشكر منها الصنيع
وحاشى لمثلي أن يغفلا
فأقسم بالله لولا أنوفا
لجردت من مقولي منصلا
يقد الدروع ويخلي الدموع
ويلقي على من عدا الله ركلا
فيترك في الناس أمثاله
تجد على رغم أنف البلا
ولا خلق أجهل ممن يظن
بمقدار مثلي أن يجهلا
ما ركبت الدجا إذ سما
يقلد للجم نصرا كلا
وكان لساني سيفا صقيلا
وكانت يراعي قنا ذبلا
ولكن ليته بصبر جميل
قضماء الذي لم يزل مجملا
وحاسبت نفسي فيم أمر
فألفيته البعض فيما خلا
وأسكنت ناري لما دعا
وأسكنت يأسي لما غلا
سلام عليها وإن أخفرت
ذمامي ووجزت بالقلا
وألبستها الأمن سترا حصيفا
وإن هتكت ستري المسبلا
ومثلي يبقى على عهده
إذا أعرض الخل أو أقبلا
[هذا وقد وردت القصيدة الآتية بعد القصيدة الأولى في النصف الأعلى من اللوحة الختامية لمخطوط الإسكوريال (لوحة 105) دون تقديم ولا تعريف. وهي آخر ما ورد في المخطوط].:
من حاكم بي على الفراق
حكم زياد على العراق
بيدي وقد ختمت يداه
بالجور في أنفس رقاق
وعاجل النظم بانتثار
وصير الشمل لافتراق
فمن أكف على خدود
ومن دموع على تراق
وأي حال إلى دوام
وما سوى الله غير باق
يا سائق الركب إن نفسي
من لوعة البين في سياق
رفقا على مهجتي فإني
قد بلغت روحي التراق
ويا رسول النسيم بلغ
بحيرة الحي ما ألاق
وسِقْ إلى سمعي حديثا
من أرضهم طيب المساق
جرعني البين كأس حزن
بعدهم مرة المذاق
فلا أنس سوى ادكاري
ولا جليس اشتياق
ففي غدوي بها اصطحابي
وفي رواحي بها اغتباق
يا شقة القلب ليت شعري
هلٌ يَصِحُّ شَمْل في اتساق
أو يقلع الدهر من عتاب
أو يطلق الشوق من وثاق
طال علي الظلام لما
ضن محياك بالتلاق
فيكذب الليل في ارتحال
ويمطل الفجر بانشقاق
ضايقني الدهر فيك حتى
في موقف البين والفراق
فلم يكن فيه من سلام
ولا كلام ولا اعتناق
قد عجز النطق عن شجوني
قد بلغ الماء للنطاق
اقسمت حقا بخير هاد
سرى إلى الله بالبراق
لو خيرت في الوجود نفسي
ما اخترت بها سوى التلاق
إن بطش الدهر بي وأبدى
سجية الغدر والنفاق
فكم هلال رأيت بدرا
أفلت من ظلمة المحاق
يا من على فضله اعتمادي
يا من بأسبابه اعتلاق
إن لم تجد منك لي برحمى
ما لي في الخلق من خلاق