مدخل: غرناطة قبل بني نصر
يبدأ ابن الخطيب تاريخ الكورة من الفتح، لكنه لا يقدّمه رواية واحدة. فهو ينقل أن طارق بن زياد، بعد دخوله سنة 92هـ، فرّق جيوشه من إستجّة: جيشاً إلى قرطبة، وجيشاً إلى مالقة، وجيشاً إلى إلبيرة، ومضى هو بمعظم الجند نحو جيّان قاصداً طليطلة؛ فحوصرت إلبيرة وفُتحت عنوة، وأُسكن اليهود قصبتها، وهي — كما يصرّح النص — سنّة اتُّبعت بعد ذلك في كل مدينة تُفتح. ثم ينقل رواية ثانية تؤخر الفتح إلى دخول موسى بن نصير سنة 93هـ وتنسبه إلى ابنه عبد الأعلى، الذي فتح تدمير ثم إلبيرة ثم كورة رية. والمؤلف لا يرجّح بينهما، وهو صمت ذو دلالة: الكتاب معنيّ بغرناطة الحاضرة لا بضبط تفاصيل الفتح، ولذلك تظل هذه الحلقة الأولى ناقصة عنده.
الحدث المؤسّس فعلاً — الذي تنبني عليه بنية الكورة قرناً ونصف قرن — ليس الفتح بل التوطين. فبعد دخول بلج بن بشر القشيري بالطالعة الشامية سنة 125هـ ونشوب الحرب بين "الشاميين" و"البلديين" (وهم من دخلوا مع موسى ونزل عربهم بقرطبة)، جاء أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي فحلّ العقدة بحلّ ديموغرافي: وزّع أجناد الشام على كور الأندلس على نمط منازلهم بالشام، فأنزل جند دمشق بإلبيرة، وجند الأردن بجيّان، وجند مصر بباجة، وأقطعهم ثلث أموال أهل الذمة، ورتّب العطاء على لوائي غازٍ ومقيم برزق متفاوت. وهذا التدبير هو مفتاح ما بعده: إذ جعل من كورة إلبيرة كتلة عربية شامية ذات عصبية متماسكة وذات مصلحة اقتصادية في الأرض، فصارت الكورة طوال العصر الأموي مادةً للتمرّد لا للطاعة.
يظهر ذلك في تكرار لجوء الخارجين على قرطبة إليها: فرّ يوسف الفهري والصميل بن حاتم بعد هزيمتهما أمام عبد الرحمن الداخل سنة 138هـ إلى إلبيرة، ولم يُصالَح يوسف إلا بعد حصار حصنها ورهن ابنيه؛ ثم احتلّ سليمان بن عبد الرحمن جيّان وإلبيرة سنة 184هـ منازعاً الحكم بن هشام حتى أُسر وقُتل. وتبلغ هذه البنية ذروتها في فتنة أواخر القرن الثالث: ثار سوّار بن حمدون بناحية البراجلة سنة 275هـ بعد مقتل أمير العرب يحيى بن صقالة، فالتفّ عليه العرب، وهزم المولّدين في وقعة جعد، ثم حاصره خصومه بغرناطة في نحو عشرين ألفاً فانتصر عليهم في "وقعة المدينة" بمقتلة عظيمة، وردّ عمر بن حفصون حين نزل إلبيرة بجيشه، إلى أن قُتل بكمين سنة 277هـ. ثم انتقلت رئاسة العرب إلى سعيد بن سليمان بن جودي، وقُتل سنة 284هـ في حادثة شخصية بدار يهودية، فآل الأمر إلى محمد بن أضحى. فالكورة إذن لم تكن تُحكم من قرطبة بقدر ما كانت تُحكم بتوازن عصبياتها. ولم يُستعد الضبط إلا بيد عبد الرحمن الناصر، الذي وجّه أولى غزواته سنة 300هـ إلى تلك الجهة فأخضع الثوار وأمّن حصون جيّان وبسطة وإلبيرة وبجّانة والبشرّة، وبقيت إلبيرة "حاضرة" الكورة إلى أواخر القرن الرابع.
الانعطافة الكبرى وقعت مع الفتنة البربرية. فحين نكث محمد بن عبد الجبار المهدي عهد البربر بقرطبة، بايعوا سليمان بن الحكم واستعانوا بالنصارى، فانحازت صنهاجة بقيادة زاوي بن زيري إلى غرناطة. وهنا يسجّل ابن الخطيب الجملة المفصلية في تاريخ المدينة كلها: زاوي "أول من مدّن غرناطة وبناها وأثّل بها ملك صنهاجة"، وأول من اتخذها دار ملك. أي أن غرناطة لم ترث موقع إلبيرة بتطور طبيعي، بل نُقل إليها الثقل السياسي نقلاً، بقرار عسكري صنهاجي بحث عن معقل حصين في زمن انهيار. وقد ثبّت زاوي ملكه بهزيمة المرتضى بظاهر غرناطة، ثم رحل إلى إفريقية سنة 410هـ خشية على مآل سلطانه، فاستبدّ حبوس بن ماكسن بغرناطة وإلبيرة سنة 411هـ.
وتقدّم الإمارة الزيرية (نحو 411-483هـ) نموذج الدولة العسكرية القائمة على عصبية أجنبية عن سكانها. باديس بن حبوس يهزم زهير العامري ويستأصل جيشه — والكتاب يضطرب في تاريخه بين 427هـ و429هـ — ويضمّ مالقة سنة 448هـ، لكنه يحكم بالرعب داخلاً: يقتل ابنه بلكّين ثم أخاه، ويهمّ بالفتك بأهل حضرته في المسجد الجامع فيثنيه وزيره اليهودي. ومن هنا تنشأ ظاهرة الوزارة اليهودية عند صنهاجة — إسماعيل بن نغرالة ثم ابنه يوسف — وتنتهي سنة 459هـ بمقتل يوسف وصلبه ومقتلة عظيمة لليهود ونهب دورهم. وهو نمط بنيوي: كلما استند الأمير الغريب إلى وزير من أقلية، انفجر التوتر في مذبحة. وبموت باديس سنة 465هـ آل الأمر إلى حفيده عبد الله بن بلقين، الذي انتهى ملكه سنة 483هـ حين زحف يوسف بن تاشفين بأربع محلات، فخرج عبد الله وأمّه مستسلمين، وخُلع، وصودرت خزائن القصر، ونُقل معتقلاً إلى مراكش.
منذ 483هـ لم تعد غرناطة كرسي إمارة، بل ولاية في دولة عابرة للبحر — وهذا هو تحوّلها الثاني. تحكمها ولاة لمتونة ثم أبناء الأمراء (مزدلي، أبو بكر بن إبراهيم المسوفي، تاشفين بن علي الذي دخلها سنة 523هـ فحصّن ثغورها وأنشأ دار السلاح والمساجد). وفي هذا العهد تُصفّى المسألة الأخطر في تركيب المدينة: النصارى المعاهدون. هُدمت كنيستهم خارج غرناطة قرب باب إلبيرة سنة 492هـ، ثم استدعى زعيمهم ابن القلاس ألفونسو الأول سراً سنة 515هـ فحاصر غرناطة نحو أسبوعين وصلّى أهلها صلاة الخوف، ثم انسحب؛ فكانت النتيجة فتوى ابن رشد بإجلائهم، فأُجلي كثير منهم إلى المغرب، وأتت "وقيعة" سنة 559هـ على أكثر من بقي. وبذلك انتهت المسيحية المحلية في غرناطة عملياً قبل قيام بني نصر بقرن.
ثم تكرّر النمط نفسه مع الموحدين: ولاية يديرها "السادة" من أبناء عبد المؤمن وقرابته، تخترقها فتنة شرق الأندلس — دخل ابن همشك غرناطة ليلاً سنة 556هـ وحاصر الموحدين بالقصبة، وانهزموا في مرج الرقاد وقُتل السيد أبو محمد بن أبي حفص — إلى أن أفل أمر ابن مردنيش بموته سنة 567هـ. وكسرت وقيعة العقاب سنة 609هـ ظهر الدولة، فانفرط العقد: تملّك ابن هود غرناطة ومالقة، وبلغه تقليد الخليفة العباسي سنة 631هـ، ثم توالت هزائمه أمام محمد بن يوسف بن نصر وأمام الموحدين، وانتهى مخنوقاً بقرب ألمرية سنة 635هـ. وفي رمضان من تلك السنة دخل ابن نصر غرناطة بدعوة أهلها وبيعتهم. وينبغي التنبيه إلى اضطراب في الكتاب نفسه: ففي فصل التعريف بالمدينة يجعل تملّك ابن هود سنة 626هـ وتملّك الغالب بالله "عقب ذلك"، بينما تفصيل الترجمة يثبت البيعة في 26 رمضان 635هـ.
والكتاب صامت عمّا ينتظره القارئ في موضعين: لا يشرح كيف اضمحلّت مدينة إلبيرة وانتقل أهلها إلى غرناطة — يكتفي بنسبة "التمدين" إلى زاوي — ولا يقدّم للكورة قبل بني نصر وصفاً اقتصادياً أو سكانياً من جنس الإحصاء المفصّل الذي يقدّمه لعصر الغني بالله.
أبرز الوقائع
| السنة هـ/م | الحدث | (ص) |
|---|---|---|
| 92/711 | تفريق طارق جيوشه من إستجّة، وتوجيه جيش إلى إلبيرة | |
| 92-93/711-712 | فتح إلبيرة عنوة وإسكان اليهود بقصبتها؛ ورواية ثانية تنسب الفتح إلى عبد الأعلى بن موسى | |
| 125/743 | دخول بلج بن بشر بالطالعة الشامية ونشوب حرب الشاميين والبلديين | |
| بعد 125/~743 | أبو الخطار الكلبي ينزل جند دمشق بكورة إلبيرة ويقطعهم ثلث أموال أهل الذمة | |
| 138-139/755-756 | لحاق يوسف الفهري والصميل بإلبيرة، وحصار حصنها، ثم الصلح مع عبد الرحمن الداخل | |
| 184-185/800-801 | سليمان بن عبد الرحمن يحتلّ جيّان وإلبيرة، ثم يُؤسر ويُقتل | |
| 275-277/888-890 | ثورة سوّار بن حمدون بكورة إلبيرة، وقعة المدينة، ردّ ابن حفصون، ثم مقتل سوّار | |
| 284/897 | مقتل سعيد بن جودي وانتقال رئاسة العرب إلى محمد بن أضحى | |
| 300/913 | أولى غزوات الناصر وتأمين حصون إلبيرة وبسطة وبجّانة | |
| نحو 403/1013 | زاوي بن زيري يتخذ غرناطة دار ملكه، وهو أول من مدّنها | |
| 409/1018 | هزيمة المرتضى ومقتله أمام صنهاجة بظاهر غرناطة | |
| 410-411/1019-1020 | رحيل زاوي إلى إفريقية واستبداد حبوس بن ماكسن بغرناطة وإلبيرة | |
| 427 أو 429/1036-1038 | باديس بن حبوس يهزم زهير العامري ويستأصل جيشه (اضطراب في التاريخ) | |
| 456-459/1064-1067 | مقتل بلكّين مسموماً، ثم مقتل يوسف بن نغرالة ومقتلة اليهود بغرناطة | |
| 465/1073 | وفاة باديس وولاية حفيده عبد الله بن بلقين | |
| 483/1090 | يوسف بن تاشفين يتملّك غرناطة ويخلع عبد الله بن بلقين ويصادر خزائن القصر | |
| 492/1099 | هدم كنيسة النصارى المعاهدين قرب باب إلبيرة | |
| 515/1121 | ألفونسو الأول يحاصر غرناطة بدعوة سرية من ابن القلاس، ثم ينسحب | |
| 515/1121 | فتوى ابن رشد وإجلاء النصارى المعاهدين إلى المغرب | |
| 523/1129 | دخول تاشفين بن علي غرناطة وتحصينه ثغورها وإنشاؤه دار السلاح | |
| 539-540/1145-1146 | سقوط دولة المرابطين وانتقال الأمر إلى الموحدين | |
| 556/~1161 | ابن همشك يقتحم غرناطة ليلاً، وهزيمة الموحدين في مرج الرقاد | |
| 559/1163 | وقيعة تأتي على أكثر من بقي من النصارى المعاهدين | |
| 609/1212 | وقيعة العقاب وانكسار الموحدين | |
| 625-631/1228-1234 | تملّك ابن هود غرناطة ومالقة، ووصول تقليد الخليفة العباسي إليه | |
| 635/1238 | مقتل ابن هود خنقاً قرب ألمرية، ودخول محمد بن يوسف بن نصر غرناطة وبيعته في 26 رمضان |
قيام الدولة النصرية وتثبيتها
فراغ السلطة الذي وُلدت فيه الدولة
لم تقم الدولة النصرية على فتح، بل على فراغ. فبعد أن انتقل أمر الأندلس من المرابطين إلى الموحدين حوالي سنة 540هـ، ثم أخذت الدولة الموحدية تضطرب في مراكش نفسها، نشأ في المشرق الأندلسي طور وسيط قصير هو طور ابن هود المتوكل: خرج من مرسية سنة 625هـ ودُعي له، فتملك غرناطة ومالقة في السنة نفسها، وفتح الجزيرة الخضراء سنة 626هـ، وبلغ به الأمر أن دخلت قرطبة في طاعته سنة 631هـ ووصلته الراية والتقليد من الخليفة العباسي. لكن هذه الدولة كانت أوسع من قاعدتها: هُزمت أمام النصارى عند ماردة سنة 627هـ، وانكسرت مرتين أمام محمد بن يوسف بن نصر نحو 634هـ، ثم هزيمة ساحقة أمام المأمون الموحدي قرب إشبيلية سنة 635هـ، وانتهت باغتيال صاحبها خنقًا قرب ألمرية في جمادى الآخرة 635هـ، يُتهم بها واليه ابن الرميمي. ومن هذا الخلاء بالذات — لا من انتصار كبير — نبت الملك النصري.
المؤسس وطبيعة شرعيته
يقدّم الكتاب محمد بن يوسف بن نصر الخزرجي مولودًا بأرجونة سنة 595هـ، عام الأرك. وصعوده متدرج ومتعثّر: استولى على إشبيلية نحو ثلاثين يومًا في ربيع الأول 629هـ ثم عادت لابن هود، وعلى قرطبة في رجب من العام نفسه ثم عادت كذلك. أي أن مشروعه بدأ توسعيًا وفشل توسعيًا، قبل أن ينجح حين تخلّى عن منطق الاستيلاء إلى منطق الدعوة الحضرية: ففي رمضان 635هـ دخل غرناطة "بدعوة أهلها وبيعتهم له"، وقد أُثبت تاريخ البيعة (26 رمضان 635هـ) منقوشًا على قبره. وهنا مفتاح الدولة كلها: شرعيتها بيعة مدنية من أهل حاضرة، لا تفويض خليفة ولا غلبة جيش، وهو ما جعل غرناطة مركز الثقل وجعل رضا أهلها شرطًا دائمًا لبقاء السلطان — سنة ستتكرر في كل انقلابات القرن الثامن.
وفي روايات الكتاب اضطراب زمني يستحق التسجيل لا التسوية: ففي موضع الفهرسة السلالية يُذكر تملّك الغالب بالله غرناطة "عقب 626هـ"، بينما تُثبت الترجمة المفصّلة بيعة 635هـ؛ ثم يُقال إنه مات سنة 671هـ بعد حكم "ثلاثين سنة وشهر وستة أيام"، وهو حساب لا يستقيم مع بيعة 635هـ. فالكتاب نفسه لا يملك تأريخًا واحدًا لابتداء الملك النصري.
أدوات التثبيت: دولة تُبنى بالقضاء والظهير لا بالسلاح
تُظهر المقاطع أن جهاز الدولة سبق اتساعها. ففي أواخر رمضان 635هـ — أي في شهر البيعة نفسه — قدّم "الأمير أبو عبد الله بن نصر" قاضيًا مستقلًا لمالقة، وفي أواخر شوال من العام ذاته صدر أول ظهير سلطاني معروف بصرف الأعشار والزكوات، ثم جُدّد ظهير مماثل في ذي الحجة 643هـ باسم الغالب بالله. ويُذكر أن خطة "الحفازة" لجباية الأموال كانت قائمة في الدولة على يد مسلم بن سعيد التنملي المتوفى 698هـ. فالدولة تُعرَّف هنا بالقاضي والظهير والجابي — وهذا هو معنى "التثبيت" عند ابن الخطيب. ويلفت النظر أن هذه المقاطع لا تعرض شيئًا عن بناء الحمراء في عهد المؤسس؛ والكتاب صامت هنا عن العمران السلطاني الأول، ويؤخّر ذكر تجديد حصن الحمراء إلى عهد محمد الخامس.
قشتالة: الثمن الذي دُفع مقابل البقاء
علاقة الدولة الناشئة بقشتالة، كما يقدمها الكتاب، ليست جهادًا متصلًا بل مقايضة. ففي 643هـ عُقد صلح مع "طاغية قشتالة" تنازل الغالب بالله بشروطه عن جيّان، وحوالي 662هـ عُقد صلح جديد وأُخذت فيه البيعة لولي عهده — أي أن الاعتراف الخارجي وُظّف لتثبيت التوريث الداخلي. وهذا هو جوهر المعادلة النصرية: التخلي عن الأطراف لضمان المركز، ودفع ثمن سياسي لقشتالة مقابل عمر إضافي للدولة. والكتاب — وهذا سكوت دالّ — لا يعرض في هذه المقاطع أي رواية عن موقف المؤسس من سقوط إشبيلية سنة 646هـ، ويكتفي بذكر السقوط وفرار الناس منه إلى رندة وغرناطة وسبتة. كما تظل الحدود مضطربة: استولى العدو على طريف سنة 671هـ، وحاصر الجزيرة الخضراء سنة 678هـ فأخفق.
الخصم الداخلي: بنو إشقيلولة
كان أخطر ما واجه الدولة في طور تثبيتها بيتًا حليفًا تحوّل إلى منافس. تولّى أبو محمد ابن إشقيلولة إمارة مالقة سنة 655هـ، فحاصره السلطان الغالب بالله أربعين يومًا سنة 660هـ، ثم فسدت العلاقة نهائيًا بينهم وبين ولي العهد سنة 664هـ فكانت فتنة بني إشقيلولة، وامتدت ثوراتهم إلى وادي آش ومالقة وقمارش. ولم تُحلّ هذه العقدة بالسيف بل بالصفقة والتهجير: رحل عبد الله بن إبراهيم بن إشقيلولة إلى المغرب بأمر السلطان المريني في جمادى الأولى 686هـ متنازلًا عن وادي آش مقابل قصر عبد الكريم، وعُوّض أبو محمد عن وادي آش بقصر كتامة سنة 689هـ بعد صلح السلطان مع طاغية الروم. أي أن غرناطة صفّت خصمها الداخلي بتوظيف الطرفين الخارجيين معًا.
المرينيون: النجدة التي تحوّلت إلى تهديد
الجواز المريني يبدأ نجدةً وينتهي منافسة. عبر أبو يوسف يعقوب أول مرة سنة 672هـ، وفي 673هـ نزل بظاهر إشبيلية وكسر جيش الروم بقيادة "ذنونه" بظاهر إستجة واستأصله. ثم عبر ثانية في ربيع الأول 677هـ فاحتل طريف واجتمع بالسلطان قرب قرطبة — لكنه في 29 رمضان من العام نفسه استولى على مالقة بخروج المتغلب عليها إليه، ثم عادت لاحقًا لملك الأندلس. وهذه الحادثة تكشف حدود التحالف: الناصر يستطيع أن يصير طامعًا. ولذلك حين مات أبو يوسف يعقوب بالجزيرة الخضراء في محرم 685هـ، مات "في وحشة مع سلطان غرناطة". فالدولة النصرية تعلّمت مبكرًا أن تحيا بين خطرين، لا أن تستند إلى أحدهما.
الجيل الثاني: من التأسيس إلى الاستقرار
مات الغالب بالله في 29 جمادى الآخرة 671هـ سقوطًا عن فرسه، وقد سبقه ولي عهده يوسف بن محمد إلى الموت سنة 660هـ — وهو ما جعل انتقال الملك إلى ابنه محمد (مولود 633هـ) امتحانًا مبكرًا لاستقرار السلالة. وقد ثبّت الابن الأمر بأدوات أبيه نفسها مضافًا إليها التنكيل: "الوقيعة البرمكية" سنة 686هـ التي أوقع فيها بوزرائه من بني حبيب برندة، وعزل كتّاب الإنشاء وتبديلهم. ثم استأنف التوسع حين ضعف الجانب القشتالي: نازل قيجاطة ففتحها في محرم 695هـ بعد هلاك "شانجه بن ألفنش"، وفتح قلعة القبذاق في شوال 699هـ. ومات في صلاته في 8 شعبان 701هـ بشبهة تسمّم — نهاية تُنذر بما بعدها.
خلاصة
الدولة النصرية، في رواية الإحاطة، قامت على ثلاث ركائز متلازمة: بيعة أهل غرناطة كمصدر شرعية، وصلح مع قشتالة يُشترى بالأرض ويُستثمر في التوريث، وعلاقة حذرة مع بني مرين تُستدعى عند الخطر وتُبعَد عند الطمع. وما دامت هذه الركائز الثلاث متوازنة بقيت الدولة؛ وحين اختل التوازن — بانقلاب داخلي أو باستقواء بأحد الجارين — دخلت غرناطة دورة الفتن التي تشغل بقية الكتاب.
أبرز الوقائع
| السنة هـ/م | الحدث | (ص) |
|---|---|---|
| 595هـ/1199م | مولد محمد بن يوسف بن نصر بأرجونة، عام الأرك | |
| 625هـ/1228م | خروج ابن هود بمرسية وتملّكه غرناطة ومالقة | |
| 629هـ/1232م | استيلاء ابن نصر على إشبيلية ثم قرطبة، وعودتهما لابن هود | |
| نحو 634هـ/1236م | هزيمتان لابن هود أمام ابن نصر (قرب إشبيلية وبإلبيرة) | |
| 635هـ/1238م | مقتل ابن هود خنقًا قرب ألمرية | |
| 635هـ رمضان/1238م | دخول محمد بن يوسف بن نصر غرناطة بدعوة أهلها؛ البيعة في 26 رمضان | |
| 635هـ/1238م | تقديم قاضٍ مستقل بمالقة، وصدور أول ظهير سلطاني نصري | |
| 643هـ/1245م | صلح مع طاغية قشتالة، التنازل بشروطه عن جيّان | |
| 643هـ/1245م | ظهير الغالب بالله بتثبيت إعفاءات ابن مهيب | |
| 646هـ/1248م | سقوط إشبيلية بيد النصارى ونزوح أهلها | |
| 655هـ/1257م | تولّي أبي محمد ابن إشقيلولة إمارة مالقة | |
| 660هـ/1262م | حصار الغالب بالله مالقة أربعين يومًا؛ ووفاة وليّ عهده يوسف | |
| نحو 662هـ/1264م | صلح جديد مع قشتالة وعقد البيعة لولي العهد | |
| 664هـ/1266م | فساد العلاقة مع بني إشقيلولة وبداية فتنتهم | |
| 671هـ/1273م | وفاة الغالب بالله سقوطًا عن فرسه؛ ولاية ابنه محمد | |
| 671هـ/1273م | استيلاء العدو على جزيرة طريف | |
| 672هـ/1273م | أول جواز للسلطان المريني أبي يوسف يعقوب إلى الأندلس | |
| 673هـ/1274م | كسر جيش الروم بقيادة "ذنونه" بظاهر إستجة واستئصاله | |
| 677هـ/1278م | جواز مريني ثانٍ واحتلال طريف؛ ثم استيلاء ملك المغرب على مالقة | |
| 678هـ/1279م | فشل حصار طاغية الروم للجزيرة الخضراء | |
| 685هـ/1286م | وفاة أبي يوسف يعقوب بالجزيرة الخضراء في وحشة مع سلطان غرناطة | |
| 686هـ/1287م | الوقيعة البرمكية برندة؛ ورحيل ابن إشقيلولة عن وادي آش إلى المغرب | |
| 689هـ/1290م | معاوضة أبي محمد ابن إشقيلولة عن وادي آش بقصر كتامة | |
| 695هـ/1296م | فتح قيجاطة بعد هلاك شانجه بن ألفنش | |
| 699هـ/1300م | فتح قلعة القبذاق | |
| 701هـ/1302م | وفاة السلطان محمد الثاني في صلاته بشبهة تسمّم |
الفتن الداخلية وتداول العرش
يقدّم الكتاب مادة تكفي لاستخلاص قاعدة واحدة: انتقال السلطة في غرناطة، زيريّةً كانت أو نصريّة، لم يكن يجري بالتوريث السلمي إلا نادراً. الصيغة الغالبة في أخبار الإحاطة هي «خُلع فولي أخوه» أو «قُتل فبويع ابنه من الغد»، ووراء هذه الصيغة بنية سياسية بعينها: أسرة حاكمة متعددة الفروع، لا ضابط شرعي يحسم بين مستحقّيها، تعلوها طبقة وزراء وحُجّاب يستمدون قوتهم من القصر لا من نسب، ويسندها جيش من المتطوعة المغاربة لا يدين للسلطان بولاء أصلي. كل عنصر من هذه الثلاثة قابل لأن ينقلب على العنصرين الآخرين، وهذا بالضبط ما يرويه الكتاب على مدى قرنين.
في العهد الزيري يعرض المؤلف نموذجاً مبكراً صريحاً: باديس بن حبوس يقتل ابنه بلكّين مسموماً بدسيسة وزيره اليهودي، ثم ينتقم فيُعدم جواري ابنه وفتيانه وجماعة من بني عمه، ويقتل أخاه بتهمة السم وقريبه القائد، وقبل ذلك يقتل ثابت الجرجاني لاتهامه بالتدبير مع عمه، بل يهمّ بالفتك بأهل حضرته في المسجد الجامع فيثنيه وزيره. النمط هنا مكتمل قبل أوانه: الأمير يرى القرابة تهديداً، والوزير يصنع القرار ثم يدفع ثمنه — إسماعيل بن نغرالة يُقتل سنة 459هـ، ويُصلب ابنه يوسف في العام نفسه وتتبعه مقتلة عامة لليهود ونهب دورهم. هذا الترابط بين نكبة الوزير والعنف الجماعي سيتكرر بعد ثلاثة قرون بحذافيره.
في الدولة النصرية تصير الفتنة دورة منتظمة. تبدأ بفتنة بني إشقيلولة من سنة 664هـ، حين يفسد ما بين ولي العهد وأصهار البيت الحاكم فيثور رؤساء وادي آش ومالقة وقمارش، وتنتهي بمساومة: التنازل عن المدن مقابل الإقطاع بالمغرب. ثم تنفتح سلسلة الانقلابات الكبرى. يوم عيد الفطر 708هـ يُخلع محمد الثالث لصالح أخيه أبي الجيوش نصر، ويُقتل الوزير ذو الوزارتين ابن الحكيم وتُنهب داره ويُمثّل بجثته، ويُقتل في الزحام نفسه ابن خميس طعناً بالخطأ، ويُصاب أعيان في دهليز الباب فيموت منهم أحمد اللخمي بعد أشهر. وبعد عامين يُغتال السلطان المخلوع نفسه غرقاً في بركة بدار أخيه — وهي القاعدة الثابتة: المخلوع الحيّ خطرٌ باقٍ. ثم يثور أبو سعيد فرج وابنه إسماعيل من مالقة، ويثور أهل غرناطة على نصر لميل وزيره إلى النصارى، ويطالب أشياخ الحضرة سنة 713هـ بخلعه وتسليم وزيره، حتى يدخل إسماعيل المدينة عنوة ويُنفى نصر إلى وادي آش. واللافت أن الابن نفسه ينقلب على أبيه: فرج بن إسماعيل الذي دعا لنفسه بمالقة يعتقله ولده سنة 713هـ ويموت معتقلاً بشلوبانية.
ثم يتضح موقع «الغزاة» المرينيين كطرف مقرّر لا كأداة. هؤلاء متطوعة عبروا للجهاد فاستقروا جيشاً دائماً بقيادة بيوت زناتية (بنو أبي العلاء، بنو رحّو، بنو إدريس)، ولهم شيخ يُسمّى «شيخ الغزاة» يقارب الوزير في النفوذ. يرصد الكتاب صراعهم المفتوح مع الوزارة: سنة 727هـ تتحول الوحشة بين الوزير المتغلب ابن المحروق وعثمان بن أبي العلاء إلى فتنة مسلحة ودعوة لعمّ السلطان من تلمسان، وحين يُغتال ابن المحروق بالخناجر سنة 729هـ يُعاد عثمان فوراً إلى رئاسة الغزاة — دليل على أن الغزاة كانوا الطرف الرابح من تصفية الوزراء. وأخطر ما في الباب أن اغتيال السلطان محمد الرابع سنة 733هـ عند جبل الفتح جرى على يد مملوك «بتحريض من رؤوس جند العدوة»، ثم دُبّرت وثيقة تقدح في دين السلطان القتيل لتبرير الفعل أمام ملك المغرب، وأُبيدت العصبة المدبّرة لاحقاً. أي أن المتطوعة قتلوا سلطاناً وصنعوا له ملفاً شرعياً بأثر رجعي. لذلك تتوالى نكبات شيوخهم: أبو ثابت عامر بن عثمان وإخوته 741هـ، والفتكة بقرابة عثمان بن أبي العلاء في الشهر نفسه، ونكبة شيوخ الغزاة 749هـ بعد نكوصهم عن نجدة ملك المغرب، وإجلاء بيت ابن رحّو عن الوزارة 764هـ. العلاقة إذن دائرية: الدولة تحتاجهم للحرب فتقوّيهم، ثم تخافهم فتنكبهم، ثم تعود إليهم.
وتبلغ الدورة ذروتها في «الحادثة»: ليلة 28 رمضان 760هـ تُقتحم قصبة الحمراء بمعونة أم إسماعيل بن يوسف، فيُقتل الحاجب رضوان النصري نائب الملك، ويُخلع محمد الخامس ويُنصَّب أخوه، ويفرّ المخلوع إلى وادي آش ثم إلى فاس. ثم ينقلب صهر السلطان محمد بن إسماعيل على إسماعيل نفسه سنة 761هـ فيقتله ويقتل أخاه الصبي قيس، ولا يلبث أن يُقبض عليه بأرض قشتالة سنة 763هـ فيُقتل هو ونحو ثلاثمائة من فرسانه وتُصلب رؤوسهم. وفي جمادى الآخرة من العام نفسه يعود محمد الخامس فيدخل الحمراء بلا قتال بعد فرار «الغادر» ليلاً. ثلاث سنوات، أربعة انقلابات، وسلطان يستعيد عرشه بسيف مغربي وانقسام قشتالي.
ويكشف الكتاب، بلا تصريح، آليات الشرعنة المصاحبة: الفتوى تُستدعى لتبرير القتل (كما في إفتاء فقهاء فاس بقتل ابن الخطيب)، والتنجيم يصير تهمة كافية للنفي (نكبة الحبّالي 763هـ)، والوثيقة المزوّرة تُصنع لتشويه القتيل، وسلطان صوري يُنصَّب واجهةً كما فعل الثوار عند باب البنود سنة 767هـ حين نصبوا الشيخ علي بن نصر ثم دِيسوا على يد عثمان بن رحّو. وهي الآليات ذاتها التي تعمل عند بني مرين بفاس في اللحظة نفسها (خلع أبي سالم وقتله على يد وزيره عمر بن عبد الله 762هـ، ثم قتل الوزير خنقاً وإغراقاً) — والتوازي مقصود في السرد: البلاطان يتغذيان من فتنة أحدهما الآخر، ويستعمل كل مخلوع ملجأ الآخر.
على أن الكتاب يسكت عمّا يودّ القارئ معرفته. لا يقدّم ابن الخطيب تفسيراً مالياً أو اجتماعياً لهذه الفتن: لا كلام عن رواتب الجند وعجز الخزينة كمحرّك للانقلابات، ولا عن موقف العامة إلا في إشارات عابرة («ثورة أشياخ غرناطة»). والأهم أنه شحيح إلى حد الريبة في تفسير دوره هو في نكبات معاصريه، وفي أسباب نكبته الأولى نحو 760هـ، ثم في محاكمته ومقتله خنقاً بسجن فاس سنة 776هـ وإحراق جثته — وهي خاتمة تجعل المؤرخ آخر ضحايا الظاهرة التي أرّخ لها.
أبرز الوقائع
| السنة هـ/م | الحدث | (ص) |
|---|---|---|
| 431هـ/1040م | مقتل ثابت الجرجاني على يد باديس بتهمة التدبير مع عمه | |
| 456هـ/1064م | مقتل بلكّين بن باديس مسموماً بدسيسة الوزير ابن نغرالة، وانتقام باديس من حاشيته وبني عمه | |
| 459هـ/1066م | مقتل إسماعيل بن نغرالة، ثم صلب ابنه يوسف ومقتلة اليهود ونهب دورهم | |
| 483هـ/1090م | خلع عبد الله بن بلكين وانتقال غرناطة إلى المرابطين | |
| 664هـ/1266م | ابتداء فتنة بني إشقيلولة بوادي آش ومالقة وقمارش | |
| 686هـ/1287م | «الوقيعة البرمكية»: إيقاع السلطان بوزراء بني حبيب برندة | |
| 701هـ/1302م | وفاة السلطان محمد الثاني في صلاته بشبهة تسميم بكعك | |
| 703هـ/1304م | عزل الرئيس أبي الحجاج بن نصر والي وادي آش ومقتله صبراً | |
| 708هـ/1308م (عيد الفطر) | خلع محمد الثالث، وقتل الوزير ابن الحكيم ونهب داره والتمثيل بجثته، ومقتل ابن خميس خطأً | |
| 708هـ/1308م | ثورة أبي سعيد فرج وابنه إسماعيل من مالقة على السلطان نصر | |
| 709هـ/1310م | ثورة أهل غرناطة على نصر بسبب وزيره وميله للنصارى | |
| 710هـ/1310م | اغتيال السلطان المخلوع محمد الثالث غرقاً في بركة بدار أخيه | |
| 713هـ/1313م | دخول إسماعيل غرناطة عنوة وخلع نصر ونفيه إلى وادي آش | |
| 713هـ/1313م | انقلاب أبي الوليد على أبيه فرج بن إسماعيل واعتقاله (ت720هـ بشلوبانية) | |
| 725هـ/1325م | اغتيال السلطان إسماعيل الأول بباب قصره على يد ابن عمه، وجرح وزيره ابن مسعود المحاربي | |
| 727هـ/1327م | فتنة الوزير ابن المحروق مع شيخ الغزاة عثمان بن أبي العلاء ودعوته لعمّ السلطان | |
| 729هـ/1329م | اغتيال الوزير ابن المحروق بالخناجر، وإعادة عثمان بن أبي العلاء لرئاسة الغزاة | |
| 733هـ/1333م | اغتيال السلطان محمد الرابع بتحريض رؤوس جند العدوة، ثم تلفيق وثيقة قادحة في دينه | |
| 740-741هـ/1340م | نكبة الحاجب رضوان النصري، ونكبة أبي ثابت عامر بن عثمان، والفتكة بقرابة عثمان بن أبي العلاء | |
| 749هـ/1348م | نكبة شيوخ الغزاة بعد نكوصهم عن نجدة ملك المغرب بطريف | |
| 755هـ/1354م | اغتيال السلطان يوسف الأول بخنجر في صلاة عيد الفطر، وبيعة محمد الخامس | |
| 760هـ/1359م | «الحادثة»: اقتحام الحمراء، ومقتل الحاجب رضوان، وخلع محمد الخامس وتنصيب أخيه إسماعيل | |
| 761هـ/1360م | مقتل إسماعيل بن يوسف وأخيه الصبي قيس على يد صهره محمد بن إسماعيل «الغادر» | |
| 763هـ/1362م | قبض ملك قشتالة على «الغادر» ونحو 300 من فرسانه وقتلهم وصلب رؤوسهم | |
| 763هـ/1362م | فرار «الغادر» ليلاً وعودة محمد الخامس إلى الحمراء واستعادته الملك بلا قتال | |
| 763هـ/1362م | تغريب الوزير علي بن كماشة، ونكبة الحبّالي بتهمة التنجيم للثورة | |
| 764هـ/1363م | القبض على شيخ الغزاة يحيى بن عمر بن رحّو وابنه وإجلاء بيتهم عن الوزارة | |
| 767-768هـ/1366م | ثورة بني غرّون والدليل البركي ونصب سلطان صوري عند باب البنود، وقمعها | |
| 768هـ/1367م | مقتل عمر بن يحيى بن محلى بقرية أرملة على يد أشياخ بني عبد الحق طلباً بثأر | |
| 776هـ/1374م | محاكمة ابن الخطيب بفاس وقتله خنقاً في سجنه وإحراق جثته |
الجهاد والحرب والسفارات
يقدّم الكتاب مادة الحرب مع الممالك النصرانية لا بوصفها سردًا متصلًا لجبهة واحدة، بل بوصفها سلسلة من الضغوط المتناوبة تتقدّم فيها قشتالة وأرغون حين تنشغل الأندلس بنفسها، وتتراجع حين يعبر إليها سند مغربي أو حين ينقسم عدوّها على نفسه. هذه هي المعادلة التي تنتظم أخبار الكتاب من القرن الرابع إلى الثامن، وما عداها تفصيل.
في الطور الأول — طور قرطبة القوية — تظهر الحرب مبادرةً إسلامية: غزوات الناصر إلى جيّان وتأمين حصون إلبيرة وبسطة سنة 300هـ، وخروج المستنصر إلى ألمرية سنة 353هـ لصدّ حشد الفرنجة وتفقّده أسطولًا من ثلاثمائة قطعة، ثم غزوات المنصور بن أبي عامر التي بلغت فتح برشلونة عنوة سنة 374هـ. لكن الكتاب لا يخفي الوجه الآخر: هزيمة الخندق سنة 327هـ، وهي إشارة مبكرة إلى أن التفوق لم يكن مطلقًا. ثم ينقلب المشهد رأسًا على عقب في الفتنة البربرية، حين يصير النصارى طرفًا مستأجَرًا في نزاع داخلي: البربر يستعينون بهم على المهدي، وجثة حبّاسة بن ماكسن يمثّل بها نصرانيّ سنة 402هـ. هذا التحوّل — من عدوّ خارجي إلى حَكَم داخلي — هو المفتاح التفسيري لكل ما يلي.
سقوط طليطلة سنة 478هـ يستدعي المرابطين، فتقع الزلاقة سنة 479هـ وينجو ألفونسو السادس في فلٍّ قليل جريحًا، ويجرح المعتمد بنفسه. لكن ثمن النصر كان زوال ملوك الطوائف: من استنجد بيوسف بن تاشفين خُلع على يده (سنة 483هـ). ويكشف الكتاب في هذا الطور مسألة داخلية بالغة الدلالة: أهل الذمة النصارى داخل غرناطة. سنة 492هـ أمر ابن تاشفين بهدم كنيستهم قرب باب إلبيرة، وسنة 515هـ استدعى زعيمهم ابن القلاس ألفونسو الأول، فحاصر غرناطة نحو أسبوعين صلّى أهلها فيها صلاة الخوف، ثم انسحب فتُعقّب حتى أنهكه الوباء. كانت النتيجة فتوى ابن رشد بإجلائهم إلى المغرب، ثم "وقيعة" سنة 559هـ أفنت أكثر من بقي منهم. فالخيانة الداخلية تُنتج ردًّا جماعيًا يُصفّي طائفة بأسرها — وهذا نمط لا يعلّق عليه المؤلف، لكنه يورده كاملًا.
ثم يأتي طور الدفاع المتآكل. تاشفين بن علي يحصّن الثغور ويُنشئ دار السلاح ويفتح حصن السكة سنة 524هـ، ويستردّ إشبيلية بعد هجوم عليها سنة 526هـ؛ لكن أواخر المرابطين تشهد دخول النصارى قرطبة سنة 540هـ بمعاونة ابن حمدين، واستباحة جامعها وتمزيق مصاحفه — وهو مشهد يجمع ثلاثة عناصر يكرّرها الكتاب: الاستنجاد بالعدو، وسقوط المدينة، وتدنيس المسجد. ثم تتوالى الخسائر: طرطوشة 543هـ، تخلّي ابن غانية عن بياسة وأبّدة وعقده أمانًا مع القمط، احتلال النصارى قصبة ألمرية سنة 551هـ سبعة أشهر حتى استُنزلوا بالعهد، شنتمرية 565هـ. وتبلغ الكارثة ذروتها في وقيعة العقاب سنة 609هـ التي أعقبها استيلاء العدو على أبّدة وأسر قاضيها، ثم في العقود التي تلت: كائنة أنيشة 634هـ، وسقوط مرسية 640هـ، وإشبيلية 646هـ.
مع قيام الدولة النصرية تتغيّر طبيعة الحرب جذريًا: لم تعد حرب فتوح بل حرب بقاء تُدار بأداتين — المهادنة والاستنجاد. الغالب بالله يعقد صلحًا مع طاغية قشتالة سنة 643هـ متنازلًا بشروطه عن جيّان، ثم صلحًا آخر نحو 662هـ يعقد فيه البيعة لولي عهد قشتالة. وهذه من أدلّ فقرات الكتاب: السلطان المسلم يبايع وليّ عهد نصراني. والأداة الثانية هي بنو مرين: جواز أبي يوسف يعقوب أول مرة سنة 672هـ للجهاد، وكسره جيش الروم بظاهر إستجّة سنة 673هـ، واحتلاله طريف سنة 677هـ، وفشل حصار الطاغية للجزيرة الخضراء سنة 678هـ بعد نجدة بحرية. لكن الاستنجاد سيف ذو حدّين: أبو يوسف يموت بالجزيرة الخضراء سنة 685هـ "في وحشة" مع سلطان غرناطة، وستُنكب شيوخ الغزاة المرينيين مرارًا (749هـ).
القرن الثامن يبدأ بحصارين متزامنين — برشلونة على ألمرية وفرناندو على الجزيرة الخضراء سنة 709هـ — يفشلان معًا، ثم بسنوات مدّ نصري قصيرة: معركة المرج الكبرى سنة 719هـ التي قُتل فيها ملك الروم ونُصبت جثته بسور الحمراء، وفتح حصن أشكر بآلة النفط سنة 724هـ، ومرتش 725هـ، وقبرة وباغوة بالنفط في مطلع عهد محمد الرابع، واسترداد جبل الفتح سنة 733هـ بمفاوضة الطاغية بعد انسحابه. ثم تأتي الكارثة الحاسمة: جواز أبي الحسن المريني سنة 741هـ في نحو مائة وأربعين سفينة بعد وقيعة بحرية على أسطول الروم، ومنازلته طريف، ثم الهزيمة الساحقة في 7 جمادى الأولى 741هـ — وقيعة طريف (سلادو) — التي هلك فيها والد ابن الخطيب وجمع من أعيان غرناطة. بعدها يستولي ألفونسو الحادي عشر على قلعة يحصب وباغة، وتسقط الجزيرة الخضراء بعد حصار طويل نحو 745هـ، ولا تنقشع الغمّة إلا بهلاك ألفونسو نفسه بظاهر جبل الفتح ليلة عاشوراء 751هـ.
آخر أطوار الكتاب هو الأنجح، وسببه ليس قوة غرناطة بل انقسام عدوّها: الحرب الأهلية القشتالية بين بطره وأخيه أندريق (767هـ فما بعد). استثمر محمد الخامس هذا الانقسام استثمارًا منهجيًا: خطاب استنفار عام للجهاد سنة 767هـ بقلم ابن الخطيب، ثم سلسلة فتوح متصلة — أشر وبرغة وباغة 767هـ، أطريرة 768هـ انتقامًا لقتل أسرى، جيّان وأبّدة 769هـ، منتيل وروطة 770هـ، ثم استرداد الجزيرة الخضراء نفسها في ذي الحجة 770هـ بعد فتح ربضها عنوة وخروج أهلها بالأمان، وأحواز إشبيلية 771هـ. ويوازي ذلك بناء داخلي: تحصين اثنين وعشرين ثغرًا، وتجديد الأساطيل، وضرب السكة بالحمراء. ومع ذلك يسجّل الكتاب — بلا حرج — أن السلطان أفتى فقهاؤه بوجوب مظاهرة بطره النصراني المحصور، وأن ابن الخطيب نصحه بتحصين قرمونة ففعل، وأن مكسبًا آخر جاء بـ"ملاطفة ملك قشتالة" لا بالسيف: استرداد أربع بلاد وإعادة مساجدها.
أما السفارات فهي في هذا الكتاب امتداد للحرب بوسائل أخرى، ومحورها المغرب: سفارة ابن الخطيب إلى أبي عنان سنة 755هـ لتجديد المودّة وعودته سنة 756هـ، وسفارته سنة 752هـ، ووفود مرينية مقابلة (ابن مرزوق 748هـ؛ المقري 756هـ؛ يحيى بن رحو 759هـ؛ ولدا أبي الحسن 752هـ). أما المشرق فحضوره أضعف وأكثر رمزية: راية وتقليد من الخليفة العباسي لابن هود سنة 631هـ، وسفارة ابن الحاج إلى تونس وصاحب مصر، وسفارة البرجي إلى ملك مصر وملك قشتالة، ورسائل الفتح المتبادلة مع الحفصيين سنة 771هـ التي أُهديت فيها نواقيس البلاد المفتوحة، ورسائل إلى ضريح النبي ﷺ تعتذر عن انقطاع الحج بسبب الحرب. ولم يُهمل الكتاب السفارة إلى العدو نفسه: ابن خلدون سفيرًا إلى قشتالة سنة 765هـ، وابن زمرك سفيرًا إلى فاس سنة 776هـ في قضية ابن الخطيب.
وينبغي التصريح بما يسكت عنه الكتاب: لا يورد نصوص المعاهدات ولا بنودها ولا مقادير الجزية أو "البارية" المؤدّاة لقشتالة، ولا يعطي حسابًا منظّمًا لأعداد الجيوش أو تنظيمها؛ الهدنة تُذكر واقعةً لا وثيقةً. كما أن الجانب النصراني لا يُروى إلا من خارجه، بلا أسماء دقيقة في الغالب سوى "الطاغية" و"الروم". ومن أراد تاريخًا عسكريًا بنيويًا لغرناطة فلن يجده هنا؛ إنما يجد وقائع مرصودة بدقّة من موقع كاتب الدولة الذي أنشأ أكثر رسائل الفتح بنفسه.
أبرز الوقائع
| السنة هـ/م | الحدث | (ص) |
|---|---|---|
| 300هـ / 913م | غزوات الناصر إلى جيّان وتأمين حصون إلبيرة وبسطة | |
| 327هـ / 939م | هزيمة الخندق أمام الروم | |
| 353هـ / 964م | خروج المستنصر إلى ألمرية لصدّ حشد الفرنجة وتفقّد الأسطول | |
| 374هـ / 985م | المنصور بن أبي عامر يفتح برشلونة عنوة | |
| 478هـ / 1085م | سقوط طليطلة بيد ألفونسو السادس | |
| 479هـ / 1086م | وقعة الزلاقة وهزيمة ألفونسو السادس | |
| 492هـ / 1099م | هدم كنيسة النصارى المعاهدين قرب باب إلبيرة بأمر ابن تاشفين | |
| 515هـ / 1121م | حصار ألفونسو الأول لغرناطة بدعوة من نصارى المعاهدين، ثم انسحابه | |
| 515هـ / 1121م | فتوى ابن رشد وإجلاء النصارى المعاهدين إلى المغرب | |
| 524هـ / 1130م | تاشفين بن علي يفتح حصن السكة عنوة | |
| 540هـ / 1145م | دخول النصارى قرطبة بمعاونة ابن حمدين واستباحة الجامع | |
| 543هـ / 1148م | سقوط طرطوشة، وتخلّي ابن غانية عن بياسة وأبّدة بأمان | |
| 551هـ / 1156م | استرجاع قصبة ألمرية من النصارى بعد حصار سبعة أشهر | |
| 559هـ / 1163م | وقيعة أفنت أكثر من بقي من النصارى المعاهدين | |
| 609هـ / 1212م | وقيعة العقاب وسقوط أبّدة بيد العدو | |
| 631هـ / 1234م | وصول الراية والتقليد من الخليفة العباسي إلى ابن هود | |
| 634هـ / 1237م | كائنة أنيشة قرب غرناطة واستشهاد الكلاعي | |
| 643هـ / 1245م | صلح الغالب بالله مع طاغية قشتالة والتنازل عن جيّان | |
| 646هـ / 1248م | سقوط إشبيلية بيد النصارى | |
| نحو 662هـ / 1264م | صلح جديد مع قشتالة وعقد البيعة لولي عهدها | |
| 671هـ / 1273م | استيلاء العدو على جزيرة طريف | |
| 672هـ / 1273م | جواز أبي يوسف يعقوب المريني إلى الأندلس للجهاد أول مرة | |
| 673هـ / 1274م | كسر جيش الروم بقيادة ذنونه بظاهر إستجّة | |
| 677هـ / 1278م | عبور أبي يوسف ثانية واحتلاله طريف | |
| 678هـ / 1279م | فشل حصار الطاغية للجزيرة الخضراء بعد نجدة بحرية | |
| 685هـ / 1286م | وفاة أبي يوسف يعقوب بالجزيرة الخضراء في وحشة مع سلطان غرناطة | |
| 689هـ / 1290م | صلح السلطان مع طاغية الروم ومعاوضة ابن إشقيلولة عن وادي آش | |
| 695هـ / 1296م | فتح مدينة قيجاطة وحصونها | |
| 699هـ / 1300م | فتح قلعة القبذاق الحصينة | |
| 709هـ / 1310م | فشل حصار صاحب برشلونة لألمرية وحصار فرناندو للجزيرة الخضراء | |
| 716هـ / 1316م | هزيمة وادي فرتونة وسقوط حصون شتمانس وبجيج وطشكر | |
| 719هـ / 1319م | معركة المرج الكبرى: هزيمة الروم ومقتل ملكهم ونصب جثته بسور الحمراء | |
| 724هـ / 1324م | فتح حصن أشكر بآلة النفط | |
| 725هـ / 1325م | دخول مدينة مرتش عنوة | |
| 727هـ / 1327م | استيلاء الطاغية على حصون قرب بيرة ثم المهادنة | |
| 732هـ / 1332م | غزو رضوان النصري بلاد قشتالة وفتح حصن المدوّر | |
| 733هـ / 1333م | فتح باغة عنوة، ثم استرداد جبل الفتح بمفاوضة الطاغية | |
| 741هـ / 1340م | جواز أبي الحسن المريني في نحو 140 سفينة ومنازلته طريف | |
| 741هـ / 1340م | وقيعة طريف (سلادو) الكبرى ومقتل والد ابن الخطيب | |
| 741هـ / 1340م | استيلاء ألفونسو الحادي عشر على قلعة يحصب وباغة | |
| 744هـ / 1343م | حملة يوسف الأول لإصراخ الجزيرة الخضراء | |
| نحو 745هـ / 1344م | سقوط الجزيرة الخضراء بيد العدو بعد حصار طويل | |
| 749هـ / 1348م | نكبة شيوخ الغزاة لنكوصهم عن نجدة ملك المغرب المحاصِر لطريف | |
| 751هـ / 1350م | هلاك ألفونسو الحادي عشر بظاهر جبل الفتح | |
| 752هـ / 1351م | سفارة ابن الخطيب إلى سلطان المغرب | |
| 755-756هـ / 1354-1355م | سفارة ابن الخطيب إلى أبي عنان المريني وعودته | |
| 762هـ / 1361م | معركة بحرية مع أسطول العدو قرب تكرنت وأسر جماعة من المسلمين | |
| 765هـ / 1364م | إيفاد ابن خلدون سفيرًا إلى قشتالة | |
| 767هـ / 1365م | خطاب الاستنفار العام للجهاد بقلم ابن الخطيب | |
| 767هـ / 1365م | فتح حصن أشر عنوة، وثغر برغة، وباغة وجيرة | |
| 767هـ فما بعد / 1366م | الحرب الأهلية القشتالية بين بطره وأندريق واستثمار غرناطة لها | |
| 768هـ / 1367م | أسر أسطول ألمرية وافتداء أسراه بأكثر من سبعة آلاف دينار | |
| 768هـ / 1367م | غزوة أطريرة انتقامًا لقتل أسرى مسلمين | |
| 769هـ / 1368م | فتح جيّان عنوة، ثم غزو أبّدة وتخريبها | |
| 770هـ / 1369م | فتح حصون منتيل والحويز وروطة وزمرة وبرج الحكيم | |
| 770هـ / 1369م | استرداد الجزيرة الخضراء بعد فتح ربضها عنوة وخروج أهلها بالأمان | |
| 771هـ / 1369م | حملة أحواز إشبيلية: فتح أشونة ومرشانة والتضييق على قرمونة | |
| 771هـ / 1369م | حصار عقوة قرطبة وإجازة نهرها | |
| 771هـ / 1369م | رسائل الفتح وتبادل الهدايا والنواقيس مع الحفصيين بتونس | |
| 771هـ / 1369م | ملاطفة ملك قشتالة واسترداد أربع بلاد وإعادة مساجدها | |
| 776هـ / 1374م | إيفاد ابن زمرك سفيرًا إلى فاس في قضية ابن الخطيب |
الدولة والمجتمع والاقتصاد
«الإحاطة» ليست كتاب نُظُم، بل معجم تراجم؛ ولذلك لا تصل إلينا صورة الدولة الغرناطية فيه عبر فصل موضوعي، وإنما تُستخرج استخراجاً من مسارات الرجال: من تولّى، ومن عُزل، ومن نُكب، ومن قُتل. هذا القيد المنهجي يفسّر خصائص المادة كلها: الوظيفة تُعرف بشاغلها لا بلائحتها، والضريبة تُذكر حين يُعفى منها رجل بعينه، والعمارة تُذكر حين يموت بانيها. ومع ذلك تكفي هذه الشذرات لرسم بنية متماسكة، إذا قُرئت على أنها آثارُ نظامٍ لا مجرد أخبار أفراد.
الأساس الجبائي والإداري. أقدم ما يعرضه الكتاب من ترتيب مالي يعود إلى القرن الثاني: توزيعُ أبي الخطار الكلبي قبائلَ الشام على كور الأندلس على نمط منازلها الأصلية — دمشق إلى إلبيرة، والأردن إلى جيّان — مع إقطاعهم ثلثَ أموال أهل الذمة، ونظامِ عطاءٍ للغزاة يميّز بين غازٍ ومقيم برزق متفاوت. في هذا الترتيب المبكر يجتمع جوهر ما سيتكرر لاحقاً طوال ثمانية قرون: الجندُ يُموَّل من فائض الأرض، والأرضُ تُدار بجهاز جباية، والذمّي هو القاعدة الضريبية الأولى. أما جهاز الجباية النصري فيظهر بأسمائه لا بوصفه: «خطة الحفازة» أي جباية الأموال، و«خطة الإشراف والأشغال» بغرناطة، و«ديوان الخرص» الذي يقدّر الغلات، و«جابي المستخلص» أي أملاك السلطان الخاصة، والحسبة التي تُضم أحياناً إلى طبيب الدار السلطانية نفسه — وهو دليل على أن الخطط لم تكن دائماً حِرَفاً متخصصة بل مناصب توزَّع على المقرّبين.
وينفرد الكتاب بكتلة رقمية واحدة، هي أثمن ما فيه اقتصادياً: إقليم غرناطة في عهد الغني بالله يضم أكثر من ثلاثمائة قرية، ويسجّل ديوانُ الخرص نحو أربعة عشر ألف عقار خارج السور في السهل وحده، ومجموع المراجع الزراعية السنوية نحو خمسمائة وستين ألفاً، ومستفادُ الطعام للسلطان ثلاثمائة ألف قدح، وفي الإقليم أكثر من مائة وثلاثين رحى مائية. وهذه الأرقام، على تفرّدها، تكشف اقتصاداً زراعياً مكثّفاً حول حاضرة واحدة، تُعصر منه ضريبةٌ عينية كبيرة (القدح لا الدينار)، وتموّل بها دولةٌ صغيرة المساحة كثيفة الجند. ولا يقدّم الكتاب — ويجب أن يُقال بصراحة — أي حديث عن الأسعار، ولا الأجور، ولا الصناعات والأسواق والحرف، ولا حال الفلاح على الأرض. صمتُه هنا صمتٌ كامل.
الظهير والإعفاء والمصادرة. الوجه العملي للمالية في الكتاب هو الاستثناء لا القاعدة. فالظهائر السلطانية التي يوردها ابن الخطيب بنصها إنما هي وثائق إعفاء: ظهيرٌ لابن مهيب وزوجته بصرف أعشارهما وزكواتهما إليهما سنة 635هـ، جدّده الغالبُ بالله سنة 643هـ؛ وظهيرٌ مرينيّ سنة 763هـ يجري على ابن الخطيب وولده مرتّباً من مجبى سلا مع إعفاء من المغارم. ومقابل الإعفاء تقف المصادرة، وهي في هذه الدولة أداةُ ماليةٍ وأداةُ عقابٍ معاً: خزائن قصر غرناطة تُصادَر يوم خلع عبد الله بن بلقين، ودارُ الوزير تُنهب يوم يُقتل، وأملاكُ ابن الخطيب تُصادَر وكتبُه تُحرق، ثم يعود السلطان فيسوّغ له بظهيرٍ ما اغتصبه «الغادر» منه. فالمال والمنصب والحياة حزمةٌ واحدة، تُمنح معاً وتُنتزع معاً.
الكتابة والقضاء. ديوان الإنشاء هو قلب الدولة النصرية في هذا الكتاب، وكاتب السرّ أخطرُ رجالها بعد السلطان. ابن الجياب شغل الخطة زهاء خمسين سنة، فلما مات في طاعون 749هـ خلفه ابن الخطيب، ثم آل الأمر إلى ابن زمرك الذي انتهى إلى أن يكون خصمَ سلفه. والكتابة والسفارة وظيفة واحدة عملياً: كاتبُ السرّ هو من يُوفَد إلى فاس وقشتالة وتونس، وهو من ينشئ رسائل الفتح ويستنفر الرعية للجهاد في خطاب عام. ومن هنا هشاشة الموقع: ديوان الإنشاء يتغيّر كتّابه كلما تغيّرت الدولة، حتى سُمّي عامُ الاضطراب «عام الفتنة» في تراجم الكتّاب.
أما القضاء فيقدّمه الكتاب في ثلاثة أدوار متمايزة. الأول قضائي محض: تولية وعزل وإعادة في دورة سريعة (ابن ورد، ابن برطال، ابن جزي مرتين)، وعزلٌ يقع أحياناً «من غير زلّة»، أي لسبب سياسي لا مهني. والثاني رقابيّ اجتماعي: القاضي ابن بكر يجرّح أكثر من سبعين شاهداً بغرناطة سنة 737هـ فيناله كيدٌ وعداوة شديدة — وهو أوضح مشهد في الكتاب على أن العدالة الشرعية كانت تصطدم بشبكة الوجاهة المحلية. والثالث، وهو الأخطر، سياسيّ: الفتوى سلاحُ دولة. أفتى ابن رشد فأُجلي النصارى المعاهدون إلى المغرب سنة 515هـ؛ وأفتى فقهاء غرناطة بوجوب مظاهرة بطره القشتالي المحصور نصرةً لمصلحة الدولة؛ وأفتى النباهي سنة 773هـ بإحراق كتب ابن الخطيب. القاضي هنا شريكٌ في السلطة لا رقيبٌ عليها.
الجند. جيش غرناطة مركّب من طبقتين: جندٌ أندلسي له قائد وديوان تنفيذ، وطبقةٌ ثانية هي «الغزاة» المتطوعة من بني مرين وأفخاذها، يرأسهم «شيخ الغزاة» ويتوارثها بيتٌ بعد بيت — عثمان بن أبي العلاء ثم بنو رحّو. وهذه الطبقة هي مصدر قوة الدولة ومصدر خطرها معاً: تُنجد الثغور وتُقتحم بها الحصون، ثم تنقلب على السلطان أو تُنكب به، فتُعتقل شيوخُها سنة 749هـ لنكوصهم عن نجدة ملك المغرب، ويُصرف زعيمها إلى العدوة بأمر المتغلب على الدولة. وأما التقنية العسكرية فالكتاب يذكر منها آلة النفط في حصار إشكر سنة 724هـ، والمنجنيق، ودارَ السلاح التي أنشأها تاشفين بغرناطة سنة 523هـ. والبحرُ حاضرٌ بوصفه هشاشة لا قوة: أسطول ألمرية يُؤسر سنة 768هـ ويُفتدى أسراه بما يزيد على سبعة آلاف دينار عين، ولا يجدّد محمد الخامس أساطيل الإسلام إلا متأخراً.
العمارة. البناء في الكتاب فعلٌ سياسي معلن. زاوي بن زيري «أول من مدّن غرناطة»؛ والمرابطون يوسّعون الجامع الأعظم — حمّامٌ في جوفه سنة 509هـ، ثم زيادة سقفه وتعويض أرجل قِسيّه بأعمدة رخام مجلوبة من قرطبة سنة 516هـ — وفي الرخام القرطبي رسالة شرعية: الحاضرة الجديدة وارثةُ الخلافة القديمة. ويبلغ هذا الخطاب ذروته عند محمد الخامس: مارستان أعظم يفضّل به المؤلف غرناطةَ على مصر، وتحصين اثنين وعشرين ثغراً، وتجديد حصن الحمراء، وضربُ السكة فيه أول مرة منذ ثمانين سنة. وضربُ السكة تحديداً إعلانُ سيادةٍ مالي ورمزي في آنٍ.
حال الناس. يظهر العامة في الكتاب في ثلاث حالات فقط: الوباء، والجوع، والغضب. الطاعون سنة 749-750هـ هو الحدث الاجتماعي الأكبر في الكتاب كله، وأصدقُ صورة له جنازةُ القاضي ابن برطال بمالقة خارجةً «في ركب أموات ناهز الألف ومائتين». والجوع يحرّك السكان: يجلو أهل بلدةٍ بأسرهم إلى غرناطة هرباً من الغلاء سنة 705هـ، وتتكرر صلاة الاستسقاء بوصفها حدثاً عاماً يُؤرَّخ به. والغضب هو الشكل الوحيد للمشاركة السياسية: العامة تنهب دار الوزير المقتول، وتفتك باليهود وتنهب دورهم سنة 459هـ، ويطالب أشياخ غرناطة بخلع السلطان وتسليم وزيره سنة 713هـ. وأما أهل الذمة فحضورهم متقطّع وقاسٍ: يهودٌ يُسكَنون قصبةَ إلبيرة عند الفتح «سنّةً» تُتَّبع، ونصارى معاهدون تُهدم كنيستُهم سنة 492هـ ثم يُجلَون سنة 515هـ ثم تفنيهم وقيعةٌ سنة 559هـ.
خلاصةُ ما تقدّم أن الدولة في «الإحاطة» دولةُ خطط لا دولةُ مؤسسات: قوّتها في ديوانها وجندها المتطوّع وجبايتها العينية، وضعفُها في أن كل خطة فيها معلّقة برضا السلطان، فالكاتب والقاضي وشيخ الغزاة والجابي كلهم يعيشون على حافة النكبة. ولذلك كان تاريخ إدارتها، كما رواه ابن الخطيب، تاريخَ نكباتٍ متسلسلة انتهت بنكبته هو.
أبرز الوقائع
| السنة هـ/م | الحدث | (ص) |
|---|---|---|
| ~125هـ / ~743م | أبو الخطار يوزّع قبائل الشام على الكور ويُقطعهم ثلث أموال أهل الذمة، ويرتّب عطاء الغزاة | |
| 447هـ / 1055م | ابن توبة يتولى قضاء غرناطة لباديس، ويُعمل منبر الجامع على يديه | |
| 492هـ / 1099م | هدم كنيسة النصارى المعاهدين خارج غرناطة بأمر يوسف بن تاشفين | |
| 509هـ / 1115م | بدء بناء حمّام جوفي الجامع الأعظم بغرناطة | |
| 515هـ / 1121م | فتوى ابن رشد وإجلاء النصارى المعاهدين وجماعة من اليهود إلى المغرب | |
| 516هـ / 1122م | زيادة سقف الجامع الأعظم وتعويض أرجل قِسيّه بأعمدة رخام من قرطبة | |
| 523هـ / 1129م | تاشفين بن علي يدخل غرناطة، ويحصّن الثغور، وينشئ دار السلاح والمساجد | |
| 531هـ / 1137م | نقل القاضي عياض من قضاء سبتة إلى قضاء غرناطة | |
| 607هـ / 1210م | كاتبٌ غرناطي يُخرج من ماله لتتميم قنطرة وادي شنجيل ويبني مسجد دار القضاء | |
| 635هـ / 1238م | أول ظهير سلطاني لابن مهيب وزوجته بصرف أعشارهما وزكواتهما إليهما | |
| 643هـ / 1245م | ظهير الغالب بالله يجدّد الإعفاءات لابن مهيب وزوجته | |
| 698هـ / 1298م | وفاة مسلم بن سعيد التنملي صاحب «خطة الحفازة» (جباية الأموال) | |
| 705هـ / 1306م | جلاء أهل بلدة بأسرهم إلى غرناطة هرباً من الغلاء والمحنة | |
| 713هـ / 1313م | ثورة أشياخ غرناطة تطالب بخلع السلطان وتسليم وزيره | |
| 713هـ / 1313م | وفاة ابن حسّان صاحب خطة الإشراف والأشغال بغرناطة | |
| 717هـ / 1318م | وفاة القيسي، طبيب الدار السلطانية وصاحب الحسبة | |
| 724هـ / 1324م | استعمال آلة النفط في غزو حصن إشكر قرب بسطة | |
| 737هـ / 1337م | القاضي ابن بكر يجرّح أكثر من سبعين شاهداً بغرناطة فيناله كيد شديد | |
| 747هـ / 1346م | عزل القاضي محمد بن أحمد الحسني عن قضاء غرناطة «من غير زلّة» | |
| 747هـ / 1346م | تولية أبي البركات قضاء ألمرية ونزول المطر عقب استسقائه يوم توليه | |
| 749هـ / 1348م | نكبة شيوخ الغزاة واعتقالهم بمالقة ثم المنكب لنكوصهم عن نجدة ملك المغرب | |
| 749هـ / 1348م | وفاة ابن الجياب كاتب السرّ (نحو خمسين سنة في الخطة) وتولي ابن الخطيب مكانه | |
| 750هـ / 1349م | طاعون «الغريب» بمالقة: جنازة القاضي ابن برطال في ركب أموات ناهز الألف ومائتين | |
| 767هـ / 1365م | خطاب عام إلى الرعية يستنفرها للجهاد بإنشاء ابن الخطيب | |
| 768هـ / 1367م | أسر أسطول ألمرية وفداء أسراه بما يزيد على سبعة آلاف دينار عين | |
| ~769هـ / ~1368م | فتوى بوجوب مظاهرة بطره القشتالي المحصور، ونصح ابن الخطيب له بتحصين قرمونة | |
| عهد محمد الخامس | بناء المارستان الأعظم، وتحصين 22 ثغراً، وتجديد الحمراء، وضرب السكة فيه أول مرة منذ ثمانين سنة، وتجديد الأساطيل | |
| عهد الغني بالله | إحصاء الإقليم: أكثر من 300 قرية، ونحو 14000 عقار بالسهل، و560 ألفاً مراجعَ زراعية، و300 ألف قدح طعاماً للسلطان، وأكثر من 130 رحى مائية | |
| 773هـ / 1371م | فتوى النباهي بإحراق كتب ابن الخطيب ومصادرة أملاكه |
الطاعون والنكبات
لا يفرد ابن الخطيب في «الإحاطة» فصلاً للطاعون، ولا يرويه بوصفه واقعة كبرى لها مقدمات ومآلات. الوباء عنده يظهر من خلف التراجم: تاريخُ وفاةٍ يتكرر، وعبارةٌ تُلحق بالاسم — «في وقيعة الطاعون»، «الطاعون الأعظم»، «الموتان» — ثم يمضي الكلام. هذا الشكل من التسجيل هو نفسه معلومة: المؤرخ الذي يقف عند يوم مقتل وزير ويصف مجلس الشورى الذي حاكمه، لا يمنح الوباء الذي أفنى طبقةً كاملة من معاصريه سطراً واحداً في وصف انتشاره أو أعراضه أو تدبيره. الكتاب ساكت عن الطب وعن التفسير معاً: لا سبب طبيعي يُذكر، ولا موعظة دينية تُساق. تبقى الأسماء والتواريخ وحدها.
التسلسل: 749–750هـ
يبدأ الأثر المسجَّل في سنة 749هـ ويتوزع من أول ظهوره على ضفتي البحر في وقت واحد. ففي شوال من تلك السنة يموت عبد المهيمن الحضرمي بتونس «في وقيعة الطاعون العام» ويُدفن بالزلاج؛ وفي الشهر نفسه بغرناطة يموت أبو الحسن بن الجيّاب كاتب السر؛ وفي أواخر السنة يموت عامر بن عثمان بن إدريس «مطعوناً» في بعض مراحل الطريق. وقبل ذلك بأشهر كان الوباء قد عطّل القضاء بألمرية حتى أُعيد أبو البركات البلفيقي إليه في رجب 749هـ «بعد انقطاع بسبب وباء الطاعون» — وهي أوضح إشارة في الكتاب إلى شللٍ إداري سبق موجة الوفيات الكبرى.
ثم تأتي سنة 750هـ فتكون الذروة. الوفيات تتكاثف من محرم إلى شعبان وتغطي خريطة الدولة كلها: غرناطة (عبد الأعلى بن موسى بن نصير، ابن البنا الذي مات قبل الثلاثين، ابن فرتون)، ومالقة (ابن محارب، الخشني، الفزاري، قاسم الزروالي في صفر)، ورندة (الوزير ابن الحكيم اللخمي بين 17 و23 ربيع الآخر)، وبلّش (البدوي، ابن المرابع)، وسبتة (ابن خميس)، وحصن قمارش (السكوني)، وقرية قنجة (ابن جعفر السلمي). ويسمّي أهل مالقة طاعونهم «الغريب». وثمة إشارة غير مؤرخة إلى هلاك وفد من أهل سبتة «بالموتان» بأحواز تيزّى وهم منصرفون من باب سلطان المغرب.
الرقم الوحيد
المادة كلها نوعية لا كمية، إلا موضعاً واحداً. عند ترجمة القاضي ابن برطال، المتوفى بمالقة سنة 750هـ، يذكر ابن الخطيب أن جنازته خرجت «في ركب أموات ناهز الألف ومائتين». هذا هو الإحصاء الوحيد في الباب، وهو إحصاء يوم واحد في مدينة واحدة. لم يعطنا المؤلف عدد موتى غرناطة، ولا نسبة الفقد، ولا أثر ذلك في الجباية أو الزراعة، مع أنه في مواضع أخرى من الكتاب يورد أرقاماً دقيقة عن إقليم غرناطة (نحو أربعة عشر ألف عقار خارج السور، وأكثر من ثلاثمئة قرية، وأكثر من مئة وثلاثين رحى مائية) دون أن يخطر له أن يقارن بين ما قبل الوباء وما بعده. الفجوة هنا ليست فجوة معلومات بل فجوة سؤال: لم يكن الأثر الديموغرافي موضوعاً يعنيه.
الأثر: إعادة توزيع المناصب
الأثر الوحيد الذي يرصده الكتاب بوضوح هو أثر إداري وسياسي. الطاعون في «الإحاطة» يعمل كما تعمل النكبة والاغتيال: يفرّغ الوظائف فيصعد إليها غيرُ من كان يُنتظر صعوده. موت ابن الجيّاب سنة 749هـ هو الذي أفضى مباشرة إلى تولّي ابن الخطيب كتابة السر ثم رئاسة الكتّاب فالوزارة — أي إن الوباء هو الحدث الذي صنع مسار المؤلف نفسه، وهو لا يقول ذلك صراحة ولكن ترتيب أخباره يقوله. وموت ابن الحكيم اللخمي سنة 750هـ يفرّغ قضاءً وكتابةً سلطانية معاً. وانقطاع قضاء ألمرية ثم إعادة البلفيقي إليه يكشف أن الوباء كان يوقف جهاز الدولة ثم يعيد تركيبه. بهذا المعنى، الطاعون في الكتاب حدث في تاريخ المناصب لا في تاريخ الناس.
وهنا يتضح انحياز المصدر: كل من نعرف أنه مات بالطاعون في هذه الصفحات فقيه أو قاضٍ أو خطيب أو كاتب أو شاعر. نرى الوباء من داخل طبقة واحدة، هي الطبقة التي تُكتب لها التراجم. أما الفلاحون والصنّاع وأهل القرى فلا وجود لهم في السجل إلا إذا حملت جنازةُ قاضٍ ركبَ موتاهم.
الجدب والغلاء
مادة المجاعات في الكتاب أفقر بكثير، وأدلتها غير مباشرة. سنة 705هـ يجلو أهل بلدٍ بأكملهم إلى غرناطة «هرباً من الغلاء والمحنة» عند تغلّب الدولة النصرية على بلدهم — وهو المثال الوحيد الصريح على مجاعة تدفع إلى هجرة جماعية، والغلاء فيه مقترن بالحرب لا بالطبيعة وحدها. وما عدا ذلك، يُستدل على الجدب من صلاة الاستسقاء لا من وصف القحط: جدّ المؤلف سعيد مات صعقته الشمس وهو يستسقي (نحو 683هـ)؛ والطنجالي يستسقي بمالقة «زمن قحط» فسُقي الناس؛ والبلفيقي ينزل المطر عقب دعائه يوم توليه قضاء ألمرية سنة 747هـ. تكرار الاستسقاء دليل على تكرار الجدب، لكن ابن الخطيب يورده في سياق كرامات الأولياء وفضائل المترجَمين، لا في سياق الاقتصاد. وله شعر في التورية عن شحّ المطر في سنة قحط بغرناطة، أبياتٌ لا تحمل تاريخاً ولا تفيد في التأريخ.
الزلازل: صمت تام
الكتاب لا يذكر زلزالاً. لا في غرناطة ولا في مالقة ولا في العدوة، لا مؤرخاً ولا مرسلاً. من يطلب في «الإحاطة» أخبار الهزّات الأرضية لا يجد شيئاً، وهذا صمت يجب تسجيله لا سدّه. وعلى المنوال نفسه، لا نجد وصفاً للمجاعة كظاهرة، ولا لأسعار الطعام، ولا لخلوّ القرى.
ومن النكبات غير الوبائية يذكر الكتاب غرقاً جماعياً: سفينة تقلّ جماعة من طلبة مالقة وأدبائها إلى المشرق تغرق نحو 739هـ فيهلكون جميعاً. وقبل ذلك بقرون، ينسحب ألفونسو الأول عن حصار غرناطة سنة 515هـ ثم «أنهكه الوباء» عائداً إلى بلاده — وهي أقدم إشارة وبائية في هذه المادة، ووظيفتها في السرد وظيفة الانتقام الإلهي من الغازي لا وظيفة الخبر الطبي.
أبرز الوقائع
| السنة هـ/م | الحدث | (ص) |
|---|---|---|
| 515هـ / 1121م | وباء ينهك جيش ألفونسو الأول في انسحابه عن غرناطة | |
| 705هـ / 1306م | جلاء أهل بلد إلى غرناطة هرباً من الغلاء والمحنة | |
| نحو 739هـ / 1338م | غرق سفينة طلبة مالقة وأدبائها في طريقهم إلى المشرق | |
| 747هـ / 1346م | استسقاء البلفيقي بألمرية يوم توليه القضاء | |
| 749هـ / 1348م | انقطاع قضاء ألمرية بسبب وباء الطاعون ثم إعادة البلفيقي إليه (رجب) | |
| 749هـ / 1348م | وفاة عبد المهيمن الحضرمي بتونس في «وقيعة الطاعون العام» (12 شوال) | |
| 749هـ / 1348م | وفاة ابن الجيّاب كاتب السر، وتولّي ابن الخطيب مكانه (أواخر شوال) | |
| 749هـ / 1348م | وفاة عامر بن عثمان بن إدريس مطعوناً في الطريق (أواخر السنة) | |
| 750هـ / 1349م | وفاة الوزير ابن الحكيم اللخمي برندة في «وقيعة الطاعون الكبرى» (ربيع الآخر) | |
| 750هـ / 1349م | وفاة القاضي ابن برطال بمالقة، وخروج جنازته في ركب أموات ناهز 1200 | |
| 750هـ / 1349م | «الطاعون الأعظم» يجتاح الأندلس والعدوة: وفيات متلاحقة بغرناطة ومالقة وبلّش وسبتة وقمارش وقنجة | |
| غير مؤرخ | هلاك وفد من أهل سبتة بـ«الموتان» بأحواز تيزّى | |
| غير مؤرخ | قحط بمالقة يدفع إلى الاستسقاء على يد الطنجالي | |
| غير مؤرخ | سنة قحط بغرناطة نظم فيها ابن الخطيب أبياتاً في شحّ المطر |