Part IV · Taifas
التجيبيون وسرقسطة والمرية

مبحث في بني تجيب وبني هاشم بسرقسطة وبني صمادح بالمرية.

Essai — Todjibides / Zaragoza / Almería

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 217

مقالة في تاريخ التجيبيين بني هاشم أهل سرقسطة

و

بني صمادح أهل المرية

I.

«من السهل أن تُغلب الإسبان، ويكاد يستحيل أن تُخضعهم»، كان الرومان قد قالوا ذلك من قبل؛ والعرب، حين حاولوا هم أيضًا إخضاع شبه الجزيرة، تمكّنوا من التثبّت من صواب هذه الملاحظة تمامًا. فسلطتهم، المعترف بها في المدن الكبرى، كانت مُنازَعة في كلّ مكان آخر، وفي الولايات النائ- ية لم تكد تُحسّ. ولو طال الزمن، لنجح حكمٌ قويّ بلا ريب في ترويض السكّان الأصليين؛ لكنّ الحكم العربي كان ضعيفًا، وكانت أحسن تدابيره تكاد تُحبَط دائمًا بروح أولئك المضطربة الفوضوية ممن كان عليهم أن يسهروا على تنفيذها.

ص 218

222

وفي أراغون، الولاية التي كانت تُدعى في عهد العرب الثغر الأعلى، انتهزت أسرة قوطية غربية قديمة 1)، هي بنو قسي، ضعف الحكومة لتؤسّس إمارة مستقلّة. فعند الفتح كان بنو قسي هؤلاء قد خلعوا النصرانية، وصاروا موالي للخليفة الوليد 2)، فاحتفظوا بالأملاك الواسعة التي كانوا يملكونها على الضفة اليمنى للإبرة. وبعد موت عبد الرحمن الأوّل (788)، حين تنازع ابنا هذا الملك، سليمان و هشام، على العرش، أعلن موسى الأوّل 3)، ابن فرتون، وكان يومئذٍ رئيس بني قسي وقد تزوج بنتًا لإنيغو أريستا، أوّل ملوك بنبلونة 4)، انحيازه إلى هشام وانتزع سرقس- طة من خصوم هذا الأمير 5). وكفّ ورثته عن الاعتراف بسيادة السلاطين، والحكم الأوّل، وإن نجح في قهر سائر الثائرين، حاول عبثًا أن يردّ هؤلاء 6). وحوالى منتصف القرن التاسع، ارتقى هذا البيت إلى

1 سباستيان، ف. 25.

2 ابن القوطية، ورقة 26 ظهر.

3) تمنح الحوليات النافارية المعروفة باسم مخطوط مييا موسى الأوّل لقب سيّد بُرخة (في أراغون) وتيريرو أو تريو. انظر نصّ هذه الحوليات في Memorias de la Academia de la historia، ج. IV، ص. 52.

4 كانت تُدعى أسونا. مخطوط مييا.

5) النويري، ص. 446؛ ابن عذاري، ج. II، ص. 63، 64؛ ابن خلدون، ورقة 5 ظهر.

6 ابن القوطية، ورقة 22 ظهر.

ص 219

223

قوّة عظيمة جدًّا، بفضل مواهب مو- سى الثاني، حتى صار يساير البيوت ذات السيادة. فقد كان موسى أوّل الأمر والي تُطيلة، و قاد جيوش عبد الرحمن الثاني حين كانت تغزو ثغور فرنسا؛ ثمّ، بعد خصومة وقعت له مع قائدٍ عظيم الحظوة عند السلطان، ثار، وعقد حلفًا مع ملك نافار، وهزم معه جيش السلطان 1). وبعد قليل اضطرّ عبد الرحمن أن يتوسّل إليه أن يأتي لنجدته. فلمّا لم يكن لديه من القوّا- ت ما يكفي لمواجهة النورمان، الذين نزلوا في لش- بونة (844)، وأخذوا إشبيلية ونهبوها، أرسل يقول لموسى إنّه بصفته مولى الأمويين يُخلّ بالشرف إن أبى أن يأتي لإن- قاذ مواليه. فسار موسى، بعد أن تركهم يرجونه قليلًا، نحو الجنوب بجيشٍ كبير، وبمعونة قوّات السلطان هاجم على غِرّة قراصنة الشمال وأجبرهم على إعادة الإبحار 2). ومنذئذٍ أحسن أيضًا توسيع سلطانه وتوطيده. ففي العهد الذي ارتقى فيه محمّد العرش (852)، كان سيّد سرقس- طة وتُطيلة ووشقة 3) والثغر الأع- لى كلّه 4). وكانت طليطلة قد عقدت معه حلفًا،

1) النويري، ص. 460؛ ابن خلدون، ورقة 8 وجه؛ ابن عذاري، ج. II، ص. 88، 89.

2 ابن القوطية، ورقة 26 ظهر.

3 سباستيان، ف. 25.

4 ابن القوطية، ورقة 41 ظهر.

ص 220

294

وكان ابنه لوب قنصلًا في هذه المدينة 1). وكان محا- ربًا جريئًا لا يكلّ، يوجّه سلاحه تارةً على كونت برشلونة أو كونت با- لارس، وتارةً على كونت قشتالة أو ملك فرنسا. فلمّا بلغ ذروة المجد و السلطان، وقد احترمه جميع جيرانه وتقرّبوا إليه، حتى ملك فرنسا شارل الأصلع، الذي كان يرسل إليه هدايا فخمة 2)، أخذ موسى يتصرّ- ف تصرّف السيّد من غير أن يجرؤ أحد على معار- ضته، وأخيرًا، إذ أراد أن يكون كذلك بالاسم كما كان بالفعل، اتّخذ بفخرٍ لقب الملك الثالث في إسبانيا 3). لكن حين بدأ يشيخ، ولّاه الدهر ظهره، فالدهر لا يحبّ الشيوخ 4). فهزمه أردونيو الأوّل، ملك ليون، في معركة ألبيلدا، ففقد عشرة آلاف فارس، وهو نفسه، وقد أُسقط عن جواده وجُرح ثلاث مرّات، لم ينجُ بحياته إلّا بفضل كرم صديقٍ كان له بين الغالبين، أعاره فرسًا لين- جو (860) 5). لكنّ شيئًا لم يكن ليكسر شجا- عته؛ فما فقده من جهة أراد أن يست- عيده من جهة أخرى. فصمّم أن ينتزع من منافسه في قرطبة خادمًا مجرَّب الولاء، والي وادي الحجارة. ومعه

1 سباستيان، ف. 25، 26.

2 سباستيان، ف. 26.

3 سباستيان، ف. 25.

4 كلمة لشارلكان.

5 سباستيان، ف. 26؛ Chron. Albeld.، ف. 60.

ص 221

225

قوّاته، اتّخذ ذات يوم طريق هذه المدينة. فظنّ إسحاق (ذاك اسم الوالي) أنّه آتٍ لمهاجمته، فخرج للقائه بجنو- ده؛ لكن حين تقابلت العسكرتان، طلب موسى من إسحاق حديثًا. «ما جئت لأحاربكم، قال له؛ فقصدي غير ذلك كلّه. عندي بنت لا تفو- قها امرأة في الجمال؛ ولا أريد تزويجها إلّا بأجمل فتى في البلاد، ولمّا كان الجميع يعدّونك كذلك، فإنّي أعرضها عليك زوجة.» فقبل إسحاق، من غير أن يلتزم أن يس- ير في السياسة على أثر حميه المرتقب، وما لبث هذا أن أيقن أن صهره، الذي سافر سرًّا إلى قرطبة بعد أن ذاق أوائل أفراح الزواج، ما زال على خير حال مع السلطان. فعزم عزمًا على معاقبته، وجاء فحاصر وادي الحجارة. وفي يومٍ كان إسحاق نائمًا فيه في حجرة من قلعته، ورأسه متّكئ على صدر زوجته الشابّة، رأت هذه أباها يهجم على الكرّامين والفلّاحين ويقلبهم في النهر. فامتلأت إعجابًا بالبطل الذي، في شيخوخته الخضراء، ما زال يُظهر حميّة شابّ وخفّته، فأيقظت زوجها وهي تصرخ: «انظر ماذا يفعل، الأسد! — آه، أجا- بها زوجها، وقد غار من هذا العطف الساذج الذي شهدت به لغيرِه، كأنّك تفضّلين عليّ

أباك! أتحسبينه أشجع منّي؟ في 15

ص 222

226

هذا تخطئين.» وفيما هو يقول ذلك لبس درعه، وطار للقائه حميه، و جرحه جرحًا مميتًا برمحٍ رماه به (862) 1).

وبفضل موت هذا الرجل الفذّ، استطاع السلطان أن يستعيد تُطيلة و سرقسطة؛ لكنّ الفرح الذي أحسّه بذلك لم يطل. فعشر سنين بعد موت موسى، طرد أبناؤه، بمعونة سكّان الولاية الذين اعتا- دوا ألّا يكون لهم من سيّاد غير بني قسي، قوّات السلطان 2). وحاول هذا الأخير عبثًا أن يردّهم: فردّ بنو قسي، بمعو- نة ملك ليون ألفونسو الثالث، الذي كان قد عق- د معهم حلفًا وثيقًا إلى حدّ أنّه ائتمنهم على تربية ابنه أردونيو 3)، هجماته ردًّا ظافرًا 4).

وفهم السلطان محمّد أخيرًا أن قواه نفسه غير كافية، فسعى، على خطر أن يخلق منافسًا لا يقلّ خطرًا، إلى حليف في عبد الرحمن، رئيس التجيبيين.

وكانت الأسرة النبيلة القويّة التي ينتمي إليها عبد الرحمن، والتي سكنت أراغون منذ زمن الفتح، قد مارست دائمًا على بني قبيلتها سلطانًا أبويًّا، لكنّه لم يكن

1 ابن القوطية، ورقة 41 وجه وظهر؛ ابن عذاري، ج. II، ص. 100.

2 ابن عذاري، ج. II، ص. 108.

3 Chron. Albeld. contin.، ف. 67.

4 ابن عذاري، ج. II، ص. 104، 106.

ص 223

227

قد نال قطّ إقرارًا رسميًّا من السلاطين. فبدأ محمّد إذن بالاعتراف بعبد الرحمن رئيسًا لقبيلته، موصيًا إيّاه أن ين- ظّم رجاله وأن يقيمهم في مدينتي قلعة أيوب ودروقة، اللتين كان قد رمّم تحصيناتهما. ولم يهمل شيئًا ليربط هؤلاء العرب بأسرته، وكلّما قاموا بغزوة أغدق عليهم الهدايا 1). وكانت سياسةً ماهرة لم تلبث أن أثمرت. فبفضل حلفائه، وبفضل الشقاق الذي اندلع منذ سنة 882 بين بني قسي أنفسهم 2)، نمت قوّة السلطان على حساب خصومه. فاضطرّ رئيس هؤلاء، محمّد ابن لوب وح- فيد موسى الثاني العظيم، في سنة 884، أن يبيع سرقسطة لريموند، كونت بالارس 3)، إمّا لحاجته إلى المال، وإمّا لأنّه أحسّ استحالة الدفاع عن عاصمته زمنًا أطول ضدّ هجمات السلطان المتجدّدة بلا انقطاع. وكان ريموند قد أساء الصفقة: فانتزع منه السلطان سرقسطة 4).

وبينما كانت السلطة الملكية تتوطّد هكذا في الشمال الشرقي، كانت على العكس تنحسر في سائر

1 ابن حيّان، مخطوط أكسفورد، ورقة 15 وجه.

2 Chron. Albeld. contin.، ف. 67.

3) ابن حيّان، ورقة 15 وجه وظهر، حيث ينبغي أن تُقرأ 271 بدل 261، كما يثبت المقابلة مع Chron. Albeld. contin.

4 ابن خلدون، ورقة 9 ظهر.

15*

ص 224

228

الولايات كلّها بسرعة مرعبة: ففي كلّ مكان حمل الإسبان السلاح، بحماسة لا توصف، ليطردوا ظالميهم أو يذبحوهم، ومن جهة أخرى انتهزت الأرستقراطية العربية، المعادية دائمًا للسلطة الملكية، الفوضى الشاملة لتتخلّص منها، حتى إنّه في العهد الذي ارتقى فيه عبد الله العرش (سنة 888)، بدت الدولة مهدّدة بالانحلال التامّ. ولتمام الشقاء، كان السلطان محاطًا بالخونة. وكان يعلم ذلك، وهو المشكّاك بطبعه من قبل، فازداد شكًّا حين اختبر على حسابه أنّه لا يستطيع أن يثق بأحد، لا حتى بالوزراء الذين كانوا في الظاهر أكثر الناس إخلاصًا له. واتّفق أنّ الوزير برّاء بن مالك القرشي أفلت، بحضرة سائر زملائه، بعض كلمات طائشة، يمكن أن تستنتج منها سوء النية أنّه وابنه أحمد، والي سرقسطة، يدبّران مؤامرة على السلطان. فرأى عبد الله على الأقلّ في ذلك دليل خيانة؛ لكن ماذا يصنع؟ أي- عزل الوزير وابنه؟ لم يجرؤ؛ فقد

«

أحسّ أنّ ذلك سيحملهما على الثورة عليه. فعزم إذن أن يلجأ إلى واحدة من تلك الوسائل الملتوية التي كان يعتادها، وأن يست- عين لذلك بالتجيبيين. غير أنّه لم يخا- طب رئيس هذه الأسرة، بل ابنه،

محمّد الأنقر 1)، الذي كان قد عرفه في ش-

1 أبو يحيى محمّد بن عبد الرحمن، الملقّب الأنصر.

ص 225

229

بابه، وكتب إليه أنّه، إن استطاع، وجب عليه أن يغتال والي سرقسطة. وأرسل إليه في الوقت نفسه عهدًا بالو- لاية، لكن موصيًا إيّاه ألّا يُظهره لأحد قبل أن يفارق الوالي الحياة 1). فأرى الأنقر أباه كتاب السلطان، لكن لا العهد. وكان كلاهما عربيًّا بالمعنى الحقّ للكلمة، أي في غاية الغدر؛ فلم يتردّدا إذن في تحمّل تنفيذ أمر السيّد؛ ولم يكن الأمر عندهما إلّا اختيار الوسيلة التي تبلغ بهما إلى الغاية على أوثق وجه. وكان الرأي الذي استقرّا عليه غريبًا إلى حدّ كافٍ: فاتّفقا فيما بينهما على أن يلعب الأب دور الجلّاد والابن دور الضحيّة؛ ثمّ يفرّ هذا الأخير إلى سرقس- طة؛ ويجتهد أن يحوز ثقة الوا- لي، ويرصد فرصة مواتية لاغ- تياله؛ فإذا تمّ ذلك، فتح أبواب المدينة لأبيه.

ولمّا تقرّرت هذه الخطّة، تظاهر عبد الرحمن بشدّة الغضب على ابنه؛ فجلده وسجنه، معنيًا بأن تعلم الولاية كلّها ذلك؛ ثمّ فرّ الأنقر وقصد سرقسطة، حيث استنجد بحماية أحمد، وهو يلعن من أنجبه، الذي قال إنّه كان له جلّادًا لا يرحم. ولعب دوره بمهارة

1 ابن القوطية، ورقة 47 وجه وظهر.

ص 226

250

بالغة الكمال، حتى نجح في خداع الوالي خداعًا تامًّا. ووصل إلى المدينة على التعاقب كثير من العرب الآخرين، ممّن زعموا أيضًا أنّهم ضحايا قسوة عبد الرحمن. فاستقبلهم الوالي جميعًا مفتوح الذراعين، لشدّة ثقته بصدق ضيفه. وأخيرًا، في شهر كانون الثاني/يناير من سنة 890، حين ظنّ الأن- قر أنّه يستطيع تنفيذ قصده من غير خطر كبير، طعن الوالي ببعض حرّاسه أنفسهم الذين باعوا أنفسهم له؛ ثمّ أظهر العهد الذي كان قد تلقّاه و استولى على الولاية. وبعد زمن قصير جاء أبوه يمثُل أمام أبواب المدينة. ولم يكن يشكّ أنّ ابنه سيُخلي له المكان؛ لكنّ الأنقر، وهو الأدهى منهما، لم يفعل شيئًا من ذلك، و أُجبر عبد الرحمن أن يرجع كما أتى 1).

وكان السلطان قد نجح في قصده، ولمّا كان أحمد وحده في الحقيقة، بما كان له من قوّة عس- كرية، هو الذي أثار مخاوفه، استطاع أن يصرف برّاء من غير أن يعرّض نفسه لأيّ خطر 2)؛ لكن من جهة أخرى، لا يبدو أنّه وجد في الأنقر موظفًا شديد الطاعة. فقد كانت منزلة هذا العربي من السلطان ملتبسة: فالمؤرّخون الع- رب، غير المتّسقين مع أنفسهم، يعدّونه

1 ابن حيّان، ورقة 15 ظهر، 16 وجه، 65 وجه؛ ابن القوطية، ورقة 47 ظهر.

2 ابن القوطية، ورقة 47 ظهر.

ص 227

251

تارةً من الرعايا الأوفياء وتارةً من الثائرين؛ ومن ذلك ينبغي أن يُستنتج أنّ الأنقر، من غير أن يقطع علنًا مع السيّد، لم يكن مع ذلك يطيعه إلّا حين يوافقه ذلك. غير أنّه في نقطة واحدة كانت بينهما وحدة في الرأي: فكلا- هما كان يبغض بني قسي. وظلّ الأنقر يحاربهم سنين طوالًا، ولمّا قُتل رئيسهم، محمّد بن لوب، أمام أسوار سرقسطة (898)، أراد أن يعطي السلطان دليلًا على تعلّقه به فأرسل إليه رأس عدوّه 1). ومنذئذٍ كفّ بنو قسي عن أن يكونوا مرهوبين. فقد أضعفتهم الحروب التي تقاتلوا فيها فيما بينهم وتلك التي اضطرّوا إلى خو- ضها ضدّ التجيبيين وضدّ ملك نافار، إلى حدّ أنّ السلطان عبد الرحمن الثالث، حين قمع في كلّ مكان، بما له من حزم ومهارة، الفتن الكثيرة التي أوصلت الدولة إلى شفا الخراب، استطاع أن يمنعهم من الثغر وأن يجبرهم على الالتحاق بجيشه (924) 2). ومات الأنقر، الذي لم يكن لعبد الرحمن الثالث ما يشكوه منه، في السنة نفسها 3)، و أخذت الأسرة كلّها اسم ابنه هاشم، اسم بني هاشم، لكنّنا لا نع-

1) ابن حيّان، ورقة 12 وجه، 13 ظهر؛ ابن القوطية، ورقة 47 ظهر؛ ابن ع- ذاري، ج. II، ص. 143.

2 ابن القوطية، ورقة 47 ظهر؛ عريب، ج. II، ص. 175، 176، 187، 195.

3 312. ابن حيّان، ورقة 16 وجه.

Essai — Todjibides / Zaragoza / Almería

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 228

232

لا نعلم عن الباقي شيئًا سوى أنّه مات سنة 930 1)، يبدو أنّه خلفه في ولاية سرقسطة. وترك ابنين، أبا يحيى محمّدًا وهذيل. وكان الثاني من أبرز قوّاد عبد الرحمن الثالث والحكم الثاني 2)؛ وأمّا الأوّل فكان واليًا على الثغر الأعلى، وسنرى أنّه شارك مشاركةً نشيطة جدًّا في أحداث زمانه.

وبدل أن يكون لبني هاشم ما يشكون منه من الخليفة عبد الرحمن الثالث، كانت هذه الأسرة، على العكس، تكاد تكون الوحيدة التي ترك لها هذا العاهل، وقد نزع كلّ نفوذ سياسي، من جهةٍ، عن الأرستقراطية العربية القديمة، ومن جهةٍ أخرى عن الشعب الإسباني، بريقها ومركزها الرفيع. غير أنّ محمّد بن هاشم لم يكن راضيًا عن الخليفة، وسواء أكان يهمّه أن يثأر لإهانات طائفته، أم لم يرَ في عطف عبد الرحمن عليه إلّا حسابًا تمليه المخافة، أم كان أخيرًا يحلم بعرشٍ له ولأولاده، فإنّه شرع يفاوض رميرو الثاني، ملك ليون، ووعده بأنّه، إن أراد أن يعينه على الخليفة، سيعترف به سيدًا أعلى له. فأصغى رميرو إلى عروضه، ولمّا شرع عبد الرحمن الثالث، في سنة 934، في حملة على حصن أوسما، خرج محمّد في عصيان

1 عريب، ج II، ص. 219.

2 ابن عذاري، ج II، ص. 285؛ ابن خلدون، ورقة 16 ظ.

ص 229

235

سافر إذ أبى أن ينضمّ إلى الجيش المسلم 1). وبعد ثلاث سنوات اعترف بسيادة رميرو. ورفض بعض قوّاده أن يتبعوه في طريق الخيانة وقطعوا صلاتهم به؛ لكن رميرو وصل عندئذٍ بجنوده إلى الولاية، فحاصر الحصون التي كانت ما تزال ثابتة للخليفة وأخذها، وسلّمها إلى محمّد 2). ولمّا تمّ ذلك عقد رميرو ومحمّد حلفًا مع نافار، حتى صار الشمال كلّه متحالفًا ضدّ عبد الرحمن 3). وكان الخطر عظيمًا؛ لكنّ الخليفة واجهه بطاقته المعهودة. فتقدّم على رأس جيشه، وسار أوّلًا على قلعة أيوب، حيث كان يقود مطرّف، أحد أقرباء محمّد، وكانت حاميتها تتألّف جزئيًّا من نصارى ألافا، أرسلهم رميرو. فقُتل مطرّف في أول مناوشة. وخلفه أخوه الحكم في القيادة؛ لكنّه، إذ اضطرّ إلى إخلاء المدينة والانسحاب إلى القلعة، شرع يفاوض، واشترط العفو له ولجنوده المسلمين، فسلّم القلعة إلى الخليفة. وأمّا الألافيون، الذين لم يدخلوا في شروط التسليم، فأُعمل فيهم السيف.

وبعد هذا النجاح الأوّل استولى عبد الرحمن على نحو ثلاثين حصنًا؛ ثمّ وجّه سلاحه تارةً

1 ابن خلدون، في الملحق، الرقم XI.

2 سامبيرو، ف 22.

3 ابن خلدون، ubi supra.

ص 230

254

على نافار، وتارةً على سرقسطة. فكلّل النجاح جهوده. وحُوصر محمّد في سرقسطة فصالح، وهذه المرّة بدا عبد الرحمن ألين ممّا اعتاد. فقد كان يندر أن يعفو عن رعايا ثائرين؛ لكنّ محمّدًا لم يكن ثائرًا عاديًّا: فقد كان، بعد العاهل، أقوى رجال الدولة وأكثرهم اعتبارًا، وكانت الحكمة تقضي بملاطفته. فعفا عنه الخليفة إذن وترك له منصبه 1).

وفي سنة 939 وُجد محمّد مع سيّده في معركة سيمانقاس الكارثية، حيث ساءه الحظّ فوقع في يد المنتصر، رميرو الثاني، الذي، وقد أغضبه ما سمّاه غدره وانشقاقه، عامله معاملةً قاسية جدًّا. فحبسه في ليون في سجن، ومع أنّ الخليفة بذل أقصى جهده لاسترداد حرّيته، لم يستعد محمّد حرّيته إلّا بعد سنتين.

وكان ابنه، الوزير يحيى، كثيرًا ما يقود جيوش عبد الرحمن الثالث والحكم الثاني، تارةً في إسبانيا وتارةً في إفريقية 2)، وفي سنة 975 عُيّن واليًا على سرقسطة. وابنٌ آخر لمحمّد، اسمه مطرّف، لا يبدو أنّه أدّى دورًا مهمًّا؛ لكنّه ترك ابنًا اسمه عبد الرحمن، كان واليًا على الثغر

1 ابن خلدون، ubi supra؛ قارن سامبيرو، ف 22.

2 انظر أعلاه، ص. 173، 180.

3) ابن عذاري، ج II، ص. 234، 254، 268، 265، 266؛ ابن خلدون، ورقة 16 ظ.

ص 231

255

الأعلى 3) في زمن المنصور، فاستأنف المشروع الذي سعى جدّه عبثًا إلى تحقيقه. ولمّا كان المنصور قد أسقط على التوالي أنبل رجال الإمبراطورية وأقواهم، كان عبد الرحمن يخشى بحقّ أنّه، وهو آخر النبلاء الذين ظلّوا قائمين، سيسقط عمّا قريب بدوره ضحيةً لطموح الحاجب الأوّل، فلم يكن ينتظر، ليتمرّد، إلّا فرصةً مواتية. وحسب أنّه وجدها حين وصل عبد الله، الابن الأكبر للمنصور، إلى سرقسطة. وكان هذا الشاب ساخطًا على أبيه، لأنّ هذا الأخير كان يفضّل عليه، في جميع الظروف، أخاه عبد الملك. فأجّج والي سرقسطة سخطه، وأوحى إليه شيئًا فشيئًا فكرة التمرّد على أبيه. فعزما إذن على حمل السلاح متى سمحت لهما الظروف بذلك، واتّفقا فيما بينهما على أنّهما، إن خرجا منتصرين من الصراع، يقتسمان إسبانيا، فيملك عبد الله على الجنوب ويملك عبد الرحمن على الشمال. ودخل في هذه المؤامرة عدّة موظّفين كبار، في الجيش وفي السلطة المدنية، ومن بينهم عبد الله الحجر اليابس، أمير من الدم الملكي ووالي طليطلة. وكانت مؤامرة هائلة، لكنّ فروعها امتدّت أبعد ممّا يسمح بأن تظلّ طويلًا خافيةً عن عين الحاجب اليقظة. فوصلت إلى مسامعه إشاعات

ص 232

256

غامضة أوّلًا، ثمّ أخذت شيئًا فشيئًا تتماسك، فاتّخذ على الفور تدابير فعّالة لإحباط مشاريع أعدائه. فاستدعى ابنه إليه، وبثّ فيه ثقةً زائفة بأن أغدق عليه من ضروب الإكرام ودلائل المودّة. واستقدم أيضًا عبد الله الحجر اليابس ونزع عنه ولاية طليطلة؛ لكنّه فعل ذلك بحجّة معقولة جدًّا وبأسلوبٍ مهذّب، حتى إنّ هذا الأمير لم يرتب أوّل الأمر في شيء. غير أنّ المنصور، بعد قليل، حرمه لقب الوزير ومنعه من مغادرة داره.

ولمّا أعجز هكذا اثنين من كبار المتآمرين عن إيذائه، خرج الوزير في حملة لقتال القشتاليين، بعد أن أرسل الأمر إلى قوّاد الثغر أن يأتوا للانضمام إليه. فأطاع عبد الرحمن، كما أطاع سائر القوّاد. وعندئذٍ حرّض المنصور سرًّا جنود سرقسطة على أن يرفعوا شكاوى ضدّه. ففعلوا، ولمّا اتّهموه بأنّه حبس رواتبهم ليملكها لنفسه، عزله المنصور (8 حزيران/يونيو 989). غير أنّه، إذ لم يشأ أن يتخاصم مع أسرة بني هاشم كلّها، ولّى على الثغر الأعلى ابن عبد الرحمن، يحيى سيمجة. وبعد أيّام قليلة أوقف عبد الرحمن، من غير أن يُظهر أنّه على علم بالمؤامرة؛ وإنّما أمر فقط أن يُجرى تحقيق في الكيفية التي صرف بها عبد الرحمن

ص 233

237

المبالغ التي أُودعت إليه لدفع أرزاق الجند، ولمّا أدانه بسبب الاختلاس، قطع رأسه 1).

وهكذا خطر لبني هاشم مرّتين أن يؤسّسوا في الشمال دولةً مستقلّة، وفشلوا مرّتين؛ لكنّ ما لم يتيسّر لهم في عهد عبد الرحمن الثالث وفي عهد المنصور، أي في ظلّ أقوى حكومتين عرفتهما إسبانيا العربية، صار عليهم يسيرًا بعد سقوط الأمويين، حين تنازع القوّاد البربر والصقالبة الملك. —

غير أنّهم لم يحاولوا ذلك على الفور. فكانت فكرتهم الأولى، حين قبض عليّ بن حمّود، وهو من نسل عليّ، صهر النبيّ، على التاج، أن يعيدوا الأسرة الشرعية، على أن يملكوا باسمها مع ذلك.

وكان منذر، ابن يحيى سيمجة، يومئذٍ رئيس بني هاشم. وقد خدم قديمًا تحت المنصور، الذي رقّاه، في إحدى السنوات الأخيرة من حياته، إلى رتبة قائد 2)، وفي العصر الذي نتحدّث عنه كان والي سرقسطة. فاتّفق مع خيران، سيّد المرية وأقوى زعماء الصقالبة، وقد كانوا قد تخاصموا مع عليّ بن حمّود، فنادى خليفةً حفيدًا لحفيد عبد

1 ابن عذاري، ج II، ص. 308، 304.

2 ابن الخطيب، في الملحق، الرقم XIII.

ص 234

238

الرحمن الثالث، كان يحمل الاسم نفسه الذي يحمله جدّه الأعلى، واتّخذ عند انتخابه لقب المرتضى. ثمّ سار نحو الجنوب بجنود كثيرين، كان فيهم نصارى كثر (من الكتالونيين أو النافاريين)، وانضمّ إلى خيران.

ومن جهته كان عليّ بن حمّود، وقد علم أنّ خصومه قد تقدّموا حتى جيّان، يستعدّ للخروج للقائهم، وكان قد أعلن استعراضًا كبيرًا ليوم 17 نيسان/أبريل (1018)؛ لكن في اليوم المعيّن انتظره الجنود عبثًا، ولمّا شرعوا يتململون، قصد بعض الضبّاط القصر يستطلعون سبب غيابه: فوجدوه مقتولًا في الحمّام 1). وقد ارتكب هذه الجريمة صقالبة كانوا من قبل في خدمة الأمويين 2)، وكلّ شيء يحمل على الاعتقاد أنّ منذرًا وخيران لم يكونا بمعزل عنها. فلمّا تخلّصا من خصم مزعج، بادرا إلى دعوة جميع الزعماء الذين حسبا أنّهما يعوّلان عليهم، ليوم 30 نيسان/أبريل. فقرّر المجلس، وكان كثير العدد ويضمّ عددًا من رجال الإكليروس، أن تكون الخلافة انتخابية، وأقرّ انتخاب المرتضى 3). ولمّا تمّ ذلك، ساروا على غرناطة.

وكان الأمير الذي يملك فيها، زاوي بن زيري، بربريًّا

1 ابن الأثير، في الملحق، الرقم XIV.

2 المقّري، ج I، ص. 316، س 1.

3 ابن الأثير، ubi supra.

ص 235

259

ومن حزب القاسم بن حمّود، الذي خلف أخاه عليًّا. فكتب إليه المرتضى بعبارات مهذّبة جدًّا، وألزمه أن يعترف به خليفة. فلمّا سمع زاوي قراءة هذه الرسالة، أمر كاتبه أن يكتب على ظهرها السورة 109 من القرآن، ونصّها:

«قل يا أيّها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد؛ ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد. لكم دينكم ولي دين.»

وبعد أن تلقّى هذا الجواب، وجّه المرتضى إلى زاوي رسالةً ثانية. كانت ملأى بالتهديدات، وقال فيها المرتضى بين أمور أخرى: «أسير عليكم يصحبني حشد من النصارى وجميع شجعان الأندلس. فماذا تصنعون إذن؟» وانتهت الرسالة بهذا البيت:

«إن كنتم معنا فحظّكم سعيد؛ وإن كنتم علينا فحظّكم بائس!»

فأجابه زاوي مستشهدًا بالسورة 102، وهذا نصّها:

«ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر لتعدّوا الموتى 1)؛ كلاّ سوف تعلمون! ثمّ كلاّ سوف

1) انظر تفسير هذه الكلمات في حاشية لسيل على ترجمته الإنكليزية للقرآن.

ص 236

240

تعلمون! كلاّ لو تعلمون علم اليقين، لما فعلتم هذا. لترونّ الجحيم؛ ثمّ لترونّها بأعينكم. ثمّ لتُسألنّ يومئذٍ عن نعيم الدنيا!»

فاستشاط المرتضى غيظًا من هذا الجواب، وعزم على تجربة حظّ السلاح.

غير أنّ خيران ومنذرًا كانا قد أدركا أنّ هذا الخليفة ليس الذي يحتاجان إليه. فلم يكونا يباليان في الحقيقة كثيرًا بحقوق أسرة أميّة، وإنّما كانا يحاربان لأمويّ بشرط أن يدع نفسه يُحكم على أيديهما. وكان المرتضى أشدّ كبرًا من أن يقبل مثل هذا الدور؛ فلم يقنع البتّة بظلّ السلطة، وبدل أن يمتثل لإرادة قوّاده، أراد أن يفرض عليهم إرادته. ومنذئذٍ عزما على خيانته، ووعدا زاوي بأنّهما سيتركان المرتضى ما إن يشتبك القتال.

غير أنّهما لم يفعلا ذلك مع ذلك، وقُوتل أيّامًا متتالية. وأخيرًا طلب زاوي إلى خيران أن ينجز وعده. «ما أخّرنا ذلك، أجابه خيران، إلّا لكي نعطيكم فكرةً صحيحة عن قوّتنا وشجاعتنا، ولو عرف المرتضى أن يكسب قلوبنا، لكان النصر قد انحاز إليه من قبل. لكن غدًا، حين تصطفّون جنودكم للقتال، سنتركه.»

ص 237

241

وفي صباح الغد ولّى خيران ومنذر ظهرهما للأعداء فعلًا. وكان ينقص كثيرًا أن يقرّ جميع ضبّاطهما مسلكهما؛ بل على العكس، كان عدد منهم ساخطين سخطًا شديدًا. ومن هؤلاء سليمان بن هود، الذي كان يقود الجنود النصارى في جيش منذر، والذي، من غير أن ينجرف مع الفارّين، ظلّ يصفّ جنوده للقتال. فمرّ منذر به وقال: «انجُ إذن، أيّها الشقيّ؛ أتحسب أنّ لديّ فراغًا لأنتظرك؟ — آه، صاح سليمان عندئذٍ، إنّك تغرقنا في شقاء هائل، وتكسو حزبك بالعار!» غير أنّه، وقد اقتنع باستحالة المقاومة، تبع سيّده.

وقد تخلّى عنه معظم جنوده، فدافع المرتضى بشجاعة اليائس، وكاد يقع في أيدي الأعداء. لكنّه أفلت منهم مع ذلك، وكان قد وصل إلى وادي آش، خارج حدود أرض غرناطة، حين اغتاله مبعوثون من خيران 1).

فكفّر خيران، بانهيار حزبه نفسه، عن خيانته الجبانة الدنيئة: فلم يعد الصقالبة قادرين على جمع جيش، وصار البربر،

1) المقّري، ج I، ص. 316، 317؛ ابن الخطيب، في الملحق، الرقمان XIII و XV؛ ابن خلدون، ibid.، الرقم XII، وapud هوغفليت، ص. 22.

16

ص 238

242

أعداؤهم، منذئذٍ أسياد الأندلس. لكن بما أنّ سلطانهم لم يمتدّ إلى الشمال، تيسّر لمنذر أن يعلن استقلاله. وفعل ذلك متّخذًا لقب المنصور. وملك طويلًا، ولم يخلُ ملكه من مجد. صحيح أنّه لم يستطع أن يمنع سليمان بن هود، الذي كان قد أسند إليه ولاية لاردة، من أن يخرج عن سلطانه؛ لكنّه صدّ على الأقلّ هجمات هذا الأمير، الذي أراد أيضًا أن ينتزع منه سائر أملاكه وكان يحارب باسم الخليفة المخلوع هشام الثالث، أخي المرتضى، الذي كان قد آواه 1). وفضلًا عن ذلك وسّع منذر حدوده بأن انتزع وشقة من قريبه أبي يحيى محمّد، من فرع بني قماضح 2). وكان عليه أيضًا أن يخوض حربًا ضدّ إرميسند، التي كانت تحكم كونتية برشلونة أثناء قصور ابنها برنجير الأوّل 3)؛ لكنّه بوجه عام كان يحرص على أن يعيش في تفاهم حسن مع جيرانِه النصارى 4)، وكان يشارك في حروبهم 5)؛ بل كان ميله إلى حلفائه وإلى جنوده النصارى عظيمًا حتى إنّه كان يُـ

1 النويري، ص. 491.

2) ابن خلّكان، livr. VII، ص. 142 طبعة وستنفلد؛ ابن الأبّار، في الملحق، الرقم XVIII.

3 ابن خلدون، أعلاه، ص. 125.

4 ابن خلدون، في الملحق، الرقم XI.

5 Mon. Sil.، ف 76.

Essai — Todjibides / Zaragoza / Almería

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 239

243

يحصّن نفسه في سرقسطة. على أنّه كان ذا إلمامٍ بالآداب، وكان يكافئ الشعراء بسخاء.

قُتل منذر اغتيالًا نحو أواخر شهر أغسطس سنة 1039. كان محاطًا ببعض خدمٍ من الصقالبة فحسب، يقرأ رسالةً كان قد تلقّاها لتوّه، حين دخل غرفته قائدٌ من أسرته، عبد الله بن الحكم، وطعنَه بخنجرٍ في صدره. فرّ الصقالبة إلا واحدًا، كان أشجع من الآخرين، فحاول أن يصدّ الضربة، لكن عبثًا. ودفع حياته ثمنًا لوفائه.

لا يُعرف ما الذي حمل يد عبد الله على السلاح؛ وإنّما يُعلم أنّه استولى على الحكم واعترف بسليمان بن هود سيّدًا له. على أنّه لم يهنأ طويلًا بثمرات جريمته. فثار عليه أهل سرقسطة، وكانوا قد أحبّوا منذرًا حبًّا جمًّا. وكان عبد الله قد توقّع العاصفة واتخذ احتياطاتٍ. إذ أحسّ أنّه إن ثار الشعب فلن يقوى على البقاء في سرقسطة، فأعدّ كلّ شيءٍ ليتمكّن من المضيّ فورًا إلى رويدة، وهي من أكبر حصون الإقليم. فنفّذ قصده، غيرَ غافلٍ عن حمل كنوز منذر معه. وبعد رحيله أُسلمت سرقسطة إلى الفوضى. وشرعت الغوغاء تنهب

القصر، وكانت لتدمّره من أساسه، لولا أنّ

ص 240

244

سليمان بن هود، وقد وصل مسرعًا، أعاد النظام (أكتوبر سنة 1039) 1).

II

بعد سنين قليلة من فقدان بني هاشم مملكتهم، نجح فرعٌ من أسرتهم كانوا قد طردوه من أراغون، وهم بنو صمادح، في تأسيس مملكةٍ أخرى على شواطئ البحر المتوسط.

ويبدو أنّ بني صمادح، وهم أقلّ شهرةً من بني هاشم، لم يؤدّوا دورًا مهمًّا في عهد الأمويين، إلا إن يكن التجيبي أبو الأحوص معن بن عبد العزيز، أحد أبرز قادة المنصور، من أسرتهم، كما أميل إلى الاعتقاد، نظرًا إلى أنّ صمادحيًّا سنتحدّث عنه قريبًا كان يحمل هو أيضًا اسم أبي الأحوص معن. ومهما يكن من أمر هذه الفرضية، فالثابت أنّه في الوقت الذي أعلن فيه منذر استقلاله بسرقسطة كان الصمادحي أبو يحيى محمد حاكمًا أو أميرًا على وشقة. وكان يفوق جميع قادة عصره دهاءً وفصاحة؛ غير أنّه كان قليل الجند، فلمّا هاجمه منذر القويّ يريد توسيع أملاكه، أُجبر

1 انظر في الملحق الأرقام XII وXIII وXVI، وقارن الحاشية هناك، رقم XVII.

ص 241

245

على أن يسلّمه وشقة وأن يلتمس ملجأً في بلنسية، حيث كان يحكم عبد العزيز، حفيدٌ للمنصور. فأحسن هذا الأمير وفادته أشدّ الإحسان، وزوّج حتى أختيه لابني ضيفه، وكانا يُسمّيان، أحدهما أبو الأحوص معن، والآخر أبو عتبة صمادح. ثمّ أراد محمد أن يمضي إلى المشرق، على الأرجح ليؤدّي فريضة الحجّ إلى مكّة. فغرق ومات في الأمواج.

وبعد حين، في سنة 1038، قُتل زهير، خليفة خيران على المرية، وهو يقاتل باديس أمير غرناطة 1)، ولأنّه لم يترك وريثًا سارع عبد العزيز البلنسي إلى الاستيلاء على إمارته، وكانت من أجمل إمارات إسبانيا وأعظمها شأنًا، بحجّة أنّها تؤول إليه بحقّ الانتقال، إذ كان زهير مولىً لأسرته. لكن في اللحظة التي كان ما يزال فيها في المرية، شنّ مجاهد أمير دانية، الذي لم يستطع أن يرى اتّساع ممالك جاره دون أن يغبطه، غزوًا على البلاد البلنسية، فاضطرّ عبد العزيز إلى تدبير دفاع أملاكه القديمة، فغادر المرية نحو سنة 1041، بعد أن عهد بحكمها

1 ابن الأثير، في Script. Ar. loci de Abbad. لي، ج. II، ص. 34؛ ابن الخطيب، مخطوطة G.، ورقة 135 و.؛ ابن خلدون، ورقة 27 و.

ص 242

246

إلى صهره أبي الأحوص معن 1).

وإن كان أمير بلنسية قد رجا أن يجد في حليفه رعيّةً وفيّة، فقد أخطأ. ففي ذلك الزمان كان كلّ والٍ يطمح إلى الاستقلال، ولم يشذّ معن عن القاعدة العامة: فلم يلبث أن نفض عن نفسه سلطة صهره.

وبعد موته، الواقع سنة 1051 3)، خلفه ابنه محمد، المعروف بلقب المعتصم، ولم يكن قد جاوز بعدُ الرابعة عشرة، تحت وصاية عمّه صمادح. وكان هذا الأخير، لو أراد، قادرًا على أن يرقى العرش بنفسه. فقد كان معن ينوي أن يسمّيه خلفًا له؛ لكنّ صمادح، الذي لم يرد أن ينال تاجًا على حساب ابن أخيه الصغير، طلب منه ألا يمضي في هذا المشروع 4).

وفي تلك الحقبة كانت إمارة المرية، وإن لم تعد واسعة كما كانت في عهد زهير، ما تزال كبيرة بما يكفي، وكانت تضمّ من بين مدنٍ أخرى لورقة وبياسة

1 ابن خلّكان، الكتاب VII، ص. 142؛ ابن الأبّار، في الملحق، رقم XVIII. وبحسب ابن خلدون (ورقة 27 و.) صار معن واليًا على المرية سنة 433 للهجرة.

2 ابن الأبّار، في الموضع نفسه؛ ابن الأثير، ورقة 54 و.؛ النويري، ص. 509؛ ابن خلدون.

3 ابن الأثير: [نص عربي تالف في المرقمن]. نقله النويري.

4 ابن الأبّار، في الموضع نفسه.

ص 243

247

وجيّان 1)؛ لكن بعد موت معن ضاقت شيئًا فشيئًا، بفعل ثورات الولاة وتعدّيات الأمراء المجاورين. ويبدو أنّ والي لورقة، ابن شبيب، كان من أوائل من رفعوا راية العصيان. فأراد صمادح إخضاعه، وسار عليه يصحبه باديس الغرناطي، حليفه. فأخذ بعض الحصون في جوار لورقة؛ لكن لأنّ عبد العزيز البلنسي كان قد أمدّ ابن شبيب، لم يستطع أن يأخذ لورقة نفسها 2). وبعد موت صمادح (سنة 1054)، حين حكم المعتصم بنفسه، ساء كلّ شيءٍ من سيّئٍ إلى أسوأ. فلمّا رأى الأمراء الآخرون عرش المرية في يد شابٍّ بلا خبرة ولا مواهب عسكرية، حسبوا أنّ من حقّهم أن ينتزعوا من هذا الجار الضعيف المدن والأقاليم التي تلائم هواهم، فجُرّد المعتصم في وقتٍ قصير من جميع ممالكه، إلا العاصمة وما حولها 3).

وكانت مملكةً صغيرة جدًّا، صغيرةً إلى حدّ أنّ المعاصرين لم يكونوا يذكرونها إلا هازلين، ولا سيّما أنّها لم تكن في الجملة مواتية الطبيعة. وإليك، مثلًا، كيف يعبّر المؤلّف العربي ابن خاقان في هذا الشأن 4): «هذه

1 ابن الأثير؛ النويري.

2 ابن خلدون.

3 ابن الأثير؛ النويري.

4 القلائد، مادة المعتصم.

ص 244

248

الناحية صغيرة جدًّا؛ غلتها قليلة وتُرى بنظرةٍ واحدة؛ والسحب تبثّ فيها قطراتها النافعة عبثًا، إذ لا تُخرج ثمارًا ولا قمحًا؛ وحقولها تكاد تكون كلّها مجدبة، لا ينبت فيها إلا العشب. لكن، غفر الله لي! أنسى أن أذكر نهر بجّانة، ذلك النهر العظيم الذي يصير أحيانًا في ضخامة الحبل! وكثيرًا ما تعوزه مِنابعه، لكنّه يتعزّى حين تأتيه قطرات الندى أو المطر فتكثّره. وعلى ضفّتيه حقول قمحٍ ومراعٍ، لا أوسع من بسط الكفّ حقًّا، لكنّ الحمام والبقر تجد فيها مرعاها.» وفي هذه الكلمات الخبيثة كثيرٌ من الصدق. فالبلد بين المنصورة والمرية رمليّ مجدب، والسهل الممتدّ من المرية إلى رأس غاطة صحراء حقيقية. وفي المقابل، البلد أخصب نحو الجنوب الغربي. فبرجة، مثلًا، قائمة في موقعٍ رائع في وادٍ جميل تحفّه الجبال من كلّ جانب. وسهل دالية (Campo de Dalias) اليوم بور؛ لكن ما تزال تُرى فيه بعض الأجباب (الصهاريج) التي بناها المور، وإن صدّقنا رحّالةً حديثًا 1)، لكفت بِرَكٌ قليلة لتحيله جنّةً بهيجة. وقد كان كذلك في عهد المور، فهذا ما يقوله المؤلّف

1 القبطان كوك.

ص 245

249

العربي الذي ذكرناه آنفًا، والذي، كما رأينا، لم يكن منحازًا لإقليم المرية، إذ يتحدّث عن برجة ودالية: «هما ناحيتان لم تَرَ عينٌ مثلهما. والنسيم يلاعب فيهما أغصان الشجر؛ والجداول صافية؛ والحدائق تفوح بكلّ أصناف العطر؛ والرياض تشرح النفس وتقدّم للأعين أبهج المناظر.»

وبالجملة، وعلى ضيق حدود مملكته، لم يكن المعتصم إذن أميرًا سيّئ الحظّ أكثر مما ينبغي، ولا سيّما أنّ عاصمته، بفضل التجارة والصناعة، كانت زاهرةً مزدهرة. ولم تكن تشبه مرية أيّامنا إلا من وجوهٍ معيّنة؛ إذ إنّ طابع المدينة الموري ببيوتها الواطئة وسطوحها المسطّحة، ولطف أهلها الجاذب وأدبهم الرفيع 1)، وصوت نسائها الرخيم ولونهنّ الأسمر قليلًا؛ إن كان هذا كلّه ما يزال يذكّر بتلك الأمّة النبيلة التي كانت يومًا أرقى أمم المعمورة وأكثرها إقدامًا: فليس ثمّ، سوى الخرائب، ما يوحي بأنّ المرية في القرون الوسطى كانت أهمّ موانئ إسبانيا، الميناء الذي كان يستقبل سفن الشام ومصر كما يستقبل سفن بيزة وجنوة؛ وأنّها كانت تضمّ ألف نُزُلٍ و

1 على اختلاف العصور، يستعمل المؤلّف العربي الشقندي (apud المقري، ج. II، ص. 148) وسائح إنجليزي، القبطان كوك (ج. I، ف. 3)، في هذا الشأن عباراتٍ تكاد تكون واحدة.

ص 246

250

أربعة آلاف نولٍ للنسيج؛ وأنّهم كانوا يصنعون فيها شتّى الآلات من الحديد والنحاس والزجاج. وكان السيّد المقيم فيها نموذجًا مكتملًا لأرقّ الفضائل. مسالمًا قبل كلّ شيء، غير راغبٍ في أن يعرّض راحة رعاياه لمصالحه الشخصية، اكتفى بمملكته الصغيرة دون أن يسعى إلى توسيعها. وكان يعامل أقاربه وشعبه وجنده بعطفٍ كلّه أبويّ، وكان الغرباء الوافدون إلى بلاطه يلقون فيه ضيافةً سخية. وبوصفه راعيًا مستنيرًا للفنون والعلوم، كان يشجّع المواهب كلّها ويكافئها. ممتلئًا احترامًا للدين ورجاله، أحبّ أن يسمع الفقهاء يتكلّمون في النصوص المقدّسة، وكان لهذا الغرض يجمعهم بانتظام، مرّةً كلّ أسبوع، في قاعةٍ من قصره 1). وحكم بالعدل. فلمّا بنى القصر الفاخر المعروف من بعدُ باسم الصمادحية، استولى العمّال على بستانٍ كان لأيتام. فاحتجّ وصيّهم، بلا جدوى، على هذا الإجراء التعسّفي. فعزم عندئذٍ أن يرفع أمره إلى الأمير نفسه. وفي يومٍ كان فيه المعتصم في متنزّهه، رأى يطفو في القناة التي تشقّه قصبًا مسدود الطرفين بالشمع. فطلب أن يُؤتى به، ولمّا كسر الشمع وجد رقعةً يجعله فيها الوصيّ مسؤولًا عن

1 ابن الأبّار، في الملحق، رقم XVIII.

ص 247

251

الظلم الذي اقترفه عمّاله. فاستدعاهم الأمير على الفور، وعنّفهم بشدّة، ومع أنّ الأرض المعنية كانت لازمةً لتناظر المباني، ردّها إلى الأيتام. ولمّا تمّ القصر، لاحظ الجميع أنّ شيئًا ينقصه. فنبّه أحدهم الأمير إلى ذلك. فأجابه: «أنتم على تمام الصواب؛ لكن لمّا كان عليّ أن أختار بين لوم أهل الذوق ولوم الأزل، لم يكن اختياري محلّ ريب. وأؤكّد لكم أنّ أحبّ ما في قصري إليّ هو بالضبط هذا العيب الذي فيه 1).»

وإن كان المعتصم عادلًا، فقد أحبّ أيضًا أن يغفر الإساءات. وكان قد أغدق نعمه على الشاعر أبي الوليد النحلي، من بَطَلْيَوْس؛ لكن لمّا مضى هذا إلى إشبيلية، إلى بلاط المعتضد بن عبّاد، جرؤ من نكران الجميل على أن يدرج هذا البيت في مديحٍ نظمه تكريمًا لذلك الأمير:

«ابن عبّاد أباد البربر؛ وابن معن، دجاج القرى.»

وبلغ المعتصم سخرية الشاعر؛ لكنّ هذا الولد الطائش من أبناء الموسى كان قد نسيها، ودخل المرية بعد حين. ودُعي إلى العشاء عند الأمير، فدهش جدًّا إذ لم يرَ على المائدة إلا دجاجًا. فصاح: «لكن، يا مولاي، أما عندكم في المرية من طعامٍ

1 المقري، ج. II، ص. 249.

ص 248

252

غير الدجاج؟ — عندنا غيره، أجابه المعتصم؛ لكنّي أردت أن أُريكم أنّكم أخطأتم حين قلتم إنّ ابن معن أباد دجاج القرى.» فتذكّر النحلي عندئذٍ بيته المشؤوم وحاول الاعتذار؛ لكنّ الأمير قال له: «اطمئنّوا: إنّ صاحب مهنتكم لا يكتسب رزقه إلا بأن يفعل كما فعلتم؛ وإنّما يستحقّ غضبي من سمعكم تنشدون هذا البيت فصبر صابرًا على أن تهينوا أحد نظرائه.» ثمّ، إذ أراد أن يُري الشاعر أنّه لا يضمر له ضغينة، أهداه هدايا 1). أجل، لو أنّ أميرًا بهذا النبل والكرم والعدل وحبّ السلم حكم في عصرٍ آخر وعلى بلادٍ أوسع، لسطع اسمه بين أولئك الملوك العظام حقًّا، الذين لا ترجع شهرتهم إلى سيول دمٍ أُريقت لتوسعة حدود ممالكهم بضعة فراسخ، بل إلى الخير الذي صنعوه، وإلى التدابير التي اتّخذوها لتحسين حال رعاياهم. وفي ذلك الزمان كان مثل هؤلاء الملوك نادرين، كما ظلّوا نادرين في كلّ العصور، وإذا قُورن بالأمراء الآخرين الذين كانوا يحكمون حينئذٍ في إسبانيا، كان المعتصم رجلًا استثنائيًّا تمامًا. ولم يكن يشترك مع أولئك الأمراء إلا في خصلةٍ واحدة: هو أيضًا أحبّ الآداب حبًّا جمًّا؛ ولمّا لم يقع أيّ حدثٍ

1 المقري، ج. II، ص. 420، 421.

ص 249

255

مهمّ في عهده الطويل قبل قدوم المرابطين، فسنحاول أن نقدّم هنا لمحةً، مهما ضعفت ونقصت، عن الحركة الأدبية في البلاط الصغير بالمرية.

III.

كان سخاء المعتصم قد جذب إلى العاصمة جمعًا كبيرًا من أرباب القرائح، حين وصل إليها يومًا شابٌّ فقير، رثّ الثياب، لا يعرفه أحد. كان قادمًا من قرية برجة، حيث ربّاه أبوه، رجلٌ كثير العقل والعلم، وكان اسمه أبا الفضل جعفر بن شرف. وقد خامره أن يطلب الحظّ في المرية، وعلى رثاثة لباسه أكثر مما ينبغي، جرؤ أن يحضر إلى القصر، راجيًا أن يكفي لقبُه شاعرًا (إذ كان كذلك) ليفتح له الأبواب. فتحقّق رجاؤه، ولمّا مثل بين يدي الأمير أنشده قصيدة هذا مطلعها:

«منذ أمدٍ طويل، كانت الليلة، البطيئة في الرحيل، قد وعدت بأن يظهر الفجر، وكانت النجوم تشتكي أصلًا سهرها الطويل، حين هبّ فجأة نسيمٌ رطب من الشرق فبدّد الظلمات. ففاهت الأزهار عندئذٍ بعطورها، وأبدت الفجر، محمرّةً حياءً، خدودها المبلولة

Essai — Todjibides / Zaragoza / Almería

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 250

254

بالندى، بينما كانت الليل تنتقل من نجمة إلى أخرى لتأذن لهنّ بالانصراف إلى الراحة: فسقطت عندئذ ببطء وتتابع، كما تُرى الأوراق تسقط من الأشجار.

«أقسم بأبي! وقد هدّني سهرٌ طويل، نمتُ ساعةَ نشر نسيمُ الصباح على الزهور دموعَ الندى، إذ زارتني صورةُ من أتنهّد إليه، بعد أن غادرت تلك الدار التي حُرمتُ دخولها. آه ما أجملها، حبيبتي واسعةُ الردف، دقيقةُ الخصر! حين أسفرت عن وجهها غدائرَها الطويلة، ذكرتُ الفجر يطرد الظلام؛ فشَعرُها أسودُ كالليل، ويُخيَّل أن الفجر أعارها خدّيه الورديّين. وعيناها نافذتان كالسيف الذي تحمله إلى جنبيها، ولخديها من البريق مثل ما له.

«ما أجمل حبيبتي مرأىً، حين تركب جوادًا ينطلق عدوًا، وهو، على ما في عينيه من لهبٍ وكبرياء، ينقاد لها انقيادَ ظبيةٍ وجِلة.»

ومضى على هذا النحو، مستعملًا، على العادة، عباراتٍ مبهمةً تصلح إلى حدٍّ ما أن تنطبق على خليلته كما تنطبق على الأمير (توريةٌ غريبة، لكنها ممكنة في العربية، إذ يستعمل شعراء هذه الأمة المذكر إذا تكلموا عن امرأة)، فختم ابن شرف قصيدته بمدحٍ فخم للمعتصم.

ص 251

255

وسُرّ الأمير بما سمع، وأبدى جهارًا إعجابه بالشاعر الشاب الذي يحسن أن يكسو أفكاره لونًا بهذا الطراوة والظرف. ومنذئذٍ استوت حظوظ ابن شرف؛ ولعله هو نفسه لم يكن يدري ذلك بعدُ، أما شعراء البلاط فلم يشكّوا فيه، وداخل بعضهم منه حسدٌ عنيف. وكان من هؤلاء ابن أخت غانم، من مالقة. واسمه الحقيقي أبو عبد الله محمد بن معمر؛ لكنه لم يولد في طبقة رفيعة، ولم يكن لأبيه من فضل سوى أنه كان زوج أخت الفقيه اللغوي الشهير غانم، فلم يُدعَ قط إلا ابن أخت غانم، لقبًا بغيضًا مهينًا لرجلٍ يعيش في مجتمع أرستقراطي كالمجتمع الأندلسي آنذاك. ومع ذلك كان شاعرًا جيدًا جدًا وبئرَ علمٍ حقًّا. قرأ ما لا أدري كم من الكتب في النحو والفقه والكلام والطب؛ بل أكثر من ذلك: كان يحفظها عن ظهر قلب، إذ كانت ذاكرته خارقة 1). لكنه كان حسودًا، فرأى في الوافد الجديد منافسًا قد يزيحه يومًا عن حظوة السلطان. فأراد أن يُفقده رباطة جأشه، فجعل ينظر إلى زِيّه الريفي بنوع من الفضول

1 السيوطي، في الملحق، رقم XIX.

ص 252

256

الفظّ، ثم سأله من أيّ بادية أقبل. وكلّفته هذه الوقاحة غاليًا. فلم يضطرب ابن شرف، واسمُه إذا أُخذ بمعنى النعت يعني «ابن الشرف»، فأجابه بأنفة: «وإن كان زِيّي زيَّ أهل البادية، فإني من أسرة شريفة. لست أخجل من حالي، ولست أحمل اسم خال.» فمال الضاحكون إلى جانبه، وفي تلك اللحظة لزم خصمُه، خجلًا من اندحاره، الصمت؛ لكنه انتقم لاحقًا بأن نظم في ابن شرف هذه الهجاءة:

«سلوا شاعر برجة: أيحسب أنه أتى من العراق وأن فيه عبقرية البحتري؟ يأتي بأبيات تميتك ضجرًا بمجرد أن تراها في يديه، فيقال: — كيف! ألدينا وقتٌ نصغي فيه إلى ناظمٍ تافه؟ — صدقني يا جعفر! دع الشعر للشعراء الحق، وكُفَّ عن محاكاة الأساتذة بلا جدوى، وبادر إلى ترك دعاويك المضحكة، فإن شفاه الشعر الرقيقة تدفع قبلاتك الدنسة!»

ومن حسن حظه أن ابن شرف كان في غنىً عن تقدير ابن أخت غانم؛ فقد عرف كيف يُرضي السلطان الذي أغدق عليه الأفضال. وذات مرة كان له نزاع مع وكيل أراد أن يفرض عليه ضريبةً باهظة على حقلٍ يملكه قرب قرية،

ص 253

257

فرفع شكواه إلى الملك؛ ثم أنشده قصيدةً فيها هذا البيت:

«في عهد هذا الأمير زال كلُّ جور، إلا ما تُجريه عيون الفتيات اللاتي لهنّ قدٌّ أهيف.»

«كم بيتًا (من البيوت) في القرية التي ذكرتَها لي؟» سأله المعتصم عندئذ. — «نحو خمسين»، أجاب ابن شرف. — «حسنًا»، قال الأمير، «إني أهبها لك من أجل هذا البيت الواحد (من أجل هذا البيت وحده).» وفي الحال منحه بمرسوم حقّ الملك على القرية مع الإعفاء من كل ضريبة 1).

ولم يكن ابن شرف شاعرًا فحسب: فقد برز أيضًا في الطب 2)، وكأخلاقيّ أخرج مجموعتين من الحكم، إحداهما نثرًا والأخرى شعرًا 3). وقد حفظ لنا أحد معاصريه، ابن خاقان، بعض هذه التأملات، ولما لم تكن تخلو من صواب ولا من ملح، رأيت أن أترجمها 4):

— الرجل الفاضل يعيش في قرن فاسد كسراجٍ وُضع في فلاة؛ لينشر ضوءًا لو تركتْه الرياح وشأنه.

— ليُثرِ الحسدَ فيكم السعدُ الذي يزداد دائمًا أكثر مما يثيره السعد الأقصى؛ فإذا امتلأ القمر بدأ على الفور يتناقص.

1) المقري، ج II، ص 267—270. 2) ابن خاقان، مخطوط A.، ج II، ص 237. 3) ابن خاقان، نقله حاجي خليفة، ج III، ص 592. 4) انظر النص في الملحق، رقم XX. 17

ص 254

258

— آثروا الاعتماد على قواكم أنتم، مهما صغرت، على الاعتماد على قوى أصدقائكم، مهما عظمت في الظاهر؛ فإن الحيّ يستند إلى ساقيه وهما اثنتان، أقوى من الميت تحمله سوق الذين يسوقونه إلى المقبرة، وإن كانت ثماني 1).

— التعليم زراعةُ عقول الآخرين؛ وليست كل أرض تُثمر.

— الرجل الحازم الرزين هو من يتأمل مليًّا إذا شكّ، ويعمل سريعًا إذا أيقن.

— لولا أنهم قالوا: «فيما بعد»، لكان كثير من الناس علماء.

— قولُ الحق بكرم الطبع كفعل مرآةٍ من حديد جيّد تعكس صورة الأشياء بأمانة.

— كثيرًا ما يكون الكريم الذي لا يفعل غير العطاء أغنى من البخيل الذي لا يفعل غير الأخذ.

— ليس مردودًا من سأل فلم ينل شيئًا، بل من وُعد فلم ينل شيئًا.

1 في المشرق يحمل النعش أربعة من أصدقاء الميت؛ انظر M. Lane، Modern Egyptians، ج II، ص 324، 325.

ص 255

239

— يا ابن آدم! تلوم أهل عصرك كأنك الفاضل الوحيد وكل من سواك لصوص. أخطأت: لقد ظلمتَ وظُلمتَ؛ لكنك تذكر ما فعله الآخرون وتنسى ما فعلتَ أنت.

— عقلٌ راجح لا يحتل منزلة رفيعة أو يُجهل فضله يشبه سراجًا لا يُرى نوره أو لم يُرفع عاليًا بما يكفي؛ والأحمق الذي لا يُنتفع به إلا بإذلاله يشبه مرسى السفينة، لا يؤدي خدمة إلا بعد أن يُرمى من أعلى إلى أسفل.

ومن شعراء بلاط المعتصم كان يُذكر أيضًا أبو عبد الله ابن الحداد، من وادي آش، صاحب رسالة في العروض سعى فيها إلى التوفيق بين النظام الموسيقي والقواعد التي وضعها النحوي الشهير الخليل. وفي الشعر اشتهر حتى لُقّب بأكبر شعراء الأندلس. وهو الذي نظم الأبيات التالية، وراجَت حتى حفظها الجميع وغنّوها:

«اترك وادي العقيق، قيل لي، ما دامت التي تهواها لا تريد أن تستجيب لهواك؛ ولا تَعُد إلى غدير العذيب حيث لقيتها مكلّلةً بالألماس تعبق الجو بعطرها، فإن سيفها ورماحها ستجرح

17*

ص 256

260

من جديد قلبك. — آه! مُنعتُ من الدنو منك، لكن لا يُمنع أن تظل صورتك حاضرة في خاطري أبدًا؛ فبعيدًا عنك أتخيّل أنك ما زلت إلى جنبي. أيها الأصدقاء الذين تمدحونني لصبري ولأني، بدل السهر، ألتمس النوم، لست أهلًا لمدحكم، فإني إذا نمت أيقنتُ أن حبيبتي ستتبدى لي في أحلامي.»

ومع هذه الأبيات الظريفة الرقيقة، لا يبدو أن ابن الحداد كان دائمًا عاشقًا وفيًا، يشهد بذلك ما يسدي من نصائح في هذه القطعة:

«اخدعوا خليلَتكم كما تخدعكم، فلا تكونون إلا عادلين؛ واعلموا كيف تغلبون بالنسيان واللامبالاة الحبَّ الذي أوحته إليكم! فإن الفتيات جميلاتٌ سخيّاتٌ بعطاياهنّ كالورود: عابرٌ قطف وردة، وآخر يقطف بعدها ثانية.»

وكان هذا الشاعر يحظى بحظوة عظيمة عند المعتصم. فأضاعها بكفرانه وسرعة غضبه وحدّة لسانه. ولم يكن أمير المرية يغضب بسهولة. فلما أنشد أحد أدباء بلاطه هذين البيتين:

«اعفُ عن أخيك إن زلّ بك، فالكمال أمرٌ نادر جدًّا؛ ولكل شيء جانبه السيئ، والسراج، على بهائه، يُخرج دخانًا،»

تعجّب المعتصم وسأل أي شاعر نظمهما.

ص 257

261

فلما أُخبر أنهما لابن الحداد: «أتدرون»، قال مبتسمًا، «من عناه؟ — لا»، أجاب الآخر، «أعلم فقط أنها فكرة طريفة. — حين كنت شابًّا وكان إلى جانبي»، قال المعتصم عندئذ، «كنت أحمل لقب سراج الدولة. لعن الله الأحمق الوقح، لكن أيّ أبيات رائعة ينظم!» ومع ذلك، كانت إهانات الشعراء تبلغ أحيانًا من الشدة ما يُخرج المعتصم نفسه، على طيبته ولينه، عن اعتداله المعتاد. وكان الشعراء متطلّبين جدًّا في ذلك الزمان؛ يغضبون ما إن يُمنعوا شيئًا مما يطلبون، وكأولاد مدلَّلين حقًّا كانوا يُسيئون استعمال الإذن لهم بأن يقولوا كل شيء. وهذا ما وقع لابن الحداد. حنِق لأن المعتصم رفض له مطلبًا فاحشًا، فنظم فيه هذه الهجاءة الدامية:

«أيها الطالبون العطايا، غادروا بلاط ابن صمادح، هذا الرجل الذي إذا أعطاكم حبة خردل أمسككم في قيوده كأسير محكوم بالموت. ولو أمضيتم عنده عمرًا بطول عمر نوح، لبقيتم فقراء كأنكم لم تروه قط.»

وكان هذا الإيذاء أدمى من أن يُغفر. وقد احتمل المعتصم أن يسخر منه النحلي بسبب

ص 258

262

حبه للسلم، لكنه لم يطق أن يُرمى بالبخل. فعزم عزمًا صادقًا على اتخاذ تدابير ناجعة لمعاقبة وقاحة الشاعر؛ لكن هذا، وقد أُنبئ في الوقت بالخطر المحدق به، غادر المرية مسرعًا. وفي هذه المرة أراد المعتصم أن ينتقم بأي ثمن، فارتكب في غضبه ظلمًا: سجن أخا الشاعر، وكان بعدُ بريئًا. فلما بلغ ابنَ الحداد، وكان يحب أخاه حبًّا جمًّا، هذا النبأ المشؤوم، صاح:

«ما زال القدر العدوّ يطاردنا؛ وعلينا أن نذعن لأحكامه كيفما كانت. آه! قد علمتُ الآن: ما لم يلازمنا السعد في خطانا، لا تكفي فرحة واحدة لتُسعدنا 1). فماذا تُجدي كل محاولاتنا للنجاة من الخطر إذا أبت الحظوظ أن تواتينا؟ وا أسفا! ماذا أصنع الآن وقد صرتُ كرمحٍ نُزعت منه سِنانه؟»

فلما سمع إنشاد هذه القطعة: «في شعره من العقل أكثر مما في أفعاله»، قال المعتصم؛ «قد صدق: لا سعادة له ما دام أخوه بعيدًا عنه. حسنًا، فليُطلَق أخوه 2)

وباتهامه المعتصم بالتقتير في عطاياه، كان ابن

1 يعني الشاعر فراره من المرية.

2 المقري، ج II، ص 338—340.

ص 259

263

الحداد قد أصابه في أضعف موضع من غروره إصابةً محقّة. فقد كان المعتصم يتعلق تعلقًا يكاد يكون مرضيًّا بسمعته أميرًا كريمًا وحاميًا سخيًّا لأهل الأدب. فمنازعته في هذه الخصلة، وهي الأولى في عينيه، جرحٌ قاتل؛ والاعتراف له بها، على العكس، أنجع سبيل إلى نيل رضاه؛ على أنه كان ينبغي أن يُفعل ذلك، إن لم يكن بدهاء (فقد ألف الأمير المدح حتى لم يكن يطلب فيه الكثير في هذا الباب)، فعلى الأقل بأسلوب ظريف وشعريّ على الخصوص. وقد حدث ذات يوم أن عمر بن الشهيد أنشده قصيدة قال فيها بين أشياء أخرى:

«أصابعكم تنشر مطرًا (من الأفضال) غزيرًا حتى ليُظنّ أنها سحب السماء. ولا يهنأ العيش إلا حيث أنتم، وبغيركم تجرّ أيامُ عمرنا كدرًا.»

وأعجبت هذه التشبيهات، ذات الذوق الذي قد نراه نحن قابلًا للنقاش، الأميرَ غاية الإعجاب. فالتفت إلى سائر الشعراء:

— أفيكم أحد، سألهم، يستطيع أن يملك قلبي بأبيات كهذه؟

— (بلا شك يا مولاي! أجابه أبو جعفر بن الخرّوز؛ لكن المرء لا يُوفَّق دائمًا 1).

1 أي: ليس للمرء دائمًا حظوة أن يُرضيكم.

Essai — Todjibides / Zaragoza / Almería

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 260

264

لقد وجّهت إليكم، منذ حين، قصيدة كنت أقول فيها:

«حين كان الحظّ، شبيهًا بأرضٍ عقيم، يأبى عليّ نعماءه، ولم يكن لي ثمرٌ أقطفه ولا زرعٌ أحصدُه، قبلتُ العطايا التي كنتم تعرضونها عليّ. وكان إحسانكم نحوي يشبه شجرةً تمنح المسافر المتعَب ثمارها وظلّها؛ وأنا، ممتلئ عرفانًا بجودكم الذي لا ينضب، كنت أتغنّى بمدائحكم شاكرًا، كما تغنّي الطيور الجاثمة على الأغصان.»

— وحياة الله! صاح الأمير، يخيل إليّ أنّي أسمع هذه الأبيات لأوّل مرّة، وأنتم تقولون إنّكم قد أنشدتموها لي من قبل؟ حسنًا! إنّكم محقّون إذ تقولون إنّ المرء لا يكون سعيدًا دائمًا؛ لكنّي الآن سأجزيكم مضاعفًا: أوّلًا بسبب الأبيات نفسها، ثمّ لأنّي أطلتُ انتظاركم 1).

وكان عدد الشعراء في بلاط المعتصم كبيرًا جدًّا، وكان كثيرٌ منهم من أهل المرية؛ غير أنّهم لم يكونوا كلّهم كذلك. فقد كانت ثمّة بخاصّة جاليةٌ كاملة من لاجئي غرناطة. وكان سكّان تلك المملكة يومئذٍ بائسين أشدّ البؤس. فقد سُلّموا، مقيّدين أيديَ وأرجلَ، لأهواء أمرائهم الأفارقة الغريبة

1 المقري، ج. II، ص. 280، 281.

ص 261

265

الدمويّة، يحتقرونهم لنقص تحضّرهم بقدر ما يرهبونهم لقسوتهم. وكان أهل الأدب أحقّ بالرثاء من سائر السكّان، إذ كان الذكاء البشري، في أعين طغاة غرناطة المتوحّشين، عدوًّا خطيرًا يجب سحقه بأيّ ثمن. وحيث كانوا يرون دائمًا السيف معلّقًا فوق رؤوسهم، هاجر ممثّلو الفكر زرافاتٍ، لكن في عهودٍ مختلفة، وقصد معظمهم المرية، موقنين بحسن استقبال السلطان الكريم الذي يملك فيها، والذي كان، عربيًّا أصيلًا كما هو، يبغض البربر بقدر ما كانوا هم يبغضونهم. وكان ابن أخي غانم، الذي سبق أن تحدّثنا عنه، واحدًا من هؤلاء اللاجئين. وكان عمّه، اللغوي الكبير، الذي كان يقيم عنده، قد حثّه على مغادرة بلاد باديس. «هذا الطاغية، قال له، يطلب نفوس أهل الأدب جميعًا. أمّا أنا فلا أحرص على البقاء؛ فأنا شيخ وسأصير بومة (سأموت) اليوم أو غدًا؛ لكنّي أحرص على مؤلّفاتي ولا أودّ أن تهلك. فها هي؛ خذها، أنت الشابّ، واذهب فاستقرّ في المرية. وليقتلني الطاغية بعدئذٍ إن شاء، لكنّي أحمل معي إلى القبر على الأقلّ خاطرًا مريحًا، وهو أنّ مؤلّفاتي ستبقى بعدي 1).»

وكان من هؤلاء اللاجئين أيضًا السميسر، من إلْبيرة 2)،

1 السيوطي، في الملحق، رقم XIX.

2 ابن الخطيب، مخطوطة B.

ص 262

266

أحد أكثر شعراء العصر براعةً. نُفي بسبب هجائيات نظَمها ضدّ البربر عامّة، وضدّ ملكهم عبد الله بن بلقين بخاصّة، وكان قد بلغ أرض المرية، حيث ظنّ نفسه في مأمن، حين أُوقف بأمرٍ من المعتصم، الذي أوهموه بأنّه قد نظم هجائيات ضدّه أيضًا. فلمّا أُحضر أمام الأمير وتلقّى منه الأمر بإنشاد تلك الهجائيات:

— أُقسم بمن أسلمني إلى أيديكم، صاح، ما قلت فيكم شيئًا خبيثًا؛ لكنّ هذا ما قلتُه:

«إذ تبدّى لي آدم في المنام: — يا أبا البشر، قلت له، أحقّ ما يُروى؟ أيكون البربر من أبنائك؟ — آه، صاح ساخطًا، إن كان الأمر كذلك، فإني أطلّق حوّاء!» وقد نفاني الأمير عبد الله بسبب هذه الأبيات؛ ولحسن الحظّ عرفتُ أن أفلت منه بجعل الحدود بيني وبينه. فعندئذٍ خطر له أن يفسد إنسانًا ينقل إليكم أبياتًا ما نظمتها قطّ. وكان يأمل أن تقتلوني، وكانت الحيلة حسنة، فلو نجحت لكان قد انتقم، وفي الوقت نفسه ألقى عليكم شناعة هذا الظلم كلّها.

— إنّ ما تروونه لي يبدو لي بالغ الوجاهة؛ لكن بما أنّكم أنشدتموني الأبيات التي نظمتموها ضدّ أمّته عامّة، فإني

/

ص 263

267

أودّ أيضًا أن أسمع ما يخصّه بوجهٍ أخصّ.

— حين رأيته مشغولًا بتحصين قلعته في غرناطة، قلت:

ما أحمقه إذ يبني سجنه؛ آه! إنّه دودة قزّ تغزل شرنقتها!

— لقد أسأت إليه إساءةً جميلة وقد أحسنتم صنعًا. أريد أن أصنع لكم شيئًا. سأقدّم لكم عطيّة، لكن إن قبلتموها لزمكم الخروج من مملكتي؛ أو أُدرجكم في قائمة شعرائي، لكن في هذه الحال لا تنالون عطيّة. فاختاروا!

فلمّا أجابه الشاعر، في بيتين محكمَي الصوغ، بأنّه يرى أنّ هاتين المقترحتين يمكن التوفيق بينهما على أحسن وجه:

— إنّكم شيطانٌ ماكر، قال له المعتصم؛ لكن ليكن، سأقدّم لكم عطيّة وآذن لكم بأن تُدرجوا 1).

بقي السميسر في بلاط المعتصم حتى موت هذا الأمير. ونشر مجلّدًا من الهجاء تحت هذا العنوان: الدواء من الأدواء؛ السمعات المنتحلة مردودة إلى قدرها الحقّ 2). ولم يكن له قطّ أن يشكو من المعتصم؛ لكنّه مرّةً خاصم أحد أعيان المرية، الذي،

1 المقري، ج. II، ص. 280؛ قارن القرطاس، ص. 99.

2 المقري، ج. II، ص. 496.

ص 264

268

بعد أن أمره بقصيدة في مدحه، رفض أن يدفع له أجرها. فعرف الشاعر كيف ينتقم من هذه الإهانة. فلمّا أنفق ذلك الشريف نفقاتٍ باهظة على وليمة دعا إليها الملك، وقف السميسر على الطريق التي كان على الأمير أن يسلكها ليبلغ منزل مضيفه، وما إن رآه حتى خاطبه بهذين البيتين:

«أيّها الملك السعيد! عند اقترابكم يخفق قلب الرجل الذي أعدّ الوليمة فرحًا وزهوًا؛ لكن لا تذهبوا تطلبون القوت عند غيركم: فالأسود لا تخرج إلى الصيد حين يكون عندها ما تقتات به!»

«والله! قال المعتصم، إنّه مصيب،» وعاد إلى قصره. فذهب الشريف بنفقاته هباءً، ووجد الشاعر نفسه قد انتقم 1).

وكان بلاط المرية يفخر لا بشعرائه فحسب، بل بعلمائه أيضًا، وكان منهم من الطبقة الأولى، مثل أبي عبيد البكري، أعظم جغرافي أنجبته إسبانيا العربية. ابنُ ملكٍ مصغّر (سيّد ولبة الذي باع إمارته لملك إشبيلية) وقد نشأ في قرطبة، حيث اجتذب القلوب كلّها بجمال طلعه وذكاء خاطره وسعة معارفه الأدبية، كان الصديق الحميم للمعتصم، الذي أغدق عليه التكريم والثراء. وكان، وهو يفهم الحياة كما كانت تفهمها جماعة عصره،

1 المقري، ج. II، ص. 217.

ص 265

269

يقتسم وقته مرحًا بين الدراسة و اللذّة. وما كان شيء أكثر تنوّعًا من أعماله: فتارةً كان يذهب يتفاوض، باسم سيّده، على معاهدة حلف أو صلح؛ وتارةً يعمل في كتابه الكبير عن المسالك والممالك (كتاب جوهري ما زلنا نملك منه بعض الأجزاء، كوصف إفريقية)، أو في معجمه الجغرافي، معجمه، الذي وصلنا كاملًا ويتضمّن التسمية المعلّلة لحشدٍ من أسماء الأماكن و الجبال والأنهار، التي يرد ذكرها في تاريخ العرب القدماء وأشعارهم؛ وأخيرًا تارةً كان يستجمّ من شؤونه الجسام بمشاركة وليمة يسودها مرح عربيد. «آه يا أصحابي، كان يغني حينئذٍ، إنّي أحترق شوقًا إلى أن أمسك الكأس بيديّ وأتنسّم روائح البنفسج والآس! هلمّوا إذن نُسلم أنفسنا للّذّات؛ نُصغِ إلى الأغاني؛ نغتنم هذا اليوم هاربين من العيون الفضولية!» وفي الغد، إمّا ندمًا في الضمير، وإمّا رغبةً في إسكات أعدائه الذين كانوا يتّهمونه صراحةً بالسُّكر، كان يعود بحرارة إلى العمل، لكن هذه المرّة ليكتب كتابًا جادًّا جدًّا، واعظًا جدًّا، رسالةً كان يقصد فيها أن يبيّن أنّه رغم اعتراضات الكفّار كان محمّد حقًّا رسول الله 1).

1 في الطبعة الأولى من هذا المؤلَّف كان ثمّة مقال

ص 266

270

مستقلّ عن البكري، مشفوع بكلّ النصوص التي أمكنني جمعها عنه وعن أسرته. وهو من المقالات التي حذفتها، لأنّي لم أُرد أن أضخّم هذين المجلّدين أكثر ممّا ينبغي.

وليس ثمّة، على أيّ حال، ما يعطي فكرة حيّة بما يكفي عن هذا الولع بتمارين العقل الذي كان من أبرز سمات بلاط المرية. فالكلّ هناك كان ينظم الشعر: المعتصم نفسه كان ينظمه، وكذلك أبناؤه وحتّى بناته. فالأمير أبو جعفر مثلًا بعث إلى حبيبته هذه الأبيات، تعبيرها دقيق لاذع، لكنّها من الإيجاز بحيث اضطررتُ في ترجمتها إلى اللجوء إلى الإطالة:

«أكتب إليكم والقلب ممتلئ رغبةً و حزنًا؛ آه! لو استطاع، هذا القلب المسكين، لذهب هو نفسه يبلّغكم هذه الرسالة. وبينما كانت يدي ترسم الحروف، تخيّلت أنّي أنظر إليكم بحنان في العينين، وأنّ الحروف السوداء والورق الأبيض هما حدقتاكم السوداوان محفوفتان بالبياض. وداعًا! إنّي أقبّل هذه الرقعة مفكّرًا أنّ أصابعكم (باركها الله!) ستلمسها بعد لحظة 1)

وأخوه رفيع الدولة، خير شاعر في أسرته في رأي النقّاد العرب، خاطب صديقًا بهذه الأبيات الرشيقة:

«إنّ الكؤوس، يا أبا العلاء! مملوءة خمرًا كريمة، والندامى المرحون يناولونها من يدٍ إلى يد؛ والنسيم يحرّك بلطفٍ ورق

1 المقري، ج. II، ص. 252.

ص 267

271

الأشجار؛ والطيور تُسمع تغريدها، و الحمام يهدل جاثمًا على الأغصان الأعلى. فتعالوا إذن تشربوا معنا، على ضفاف الجدول، من هذا الخمر الأحمر الصافي، الذي يحسبه المرء معصورًا من خدّي ساقينا الرشيق 1)

وتميّزت الأميرة أمّ الكرام، إحدى بنات المعتصم، بأشعارها في عشيقها سمّار، فتى وسيم من دانية. ولم يبقَ لنا منها إلّا قطعة واحدة هي هذه:

«نعم، يُدهش الناس بحقّ من شدّة حبّي؛ لكنّ ذلك لأنّ عشيقي عندي هو الشمس نفسها، الشمس التي غادرت العوالي من السماء لتأتي فتقيم بيننا. هو خيرُي الوحيد، ولو فارقني لتبعه قلبي حيثما ذهب 2)

الرابع.

إنّه لمشهد ساحر مشهد هذه البلاطات الصغيرة في الأندلس، حيث كانوا يندفعون إلى اللذّة غير عابئين بالأمس والغد، وحيث كانوا ينطلقون على غير هدى نحو بلاد الأوهام المَرِحة. لكن، آه! كان هذا كلّه أجمل من أن يدوم. فإلى جانب الشعر كانت ثمّة الحقيقة الحزينة الصارمة، متجسّدة في ملِكين جارين

1 انظر نصّ هذه القطعة في الملحق، رقم XXI.

2 المقري، ج. II، ص. 538.

ص 268

272

كانا يحتقران تمارين العقل التي لا يفهمان منها شيئًا، لكنّهما في المقابل كانا يملكان كلاهما ثباتًا لا يتزعزع وشجاعةً لا تُقهر، وهما خصلتان كان أهل الأندلس قد فقدوهما منذ زمن طويل.

من كان ينبغي أن يكون فاتح الأندلس؟ القشتالي ألفونسو السادس، أم الأفريقي يوسف بن تاشفين؟ كان الأمراء الأندلسيون يخشون قبل كلّ شيء القشتالي. ثمّ إنّ بعضهم لم يكن بعد يفترض في الأفريقي مشاريع طموحة. فتوجّهوا إليه إذن، ودعوه إلى إسبانيا، وتوسّلوا إليه أن يأتي فينتزع أبناء دينه من براثن الكفّار.

فجاء مع سحابة من البرابرة، والنصر الساطع الذي أحرزه في الزلّاقة طمأن الأندلسيين على الخطر الذي كان يهدّدهم من جهة ألفونسو. لكن ما إن زال هذا الخطر حتى برز آخر. فقد لفت يوسف ضعف الأندلس، كما لفتته ثرواتها ومناخها الجميل. وراقت له فكرة الاستيلاء عليها، وكان المعتصم هو الذي، من غير قصدٍ ومن غير أن يدري، عجّل بسقوط جميع الأسر الأندلسية الحاكمة، بما فيها أسرته.

ومهما يكن من طيبة ورأفة في العادة، فإنّ المعتصم كان يبغض مع ذلك أحدًا، وهذا الأحد هو اللامع الفارس المعتمد صاحب إشبيلية، أقوى ملوك الجنوب يومئذٍ. ومن أين

ص 269

275

أتت هذه البغضاء؟ لا يُعلم؛ لكنّها تبدو قد نشأت من غيرةٍ حقيرة أكثر ممّا من مظالم حقيقيّة جادّة. ومهما يكن من أمر، فإنّ المعتصم كان قد كتب أوّلًا إلى جاره رسائل ملأى بالسمّ؛ ثمّ، خارجًا عن عاداته السلمية، شنّ عليه الحرب 1). صحيح أنّ هذه الحرب أعقبتها مصالحة. فقد ضرب الأميران موعدًا على حدود بلادهما، وبقيا معًا ثلاثة أسابيع 2)؛ لكن إن كان المعتمد صادقًا في توكيدات صداقته، فإنّ المعتصم لم يكن صادقًا في توكيداته، وكانت كراهيته ما تزال حادّة جدًّا حين جاء يوسف، مصحوبًا بملك إشبيلية، يحاصر حصن أليدو، غير بعيد عن المرية، وكان يومئذٍ في يد القشتاليين 3). ومنذئذٍ لم يعد له إلّا فكرة واحدة، وهي أن يُسقط المعتمد في نفس العاهل الأفريقي. ولم يكن قد رأى هذا الأخير بعد. فقبل معركة الزلّاقة، حين دُعي أمراء الأندلس جميعًا إلى المشاركة في الحملة التي كانت تُعدّ، اعتذر متذرّعًا بأنّ جوار القشتاليين المهدّد في أليدو لا يأذن له بمغادرة بلاده، وأرسل مكانه أحد أبنائه مع فوج من الفرسان 4). ولمّا ذهب

1 المقري، ج. II، ص. 676.

2 عبد الواحد، ص. 95، 96.

3 ابن الأبّار، في الملحق، رقم XVIII.

4) ابن الأبّار، في مقاله عن عمر المتوكّل؛ Fol. 18

ص 270

274

الآن للقاء يوسف، سعى إلى أن يتقرّب إلى رضاه بكثرة الاحترام والرعاية والمجاملات والالتفاتات التي لا تُحصى. ويومًا بلغ من المجاملة أن قدّم نفسه أمامه في الزيّ الأفريقي، العمامة على رأسه والبرنس على كتفه. فلمّا رآه في هذه الهيئة الغريبة التي تجعله يشبه، نصفًا، جنديًّا بربريًّا من الأطلس، ونصفًا رجلَ شرعٍ أو إكليريكيًّا (ففي إسبانيا هؤلاء وحدهم كانوا يعتمرون العمامة)، لم يستطع المعتمد، رغم لباقته، أن يكتم ابتسامة. فاضطرب أمير المرية بعض الشيء؛ لكنّ المهمّ عنده كان النجاح، وقد نجح أكثر ممّا ينبغي. فقد نال حظوة يوسف، واستغلّها ليجعل ملك إشبيلية بغيضًا عنده. ولم يكن هذا الأخير يرتاب بعد في شيء. فبرود المعتصم نحوه كان يدهشه ويحزنه أكثر بكثير ممّا يغيظه. وكان، بطبعه الليّن السهل، لا يطلب أفضل من أن يعيش في وئام حسن مع جاره. وكثيرًا ما كان يثني عليه بحضرة يوسف، ثناءً كان المعتصم يستحقّه على أيّ حال من وجوه كثيرة، ويومًا، رغبةً في كسبه، خاطبه بهذه الأبيات:

«يا من أنتم بعيدون عنّي، مع أنّكم

fol. 21 r. : PONS) Gates OS praxadl X3,4Ji ma>Lo et» Las) (ass &J Lio3uJl. ويخطئ مؤلّف القرطاس (ص. 94) حين يقول إنّ المعتصم حضر معركة الزلّاقة.

Essai — Todjibides / Zaragoza / Almería

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 271

. 275

في جواري، كم أشتهي أن أراك إلى جانبي! أما الأماني فلا أعقد منها إلا واحدة: أن أحظى بصداقتك. ليت السماء شاءت أن تغذي في صدرك نحوي مثل هذه المشاعر!» ثم، حين تظاهر المعتصم بالإصغاء إلى عروضه، كلمه بصراحة تامة وبلا ريبة عن يوسف ومرابطيه، ولما أبدى له المعتصم مخاوفه من طول مقامهم في الجزيرة: «لا ريب، أجابه بنبرة تبجّح جنوبيّة خالصة، لا ريب أن هذا الرجل يمكث طويلًا في بلادنا؛ لكن متى ضقت به ذرعًا، حسبي أن أحرّك أصابعي، وفي الغد يكون هو وجنده قد رحلوا. ويبدو أنك تخشى أن يكيد لنا مكيدة؛ فما هو إذن، هذا الأمير المثير للرثاء، وما جنده؟ كانوا في وطنهم أوغادًا يموتون جوعًا؛ ورغبةً في عمل صالح دعوناهم إلى إسبانيا ليأكلوا حتى يشبعوا؛ فإذا شبعوا رددناهم من حيث أتوا.» وصارت مثل هذه الأقوال، في يد المعتصم، أسلحةً رهيبة. فلما نقلها إلى يوسف، دخل هذا في غضب عنيف، وما كان حتى ذلك الحين إلا مشروعًا غامضًا عنده صار عزمًا محكمًا لا رجعة فيه. وانتصر المعتصم؛ لكنه لم يتوقع ما كان سيقع؛ «لم يتوقع، كما يقول مؤرخ عربي في موضعٍ مناسب تمامًا، أنه سيسقط، 18*

ص 272

276

هو أيضًا، في البئر التي حفرها لمن يبغضه، وأنه سيُضرب بدوره بالسيف الذي أخرجه من غمده!»

ولم تطل أوهامه. فما لبث يوسف أن أسقط القناع. وفي الواقع، ما كان شيء يلزمه بإطالة التمويه، فإنه إن كانت عليه الذكاء والمواهب، فقد كان معه مئة ألف جندي إفريقي يفدونه بعمىً في سبيله، وفي إسبانيا نفسها كان يستطيع الاعتماد على الجماهير وعلى رجال الدين؛ على الجماهير لأنها ترجو منه تخفيف الضرائب؛ وعلى رجال الدين لأنهم لم يغفروا للأمراء الأندلسيين الحماية التي كان معظمهم يسبغها على أحرار الفكر. فاتخذ إذن تجاه حلفائه لهجة السيد، ووبّخهم على برودهم في الدين، وحبهم للملذات، وروح الجباية فيهم، وألزمهم بالرجوع إلى الشرعية بألا يطلبوا من الجبايات إلا ما أقامه القرآن؛ ثم، لما رآهم لا يسارعون إلى طاعة أوامره بل يتعاهدون بعضهم بعضًا على ألا يمدّوا جيشه بجنودٍ ولا بمؤن، أمر رجال الدين الإفريقيين والأندلسيين بإعلان عزلهم 2).

1 عبد الواحد، ص 96، 97 (والكلمة التي تركتُها بيضاء في طبعتي لهذا المؤلف هي |,L<;\X51.)؛ ابن الأبّار، في الذيل، رقم XVIII.

2 ابن خلدون، تاريخ البربر، ج II، ص 79، 80.

ص 273

277

كان أمير غرناطة، عبد الله بن بلقين، أول من ذاق آثار هذا الحكم. زحفت أربع جيوش على عاصمته. مبغوضًا محتقرًا من رعاياه، كان ما يزال يأمل أن يأتي ألفونسو لإنقاذه. فانتظره عبثًا. عندئذ بيّن له وزراؤه أنه يتعذّر عليه الدفاع. فأذعن لنصائحهم ولنصائح أمه، وخرج من المدينة ليقدّم خضوعه. فقُيّد بالحديد ونُقل إلى إفريقيا (أيلول/سبتمبر 1090) 1).

وما عادت أفعالٌ بهذه الجلاء تدع مجالًا لأي ريبة في مقاصد يوسف اللاحقة. وكان على المعتصم أن يشعر بأن عرشه مهدد كسائر العروش، وربما لام نفسه حينئذٍ على سلوكه الخائن نحو المعتمد. غير أنه لم يكن قد فقد كل أمل بعد. فقد أوحت إليه الشواهد الكثيرة على العطف والصداقة التي تلقاها من يوسف بفكرة أنه سينجو وحده من الغرق العام، ما دام يواصل مداعبة المرابطي. فلم يفته أن يفعل ذلك. فما إن دخل يوسف غرناطة حتى أرسل إليه ابنه عبيد الله ليهنئه. لكن يوسف حرص على أن يخرجه من ضلاله ويبدّد آخر آماله: فأمر بسجن عبيد الله.

————ze=ee === 2

1 ابن الخطيب، مخطوطة E.، مادة عبد الله؛ كتاب الاكتفاء (في Script. Ar. loci لي، ج II، ص 26).

ص 274

278

وفي إخباره أباه بمصيبته، أدرج الأمير الشاب في رسالته هذه الأبيات:

«بعد أن عشت وسط الترف محفوفًا بالإجلال، ها أنا أُردّ إلى أشد العيش بؤسًا! القيود تعوق حركتي، بينما كنتُ قبل قليل أروض أشد الجياد جموحًا! كنت حرًّا مكرمًا: واليوم أنا أسير محتقر كالعبد! قدمت إلى غرناطة سفيرًا، فضُربت فيها بمصيبة فظيعة: رغم الصفة التي كنت أتلبّسها، أُلقيتُ في القيود! آه، إني أذوب حسرةً حين أفكر في المرية النبيلة، التي لن يُباح لي بعدُ أن أراها!»

«يا من أُحبّه، أجابه أبوه في قصيدة، دموعي وزفراتي تشهد على الألم الذي أحسّه! لما بلغنا هنا النبأ السيئ، كسرت سيوفنا أغمادها، وتقطعت أعلامنا، وأطلقت طبولنا أنينًا أليمًا. وحزني عظيم كحزن يعقوب لما فقد يوسفَه؛ فلنسعَ إلى احتمال مصيبتنا بصبر!»

ولجأ المعتصم إلى شتى الحيل ليخرج ابنه من السجن، ونجح في آخر الأمر 1). لكن الفرح الذي شعر به حين استطاع من جديد أن يضم

1 ابن الأبّار، في الذيل، رقم XXI.

ص 275

279

ابنه إلى صدره لم يطل. فبينما كان قد عقد حلفًا مع المعتمد ضد يوسف 1)، جاء جيش مرابطي، يقوده القائد أبو زكريا بن واسيناوا 2)، فهاجم مملكته. وكان المعتصم المسكين يومئذٍ مريضًا مرضًا خطيرًا، وشعر بنفسه أن الموت سيوفر عليه ألم أن يشهد سقوط عرشه، فنصح ابنه الأكبر، عز الدولة، بأن يلتمس ملاذًا في بلاط بني حماد، سادة بجاية، متى علم أن المعتمد قد اضطر إلى التسليم. فوعده عز الدولة بأن يفعل.

وكان منظرًا محزنًا مؤثرًا أن يُرى هذا الملك الطيب، الذي كانت حياته هادئة وادعة حلوة، يصارع على فراش مرضه آلامًا جسدية ومعنوية معًا. وفي يومٍ، وقد كاد يفقد استعمال يديه والكلام، سمع قعقعة السلاح في معسكر العدو. «آه يا إلهي! قال حزينًا، أفلا يُباح لي حتى أن أموت هادئًا؟» فلما سمعت هذه الكلمات العجوز أروى، امرأة من حريم أبيه، انهمرت دموعها. فرمقها الأمير بنظرة ملؤها الشفقة، وتنهد عميقًا، وأنشد بصوتٍ يكاد لا يُسمع هذا البيت لشاعر قديم:

1 ابن خلّكان، الكتاب VII، ص 145.

2 كما تحمله ثلاث مخطوطات من «الحلل».

ص 276

280

«احبسوا دموعكم للمستقبل، فإن مصائب فظيعة تنتظركم.»

وإن كان شيء ما يزال يخفف آلامه، فتلك علامات الامتنان التي كان يبديها له أدباء بلاطه. وفي يومٍ أنشد له الشاعر ابن عبادة هذه الأبيات، المفعمة بعطف رقيق:

«لو لم أكن عبدًا لنبلاء بني صمادح، ولو لم يولد أجدادي في بلادهم، ولو لم أولد أنا نفسي فيها ولم أقم بها، لقطعت سفرًا طويلًا لأعيش صباحًا ونهارًا ومساءً تحت سقف قصرهم المضياف.»

فأظهرت هذه الأبيات ابتسامةً كئيبة على شفتي المحتضر الشاحبتين الزرقاوين، والتفت إلى الشاعر:

— لا بد، قال له، أننا لم نعاملْك بما تستحق، فأنت حر لا عبد. لكن أطلعنا على بغيتك، تنلها.

— أنا عبدكم، رد ابن عبادة، ويمكنني أن أقول مع ابن نباتة:

«ما تركتْ كرمُكم شيئًا أتمناه؛ أعطيتموني كل ما يُستمتَع به من الخيرات، حتى ما عاد لي أن أعقد أمنية.»

— إن أردتم الإحسان إلى أحد، قال المعتصم حينئذٍ مخاطبًا ابنه رافع الدولة، فأحسنوا إلى رجالٍ من طراز هذا. فليكن من الآن

ص 277

281 شاعركم أنتم؛ ولا تنسوا أبدًا أنني أنا من أوصاكم به، وأكثروا ذكري عنده!

وأتى الموت أخيرًا ليضع حدًّا لآلام الأمير المنكوب: يوم الخميس، 12 حزيران/يونيو من سنة 1091، أسلم الروح الأخير، عن أربع وخمسين سنة، منها أربعون سنة ملكًا.

وبعد أربعة أشهر أو خمسة، لما بلغه نبأ سقوط إشبيلية في يد العدو، ركب خلفه عز الدولة البحر إلى بجاية، فدخل المرابطون المرية، والطبول تُدق والألوية منشورة 1).

خامسًا.

ومن بين أبناء المعتصم 2)، واحدٌ فقط، عبيد الله، الذي كان سجينًا في غرناطة، تقبّل بمرحٍ وفلسفةٍ تقلبات الحظ. مضى إلى قائد مرابطي كان قد أحبه، فقضى حياته «بين الزهر والكؤوس»، على حد تعبير مؤرخ عربي 3). أما

1 ابن الأبّار، ص 172، 174؛ ابن خلّكان، الكتاب VII، ص 145، 146؛ المقري، ج II، ص 279، 280؛ ابن خاقان؛ ابن الأثير؛ النويري. ويقول بعض هؤلاء المؤرخين خطأً إن المعتصم مات في شهر ربيع الأول؛ وكان عليهم أن يقولوا: في شهر ربيع الآخر، كما عند ابن الأبّار.

2 انظر في أسمائهم الحاشية في الذيل، رقم XXII.

3 ابن الأبّار، ص 175.

ص 278

282

إخوته، فكانوا أقل قابلية للعزاء، فلم يكفّوا عن الحنين إلى وطنهم وعظمتهم الماضية. وكان عز الدولة قد لقي ترحيبًا حسنًا من أمير بجاية، حليف أبيه القديم، الذي خصّه فيما بعد بمدينة تنس مقامًا 1)؛ لكن الأبيات التالية تُظهر إلى أي حد كان الضجر ينهشه:

«إلهي! إني راضٍ بقضائك! بعد أن ملكت عرشًا، أعيش اليوم حياةً خاملة في أرض المنفى، حياة بلا أحزان، لكن بلا مسرات أيضًا. هنا نسيت قدماي أن تضغطا خاصرتي جواد ينطلق عدوًا؛ وهنا لم تعد أذناي تسمعان أناشيد الشعراء العذبة، ولا تمتد يداي أبدًا لتبثّ الإحسان.»

وكان هذا الأمير رجلًا واسع العلم وكبير القلب. وقد أدى أحد أشهر شعراء بلاط إشبيلية، ابن اللبانة، تحيةً ساطعة لفضائله، وإليك كيف يعبّر في هذا الشأن: «ما رأيت قط مثالًا أبلغ في ظلم الحظ مما رأيته حين لقيت في بجاية عز الدولة، ابن المعتصم. كان حقًّا أكرم من يُرى من الرجال، وما بدا أن الله خلقه إلا ليملك، وليأمر، وليضرب المثل في كل

1 ابن الأبّار. وبدل تنس يذكر النويري، في تاريخ إفريقيا، تدلس، وهي مدينة تقع هي أيضًا غرب بجاية، لكن على مسافة أقصر.

»

ص 279

285

الفضائل. وكانت محاسن خلقه تشفّ من وراء حاله الخاملة، كما يشفّ بريق نصلٍ جيد من الفولاذ من وراء الصدأ. وكان يعرف الأدب والتاريخ معرفة تامة؛ ويحب سماع أهل العلم، ويتكلم هو نفسه كلام العالم المتمكن؛ وكانت نفسه منفتحة لكل الأحاسيس الرقيقة؛ وكان ذهنه حيًّا نافذًا. وفي يومٍ قلت له إن صديقًا لي، أديبًا من بجاية، أبدى رغبته في أن يُقدَّم إليه: — تعلم، أجابني، أننا بعد أن فقدنا ثرواتنا نعيش اليوم خاملين فقراء. فلم يعد يليق بنا أن نستقبل الزوار؛ ولا سيما زيارة أديب ذائع الصيت، قد يحسب أنه يُسدي إلينا معروفًا بمجيئه إلينا. وزِدْ أن عبارات عزائه ونظراته المملوءة شفقة ستوقظ ألمنا القديم، وتبعث حياةً جديدة في الحزن الذي نسعى إلى طرده. ولا تنس أيضًا أننا لن نستطيع أن نعطيه صورةً عادلة عن كرمنا، بما أننا

قد رُدِدنا نحن أنفسنا إلى الضروري المحض.

فلا يأتِ إذن لزيارتنا، وليتخيّل بالأحرى أننا قد نزلنا إلى

القبر. أما أنت، فأنت متحد بنا كما تتحد اللحم بالدم؛ ممزوج بنا

كما تمتزج الماء بالخمر، وما نحسب أننا قد كشفنا لغريب مصيبتنا والألم

ص 280

284

الذي تسببه لنا حين حدثناك عنها؛ لكن لا تُحمِّل آخر العبء الذي تحمله أنت. — وبينما كان يتكلم هكذا، لم أدرِ أي شيء أعجب به أكثر: بفصاحته، أم بصواب فكره، أم بكبريائه المشروعة 1).»

وقضى رافع الدولة حياته هو أيضًا في إفريقيا، حيث لقي كثيرًا من الإهانات. ويُروى مثلًا أن مجنونًا فقيرًا اعتاد أن يصيح كلما رآه: «هذا ألف لا غير!» وكان يريد بهذه الكلمات أن يفهم أن الأمير لم يبقَ إلا ظلًّا لما كان عليه من قبل، حيث يُعلم أنه في العربية الحرف الأول من الأبجدية، إذا خلا من الهمزة والحركة، لا يعطي لفظًا. فشكا رافع الدولة هذا الرجل إلى صديق له، فوعده أن يعمل على ألا يهينه المجنون بعد. ولهذا الغرض أعطاه بعض الحلوى قائلًا: «متى رأيت رافع الدولة، ابن المعتصم، فسلّم عليه وقبّل يده؛ لكن لا تقل بعد: هذا ألف لا غير! — حسنًا جدًّا،» قال المجنون، ووعد ألا يقول هذه الكلمات بعد. وبعد مدة، لما أبصر رافع الدولة، جرى إليه، وقبّل يده، وصرخ: «هذا باء بنقطة من أسفل!» فأدخل هذا القول الأمير في

1 المقري، ج II، ص 250.

Essai — Todjibides / Zaragoza / Almería

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 281

285

غضبًا عنيفًا. ووجدها أشدّ إهانةً من الأخرى، إذ كان به حصاة في المثانة، وكان يظنّ أنّ المجنون يعلم ذلك وأنّه قد لمّح إليه. لذلك كان، فيما بعد، كلّما رأى المجنون، يُسرع إلى سلوك طريقٍ ملتوٍ ليتفادى لقاءه.

ويُروى أيضًا أنّه في يومٍ أُعلن عن قدومه عند شخصية رفيعة المنزلة في بلاط المرابطين، صاح أحد من كانوا في القاعة بنبرة ازدراء: «ماذا يريد منّا هذا الرجل من أسرةٍ ساقطة؟» فلمّا بلغ رافع الدولة هذه الإهانة، أرسل إليه هذه الأبيات:

«أسرتي ساقطة، أمّا أنا فلستُ بساقط؛ وحسبُك فرعُ الشجرة إذا ذهبت الجذور. أيّ ضررٍ كان يصيبك لو قلتَ: — القليل الذي يصنعه يصنعه بنُبل! — فكلّ إناءٍ يحتفظ ببعض قطراتٍ من المادّة السائلة التي مُلئ بها؛ أمّا الزنابير، مهما فعلت، فلن تُخرج أبدًا عسلًا. إنّي لأرتدّ على عقبي متى رأيتك في دار، ولو ساقَتني إليك كلّ الطرق التي أسلكها؛ فإنّ الموضع الذي أنت فيه ليس بموضع شريف؛ وما يُقال فيه وما يُفعل لا يُرضي رجلًا مهذّبًا.

«ولقد وبّختُك راجيًا أن تُصلح شأنك؛ ولكنّك ترى أنّ تقريع الأشراف رقيقٌ مؤدَّب 1).»

1 المقري، ج II، ص 251، 252.

ص 282

286

ينفطر القلب إذ يرى هذه السلالة النبيلة تُهان على أيدي برابرةٍ وأدعياء وقحين، هذه السلالة التي حافظت في بؤسها على حسن معاشرتها وعلى آدابها الأرستقراطية، والتي كانت لا تزال تستخرج شرارةً من عبقريّتها لتُفرغ شكواها الشعرية.

ويبدو أنّ حفيدًا للمعتصم يُدعى رشيد الدولة قد عقد العزم الجريء على إحياء عرش أسلافه المهدوم. وقد اتُّهم على الأقلّ بالتعدّي على أمن الدولة، فأُلقي في السجن، حيث نظم هذه الأبيات:

«اتهمني أصدقائي النبلاء ظلمًا؛ ولكنّ المرء إذا اتّهم، فكأنّما قيل: فتيلٌ ونار. لقد نطقوا بكلامٍ سخيف لم يُدركوا مداه، وكان ينبغي مع ذلك أن يستحيوا منه. ومهما يكن، فإنّي أُسلّم لقدري؛ فالتسليم وتغذية الأمل في الجزاء في حياةٍ أخرى، ذلك هو طابع الرجل النبيل. وربّما قلتُ: إنّما هي ظلماتٌ تُحيط بي لحظةً؛ فبعد الليل يأتي النهار! ولكنّ الموت، لو جاء يضربني، لتحملتُه بلا تذمّر، وإن كنتُ قد اقترفتُ ذنبًا فسيغفره لي الله.»

وهذه أيضًا:

«اخضعوا بصبرٍ لتقلّبات الحظّ؛ فكلّ شيءٍ قد يتغيّر إلى أحسن؛ انظروا إلى الفجر، إنّه يطرد الظلمات! وأنتم تعلمون أنّ الله

ص 283

287

يُقدّر مصيركم؛ فثقوا به إذن، فعمّا قريب ترون المَلَك جبريل يُسرع إلى نجدتكم. ومتى خضع الإنسان لأقدار العناية، راجيًا ثوابًا في الحياة الآخرة، قلّ أن لا ينعم في الغد بأفراح الجنّة العظيمة 1).»

وما يلفت في هذه الأبيات هو روح الاستسلام الورع الذي يسودها. أمّا من قبل فكان الشعر الأندلسي قويًّا، زاخرًا بالحيوية، دنيويًّا كلّه؛ فكان الناس يتمتّعون بكلّ طيّبات الحياة، ويتمتّعون بها بلا همٍّ خفيّ؛ وكان الشعراء يغنّون الخمر واللذّات، غير عابئين بالاستقامة العقدية. وكان شعرًا لا يريد إلاّ الفعل؛ يفخر الشاعر بموهبته وبمكانته، فينتقد بلا هوادة أخطاء الأمراء؛ وكلّ ما يحمل في أعين العرب طابع النُبل والجمال كان يُثير حماسته. أمّا في عهد عليّ المرابطي، هذا الملك التافه الورع، فقد حلّت النساء والكهنة محلّ الأشراف، وعكس الشعر صورة العصر بأمانة. فمن شعرٍ كان قويًّا، لا مبالٍ، خفيفًا، بل تافهًا، صار جبانًا، صارمًا، كئيبًا، دينيًّا. وكانت الأزمان سيّئةً إلى حدّ أنّ الناس صرفوا أبصارهم عن الأرض ليرفعوها نحو السماء: كانوا يتألّمون، ويستسلمون، بينما كان رجال القرن السابق قد

1 ابن الأبّار، في الملحق، رقم XXI.

ص 284

288

قاوموا الحظّ. وقد اختفت الصور الجميلة؛ ومتى أراد الشعراء محاكاة النماذج الكبرى، سقطوا في الانتفاخ أو في التفاهة. ولم يبقَ إلاّ تملّقاتٌ باردةٌ للملك يُنظر إليه ممثّلًا للإله، ومشاعرُ تديّنٍ متكلَّفٍ يقترن بفسادٍ عظيم في الأخلاق وبانقلابٍ تامّ في النظام الاجتماعي.

والحقّ أنّ حال المجتمع صارت بحيث صارت ثورةٌ لا مفرّ منها. وقد أعطى الإشارة إليها ساكنٌ مغمور من السوس، محمّد بن تومرت. فأخفى، كما ينبغي، مشاريعه الطموحة تحت قناع المصلح، وضمّ إلى عمله شابًّا نادر الموهبة يُدعى عبد المؤمن، الذي صار مؤسّس سلالة الموحّدين. وكانت نجاحاتهم سريعة، وفي سنة 1142، حين خلف تاشفين أباه عليًّا، كان عبد المؤمن قد فتح أعظم جزء من إفريقية الشمالية.

ويُفهم أنّ أحفاد المعتصم لم يروا بلا فرحٍ تمايل عرش سلالةٍ كانت قد انتزعت عرشهم. ولم يكلّفوا أنفسهم حتى عناء إخفاء هذا الفرح، مع أنّهم، بإظهاره، كانوا يعرّضون أنفسهم لخطر فقدان رؤوسهم. وسلوكهم في تلمسان برهانٌ ساطع على خفّتهم وعلى بغضهم للمرابطين معًا. فاثنان منهم، رافع الدولة، وكان قد شاخ آنذاك، ورشيد الدولة،

ص 285

289

ابن أخيه، كانا في هذه المدينة سنة 1144، حين كان الموحّدون قد أقاموا معسكرهم على جبلٍ مجاور. وفي يومٍ كانا يتحدّثان مع صديقٍ لهما، ابن العشيري، الذي عُرف بعد ذلك بتاريخٍ للموحّدين، سمعوا في المعسكر، حيث كانت قد وصلت للتوّ أنباءُ نصر، دويَّ طبولٍ فرِح. «آه! صاح رافع الدولة، لولا أنّ شيخوختي منعتني، لذهبتُ إليهم من قبل، فإنّي أُحبّهم بكلّ قلبي! — حسنًا، قال له ابن أخيه، فلنرتجل أبياتًا في مدحهم، إذ لا يُباح لنا أن نخدمهم بطريقةٍ أنجع.» فلمّا قُبل هذا الاقتراح، بدأ رافع الدولة هكذا:

— (بفضل الملك عبد المؤمن، يدور نجم السعادة في السماء.

وتابع رشيد الدولة:

— إنّه بطل، وبريق جبينه يُشبه الضياء الذي ينشره القمر في جوف الليل.

وزاد ابن العشيري:

— فاذهبوا إليه إذن؛ ستجدون أميرًا يملك كبرياءً يليق بملك، ولا يُخشى منه شيءٌ متى استُجير بحماه.

ولم تبقَ هذه الأبيات سرًّا، فلمّا بلغت مسامع قائد

المكان، رافع الدولة (أكثر الثلاثة تورّطًا لأنّ

ص 286

290

القائد كان قد ظنّ أنّه يستطيع أن يثق به، حتى إنّه وكّله بمراقبة إصلاح سور الضاحية) اضطرّ إلى طلب النجاة في فرارٍ سريع. ووفّق إلى الخروج من المدينة وبلغ معسكر الموحّدين. وبعد وقتٍ قصير، حين انقطع تاشفين عن الحياة، اضطرّ المرابطون إلى إخلاء تلمسان. فانضمّ رشيد الدولة آنذاك إلى حزب عبد المؤمن؛ ونظم قصائد طويلة في مدحه، وبغريب تقلّب الحظّ، انتهى هذا الحفيد لملكٍ كان يُجري الأرزاق على جيشٍ كامل من الشعراء، إلى أن ينحدر هو نفسه إلى مرتبة شاعرٍ مرتزق 1).

1 ابن الأبّار، ص 176، 197—199، وفي الملحق، رقم XXI.