Part II · Asturies et Léon
مملكة أشتوريس وليون

ملوك النصارى عند ابن خلدون، وألفونسو، وسيمانقاس، والخندق، إلى ما قبل المنصور.

Recherches Asturies–Léon — ouverture

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 92

بحوث

في

تاريخ مملكة أشتوريس وليون

إلى جانب النقوش والوثائق، فإن المصادر اللاتينية للقرون الثلاثة الأولى من تاريخ مملكة أشتوريس وليون هي هذه:

حوليات ألبِلدا، كُتبت سنة 881 وأُكمِلت سنة 883 (نُشرت في España sagrada، المجلد الثالث عشر).

حوليات سيباستيان، كُتبت نحو العصر نفسه (الموضع نفسه).

حوليات سامبيرو (866—984) (الموضع نفسه، المجلد الرابع عشر).

قطع من حوليات قديمة تتعلق بعهد ألفونسو الثالث وغارسيا وأردونيو الثاني (Esp. sagr.، المجلد السابع عشر). وتوجد هذه القطع في مصنَّف راهب سيلوس (الفصول 39—47)، ولما كان هذا المؤرّخ يعتاد أن ينسخ الحوليات القديمة نسخًا أمينًا إلى حدٍّ بعيد، فإني أرى أن هذا الجزء من تجميعه هو أيضًا نسخة، شبه حرفية، من حوليات ضاعت اليوم.

ص 93

91

الحوليات الصغيرة المطبوعة في المجلد الثالث والعشرين من España sagrada. وهي لا تعطي سوى تواريخ، وقد حرّف النسّاخ الغافلون هذه التواريخ كثيرًا.

أما مؤرّخو القرن الثالث عشر، لوكاس دي توي ورودريغو الطليطلي، اللذان لم يكن لديهما من الوثائق غير ما نملكه نحن أيضًا، فإنهما يفيدان أحيانًا حين يتعلق الأمر بإصلاح نصٍّ فاسد؛ لكنهما متى رويا شيئًا لا يوجد في الحوليات القديمة، قلّما يستحقّان التصديق.

فالحوليات اللاتينية قليلة العدد إذن؛ وهي فوق ذلك هزيلة وناقصة، بحيث تمتلئ القرون الأولى من تاريخ أشتوريس وليون بالظلمات. ولحسن الحظ ليست هذه المصادر وحدها: فالحوليات العربية تحتوي في الموضوع نفسه تفاصيل جديدةً وطريفةً معًا. فقد كان مؤرّخو قرطبة المهرة أصحاب الضمير، وهم يعيشون وسط شعب بلغ درجةً عاليةً جدًّا من الحضارة، يولون تاريخ دول الشمال اهتمامًا كبيرًا، ولأنهم لم يُهملوا فرصةً للاطّلاع عليه، فإن مصنّفاتهم يمكنها ويجب أن تُستخدم لتصحيح الحوليات اللاتينية ولا سيما لإتمامها.

وعلى رأس هؤلاء الحوليّين المسلمين ينبغي أن نضع ابن حيّان القرطبي الشهير، الذي ازدهر في القرن الحادي عشر. فهو الذي عرف خير معرفة، لا

ص 94

92

تاريخ وطنه فحسب، بل تاريخ الدول المجاورة أيضًا، ولو امتلكنا اليوم المجلدات العشرة من المقتبس والستين من المتين، لربّما اتّضح لنا تاريخ مملكة ليون أكثر مما اتّضح تاريخ أيّ دولة مسيحية أخرى في النصف الأول من العصور الوسطى. لكن للأسف لا يبقى مما لدينا منه سوى مجلد واحد من المقتبس وقطع أو مستخرجات توجد عند المؤرّخين اللاحقين؛ غير أن هذه الشذرات ثمينة جدًّا ويجب جمعها بعناية. ويتعلق كثير منها بتاريخ مملكة ليون، وينبغي البحث عنها أساسًا في تاريخ ابن خلدون العام. فقد أدرجها ابن خلدون إما في فصله عن أمويّي إسبانيا، وإما في الفصل الذي خصّصه لملوك هذا البلد المسيحيين.

ما المصادر التي استقى منها حوليّو قرطبة في القرن الحادي عشر ولا سيما ابن حيّان؟ هل كانوا يعرفون اللاتينية أو على الأقل الرومانسية، تلك اللغة التي لم تعد اللاتينية لكنها لم تكن الإسبانية بعد؟ هل عملوا على تقارير شفاهية فحسب، أم استعملوا أيضًا حوليات لاتينية؟ تطرح هذه الأسئلة نفسها بنفسها، لكن الإجابة عنها عسيرة إلى حدٍّ ما.

ويجوز القول على وجه العموم إن العرب، وقد بلغ بهم الزهو بلغتهم وأدبهم مبلغًا عظيمًا، كانوا يأنفون من تعلّم لغة المغلوبين. ومتى أراد هؤلاء أن يتحاوروا مع

ص 95

95

هم، اضطرّوا إلى تعلّم العربية 1)، وهنا فرق جوهري بين الفتح العربي والفتح الجرماني: فقد تبنّى الجرمان الخشنون لغة المغلوبين ودينهم، وكان هؤلاء أرقى حضارةً منهم بكثير؛ أما العرب على العكس، وقد فاقوا المغلوبين، فقد فرضوا عليهم لغتهم، وإلى حدٍّ ما، دينهم. ومع ذلك وُجد، حتى في الطبقات العليا من المجتمع العربي، أشخاص لم يكونوا يجهلون الرومانسية جهلًا تامًّا. وتُظهر حكاية طريفة جدًّا، لكنها فاحشة للغاية، أن عبد الرحمن الثالث ووزراءه كانوا يفهمون بعض كلمات هذه اللغة ويستعملونها 2)؛ وأما حوليّو قرطبة فلا ينبغي أن ننسى أن أكثرهم لم يكن من أصل عربي، بل من أصل إسباني. فكانت العربية إذن لغتهم الأم بلا ريب، لكن أسلافهم كانوا يتكلمون الرومانسية، وكان أصدقاؤهم أو أقاربهم ما يزالون يتكلمونها. وكان ابن حيّان هو أيضًا من أصل إسباني، ويبدو لي مؤكدًا أنه كان يعرف الرومانسية. فهو ينقل 3) جملةً بهذه اللغة، كانت قد صدرت عن عمر بن حفصون. وفضلًا عن ذلك، فإن ما يورده عن التاريخ القديم لليون

1 انظر أولوغيو وألفارو، في مواضع متفرقة.

2 انظر هذه الحكاية عند ابن عذاري، المجلد الثاني، ص 243، وعند المقّري، المجلد الثاني، ص 417، وفي البدائع، مخطوطة كوبنهاغن، الورقة 105 ظهر، 106 وجه.

3 مخطوطة أكسفورد، الورقة 74 وجه.

ص 96

94.

دقيق أكثر مما يُستقى من الرواية الشفوية وحدها. فأميل إذن إلى الاعتقاد أنه راجع حوليات مسيحية ضاعت اليوم.

وأنوي أن أنشر في هذا المقال بعض النصوص العربية المتصلة بتاريخ ليون وأن أناقش بمعونتها مسائل عدة ما تزال غامضة؛ لكن قبل أن أبدأ هذا العمل، لا بدّ لي أن أقول بضع كلمات عن مخطوطة لاتينية استعملتها وهي تخصّ مكتبة ليدن. هذه المخطوطة (مجموعة فوسيوس، رقم 91، قطع الثُمن)، التي يُشار إليها في فهرس سنة 1716390)، لكن بإيجاز وبصورة غير دقيقة، مكتوبة على الرقّ، وبخطّ من القرن الثالث عشر؛ وتتألف من 113 ورقة. وهي ما يُسمّى كتاب بيلاجيوس. ومعلوم أن بيلاجيوس، أسقف أوفييدو في أوائل القرن الثاني عشر (1101—1129)، جمع في مجلد واحد عدة حوليات قديمة، وحرّفها بالإضافة، وضمّ إليها مؤلّفاته الخاصة. ويُطلق على هذه المجموعة عنوان كتاب بيلاجيوس أو مخطوطة أوفييدو؛ غير أن لبيلاجيوس كتابين: الكبير، الذي وصفه موراليس (انظر هذه النبذة في Esp. sagr.، المجلد الثامن والثلاثون، الملحق 40)، والصغير، الذي توجد منه عدة تحريرات. وتحرير مخطوطة ليدن يبدو قريبًا جدًّا من التحرير الموجود في مخطوطة بمكتبة مدريد الملكية، وصفها باير في إحدى حواشيه على

ص 97

95

Bibliotheca vetus لنيكولاس أنطونيو (ص 14). فدون أن نُحصي بعض القطع القصيرة جدًّا التي لا أهمية لها، تحتوي إذن: قائمةً بالمدن الأسقفية، تحت هذا العنوان: Hec sunt civitates quas regebant reges Gothorum et sui pontifices (وقد نشر فلوريث في Esp. sagr.، المجلد الرابع، ص 253 وما يليها، عدة قوائم من هذا النوع، لكن ليس هذه)؛ — Annales Complutenses؛ — حوليات قصيرة لدير كورياث (في أشتوريس) (مطبوعة في Esp. sagr.، المجلد الثامن والثلاثون، ص 572)؛ — رسالة بيلاجيوس الأوفييدوي في طليطلة وسرقسطة وليون وأوفييدو (الموضع نفسه، ص 572—376)؛ — مجموعة وثائق قديمة تُعرف باسم Chronicon Albeldense (وترد هذه القطع هنا بترتيب يختلف عن ترتيب المجلد الثالث عشر من Esp. sagr.)؛ — الجزء الأخير من حوليات سيباستيان (من الفصل 20 إلى النهاية)؛ — حوليات سامبيرو؛ — حوليات بيلاجيوس؛ — مجمع ليون لسنة 1020؛ — Chronicon Iriense؛ — Privilegium votorum (Esp. sagr.، المجلد التاسع عشر، ص 329—53385).

ومع أن هذه المخطوطة لا تكاد تقدّم شيئًا غير منشور، فقد أفادتني مع ذلك؛ إذ خدمتني في تصحيح نصّ الطبعات في مواضع، وستُتاح لي لاحقًا فرصة التعريف ببعض القراءات الجيدة التي توجد فيها.

I. Rois chrétiens d'après Ibn Khaldûn

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 98

تاريخ ملوك إسبانيا النصارى،

## لابن خلدون.

كرّس المؤرّخ الشهير ابن خلدون، وهو من أسرة إشبيلية عريقة، وكان في سنة 1364 قد أرسله السلطان محمّد الخامس صاحب غرناطة سفيرًا إلى بلاط دون بيدرو القاسي، فصلًا من تاريخه العامّ لملوك شبه الجزيرة النصارى. وليس هذا الفصل خاليًا من العيب: فلم يكن لدى المؤلّف دائمًا من الموادّ ما يكفي، ووقع أحيانًا في أخطاء نسبية وتأريخية وغيرها؛ غير أنّ هذه الأغلاط لا تُدهش في غريب، في رجل من عرق آخر ودين آخر؛ وإنّما الذي يعجبنا هو أنّها ليست أكثر عددًا بما لا يُقاس، ولا يُنكر أنّ هذه القطعة التاريخية، على الجملة، تُشرّف الأدب العربي. ومن المحقّق على الأقلّ أنّ أدب نصارى القرون الوسطى لا يملك ما يستحقّ أن يُوضع في مقارنة معها: فلم يوجد مؤرّخ نصراني قدّم نظرةً بهذا الوضوح وبهذا الضبط لتاريخ أيّة دولة مسلمة كانت.

وفصل ابن خلدون مهمّ على الخصوص لتاريخ القرن العاشر. فما أشدّ إيجاز الحوليات

ص 99

اللاتينية لليون فيما يخصّ هذه الفترة الجديرة بالاهتمام: إذ لم يجد الرهبان ما يسجّلونه سوى هزائم وإهانات من كلّ ضرب، فاختاروا أبسط المواقف، وهو السكوت. وقطع ابن حيّان التي يستشهد بها ابن خلدون تسدّ صمتهم.

ولنشر هذا الفصل 1) اعتمدت على ثلاثة مخطوطات، اثنان منها في المكتبة الإمبراطورية بباريس 2)، والثالث لمكتبة لَيْدن. فالمخطوط A (مخطوطة باريس) هو أحسنها جميعًا؛ والذي أرمز إليه بالحرف B (مخطوطة باريس) أقلّ صحّة. ومخطوط لَيْدن (رقم 1360، ج. IV)، وهو أكثر الثلاثة خطأً، جدير مع ذلك بالتنبّه لأنّه يحوي موضعين لا يوجدان في سائر النسخ، ويستفاد منهما أنّ المؤلّف أخرج طبعتين من هذا الفصل. وهو نفسه يخبرنا 3) أنّ الأولى (التي تعطيها مخطوطات باريس) ظهرت، نحو سنة 1380، في تونس، حيث كان يومئذٍ. وأمّا الثانية (التي بأيدينا هنا) فقد نُشرت بعد ذلك بنحو اثنتي عشرة سنة، نحو سنة 1392. وكان المؤلّف يسكن عندئذٍ القاهرة 4)، والمسافة الشاسعة بين هذه المدينة وإسبانيا تفسّر أخطر الأغلاط التي

1 انظر النصّ في الملحق، الرقم III.

2 تفضّل السيّد ديفريميري فقابلها لي.

3 انظر سيرة ابن خلدون الذاتية (Journ. asiat.، السلسلة الرابعة، ج. III، ص. 303).

4 انظر المرجع نفسه، ص. 337، 338.

ص 100

وقع فيها، حين يروي أنّ خوان الأوّل ملك قشتالة، بعد أن خسر معركة ألخوبارّوتا، هزم البرتغاليين، واستولى على لشبونة، وأجلس شابًّا من الأسرة الملكية على عرش البرتغال. وكانت هذه بلا ريب خبرًا وَرَدَ إلى القاهرة، لكنّه لم يكن له أيّ أساس.

والحواشي التي أضفتُها إلى ترجمتي لا تكاد تستهدف غير تصحيح أغلاط المؤلّف، وهي في معظمها يسيرة. ولو وسّعت هذه الحواشي أكثر، ولو تركتُ نفسي تناقش فيها مسائل تاريخية وتقارن روايات أخرى برواية ابن خلدون، لكان شرحي، إن صحّ التعبير، قد خنق النصّ. وهذا ما كان يجب اجتنابه، وقد امتنعت عنه بطيب خاطر أشدّ لأنّ معظم ملاحظاتي ستجد لاحقًا موضعًا أليق بها.

«تاريخ بني ألفونسو من جليقية، ملوك إسبانيا بعد القوط، في زمن السيادة الإسلامية. أخبار عن جيرانهم: الفرنجة والبشكنس والبرتغاليين.

«يوجد اليوم أربعة ملوك نصارى، يحكمون أربعة بلدان تحيط بالبلاد الإسلامية. وبيّن أنّه على المدى الطويل لن يستطيع إخواننا في الدين، الذين لم يعودوا يملكون الأقاليم التي كان آباؤهم قد فتحوها، أن يبقوا

ص 101

معهم في الجانب الآخر من البحر. وأقوى هؤلاء الملوك الأربعة هو ملك قشتالة. ومملكته واسعة جدًّا، فهي تشمل جميع أقاليم جليقية، أعني قشتالة، وجليقية بالمعنى الأخصّ، والثغر (أي سهل قرطبة 1))، وإشبيلية، وطليطلة، وجيّان، وتضمّ تقريبًا كلّ شمال شبه الجزيرة من الغرب إلى الشرق. وفي الغرب تجاور هذه المملكة مملكة ملك البرتغال، وهي صغيرة؛ إنّها لشبونة مع إقليمها. ولست أدري إلى أيّ أسرة ينتسب هذا الملك [ملك البرتغال]؛ لكنّي أظنّ أنّه ينحدر من أحد الكونتات الذين استولوا قديمًا على أقاليم بني ألفونسو، كما سنرويه فيما بعد؛ وربّما كان أيضًا من أسرة بني ألفونسو؛ ولست على شيء من ذلك بيقين 2). وإلى الشرق من مملكة قشتالة تقع مملكة نَبَرَّة، أي مملكة البشكنس. وهذه الدولة الصغيرة، التي عاصمتها بنبلونة، تفصل أقاليم ملك قشتالة عن أقاليم ملك برشلونة. وهذا الأخير يحكم الأقاليم الشرقية من شبه الجزيرة، من نواحي المرية إلى ما وراء برشلونة.

1 «الثغر هو السهل الممتدّ من قرطبة وإشبيلية إلى جيّان.» سيرة ابن خلدون الذاتية، ص. 16.

2 كان ملوك البرتغال ينحدرون من هنري البرغوني. فلمّا دخل في خدمة ملوك قشتالة ونال انتصارات عظيمة على المسلمين، جُوزي هذا المغامر بيد ابنة ألفونسو السادس الطبيعية، وبكونتية كبرت فصارت مملكة.

ص 102

«وسندخل الآن في بعض التفصيل عن تاريخ هذه الشعوب منذ زمن الفتح.

«ولمّا هزم المسلمون النصارى، في سنة 90 للهجرة، وقتلوا لذريق ملك القوط، انتشروا في جميع أقاليم إسبانيا، بينما كان النصارى، فارّين أمامهم، يعبرون مضايق قشتالة وينسحبون نحو ساحل الشمال. فلمّا اجتمعوا في جليقية، نادوا بلايو ابن فافيلا ملكًا. فملك هذا تسعة عشر عامًا ومات سنة 133 (9 آب/أغسطس 750 — 30 تمّوز/يوليو 751). وخلفه ابنه فافيلا، فملك سنتين. وبعد موته نادى النصارى ملكًا ألفونسو ابن بيدرو، وذريّته ما تزال تحكم إلى اليوم. وهؤلاء الملوك من أسرة جليقية؛ وابن حيّان يزعم، حقًّا، أنّهم ينحدرون من القوط؛ لكنّ هذا الرأي عندي خاطئ؛ فقد كانت هذه الأمّة قد فقدت السلطان، وقلّما تبلغ أمّة فقدته أن تستعيده. وكانت هذه أسرة جديدة تحكم شعبًا جديدًا؛ والله وحده أعلم بالحقّ 1).

«وجمع هذا ألفونسو، ابن بيدرو، النصارى

1 وقد خُدع ابن خلدون هنا بروحه الفلسفية. فابن حيّان على صواب، لأنّ سباستيان (ف. 13) يؤكّد كذلك أنّ ألفونسو الأوّل، ابن بيدرو دوق كنتبرية، وصهر بلايو، كان ينحدر من ريكّارد، أوّل ملك كاثوليكي بين القوط الغربيين.

ص 103

وحرّضهم على الدفاع عن البلاد التي لم يكن المسلمون قد انتزعوها منهم بعد. وكان هؤلاء قد تقدّموا حتى جليقية؛ لكنّهم لم يقدروا على متابعة فتوحهم، وبينما كانت قوّتهم تضعف أكثر فأكثر، استعاد النصارى جزءًا كبيرًا ممّا كانوا قد فقدوه.

«ولمّا مات ألفونسو ابن بيدرو سنة 142 (4 أيّار/مايو 759 — 22 نيسان/أبريل 760)، بعد حكم ثمانية عشر عامًا، خلفه ابنه فرويلا. فملك هذا أحد عشر عامًا، كان سلطانه في أثنائها يزداد دائمًا، فقد كان ذلك بالضبط الزمن الذي شغل فيه عبد الرحمن الأوّل بتأسيس أسرته الجديدة. واستطاع فرويلا إذن أن يستردّ لوغو وبورتو وسمّورة وسلمنقة وشقوبية وقشتالة، التي كان المسلمون قد احتلّوها زمن الفتح 1).

«ولمّا مات فرويلا سنة 152 (14 كانون الثاني/يناير 769 — 4 كانون الثاني/يناير 770)، ملك ابنه 2) أوريليو ستّ سنين ومات سنة 158 (11 تشرين الثاني/نوفمبر 774 — 31 تشرين الأوّل/أكتوبر 775). ثمّ ملك سيلون، ابنه 3)، عشر سنين ومات سنة 168 (24 تمّوز/يوليو 784 — 14 تمّوز/يوليو 785). وفي

1 ولم يقع اتّساع مملكة أشتوريس في عهد فرويلا الأوّل، بل في عهد سلفه ألفونسو الأوّل.

2 وبحسب سباستيان (ف. 17)، لم يكن أوريليو ابن فرويلا الأوّل، بل ابن عمّه الشقيق.

3 وبلغ سيلون، الذي لم يكن ابن أوريليو، الكرامة الملكية بزواجه بابنة ألفونسو الأوّل.

ص 104

وقع فيها، حين يروي أنّ خوان الأوّل ملك قشتالة، بعد أن خسر معركة ألخوبارّوتا، هزم البرتغاليين، واستولى على لشبونة، وأجلس شابًّا من الأسرة الملكية على عرش البرتغال. وكانت هذه بلا ريب خبرًا وَرَدَ إلى القاهرة، لكنّه لم يكن له أيّ أساس.

والحواشي التي أضفتُها إلى ترجمتي لا تكاد تستهدف غير تصحيح أغلاط المؤلّف، وهي في معظمها يسيرة. ولو وسّعت هذه الحواشي أكثر، ولو تركتُ نفسي تناقش فيها مسائل تاريخية وتقارن روايات أخرى برواية ابن خلدون، لكان شرحي، إن صحّ التعبير، قد خنق النصّ. وهذا ما كان يجب اجتنابه، وقد امتنعت عنه بطيب خاطر أشدّ لأنّ معظم ملاحظاتي ستجد لاحقًا موضعًا أليق بها.

«تاريخ بني ألفونسو من جليقية، ملوك إسبانيا بعد القوط، في زمن السيادة الإسلامية. أخبار عن جيرانهم: الفرنجة والبشكنس والبرتغاليين.

«يوجد اليوم أربعة ملوك نصارى، يحكمون أربعة بلدان تحيط بالبلاد الإسلامية. وبيّن أنّه على المدى الطويل لن يستطيع إخواننا في الدين، الذين لم يعودوا يملكون الأقاليم التي كان آباؤهم قد فتحوها، أن يبقوا

ص 105

معهم في الجانب الآخر من البحر. وأقوى هؤلاء الملوك الأربعة هو ملك قشتالة. ومملكته واسعة جدًّا، فهي تشمل جميع أقاليم جليقية، أعني قشتالة، وجليقية بالمعنى الأخصّ، والثغر (أي سهل قرطبة 1))، وإشبيلية، وطليطلة، وجيّان، وتضمّ تقريبًا كلّ شمال شبه الجزيرة من الغرب إلى الشرق. وفي الغرب تجاور هذه المملكة مملكة ملك البرتغال، وهي صغيرة؛ إنّها لشبونة مع إقليمها. ولست أدري إلى أيّ أسرة ينتسب هذا الملك [ملك البرتغال]؛ لكنّي أظنّ أنّه ينحدر من أحد الكونتات الذين استولوا قديمًا على أقاليم بني ألفونسو، كما سنرويه فيما بعد؛ وربّما كان أيضًا من أسرة بني ألفونسو؛ ولست على شيء من ذلك بيقين 2). وإلى الشرق من مملكة قشتالة تقع مملكة نَبَرَّة، أي مملكة البشكنس. وهذه الدولة الصغيرة، التي عاصمتها بنبلونة، تفصل أقاليم ملك قشتالة عن أقاليم ملك برشلونة. وهذا الأخير يحكم الأقاليم الشرقية من شبه الجزيرة، من نواحي المرية إلى ما وراء برشلونة.

1 «الثغر هو السهل الممتدّ من قرطبة وإشبيلية إلى جيّان.» سيرة ابن خلدون الذاتية، ص. 16.

2 كان ملوك البرتغال ينحدرون من هنري البرغوني. فلمّا دخل في خدمة ملوك قشتالة ونال انتصارات عظيمة على المسلمين، جُوزي هذا المغامر بيد ابنة ألفونسو السادس الطبيعية، وبكونتية كبرت فصارت مملكة.

ص 106

موضعه انتُخب ألفونسو، الذي خلعه وقتله 1) ماوريقات، فملك سبع سنين.

«ثمّ أرسل عبد الرحمن 2)، وقد عظمت قوّته، جيوشه إلى جليقية، فأحرزت انتصارات وأصابت غنيمة وأسرى.»

ولكي يتيسّر مقارنة تأريخ أوائل ملوك أشتوريس، كما يورده ابن خلدون، بالتأريخ الذي يورده سباستيان وChronicon Albeldense، سأضع الحسابين أحدهما إلى جانب الآخر:

الحوليات اللاتينية. ابن خلدون. بلايو 718—737 731(2)—750(1) فافيلا 737—739 750(1)—752(3) ألفونسو الأوّل 739—757 752(3)—759(60) فرويلا 757—768 759(60)—769 أوريليو 768—774 769—774(5) سيلون 774—785 774(5)—784(5) ماوريقات 783—789 784(5)—791(2)

وقد هاجم تأريخ الحوليات اللاتينية عدّة علماء إسبان، من أمثال بيثير، ومركيز موندخار، ونوغيرا، ومازديو، والذين

1 وهذا خطأ: فقد عاش ألفونسو الثاني ثلاثة وخمسين عامًا بعد ماوريقات.

2 وبدل أن يسمّي عبد الرحمن، الذي مات قبل ماوريقات، كان ينبغي لابن خلدون أن يسمّي هشامًا الأوّل.

ص 107

يزعمون أنّ ثورة بلايو وقعت، لا في سنة 718، كما تقول الحوليات اللاتينية، بل في سنة 754 أو في السنة التالية. ولم يُستقبل رأيهم بالقبول، والحجج التي يستندون إليها واهية جدًّا في الحقيقة، حتّى سَهُل دحضها دحضًا حاسمًا، كما فعل ريسكو، في المجلّد السابع والثلاثين من España sagrada، والسيّد دي غوبانتيس، في المجلّد الثامن من Memorias de la Real Academia de la Historia. غير أنّي لا أودّ الدفاع عن تأريخ الحوليات اللاتينية، فإنّه بحسب شهادة الرازي وابن حيّان 1)، التي أُوليها أهمّية كبيرة، لم تقع ثورة بلايو إلّا في ولاية عنبسة بن سُحيم، أي بين سنتي 721 و725.

وأمّا تأريخ ابن خلدون، فهو يناقض نفسه، إذ يعطي ألفونسو الأوّل حكمًا من ثمانية عشر عامًا (وهذا يوافق شهادة الحوليات اللاتينية)، ومع ذلك يجعل بدء حكم هذا الأمير في سنة 135 للهجرة وينهيه في سنة 142، وهذا لا يعدو سبع سنين. ومن جهة أخرى، يبدو من المحقّق أنّ ثورة بلايو وقعت، لا في سنة 751 كما يزعم ابن خلدون، بل قبل ذلك بأعوام عدّة. ومن العسير جدًّا، إن لم نقل من المستحيل، أن تُحلّ صعوبات من هذا النوع. فالخيط الهادي

1 Apud Maccari ، ج. II، ص. 9 و671.

ص 108

للخروج من هذا التيه ينقصنا.

«وملك ألفونسو آخر 1) اثنين وخمسين عامًا، ولمّا مات سنة 227 (21 تشرين الأوّل/أكتوبر 841 — 10 تشرين الأوّل/أكتوبر 842)، خلفه ابنه 2) رميرو (الأوّل). وشغل العرش على التعاقب ذرّية هذا الأخير حتى زمن رميرو (الثاني)، ابن أردونيو (الثاني)، آخر ملك حكم جميع نصارى هذا البلد. وهذا ما يقوله ابن حيّان: ارتقى رميرو العرش حين صار أخوه ألفونسو (الرابع)، الذي ملك قبله، راهبًا، سنة 319 (931)، في زمن الناصر (عبد الرحمن الثالث). وهذا الأخير أحرز بسهولة انتصارات على رميرو؛ لكنّ المسلمين مُنوا أخيرًا بهزيمة كبيرة في سنة الخندق، أي في سنة 327 (939). ووقعت هذه المعركة في الخندق قرب مدينة سيمانقاس، كما رويناه في تاريخ الناصر.

«ومات رميرو سنة 339 (20 حزيران/يونيو 950 — 8 حزيران/يونيو 951). وخلفه أخوه سانشو 3)، وكان مغرورًا ومتكبّرًا ومحبًّا للحرب. وضعف سلطانه أكثر فأكثر، وكذلك سلطان أفراد أسرته؛ وثار كونتات مملكته عليه، وفيما بعد لم يعد بنو ألفونسو

1 وهو عينه ألفونسو الذي تكلّم عنه ابن خلدون من قبل، أعني ألفونسو الثاني الملقّب بالعفيف.

2 وكان رميرو الأوّل ابن برمودو الأوّل.

3 ولم يكن سانشو الأوّل أخا رميرو الثاني، بل ابنه الثاني. وقد خلف أخاه الأكبر أردونيو الثالث.

I. Rois chrétiens d'après Ibn Khaldûn

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 109

105

...لا يغلبون الجليقيين وحدهم، إلا بعد زمن الدويلات الصغرى، كما سنقول لاحقًا. وبحسب ابن حيّان، كُسرت شوكتهم أساسًا على يد فرديناند غونثالث، كونت ألافا وقشتالة، أعظم الكونتات، أي الولاة الإقليميين الذين يعيّنهم الملك. وثار هذا الفرديناند على سانشو ونادى ملكًا بابن عمّه الشقيق، وهو أردونيو (الرابع)، ابن ألفونسو (الرابع)، وباسمه استولى على السلطة. وتخلّى المسيحيون عن سانشو، فناصروا فرديناند، وأمدّهم ملك الباسك 1). وقدم سانشو إلى قرطبة عند الناصر يطلب منه النجدة، فلمّا حصل عليها استولى على سمّورة وأسكن في هذه المدينة أعوانه المسلمين. واستمرّت الحرب بين سانشو وفرديناند حتى أُسر هذا الأخير في معركة على يد ملك الباسك؛ فملَك أردونيو، ابن ألفونسو، وحده. وفي هذه الأثناء كان الحكم المستنصر قد ارتقى العرش. فعقد هذا صلحًا مع ملك الباسك، على شرط أن يسلّمه أسيره فرديناند غونثالث، كونت ألافا وقشتالة؛ لكنّ ملك الباسك أبى أن ينفّذ هذا البند من المعاهدة وأطلق سراح فرديناند.

1 هذا خطأ. فإنّ ملك نافار، غارسيا، خال سانشو من جهة الأمّ، انحاز إلى جانب هذا الأخير.

ص 110

106

«وفي سنة 51 (962) قدم أردونيو، ابن ألفونسو، منافس سانشو، إلى المستنصر يطلب منه النجدة، فأعطاه حينئذٍ جندًا بقيادة مولاه غالب.

«ومات سانشو، من آل بني ألفونسو، في بطليوس 1)، وخلفه ابنه رميرو (الثالث). وخلف فرديناند غونثالث، كونت ألافا، ابنُه غارسيا.

«ولقي رميرو (الثاني) المسلمين على الثغر وهم يُغيرون، فهزمهم. وأصاب المسلمين هزائم أخرى جسيمة بعد وفاة الحكم المستنصر، إلى أن آتاهم الله المنصور بن أبي عامر، حاجب هشام بن الحكم. وأغار المنصور مرّات على مملكة رميرو، وحاصره أولًا في سمّورة، ثم في ليون، بعد أن قاتل غارسيا ابن فرديناند، سيّد ألافا، وحليفه ملك الباسك فهزمهما. ثم تحالف هذان الأميران مع رميرو، وساروا جميعًا على المنصور. ووقعت المعركة قرب سيمانقاس. فهزّم المنصور المسيحيين، واستولى على سيمانقاس وخرّب هذه المدينة.

«ولمّا سئم الجليقيون رميرو الذي بدا أنّ سوء الطالع يلازمه أبدًا، ثار عليه ابن عمّه الشقيق

1 ابن خلدون يخطئ هنا؛ قارن سامپيرو، ف 27.

ص 111

107

1 برمودو (الثاني)، ابن أردونيو (الثالث). فاندلعت الحرب الأهلية بين المسيحيين. وفي سنة 74 (4 حزيران/يونيو 984 — 25 أيار/مايو 985)، عاد رميرو فاعترف بسيادة المنصور، ولمّا مات بعد حينٍ، اعترفت بها أمّه أيضًا؛ لكنّ الجليقيين عزموا على أن يعرضوا التاج على برمودو، ابن أردونيو، فأعطاه المنصور، بشروط قبلها برمودو، سمّورة وليون والأرض الواقعة بين هاتين المدينتين والبحر. لكنّ برمودو ثار بعد ذلك، ساخطًا مغتاظًا من العنف الذي كان المنصور يرتكبه في بلاد الجليقيين ومن الاحتقار الذي أبداه لهم. فسار المنصور عليه في سنة 78 (21 نيسان/أبريل 988 — 10 نيسان/أبريل 989). وبعد أن أخذ ليون، جاء فحاصر برمودو في سمّو-

1 بدل «ابن عمّه الشقيق» تورد المخطوطات «عمّه». وأرى مع أكثر المؤرّخين أنّ برمودو الثاني كان ابن أردونيو الثاني، فهو إذن ابن أخي سانشو السمين وابن عمّ رميرو الثالث الشقيق. وقد أراد بعض الكتّاب أن ينسبوه إلى أصل آخر، فتابعوا راهب سيلوس الذي يسمّيه (ف 73) ابن أردونيو ابن فرويلا الثاني؛ لكنّهم لم ينتبهوا إلى أنّهم يخالفون شهادة برمودو نفسه، إذ يسمّي هذا الأمير في وثيقة نشرها ييپس (ج 5، وثيقة 17) تيريسا وإلبيرة، زوجة سانشو السمين وأخته، عمّتين (amita، لا amica كما طبع ييپس). ويسمّي ابنه ألفونسو الخامس هاتين الأميرتين أيضًا عمّتيه (عمّتيه الكبيرتين)؛ انظر Esp. sagr.، ج 36، وثيقة 2. ثمّ إنّ أردونيو ابن فرويلا الثاني لم يملك، وأمّا أبو برمودو الثاني فقد ملك فعلًا، إذ تمنحه الوثائق لقب الملك.

ص 112

108

رة؛ لكنّ برمودو فرّ من هذه المدينة فسلّمها سكّانها إلى المنصور، فتركها هذا لغضب جنوده. ومنذئذٍ كان ملك الجليقيين، الذي لم يبقَ له سوى بعض القلاع في جبال الساحل، يعترف تارةً بسلطة المسلمين ويثور عليها تارةً، بينما كان المنصور يُغير مرّات كثيرة على بلاده. وفي الآخر خضع برمودو، وسحب حمايته عن القرشي الذي كان قد ثار على الحاجب 1)، وسلّمه إليه في سنة 85 (995). فرض المنصور عليه جزيةً، وأسكن في سنة 89 (999) سكّانًا مسلمين في سمّورة، وأسند قيادة هذه المدينة إلى أبي الأحوص معن بن عبد العزيز التجيبي.

«ثمّ 2) سار على غارسيا ابن فرديناند، سيّد ألافا، الذي كان عادةً يؤوي من ثاروا على المنصور. وكان من بينهم ابن هذا الأخير نفسه.

«وحاصر المنصور أستورقة 3)، عاصمة جليقية، وأخذها وخرّبها.

1 هذا القرشي هو الأمير عبد الله الملقّب بالحجر اليابس.

2 هذه الكلمة في غير موضعها هنا. فإنّ الحرب على غارسيا فرنانديث وقعت سنة 989 وفي السنة التالية.

3 تسمّي المخطوطات هنا لشبونة. والحقّ أنّ أردونيو الثالث كان قد أخذ هذه المدينة قبل نصف قرن؛ لكنّ هذا الملك اقتصر على نهبها، ولم تبقَ في يد أهل ليون (انظر سامپيرو، ف 25). وفي عهد المنصور ظلّت

ص 113

109

«ولمّا مات غارسيا خلفه ابنه سانشو.

«وفرض المنصور جزيةً على الجليقيين، واعترف جميع المسيحيين بسلطته، حتى بدا أمراؤهم كأنّهم ولاة يعيّنهم هو، ما عدا برمودو ابن أردونيو ومنندو غونثالث كونت جليقية، فهذان كانا أكثر استقلالًا من غيرهم؛ غير أنّ برمودو أرسل في سنة 83 (993) ابنته إلى المنصور، فاتّخذها جاريةً، ثمّ أعتقها بعد ذلك وتزوّجها.

«ولمّا ثار برمودو من جديد، تقدّم المنصور حتى سانتياغو، قرب ساحل جليقية. وهي مزار للمسيحية، وفيها قبر الرسول القدّيس يعقوب. فخرّب المنصور المدينة التي وجدها مهجورة، ونقل أبوابها إلى قرطبة فوضعها في سقف المسجد الذي كان يوسّعه في ذلك الوقت. ثمّ إنّ برمودو ابن أردونيو ابـ

تابعةً للمسلمين دائمًا، بل كانت بعيدةً عن الثغر، إذ كان المنصور قد أخذ قُلُمْرِية منذ سنة 987. ثمّ إنّ لقب عاصمة جليقية لا يناسب لشبونة البتّة: فلم يكن العرب يطلقون اسم جليقية على البلاد التي تقع فيها. فلا يمكن إذن أن يكون المقصود هنا لشبونة، وأرى أنّ ابن خلدون أساء قراءة المخطوط الذي اعتمد عليه. وفي الخطّ العربي لا يختلف Xigaûl (لشبونة) كثيرًا عن (أستورقة)، ولا ريب أنّ المدينة الأخيرة هي التي أراد المؤلّف الذي نسخ عنه ابن خلدون أن يذكرها. ويشهد المؤرّخون اللاتين بأنّ المنصور أخذها، وبعد أن خُرّبت ليون من أساسها صارت أستورقة فعلًا المدينة الرئيسية في المملكة.

ص 114

110

تهل الصلح وأرسل ابنه بلاجيو 1) إلى معن بن عبد العزيز، والي جليقية، فسار هذا معه إلى قرطبة. ولمّا عُقد الصلح عاد بلاجيو إلى أبيه.

«وحارب المنصور آل غوميث بشدّة. وكان هؤلاء الكونتات يملكون البلاد الممتدّة بين سمّورة وقشتالة، على ثغر جليقية، وكانت عاصمتهم تُدعى Santa-Maria 2). وأخذ المنصور هذه المدينة سنة 85 (995).

«وبعد وفاة برمودو ابن أردونيو، من آل بني ألفونسو، ارتقى العرش ابنه ألفونسو (الخامس)، حفيد سيّد ألافا غارسيا فرنانديث 3) من جهة أمّه. ولمّا كان ما يزال طفلًا، صار كونت جليقية منندو غونثالث وصيًّا عليه وملك باسمه؛ لكنّ سانشو ابن غارسيا، خال ألفونسو، نازعه الوصاية، فاختارا حكمًا عبد الملك ابن المنصور، فأمر حينئذٍ قاضي المسيحيين

1 هذا البلاجيو، وهو ابن غير شرعيّ على ما يبدو، يوقّع وثائق في السنوات 998 و999 و1006؛ ويسمّي نفسه فيها «proles Beremundi Regis.» انظر Esp. sagr.، ج 16، وثيقة 11؛ ييپس، ج 5، وثيقة 7 (2)؛ برغانثا، ج 1، ص 304.

2 كانت Santa-Maria الاسم القديم لـ Carrion (انظر ساندوفال، Cinco Reyes، ورقة 12، عمود 2، ورقة 29، عمود 1)، وكانت كاتدرائيتها مكرّسة للعذراء (انظر Lucas de Tuy، ص 98، وRodrigo de Tolède، 6، ف 16).

3 أمّه، واسمها إلبيرة، كانت فعلًا ابنة غارسيا كونت قشتالة، ومن آفا. انظر Risco، Historia de Leon، ج 1، ص 231؛ Esp. sagr.، ج 36، وثيقة 5.

ص 115

111

[بقرطبة]، أصبغ بن... 1)، أن يفصل في هذه القضيّة. فقضى القاضي لصالح منندو غونثالث. فبقي ألفونسو إذن تحت وصاية منندو إلى أن قُتل هذا اغتيالًا، أي إلى سنة 98 (17 أيلول/سبتمبر 1007 — 4 أيلول/سبتمبر 1008). ومنذ ذلك العهد ملك ألفونسو بنفسه. وسعى إلى إخضاع الكونتات الذين كانوا، في عهد أبيه أو قبله، قد نأوا عن السلطة الملكية. فنجح في قصده، وأبدل الكونتات بأشخاص من أنصاره، حتى لم يَعُد يُسمع بعد ذلك ببني غوميث ولا ببني فرديناند، الذين، كما روينا، كانوا قد ثاروا في زمن سانشو ابن رميرو. ثمّ جمع ألفونسو المسيحيين، وسار يصحبه حليفه ملك الباسك لقتال المظفّر ابن المنصور. ووقعت المعركة قرب كلونيا. فهزّم المظفّر الأعداء وصار سيّد كلونيا التي استسلمت.

«وفي أواخر القرن الرابع، لمّا فقد آل المنصور السلطة وأشعل البربر الحرب الأهلية، انتهز سيّد ألافا، سانشو ابن غارسيا، خلاف المسلمين. فأعان فرقةً على أخرى، فنال بعض ما أراد؛ لكنّه في سنة 406 (21 حزيران/يونيو

1 هذا الاسم مشكوك فيه.

ص 116

112

1015 — 9 حزيران/يونيو 1016) 1) قُتل على يد ملك الباسك. غير أنّ المسيحيين استردّوا ما كان المنصور قد انتزعه منهم في قشتالة وجليقية.

«وظلّ ألفونسو وذريّته يملكون جليقية في عهد ملوك الدويلات الصغرى وبعد ذلك الزمن، حين غلب المرابطون، أي ملوك موريتانيا من قبيلة لمتونة، ملوك الدويلات الصغرى وخلعوهم، وانقطعت السيادة العربية في إسبانيا انقطاعًا تامًّا. ويُذكر في حوليات لمتونة أنّ ملك قشتالة الذي فرض جزيةً على ملوك الدويلات الصغرى، في سنة أربعمائة وخمسين ونيّف، كان يُدعى Alvitus 2). ويبدو أنّ هذا كان قد ثار على سانشو 3)، ابن أباركا، من آل بني ألفونسو 4)،

1 بحسب شاهدة قبره (apud برغانثا، ج 1، ص 310)، مات سانشو في 5 شباط/فبراير 1017. وتعطي ثلاث حوليات صغيرة (في Esp. sagr.، ج 23، ص 309، 320، 385) التاريخ نفسه.

2 هذا الاسم محرّف في المخطوطات، إذ تمنحه نهايةً بـ in. وكثيرًا ما يرتكب المؤلّفون أو النسّاخ العرب هذا الخطأ حين يكتبون اسمًا لاتينيًّا منتهيًا بـ us؛ فالمقّري مثلًا يكتب (ج 1، ص 237) Romanin بدل Romanus. على أنّ Alvitus المذكور في النصّ لم يكن ملك قشتالة، كما افترض ابن خلدون ومؤلّف كتاب الاستيفاء (في Script. Arab. loci de Abbad. لي، ج 2، ص 14)؛ بل كان أسقف ليون الذي رأس السفارة التي بعث بها فرديناند الأول إلى إشبيلية سنة 1068 (455 هـ)، وسأورد تفاصيلها في موضع آخر.

3 هذه التخمينة تعسة.

4 ابن خلدون يخطئ: فالملك الذي يتحدّث عنه هنا، سانشو الكبير ملك نافار، لم يكن من بيت ليون.

ص 117

115

الذي كان يملك في ذلك العهد ويُذكر كثيرًا في حوليات المسيحيين، حيث يُقرأ أيضًا أنّه بعد موته قسّم أبناؤه الثلاثة، فرديناند وغارسيا ورميرو، مملكته بينهم. ولمّا ملك فرديناند وحده استولى على قُلُمْرِية وعلى عدّة أعمال لابن الأفطس. وترك عند موته ثلاثة أبناء، سانشو وغارسيا وألفونسو، فتنازعوا العرش. وبقي ألفونسو (السادس) سيّد الموقف. وفي عهده، في سنة 467 (27 آب/أغسطس 1074 — 15 آب/أغسطس 1075)، مات طاهر إسماعيل بن ذي النون 1). واستولى ألفونسو على طليطلة سنة 78 (1085)، فصارت هذه المدينة حينئذٍ مركز سيادة مسيحيي إسبانيا. وكان ألفونسو، الذي يُعدّ ألفار فانث من عظمائه وكونتاته، يحمل لقب Imperator، ومعناه ملك الملوك؛ وحارب سنة 81 (1088) يوسف بن تاشفين في الزلّاقة، فهُزم. وحاصر أيضًا ابن هود في سرقسطة. وجاء ابن عمّه الشقيق رميرو، الذي ينازعه العرش، فحاصر طليطلة، فلم يستطع أخذها. وحاصر ألفونسو بلنسية؛ وحوصرت المرية على يد غارسيا، ومرسية على يد ألفار فانث، وشاطبة وسرقسطة على يد الكمبيادور، الذي استولى على بلنسية سنة 689 (1096) 2)؛ لكنّ هذه المدينة انتُزعت منه على يد

1 بدل أن يسمّي هذا الأمير كان ينبغي لابن خلدون أن يسمّي ابنه، المأمون يحيى، الذي مات في حزيران/يونيو 1075.

2 اقرأ: سنة 487 (1094).

ص 118

114

المرابطين 1)، بعد أن خلعوا ملوك الدويلات الصغرى.

«ولمّا مات ألفونسو سنة 501 (22 آب/أغسطس 1107 — 10 آب/أغسطس 1108) 2)، ملكت ابنته على الجليقيين. وتزوّجت ابن رميرو 3)، لكنّها طلّقت منه، فتزوّجت ثانيةً أحد كونتاتها، فولدت منه ابنًا كان يُدعى عادةً الملك الصغير 4).

«وفي سنة 505 (31 تمّوز/يوليو 1109 — 19 تمّوز/يوليو 1110) خاض ابن رميرو على ابن هود 5) معركةً مشهورة فقد فيها هذا الأخير حياته. ولمّا استولى ابن رميرو على سرقسطة، لجأ عماد الدولة 6) وابنه إلى رويدا. و[أي الابن

1 لم يأخذ المرابطون بلنسية إلا بعد ثلاث سنوات من موت الكمبيادور، أي سنة 1102.

2 مات ألفونسو السادس سنة 1109.

3 أي ألفونسو الأول، ملك أراغون وحفيد رميرو الأول.

4 هذا الخبر، الذي استقاه ابن خلدون من كتاب الاستيفاء، ليس دقيقًا كلّ الدقّة. فقد تزوّجت أوراكا ثلاث مرّات، أولًا بريمون البورغوندي، ثمّ بألفونسو الأول (الذي طلّقت منه)، وأخيرًا بالكونت پيدرو غونثالث دي لارا (وكان هذا الزواج الأخير سرّيًّا). ومن زوجها الأول وُلد لها ألفونسو، السابع من اسمه. وقد ظلّ هذا الأمير، وقد رُفع إلى العرش وهو طفل بعد، يُلقّب طويلًا بالملك الصغير. والعرب يسمّونه دائمًا السُّلَيطين، السلطان الصغير، ويقول أوردرك فيتال، الذي كتب سنة 1141: Puerum Hildefonsum regem sibi statuerunt, et huc usque parvum regem vocitantes, libertatem regni sub eo viriliter defendunt.

5 أحمد المستعين.

6 ابن أحمد المستعين؛ لكنّ هذا الأمير كان قد غادر سرقسطة سنة 1110، قبل ثماني سنوات من استيلاء ألفونسو الأول على هذه المدينة. انظر ابن الأبّار، في Notices لي، ص 225.

I. Rois chrétiens d'après Ibn Khaldûn

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 119

115

عماد الدولة، سيف الدولة أحمد] بقي في هذه المدينة حتى عهد أجبره فيه الملك الصغير على التسليم، ثم نقله إلى قشتالة.

«نشبت بين ابن رميرو والقشتاليين حرب قُتل فيها ألفار فانييث، سنة 507 (18 حزيران 1113 — 6 حزيران 1114). وكانت سيطرة لمتونة أو المرابطين تدنو آنذاك من نهايتها؛ فقد خلع الموحدون هذه الأسرة، فانتزعوا منها أولاً المغرب ثم إسبانيا. ويُوجد في تواريخ الموحدين أنه في زمن المنصور يعقوب، ابن أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن، كان ثلاثة ملوك يحكمون النصارى، وهم ألفونسو (الثامن)، والبابوسو 1) وابن هنري 2). وكان ألفونسو، أقواهم

1 ألفونسو التاسع ملك ليون. وEl Baboso يعني اللُّعابي، أي اللعابي كما يقول عبد الواحد (ص 235)؛ لكن هذا اللقب في العصور الوسطى، كما لوحظ من قبل في الطبعة الجديدة من دو كانج (المجلد الأول، ص 629)، كان له معنى أشد إهانة بكثير مما له اليوم: فقد كان مرادفًا للمجنون، لأن المجانين يكثرون اللعاب. وداود، حين أراد أن يتظاهر بالجنون عند الملك أخيش، «كان يسيل ريقه على لحيته»، كما تقول الكتب المقدسة. ويُوجد لفظ bavosus كثيرًا بمعنى مجنون. وهكذا (وأورد هذا المثال لأنه لا يوجد عند دو كانج)، حين كان الرهبان يطوفون بالبابا إسكندر الثاني مظفَّرين، صاح شعب رومة، وكان يبغضه: Vade leprose, exi bavose, discede perose. ويخبرنا الأسقف بنزو بهذا الأمر (الكتاب الثاني، الفصل 2)، وقد لاحظ ناشره بحق أن bavosus تعني stultus.

فكان الإسبان إذن يلقّبون ألفونسو التاسع بالمجنون؛ ولا نعلم ذلك إلا من المؤلفين العرب، وعمومًا فإن الألقاب التي كانت تُطلق على الملوك النصارى لا تُعرف لنا إلا

ص 120

116

أمرًا فيهم، يقود النصارى في معركة الأرك التي وقعت سنة 591 (1195). وفي تلك المعركة هزمه المنصور. وأما البابوسو، ملك ليون، فهو الذي خدع الناصر في سنة معركة العقاب (لاس ناڤاس). فقد قصد إليه وكسب ثقته بأن ادّعى صداقته؛ لكنه بعد أن قبض مالًا كثيرًا خانه وتسبب في الهزيمة 1).

«ولما خلف المستنصر أباه الناصر وضعف سلطان بني عبد المؤمن، استرد ألفونسو جميع الحصون التي كان المسلمون قد احتلوها في إسبانيا.

عنهم؛ أما المؤرخون اللاتين فلا يذكرونها، إما لأنهم كانوا يراعون كثيرًا من التحفظ، وإما لأنهم كانوا يتحرجون من الإخلال بوقار التاريخ. فهل كان ألفونسو يستحق أن يُدعى كذلك؟ وهل كان عقله مختلًّا حقًّا؟ إن المؤرخ اللاتيني لتلك الحقبة، لوقا التودي، يتحاشى أن يقول ذلك: إذ كان يكتب في عهد ابن اللُّعابي، فلم يكن يستطيع أن يفصح في هذا الشأن. لكنه بما لا يقوله يدع الأمر يُلمَح (انظر ص 109). فهو يصوّر ألفونسو رجلًا كانت حركاته، حين يكون على فرسه لابسًا درعه، تعبّر عن الضراوة أكثر مما تعبّر عن الشجاعة. سريع الغضب — «وحينئذ كان صوته يشبه زئير الأسد» — ثم يهدأ في اللحظة التالية فيعود أرقّ الناس. هذا كل ما كان لوقا يستطيع أن يقوله من غير أن يُخلّ باللياقة؛ لكن مثل هذا الكلام في فمه ذو دلالة كافية.

2 كان العرب يطلقون هذا الاسم على جميع ملوك البرتغال، لأنهم ينحدرون من هنري البورغندي.

1 في تاريخ البربر له (المجلد الثاني، ص 226 من الترجمة) يورد ابن خلدون أيضًا هذا الخبر، الذي لا يشير إليه المؤلفون النصارى.

ص 121

117

«وخلف ألفونسو ابنه فرناندو [القديس فرناندو] 1)، الملقَّب بالأحول، فانتزع قرطبة وإشبيلية من المسلمين. وفي نحو ذلك العهد استرد ملك أراغون في الشرق شاطبة ودانية وبلنسية وسرقسطة، وباختصار جميع حصون الشرق. فتراجع المسلمون حينئذ نحو الساحل ونصّبوا عليهم ملكًا، أولًا ابن هود، ثم ابن الأحمر.

«وخلف فرناندو ابنه [ألفونسو العاشر]. ثم اعتلى العرش ابن هذا الأخير، فرناندو 2). وفي عهد هذا الأخير وصل بنو مرين إلى إسبانيا أنصارًا لابن الأحمر، وحارب سلطانهم يعقوب بن عبد الحق النصارى، يقودهم الكونت دون نونيو 3)، عند وادي لكة، فهزمهم. وقعت هذه المعركة التي قُتل فيها دون نونيو سنة 673 (7 تموز 1274 — 26 حزيران 1275) 4).

1 يُعرف أن القديس فرناندو لم يكن ابن ألفونسو الثامن، بل ابن ألفونسو الآخر، الذي يدعوه ابن خلدون البابوسو. ويُلاحظ أيضًا أن مؤلفنا أهمل الكلام على عهد هنري الأول.

2 إن فرناندو الذي يتكلم عنه ابن خلدون هنا لم يملك قط: كان الابن الأكبر لألفونسو العاشر، لكنه مات قبل أبيه. ومع ذلك يسهل تفسير خطأ الكاتب العربي: فحول زمن المعركة المذكورة في هذا الموضع كان فرناندو وصيًّا على المملكة، إذ كان أبوه قد ذهب إلى بوكير ليقابل البابا.

3 دون نونيو غونثاليث دي لارا.

4 في تاريخ البربر له (المجلد الرابع، ص 77 وما يليها من الترجمة) يضع ابن خلدون هذه المعركة في سنة 674، وهذا التاريخ يوافق ما يعطيه القرطاس (ص 214): 15 ربيع الأول

ص 122

118

«ولما ملك فرناندو (اقرأ: ألفونسو العاشر) وحده، اضطر إلى حرب متصلة ضد يعقوب بن عبد الحق. غير أن هذا الأخير لم يعد يلقاه في معركة؛ واكتفى بالغارات في بلاد النصارى؛ لكنه أحدث فيها من الخراب ما انتهى بالنصارى إلى طلب الصلح منه. وفيما بعد، لما تمرّد سانشو، ابن فرناندو (اقرأ: ابن ألفونسو العاشر)، ملك قشتالة، على أبيه، جاء هذا الأخير يطلب النجدة من يعقوب بن عبد الحق وقبّل يده. فأجابه يعقوب إلى طلبه، وأعطاه مالًا وجندًا؛ ومن جهته وعد فرناندو (اقرأ: ألفونسو العاشر) أن يردّ إليه هذا المال وترك له رهنًا التاج الشهير الذي كان منذ زمن بعيد من كنوز أسلافه. ومنذئذ بقي هذا التاج في قصر المرينيين أو بني عبد الحق، وهو فيه إلى الآن وأنا أكتب.

«ومات فرناندو (اقرأ: ألفونسو العاشر) سنة 83 (1284)، فجاء ابنه سانشو (الرابع)، الذي خلفه، إلى الجزيرة الخضراء عند يوسف، خليفة أبيه يعقوب، وعقد معه الصلح؛ لكنه عاد بعد ذلك إلى القتال، فحاصر

674، أي 8 أيلول 1275. لكن هنا فرق يوم واحد: فقد وقعت المعركة في اليوم السابق، وكان سبتًا؛ لأن الحوليات الطليطلية الثالثة (Esp. sagr.، المجلد الثاني والعشرون، ص 420) تقول: السبت، في السابع من الإيدوس (هكذا ينبغي أن يُقرأ بدل renas، كما لاحظ فلوريث من قبل) من أيلول 1275.

ص 123

119

طريفة فأخذها. ومات سنة 93 (1294) 1). ومات ابنه وخليفته فرناندو (الرابع) سنة 712 (1312)، تاركًا ابنًا صغيرًا اسمه بيدرو 2)، وكان وصيًّا عليه عمه خوان. وهلك بيدرو وخوان سنة 718 (1318) 3)، حين سارا على غرناطة.

«وسار ألفونسو (الحادي عشر)، ابن بيدرو (اقرأ: ابن فرناندو الرابع)، بعد أن كان تحت وصاية العظماء، سنة 41 (27 حزيران 1340 — 16 حزيران 1341) على أبي الحسن، الذي كان يحاصر طريفة آنذاك. ويعلم الجميع أن المسلمين مُنوا في تلك المناسبة بهزيمة عظيمة.

«ومات ألفونسو سنة 31 (1350) بالطاعون الكبير وهو يحاصر جبل طارق، فخلفه ابنه بيدرو (بيدرو القاسي). وفرّ الكونت 4) من ملاحقة هذا الملك إلى برشلونة، حيث أجاره الملك 5). وزحف بيدرو على هذا الأخير مرات مختلفة وحاصر بلنسية أكثر من مرة؛ لكن الكونت لما انتصر سنة 768 (7 أيلول 1366 — 27 آب 1367) واستولى على قشتالة، انضم إليه النصارى، وقد سئموا حكم بيدرو القاسي

1 مات سانشو الرابع سنة 1295.

2 يخطئ ابن خلدون: فقد خلف فرناندو الرابع ابنُه ألفونسو الحادي عشر؛ وكان دون بيدرو، عم الملك الصغير، وصيًّا عليه مع دون خوان.

3 في حزيران 1319.

4 هنري دي تراستامارا.

5 ملك أراغون.

ص 124

120

الطاغي. فقصد بيدرو عندئذ الفرنجة الذين يسكنون شمال قشتالة، في ألمانيا وبريطانيا (إنكلترا)، على سواحل المحيط وجزره؛ ثم زوّج ابنته لابن ملكهم، أمير ويلز 1)، فعاد مصحوبًا بهذا الأخير وبجنود لا يُحصون. فاستولى بذلك على قشتالة والفرونتيرا؛ لكن عددًا كبيرًا من هؤلاء الغرباء ماتوا بالطاعون، فرجع الباقون إلى بلادهم.

«وظل بيدرو في حرب مع أخيه الكونت حتى هُزم أخيرًا واضطر إلى الالتجاء إلى حصن. فحاصره الكونت فيه، وكان على وشك أخذ الحصن، حين طلب بيدرو سرًّا الملجأ عند سيد 2). فأجابه هذا إلى طلبه؛ لكنه أبلغ الكونت بما وقع، فقتل الكونت أخاه بعد أن صارع معه في خيمة ذلك السيد، وذلك في سنة 772 (26 تموز 1370 — 14 تموز 1371) 3). ومنذئذ ملك الكونت مملكة بني ألفونسو كلها، وأجبر ابن بيدرو، الذي كان بعد موت أبيه قد تحصّن في قرمونة

1 يغلط ابن خلدون هنا: لم يكن الأمير الأسود هو الذي تزوج كونستانس، بنت دون بيدرو ودونّا ماريا دي بادييا، بل أخوه جان دي غان، دوق لانكستر.

2 برتران دو غيكلان.

3 في ليلة 23 آذار 1369.

ص 125

121

مع وزيره مارتين لوبيث، على التسليم إليه.

«وصار الكونت إذن ملك قشتالة؛ لكن أمير ويلز (اقرأ: دوق لانكستر)، ملك الفرنجة، نازعه العرش مدّعيًا أنه لابنه، ذاك الذي رزقه من بنت بيدرو 1). والحق أن العادة عند النصارى تجيز أن يخلف ابن البنت، وفضلًا عن ذلك كان الأمير يحتج بأن الكونت لم يولد من زواج شرعي. ولما طالت الحرب بين هذين المتنافسين وعجز ملك قشتالة عن الاشتغال بالمسلمين، انتهزوا ذلك فكفّوا عن دفع الجزية التي كانوا يدفعونها لأسلافه.

«ومات هذا الكونت سنة 781 (1379)، فخلفه ابنه دون خوان (الأول). وأما ابنه الآخر، غوميث 2)، فالتجأ إلى غرناطة؛ ثم عاد إلى قشتالة؛ [ثم قصد ملك البرتغال 3) وجمع له الجند. وبعد أن حشد الجليقيين سار دون خوان على أخيه وعلى ملك البرتغال؛ لكن البرتغالي هزمه وأُسيء معاملة جيشه إساءة شديدة، وذلك سنة 88 (1386) 4). وفيما بعد عاد غوميث

1 يُعرف أن دوق لانكستر طالب بالتاج لنفسه.

2 لا يتكلم المؤلفون النصارى عن هذا الغوميث.

3 جان الأول، مؤسس أسرة آفيس.

4 وقعت المعركة الشهيرة ألجوباروتا، وهي المقصودة هنا، في 14 آب 1385.

ص 126

122

إلى أخيه وصالحه؛ ثم سار دون خوان على البرتغالي فهزمه واستولى على لشبونة وأجلس على العرش شابًّا من الأسرة المالكة كان هناك 1).

«ومات دون خوان سنة 91 (1389) 2)، فرفع شعبه إلى العرش ابنه بيدرو (اقرأ: هنري الثالث)، ولما كان هذا لا يزال صغيرًا تولّى المركيز 3)، خال جدّه الكونت ابن ألفونسو (الحادي عشر) 4)، تربيته والحكم. وإلى اليوم لا يزال الملك الشاب تحت وصاية المركيز.] 5)

«هذا هو حال الأمور في هذه اللحظة، ولما كان القشتاليون لا يزالون في حرب مع الأمير، ملك الفرنجة 6)، فإنهم يتركون المسلمين وشأنهم. حفظ الله إخواننا بحراسته المقدسة!

1 قارن ما سبق، ص 98.

2 سنة 1390.

3 مركيز فيينا.

4 لم تكن هذه هي القرابة بين مركيز فيينا وهنري الثالث. فهذا الأخير كان ابن ليونور، بنت بيدرو الرابع الأراغوني، ابن ألفونسو الرابع، ابن خايمي الثاني. وكان مركيز فيينا (ألفونسو) ابن الإنفانت بيدرو، وحفيد خايمي الثاني.

5 الفقرة بين معقوفين لا توجد إلا في المخطوط L.، الذي يحتوي الطبعة الثانية.

6 كان هذا صحيحًا حين نشر ابن خلدون الطبعة الأولى من كتابه، لا في الزمن الذي أخرج فيه الثانية؛ ففي أواخر عهد دون خوان الأول، سنة 1388، كان دوق لانكستر قد نزل عن مطالبه بعرش قشتالة.

ص 127

125

«ومملكة البرتغال، في غرب إسبانيا، حول لشبونة، صغيرة. كانت من قبل ولاية من جليقية؛ أما اليوم فملك هذا البلد مستقل. وهو حليف لأسرة بني ألفونسو، لكنني أجهل على أي وجه.

«ومملكة برشلونة، في شرق إسبانيا، واسعة جدًّا، إذ تشمل برشلونة وأراغون وشاطبة وسرقسطة وبلنسية وجزر سردينيا وميورقة ومنورقة. والأسرة الحاكمة من أصل فرنجي. وتاريخ هذه المملكة، على رواية ابن حيّان، هو هذا: إن قوط إسبانيا، بعد أن كانوا تحت سلطان الفرنجة، ثاروا عليهم؛ ومع ذلك بقيت برشلونة تابعة لمملكة الفرنجة 1). ولما أظهر الله الإسلام وبدأ المسلمون فتح إسبانيا، امتنع الفرنجة، غضبًا على القوط، عن نجدتهم. ولما زالت مملكة القوط هاجم المسلمون الفرنجة، فأخرجوهم من برشلونة، واستولوا على هذه المدينة، ثم عبروا المضايق ووصلوا إلى السهول، فأخذوا جرندة وأربونة

1 يُلاحظ أنه في القرن الحادي عشر كانت لا تزال هناك ذكرى ما للعهد الذي انفصلت فيه إسبانيا عن الإمبراطورية الرومانية، وللحروب التي خاضها القوط الغربيون ضد الفرنجة؛ لكن هذه الذكريات، ولا بد من الاعتراف بذلك، كانت شديدة التشوش. على أن من المعلوم أنه في عصر الفتح العربي كانت برشلونة تابعة للقوط.

ص 128

124

وغيرها من المدن. لكن نحو أواخر دولة الأمويين (في المشرق) ومطلع دولة العباسيين حلّ زمن فتور، إذ اندلعت الفتنة بين عرب إسبانيا. فانتهز الفرنجة ذلك فاستردوا البلاد التي كانوا قد فقدوها: فتقدموا حتى برشلونة واستعادوا هذه المدينة، بعد نحو مئتي سنة من الهجرة، ووضعوا عليها حاكمًا. ومنذئذ صارت برشلونة جزءًا من ممالك الملك الفرنجي لرومة، وكان آنذاك كارلو الكبير، وهو فاتح شهير. لكن فيما بعد، لما دبّت الفتنة بين ملوك الفرنجة الضعاف، نازعهم السادة السلطان، على نحو ما كان يفعل السادة المسلمون حين يضعف ملوكهم. فاستأثر الحكام إذن في كل مكان بالسيادة على الولايات الموكولة إلى حراستهم، وفعل حكام برشلونة مثل غيرهم. وكان الأمويون (في إسبانيا)، في مطلع دولتهم، قد اتخذوا قاعدة مداراة هؤلاء الأمراء، خشية أن يضطروا إن هاجموهم إلى قتال ملك رومة أولًا ثم ملك القسطنطينية؛ لكن المنصور بن أبي عامر، بعد أن تيقن أن أهل برشلونة قد انفصلوا انفصالًا تامًّا عن مملكة الفرنجة، هاجمهم بعنف، فنهب بلادهم وخرّبها، وأخذ برشلونة وهدم هذه المدينة، وأذاق أهلها الذل والأحزان. وعومل أمير برشلونة، بوريل بن سونياريو، كما عومل

ص 129

125

سائر أمراء النصارى في ذلك الزمن. وبعد موت بوريل اقتسم أبناؤه الثلاثة، 1* وريموند وإرمينغود، بلاد برشلونة بينهم: ثم،……، لما مات الأكبر، صارت برشلونة لريموند، وصارت لأخيه إرمينغود ثغور البلاد. وهاجم عبد الملك بن المنصور إرمينغود، الذي كان قد ثار عليه، فأُسر عند الثغر بعد أن صالح. ثم شارك في الفتنة التي أثارها البربر، وهلك في المعركة التي وقعت سنة 400 (25 آب 1009 — 14 آب 1010) وهُزم فيها البربر. وبقي ريموند وحده أميرًا لبرشلونة بعد موت أخيه، ومات بعد سنة 410 (9 أيار 1019 — 26 نيسان 1020) 2). وخلفه ابنه برنجير تحت وصاية أمه، التي حاربت يحيى بن منذر 3)، أحد ملوك الطوائف. واستولت أيضًا على ثغر طرطوشة.

«وبقي التاج في بيت ريموند. والذي كان يملك نحو أواخر دولة الموحدين

1 لا يُعرف لبوريل إلا ابنان: ريموند وإرمينغود؛ وفي وصيته لا يسمّي بوريل نفسه سوى هذين. وأجهل الاسم الوارد عند ابن خلدون (Feloppo أو Foloppe أو Foloppo، بحسب المخطوطات). قد يكون هذا الاسم فيليب؛ لكن حركات المخطوطات لا تسمح بنطقه كذلك، وفضلًا عن ذلك لم يكن هذا الاسم شائعًا آنذاك في قطلونية.

2 قارن بوفاروي، Condes de Barcelona، المجلد الأول، ص 214 وما يليها.

3 ملك سرقسطة؛ لكنني أظن أن ابن خلدون كان ينبغي أن يكتب: منذر بن يحيى. وسأعود إلى هذه المسألة في الملحق.

II. Alphonse Ier et Maragatos

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 130

126

كان خايمي، ابن بيدرو، ابن ألفونسو، ابن ريموند. وهو الذي استردّ بلنسية. وأما الذي يملك اليوم فيُدعى بيدرو (الرابع)؛ لكن نسبه مجهول عندي. وقد بدأ ملكه بعد السنة العشرين من هذا القرن 1)، وهو ما زال حيًّا في اللحظة التي أكتب فيها؛ لكنه متقدّم جدًّا في السنّ، فابنه في الحقيقة هو الذي يحكم.

«[مات بيدرو، وقد قارب السبعين، في سنة 789 (1387). واقتسم ابناه، الدوق 2) ومار- تين، ممالك أبيهما بينهما، ونال مارتين سرقسطة 3). وبعد بضع سنين 4)، فتح صقلية بفضل أسطوله، وهذه الجزيرة له اليوم.]»

«الله وارث الأرض ومن عليها: وهو خير الوارثين!»

II.

في أسباب اتساع مملكة أشتوريس في عهد ألفونسو الأول، وفي أصل الماراغاتوس.

حين يُقرأ تاريخ ألبِلدا وتاريخ سبس- تيان، يُرى أن مملكة أشتوريس، وهي 1) 720 — 1320. ارتقى بيدرو الرابع العرش سنة 1336.

2 دون خوان، دوق جيرونة، ثم صار دون خوان الأول.

3) معلوم أن الذي خلف بيدرو الرابع لم يكن مارتين، بل الدوق، أي دون خوان الأول.

4 سنة 1392.

ص 131

127

ما زالت صغيرة جدًّا في عهد بيلايو وفي عهد خليفته فافيلا، اتسعت فجأة، اتساعًا عظيمًا، في عهد ألفونسو الأول. وهذا الملك، إن صدّقنا الحوليات اللاتينية، انتزع من المسلمين جمعًا من المدن، منها ما كان شديد الحصانة، وردّهم إلى ما وراء الدويرو، أو حتى وراء موندِغو والتاجه. فكيف نفسّر هذه الفتوح السريعة جدًّا؟ أكان ألفونسو يدين بها لشجاعته وحدها، ولحسن نجاح سلاحه؟ لا يفسّرها المؤرخون النصارى بغير ذلك؛ لكن لا يُتصوَّر بأي معجزة استطاعت المملكة النصرانية الصغيرة أن تحوز فجأة مثل هذه الغلبة على الإمبراطورية الإسلامية الواسعة القوية. صحيح أنه منذ العصر الذي ارتقى فيه ألفونسو، صهر بيلايو، عرش أشتوريس، كادت قوى النصارى تتضاعف. فقد كان هذا الأمير من قبل دوق قنطبرية، أي البلاد الممتدة على طول الساحل، من الحدود الشرقية لأشتوريس حتى حدود فرنسا 1)، والتي لم يخضعها المسلمون 2). فبعد جلوسه على (عرش أشتوريس) صارت الدولتان المستقلّتان في الشمال أقوى، لأنهما اتحدتا؛ غير أن هذه الحال لا تكفي لتفسير فتوح ألفونسو الكبرى،

1 انظر ريسكو، Esp. sagr.، المجلد XXXII؛ ص 74—80.

2 سبستيان، ف 14، 13؛ Chron. Albeld.، ف 52.

ص 132

128

إذ إن الدولتين النصرانيتين، رغم اتحادهما، ما كانتا بعدُ قادرتين على منازلة الإمبراطورية العربية، التي كانت تضمّ تقريبًا سائر إس- بانيا. وقد بيّنت الحوليات العربية أن الأشتوريين مدينون لاتساع دولتهم المفاجئ بسببين آخرين: بحرب أهلية اندلعت بين المسلمين، وبمصيبة عامة عظيمة، بمجاعة رهيبة.

ولم يكن الفاتحون المستقرون في الولايات المجاورة لأشتوريس عربًا، بل بر- برًا. وفي كل مكان، حتى في (جليقية)، كانت سيادتهم راسخة إلى حدٍّ كافٍ، ولا يبالغ مؤلّف عربي قديم كثيرًا، فيما يبدو، حين يقول إنه، في ولاية عقبة بن الحجّاج (734 - 741)، لم يكن في جليقية قرية واحدة لم تُفتح 1)، فإنه من الثابت أن مدينة بعيدة مثل بريطونيا القديمة، الواقعة بين موندونيّدو والنهر الذي يحمل اسم إيو، دمّرها المسلمون. لكن في عهد ألفونسو تغيّر وجه الأمور كلّه.

ومنذ زمن طويل كان البربر ساخطين جدًّا على العرب. وكانوا يعدّون أنفسهم بحق الفاتحين الحقيقيين للجزيرة. فهم الذين هزموا جيش رودريك، بينما لم يأتِ موسى وعربه إلى البلاد

1 أخبار مجموعة، ورقة 61 و.

2 وثيقة من سنة 830. انظر Esp. sagr.، المجلد XVIII، ص 21.

ص 133

129

إلا حين لم يكد يبقَ شيء غير احتلال بعض المدن المستعدّة كلّها للتسليم عند أول إنذار. ومع ذلك، حين آل الأمر إلى اقتسام ثمار الفتح، خصّ العرب أنفسهم بحصة الأسد: استأثروا بأفضل الغنائم، وبحكم البلاد، وبأخصب الأراضي. واحتفظوا لأنفسهم بالأندلس الجميلة الثرية، وأبعدوا رفاق طارق إلى سهول المنشا وإكسترامادورا القاحلة، وإلى جبال ليون وجليقية وأشتوريس الوعرة، حيث كان لا بدّ من منازلة النصارى غير المُخضَعين من دون انقطاع. وهم أنفسهم قليلو الورع في شأن «لي» و«لك»، أبدَوا صرامة شديدة جدًّا حين تعلّق الأمر بالبربر. فمتى سمح هؤلاء لأنفسهم بفدية نصارى استسلموا بالصلح، كان العرب، بعد أن أذاقوهم السوط والتعذيب، يتركونهم يئنّون، مكبّلين بالحديد وبالكاد مكسوّين بأسماال تزحف عليها الهوامّ، في قعر زنزانات قذرة نتنة 1).

فكان بربر إسبانيا إذن في غاية الغيظ من العرب، حين اندلعت ثورة، سياسية ودينية معًا، بين بربر أفريقيا، الذين كان العرب يضطهدونهم بأقسى وجوه الاضطهاد. وكان لهذه الثورة في إسبانيا

1 انظر إيزيدور، ف 44.

ص 134

130

صدى هائل. فاستقبل بربر هذا البلد بذراعين مفتوحتين دعاة المخالفين، الآتين من أفريقيا ليخطبوهم وليحرّضوهم على حمل السلاح لاستئصال العرب. واندلعت الثورة في جليقية وامتدّت إلى الشمال كلّه، باستثناء كورة سر- قسطة، الوحيدة في ذلك الجزء من البلاد حيث كان العرب أكثرية. ففي كل مكان هُزم العرب وطُردوا. ثم اجتمع بربر جليقية وماردة وقورية وطلبيرة وغير ذلك من المواضع وساروا نحو الجنوب؛ لكنهم، وقد هُزموا بدورهم، صِيدوا كما تُصاد الوحوش. وقد أبادهم السيف من قبل؛ ثم أبادهم المَجاعة أكثر بكثير، إذ منذ سنة 750 أقفرت إسبانيا خمس سنين متوالية 1). فعزم معظمهم حينئذ على ترك إسبانيا والالتحاق بإخوانهم المقيمين في طنجة وأصيلة وغير ذلك من مواضع ساحل أفريقيا. وكان إبحارهم في ولاية شذونة، ولأن السفن المهيّأة لنقلهم كانت في نهر برباط، يسمّي المسلمون هذه السنين الكارثية: سني برباط 2). وانتهز الجليقيون هذه الهجرة فثاروا

1 يتحدّث إيزيدور (ف 76) أيضًا عن هذه المجاعة الكبرى.

2) الترجمة الإسبانية القديمة للرازي (ص 58) تفسّر هذه العبارة على نحو مختلف قليلًا. وقد اتبعتُ أخبار مجموعة وابن عذاري.

ص 135

151

جماعةً على مضطهديهم منذ سنة 751، واعترفوا بألفونسو ملكًا لهم. وبمعونته ذبحوا عددًا كبيرًا من أعدائهم وأجبروا الباقين على الانسحاب إلى أسترقة. وفي البلاد التي كان المسلمون قد خلّوها للتوّ، لم يكد يبقَ أثر لسيادتهم، وبادر السكّان الأصليون، الذين لأسباب مختلفة اعتنقوا الإسلام، لكنهم ما زالوا يتذبذبون في إيمانهم الجديد، إلى العودة إلى حضن الكنيسة فور أن رأوا الصليب ينتصر 1). وفي سنة 753(4) اضطرّ البربر إلى الانسحاب أكثر نحو الجنوب 3). فأخلوا براغة وبورتو وفيزيو، حتى إن الساحل كلّه، حتى ما وراء مصبّ الدويرو، صار حرًّا من النير. وقد ظلّوا يتراجعون ولم يستطيعوا الثبات لا في أسترقة ولا في ليون ولا في سمّورة ولا في لديسمة ولا في سلمنقة، ان- طووا على قورية، أو حتى على ماردة؛ غير أن جماعة منهم بقيت في نواحي ليون ولا سيّما أسترقة. وأبعدَ نحو الشرق تركوا سلدانيا وسيمانقاس وشقوبية وآبلة وأوكا وأُسْمة ومي- راندا على الإبرة وثنيثيرو وأليسانكو (وكلتاهما في الريوخا). فصارت أهمّ المدن الحدودية للبلاد الإسلامية منذئذ، من الغرب إلى الشرق:

ge? & en. 1) ak c° Âsde M vais. أخبار مجموعة، ورقة 75 و.

2) أخبار مجموعة، ورقة 75 و.؛ ابن عذاري، المجلد II، ص 38، 39. 9*

ص 136

132

قلمرية على موندِغو، وقورية وطلبيرة وطليطلة على التاجه، ووادي الحجارة وتُطيلة وبنبلونة. هكذا حُرّر جزء كبير من إس- بانيا من السيادة الإسلامية التي لم تدم فيها غير نحو أربعين سنة. وقد أفضت الحرب الأهلية ومجاعة 750 الرهيبة إلى هذه النتيجة أكثر بكثير ممّا فعل سلاح ألفونسو، ويخطئ المؤرخون النصارى حين ين- سبون إلى هذا الملك فتح المدن التي سمّيناها آنفًا. فحيث لا مقاومة، لا وجه للحديث عن فتح. فقد ترك المسلمون هذه المدن، واستقبل السكّان الأصليون الذين ما زالوا فيها الملك النصراني، شريكهم في الدين والوطن، بذراعين مفتوحتين. ولم يستفد ألفونسو كثيرًا من المزايا التي نالها. فاجتاز البلاد المتروكة وأعمل السيف في المسلمين، القليلين بلا ريب، الذين وجدهم فيها؛ لكنه، بدل أن يستولي عليها، حرمها من سكّانها فساقهم معه حين عاد إلى ممالكه 1). وعلّة هذا التصرّف واضحة للعيان. فلكي تُفلح بلاد بهذا الاتساع كان يلزم عدد كبير من الفلّاحين والأقنان، وبما أن المجاعة حصدت آلاف الرجال في أشتوريس وفي قنطبرية كما في سائر ولايات إسبانيا، كان عظماء الشمال

1 سبستيان، ف 13 في آخره.

ص 137

135

ما حفظوا بالكاد أقنانًا يكفيهم لفلاحة أراضيهم أنفسهم؛ وحتى لو افترضنا أن الأمر كان على خلاف ذلك، لكان لا بدّ بعدُ من تدبير دفاع البلاد بالقلاع، وبما أن المسل- مين، الذين لم يريدوا أن يتركوا لأعدائهم غير أنقاض، كانوا قد هدموا تلك القلاع كلّها أو دمّ- روها قبل رحيلهم، لكان يلزم كثير من الوقت والمال لإعادة بنائها. فاضطرّ ألفونسو إذن إلى الاكتفاء بالاستيلاء على الكور الأقرب إلى أملاكه القديمة. وهي لييبانا (أي الجنوب الغربي من ولاية سانتاندير)، وقشتالة القديمة (المسمّاة آنذاك باردوليا)، وساحل جليقية 1) وربّما مدينة ليون 2). وأما سائر ذلك فظلّ طويلًا صحراء تشكّل حاجزًا طبيعيًّا بين نصارى الشمال ومسلمي الجنوب. وحتى مدن معتبرة، مثل أسترقة وتوي، لم تُعمَّر من جديد إلا بعد سنة 850، في عهد أردو- نيو الأول 3).

غير أن هذه البلاد الواسعة لم تبقَ خالية تمامًا. ففي نواحي أسترقة وليون ثبت البربر، وإن فصلتهم عن مسلمي الجنوب وحشة واسعة، أكثر من قرن. وممّا يثبت ذلك أسماء

1 سبستيان، ف 14.

2 انظر أدناه، الرقم V.

3 Chron. Albeld.، ف 60؛ سبستيان، ف 25.

ص 138

134

الشهود في وثائق هاتين المدينتين 1). فهذه الأسماء مسلمة في معظمها، بينما في سائر وثائق الشمال، إن استُثنيت وثائق قشتالة، نادرًا ما يُعثر على مثل هذه الأسماء. وهي عربية تقريبًا كلّها، إذ معلوم أن البربر يحملون عادة أسماء مستعارة من هذه اللغة؛ غير أن بعضها، مثل Taurel وDecember، بربري. فـ Taurel بربري يقينًا؛ وجدّ البربري ذي النون كان يُدعى كذلك (Jg,sb) 2). وأما الاسم الآخر، فلا أعلم أن نصرانيًّا أو عربيًّا حمله قطّ؛ فأرى إذن أن Avolfeta iben December و December filius de Abulfreli، المذكورين في وثائق ليون، كانا من أصل بر- بري. صحيح أن كلمة Décembre لا تُستعمل اليوم اسمًا علمًا في القبائل؛ لكن بربريًّا ذكيًّا جدًّا، تفضّل صديقي الجليل م. دو سلان فاستشاره في هذا الشأن، كان يرى أنه من الممكن جدًّا أن يكون مثل هذا الاسم قد حمله قديمًا رجال من جنسه، «فإنا، كما قال، ما زلنا نستعمل أسماء الشهور الرومانية للدلالة على أوان البذر وأوان الحصاد إلخ، وهذه الأسماء قد تُستعمل جيّدًا أسماء أعلام،

1) ستوجد وثائق ليون في ملحق المجلد XXXIV من España sagrada، ووثائق أسترقة في ملحق المجلد XVI.

2 ابن حيّان، مخطوطة أكسفورد، ورقة 13 ظ.

ص 139

135

كما ما زالت بعض أسماء الشهور العربية، مثل رجب وشعبان ورمضان، تُستعمل اليوم.»

وكان نصارى الشمال، الذين يبغضون بغضة فطرية هؤلاء البربر في أسترقة وليون، يسمّون البلاد التي يسكنونها، وهي جزء من Campi Gothici، باسم Malacoutia، أي قوطية السوء. ومن جهتها، لم تدع هذه الجماعة البربرية التي، بسبب اختلاطها بالسكّان الأص- ليين، اعتنقت المسيحية جزئيًّا، الأشتوريين في راحة على الدوام. ففي سنة 784 خرج هؤلاء «جبليّو Malacoutia،» كما تقول حوليات، وهؤلاء «الأجانب الذين كان معظمهم نصارى زائفين،» على حدّ عبارة وثيقة أخرى، من بلادهم فقاموا بغارة، أولًا في قشتالة، ثم في أشتوريس، حيث كان يملك آنذاك موريقاط. وكان رئيسهم، «خادم الشيطان وابن الهلاك،» أي مسلمًا، يُدعى محمودًا 1). وقد كانوا قد تقدّموا حتى كنيسة القديس بطرس، في جوار أوفييدو، حين نازلهم موريقاط. فحُميت المعركة واشتدّ النزاع وفقد الجانبان كثيرًا من الجند؛ لكن موريقاط في النهاية هزم الأعداء وطاردهم حتى مينيو. فقُتل جماعة منهم

1 انظر هذه الحاشية في الملحق، الرقم IV.

ص 140

156

في فرارهم، وفقد آخرون حياتهم في مياه النهر.

ومن الطريف أن يُعرف أيّ علاقات قامت بين هؤلاء البربر والنصارى، حين أعاد هؤلاء تعمير أسترقة وليون. وليس لدينا في هذا الشأن أيّ خبر، إن استُثنيت الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من الوثائق. فهذه توحي بأن النصارى، إذ لم يلقوا مقاومة من جهة البربر، تركوهم على أملاكهم. وكان لبعضهم حتى قلاع، إذ يُوجد في وثيقة ليونية من سنة 916: «In rivulo Ceja subtus castro de Abatub (اقرأ Abaiub) 1).» ويبدو أن المسي- حية كانت الدين الغالب بينهم؛ لكن الإسلام كان له أيضًا أتباع. حتى سنة 1020 كان ما زال في ليون، أو على الأقل في نواحي هذه المدينة، مسلمون، إذ يقول Fuero de Léon، الذي منحه ألفونسو الخامس (المادّة 22): «Servus qui per veridicos homines servus probatus fuerit, tam de eristianis quam de agarents, sine aliquâ contentione detur domino suo.» ومن الطريف كذلك أن يُرى أن البربر الذين اعتنقوا المسيحية لم يقلعوا مع ذلك

1) Esp. sagr.، المجلد XXXIV، ص 436. وهذا Abaiub بلا ريب هو Abaiub (هكذا يجب أن يُقرأ بدل Zabaiub) Ibentebit ، LAS (y sal ssl، الذي يرد اسمه بين أسماء شهود هذه الوثيقة. وفي أخرى (ص 458) يُوجد: Abaiub ibem Tevite.

ص 141

137

عن أسمائهم الإسلامية، حتى إن كهنتهم ما زالوا يحملونها، إذ يُوجد في الوثائق: Mahamudi (3,4) الشماس، وMarvanus (.,!»,) الشماس، وAliaz (0!) القسّ، وMeliki («CLe) القسّ، وKazzem (.l:) القسّ، وHilat (JA) الأب، و Aiuf (55.1) القسّ، وAgegi (-L5>) القسّ إلخ. وقد مرّت عشرة قرون منذ العصر الذي خضع فيه هؤلاء البربر لسلطان ملك إسباني، ومع ذلك ظلّ أحفادهم منفصلين إلى اليوم عن سائر سكّان الجزيرة. وهم الماراغاتوس، المقيمون جنوب غرب أسترقة، في بلاد قاحلة صخرية بغيضة، وقد حفظوا لا الاسم وحده من أسلافهم — إذ إن اسم Maragatos ليس غير تحريف خفيف لاسم Malagoutos — بل عاداتهم ولباسهم أيضًا، وهو لا يختلف كثيرًا عمّا يحمله بربر أفريقيا اليوم. وباستثناء خصلة صغيرة من الش- عر يتركونها تنمو في مؤخّر الرأس، يحلقون رؤوسهم، كما كان أسلافهم في القرن الثامن حين اعتنقوا مذاهب المخالفين وثاروا على العرب الذين يُزعم أنهم الأرثوذكس. وعند هذه الجماعة العجيبة الجديرة بالملاحظة من arrieros (المكاريين) يحمل كلّ شيء طابع أصل أجنبي، وإن نسيت لغة آبائها، فإنها لا تتكلّم الإسبانية بعدُ بطلاقة؛ وهي

III. Guerres d'Alphonse II

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 142

بنطقه الشديد الخشونة والبطء والاضطراب، حتى إنّ من يسمع مارغاطو يتكلّم يظنّ أنّه يسمع فلّاحًا ألمانيًّا أو إنجليزيًّا يحاول التعبير بالإسبانية القشتالية.

الثالث

في الحروب التي كان على ألفونسو الثاني أن يخوضها ضدّ السلطانين هشام الأوّل والحكم الأوّل

يورد المؤرّخون المسلمون ابن عذاري والنويري وابن خلدون (في فصله عن الأمويين في إسبانيا) عن هذه الحروب تفاصيل يحسن التعريف بها؛ لكنّي مضطرّ قبل ذلك إلى الدخول في بعض التفصيل عن تاريخ أشتوريس في تلك الحقبة، وهو تاريخٌ شديد الغموض لا بدّ من استشفافه على نحوٍ ما.

بعد موت سيلون، الذي لم يخلّف أبناءً، لم تأخذ أرملته أدوسيندا الحجاب كما كان ينبغي لأرملة ملكٍ أن تفعل بموجب عادةٍ قديمةٍ أكسبها قوّة القانون مرسومٌ أصدره مجمعٌ كنسيّ 1)، بل سعت إلى الاحتفاظ بالسلطة فجعلت يُنادى ملكًا بابن أخيها ألفونسو، الثاني بهذا الاسم، الذي كان لم يكد يخرج من الطفولة، وكانت تنوي أن تحكم هي نفسها باسمه.

1 انظر فلوريث، Reynas، ج. 1، ص. 53، والباب 5 من المجمع الثالث عشر لطليطلة.

ص 143

لكنّ آمالها خابت. فقد أراد عددٌ كبير من العظماء والأساقفة أن يُتوجّوا موريغاط. وكان هذا أخًا لأدوسيندا من الأب، قد أنجبه ألفونسو الأوّل من امرأةٍ من طبقة الأرقّاء. فغلب موريغاط. وأكره منافسه على أن يلتمس ملاذًا في ألافا عند أسرة أمّه، واضطُرّت أدوسيندا، على كرهٍ منها، إلى أن تأخذ الحجاب في دير القدّيس يوحنّا ببرافيا (26 تشرين الثاني/نوفمبر 785) 1)، حيث كان يرقد زوجها الذي أسّسه 2).

ولم يرجع ألفونسو إلى أشتوريس إلّا بعد موت موريغاط. فنُودي به ملكًا للمرّة الثانية في تشرين الأوّل/أكتوبر 789 3)؛ لكنّه لم يكن قد ملك بعدُ سنتين حتى ثار عليه عدّةٌ من الكبراء، ولا يُعرف لأيّ سبب أو بأيّ ذريعة، ونادوا ملكًا بأحد أقربائه، واسمه برمودو، مع أنّه كان رجل كنيسة، شمّاسًا. فانتصروا: وحُبس ألفونسو في دير 4)، وملك برمودو مكانه.

ومع أنّه كان تقيًّا رحيمًا عظيم النفس، على قول المؤرّخين، فإنّ الشمّاس السابق كان قائدًا رديئًا، ولسوء حظّه بدأ

1 انظر رسالة إيتيريوس وبياتوس إلى إليباند، التي يقتبس فلوريث (Esp. sagr.، ج. V، ص. 359) قطعةً منها، وريسكو، Esp. sagr.، ج. XXXVII، ص. 124.

2 انظر Esp. sagr.، ج. XXXVII، ص. 117، 118، وسباستيان، ف. 18.

3 انظر هذه الحاشية في الملحق، الرقم V.

4 Chron. Albeld.، ف. 58.

ص 144

يملك تمامًا في الحقبة التي شرع فيها العرب، الذين كانوا حتّى ذلك الحين قد تركوا الأشتوريين تقريبًا في هدوء، يهاجمونهم بقوّة. وكان الورع هشام الأوّل، الذي كان يعدّ الجهاد من أقدس واجباته، يجلس يومئذٍ على عرش قرطبة. وقد صمّم عزمًا على ألّا يدع للأشتوريين سلمًا ولا هدنة، فأرسل عليهم، في سنة 791، جيشين، كان أحدهما، بقيادة المولى الأموي الشيخ أبي عثمان، ينبغي أن يهاجم ألافا وقشتالة، بينما كان الآخر، بأمر يوسف بن بخت، ينبغي أن يعمل على الحدود الغربية لمملكة برمودو. فأحرز هذان القائدان مكاسب كبيرة؛ فقد هزم أبو عثمان النصارى هزيمةً تامّة وقطع تسعة آلاف رأس؛ وحارب يوسف برمودو نفسه، فهزمه، ونهب معسكره، وقطع رؤوس عشرة آلاف نصراني 1).

وبينما كان برمودو يدع نفسه يُهزم، أخرج بعض أنصاره ألفونسو من الحبس، وعندئذٍ تذكّر برمودو، وقد تسنّى له أن يقتنع بأنّه لا يملك المواهب العسكرية التي تقتضيها الظروف، أنّه لا يمكن أن يكون ملكًا لأنّه قد تلقّى الرتب الكنسية 2). فتنازل إذن لصالح من

1 ابن عذاري، ج. II، ص. 65 (يروي هذا المؤلّف هذه الأحداث تحت سنة 792)؛ وابن خلدون (في الملحق، الرقم VI). انظر أيضًا النويري، ص. 446.

2 Reminiscens ordinem sibi impositum diaconi. سباستيان، ف. 20.

ص 145

كان قد طرده عن العرش، وعاش بقيّة أيّامه على وفاقٍ تامّ معه 1).

وسرعان ما اضطرّ ألفونسو الثاني إلى الدفاع عن نفسه ضدّ العرب. ففي سنة 794 أرسل هشام عليه جيشين، كان أحدهما ينبغي أن يهاجم ألافا وقشتالة، والآخر حدود الغرب؛ إذ كان هشام، لكي يُكره العدوّ على تقسيم قوّاته، يهاجمه عادةً من جهتين في آنٍ واحد. وكان يقود هذين الجيشين أخوان، عبد الكريم وعبد الملك، ابنا عبد الواحد بن مغيث. فلم يصنع عبد الكريم غير غارة؛ أمّا أخوه فاستولى على عاصمة ألفونسو، وخرّبها بعد أن نهبها. غير أنّ جيشه لقي سوءًا في أثناء انسحابه؛ فقد تاه أدلّاؤه، فهام على وجهه في الجبال، وفقد كثيرًا من السلاح والمركوبات والجنود 2).

هكذا يروي المؤرّخون المسلمون هذه الحملة، ومع أنّهم لا ينكرون أنّ عاقبتها كانت وخيمة، فإنّهم لا يعترفون مع ذلك بكلّ شيء؛ إذ يعلّمنا المؤرّخون النصارى أنّ الجيش المسلم، في أثناء انسحابه، هوجم وهزمه ألفونسو في موضعٍ كان، لكثرة الأوحال التي تملؤه عادةً، يحمل اسم لوتوس أو لوتس، ويضيفون أنّ

1 سباستيان، ف. 20؛ Chron. Albeld.، ف. 57.

2 النويري، في الملحق، الرقم VI. انظر أيضًا ابن خلدون، تحت سنة 178.

ص 146

القائد العدوّ قُتل في هذه المعركة 1). وبحسب تقليدٍ حُفظ في أشتوريس، كان لوتوس يقع قرب نارسيا، بين تينيو وكانغاس (دي تينيو). وإلى اليوم ما زالوا يسمّون هذا الموضع Llamas del Mouro، أي مستنقع الموري، وفي الجوار حقلٌ يُدعى campo de la matanza (حقل المذبحة) 2). على أنّه إن كان مؤرّخو قرطبة يجتهدون في تمويه الخسارة التي أصابت الجيش المسلم، فإنّ المؤرّخ النصراني سباستيان السلمنقي يبالغ فيها بلا ريب حين يرفعها إلى نحو سبعين ألف رجل، وينبغي أن يُلاحظ أيضًا أنّ الحوليّين اللاتين يسكتون بحذرٍ عن سقوط عاصمة ألفونسو.

فما كانت تلك العاصمة؟ لم تكن كانغاس دي أونيس، ولا برافيا؛ فإنّ ملوك أشتوريس وإن أقاموا بالتناوب في إحدى هاتين المدينتين، فليس ما يدلّ على أنّ إحداهما قد سقطت يومًا في أيدي المسلمين بعد أن طردهم بلايو من أشتوريس. وأعتقد أنّ المقصود أوفييدو. فقد أسّس هذه المدينة رهبانٌ والملك فرويلا الأوّل. وفي سنة 761 كان

1 سباستيان، ف. 21؛ Chron. Albeld.، ف. 58. ويسمّي سباستيان القائد العربي موكهيت. ولمّا كان مغيث، كما رأينا، اسم جدّ القائد، فقد كان هذا يحمل اسم ابن مغيث، أي، إن صحّ التعبير، اسم أسرته.

2 انظر كارفاليو، الذي يستشهد به ريسكو، Esp. sagr.، ج. XXXVII، ص. 136.

ص 147

الأرض، التي كانت يومئذٍ بورًا، والتي تغطّيها المدينة اليوم، قد لفتت نظر القسّ ماكسيم. فقد كان الهواء فيها صحّيًّا، ولم تكن الأرض، لتغدو خصبة، تحتاج إلّا إلى قليلٍ من الزراعة. ولمّا أُعجب بهذه المزايا، أخذ ماكسيم يستصلح التربة، وأعانته رهبانٌ وعمّه الآباتي فرومستان وأرقّاؤه، فبنى على الجبل كنيسةً وديرًا 1). ثمّ إنّ الملك فرويلا، الذي كان منذ البداية قد أبدى اهتمامًا حيًّا بهذا المشروع، أسكن أرقّاء على أراضٍ أخرى ما زالت بورًا 2)، وبنى الكنيسة المسمّاة كنيسة المخلّص، وجعل فيها اثني عشر مذبحًا، مكرّسةً للرسل الاثني عشر 3). ويبدو أنّ أوفييدو كانت مقرّ إقامته المعتاد، وهناك وُلد له ابنه ألفونسو، كما يشهد هذا الأخير بنفسه حين يقول في هبةٍ وهبها لكنيسة المخلّص 4): «على هذه التربة وُلدت، وفي هذا الهيكل وُلدت ثانيةً في مياه المعمودية.» وبهبته الأخيرة أغدق فرويلا على الكنيسة التي بناها 5)، وهناك دُفن مع زوجته 6). ولم يكن

1 انظر وصيّة الرهبان، لسنة 781، في Esp. sagr.، ج. XXXVII، ص. 309–311.

2 Poblé a Oviedo، كما يقول المترجم القديم لحوليات رودريغ الطليطلي (Esp. sagr.، ج. XXXVII، ص. 109).

3 انظر النقش الذي وضعَه ألفونسو الثاني في كنيسة المخلّص (Esp. sagr.، ج. XXXVII، ص. 140).

4 Esp. sagr.، ج. XXXVII، ص. 318.

5 انظر صكّ ألفونسو، Esp. sagr.، ج. XXXVII، ص. 313.

6 سباستيان، ف. 16.

ص 148

أحدٌ من خلفائه المباشرين، الذين ينتمون إلى فروعٍ أخرى من الأسرة الملكية، يبدو أنّه أقام في أوفييدو؛ بل من المؤكّد أنّ سيلون وموريغاط كانا يقيمان في برافيا، حيث دُفنا أيضًا 1)؛ لكنّ كلّ شيء يحمل على الاعتقاد أنّ ألفونسو، ما إن حاز الملك، جعل إقامته في المدينة التي وُلد فيها والتي كان لها في نفسه ميلٌ شديد. فهي التي أخذها العرب وخرّبوها سنة 794، ومع أنّ المؤرّخين النصارى يسكتون عن ذلك، فإنّ شهادة ألفونسو نفسه تثبت الأمر بما لا يدع مجالًا للشكّ؛ إذ يقول في نقشٍ وضعه في كنيسة المخلّص إنّه أعاد بناء هذه الكنيسة بعد أن غطّاها الوثنيّون بالأقذار وخرّبوها جزئيًّا 2). وهذا ما يتّفق تمام الاتفاق مع شهادة النويري، الذي يلاحظ صراحةً أنّ جيش ابن مغيث خرّب كنائس مقرّ الملك 3).

1 انظر Chron. Albeld.، ف. 55؛ سباستيان، ف. 18، 19.

2 Esp. sagr.، ج. XXXVII، ص. 140.

3 ولمّا لم يكن ريسكو يعرف نصّ النويري (Esp. sagr.، ج. XXXVII، ص. 193)، ظنّ أنّ نقش ألفونسو يتعلّق بحملة البربر، الماراغاتوس، التي يرد ذكرها في أعمال مجمع أوفييدو والتي وقعت في عهد موريغاط. وهذا الرأي يسهُل دحضه. فأولًا لم يكن مسلمًا إلّا بعض هؤلاء المهاجمين؛ أمّا الباقون فكانوا نصارى، أو كانوا نصارى بما يكفي على الأقلّ كي لا يدنّسوا كنيسةً أو يخرّبوها. ثمّ إنّ أعمال المجمع لا تدلّ البتّة على أنّ الماراغاتوس استولوا على أوفييدو؛ فقد تعرّضت المدينة بلا ريب لخطرٍ عظيم (gladius furoris imminebat Oveto)، لكنّ

ص 149

موريغاط كان قد هزمهم، قبل أن يتمكّنوا من أخذها، على مسافةٍ ما من المدينة.

ولإصلاح ما لقيه من إخفاق، أرسل هشام، في السنة التالية (795)، جيشًا عظيم العدد على أشتوريس. وكان يقوده عبد الكريم، الذي كان عليه أن يثأر لموت أخيه 1). وكان كلّ شيء يُنبئ بأنّ العرب موشكون على أن يأخذوا ثأرًا باهرًا، ولمّا لم يشعر ألفونسو بقوّةٍ تكفيه لمقاومتهم، استدعى لنجدته البشكنس والأكيتانيّين. وكانت أكيتانيا، كما يُعلم، يومئذٍ مملكةً قائمةً بذاتها، كان شارلمان قد منحها ابنه لويس (الورع)، وبما أنّ الفرنجة كانوا في ذلك الزمان أيضًا في حربٍ مع هشام، فقد كانت بينهم وبين الأشتوريين حلفٌ وثيق. وكان ألفونسو يعدّ شارلمان القويّ حاميَه الطبيعي، وكان في الرسائل التي يوجّهها إليه يسمّي نفسه مولاه 2).

ولمّا وصل حلفاؤه، رتّب ألفونسو جنوده صفوفًا متتابعة في الجبال الممتدّة من سييرا كوفادونغا إلى الخليج الذي يفصل أشتوريس عن جليقية، بعد أن أمر سكّان السهول أن يلتمسوا الأمن على الجبال العالية على الساحل. ويبدو أنّه

1 يخطئ النويري وابن خلدون حين يسمّيان عبد الملك بدل عبد الكريم. أمّا ابن عذاري، وروايته أكثر تفصيلًا ودقّةً، فلم يقع في هذا الخطأ.

2 انظر إينهارد، Vita Karoli Magni، ف. 16.

ص 150

أراد أن يجتذب الغزاة إلى داخل البلاد كي لا يهاجمهم إلّا حين ينحشرون في الشعاب. لكنّه كان يواجه قائدًا حذرًا. فقد اتّخذ عبد الكريم، الذي أُبلغ — ربّما عن طريق الماراغاتوس — بتدابير العدوّ، احتياطه، حين غادر أستورقة، فجعل طليعةً من أربعة آلاف فارس، بقيادة فرج بن كنانة، تستكشف مسيره. فاصطدم هذا القائد سريعًا بجماعةٍ من النصارى كانوا، على ما يبدو، عند مدخل مضيق. فهاجمهم وهزمهم. وفي هذه المواجهة كان المسلمون قد أخذوا أسرى كثيرين؛ لكنّ القائد الأعلى، الذي لم يرد أن يكلّفهم حراسةً خشية أن يعوقوا مسيره، أمر بوحشيةٍ أن يُذبحوا جميعًا. ثمّ أرسل فرسانه يجوبون البلاد، فخرّبوا الحقول وأحرقوا القرى.

ثمّ وصل المسلمون إلى نهرٍ، هو نارسيا أو تروبيا 1)، فوجدوا عنده غونديمار 2) وثلاثة آلاف فارس يريدون أن يصدّوهم عن

1 يحمل مخطوط ابن عذاري قراءةً محرّفة. وهي خطأ، لكن يمكن أن تُقرأ على وجهٍ أو على آخر.

2 عند ابن عذاري هذا الاسم محرّف؛ لكنّي، حيث لا أعلم بوجود اسمٍ كهذا، أقرأ غونديمارو. وفي صكٍّ لألفونسو الثاني لسنة 812 (Esp. sagr.، ج. XXXVII، ص. 315)، يرد بين أسماء الشهود اسم Gondemarus؛ وربّما هو نفسه.

ص 151

العبور. فهاجموهم، وقتلوا منهم عددًا كبيرًا، وهزموا الباقين، وأسروا غونديمار نفسه (18 أيلول/سبتمبر 795).

ومضى عبد الكريم في مسيره الظافر، فوصل قرب جبلٍ كان عليه ألفونسو مع معظم قوّاته. فلم ينتظر الملك العدوّ؛ بل لجأ أوّلًا إلى حصنٍ كان قد بناه على نالون 1)، جنوب أوفييدو، ثمّ في حصنٍ آخر «كان مقرّ إقامته المعتاد»، كما يقول مؤرّخ عربي، أي في أوفييدو. فتمكّن القائد العربي إذن من أن يحتلّ، بلا قتال، الحصن القائم على نالون. فوجد فيه مؤنًا وافرة وكمًّا من الأشياء النفيسة، لم يتح لألفونسو الوقت ليحملها. وفي اليوم التالي أمر فرجًا أن يهاجم أوفييدو بفصيلٍ من عشرة آلاف فارس، ولمّا لم يكن ترميم أسوار هذه المدينة قد تقدّم بما يكفي لتأمن ضربةً خاطفة، تخلّى ألفونسو عنها للأعداء، فوجدوا فيها غنيمةً غنيّة.

ولا يبدو أنّ المسلمين توغّلوا أبعد من ذلك في أشتوريس. فقد كانوا يظنّون بلا ريب أنّ بوسعهم الاكتفاء بالمكاسب الباهرة التي أحرزوها. ثمّ إنّ الشتاء كان يدنو، وكان الشتاء، في ذلك الزمان، يضع حدًّا لكلّ حملة.

1 عند ابن عذاري يجب أن تُقرأ «نالون» بدل القراءة المحرّفة.

III. Guerres d'Alphonse II

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 152

148

...إسبانيا. ومما قد يكون أسهم أيضًا في القرار الذي اتخذه المسلمون بألا يواصلوا زحفهم نحو الشمال أن فرقةً من فرقهم في ناحية أخرى من البلاد منيت بهزيمة قاسية. فرجع إذن عبد الكريم، ويبدو أنه لم يزعجه النصارى أثناء انسحابه 1).

ومع ما يثيره هؤلاء الجبليون من اهتمام مشروع، أولئك الذين دافعوا ببسالة عن استقلالهم في وجه قوات سلطان قرطبة التي تفوقهم بما لا يُقاس، فإنه يجوز مع ذلك الشك في أن شجاعتهم كانت لتكفي على المدى الطويل لمقاومة هشام الأول النشيط. ففي مدة خمسة أعوام قصيرة غُزيت بلادهم ثلاث مرات؛ وسقطت عاصمتهم مرتين ونُهبت، وفي الحملة الأخيرة منوا بخسائر هائلة، على الرغم من العون الذي مدّهم به الأقطانيون والبشكنس. ومن حسن حظهم أن هشامًا لم يعش بعد حملة عبد الكريم الباهرة إلا أشهرًا قليلة. أما ابنه الحكم الأول الذي خلفه، فقد كان يرغب حقًّا في السير على آثار أبيه؛ ولهذا بعث عبد الكريم إلى جليقية في مستهلّ حكمه (سنة 796) 2)؛ لكنه اضطر بعد ذلك بقليل إلى الدفاع عن نفسه ضد عمّيه اللذين نازعاه التاج والذين عقدا حلفًا

1 ابن عذاري، ج II، ص 66، 67؛ والنويري، في الملحق، رقم VI. وانظر أيضًا ابن خلدون، تحت سنة 179.

2 ابن عذاري، ج II، ص 70، 71؛ والنويري؛ وابن خلدون.

ص 153

149

مع شارلمان الرهيب. ودخل ألفونسو أيضًا في هذا التحالف: فقد كانت فرصة الأخذ بثأره أجمل من أن يدعها تفوته. وانتقم انتقامًا لامعًا: فبعد أن اجتاز بجيشه البلاد الواسعة الخراب التي تفصل الحدود الإسلامية عن حدوده، هاجم لشبونة، فأخذ هذه المدينة وأباحها للنهب. وكانت الطريقة التي أبلغ بها شارلمان انتصاره مميزة إلى حد بعيد: فقد أرسل إليه على يد اثنين من عظمائه سبعةً من أعيان المسلمين، مع أسلحتهم وبغالهم 1).

ثم استطاع الحكم لاحقًا أن يستأنف الهجوم. ويتحدث المؤرخون النصارى عن الحملة التي وقعت سنة 816، ويقول سيباستيان (فصل 22) في هذا الشأن: «في السنة الثلاثين من حكم ألفونسو، زحف جيشان مسلمان على جليقية؛ قاد أحدهما الحابّز〔؟〕، والآخر مليح؛ وكان هذان القائدان قرشيَّين. فدخل الجيشان البلاد بجرأة، لكنهما دفعا ثمن جرأتهما غاليًا، إذ هلك أحدهما في موضع يُدعى نهارون، والآخر في نهر أنسيو.» وبما أن سيباستيان يضع هذه الحملة في السنة الثلاثين من حكم ألفونسو، فقد ظُن أنها وقعت سنة 820؛ لكن المؤرخين العرب، ابن عذاري (ج II، ص 76، 77)، والنويري وابن خلدون، يتحدثون عنها جميعًا تحت سنة

1 Einhardi Annal. ad ann. 798; Poëta Saxo.

ص 154

150

200 للهجرة، 816 للميلاد. وسأكتفي هنا بترجمة رواية ابن عذاري لأنها الأشد تفصيلًا. «في سنة 200، يقول هذا المؤرخ، أمر الحكم وزيره عبد الكريم بن مغيث أن يغزو بلاد المشركين. فتوغل هذا الوزير حتى قلب البلاد؛ فأتلف المؤن، وقطع الزروع، وخرب البيوت والحصون، حتى خرب جميع قرى وادي آرون. فدعا الملك (لعنه الله!) رعيته إلى السلاح، فأتى النصارى من كل صوب وأقاموا على نهر آرون (nahr Aron)، بإزاء المسلمين. وفي الغد أراد عبد الكريم وجنوده أن يعبروا النهر خوضًا؛ فصدهم الكفرة وقاتلوهم حيثما كان النهر صالحًا للخوض. وسلك المسلمون مسلك من يريدون نيل الجنة؛ لكنهم رُدّوا، ونجح الكفرة في عبور النهر. فهاجمهم المسلمون بشدة، فدفعوهم إلى المضايق، وجعلوهم يتراجعون إلى مواضع لا يُستطاع المرور منها، فقتلوا منهم جمعًا لا يُحصى بالرمح والسيف. غير أن معظمهم هلك في النهر 1)، حيث أغرق بعضهم بعضًا. وبعد القتال بالرمح والسيف، تراشقوا بالحجارة. ولما انتهى القتال، أقاموا الحراسة عند المواضع

1) بدلًا من (gd Sly، أرى أن أقرأ y gôladlye LS" (591905

ص 155

161

الصالحة للخوض، وتحصنوا فيها خلف المتاريس والخنادق.» (ويضيف النويري وابن خلدون أن الجيشين بقيا ثلاثة عشر يومًا متواجهين، وأنهما اقتتلا يوميًّا). «ثم بدأت الأمطار؛ فلم يبق للكفرة مؤن، ونقصت مؤن المسلمين أيضًا. فرجع عبد الكريم، وفي الثامن من ذي القعدة (8 يونيو 816) دخل العاصمة ظافرًا.»

ويبين هذا السرد المفصل إلى حد بعيد أن الأشتوريين لم يحرزوا، على ضفاف نهارون، مزايا باهرة كتلك التي يريد سيباستيان أن يوهم بها. ولعلهم كانوا أسعد حظًّا وهم يقاتلون، على ضفاف أنسيو، الجيش الآخر. فالمؤرخون المسلمون يسكتون عن ذلك، وهذا الصمت ذو دلالة.

IV. محمود الماردي.

يعطي سيباستيان وحوليات ألبلدا عن هذا الشخص التفاصيل التالية: — كان محمود من أهل ماردة، وبعد أن طال حربه على سيّده عبد الرحمن الثاني، اضطر أخيرًا إلى الفرار. فأتى يلتمس الملجأ عند ألفونسو الثاني. فأخذه هذا الملك في حمايته، وظل كل شيء على ما يرام سبع سنين؛ لكن

ص 156

152

في السنة الثامنة شرع محمود ينهب جيرانه على رأس عصابة من المسلمين، واستولى على حصن القديسة كريستين. فلما جاء ألفونسو ليحاصره هناك، هلك محمود في أول اقتحام. وسقط الحصن، وقُتل السراسنة الذين كانوا فيه بحد السيف.

ويروي النويري وابن خلدون نحو الأمر نفسه، لكنهما يوردان معلومات أدق عن هذا محمود. فقد كان أبوه يُدعى عبد الجبار، ولعلّه ينتمي إلى أسرة من المرتدّين؛ غير أني لا أجسر على الجزم بشيء في هذا الشأن، إذ يبدو أن الدور الأول في ثورات ماردة المتكررة، التي ليس لدينا عنها إلا معطيات ناقصة، كان للبربر لا للمرتدّين. ومهما يكن، فإليك ما يرويه المؤرخان المسلمان المذكوران آنفًا:

لما ثار أهل ماردة وقتلوا واليهم، بعث السلطان عبد الرحمن الثاني عليهم جيشًا سنة 828. فخضعوا حينئذ ورضوا بتسليم رهائن؛ لكن لما أُريد هدم أسوارهم عادوا إلى السلاح، وطردوا جنود السلطان، ونجحوا في البقاء مستقلين حتى سنة 833، حين أُخذت مدينتهم. وفي هذه المناسبة نزح محمود. فأقام أولًا في مونتي سالود، ومعه أشد مواطنيه اضطرابًا الذين اتخذوه رئيسًا لهم؛ لكن في سنة 835، لما

ص 157

155

تحرك جيش السلطان نحوه، توجه إلى جليقية وهزم على التوالي ثلاث فرق أرسلها السلطان في أثره. ولما بلغ أرض النصارى، «استولى على حصن؛ لكن بعد أن ملكه خمس سنين وثلاثة أشهر، حاصره ألفونسو. فأُخذ حصنه؛ وقُتل هو وجنوده. — وكان ذلك في شهر رجب من سنة 225 (مايو 840).»

ويُذكر هذا محمود أيضًا في وثيقة من لوغو، نُشرت في España sagrada، ج XL، الملحق XV؛ لكن صحة هذا النص تبدو لي موضع شك كبير.

V. فتح ليون سنة 846.

بحسب سيباستيان (فصل 25) وكاتب حوليات ألبلدا (فصل 60)، لم تُعمَّر مدينة ليون من جديد إلا في عهد أردونيو الأول (850-866)؛ بل تذكر حوليات أخرى التاريخ الدقيق، وهو سنة 856 1)؛ غير أنه يُقرأ في وثيقة أن هذه المدينة كانت، منذ عهد رميرو الأول (842—850)، محاطة بأسوار وفيها أديرة وكنائس 2).

1 انظر Risco, Historia de Leon, t. I, p. 10.

2 انظر Esp. sagr., t. XXXIV, p. 127; Risco, Hist. de Leon, loco laud.

VI. Alphonse IV et Sancho

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 158

154

والتناقض بين هاتين الشهادتين، الذي أوقع مؤرّخي ليون في حيرة شديدة، ليس إلّا ظاهريًّا. فالمؤرّخون المسلمون يُعلموننا هذا: في سنة 846 حوصرت مدينة ليون على يد محمّد، وليّ العهد. ولمّا بلغ المحاصرون الغاية في الضيق، خرجوا من المدينة ليلًا، وذهبوا يأوون إلى أمان الغابات والجبال. فنهب المسلمون عندئذٍ المدينة وأضرموا فيها النار؛ وأرادوا أيضًا أن يهدموا أسوارها، لكنّ هذه، إذ كان سُمكها سبع عشرة ذراعًا، قاومت كلّ جهودهم 1). — فيُرى إذن أنّ المدينة كانت مسكونة في زمن رميرو الأوّل، لكنّها، إذ أُخذت وأُحرقت بيد العرب سنة 846، وجب أن يُعاد إسكانها بعد عشر سنين على يد أردونيو الأوّل. وربّما كان ألفونسو الأوّل قد أعاد إسكانها من قبل، كما يؤكّد رودريغ الطليطلي؛ لكنّي أعترف أنّي، حين يتعلّق الأمر بعصرٍ سحيقٍ كهذا، لا أستطيع أن أمنح مؤرّخًا من القرن الثالث عشر ثقةً كبيرة.

السادس

ألفونسو الرابع وسانشو.

في مواثيق السنوات 927 و928 و929 كثيرًا ما يُذكر رجلٌ اسمه سانشو، ابن أردو-

1 ابن عذاري، ج. I، ص. 91؛ النويري؛ ابن خلدون.

ص 159

165

نيو الثاني. وهو يحمل فيها لقب الملك؛ ويقول هو نفسه فيها إنّه قد تُوِّج في سانتياغو دي كومبوستيلا، وفي وثيقةٍ من سنة 997 1) يعدّه برمودو الثاني بين أسلافه. غير أنّ هذا سانشو، كما يُؤكَّد على الأقلّ، لا يوجد اسمه في القوائم القديمة لملوك ليون، وسامبيرو، وهو المؤرّخ الأصيل الوحيد الذي نملكه عن هذا العصر — إذ اقتصر الآخرون على نسخه — لا يعدّه هو أيضًا بين ملوك ليون. بل لا يسمّيه حتّى: فإذا بلغ عهد ألفونسو الرابع، قال فحسب إنّه بعد موت فرويلة الثاني (925) خلفه ابن أخيه ألفونسو، ابن أردونيو الثاني، وإنّ ألفونسو هذا ترهّب فيما بعد، بعد أن تنازل لأخيه رميرو (الثاني). فاستنتج العلماء الإسبان من ذلك أنّ سانشو لم يملك قطّ في ليون؛ لكنّهم، إذ وجدوا مع ذلك في المواثيق أنّه كان يحمل لقب الملك، عمدوا إلى جعله ملكًا لجليقية. هذا مثلًا رأي فلوريث، الذي كتب في España sagrada (ج. XIX، ص. 119—155) رسالةً واسعةً جدًّا عن هذا سانشو. وهذه الرسالة، التي لم يكن فلوريث — إن حُكم من عباراته هو نفسه (انظر ص. 119، 122، 129) — راضيًا عنها

1 Apud Yépès، ج. V، ورق 438 ظهر.

ص 160

156

هو نفسه، تتضمّن، فضلًا عن المسألة الرئيسية، أخطاءً جسيمةً غير قليلة. هكذا، لمّا كان عليه أن يفسّر لِمَ يسمّي سانشو، في ميثاقٍ، سنة 927 السنة الأولى من ملكه، قال فلوريث، مستندًا إلى سلطة رودريغ الطليطلي، إنّ ألفونسو الرابع تنازل في السنة الثانية من ملكه، أي سنة 926، وإنّ رميرو الثاني خلفه عندئذٍ في مملكة ليون، وسانشو في مملكة جليقية. وهذا التفسير مرفوض. فقد أثبت خلف فلوريث، ريسكو 1)، بالمواثيق أنّ ألفونسو لم يتنازل قبل سنة 951. ومؤرّخ قرطبيّ معاصر، عريب (ج. II، ص. 205)، يقول صراحةً إنّ ألفونسو تنازل في تلك السنة، وإلى شهادته يمكن أن تُضمّ شهادة ابن حيّان التي ينقلها ابن خلدون (أعلاه، ص. 104). وأمّا المسألة الرئيسية، فهفوات فلوريث معذورة جدًّا. فهذا العالم لم يكن يسعه أن يرجع إلّا إلى المواثيق اللاتينية، وهذه لا تكفي لحلّ الصعوبة. Ex Oriente lux! فمقطعٌ نفيسٌ لابن حيّان، حفظه لنا ابن خلدون في فصله عن عبد الرحمن الثالث، سيمدّنا بأخبار دقيقة عن سانشو أردونييث؛ وسيُبيّن أنّ هذا سانشو قد ملك، لا على جليقية فحسب، بل على ليون أيضًا. وإليك كلام المؤرّخ القرطبيّ نفسه 2):

«يقول ابن حيّان: بعد موت فرويلة (الثاني)، ابن

1 Esp. sagr.، ج. XXXIV، ص. 241.

2 انظر النصّ في الملحق، الرقم VII.

ص 161

157

[اقرأ: أخي] أردونيو (الثاني)، الواقع سنة 313 (925)، ارتقى أخوه [اقرأ: ابن أخيه؛ وكان ألفونسو ابن أردونيو الثاني]، ألفونسو (الرابع)، العرش؛ لكنّ أخاه سانشو نازعه إيّاه واستولى على ليون، إحدى مدن المملكة الرئيسية. وكان لألفونسو حليفان: ابن أخيه [اقرأ: ابن عمّه الشقيق]، ألفونسو ابن فرويلة (الثاني)، وصهره سانشو ابن غارسيا، ملك الباسك 1). فساروا معًا لقتال سانشو؛ لكنّهم هُزموا وتفرّقوا. ثمّ، بعد أن اجتمعوا مرّةً ثانية، خلعوا سانشو وطردوه من مدينة ليون. ففرّ سانشو نحو أقصى جليقية 2). وولّى أخاه رميرو، ابن أردونيو (الثاني)، على الجزء الغربيّ من مملكته، بحيث ملك هذا الأخير على المقاطعة التي مدينتها الحدوديّة قُلُمْرية. وبعد زمنٍ ما مات سانشو من غير عقب.»

وهذا النصّ يثبت أنّ سانشو أردونييث قد ملك، لا على جليقية فحسب، بل على ليون أيضًا؛ ويُعلمنا فضلًا عن ذلك أنّه بعد موت فرويلة وقعت حربٌ أهلية، وهذا ما كان مجهولًا.

فلننظر الآن هل يصحّ أنّ سانشو أردو-

1 زوجة ألفونسو الرابع، واسمها أونيقة، كانت فعلًا ابنة سانشو النافاري؛ انظر مخطوط مييا، §. 15. واسم هذه الملكة يوجد في الامتيازات؛ انظر Esp. sagr.، ج. XXXIV، ص. 239. ومحرِّف سامبيرو يمنحها خطأً اسم خيمينا.

2 أي نحو جليقية بمعناها الخاصّ.

ص 162

188

نييث لا يوجد اسمه في أيّ قائمة لملوك ليون، كما أكّد العلماء الإسبان دائمًا. فلنرجع إلى القائمة الواردة في مجموعة الوثائق القديمة المعروفة باسم Chronicon Albeldense (ف. 47، 48). نجد فيها هذه العبارات، أنسخها وأُلحق بها حاشية المحقّق:

Deinde Ordonius.

Deinde frater eius Froila.

Post filius eius Adefonsus. Duo hi versus re-

Deinde Sancius filius Ordonii. dundant.

Deinde Adefonsus , qui dedit Regnum suum et con- vertit ad Deum.

وقد أخطأ المحقّق: فليس في هذا الموضع شيء زائد، وملوك ليون مسمَّون فيه بالترتيب نفسه الذي عند ابن حيّان. أراد المؤلّف أن يقول:

أردونيو الثاني،

فرويلة الثاني، أخوه.

ألفونسو الرابع، ابنه (ابن أردونيو الثاني).

سانشو أردونييث.

ألفونسو الرابع للمرّة الثانية، الذي تنازل وترهّب.

وبعد أن ثبتت هذه النقاط، سنحاول، بمعونة المواثيق، أن نعيّن التواريخ التي ينبغي أن تُثبَّت فيها الوقائع التي رواها ابن حيّان، وأن نفسّر هذه الفترة من تاريخ ليون.

في القرن العاشر كانت التاج بعدُ انتخابيًّا عند أهل ليون، كما كان عند القوط الغربي-

ص 163

159

ين؛ لكنّ الناخبين منذ زمنٍ طويل، أي العظماء والأساقفة ورؤساء الأديرة والقُمَّس 1)، قلّما استعملوا حقّهم، حتى صارت البيعة لا تكاد تكون إلّا رسمًا: فإذا خلا العرش اقتصر الناخبون على تحيّة مَن كان ملكًا فعلًا بمقتضى مولده. غير أنّه، وإن وُجد ميلٌ شديدٌ إلى وراثة التاج، فإنّ هذه الوراثة لم تكن قد أُقرَّت رسميًّا بعد. كانوا في فترة انتقال: فالتاج، الوراثيّ واقعًا، لم يكن بعدُ وراثيًّا حقًّا. وكانت هذه الحال ملأى بالمخاطر، ولا بدّ أن تولّد آجلًا أو عاجلًا حروبًا أهلية. وحيث لم يُنظَّم ترتيب الخلافة بقانون، كان لجميع أفراد الأسرة الملكية أن يطمعوا في التاج. وبعد موت ألفونسو الثالث كانت الأمور ما تزال قد سُوِّيت وديًّا. فقد اقتسم أبناء هذا الملك الثلاثة دولته: نال غارسيا ليون، وأردونيو جليقية، وفرويلة أشتوريس، واتّخذ كلٌّ من الإخوة الثلاثة لقب الملك، من غير أن تُجزَّأ المملكة؛ فكان ملك ليون السيّد الوحيد؛ وأمّا صاحبا جليقية وأشتوريس فلم يكونا إلّا واليَين 2). ويبدو أنّ الإخوة الثلاثة اتّفقوا فيما بينهم، وربّما بموافقة الناخبين، على أنّه إذا مات غارسيا، خلفه أردونيو

1 انظر Mon. Sil.، ف. 44.

2 انظر Esp. sagr.، ج. XIX، ص. 124، وج. XXXVII، ص. 269.

ص 164

في ليون، وأنّه إذا مات أردونيو كان فرويلة خليفته. والثابت على الأقلّ أنّ الأمور جرت على هذا النحو: فغارسيا (910—914) خلفه في ليون أخوه أردونيو الثاني (914—924)، وخلف فرويلة الثاني (924—925) هذا الأخير. لكن من يخلف فرويلة الآن؟ كان هذا الملك قد ترك ثلاثة أبناء: ألفونسو وأردونيو ورميرو؛ غير أنّه يبدو أنّ أحدًا لم يخطر له أن يمنح التاج أحدَهم؛ ويبدو أنّ الجميع كانوا على رأي أنّه ينبغي أن يُعطى لأميرٍ من الفرع الأكبر، لابنٍ لأردونيو الثاني. وكان هؤلاء الأبناء ثلاثة: وهم سانشو وألفونسو (الرابع) ورميرو (الثاني). وكان سانشو بلا ريب البكر، إذ إنّه في المواثيق التي منحها أبوه يوقّع دائمًا قبل ألفونسو 1)، ويُعلم أنّ الأمراء في المواثيق كانوا يوقّعون دائمًا بحسب ترتيب مولدهم. فلو كان التاج وراثيًّا إذن لكان لسانشو وحده حقوقٌ فيه؛ لكنّه لم يكن كذلك، ولم يُنظَّم شيء في هذا الشأن، وألفونسو، الذي كان الأقوى لأنّه كان مؤيَّدًا بسانشو، ملك نافار القويّ، الذي كان قد تزوّج ابنته لتوّه 2)، وبابن عمّه

1 انظر ميثاق سنة 919، المنشور في Esp. sagr.، ج. XXXIV، الوثيقة 12، وميثاق سنة 920 الذي يذكره Morales، ج. III، ورق 197 ظهر، وميثاق سنة 921 الذي يذكره ريسكو، Esp. sagr.، ج. XXXVII، ص. 269، 270، وميثاق سنة 922 المنشور في Esp. sagr.، ج. XIV، ص. 384، إلخ.

2 في كانون الثاني/يناير 924 لم تكن أونيقة قد تزوّجت بعد، كما يتبيّن من ميثاق يوجد في Esp. sagr.، ج. XXXIII، ص. 468.

ص 165

161

الشقيق، ألفونسو الآخر، الابن البكر لفرويلة الثاني، غلب أخاه وارتقى العرش. فملك سنةً وبعض أشهر، إذ توجد مواثيق تُسمَّى فيها سنة 926 السنة الثانية من ملك ألفونسو في ليون 1). وفي هذه الأثناء جمع سانشو، الذي لم يكن رجلًا يرضى أن يزيحه أخوه الأصغر، وكان أخوه رميرو حليفًا له، الجيوش؛ ثمّ، بعد أن تُوِّج في سانتياغو دي كومبوستيلا 2)، جاء فحاصر ليون، وأخذ هذه المدينة وانتزع العرش من أخيه. ولا بدّ أن يكون هذا قد وقع في صيف سنة 926 أو خريفها، إذ إنّ سانشو في ميثاقٍ مؤرَّخ في 16 نيسان/أبريل 927 يسمّي هذه السنة الأخيرة السنة الأولى من ملكه 3). على أنّه يبدو أنّه عامل أخاه معاملةً كريمة ومنحه مقاطعةً ليتولّى أمرها؛ والذي يحملني على هذا الاعتقاد أنّ الميثاق الذي ذكرته للتوّ يحمل لا توقيع الملك سانشو فحسب، بل توقيع الملك ألفونسو أيضًا. وهذا الأخير، ولا حاجة تقريبًا إلى القول، يوقّع بعد أخيه.

وأرى أنّه في سنة 928 حاول ألفونسو أن يستردّ التاج. وابن حيّان، صحيحٌ، يقول إنّه كان له معينًا سانشو النافاري، ولمّا كان هذا الأخير قد مات سنة 926، يبدو أنّ المؤرّخ العربيّ يريد أن يُفهم أنّ الانتفاضة التي أثارها

1 Esp. sagr.، ج. XXXIV، ص. 235، 236.

2 ميثاق 21 تشرين الثاني/نوفمبر 927، في Esp. sagr.، ج. XIX، ص. 360.

3 Esp. sagr.، ج. XVIII، ص. 321.

ص 166

162

ألفونسو وقعت قبل سنة 926 أو في تلك السنة نفسها؛ لكنّ المواثيق تعارض قبول قولٍ كهذا، فأُؤثر أن أعتقد أنّ ابن حيّان سمّى سانشو خطأً وأنّه كان ينبغي أن يسمّي ابنه وخليفته غارسيا. ثمّ إنّه بعيد الاحتمال جدًّا أن يكون أهل نافار، في سنة 925 أو في السنة التالية، قد حملوا سلاحهم إلى مملكة ليون، فقد كان عبد الرحمن الثالث قد خرّب بلادهم سنة 924، من غير أن يستثني العاصمة، على أبشع وجه، وبعد رحيل السلطان كان لا بدّ أن يشغلهم من شؤونهم ما يمنعهم أن يتدخّلوا، والسلاح في أيديهم، في خلافات جيرانهم.

ولمّا أراد ألفونسو أن يعود إلى العرش، توجّه إذن إلى صهره غارسيا، ملك نافار، وإلى ألفونسو الآخر، الابن البكر لفرويلة الثاني. فأجاب كلاهما دعوته؛ لكنّ حملة الحلفاء ساءت؛ فهُزموا وتفرّقوا؛ والعبارة التي يستعملها ابن حيّان 1) تبدو حتّى كأنّها تُفهم أنّ الشقاق دبّ بينهم. غير أنّهم تصالحوا فيما بعد، ثمّ ساروا من جديد على سانشو، وكانوا أسعد حظًّا هذه المرّة فطردوه من العاصمة. ويُعلمنا ميثاق 2) أنّ ألفونسو كان يملك في ليون في تشرين الأوّل/أكتوبر 928، ومواثيق امتيازٍ أخرى كثيرة تُثبت

2 Esp. sagr.، ج. XXXIV، ص. 258.

ص 167

163

أنّه بقي على العرش، على الأقلّ، حتّى 1 آذار/مارس 951 1).

ولمّا طُرد من ليون، طلب سانشو ملجأً فوجده في جليقية، ولمّا كانت هذه المقاطعة تبدو شديدة الولاء له، ظلّت تعترف به ملكًا لها. هذا ما يتبيّن من ميثاقٍ مؤرَّخ في 10 حزيران/يونيو 929، يُدعى فيه سانشو، بلاتينية رديئة جدًّا: «serenissimus Rex Dñs. Sancius, universe urbe Gallecie princeps 2).»

وبحسب ابن حيّان، ولّى سانشو، حين اقتصر على جليقية وحدها، أخاه رميرو على الجزء الغربيّ، أو بالحريّ الجنوبيّ، من مملكته، على ذلك الجزء الأقرب إلى أرض المسلمين، أي على المقاطعة التي تحمل اليوم اسم بايرة. ومقطعٌ لسامبيرو يؤيّد، على نحوٍ غير مباشر، قول المؤرّخ العربيّ هذا. يقول سامبيرو إنّ ألفونسو الرابع، لمّا عزم على الترهّب، «nuntios misit pro fratre suo Ranimiro in partes Visei 3), dicens qualiter vellet a Regno discedere et fratri suo tribuere.»

1 انظر الميثاق الذي نشره برغانثا، ج. IX، ص. 378، الوثيقة 21.

2 Esp. sagr.، ج. XIX، ص. 131.

3 طبعة فلوريث تحمل Virci، وقد ظُنّ في هذه الكلمة أنّها تدلّ على قُمْسية بيرثو أو فييرثو؛ لكنّهم نسوا أنّ بيرثو كان يُسمَّى في العصر الوسيط، لا Vircus أو Vircum، بل Bergidum أو Bercidum أو Berizum؛ انظر Esp. sagr.، ج. XVI، ص. 31، 32. وبحسب فلوريث نفسه، توجد قراءة Visei، وهي الوحيدة الصحيحة، في عدّة مخطوطات لسامبيرو. وأجدها في مخطوط ليدن، وعند راهب سيلوس، وعند لوقا التويّ، وفي Crónica general.

ص 168

164

والحال أنّ فيزيو كانت بعينها عاصمة المقاطعة التي كان رميرو واليها؛ وهناك أيضًا كان يقيم أبوه أردونيو في الزمن الذي لم يكن فيه بعدُ إلّا واليًا على جليقية 1).

ولا بدّ أن يكون موت سانشو قد وقع في شهر تمّوز/يوليو من سنة 929، كما أثبت فلوريث من قبل، حين نبّه إلى أنّ سانشو، بحسب الميثاق المذكور أعلاه، كان حيًّا بعدُ في 10 حزيران/يونيو 929؛ وأنّ اسمه منذ ذلك الحين لا يوجد في المواثيق؛ وأنّ ألفونسو في شهر آب/أغسطس من تلك السنة نفسها 929 لا بدّ أن يكون قد ملك في جليقية، إذ منح في ذلك الوقت ولاية جزءٍ من هذه المقاطعة للقُمْس غوتيرّي.

السابع

ألفونسو الرابع ورميرو الثاني.

بعد المقطع الذي استشهدت به، يتحدّث ابن حيّان أيضًا عن الحرب التي نشبت بين ألفونسو الرابع وأخيه رميرو الثاني. وما يقوله في هذا الشأن يتّفق على الجملة مع رواية سامبيرو؛ لكنّه، إذ يورد تفاصيل زائدة، أعتقد أنّ القارئ لن يسوؤه أن يملك هذا المقطع أيضًا. وإليك 2):

«ملك ألفونسو (الرابع) سبع سنين؛ ثمّ ترهّ-

1 انظر Mon. Sil.، ف. 42 في آخره.

2 النصّ في الملحق، الرقم VIII.

ص 169

165

ب 1)، وملك أخوه رميرو (الثاني) مكانه. لكنّ ألفونسو فيما بعد نزل عن الرهبنة، وثار على أخيه رميرو واستولى على مدينة سيمانقاس. ولمّا أنكر الناس إنكارًا صريحًا ما فعل، عاد إلى الدير؛ لكنّه تركه للمرّة الثانية واستولى على مدينة ليون. ورميرو، الذي كان عندئذٍ في الطريق ليغزو ناحية سمّورة، رجع على أعقابه، وحاصر ليون وأخذ هذه المدينة عنوةً، في سنة 320 (932). وبعد أن ألقى أخاه أوّلًا في السجن، سمل عينيه فيما بعد، وكذلك عيون عدّة من أبناء أعمامه الأشقّاء 2) ممّن رآهم خطرًا على تاجه.»

وإذا قورنت هذه الرواية برواية سامبيرو (ف. 21)، يُلاحَظ أنّ ألفونسو عند هذا الأخير لا يغادر الدير إلّا مرّةً واحدة، بينما يخلع عند ابن حيّان المسوح، ثمّ يرتديها، ثمّ يخلعها مرّةً أخرى، ويُرى فضلًا عن ذلك أنّ سامبيرو لا يتكلّم عن سيمانقاس.

ولا أرى أيّ سبب يدعو إلى الارتياب في شهادة المؤرّخ القرطبيّ، ويبدو لي

1 في سنة 981.

2 بدل أبناء الأعمام الأشقّاء يقول النصّ الإخوة. وهذا خطأ؛ فيُعلم من سامبيرو أنّ الأمراء الذين سمل رميرو أعينهم، كما سمل عيني ألفونسو الرابع، كانوا أبناء فرويلة الثاني الثلاثة: ألفونسو وأردونيو ورميرو. والغريب أنّ سامبيرو، في موضعٍ آخر (ف. 26)، يقول مثل ابن حيّان: »Adephonsi Regis, qui orbatus fuerat oculis cum fratribus suis.«

VIII. Massacre des moines de Cardègne

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 170

166

أنّ روايته قد تتوافق تمامًا مع رواية المؤرّخ المسيحي. وسأكتفي إذن بملاحظة أنّ ألفونسو كانت له أسباب وجيهة ليجعل من سيمانقاس مسرحًا لتمرّده. | فقد كان، رغبةً منه في محاباة أحد أصدقائه، قد فصل هذه المدينة عن أبرشية ليون التي كانت تتبعها، ورفعها إلى رتبة أسقفية 1). فكان يظنّ بلا ريب أنّه يستطيع الاعتماد على عرفان الأسقف الجديد.

السابع

مذبحة رهبان كاردينيا

من بين الأديرة القشتالية الكثيرة في العصور الوسطى، قلّما وُجد ديرٌ يضاهي دير القديس بطرس في كاردينيا شهرةً. يقع على بعد فرسخين شرق بورغوس، في بلاد باردة عقيمة المنظر موحشة، لكنّها بما تمتاز به من عزلة تصلح ملاذًا للنفوس التقية التي نبذت زخارف الدنيا لتعيش في توبة متواصلة، وكان يفاخر بامتلاكه قبور السيّد وزوجته خيمينا وحشدًا من الملوك والملكات وسواهم من الأعلام؛ غير أنّ أعظم ما يستحقّ به تبجيل المؤمنين كان شهيديه المئتين، ورهبانه المئتين

1 Esp. sagr., t. XXXIV, Escr. 20. أُلغيت أسقفية سيمانقاس، سنة 974، على يد إلبيرة، وكانت يومئذٍ وصيّة على المملكة.

ص 171

167

الذين ذُبحوا في يوم واحد، في ساعة واحدة، على أيدي برابرة السراسنة. وإلى آخر العصور الوسطى، حتى الزمن الذي انتزع فيه فرناندو وإيزابيلا من الكفرة آخر ملجأ بقي لهم في شبه الجزيرة الإسبانية، كانت معجزة سنوية تُحيي ذكرى هؤلاء القديسين: ففي ذكرى موتهم كانت البلاطات التي تغطّي جثثهم تصطبغ بالدم.

في أيّ عصر وعلى يد أيّ جيش ذُبح هؤلاء الرهبان؟ يبدو للوهلة الأولى أنّ نقشًا قديمًا في كاردينيا يقدّم عن هذا السؤال جوابًا بالغ الدقة؛ لكن بالتأمّل عن كثب يتبيّن أنّه ليس كذلك في الحقيقة. وهذا النقش 1) نصّه كما يلي:

EnA DCCC. LXXII. III. r. VIII. IDus AG. ADLISA EST KARADIGNA ET INTERFECII SUNT IBI PER REGEM ZEPHAM CC. MONACHI DE GREGE DOMINI IN DIE SS. MARTYRUM IUSTI ET PASTORIS.

فينبغي أن نلاحظ أوّلًا، كما فعل فلوريث من قبل، أنّ هذا النقش (وهو الوثيقة الوحيدة القائمة عن الشهداء، إذ إنّ الملاحظة الواردة في الحوليات الإسبانية لكاردينيا 2) ليست إلّا ترجمة له) ينطوي على خطأ في المعنى. فما حمل ملكٌ من ملوك المور قطّ

1 يوجد عند Moralès، Opusculos, t. I, p.28، وعند برغانثا، t.I, fol.134، وفي Esp. sagr., t. XXVII, p. 112، وفي مواضع أخرى.

2 Esp. sagr., t. XXXIII, p. 371.

ص 172

168

اسم Zepha؛ فهذه الكلمة التي يكتبها عادةً المؤرّخون اللاتين azeipha هي اللفظ العربي «صائفة»، أي حملة في الصيف، ومن ثمّ الجيش الذي يقوم بمثل هذه الحملة. فمؤلّف النقش إذن قد اتّخذ خطأً اسمًا عامًّا على أنّه اسم علم. لكنّ ما هو أشدّ حرجًا هو التاريخ، ففي سنة 834 لم يقع السادس من آب، يوم القدّيسين Just و Pasteur، في يوم أربعاء بل في يوم خميس. وقد لوحظ هذا الأمر منذ زمن بعيد؛ غير أنّ ظرفًا لم يُلتفت إليه بعد وهو مع ذلك جدير جدًّا بالملاحظة، وهو أنّه في سنة 854 (219 للهجرة) اقتصر الجيش المسلم، بدلًا من التوغّل في قشتالة، على تخريب أراضي طليطلة، إذ كانت هذه المدينة قد تمرّدت على السلطان 1).

ولمّا رأى العلماء الإسبان أنّ يوم الأسبوع ويوم الشهر لا يتوافقان، حاولوا حلّ هذه الصعوبة بطرق شتّى. ومن الفضول تعدادها كلّها؛ فحسبنا أن نقول إنّ معظم هؤلاء العلماء، ومنهم برغانثا وفلوريث والأب ألفونسو Chacon، الذي نشر كتيّبًا عن شهداء كاردينيا، يرون أنّ كلمة ère في النقش لا تدلّ على تقويم قيصر بل على سنة التجسّد، نظرًا إلى أنّ السادس من آب سنة 872 وقع فعلًا في يوم أربعاء. ويجب أن أعترف بأنّ هذا التفسير

1 انظر ابن عذاري، t. II, p. 86.

ص 173

169

يبدو لي غير مقبول. فمن المجازفة دائمًا، حين يتعلّق الأمر بوثيقة قديمة (وما شكّك أحد في قدم هذا النقش)، أن يُعطى لكلمة ère معنى غير الذي لها في كلّ موضع آخر؛ إنّه حلّ اضطراري لا أكثر.

وفوق ذلك، وأنا أشدّد على هذه الملاحظة، لم تقع أيّة حملة سنة 872 (258 للهجرة)، لا على قشتالة ولا على أيّ بلد مسيحي 1).

وعندي أنّ الصعوبة ينبغي أن تُحلّ بطريقة أخرى. فلمّا كانت الرواية المحفوظة في الدير تضع المذبحة لا في القرن التاسع بل في القرن العاشر 2)، أرى أنّ النقّاش أخطأ وأنّه سهوًا أغفل حرف C: فكان عليه أن يضع أربعة بدل ثلاثة. ففي التقويم 972، أي سنة 934، وقع السادس من آب يوم أربعاء، وفي تلك السنة نجد الجيش المسلم في الجوار المباشر لكاردينيا. يقول ابن خلدون إنّه في سنة 322 للهجرة، 934 م، حاصر عبد الرحمن الثاني رميرو الثاني في حصن Osma، ثمّ هدم بورغوس وعددًا كبيرًا من الحصون. وفي بورغوس لم يكن يبعد عن كاردينيا سوى فرسخين، وكان هذا الدير يقع تمامًا على طريقه إذ كان قادمًا من جهة Osma. ومن ذلك نستنتج

1 انظر ابن عذاري، t. II, p. 108.

2 برغانثا، t. I, p. 136.

ص 174

170

أنّ جيش عبد الرحمن الثالث، الـ zépha، هو الذي اقترف قسوة ذبح الرهبان المساكين. أمّا الخليفة نفسه فنحن مقتنعون أنّه كان أرحم من أن يأمر بفعلة بربرية كهذه؛ لكنّ جيشه كان يتكوّن في معظمه من أفارقة وبربر، وهؤلاء الجنود، على ما فيهم من ضراوة وقلّة انضباط، كانوا كثيرًا ما يقترفون فظائع لا قبل للخليفة بمنعها.

أعلم جيّدًا أنّه يمكن أن يُعترض عليّ بأنّ دير كاردينيا، بحسب عدّة علماء إسبان، قد أُعيد إسكانه — وفق العبارة المعتمدة — سنة 899، وأنّ المذبحة يجب من ثمّ أن تكون قد وقعت قبل هذا التاريخ. لكنّ اعتراضًا كهذا، لو أُثير، يسهل دحضه. فالنصّ الذي استُنتج منه أنّ كاردينيا أُعيد إسكانها سنة 899، وهو وارد في حوليات Compostelle، يقول ببساطة: في سنة 899 «fuit Cardeña populata.» وهذه الكلمات تعني أنّ الدير أُسّس سنة 899 وأنّ رهبانًا قدموا ليسكنوه؛ وكذلك قُرئ في كتاب قديم من كاردينيا استشهد به Yépès〔؟〕 (t. I, fol. 91, col. 2): «أُسّس هذا الدير (fundése) في التقويم 957» (سنة 899). فهكذا هذا النصّ، بعيدًا عن مناقضة وجهة نظري، يؤيّدها على العكس: فهو يثبت أنّ العصر الذي أُريد تثبيت المذبحة فيه سابق لتأسيس الدير.

IX. Batailles de Simancas et d'Alhandega

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 175

171

التاسع. معركتا سيمانقاس والخندق.

في القرن العاشر لم يكن أي رباط يربط إسبانيا بأوروبا أو بآسيا؛ كانت هذه البلاد معزولة نوعًا ما عن بقية الأرض. وصار الانفصال القديم بين مسلمي ما وراء البحر ومسلمي إسبانيا أتمّ مما كان، إن أمكن ذلك، منذ العهد الذي بدّل فيه عبد الرحمن الثالث لقبه من سلطان إلى خليفة. ومن جهة أخرى، لم تعد لفرنسا، منذ موت شارلمان حليف ألفونسو الثاني، علاقات مع أشتوريس، وبما أن كونتات الثغر استغلّوا ضعف الكارولنجيين ليصيروا مستقلّين، فقد انقطع الرباط الذي كان يربط هذه المقاطعة بفرنسا إلى الأبد. لذلك لم يكن يُبالى، لا في الغرب ولا في الشرق، بما يجري في هذه الزاوية من العالم، حيث اصطدمت ديانتان وعرقان بعنف، وحيث ظلّتا تتقاتلان بلا انقطاع منذ أكثر من قرنين.

مرة واحدة فقط، في مجرى القرن العاشر كله، خُرِج الأوروبيون والآسيويون من خمولهم: وذلك حين هزم رميرو الثاني الجيش العظيم لعبد الرحمن الثالث القوي. وكان هذا النصر كاملًا ساطعًا حتى إنهم تحدّثوا عنه في أعماق ألمانيا كما في أبعد بلدان الشرق، لكن بمشاعر

ص 176

172

مختلفة جدًّا. هنا فرحوا به، وهناك اغتمّوا؛ رأى فيه بعضهم ضمانًا أكيدًا لانتصار الإيمان، ورأى فيه آخرون سببًا لمخاوف جدّية.

ومع ذلك يصعب اليوم جدًّا تقديم معلومات دقيقة عن حملة سنة 939، التي كانت مشهورة جدًّا فيما مضى. فمؤرّخو إسبانيا اللاتين شحيحون للغاية بالتفاصيل، حتى حين يتعلّق الأمر بانتصارات أبناء دينهم، والمؤرّخون العرب، الذين يكملونهم كثيرًا في ظروف أخرى، هم هذه المرة أوجز منهم أيضًا. ومؤلّف موسوعي من بغداد هو الكاتب المسلم الوحيد الذي يزوّدنا برواية مفصّلة بعض الشيء؛ أمّا المؤرّخون العرب الإسبان أو الأفارقة فيمرّون بأقصى سرعة ممكنة على هذه الحملة الكارثية. كانوا يودّون محو هذه الصفحة من حولياتهم؛ وسعى بعضهم إلى ذلك فعلًا: فإذا عرضوا لسنة 939 لزموا صمتًا عميقًا. فابن عذاري مثلًا، وحوليّاته أوفى ما بين أيدينا جملةً، لا يقول شيئًا مطلقًا عن حملة سنة 939. ويبدو أنه رأى أن شرف الأمّة يأمر بكتمان حتى اسم بعض ساحات القتال.

غير أنه لا ينبغي أن نتخيّل أن الحوليات العربية لا تتضمّن في هذا الموضوع شيئًا يستحقّ أن يُروى. فما تعطيه قليلًا ثمين

ص 177

173

ويستحقّ بلا ريب أن يُعرف. فسنعرض إذن النصوص التي أمكننا جمعها، لكننا نرى من المفيد أن نعيد قبل ذلك الشهادات اللاتينية.

يقول سامبيرو (ف 22، 25) بهذه العبارات:

Postea Abderrachmam, Rex Cordubensis, cum ma- gno exercitu Septimancas properavit 1. Rex noster Catholicus haec audiens, illuc ire'disposuit cum magno exercitu, et ibidem dimicantibus adinvicem , dedit Dominus victoriam Regi Catholico, qualiter die 11. Feriä, imminente festo Sanctorum Justi et Pasto- ris 2, deleta sunt ex eis LXXX. millia Maurorum. Etiam ipse Aboiahia 3, Rex Agarenorum, ibidem a nostris comprehensus est, et 4 Legionem adductus 5, et ergastulo trusus; quia mentitus est Domino Rani- miro Regi, comprehensus est recto iudicio Dei 6, Illi

1) أضاف مقحِم سامبيرو هنا هذه الجملة: Tunc osten- dit Deus signum magnum in cælo, et conversus est sol in tenebras in universo mundo per unam horam. -

2 عشيّة القدّيسين يوستوس وباستور، أي يوم 5 آب، الذي وقع فعلًا يوم الاثنين في سنة 939.

3 هذا الشخص، الذي سبق أن تحدّث عنه سامبيرو، هو محمّد بن هاشم، والي سرقسطة أو نائب الملك فيها، وسأورد عنه تفاصيل في مقال آخر. وسيُرى بعد قليل أن ابن خلدون يقول أيضًا إن هذا النائب أُسر في معركة سيمانقاس.

4 لا توجد أداة العطف عند فلوريث؛ أمّا مخطوطة ليدن فتعطيها.

5 مخطوطتنا تحمل: advectus.

6 كان قد اعترف أولًا بسيادة رميرو الثاني، لكنه صالح الخليفة لاحقًا.

ص 178

174

vero qui remanserant, itinere arrepto, in fugam ver- si sunt. Rege vero illos persequente, dum ipsi per- venerunt 1 ad urbem quæ dicitur Alhandega, a nos- tris ibidem comprehensi et extincti sunt. Ipse vero Rex Abderrachmam semivivus evasit. Unde nostri multa attulerunt spolia, aurum videlicet 2 et argen- tum et vestes pretiosas. Rex quidem, iam 3 securus, perrexit ad domum suam cum victoriäà magnâ in pace.

Deinde secundo mense post Azeipham, ad ripamTurmi ire disposuit 4, et civitates desertas ibidem po-

1) رأيت أنّه يجب تصحيح ترقيم هذا المقطع. فقد رقّمه فلوريث على هذا النحو: in fugam versi sunt, Rege vero illos persequente. Dum ipsi pervenerunt etc.

2 عند فلوريث تقع كلمة videlicet بعد argentum. وقد اتّبعت مخطوطة ليدن.

3 هذه الكلمة ناقصة عند فلوريث؛ مخطوطتنا تعطيها.

4) طبعة فلوريث تحمل هنا: Deindo post duos menses AÂzei- pham , id est exercitus, ad ripam Turmi ire disposuit. ومخطوطة ليدن: Demum post duos dies azeipham idem exercitus ad ripam cæt. وقد قلت أعلاه إن كلمة azeipha (الصائفة) تعني حملة الصيف، ومن ثمّ الجيش الذي يقوم بمثل هذه الحملة. ولم يكن رودريغو الطليطلي يعرف ذلك. فلمّا وجد في مخطوطته من سامبيرو القراءة نفسها التي في طبعة فلوريث، واتّخذ azeipha اسمًا علمًا، كتب أن جيشًا من السراسنة يقوده الأمير Aceipha وصل إلى ضفاف التورمس. والخطأ نفسه يقع عند لا أدري كم من المؤرّخين. وفي ما بعد، حين فُهم أخيرًا أن azei- pha ليست اسم قائد، وقع الناس في خطأ أقلّ غرابة، لكنه لا يقلّ جسامة، إذ قالوا إن azeipha تعني هنا جيش رميرو، وإن معنى المقطع: بعد شهرين خرج رميرو من جديد في حملة بجيش، و توجّه إلى التورمس. ولنفرض أن azeipha يمكن أن تعني جيش

ص 179

175

pulavit. Hæ sunt Salmantica, sedes antiqua castro- rum, Letesma 1, Ripas 2, Balneos 3, Alhandega, Pen- na 4, et alia plurima castella, quod longum est prae- notare.

قبل أن نمضي أبعد، ينبغي أن نبيّن أين كان الخندق، ذلك المكان الذي اختفى منذ زمن بعيد جدًّا، لكن سامبيرو يذكره مرّتين،

رميرو، لما بنى المؤلّف فعل الذهاب (aller) مع مفعول به؛ بدل أن يقول: azeipham ire disposuit لقال: cum uzeiphä ire، أو: azeïpham mittere؛ لكن الكلمة المعنية لا يمكن أن تدلّ على جيش ليوني؛ فالمؤرّخون لا يستعملونها ولا كانوا ليستعملوها إلا في حديثهم عن جيش مسل- م. ومن اليقين أن النصّ حرّفه ناسخ جاهل وأن يجب تصحيحه كما فعلت. لا ريب أن سامبيرو كتب هكذا: Deinde IL. mense post Azcipham. وقد أفسد النقل الذي فعله ناسخ غافل: post II. mense (menses) كلّ شيء، وكلمات: id est exercitus حاشية واضحة على كلمة azeipha. ويمكن مقارنة هذا المقطع، المماثل تمامًا، عند راهب سيلوس، الذي يقول (ف 68) متكلّمًا عن موت برمودو الثاني: Et secando ânno post Azcipham (بعد حملة المنصور على سانتياغو دي كومبوستيلا) terrâ Bericensi proprio mor- bo in confessione Domini emisit spiritum.

1) يعطي فلوريث: Salmantica Sedes antiqua Castrorum , Letesma. وفي مخطوطة ليدن، حيث الحروف الكبيرة بالأحمر: Salamantica sedes antiqua , Castroram letesma. لكن بما أن سلامنقة ولا ليديسما (Bletisa عند القدماء) لم تكونا معسكرًا رومانيًّا، أعتقد أن سامبيرو يذكر هنا ثلاثة مواضع، كان أحدها قد خدم معسكرًا لقوّات رومانية.

2) يذكر بيلاجيوس (ف 11) ريباث بين المدن التي فتحها أل- فونسو السادس. وهذا الموضع لم يعد موجودًا.

3 لوس بانوس، قرب ليديسما.

4) بينيا أوسندي، بين ليديسما وسمّورة. — يؤكّد ريسكو، في تاريخ ليون (ج I، ص 196)، أن أرشيف هذه المدينة يحوي وثائق تتعلّق بإعادة إسكان بعض هذه المواضع. ويُرغب في أن تُنشر.

X. Date de la mort de Ramire II

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 180

186

كان يُكتب في المشرق، أن يحصّلوا أخبارًا دقيقة عمّا يجري في إسبانيا. أفلم نرَ أن ابن خلدون، وهو عادةً حسن الاطلاع على شؤون هذا البلد، قد انخدع مع ذلك، حين كان في القاهرة، بإشاعة كاذبة تُضحكنا؟ فنظرًا إلى القرن الذي عاش فيه المسعودي وإلى البلد الذي وُلد فيه، ينبغي إذن أن نغفر له أخطاءه وزلّاته؛ لكننا لا نستطيع أن ندّعي لأنفسنا التسامح نفسه إذا لم نحترس، في القرن الذي نحن فيه، من روايات تقوم على أخبار بيّنة البطلان.

العاشر. في تاريخ وفاة رميرو الثاني.

بحسب الرأي الشائع، مات رميرو الثاني في كانون الثاني 950، ويبدو أن هذا الرأي يستند لا إلى شهادة وثيقتين فحسب، إحداهما من 25 كانون الثاني والأخرى من 25 آب 950، وتسمّيان تلك السنة الأولى من حكم أردونيو الثالث، بل كذلك إلى شهادة المؤرّخ سامبيرو. غير أن وثائق أخرى تشهد بأن رميرو كان لا يزال حيًّا بعد 5 كانون الثاني 950 بعشرة أشهر على الأقل، فقد رأى فلوريث 1) وريسكو 2)

1 Esp. sagr., t. XIV, p. 449.

2 Ibid., t. XXXIV, p. 255.

ص 181

187

أن رميرو، وقد أحسّ بمرض خطير، تنازل عن العرش في 5 كانون الثاني 950، وأنه عاش بعد تنازله عشرة أشهر.

وبكلّ ما في الأمر من تأمّل، يبدو لي هذان الرأيان غير مقبولين على السواء. أمّا الرأي الأخير، فيناقضه نصّ سامبيرو. ويعبّر هذا المؤرّخ بهذه العبارات: « Ad Legionem reversus , ab omnibus Episcopis, Abbatibus valde exhortatus confessionem accepit , et vespere Apparitionis Domini ipse se ex proprio 1) Regno abstulit, et dixit: — Nu- dus egressus sum ex utero matris meæ, nudus rever- tar illuc. Dominus sit adiutor meus, non timebo quid faciat mihi homo. — Proprio morbo decessit , et sepultus fuit» cæt. ولأقلّ قارئ يقرأ هذا النصّ بلا تحيّز يستنتج منه هذا: تنازل رميرو في 5 كانون الثاني، كما كان الملوك يفعلون دائمًا في اللحظة الأخيرة من الحياة؛ لكنه لم يعش بعد هذا التنازل إلا قليلًا، وإن لم يمت في يوم 5 كانون الثاني نفسه، فإنه مات بعد أيام قليلة على الأقل.

وأرى أن أثبّت وفاة رميرو في شهر كانون الثاني 951، وإليكم الأسباب التي أبني عليها:

1° في مخطوطتنا لسامبيرو، ليس التاريخ التقويم 988، كما في طبعة فلوريث، بل 989، أي سنة 951 م.

1 تضيف طبعة فلوريث morbo. وهذه الكلمة زائدة؛ لذلك لا توجد في مخطوطة ليدن.

ص 182

188

2° يعطي سامبيرو لرميرو حكمًا مدّته تسع عشرة سنة وشهران وخمسة وعشرون يومًا. ولن يكون هذا الحساب صحيحًا لو مات رميرو في كانون الثاني 950، فكان عندئذٍ قد بدأ الحكم في تشرين الأول 930، بينما تُعلّمنا الوثائق 1) أن سلفه ألفونسو الرابع كان لا يزال يحكم في آذار 931. فقراءة مخطوطة ليدن هي إذن الصحيحة.

3° يروي مؤرّخان عربيان، ابن عذاري (t. II, p. 253) وابن خلدون (أعلاه، ص 104)، أن رميرو مات سنة 339 للهجرة. وكانت هذه السنة تبدأ في 20 حزيران 950 وتنتهي في 8 حزيران 951. وفوق ذلك، يضع ابن عذاري، إذا حكمنا من ترتيب سرده للوقائع، موت الملك الليوني بعد شهر رجب، أي بعد كانون الأول 950، وبما أنه ينسخ عادةً المؤرّخ عريب الذي كان يعيش في ذلك العصر، فشهادته ذات وزن كبير.

4° ثماني وثائق من سنة 950 تقول إن رميرو كان حيًّا ويحكم في خلال تلك السنة. وإليكم تواريخها:

22 كانون الثاني. Regnante Serenissimo Rex Ranimiro in Obieto, et Comite Fredinando Gundisalviz in Cas- tella. برغانثا، t. II, Escr. 45.

1 شباط. Regnante Rex Ranimiro in Legione, et Comite Fredinando Gundisalviz in Castella. برغان- ثا، t. II, Escr. 46.

1 انظر أعلاه، ص 163.

ص 183

189

1 آذار. Principe Ranimiro in Obieto, et Comite Fredinando Gundisalviz in Castella. برغانثا، t. II, Escr. 47.

1 أيار. Regnante gloriosissimo Principe Ranimiro in Oveto, et in Castella Comite Fredinando Gundisal- viz. برغانثا، t. II, Escr. 48.

7 أيار. Regnante Principe Ranimiro in Obieto , et filio eius Sanctio in Burgos. برغانثا، t. II, Escr. 49.

17 حزيران. Esp. sagr., t. XXXIV, p. 252. وقد وقّع هذه الوثيقة رميرو نفسه وابناه أردونيو وسانشو.

16 أيلول. Regnante Rex Ranimiro in Obieto, et Sanctio in Castella. برغانثا، t. II, Escr. 49 (في الآخر).

1 تشرين الثاني. Rex Ranimiro in Obieto, et Sanctio prolis in Burgos. برغانثا، t. II, Escr. 50.

5° وثيقة من 5 كانون الأول 952 تسمّي تلك السنة الثانية من حكم أردونيو الثالث. (Yépès, t. V, Escr. 14).

ويبدو لي أن هذه الأسباب كلّها تثبت أن رميرو لم يمت إلا في كانون الثاني 951، وأن في الوثائق التي يُسمّى فيها التقويم 988 السنة الأولى من حكم أردونيو الثالث، قد أغفل النسّاخ وحدةً. ومن المعلوم أن أخطاء من هذا النوع شائعة في سجلات الوثائق.