XI. Zamora, Rueda, Simancas, siège de Léon
ص 184
190
X1.
استيلاء المنصور على سمّورة، معركة الرويدة، الاستيلاء على سيمانقاس، الحصار الأوّل لليون.
ظلّت تواريخ هذه الأحداث إلى اليوم شديدة الاضطراب. تعطي وثيقةٌ تاريخًا لها، على وجه التقريب على الأقل، غير أنّها ربما لم تُفحَص بعدُ بما يكفي من العناية، ولا تعطي الحوليات اللاتينية هذه التواريخ أو تعطيها فاسدة. وابن خلدون هو الذي، في تاريخه لملوك النصارى (أعلاه، ص. 106)، يمدّنا بخيطٍ نخرج به من هذه المتاهة. ومع ذلك، يجب أن أُنبّه سلفًا، فإنّ المسائل الزمنية التي سنشغل بها شائكة جدًّا؛ وتقتضي صبرًا عظيمًا وانتباهًا متصلًا، وهي إذا نُظِر إليها في ذاتها لا تنطوي على ما يجذب. لكن لا تاريخ بلا تسلسل زمني؛ فهو علم جافّ وناكر للجميل كثيرًا، غير أنّ المؤرّخ لا يهمله أبدًا من غير أن يدفع الثمن. فأطلب إذن المعذرة لما سيتّسم به هذا الفصل حتمًا من يُبْس؛ وأورده لأنّي أحرص حرصًا شديدًا على تسويغ التسلسل الزمني الذي رأيت أن أتّخذه في تاريخي للعرب في إسبانيا.
هذا ما قلته كي يتسلّح القارئ بالصبر، فأدخل في الموضوع.
يضع ابن خلدون الوقائع على هذا الترتيب:
ص 185
Aluianzor isstezs 7.0. d _ ensuits dans _—-
| EM a _. comte de Les _- - 7-
—_0
Les ais ——-= + om —_ mancas :a… = -—_ Lars me _. me nous =- :- 1 02. 2 2 LU sont battus -_— -—- x27;-
Les Ga: -___—_ :- _ semble p:—> _—e -L-1 ==
Ce d:-= — le 135 @- --- - - _-
[Ibn-kk: 1 1 —. que. I":
lieu =-.- z_--
ons. =: -_=-
Men os -
tres 220 0-
Lt Je ris - -
slez- 2 ! - - , 0 - S
féort -°52 IC - - :
fui += - : _ ns Sirc:20 : 2: ’ . , 2 - 2° = ." ann + ‘ .
- Ç ,x27; (+ - Lee 1R Vie ee Le 12 SAV AE 0 US
ص 186
192
ــة، فإنّ في مقالٍ سيريّ عن الأمير من الدم الملكي عبدالله، الملقّب بالحجر اليابس، يقول ابن الأبّار هذا 1) :
«كان هذا الأمير يقود مقدّمة المنصور، في الوقت الذي قتل فيه غالبًا على الثغر، ثمّ أغار على جليقية في مستهلّ محرّم 371، ومعه خيّالة طليطلة والقوّات النظامية ومشاة الجيش كلّهم. وفي تلك المناسبة حاصر عبدالله سمّورة، لكنّه لم يوفَّق إلى الاستيلاء على قلعة تلك المدينة. وأعمل السيف والنار في البلاد المجاورة كلّها، وفي ناحيةٍ واحدة دمّر نحو ألف قريةٍ معروفة الأسماء، كان فيها كثير من الكنائس والأديرة. ثمّ عاد إلى قرطبة بأربعة آلاف أسير، بعد أن ضرب أعناق عددٍ يكاد يساويه من النصارى.»
وإذا رُوجع النصّ العربي لهذا الموضع، فقد يبدو للوهلة الأولى مشكوكًا فيه إن كان التاريخ الوارد فيه يعود إلى موت غالب أم إلى الحملة على جليقية. غير أنّ التفسير الأخير هو الأقرب إلى الطبع، ويؤيّده شهادة ابن عذاري. فهذا المؤلّف لا يعيّن العصر الدقيق لموت غالب؛ لكنّه بعد أن تكلّم عنه يفتتح فصلًا جديدًا يروي فيه أحداث سنة 371. فمن
1 النصّ في الملحق، رقم X.
ص 187
193
الثابت إذن أنّ غالبًا قُتل قبل سنة 371، على الأرجح نحو أواخر 370، وأنّ التاريخ الوارد عند ابن الأبّار هو تاريخ الحملة على جليقية. فاستُولِي على سمّورة إذن نحو شهر محرّم 371، أي نحو شهر يوليو 981. وأحسب أنّ سيمانقاس أُخذت في نحو العصر نفسه. تثبّت Annales Complutenses هذا الحدث في سنة 983، وحوليات كاردينيا، وكذلك Annales Toledanos I، في السنة التالية؛ لكنّ هذين التاريخين فاسدان كلاهما. ومن الثابت أنّ سيمانقاس أُخذت قبل شهر يوليو 982؛ وما يثبت ذلك هو نقش قبر امرأة رجلٍ كان، كما سنرى بعد قليل، قد أُسر بعد سقوط المدينة. وكان هذا النقش، المحفور على لوحٍ كبير من الرخام، يوجد في القرن السادس عشر في دير القدّيس أسيسكله بقرطبة، وقد نشره موراليس〔؟〕 (ج. III، ورقة 268 ظهر). وكان يحمل
هذه الكلمات: OBIT. FAMULA. DEI, DOMINICUS 1. SARRACINI. UXOR. ERA. T. VICESIM. V. KAL. AGS.
فماتت زوجة Domingo Sarraciniz إذن في قرطبة، في 28 يوليو 982. وستُطلِعنا وثيقةٌ بالغة الأهمية لبرمودو الثاني خيرًا
1) بدلًا من: Dominici. 13
ص 188
194
ممّا تفعل الحوليات الصغيرة. يروي الملك فيها هذا: لمّا استولى السراسنة على سيمانقاس، قُضي بالسيف على معظم السكّان؛ غير أنّ بعضهم، وكان من بينهم Domingo Sarraciniz، الذي كان يملك أملاكًا واسعة في سمّورة وفي نواحي تلك المدينة، جُرّوا إلى قرطبة مقيّدين بالحديد. وبقوا هناك أسرى مدّة سنتين ونصف. وكان برمودو الثاني شديد الاهتمام بمصير هؤلاء البائسين؛ فأراد أن يفديهم من الأسر، وكان قد أرسل إلى ذلك رسلًا إلى قرطبة، حين قطع السراسنة رؤوس الأسرى 1). عندئذٍ استولى رميرو الثالث، منافس برمودو الثاني، على أملاك Sarraciniz، الذي كان قد مات بلا وصيّة ومن غير أن يترك وارثًا طبيعيًّا. ويندّد برمودو الثاني بهذا الفعل تنديدًا شديدًا؛ فعنده لا يليق برجلٍ علماني أن يملك ميراث شهيدٍ، قديسٍ، — فإنّ مثل هذا الميراث لا يعود إلّا إلى الكنيسة، — وهو الآن، وقد غدا يحكم وحده (لأنّ منافسه كان قد مات)، يهب، بمقتضى هذه الوثيقة، جزءًا كبيرًا من أملاك Sarraciniz لكنيسة سانتياغو دي كومبوستيلا.
. عند موراليس، الذي نشر، في طبعته ليولوغيوس 2)، هذه الوثيقة أوّل مرة اعتمادًا على سجلّ
1) Et iam nuntii mei in vi& erant, quos pro illis miseram, quando ipsum martyrium consummatum est.
2) Apud Schott, Hisp. illustr, t. IV, p. 353, 354. وأُعيدت طباعة الوثيقة في Esp. sagr. ، ج. XIV، الملحق 10.
ص 189
195
كومبوستيلا، يأتي تاريخها: IIII Idus Februarii, Era post millenam tertia scilicet et décima ، أي 10 فبراير 975؛ لكن بما أنّ برمودو الثاني لم يُنادَ به ملكًا إلّا في 982، وأنّ رميرو الثالث لم يمُت إلّا في 984، فبديهي أنّ هذا التاريخ فاسد. وقد أمر فلوريث بالتحقّق منه على السجلّ 1)، فوجد فيه: VII Idus Februarii, Era post mille- nam III. seilicet XX ، أي 7 فبراير 988 2). وبحسب هذه الوثيقة، أُخذت سيمانقاس قبل موت رميرو الثالث بأكثر من سنتين ونصف؛ فيجب إذن أن نبدأ بالتحقّق من تاريخ هذا الموت. كان موراليس يعدّ هذه المسألة الزمنية من أصعب المسائل، وكانت كذلك في زمانه؛ لكنّي أحسب أنّ لدينا اليوم موادّ كافية لحلّها. عدّة وثائق من سنة 984 تحمل الصيغة: Regnante Rege Ranimiro in Legio- ne ؛ لكنّها كلّها، إن لم أكن مخطئًا، من النصف الأوّل من تلك السنة؛ ولسببٍ سأبيّنه بعد حين، بل هي سابقة لـ 24 أبريل؛ وآخرها، فيما يبدو، من 13 مارس 3). وفي مستهلّ 985 كان رميرو قد انقطع عن الحياة، يشهد بذلك وثيقة برمودو الثاني التي حلّلتُها. فيجب إذن أن يكون قد مات نحو منتصف 984،
1 انظر Esp. sagr. ، ج. XIX، ص. 179.
2) لا ينبغي تغيير هذا التاريخ، كما أراد فلوريث أن يفعل. فهو صحيح؛ أمّا تاريخ وثيقة Celanova ، الذي يذكره فلوريث ج. XIX، ص. 167، ففاسد.
3 انظر Esp. sagr.، ج. XXXTIV، ص. 294، 295.
13*
ص 190
196
وبفضل Annales Complutenses، حيث العصر محرَّف تحريفًا فادحًا (بدل MXLII، كما يرد في طبعة برغانثا، ينبغي أن يُقرأ MXXII)، نستطيع أن نعيّن الشهر، بل يوم الشهر. يُقرأ فيها أنّ رميرو مات يوم الخميس 26 يونيو. ولمّا كان 26 يونيو في سنة 984 قد وقع فعلًا يوم خميس، فإنّ هذا التاريخ صحيح بلا ريب. غير أنّ ثمة صعوبة: فوثيقة من 24 أبريل تسمّي برمودو الثاني ملكًا حاكمًا في ليون 1) (وكان قبل ذلك لا يحكم إلّا في جليقية). لكنّ هذه الصعوبة ظاهرية فحسب: فكلّ شيء يحمل على الاعتقاد بأنّه بين 13 مارس و24 أبريل استولى برمودو على ليون وطرد منها منافسه. وبالفعل، في وقت موته لم يكن رميرو في ليون، كما يزعم سامبيرو〔؟〕. فلو كان فيها، لَدُفن فيها إلى جانب أبيه وجدّه، بدل أن يُدفن على بُعدٍ كبير من ليون، في Destriana، جنوب أستورقة〔؟〕، كما يخبرنا مُقحِم سامبيرو، وكان هذا المُقحِم هذه المرّة حسن الاطّلاع، فإنّ لوكاس دي توي〔؟〕 يروي (ص. 106) أنّه بعد نحو مئتي سنة، أي في زمانه، نقل فرديناند الثاني〔؟〕 ملك ليون إلى أستورقة رفات رميرو الثالث التي كانت ترقد في Destriana. فيرجَّح إذن أنّ رميرو، وقد طُرد من عاصمته، ذهب يلتمس ملجأ في نواحي أستورقة، وأنّه كان ينتظر هناك
1 Esp. sagr., t. XXXIV, Escr. 22.
ص 191
197
المسلمين، حلفاءه آنذاك 1)، وأنّه مات في Destriana، في 26 يونيو 984 2).
وإذا استُحضر الآن: 1° أنّ سيمانقاس أُخذت قبل موت رميرو بأكثر من سنتين ونصف؛ 2° وأنّ هذا الحدث لا يمكن أن يكون قد وقع في الشتاء، لأنّهم في ذلك الزمان لم يكونوا يغزون ولا يحاصرون في تلك الفصل، و3° وأنّه لا يمكن أن يكون قد وقع قبل سنة 981، — فعندئذٍ، أجسر على الاعتقاد، يُرى أنّ سيمانقاس أُخذت في نحو العصر نفسه الذي أُخذت فيه سمّورة، أي نحو شهر يوليو أو أغسطس 981.
فتسلسل الوقائع التي تكلّمنا عنها هو إذن هذا:
يوليو أو أغسطس 981. الاستيلاء على سيمانقاس.
28 يوليو 982. موت زوجة Sarraciniz، في قرطبة.
يناير أو فبراير 984. برمودو الثاني يرسل رسلًا إلى قرطبة. قطع رؤوس Sarraciniz و سائر الأسرى.
مارس أو أبريل 984. برمودو ينتزع ليون من رميرو.
26 يونيو 984. موت رميرو.
1 قارن ابن خلدون، أعلاه، ص. 107.
2) وثيقة حلّلها موراليس (ج. III، ورقة 264 وجه) لا تفيد في هذه المسألة. وهي ليست، في ظنّي، لبرمودو الثاني، بل لأردونيو الثالث〔؟〕 ومن سنة 951. ولعلّ برمودو الثاني إنّما أكّدها فحسب.
XII. Prise de Léon par Almanzor
ص 192
198
7 فبراير 98b. برمودو يهب أملاك سراسينيث〔؟〕 لكنيسة كومبوستيلا.
أمّا حصار ليون، الذي أورد راهب سيلوس (ف 71) عنه تفاصيل شيّقة، والذي بقي بلا نتيجة، فقد وقع، بحسب المؤرّخ الذي سمّيته للتوّ، مع اقتراب الشتاء وقبل العهد الذي نُودي فيه برمودو ملكًا في جليقية؛ ويؤكّد ابن خلدون ذلك ويتّفق معه المؤرّخ اللاتيني. فلا يمكن إذن تعيينه إلا في خريف سنة 981.
الثاني عشر. استيلاء المنصور على ليون.
لوكاس دي توي (ص 87) هو المؤلّف الوحيد الذي يورد بعض التفاصيل عن الاستيلاء على ليون، ومع أنّني بوجه عامّ لا أمنحه إلا قليل ثقة حين يتكلّم عن عصر سابق لعصره، فإنّني أعتقد مع ذلك أنّه في هذا الموضع يستحقّ أن يُصدَّق. فأخذ عاصمة المملكة وتدميرها التامّ كان حدثًا ذا أهمّية استثنائيّة تمامًا؛ كان واحدة من تلك الكوارث المروّعة التي يطول حفظ ذكراها. ثمّ إنّ الرواية كما نجدها عند لوكاس تمتاز ببساطتها ولا تُخطئ في شيء ضدّ المعقول. لكن أحقّ أنّ الحصار دام سنة كاملة، كما يؤكّد لوكاس؟ إنّني أشكّ في ذلك، لأنّني لا أعتقد
ص 193
199
أنّ المسلمين في ذلك الزمان قد شتّوا قطّ في بلاد العدوّ. لكنّ هذا الخطأ خفيف ويسهل تفسيره؛ أمّا ما هو أخطر بكثير فهو أنّ لوكاس يعطي للكونت الجليقي الذي كان يقود في المدينة اسم غيوم غونزاليز. ففي ذلك العهد كان اسم غيوم، الذي أدخله الفرنسيّون لاحقًا، ما يزال مجهولًا تمامًا في مملكة ليون، والدليل أنّ وثائق القرن العاشر، التي تورد عدّة مئات من الأسماء الأعلام، لا تقدّم ولا مرّة واحدة اسم غيوم. فإن كان لوكاس قد كتب فعلًا غيوم، لوجب أن يُستنتج من ذلك أنّه كان يجهل اسم القائد، وربّما حتى — لأنّ هذا القائد يؤدّي دورًا كبيرًا في روايته — أنّ هذه الرواية لا تستحقّ الثقة؛ لكنّني لا أعتقد أنّ الأمر كذلك، وأميل إلى ألا أرى في هذا الاسم الذي لم يكن مستعملًا إذّاك إلا خطأ ناسخ. ومعلوم أنّهم في العصور الوسطى كثيرًا ما كانوا يعبّرون عن أسماء المعموديّة أو الأسرة بالحروف الأولى وحدها (ففي Historia Compostellana مثلًا يُشار إلى ألفونسو الأراغوني باستمرار بالحرف
A.، وإلى الملكة أوراكا بالحرف U. إلخ)، و
معلوم أيضًا أنّ هذه المختصرات، كما يسمّونها، قد
أساء تفسيرها كثيرًا النسّاخ أو
الناشرون، الذين أباحوا لأنفسهم أن يكتبوا
الأسماء الأعلام كاملة *. ويُوجد، على سبيل المثـ
1 انظر Nouveau Traité de diplomatique, t. III, p. 506—508 ؛
ص 194
200
ال، في سجلّ أستورغا هبة من برمودو الثاني مؤرّخة بسنة 998، ويُقرأ فيها: «إليك، أبانا وسيّدنا، سامبيرو، أسقف أستورغا1.» وكان الذي يشغل إذّاك منصب أسقف أستورغا يحمل اسم سيمينو؛ لكن يقفز إلى العين أنّ جامع السجلّ لم يجد في الأصل الذي نسخه إلا حرف S.، وأنّه أساء تفسير هذا المختصر. مثال آخر: وثيقة من سنة 1186 تحمل هذه الكلمات: «Vobis Domino I. Tudensi Episcopo 2.» وقد اعتقد ساندوفال أنّ هذا المختصر يعني Ioannes؛ لكنّه يعني Isidorus، كما أثبت فلوريث. وأعتقد أنّ لوكاس دي توي كتب كذلك: G. Gundisalvi، ومتى عُرفت أسماء المعموديّة التي كانت شائعة في مملكة ليون في القرن العاشر، عُلم أنّ هذا المختصر لا يعني غيوم، بل غونثالبي. فكان اسم قائد ليون إذن غونثالبي غونزاليز.
أمّا تاريخ الاستيلاء على ليون، فبين جميع المؤرّخين اللاتين والعرب، ابن خلدون هو الوحيد الذي يورده. يقول، كما رأينا أعلاه (ص 107)، إنّ هذا الحدث وقع في سنة 988. ولست أجهل أنّنا نجد تاريخًا آخر (983) في الترجمة الإنكليزيّة للمقّري (ج 2، ص 189)؛ لكنّ المقّري ليس مسؤولًا عن هذه
Schœnemann , Versuch eines vollständigen Systems der Diplonatik , t. I, p. 592—594.
1 Esp. sagr., t XVI, Escr. 11.
2 Esp. sagr., t. XXII, Escr, 13.
XIII. Mariages dx27;Almanzor; Sanchuelo
ص 195
201
خطأ؛ فهو لا يتحدّث البتّة عن فتح ليون؛ وحسب المرء أن يتجشّم عناء الرجوع إلى نصّه، المطبوع الآن، ليقتنع بذلك. والواقع أنّ المترجم، السيّد دي غايانغوس، وجد تاريخ 983 عند كوندي، الذي لم يجده في أيّ موضع، فوضع على لسان المقّري مختصرًا لمقطع من كوندي، من غير أن يُعفيه حتّى من الصيغة الهمجيّة Liyonis، التي ابتدعها هذا الأخير.
الثالث عشر.
زواج المنصور بابنة برمودو الثاني وبأميرة أخرى من الشمال. عبد الرحمن شنجول.
كان أسلافنا في العصور الوسطى، وهم أكثر سذاجةً منهم ورعًا، لا يستغنون عن الخارق؛ فكان لا بدّ لهم بأيّ ثمن من معجزات، وإذا لم يصنعها الله وجد دائمًا من يخترعها. ومن ثمّ كثرة من الأساطير التي، ولا بدّ من الإقرار بذلك، تجرح التقوى الحقّة كما تجرح الحسّ السليم والذوق السليم. غير أنّ هذه الأساطير، على ما تبدو عليها من سخف، طُرّزت كثيرًا على أساس تاريخيّ. وفي مثل هذه الحال يمكن المؤرّخ أن ينتفع بها. وكذلك شأن أسطورة يرويها بيلاج، أسقف أوفييدو، الذي كتب في مطلع القرن الثاني عشر، على وجه التقريب بهذه العبارات (ف 2):
بعد موت برمودو الثاني، ابنه وخليفته
ص 196
202
ألفونسو الخامس، ابتغاء الحصول على الصلح من عدوّه، ملك طليطلة، زوّجه أخته تيريزا. لكنّ تيريزا، وهي المسيحيّة الورعة التي كانت، كانت ترتجف رعبًا من فكرة أن تصير زوجة كافر، فلمّا وصلت إلى زوجها: «لا أريد أن تمسّني، قالت له، فأنت وثنيّ، وإن فعلت ذلك قتلَك ملاك الربّ.» فسخر الملك من وعيدها وضاجعها، لكنّ مرّة واحدة فقط، إذ ضربه ملاك الربّ في الحال. عندئذ، إذ أحسّ بدنوّ أجله، أمر وزراءه أن يعيدوا تيريزا إلى ليون وأن يقدّموا لألفونسو هدايا فاخرة. ولمّا عادت إلى ليون، اتّخذت تيريزا الحجاب هناك. وماتت في أوفييدو في دير القدّيس بيلاج، وهناك دُفنت.
وقد وُجدت تيريزا هذه، وقد أُثبت ذلك من قبل بالوثائق. ففي سنة 1017 تُوقّع هبةً قدّمتها أمّها إلى كنيسة كومبوستيلة. وبموجب وثيقة بتاريخ 27 كانون الثاني 1030، هي وأختها سانشا تهبان لهذه الكنيسة نفسها الضيعة أو القرية سارانتس؛ وتُسمّي نفسها فيها ابنة الملك برمودو والملكة إلبيرة، وممّا يستحقّ الملاحظة حقًّا أنّها في سجلّ كومبوستيلة، حيث رُسمت راهبةً، تحمل صولجانًا وتاجًا !. (ولمّا لم تحكم قطّ في
1 موراليس، مج. III، ور. 313و.، 819و. وظ.
ص 197
205
الشمال، فينبغي بلا ريب أن يُرى في هذا الظرف تلميح إلى زواجها بأمير مسلم. وفيما بعد كانت فعلًا في دير القدّيس بيلاج بأوفييدو (وهي تُوقّع دبلومًا من أوفييدو، مؤرَّخًا في 22 كانون الأوّل 1037 !)؛ وهناك ماتت في 25 نيسان 1039، كما يُعلمنا نقشها الجنائزيّ الطويل الذي نشره ييبيث (مج. III، ور. 338ظ.) وفيه تُدعى: Tarasia Christo dicata, proles Beremundi Regis et Geloiræ Reginæ , clara parentatu, clarior et merito.
فما الذي يصحّ الآن في الأسطورة التي يرويها بيلاج، والتي سمعها بلا ريب في الدير الذي قضت فيه تيريزا سنيها الأخيرة؟ وما لا يصحّ قطعًا هو أن يكون زوج تيريزا ملكًا لطليطلة؛ فتيريزا (والوثائق تُثبت ذلك) كانت قد عادت إلى أهلها في سنة 1017، والأسطورة تقول (بحقّ، في اعتقادي) إنّها رجعت إلى وطنها بعد موت زوجها. والحال أنّ الأمير الذي كان يحكم طليطلة منذ بدء الحرب الأهليّة كان يعيش بن محمّد بن يعيش، الذي لم يمت إلّا في سنة 1036 2)، أي بعد سنوات عدّة من عودة تيريزا إلى ليون. وثمّة أيضًا سبب آخر يمنع القول إنّ ابنة برمودو تزوّجت يعيش هذا. فهذا الرجل لم يكن
1 ساندوفال، Cinco Reyes، ور. 57و.
2 ابن خلدون، ور. 26ظ.
ص 198
202
ألفونسو الخامس، ابتغاء الحصول على الصلح من عدوّه، ملك طليطلة، زوّجه أخته تيريزا. لكنّ تيريزا، وهي المسيحيّة الورعة التي كانت، كانت ترتجف رعبًا من فكرة أن تصير زوجة كافر، فلمّا وصلت إلى زوجها: «لا أريد أن تمسّني، قالت له، فأنت وثنيّ، وإن فعلت ذلك قتلَك ملاك الربّ.» فسخر الملك من وعيدها وضاجعها، لكنّ مرّة واحدة فقط، إذ ضربه ملاك الربّ في الحال. عندئذ، إذ أحسّ بدنوّ أجله، أمر وزراءه أن يعيدوا تيريزا إلى ليون وأن يقدّموا لألفونسو هدايا فاخرة. ولمّا عادت إلى ليون، اتّخذت تيريزا الحجاب هناك. وماتت في أوفييدو في دير القدّيس بيلاج، وهناك دُفنت.
وقد وُجدت تيريزا هذه، وقد أُثبت ذلك من قبل بالوثائق. ففي سنة 1017 تُوقّع هبةً قدّمتها أمّها إلى كنيسة كومبوستيلة. وبموجب وثيقة بتاريخ 27 كانون الثاني 1030، هي وأختها سانشا تهبان لهذه الكنيسة نفسها الضيعة أو القرية سارانتس؛ وتُسمّي نفسها فيها ابنة الملك برمودو والملكة إلبيرة، وممّا يستحقّ الملاحظة حقًّا، أنّها في سجلّ كومبوستيلة، حيث رُسمت راهبةً، تحمل صولجانًا وتاجًا !. ولمّا لم تحكم قطّ في
1 موراليس، مج. III، ور. 313و.، 319و. وظ.
ص 199
205
الشمال، فينبغي بلا ريب أن يُرى في هذا الظرف تلميح إلى زواجها بأمير مسلم. وفيما بعد كانت فعلًا في دير القدّيس بيلاج بأوفييدو (وهي تُوقّع دبلومًا من أوفييدو، مؤرَّخًا في 22 كانون الأوّل 1037 !)؛ وهناك ماتت في 25 نيسان 1039، كما يُعلمنا نقشها الجنائزيّ الطويل الذي نشره ييبيث (مج. III، ور. 338ظ.) وفيه تُدعى: Tarasia Christo dicata, proles Beremundi Regis et Geloiræ Reginæ , clara parentatu, clarior et merito.
فما الذي يصحّ الآن في الأسطورة التي يرويها بيلاج، والتي سمعها بلا ريب في الدير الذي قضت فيه تيريزا سنيها الأخيرة؟ وما لا يصحّ قطعًا هو أن يكون زوج تيريزا ملكًا لطليطلة؛ فتيريزا (والوثائق تُثبت ذلك) كانت قد عادت إلى أهلها في سنة 1017، والأسطورة تقول (بحقّ، في اعتقادي) إنّها رجعت إلى وطنها بعد موت زوجها. والحال أنّ الأمير الذي كان يحكم طليطلة منذ بدء الحرب الأهليّة كان يعيش بن محمّد بن يعيش، الذي لم يمت إلّا في سنة 1036 2)، أي بعد سنوات عدّة من عودة تيريزا إلى ليون. وثمّة أيضًا سبب آخر يمنع القول إنّ ابنة برمودو تزوّجت يعيش هذا. فهذا الرجل لم يكن
1 ساندوفال، Cinco Reyes، ور. 57و.
2 ابن خلدون، ور. 26ظ.
ص 200
204
إلّا ملكًا صغيرًا لم يكن لألفونسو الخامس أن يخشى منه شيئًا، بل كان على العكس يخشى كلّ شيء من ألفونسو. فيستحيل إذن أن يكون ملك ليون قد انخفض أمام يعيش هذا إلى مسلك مُذلّ غاية الإذلال، بأن يعرض عليه يد أخته. (فمن تزوّج تيريزا لا بدّ أن يكون أميرًا شديد البأس، وعدوًّا يُخاف جدًّا. وابن خلدون يُعلمنا من كان. فهذا المؤلّف، كما رُئي أعلاه (ص 109)، يروي أنّ برمودو الثاني أرسل في سنة 993 ابنته إلى المنصور، فاتّخذها جارية، لكنّه أعتقها بعد ذلك وتزوّجها. وابنة برمودو هذه كانت تيريزا، ولا يمكن الشكّ في ذلك. فزوجها إذن لم يكن أميرًا تافهًا لا تكاد التواريخ تذكره، بل فاتح القرن العاشر العظيم، المنصور الشهير، الذي كان اسمه وحده يرجف له المسيحيّون.
فالأسطورة تخطئ إذن في اسم زوج تيريزا، ومتى تذكّرنا أنّها كُتبت بعد أكثر من قرن من الزواج المعنيّ، لم نعجب لهذه الغلطة. أمّا سائرها، في اعتقادي، فحقّ كلّه. ولست أشكّ البتّة في أنّ تيريزا، بعد موت زوجها الواقع في سنة 1002، أُعيدت إلى أخيها ألفونسو الخامس، الذي كان قبل ثلاث سنوات قد خلف أباه برمودو. وما يحملني على الاعتقاد بذلك أنّ المظفّر، ابن المنصور وخليفته، عقد في سنة
ص 201
205
1003 الصلح مع ألفونسو الخامس 1). وفي هذه المناسبة اشترط ألفونسو بلا ريب أن تُردّ إليه أخته، ومن جهته المظفّر، الذي لم يكن لديه أيّ سبب ليُبقي في قرطبة أرملة أبيه هذه، استجاب لطلبه من غير صعوبة تُذكر.
فإذا حُذف الآن من الأسطورة ما فيها من خارق وغير دقيق، بقي هذا: ابنة لبرمودو الثاني، اسمها تيريزا، تزوّجت ملكًا مسلمًا؛ وأُعيدت إلى أخيها ألفونسو الخامس بعد موت أبيها وزوجها، فاتّخذت الحجاب وماتت في أوفييدو، في دير القدّيس بيلاج.
هذا فيما يتعلّق بزواج المنصور بابنة برمودو؛ لكن يبدو لي ثابتًا أنّ هذا الوزير تزوّج أيضًا أميرة أخرى من الشمال، وعن هذا الزواج سنتحدّث الآن.
يُعلم أنّ المنصور خلفه في منصب الحاجب ابنه عبد الملك، الملقّب المظفّر، ولا يُجهل كذلك أنّه بعد موت المظفّر، الواقع في سنة 1008، صار ابن آخر للمنصور، عبد الرحمن، حاجبًا. وقد أُعطي هذا الأخير لقبًا يكتبه العرب شنجول. فماذا يعني هذا اللفظ؟ يقول مؤلّف كتاب الاكتفاء 2) إنّه
1 ريسكو، Historia de Leon، مج. I، ص 236.
2 في مؤلّفي Secriptorum Arab. loci de Abbad.، مج. II، ص 18.
ص 202
206
لقب تهكّميّ ويشرحه بـ«مجنون»؛ لكنّ هذا الشرح خاطئ، وكان رودريغو الطليطلي على حقّ حين قال في Historia Ara- bum: «derisorie Sanciolus dicebatur.» فشنجول، إذ هكذا ينبغي أن يُلفظ، بشهادة Annales Toledanos II 1)، هو بلا ريب تصغير لـسانشو. وابن حيّان يزوّدنا بمثال آخر على مثل هذا التصغير في اللسان الروميّ لجنوب الجزيرة. فهو يتحدّث عن نائب لعمر بن حفصون، يسمّيه تارة الأحيمر، وتارة الرويول 2). فاللفظ الأوّل هو تصغير الصفة العربيّة أحمر؛ والثاني تصغير اللفظ الروميّ royo (أحمر)، الذي ما زال قائمًا في الإسبانيّة. وel Royo كان منذ وقت مبكّر لقبًا. ففي القرن الحادي عشر أُعطي، مثلًا، لمقاتل، قائد بربريّ لأمير غرناطة عبد الله بن بلقّين. «ومقاتل هذا، يقول ابن الخطيب، كان يحمل لقب el Royo بسبب حمرته 3).» واليوم الإسبان، حين يريدون الدلالة على رجل صغير أحمر البشرة، يقولون el royuelo، لأنّ لغتهم، في بعض الحالات، تبدّل الـo اللاتينيّة أو الروميّة إلى ue؛ لكن في القرن التاسع كانوا يقولون el royol، وهذا اللفظ
1 Esp. sagr.، مج. XXIII، ص 403.
2 ابن حيّان، مخطوطة أكسفورد، ور. 18ظ. و70ظ.
3) &g> (s* vil sV KL das Man. E., arti- cle sur Mocâtil.
ص 203
207
مرادف للأحيمر؛ أحدهما ترجمة للآخر. فشنجول إذن تصغير لسانشو كما الرويول لـroyo، وما يُثبت ذلك على أتمّ وجه هي الأبيات التي نظمها شاعر معاصر حين أقنع القاضي ابن ذكوان وكاتب الدولة ابن برد الخليفة هشام الثاني بأن يُعلن عبد الرحمن وليّ عهد العرش. وهذه الأبيات، التي حفظها لنا ابن الأبّار (ص 150)، جاءت على هذه الصورة:
«ابن ذكوان وابن برد جرحا الدين جرحًا لم يُسمع بمثله 2). وقد تمردا على إله الحقّ، إذ أعلنا حفيد سانشو 3) وليًّا للعرش.»
فيُرى إذن لماذا أُعطي عبد الرحمن لقب شنجول أو سانشو الصغير: فأمّه كانت ابنة أمير مسيحيّ، أمير يُدعى سانشو. وها سبب ما لحق هذا الشابّ التعيس من افتراء شنيع؛ وسبب ما كان عليه رجال الدين المسلمون من إلحاح في طلب هلاكه! فمولده كان في أعينهم وصمة لا تُمحى؛ ومجرد الفكرة أن حفيد كافر، حفيد سانشو، سيصعد على عرش الخلفاء كانت ترجفهم رعبًا. فلم يهدأ لهم بال حتّى قُتل.
6 -0.
\ 1) بدلًا من Age (:y4s ، أرى أن أقرأ WAge pe 3) 0. - “
ص 204
208
فالمنصور، وهذا صار لا يقبل الجدل بعد اليوم، تزوّج إذن أيضًا أميرة مسيحيّة غير تيريزا، ابنة برمودو الثاني. لكن من كان أبو هذه المرأة؟ وعن أيّ سانشو يدور الكلام؟ للحسم في هذا السؤال، ينبغي أن نبدأ بفحص نحو أيّ عصر وقع الزواج؛ ونستطيع ذلك، لأنّنا في وضع يتيح تحديد تاريخ مولد عبد الرحمن شنجول، على وجه التقريب على الأقلّ.
يُعلم أنّ المسلمين يختنون أبناءهم متى بلغ هؤلاء سنتهم الخامسة أو السادسة 1). والحال أنّنا نعلم من المقّري (مج. I، ص 348) أنّ السنة التي خُتن فيها عبد الرحمن كانت فيها مجاعة عظيمة، سبّبها جفاف طويل، وأنّه في يوم الختان نفسه سقط مطر غزير. فهل يمكن الآن تحديد العصر الذي وقعت فيه هذه المجاعة وتعيين نهايته؟ ينبغي أن نرجع إلى ذلك إلى القرطاس، حيث دُوّنت مصائب من هذا النوع بعناية دقيقة. وهذا الكتاب يُعلمنا (ص 72، 75) أنّ القحط العظيم، الذي سبّبه الجفاف، بدأ في سنة 379 للهجرة (989 م)، ودام إلى نحو نهاية 381، أي إلى شباط أو آذار 992؛ عندئذ بدأ المطر يهطل بغزارة. فعبد الرحمن خُتن إذن في
1 لين، Modern Egyptians، مج. I، ص 77.
ص 205
209
مطلع سنة 992، ولمّا كان لا بدّ أن يكون قد عدّ حينئذ خمسًا أو ستًّا من السنين، فلا بدّ أن يكون قد وُلد نحو سنة 986. فزواج المنصور بابنة سانشو يمكن إذن أن يكون قد وقع في سنة 985.
فأيّ سانشو كان هناك حينئذ له ابنة في سنّ الزواج؟ أهو سانشو القشتاليّ؟ ذلك ليس ممتنعًا. صحيح أنّ سانشو لم يخلف أباه غارسيا فرنانديث إلّا في سنة 995، وأنّه لم يمت إلّا في سنة 1017، أي خمس عشرة سنة بعد المنصور؛ لكنّه منذ سنة 972، هو وأطفال آخرون لغارسيا فرنانديث، يُوقّعون وثائق 1)؛ فيجوز إذن افتراض مولده نحو سنة 950؛ عندئذ يمكن أن يكون قد تزوّج نحو سنة 969، وأن تكون له ابنة في سنّ الزواج نحو 985. فالسانشو المعنيّ يمكن إذن جيّدًا أن يكون سانشو القشتاليّ، وما يجعل هذا الافتراض راجحًا إلى حدّ بعيد أنّه كانت بينه وبين المنصور علاقات ودّيّة؛ بل إنّ المنصور أمدّ سانشو بمؤازرته حين ثار هذا الأخير على أبيه. لكن زوجة المنصور يمكن أيضًا جيّدًا أن تكون ابنة سانشو النبريّ، الذي خلف أباه غارسيا في سنة 970. فنحن إذن أمام حيرة الاختيار.
وابن الخطيب، في مادّته عن المنصور، يتحدّث أيضًا عن زواج هذا الوزير بأميرة من الشمال؛ لكنّه من المشكوك فيه أيّ أميرة
1) برغانثا، مج. II، Escr. 69 وما يليها. 14
ص 206
210
يعني، تيريزا أم ابنة سانشو. وأنا أميل بالأحرى إلى الاعتقاد أنّه يقصد هذه الأخيرة. ومهما يكن من أمر، فها مقطع ابن الخطيب، الذي يبدو لي طريفًا إلى حدّ بعيد (مخطوطة G.، ور. 180و. وظ.): «غزا المنصور نحو سبعين غزاة؛ وفتح أقاليم، واقتلع أشواك الكفر، وأذلّ الكفّار، وفضّ صفوف الكفّار، وكسر الصلبان، وجاب بلاد الأعداء إلى أقصاها، وفرض عليهم الجزى. وكان رئيس الروم يخافه إلى حدّ أنّه أراد مصاهرة بيته، فعرض عليه ابنته. فصارت هذه الزوجة المفضّلة عند المنصور، وفاقت سائر ضرائرها في التقوى 1) والفضيلة.» Pubs Basé 3 cyanae pl Les ami p3dll s5, Jul, U2is crsélolail JAI KS,S Ovas, OM Les
vw ..
(le (Guy0s 5laeS élis pylbail pus, LEÛE Sune
(lisez aïèes) audi pol pains EG i5il CL nIt pret
sq 5} (lisez Rést) Russt aa 158 Les sisi,
pile (de Mail, Oil 58 O 5h allés 551 LS
@a>l;f
1) يكاد لا حاجة إلى القول إنّ هذه السيّدة كانت قد اعتنقت الإسلام.
2) هذه القراءة توجد على هامش المخطوطة؛ والنصّ يحمل crème. وفي المختصر الذي تملكه مكتبة برلين يُقرأ:
XIV. Bataille de Calatañazor
ص 207
211
الرابع عشر. في معركة قلعة النسور.
في ربيع سنة 1002، بعد خمس سنوات من حملته المجيدة على سانتياغو دي كومبوستيلا، جمع المنصور، وإن كان قد اعتلّ، عشرين ألف رجل، وخرج من طليطلة، وسار في حملة ليهاجم مملكة ليون ولا سيما قشتالة. وكان في قضاء القدر أن تكون هذه الحملة، حملة كاناليس والدير 1)، كما يسمّيها العرب، آخر حملات القائد العظيم؛ لكنها كانت موفّقة كما كانت الحملات السابقة كلّها؛ فوضعت قشتالة تحت السيف والنار، وبلغ المسلمون، كما يدلّ الاسم الذي أطلقوه على هذه الحملة، حتى كاناليس (في الريوخا) 2) وحتى دير كان، على ما يظهر كلّ الظهور، دير سان ميّان (القديس إميليان)، شفيع قشتالة. وبالفعل، في ميثاق من سنة 1027 3)، يذكر سانشو الكبير، ملك نافار، هذا الدير الشهير، الواقع في جوار
1 المقّري، ج. II، ص. 65. ابن الخطيب، مقالة عن المنصور.
2 تقع كاناليس على 9 فراسخ جنوب ناخيرا.
3 Apud Llorente ، Provincias Vascongadas ، ج. III ، ص. 356.
ص 208
212
كاناليس، بين الأديرة التي خرّبها «البرابرة» و«المضطهِد الشرس».
غير أن المنصور أحسّ بدائه يشتدّ. وقد ارتاب من الأطباء، الذين لم يتّفقوا فيما بينهم على طبيعة هذا الداء وعلى العلاج الواجب اتّباعه، فأبى بإصرار معونة الطبّ، وكان على كلّ حال مقتنعًا بأنه لا يبرأ. ولما لم يعد يقوى على البقاء على صهوة جواده، كان يُحمل في محفّة. وكان يتألّم أشدّ الألم. «عشرون ألف جنديّ، كان يقول، مسجّلون في ديواني، لكن ليس فيهم من هو أشقى منّي.»
وحُمل هكذا على ظهور الرجال أربعة عشر يومًا، فبلغ أخيرًا مدينة سالم. وكانت فكرة واحدة تملأ ذهنه. فسلطته، وقد ظلّت دائمًا منازَعة ومهتزّة، رغم انتصاراته الكثيرة وشهرتها العظيمة، كان يخشى أن تندلع فتنة بعد موته فتنزع السلطة عن أسرته. وعذّبه هذا الخاطر بلا انقطاع، فسمّم أيامه الأخيرة، فاستدعى ابنه الأكبر عبد الملك إلى فراشه، وألقى إليه بوصاياه الأخيرة، وأوصاه أن يعهد بقيادة الجيش إلى أخيه عبد الرحمن وأن يمضي بلا تأخير إلى العاصمة، حيث ينبغي أن يقبض على زمام السلطة ويستعدّ لقمع كلّ محاولة تمرّد فورًا. فوعده عبد الملك أن يتّبع هذه النصائح؛ لكن قلق المنصور بلغ به أن يستدعي
ص 209
213
ابنه كلّما ظنّ الابن أن أباه قد فرغ من الكلام وأراد الانصراف؛ فكان المحتضر يخشى دائمًا أن يكون قد نسي شيئًا، وكان يجد دائمًا نصيحة جديدة يضيفها إلى ما كان قد أعطاه. وبكى الشابّ؛ فأنّب أبوه حزنه وعدّه علامة ضعف. ولمّا رحل عبد الملك، شعر المنصور ببعض التحسّن واستدعى ضبّاطه. وكان هؤلاء يكادون لا يعرفونه؛ فقد صار نحيلًا شاحبًا حتى أشبه طيفًا، وكان قد كاد يفقد النطق جملة. فودّعهم نصفًا بالإيماء ونصفًا بكلمات متقطّعة، وبعد قليل، في ليلة الاثنين 10 آب، أسلم الروح الأخير. هذه هي التفاصيل التي يوردها المؤلّفون العرب 1) عن الحملة الأخيرة وعن موت الوزير الأوّل لهشام الثاني؛ لكن حوليّي القرن الثالث عشر اللاتين، لوكاس دي توي ورودريغ الطليطلي، يعلمان أكثر من ذلك. فلو صدّقناهما، لكان المنصور، ذلك البطل الذي، بشهادة العرب والنصارى الإجماعية 2)، لم يُهزم قطّ، قد غُلب في أثناء حملته الأخيرة في قلعة النسور، بين أوسما وصوريا، وصارت هذه المعركة، التي يقال إن أهل ليون والقشتاليين والنافاريين كسبوها، ذائعة الصيت جدًّا. لكن مهما
1 المقّري، ج. II، ص. 65؛ ابن الأبّار، في Notices التي نشرتها، ص. 151؛ ابن الخطيب، مقالة عن المنصور، مخطوطة G.، الورقة 181 ظهر.
2 Almanzor qui semper invictus fuerat. رودريغ، ك. V، ف. 16.
ص 210
214
يكن صيتها، يجوز أن نسأل هل يمكن الوثوق بما يرويه حوليّو القرن الثالث عشر في هذا الشأن. فنحن نعتزم فحص هذه المسألة، ونبدأ بترجمة رواية لوكاس، فهي في آنٍ أقدم وأوفى من رواية رودريغ. يقول لوكاس بهذه العبارات (ص. 88): «ثمّ» — أي بعد حملة المنصور على كومبوستيلا — «ثمّ أرسل الملك برمودو رسلًا إلى غارسيا فرنانديث، كونت قشتالة، وإلى غارسيا ملك بنبلونة، يلتمس منهما أن يعيناه على قتال عدوّ مهيب كهذا. فأرسل إليه الملك غارسيا عندئذٍ أعظم جزء من جيشه، وجاء الكونت غارسيا فرنانديث بنفسه مع جميع قوّاته. ومن جهته، جاء الملك برمودو، الذي، وقد عذّبه النقرس ولم يعد يقوى على البقاء على صهوة جواده، كان يُحمل على ظهور الرجال، بجيش عظيم لملاقاة المنصور، حين كان هذا الأخير، بعد أن غادر جليقية، يريد أن يخرّب ثغور قشتالة من جديد. ولمّا اشتبكت المعركة قرب قلعة النسور، هلك من السراسنة عدّة آلاف، ولولا أن أنقذه ظلام الليل لكان المنصور نفسه قد أُسر. غير أنه لم يُهزم في ذلك اليوم، وفي الليل فرّ مع ذويه. وفي الغد أمر الملك برمودو أن يُصفّوا من جديد للقتال وأن يستعدّوا
ص 211
215
للهجوم على السراسنة عند بزوغ الفجر. فبلغ الجيش معسكر العدوّ، فلم يجد فيه سوى الخيام وغنيمة عظيمة؛ لكن الكونت غارسيا فرنانديث، الذي طارد السراسنة الفارين، قتل منهم جمعًا لا يُحصى. ومن العجيب أنّه في اليوم نفسه الذي انكسر فيه المنصور في قلعة النسور، كان ضرب من السمّاك يصرخ بصوت نحيب على ضفاف الوادي الكبير، تارة بالكلدانية 1)، وتارة بالإسبانية:
En Canatanazor
pérdió Almanzor
el tambor ;
ومعناه: في قلعة النسور فقد المنصور طبله أو صنجته، أي فرحه. وكان برابرة من قرطبة يأتون نحوه؛ فما إن يقتربوا منه حتى يتلاشى، ثم يظهر من فوره في موضع آخر، فيكرّر الشكوى نفسها. ونحسب أنّه كان الشيطان يبكي هكذا هزيمة السراسنة. وأمّا المنصور، فمنذ اليوم الذي انكسر فيه، أبى أن يأكل أو يشرب، ولمّا بلغ مدينة سالم مات فيها.»
ومن الغريب جدًّا ألا يتكلّم أيّ مؤلّف عربيّ عن هذه المعركة. ويُذكر،
1 أي بالعربية.
ص 212
216
حقًّا، في الترجمة الإنكليزية للمقّري (ج. II، ص. 197)؛ لكنّي مضطرّ، لأسفي الشديد، أن أكرّر هنا ما كان عليّ أن أقوله في مناسبة أخرى، وهو أن المترجم أباح لنفسه أن يضع في فم المقّري ملخّصًا لمقطع من كوندي، الذي رأى أن يشوّه رواية لوكاس ويقدّمها على أنّها رواية عربية. فالمؤلّفون المسلمون إذن لا يتكلّمون عن هذه المعركة، وما هو بلا ريب ليس أقلّ إثارة للعجب، أن حوليّي اللاتين الذين كتبوا قبل القرن الثالث عشر لا يعرفونها هم أيضًا؛ فلا توجد لا في الحوليات الصغيرة، ولا عند راهب سيلوس، ولا عند بلاجيو الأوفييدوي، ولا في Historia Compostellana. ومع ذلك فإن هذه المعركة، لو فرضنا أنّها وقعت، كانت تستحقّ أن تُدوَّن. فالشرف القوميّ، فيما يبدو، كان يأمر الحوليّين بأن يتكلّموا عنها؛ فلِمَ لم يقولوا إن المنصور، الذي ظلّ دائمًا يغلب النصارى، غُلب أخيرًا بدوره؟ وما يدهش خاصّة هو صمت راهب سيلوس. فبعد أن رسم صورة قاتمة للمصائب التي أنزلها الحاجب الرهيب بإسبانيا المسيحية: «وأخيرًا، يصيح، أدرك الله من هذا البؤس الكثير!» فماذا وقع إذن؟ هل غُلب المنصور، وغُلب في قلعة النسور؟ كلّا البتّة؛ — مات، أو، كما يعبّر الحوليّ الورع، حمله شيطان كان قد تملّكه وهو حيّ.
فلو أن الصمت المطلق لهؤلاء الكتّاب جميعًا يثير الشكّ أصلًا في صدق رواية لوكاس، فإن هذه الرواية،
ص 213
217
إذا نُظر إليها في ذاتها، قلّما تكون محتملة. ولنلاحظ أولًا أنّه بحسب هذه الرواية لم يجاوز المنصور قلعة النسور، وأنّه أُوقف هناك بجيش الحلفاء. ولم يكن الأمر كذلك. فقد توغّل المنصور في البلاد أبعد من ذلك بكثير، إذ تقدّم حتى كاناليس. فالحلفاء إذن لم يوقفوا المسلمين في قلعة النسور. ثمّ، على كلّ حال، من كان هؤلاء الحلفاء؟ برمودو الليوني، الذي كان قد مات منذ ثلاث سنوات، وغارسيا القشتالي، الذي انقطع عن الحياة قبل ذلك بسبع سنوات! فتلك مفارقات تاريخية غريبة! بل أكثر من ذلك: الرواية كلّها مفارقة تاريخية؛ لوكاس — ومجموع نصّه لا يدع أيّ ريب في هذا الشأن — يضع معركة قلعة النسور في السنة نفسها التي كانت فيها حملة كومبوستيلا؛ وهو يجهل أن المنصور عاش خمس سنوات بعد تلك الحملة. وماذا يقال أخيرًا عن الشيطان المتنكّر في زيّ سمّاك، يغني أبياتًا عربية وإسبانية على ضفاف الوادي الكبير؟ ألا تُظهر هذه الحكاية العجائبية أن هذه الرواية خرافة شعبية أو أسطورة رهبانية، لكنّها على كلّ حال خبر خيالي لا يستحقّ أن يُدرج في التاريخ؟
فمعركة قلعة النسور جزء من سلسلة أساطير منشؤها حملة سانتياغو دي كومبوستيلا. فقد ظلّت انتصارات المنصور، ولا سيما أخذ كومبوستيلا، سرًّا لا يُفسَّر عند النصارى. فلِمَ أذن الله أن يُداس المؤمنون تحت أقدام
ص 214
218
الكفّار؟ وكان الجواب، كما رأينا أعلاه (ص. 21، 22)، أن برمودو ومعاصريه استحقّوا عقابًا كهذا بخطاياهم الهائلة. لكن جوابًا كهذا لم يفسّر بعدُ لِمَ دُنّس مقدّس الرسول القدّيس يعقوب. فالرسول، على الأقلّ، لم يكن خاطئًا: لم يستحقّ هو أن يُعاقَب. ثمّ، بعد أن انتُهكت كنيسته، لِمَ لم يعاقب من دنّسوها، هو الذي كان في ظروف أخرى يحسن الدفاع عن البلاد التي هو شفيعها؛ هو المحارب الباسل، الذي قاتل على صهوة جواده، راية بيضاء في يده، في معركتي كلافيخو وسيمانقاس؟ فهذه الأسئلة، الشديدة الإحراج لشرف القدّيس، أربكت القساوسة أولًا؛ لكنّهم تجرّأوا شيئًا فشيئًا. فليس صحيحًا، قالوا عندئذٍ، أن السراسنة عادوا إلى قرطبة بلا مصيبة، وأن القدّيس يعقوب أهمل معاقبة الإهانة التي لحقت بهيكله؛ بل على العكس، أرسل إلى الكفّار زُحارًا أماتهم شبه جميعًا، ومات المنصور نفسه ندمًا ما إن بلغ مدينة سالم. هذه هي الرواية الواردة في Historia Compostellana؛ أمّا تلك التي يعطيها مقحِم سامبيرو فتشبهها، لكنّها تذهب أبعد أيضًا. فبحسب تلك، لم تُهدم كنيسة كومبوستيلا؛ بل نجت بطريقة عجائبية، وهلك الجيش المسلم إلى آخر
ص 215
219
رجل. «المنصور — أنقل كلام الحوليّ بحروفه — المنصور اجترأ جرأة لم يُسمع بمثلها أن يقترب من الكنيسة بل من قبر القدّيس يعقوب؛ لكنّه، وقد أوقفه القدير، رجع على أعقابه مضروبًا بالرعب. ولم ينسَ ملكنا الذي في السموات الشعب المسيحي؛ فأرسل زُحارًا إلى ذرّية هاجر، فلم ينجُ منهم أحد، ولم يعد أحد إلى بلاده.»
وبحسب هذه الروايات، كان القدّيس يعقوب أو الله نفسه هو الذي عاقب الكفّار؛ فمات هؤلاء مرضًا، لا بيد البشر. لكن لمّا قُطعت الخطوات الأولى، فلِمَ لا يُمضى أبعد؟ وبعد أن أُنقذ شرف القدّيس يعقوب، فلِمَ لا يُنقذ الشرف القوميّ أيضًا؟ ولِمَ، أخيرًا، لا يُقال إن السراسنة، في أثناء انسحابهم، أُبيدوا، لا بيد القدّيس يعقوب فحسب، بل بيد جنود برمودو أيضًا؟ وبالفعل، سلك رجال الإكليروس هذا الطريق؛ لكن في البدء، وينبغي أن يُقال هذا لشرفهم، فعلوا بتخوّف ملحوظ جدًّا؛ فحياء ما، واحترام ما للحقيقة، كانا ما يزالان يردعانهم. فتظهر يد البشر أولًا عند راهب سيلوس (ف. 68)، لكن على نحو مبهم جدًّا، فإن هذا الكاتب يقول فحسب هذا: «Rex cælestis, memorans misericordiæ suæ, ultionem fecit de inimicis suis: morte etenim
ص 216
220
quâdam 1) subitaneâ et gladio ipsa gens Agarenorum cœpit interire et ad nihilum quotidie devenire.» ويقتصر بلاجيو الأوفييدوي (ف. 4) على تكرار هذه الجملة؛ أمّا لوكاس دي توي فأصرح بكثير. ففي العهد الذي كان يكتب فيه، كانت قد مرّت قرنان ونصف منذ حملة كومبوستيلا؛ فكان يمكن إذن أن يُقال في هذا الشأن كلّ ما يُراد، من غير خوف من التكذيب. لذلك فإن لوكاس، بعد أن نسخ مقطع راهب سيلوس الذي استشهدنا به، يضيف بجرأة: «أرسل الملك برمودو كثيرًا من القوّات الخفيفة في مطاردة السراسنة، فقتلت هذه القوّات، بمعونة القدّيس يعقوب، الكفّار في جبال جليقية، على نحو ما يذبح الجزّارون الماشية.»
فهل تكفي رواية كهذه لإرضاء عجب الأمّة بنفسها؟ تقريبًا؛ لكن نصرًا يحرزه النصارى في ميدان مكشوف لكان أفضل، وهذا لا ريب فيه. حسنًا! لقد هزم النصارى فعلًا المنصور، الذي لم يُقهر؛ هزموه في قلعة النسور. فهذه المعركة الشهيرة أُضيفت ذيلاً لسلسلة الأساطير التي اختُرعت، لا دفعة واحدة، بل على التتابع، لإنقاذ شرف القدّيس يعقوب والشرف القوميّ.
1 هذه القراءة، الواردة عند بلاجيو الأوفييدوي، أفضل من قراءة morte quidem.