النشأة والتكوين والصعود
بيتٌ صنعته الهجرات
لم يكن لسان الدين ابن الخطيب رجلاً صعد من فراغ، ولا يريد لقارئه أن يظنّ ذلك. حين ترجم لنفسه في آخر «الإحاطة» بدأ لا بمولده بل بنسبه ودار قومه، وهذا وحده مفتاح لقراءة الرجل: هو محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن علي بن أحمد السّلماني، يكنى أبا عبد الله، ولقبه المشرقيّ «لسان الدين». ويصف نفسه بسلسلة نسبةٍ جغرافية دالّة: «قرطبي الأصل ثم طليطلي ثم لوشي ثم غرناطي». وهذه ليست زخرفاً في نسب؛ إنها خريطة انكماش الأندلس نفسها، مضغوطة في اسم رجل واحد.
يقول إن بيته كان يُعرف قديماً ببني وزير بقرطبة، وإن أهله انتقلوا إلى طليطلة في نكبة «وقعة الرّبض»، ثم استقرّ فرع منهم بالثغر عند لوشة، فعُرفوا هناك ببني الخطيب. ولعلّ أطرف ما يورده في هذا الباب أثرٌ ماديّ رآه بعينه: كتابة على جدار برجٍ بلوشة تشهد أن جدّه الأقدم كان يقرأ القرآن هناك ويستوقف القوافل، دلّه عليها شيخ مسنّ. ويذكر أنه اطّلع على مكتوبات من المتوكل ابن هود تتعلق بإعانة أحد أسلافه. فالرجل يوثّق بيته كما يوثّق دولة، بالشاهد الحجريّ والوثيقة الديوانية.
أما جدّه الأقرب سعيد، فقصته أنموذجٌ مصغّر لما سيصير إليه حفيده: نافس بني الطنجالي في لوشة فانتقل عنها إلى غرناطة، وتقلّب في خططٍ رفيعة، ثم مات سنة 683هـ صعقاً بالشمس وهو يستسقي بالناس. صعودٌ بالمنافسة، ونهايةٌ فجائية في مشهد عام — وهي بذاتها الصيغة التي ستتكرر في حياة لسان الدين، وإن بأداةٍ أقسى.
الأب: أصل الحظوة ومصدر اليُتم
الحلقة الحاسمة في هذا النسب هي الأب، عبد الله بن سعيد. يقول ابن الخطيب إنه نشأ في ترفٍ فلم يجهد نفسه في الطلب، رغم قراءته على كبار عصره: البلّوطي وابن مستقور وابن زورال وابن الزبير، ثم انتقل إلى لوشة موظفاً بلقب الوزارة، ثم استصحبه السلطان أبو الوليد إلى الحضرة. والعبارة الأهم في الباب كله ليست في سيرته الذاتية بل عرضاً في موضع آخر: إن أباه كان من أعمدة تقريب السلطان أبي الوليد لبني نصر، وبذلك «رسخت لولده أبي، القدم في الخدمة والعناية». أي أن ابن الخطيب يعترف صراحةً — دون مواربة ودون تفاخر — بأن موقعه في البلاط ورثه قبل أن يكسبه.
ثم جاءت الكارثة. قُتل الأب في «الكائنة العظمى» بطريف يوم 7 جمادى الأولى 741هـ، وهو يحاول إنقاذ أخيه الساقط عن فرسه، قائلاً: «أنا أولى به». وابن الخطيب يبني هذا المشهد بعناية شاهدٍ لا بعناية باكٍ: ينقل شهادةً مباشرة من خطيب المسجد الأعظم عن مصرع أبيه. ورثاه بقصيدة. ولا نُثبت هنا شعره، بل نلاحظ ما هو أدلّ: أن ابن الخطيب كان ابن ثمانٍ وعشرين سنة يوم قُتل أبوه، وأن الطريق إلى الديوان انفتح أمامه في اللحظة نفسها التي انسدّ فيها ظهره. وهذه المفارقة هي المحرّك الخفيّ لحياته كلها.
ومما يضيء علاقته بأبيه أنه كان ينشد الشعر ويعرض عليه رقاعاً من إنشائه، فيرتجل له أبوه مقطوعاتٍ جواباً وتقريظاً. فالبيت كان بيت أدبٍ لا بيت مالٍ فحسب، وتدرّب الفتى على الإنشاء داخل أسرته قبل أن يتدرّب عليه في الديوان.
المولد والصبا: ما يقوله وما يسكت عنه
وُلد بلوشة في 25 رجب سنة 713هـ، ونشأ بغرناطة. وهنا يجب أن نكون صرحاء: «الإحاطة» شحيحة جداً في طفولته. لا ذكر لأمه، ولا وصف لبيت الصبا، ولا خبر عن أخوته إلا عرضاً. ما نملكه ومضات: أنه يذكر مقبرةً لأسرته بغرناطة عند باب إلبيرة يسمّيها «روضتنا»؛ وأن له لمحةً عن شبابه بمالقة حين كان يحاول «لوث العمامة» فيستعين بغيره على إحكامها — وهو أطرف اعترافٍ بالخُرق الشبابي في كتابٍ يغلب عليه الوقار. أما ما وراء ذلك فالكتاب ساكت، ولا ينبغي ملء الفراغ بالظنّ.
التكوين العلمي: من المكتب إلى المنطق
يرسم ابن الخطيب تدرّجه العلمي على شكل هرم: حفظ القرآن أولاً، ثم العربية والفقه والتفسير على كبار علماء غرناطة ومالقة وتلمسان وسبتة، ثم الطب و«التعاليم» (العلوم الرياضية) وصناعة التعديل.
وفي أوّليات هذا التدرّج اضطرابٌ يستحق التنبيه، لأنه يكشف كيف يكتب ابن الخطيب عن نفسه. فهو يسمّي أبا عبد الله بن حسين بن صاحب الصلاة الأنصاري معلّمه الأول في القراءة، ويصفه بأنه «مبارك التعليم، حسن التفهيم». ثم يقول عن ابن عبد الولي الرعيني المعروف بـ«العوّاد»: «لم أتعلّم الكتاب العزيز إلّا في مكتبه». ثم يقول عن علي بن عمر القيجاطي إنه «أول أستاذ قرأت عليه القرآن والعربية والأدب، إثر قراءة المكتب»، ويصفه في موضع آخر بأنه «أول من انتفعت به». والتوفيق بينها ممكن — مكتب التلقين شيء، والأستاذية النظامية شيء آخر — لكن الأدقّ أن يُقال: ابن الخطيب يمنح لقب «الأول» لأكثر من واحد، لأنه يكتب كل ترجمةٍ بمنطقها الخاص، لا بمنطق سيرةٍ متسقة. وهذه سِمة منهجية سنراها تتكرر في الكتاب كله.
ثم يتّسع التكوين. لازم محمد بن علي الخولاني (ابن الفخّار) في القرآن وفي «الجمل» و«الإيضاح»، بل صحبه لاحقاً في سفارته إلى ملك المغرب — ومع ذلك ينتقد نفسه صراحةً لأنه لم يُعدّ من أخصّ تلاميذه رغم قربه منه. وهذا النقد الذاتي نادر وثمين. وأخذ عن أبي إسحاق بن حكم السّلوي وقرأ عليه من «التنقيح» للقرافي. وأخذ الطب والتعاليم وصناعة التعديل عن أبي زكريا يحيى بن هذيل التجيبي، وهو الذي يصفه بأنه خاتمة حَمَلة الفنون العقلية بالأندلس، طبيب البلاط ومقرئ المدرسة. وعن هذه الصحبة يقول ابن خلدون إن ابن الخطيب أخذ عن ابن هذيل الفلسفة وبرّز في الطب ونبغ في الشعر والترسل. وعلاقتهما تجاوزت التلمذة: كان ابن هذيل «مؤنساً لوحشتي» وقت نكبة أبيه، ولمّا أصابه الفالج سكن في بيت ابن الخطيب نفسه، وأملى عليه وصيته شعراً عند احتضاره، وتولّى ابن الخطيب دفنه بيده عند باب إلبيرة. أستاذٌ صار أباً بديلاً، ثم صار ميتاً يدفنه التلميذ.
ولم يكن تكوينه أندلسياً خالصاً. وهو حديث السنّ حضر مجلساً علمياً بحضرة السلطان أبي تاشفين بتلمسان وناقش فيه مسألة أصولية، وناظر علماء بجاية وتلمسان في مسألة منطقية وأبدى فيها رأياً خاصاً به. ودلالة الخبرين معاً أن الفتى كان يتمرّس مبكراً على أخطر المهارات في مساره: الكلام أمام السلاطين.
ابن الجيّاب والباب إلى الديوان
المعلّم الحاسم في المسار العملي هو أبو الحسن بن الجيّاب، كاتب سرّ الدولة النصرية. يسمّيه «شيخنا» ويصفه بـ«نسيج وحده»، ويقول إنه نشأ بين يديه وتأدّب به، وبينهما مراسلات شعرية متكررة وألغاز — منها لغز في اسم نهر شنيل. وشهد له ابن الجيّاب بالتفوق نظماً ونثراً. وحين مات، رثاه ابن الخطيب على قبره بعد دفنه بخمسة أيام.
أما آلية الدخول فيصفها الكتاب بوضوح: مدح السلطان أبا الحجاج (يوسف الأول) فأدخله ديوان الكتّاب تحت رئاسة ابن الجيّاب. أي أن القصيدة كانت جواز المرور. ثم يقول عن نفسه إنه تولى كتابة سرّ السلطان — ووالده مقتولٌ حديثاً — وهو دون سنّ الشباب المكتمل، حتى نابه في دار ملكه وائتمنه على خاتمه وسيفه وذخيرته وحرمه. وهذا يتّسق مع الرواية الأخرى: أن ولاية مماثلة كانت له قبل ذلك «مثناة بمزيد قربه»، ثم صارت له رسمياً بعد وفاة ابن الجيّاب أواخر شوال 749هـ، مع مضاعفة الجراية وإضافة ولاية القيادة، ثم انتهى إلى الوزارة. وقد لخّص لقباه ما بلغه: «ذو الوزارتين» لجمعه الوزارة والكتابة، و«ذو العمرين» لتدبيره الحكم نهاراً والتصنيف ليلاً.
بحلول سنة 749هـ كان الرجل قد استقرّ: في يده قلم الدولة، وله بيتٌ وأولاد يذكر ختانهم في تلك السنة، وابنه عبد الله وُلد قبل ذلك بست سنين (17 صفر 743هـ). وقد لاحظ معاصره البلوي أن بروزه تأخّر «لحكمة» لا لتقصير — وهي ملاحظة تستحق التوقف: الرجل لم يقفز، بل صعد.
والخلاصة التي يقدّمها الكتاب، لا التي نفرضها عليه: ثلاثة عوامل صنعت صعوده — إرثُ أبٍ رسّخ «القدم في الخدمة»، وتكوينٌ موسوعي جمع الشرع والعربية والطب والعقليات، وشيخٌ كان يشغل بالضبط المنصب الذي سيرثه عنه. وأما ما وراء ذلك من طموحٍ ودهاء، فالكتاب لا يعترف به هنا؛ سيظهر لاحقاً، في فصول أخرى.
الوزير: السلطة والكتابة
لم يبلغ ابن الخطيب ذروة نفوذه دفعةً واحدة، بل عبر تدرّج وظيفي يحرص هو نفسه على تسجيل حلقاته بدقّة الموظف لا بعموم المؤرخ. دخل ديوان الكتّاب في عهد أبي الحجاج يوسف الأول بعد قصيدة مدح، تحت رئاسة شيخه أبي الحسن بن الجيّاب. ولما مات ابن الجيّاب أواخر شوال 749هـ آلت إليه كتابة السر رسمياً، مع مضاعفة الجراية وإضافة ولاية القيادة. ويصف هو موقعه عند يوسف الأول بعبارة لافتة: نابه في دار ملكه وائتُمن على خاتمه وسيفه وذخيرته وحرمه — وهي عبارة تتجاوز حدود الوظيفة الديوانية إلى ما يشبه الأمانة الشخصية على بيت السلطان. ويضيف أنه بلغ ذلك وهو دون سنّ الشباب المكتمل، بعد مقتل أبيه حديثاً في وقيعة طريف.
أما القفزة الحاسمة فجاءت مع محمد الخامس. يروي ابن الخطيب أنه بدأ عهد السلطان الجديد (755هـ) بالخطة نفسها التي أسندها إليه الأب — الوقوف على رأس السلطان، والكتابة والإنشاء والعرض والجواب — ثم نُقل إلى رتبة الوزارة في ثاني يوم من الولاية، وخُوّل النيابة عن السلطان في غيابه على القلعة والحضرة، وصدر له بذلك ظهير. ولا يخفي أن الحاجب أبا النعيم رضوان هو من أفرده بالعناية ورفعه إلى صف الوزارة. ومن هذا الجمع بين الوزارة والكتابة جاء لقبه الذي رافقه: "ذو الوزارتين"، ويُضاف إليه في وصف معاصريه "صاحب القلم الأعلى" و"وزير أمير المسلمين". أما "ذو العمرين" فتفسيره أنه دبّر الحكم نهاراً وصنّف ليلاً — وهو لقب يلخّص ازدواج حياته كلها.
القلم بوصفه أداة حكم
الوجه الأهم لسلطته في هذه المرحلة ليس الوزارة بمعناها التنفيذي، بل احتكاره صوت الدولة. والكتاب نفسه يشهد بذلك، لأن ابن الخطيب يُثبت داخل "الإحاطة" وثائقه الديوانية ويصرّح بنسبتها إليه بعبارات لا تحتمل اللبس: "من إنشائي" في منشور تجديد ولاية يحيى بن عمر بن رحّو شيخاً للغزاة، و"من إملائي" في المنشور الصادر لعلي بن بدر الدين، و"من إنشائي" في رسالة التهنئة إلى السلطان الزياني بتلمسان. بل يبلغ الأمر أن النقش المكتوب على قبر يوسف الأول بعد اغتياله، نثره ونظمه، "كلاهما من إملائي". الرجل إذن يكتب الدولة حيّة وميتة.
وتتضح الوظيفة في أوسع صورها في رسائل الفتح: كتب باسم الدولة رسائل فتح برغة وأشر وأطريرة وجيّان وأبدة، وخطبة تحريض على الجهاد قُبيل غزوة الجزيرة الخضراء. وأنشأ باسم السلطان خطبة استنفار طويلة في 12 رمضان 767هـ عند خبر تجمّع الفرنجة. ثم الرسالة الكبرى إلى صاحب تونس الحفصي أبي إسحاق، التي تسرد حملة 771هـ حتى أسوار قرطبة، وتقرن الجهاد بالشرعية الدينية والنسب. وقد أملى الخطاب الرسمي الطويل الذي أُلقي بين يدي السلطان عقب إخماد ثورة ذي الحجة، وفيه يسرد — بضمير المتكلم نيابةً عن السلطان — محنة الخلع والفرار والعودة. وهنا تظهر المفارقة المنهجية التي ينبغي التنبّه لها: الوثيقة التي يوردها المؤرخ دليلاً على تاريخ الدولة هي في الأصل من صنعه هو. فالمصدر والمؤرخ شخص واحد. والكتاب لا يعلّق على هذه الازدواجية ولا يعتذر عنها؛ بل يعرضها باعتزاز.
السفارات
كان الجناح الثاني لنفوذه السفارة إلى المغرب. سفّره يوسف الأول إلى أبي عنان المريني بفاس معزّياً بأبيه ومهنئاً بالملك، حاملاً رسالة من إنشائه. ثم كانت سفارة 755هـ الشهيرة: دخل على أبي عنان في 28 ذي القعدة منشداً قصيدة مدح، وشهد مجلساً أُطلق فيه أسد أمام السلطان، فارتجل فيه قصيدة بطلب الحاضرين، وعاد في منتصف محرم 756هـ "وقد نجح السعي". وثمة سفارات أخرى يذكرها عرضاً: إلى سبتة في 9 جمادى الأولى 752هـ بصحبة شيخه الخولاني، وسفارة 756هـ التي لقي فيها بفاس محمد بن قاسم القرشي. ونُدرك من طريقة سرده أن السفارة عنده ليست مهمة بروتوكولية بل موضع فخر شخصي، إذ يسجّل تواريخ الوصول والعودة ونصوص الظهائر بدقّة تكشف وعياً بتوثيق مساره داخل تاريخ الدولة. كما تولّى بإذن السلطان مخاطبة ملك قشتالة بطره (بيدرو)، ونصحه بتحصين قرمونة — وهو تصرّف يدل على مدى الصلاحية المفوّضة إليه في السياسة الخارجية.
السلطان والوزير: شراكة لا تبعية
العلاقة بمحمد الخامس، كما تظهر في الكتاب، أقرب إلى الشراكة منها إلى الاستخدام. حين وقعت "الحادثة" (اغتيال أبي النعيم وخلع السلطان) باغتت النكبة ابن الخطيب في جنّته قرب الحضرة، فاستُؤصلت أملاكه كلها "فما ابتقت طارفاً ولا تليداً"، ولم ينجُ إلا بشفاعة سلطان المغرب أبي سالم بخطّه. فلحق بسلطانه المخلوع إلى وادي آش ثم سبتة ثم فاس، ووقف فوق رأسه في الاستقبال الرسمي بفاس (6 محرم 761هـ) منشداً "سلا هل لديها من مخبّرة ذكر". ثم عاد معه إلى الحضرة في شعبان 763هـ. وبعد الاسترداد أصدر له السلطان ظهيراً يردّ أملاكه المغتصبة أيام "الغادر" (2 رمضان 763هـ)، وخاطبه بألقاب تعظيم طويلة: وزير، خطيب، إمام البلغاء. ومصير الرجلين، كما يعرضه الكتاب، مصير واحد: يسقطان معاً ويعودان معاً.
ويبلغ هذا التقارب حدّاً نادراً في مواضع بعينها: يذكر ابن الخطيب أن السلطان وافقه على إلحاق مدرسة وزاوية وتربة له بالمارستان الذي بناه بغرناطة، وأن الاقتراح اقتراحه هو. ويورد مراجعته السلطان في رسالة على رداءة حبر كتاب كتبه له بخطه، وإنكار السلطان عليه خروجه لتفقّد أملاكه في يوم شديد الحر. هذه تفاصيل لا تُروى إلا عن قرب حقيقي.
ابن خلدون وابن زمرك: الظل داخل البلاط
ما يقوله الكتاب عن ابن خلدون دافئ صريح. ترجم له وهو حيّ في أوج نشاطه، وسجّل قدومه على غرناطة مستهل ربيع الأول 764هـ واستقبال محمد الخامس له وإجلاسه في مجلسه الخاص، وأثبت بينهما مكاتبات كثيرة، منها رسالة هزلية فاحشة الوصف بمناسبة تسرّي ابن خلدون جارية اسمها هند. ووصلته بأسرة ابن خلدون كلها: رسالة إلى أبي زيد بعد رحيله إلى بسكرة، وتهنئة لأبي زكريا بتولّيه كتابة الإنشاء عند أبي حمّو. الكتاب صامت تماماً عن أي عداوة. أما ما يُقال من أن ابن الخطيب لم يحتمل وجود ابن خلدون بغرناطة خشية اهتمام السلطان به وسعى لإبعاده، فذلك من كلام المحققين والمصادر الخارجية لا من كلام المؤلف؛ والكتاب لا يشير إليه بحرف. ونحن نستنتج — ولا نقرأ — أن ترجمة ابن خلدون تقف عند 768هـ وتحوّله نحو بجاية إثر "خلاف مع وزير غرناطي" دون تسمية الوزير، وهذا الصمت في موضع التسمية لافت.
وكذلك ابن زمرك: يرسمه الكتاب تلميذاً وفياً، ويورد رسالتيه اللتين يخاطبه فيهما بـ"أبو معارفي ووليّ نعمتي". وهو الذي خلفه في كتابة السر وشارك ولديه المراسلة الشعرية وهما بالمنكب. ولا نجد في الكتاب أثراً لكونه سيصير من أشد خصومه؛ فرواية كيده عند الغني بالله خارجة عن نص "الإحاطة". وهذه إحدى أهم خصائص الكتاب: إنه مكتوب من داخل لحظة السلطة، قبل أن ينكشف ما بعدها.
على أن نذر الأزمة تلوح مع ذلك في أواخر الرسائل: هموم وفود الفرنج، وتعسّر الجباية، وشكواه لابن خلدون سنة 770هـ من الكسل وبياض الشعر والمرض. ويكتب رسالة نصح لابن مرزوق يصف فيها، من خبرته هو، حال أهل السلطة والوزراء وصلتهم بالحسّاد والوشاة، ويعظه بترك حظوة السلطان. كتب ذلك وهو في ذروة تلك الحظوة نفسها.
المحنة والفرار والنهاية
شهادة تنقطع قبل نهايتها
ثمة مفارقة تحكم هذا الفصل كله: صاحب «الإحاطة» لا يستطيع أن يروي آخره. لقد عقد لنفسه ترجمة في أواخر الكتاب استوعبت نسبه ومولده ونشأته ووزارته ونكبته وهجرته وعودته ومشيخته ومؤلفاته، وختم رسالته في السياسة بذكر مولده سنة 713هـ، فبدت الترجمة كأنها حصاد أخير. لكن الخيط ينقطع عند حدّ لا يملك الرجل تجاوزه. وعند هذا الحد يتدخل المختصِر بصيغة «قلت» ليضيف ما لم يستطع المؤلف أن يذكره عن نفسه: محنته ووفاته، ناقلاً ذلك من تاريخ ابن خلدون عن نسخة بخط أبي عبد الله الوادي آشي. فخبر المقتل — أوضح وثيقة في الكتاب عن نهاية صاحبه — ليس من كلامه، بل إضافة لاحقة بقلم مؤرخ آخر. وهذا التمييز أساسي: ما يخصّ سنوات المحنة الأولى ومشاعرها نسمعه بصوت ابن الخطيب نفسه، أما وقائع المحاكمة والخنق فنسمعها بصوت غيره، ونحن ملزمون بأن نقرأها على أنها رواية طرف ثالث لا اعترافاً ذاتياً.
النكبة الأولى: بروفة لما سيأتي
كان قد جُرّب من قبل. عند «الحادثة» التي خُلع فيها محمد الخامس (760-761هـ) وقُتل الحاجب أبو النعيم رضوان، انقلب عليه أعوان الثورة فاعتُقل، ونُهبت كتبه ودوره وخيله وبيعت بالبخس، وطالت المصادرة أقاربه. وهو يسمّي تلك المحنة «نكبة مصحفية» رابطاً إياها بنكبة المنصور بن أبي عامر — تسمية دالّة: الرجل يقرأ سقوطه من داخل تقليد سقوط الوزراء، لا كحادث فردي. ونجا يومئذ بشفاعة مكتوبة من ملك المغرب، فعبر عبر فحص ألفنت ولوشة وأنتقيرة ومربلة إلى سبتة، ولحق بسلطانه المخلوع، وأُسكن بسلا مكرماً، ودفن هناك زوجته سنة 762هـ. ثم عاد مع السلطان عند استرجاعه الملك سنة 763هـ، فصدر له ظهير يسوّغ أملاكه المغتصبة أيام «الغادر» (2 رمضان 763هـ)، وخاطبه السلطان بألقاب تعظيم طويلة. فالنموذج كامل هنا: سقوط، ومصادرة، ولجوء إلى المغرب، ثم ردّ اعتبار. وسيتكرر النموذج مرة ثانية — لكن بلا فصل أخير.
لماذا انقلب الميزان
هنا يصمت الكتاب صمتاً ثقيلاً. لا يقدّم ابن الخطيب في «الإحاطة» سرداً صريحاً لأسباب قطيعته مع الغني بالله، ولا لِمَ فرّ إلى العدوة سنة 773هـ. ما نملكه إشارات متفرقة: أنه شعر أن خصومه — ابن زمرك والقاضي النباهي وسليمان بن داود — يكيدون له عند السلطان، فاتصل سراً بسلطان المغرب أبي فارس طالباً حمايته؛ ورسالة إلى ابن خلدون سنة 770هـ يصف فيها حاله في الشيخوخة: كسل، وبياض شعر، ومرض، وانشغال برسل الفرنج وبتعسّر الجباية؛ ونصيحته لابن مرزوق التي يصف فيها من خبرته الشخصية حال الوزراء وصلتهم بالحسّاد والوشاة، ويعظه بترك حظوة السلطة. هذه ليست وقائع، لكنها مناخ رجل يستشعر أن الأرض تُسحب من تحته.
والمفارقة الأمرّ أن أخطر خصومه كانوا صنيعته. ابن زمرك تلميذه الذي خاطبه في رسائله بـ«أبو معارفي وولي نعمتي»، وهو الذي سيحضر محاكمته لاحقاً وزيراً عن ابن الأحمر. وقبله عبد الحق بن عطية، الكاتب الذي اختاره ابن الخطيب بنفسه ليعينه زمن ضعفه ومرضه، ثم كتب عنه بعد انقلابه: «لصق بالدائل الفاسق، فكان آلة انتقامه. فسفك الدماء، وهتك الأستار». الرجل الذي أتقن صناعة الرجال أُتيَ من صناعته.
فرّ إلى سبتة سنة 773هـ ثم إلى تلمسان. ولما مات حاميه بالمغرب أبو فارس سنة 774هـ، لجأ إلى الوزير أبي بكر ابن غازي — أي أنه صار من ذلك التاريخ رجلاً بلا حامٍ ثابت، وهذا وحده يفسّر سرعة ما جرى بعده.
تهمة الزندقة
من غرناطة جاءت الضربة الفقهية: اتهمه القاضي النباهي بالإلحاد والزندقة، فصدرت فتوى بإحراق كتبه وصودرت أملاكه، ورُفض طلب تسليمه أول الأمر. ويسجّل الكتاب — من غير قصد — سخرية التهمة: فالرجل نفسه ألّف رسائل في محاربة أهل البدع والزندقة، منها «الغيرة على أهل الحيرة» و«حمل الجمهور على السنن المشهور»، وأنكر عبادة القبور الشعبية، وتحفّظ عن ابن سبعين مرجّحاً رأياً وسطاً بين مكفّريه ومعظّميه. وحين ترجم للنباهي نفسه في «الإحاطة» ترجم له بحذر متعمّد، متجنباً تفصيل خصائصه تحرّجاً من إثارة سخطه، لأن الرجل كان حياً يقرأ ما يُكتب عنه. وهذه ملاحظة نادرة الصراحة تكشف أن الخصومة كانت قائمة والقلم مراقَب قبل أن تصير التهمة حكماً.
المحاكمة والقتل (776هـ)
الرواية المنقولة عن ابن خلدون واضحة في نسبها السياسي: اشترط السلطان أبو العباس على ابن الأحمر تسليم ابن الخطيب ثمناً لمبايعته بطنجة. أما سليمان بن داود فكان عدواً لدوداً بدعوى أن ابن الخطيب حرّض السلطان عبد العزيز على غزو الأندلس، والسبب الحقيقي — كما يقول النص — أنه صدّه عن انتزاع مشيخة الغزاة لنفسه. فلما زحف أبو العباس على فاس الجديد سنة 776هـ ولجأ إليها ابن الخطيب خوفاً، قُبض عليه بإغراء سليمان وسُجن.
ثم كانت المحاكمة: أُحضر بالمشور أمام مجلس الخاصة، وعُرضت عليه كلمات من كتابه فأُنكرت عليه، فوُبّخ وعُذّب بمشهد الملأ، وأفتى بعض الفقهاء بقتله. وتفصيلة «عُرضت عليه كلمات من كتابه» هي جوهر القضية: النص نفسه كان جسم الجريمة. ثم دُسّ من قتله خنقاً في محبسه ليلاً، وأُخرجت جثته من الغد فأُحرقت على شفير قبره، وذلك في ربيع الأول 776هـ، ودُفن بباب المحروق بفاس. وثمة رواية ثانية في الكتاب تزيد أنه بعد التعذيب ثبتت براءته من الزندقة لكنه أُعيد إلى السجن ثم خُنق — والاختلاف نفسه دالّ: البراءة، إن صحّت، لم تنفعه، لأن الحكم كان قد صدر خارج قاعة الفقه.
وهنا يجدر التحفظ: «الإحاطة» لا تذكر أيّ الكلمات عُرضت عليه، ولا من أيّ كتاب. الكتاب صامت عن مضمون التهمة صمتاً تاماً، ومن ثم لا سبيل من داخله إلى الحكم في أمر معتقده. كل ما نملكه أن التهمة الدينية جاءت مركّبة فوق صفقة سياسية (بيعة بطنجة) وثأر شخصي (مشيخة الغزاة)، وأن الفقه أدّى فيها دور الغطاء لا دور الدافع.
صوته الأخير
في السجن كتب بنفسه. أثبت في «نفاضة الجراب» — وقد ألّفه بالمغرب قرب وفاته — رسائل ومقطوعات نظمها في محبسه «إحماضاً وإراحة»، ونظم شعراً يبكي فيه نفسه ويتوقع الموت، ومنه قوله المرير: «فقل للعدا: ذهب ابن الخطيب. وفات ومَن ذا الذي لا يفوت». وله قصيدة يعاتب فيها غرناطة على جحودها بعد خدمة عمر، ويشبّه حاله بمن قُتل ظلماً كالحسين بكربلاء — وهو أقصى ما بلغه في تصوير ذاته ضحية.
هكذا انتهى «ذو الوزارتين» و«ذو العمرين»: بجسد مُحرَق على شفير قبر، وكتب مُحرَقة في غرناطة، وترجمة ذاتية لا تصل إلى خاتمتها. الرجل الذي صاغ الرواية الرسمية لدولته وكتب خطبها وظهائرها ونقوش قبور سلاطينها لم يُتَح له أن يكتب خبر نفسه؛ فتولّى ذلك عنه قلمُ سواه.
ابن الخطيب كما يرى نفسه
من الوقائع الدالّة في «الإحاطة» أن مؤلفها عقد لنفسه ترجمة في آخر الكتاب، ضمّنها نسبه ومولده ونشأته ووزارته ونكبته وهجرته وعودته ومشيخته ومؤلفاته. أي أنه أدرج نفسه في عداد رجال غرناطة الذين يترجم لهم، فصار مؤرّخ المدينة وأحد مادّتها في آن. وهذه الخطوة وحدها تكشف تصوّره لموقعه: لم يكن يرى نفسه راوياً خارج الصورة، بل شخصية من شخصياتها المركزية، جديرة بأن تُوثَّق بالمعايير نفسها التي وثّق بها الوزراء والقضاة والشعراء.
النبرة: اعتداد مكشوف وتواضع مصنوع
يتحرك خطابه عن نفسه بين قطبين. القطب الأول اعتداد صريح: ينقل ألقابه راضياً — «ذو الوزارتين» لجمعه الوزارة والكتابة، و«ذو العمرين» لتدبيره الحكم نهاراً والتصنيف ليلاً — ويصف نفسه في شعره بأنه «كاتب السلطان»، ويثبت في كتابه ما شهد له به أعلام عصره، حتى قول ابن خلدون فيه إنه «آية من آيات الله في النظم والنثر». وكان معجباً بشعره معتدّاً به حتى أنشد قصيدة البيعة بنفسه بين يدي السلطان.
والقطب الثاني تواضع متكرر يصعب أخذه على ظاهره: يصف مرثيته في يوسف الأول بأنها بعيدة عن الجزالة، ويصف فخره بنسبه بأنه لا يملك ما يقول فيه، ويعلّق على الظهائر السلطانية الصادرة في حقه بقوله إنه «لولا أنه أحظوظ. لم يعن بها من يرى أن لا جدوى إلا في التقوى». والملاحظ أن هذا التواضع لا يرد إلا مقروناً بإثبات موضع الفخر نفسه: فهو يورد الظهير كاملاً ثم يتبرأ من الاعتداد به. هذا استنتاجنا لا قوله: التواضع عنده أداة بلاغية تسمح بعرض المنقبة من غير أن تبدو دعوى.
الفخر: بيت وأب وأمانة
يبني ابن الخطيب فخره على ثلاث دعائم يقدّمها قبل أن يتحدث عن نفسه. الأولى البيت: أصل قرطبي عُرف قديماً ببني وزير ثم ببني الخطيب بلوشة، انتقل عن قرطبة إثر «وقعة الرّبض»، ويسند ذلك بشواهد مادية — أثر على جدار برج بلوشة يوثّق أن جدّه القديم كان يقرأ القرآن هناك، أخبره به شيخ مسنّ، ومكتوبات من المتوكل ابن هود في إعانة أحد أسلافه. والثانية موت الأسلاف الحسن: جدّه سعيد مات سنة 683هـ صعقاً بالشمس وهو يستسقي بالناس، وأبوه قُتل في «الكائنة العظمى» بطريف سنة 741هـ وهو يحاول إنقاذ أخيه الساقط عن فرسه قائلاً «أنا أولى به». والثالثة الأمانة السلطانية: يذكر أنه ولي كتابة السر وهو دون سنّ الشباب المكتمل، فناب السلطان في دار ملكه وائتُمن على خاتمه وسيفه وذخيرته وحرمه. هذه ليست تفاصيل عابرة، بل حجج: الرجل الذي سيُتّهم لاحقاً بالزندقة والخيانة يقدّم أولاً سلفاً يقرأ القرآن على الثغر، وأباً مات شهيداً، وسلطاناً وضع في يده خاتمه.
الشكوى من الدهر
أعنف ما في صورته الذاتية شكواه. سمّى محنته الأولى «نكبة مصحفية»، رابطاً إياها بنكبة المنصور بن أبي عامر، وسجّل تفاصيلها بمرارة الحاسب: نُهبت كتبه ودوره وخيله بالبخس، وطالت المصادرة أقاربه، واستُؤصلت نعمته وماله كله بعد «الحادثة». ولم يكتفِ بلوم خصومه، بل ارتدّ على نفسه فوصف انخداعه بالجاه بعبارة «تأبّشي بهذه الغرور»، وأرّخ عودته إلى «حال السلامة» سنة 771هـ. وفي أخريات أمره بلغت الشكوى ذروتها: في «نفاضة الجراب» قصيدة يعاتب فيها غرناطة على جحودها بعد طول خدمة، ويشبّه حاله بمن قُتل ظلماً كالحسين بكربلاء، ونظم في محبسه شعراً يبكي فيه نفسه، وأثبت هناك رسائل ومقطوعات نظمها في السجن «إحماضاً وإراحة». وهذه هي الصورة النهائية التي أراد أن يُخلّفها عن نفسه: خادم مظلوم لا خائن. ويجب التنبيه هنا إلى حدّ منهجي: خبر مقتله ليس من كلامه، بل ألحقه المختصِر بالكتاب استناداً إلى معاصره الوادي آشي — فما بعد ذلك ليس من صورته الذاتية في شيء.
ولشكواه وجه آخر أهدأ: رسالته إلى أبي زيد بن خلدون سنة 770هـ يصف فيها شيخوخته — كسل وبياض شعر ومرض وانشغال برسل الفرنج والجباية؛ وقد أوهن المرض عزمه حتى اختار عبد الحق بن عطية للكتابة السلطانية ليعينه «زمن ضعفه ومرضه»، ثم كان هذا بعينه من انقلب عليه فوصفه بأنه «لصق بالدائل الفاسق، فكان آلة انتقامه». ولعلّ خيانة من اصطنعه بيده هي أشدّ ما في شكواه صدقاً، لأنها لا تحتاج بلاغة.
التديّن والتصوف
يصرّح بأنه سلك طريقة صوفية هي «طريقة أبي الفرج»، ونظم شعراً في الوعظ لنفسه قبل أن يعظ غيره، وشعراً في غفلة روحية أحسّ بها بسلا، وله «كتاب المحبّة» أثنى عليه ابن رضوان لاستيعابه الطرق الصوفية، والتصوف باب قائم في قائمة مؤلفاته. لكن تصوّفه تصوّف فقيه لا تصوّف مريد منقطع: أنكر عبادة القبور الشعبية عند قبر باديس، وسخر ضمناً من دعاوى الشعوذة إذ نقل أن شيخه ابن الجياب راقب صاحب «الزائرجة» سراً فلم يجد له عملاً حقيقياً، وتوسّط في ابن سبعين بين مكفّريه ومعظّميه — وإن مال إلى تصديق الكرامات الروحية. بل ألّف رسائل في محاربة أهل البدع والزندقة: «الغيرة على أهل الحيرة»، «حمل الجمهور على السنن المشهور». ومن هنا مفارقة لا يعلّق عليها هو: الرجل الذي كتب ضد الزنادقة هو الذي أُفتي بإحراق كتبه بتهمة الزندقة. ومثلها مفارقة زهده: وعظ ابن مرزوق بترك حظوة السلطة وترك مخالطة الملوك وهو غارق فيها إلى أذنيه. لا يعترف بالتناقض في نصّه، لكنه لا يخفيه؛ وهذا استنتاج منا.
موقفه من الطاعون
هنا يجب أن نقول ما يقوله الكتاب لا ما نودّ سماعه. لا تعرض «الإحاطة»، في ما بين أيدينا من مادتها الذاتية، أي موقف شخصي لابن الخطيب من الوباء: لا رأياً طبياً ولا موقفاً كلامياً من العدوى. الطاعون يدخل الكتاب بوصفه حدثاً يعيد توزيع المناصب لا بوصفه مسألة: طاعون سنة 749هـ يقتل شيخه ابن الجياب، فيرث ابن الخطيب رئاسة الكتّاب ثم الوزارة، وطاعون «الغريب» سنة 750هـ يفتك بمالقة. أما رأيه المعروف في الوباء فمحلّه مؤلفاته الطبية، لا هذا الكتاب. والسكوت نفسه دالّ: الإحاطة كتاب دولة ورجال، والوباء فيها قدر يُحصى بالوفيات، لا موضوع يُناقش.
تصوّره لمشروعه
يقول صراحة إنه ألّف «الإحاطة» بدافع العصبية لوطنه غرناطة، مستدركاً على سلفه أبي القاسم الغافقي الذي لم يستوف الموضوع، وإنه كتبه ليلاً وحيداً رغم ضعف صحته وانشغاله، من غير قصد نفع دنيوي، حتى بلغ خمسة عشر سفراً. ويظهر وعيه المنهجي في اعتذاره المتكرر عن الاختصار، وفي تسجيله الأخبار غير المتحققة بتحفظ، وفي شكّه في بعض روايات ابن بطوطة، وفي تحرّجه المتعمَّد عند الترجمة لخصمه النباهي. لكنه خرق شرطه بنفسه: أثبت ترجمة تكشف صلة مصاهرته بآل أبي زمنين رغم اشتراطه في خطبة الكتاب خلاف ذلك، «أملاً في نفع أحفاده». وهذا الخرق يضيء طبيعة المشروع أكثر مما تضيئه الخطبة: «الإحاطة» ليست تاريخ غرناطة فحسب، بل أرشيف ابن الخطيب أيضاً. فهو يودعها رسائله الديوانية ومنشوراته وظهائره منبّهاً إلى أنها «من إنشائي» و«من إملائي»، ويثبت فيها كتب السلاطين إليه بألقاب التعظيم. ومع أكثر من ستين مؤلفاً أُحرق معظم مفقودها، يبدو أن تصوّره لعمله كان تصوّراً شاملاً: أن يكتب عصره ويكتب نفسه في العصر، فيصير بقاؤه مضموناً ببقاء الكتاب. وحين أُحرقت كتبه، كان الحكم عليه — من حيث لا يدري خصومه — حكماً على المشروع نفسه.