Read in English · اقرأ بالإنجليزية →
الجزء الثاني
التلاعب الجماعي

لم يعد التحايل حيلةَ فرد، بل صار عملاً تتولّاه الجماعات والمؤسسات. فهناك جامعاتٌ تدفع لباحثين كثيري الاستشهاد بأعمالهم ليذكروا اسمها في أوراقهم، وباحثٌ تشيكي ملأ سيرته بمقالاتٍ في مجلاتٍ «دولية» لا تكاد تراجع ما تنشره. وربما صار العلماء يتوزّعون على تعاوناتٍ كثيرة لتكثر الأوراق التي تحمل أسماءهم، وتكتب شركات الدواء أوراقاً في الخفاء ثم يوقّعها أكاديميون.

يتناول هذا الجزء ما يصنعه شعار «أثِّر أو اندثِر» حين يعمّ العالم: فالتحايل على المقاييس لا يبقى حيلةَ فردٍ، بل يصير عملاً تتولّاه جماعاتٌ ومؤسسات (ص ٩١). ويضرب المحرّران لذلك مثلين: باحثين يُعيرون أسماءهم لأوراقٍ تكتبها الصناعة في الخفاء ليجنوا ما تجلبه من استشهادات، وجامعاتٍ تدفع مالاً نقداً لمن ينشر في المجلات الكبرى لتصعد في جداول التصنيف (ص ٩١).

تشرح كيم في فصلها لماذا تنفق الجامعات على التصنيفات كل هذا الإنفاق، وكيف صارت الجامعة الرفيعة المرتبة رمزاً لقدرة أمّتها العلمية (ص ٩١). أمّا دي رايكه وشتوكيلوفا فتبيّنان أنّ إلحاح أوروبا على النشر «الدولي» يرسّخ قسمةً بين شمالٍ «دولي» وجنوبٍ «محلّي منغلق»، وأنّ هذه القسمة نفسها قابلةٌ للتحايل عليها (ص ٩١)؛ ويزيد المحرّران أنّ الجامعات تتباطأ في محاسبة منسوبيها ما دامت منشوراتهم في منابر مشبوهة، لكنها «دولية»، تخدم أرقامها (ص ٩١–٩٢). ويذهب فانيلي إلى أنّ التأليف المشترك صار هو نفسه ضرباً من التحايل الجماعي، فالعلماء اليوم يجزّئون تعاوناتهم على طريقة «تقطيع السلامي» بدل أن يجزّئوا نتائجهم (ص ٩٢). ويصف سيسموندو لعبةً بين طرفين، تقدّم فيها شركات الدواء أوراقاً تديرها في الخفاء، ويقدّم الأكاديميون أسماءهم (ص ٩٢).

الفصل السادس: باربرا كيم، «تصنيفات الجامعات العالمية: آثارها واستعمالاتها» (Global University Rankings: Impacts and Applications)

تفتتح كيم فصلها بحالاتٍ اشترت فيها جامعاتٌ سمعتها شراءً. ففي ديسمبر ٢٠١١م نشرت مجلة «ساينس» أنّ جامعتين سعوديتين تستقطبان باحثين كثيري الاستشهاد بهم، وتعرضان على الواحد منهم نحو سبعين ألف دولار في السنة لقاء زيارةٍ قصيرة كل عام، وأن يذكر في أوراقه انتماءه إلى الجامعة السعودية (ص ٩٣). ولم تمضِ سنتان أو ثلاث حتى دخلت المؤسستان كلتاهما الفئة الواقعة بين المرتبة ٢٠٠ والمرتبة ٣٠٠ في تصنيف شنغهاي (ARWU)، وهو ترتيبٌ عالمي للجامعات نشأ في الصين، ولم تكونا مدرجتين فيه أصلاً (ص ٩٣). ثم نشرت صحيفة The Australian في مارس ٢٠١٢م قائمةً بستين من هؤلاء «العلماء المتميّزين»، كلهم رجال (ص ٩٣). وفي السنة نفسها أعلنت جامعتان أستراليتان عن وظائف غرضها إدارة موقع الجامعة في التصنيفات، براتبٍ يقارب مئة ألف دولار في السنة (ص ٩٣).

تنتهي كيم إلى أنّ التصنيفات «تُغري وتُكره» في آنٍ واحد (ص ٩٤، ٩٩)، فالجامعة التي تدخل اللعبة لا بدّ لها أن تتشرّب منطقها. ثم تعدّد، نقلاً عن مورفيو وسوانسون، حيل الجامعات الأمريكية في ذلك: أن تُسقط المتعاقدين غير المتفرّغين من عدد أعضاء هيئة التدريس، وأن تعرض بيانات القبول عرضاً يوحي بأنها شديدة الانتقاء، وأن تنفق على كتيّباتٍ لامعة ترفع درجات السمعة (ص ٩٤). فالجامعة إذا شاركت طعنت في مشروعية التصنيفات وثبّتتها معاً (ص ٩٤). وقد أجرت إلين هيزلكورن استبياناً سنة ٢٠٠٧م، فوجدت أنّ ٩٣ في المئة من قادة الجامعات يريدون أن يرتفعوا في التصنيفات الوطنية، و٨٢ في المئة في التصنيفات الدولية (ص ٩٤).

على أنّ الحركة في جداول التصنيف عسيرة. فبين سنتي ١٩٨٨ و١٩٩٨م لم تغادر عشرون من الجامعات الخمس والعشرين الأولى في تصنيف U.S. News تلك المجموعة قطّ (ص ٩٤). ثم إنّ التصنيفات العالمية لا تشمل إلا أربعةً إلى ستة في المئة من جامعات العالم، فتُحاكَم الجامعات كلها بمعايير لا تلائم إلا القمّة، ومن هنا ينشأ ما يُسمّى «نموذج العجز» (deficit model)، أي أن تبدو كل جامعةٍ قاصرةً ما لم تكن بين المتصدّرين (ص ٩٤–٩٥). ومع ذلك كله تمضي الجامعات في اللعب، ولذلك عندها ثلاثة أسباب: أنّ المرتبة الحسنة تجلب طلاباً أفضل وتبرّعاتٍ وأموالاً من الدولة، وهو ما يُعرف بـ«أثر متّى» (Matthew effect)، أي أنّ من سبق إليه الخير زاده السبقُ خيراً؛ وأنّ التصنيفات صارت هي التي توزّع السمعة؛ وأنّ الساسة يحبّونها لأنها تختزل الأمور المعقّدة في رقم، ولأنّ الجامعات العليا صارت علامةً على قوّة الأمّة الاقتصادية (ص ٩٥).

أمّا المقاومة فجاءت من الأكاديميين. تحصي كيم، نقلاً عن هيزلكورن، تسعة تصنيفاتٍ عالمية وأكثر من خمسين تصنيفاً وطنياً (ص ٩٥)، وتذكر مؤسساتٍ تتجاهلها أو تقاطعها، منها جامعة جيمس كوك في أستراليا، وكليّاتٌ أمريكية في «مجموعة أنابوليس»، وعددٌ من الجامعات الكندية (ص ٩٥–٩٦). ففي ألمانيا دعت الجمعيات العلمية إلى مقاطعة تصنيف CHE، وكفّت أربع جامعات عن تزويده بالبيانات، قائلةً إنّ جمعها يحتاج إلى أكثر من عشرة موظفين متفرّغين (ص ٩٦). وفي مارس ٢٠١٣م احتجّ ثلاثمئة اقتصادي على التصنيف الذي تضعه صحيفة Handelsblatt للأساتذة (ص ٩٦).

في القسم الأخير من الفصل تنظر كيم إلى التصنيفات من جهةٍ أخرى، فتراها وسيلةً تتقارب بها سياسات الدول بعضها من بعض. بدأ تصنيف شنغهاي أداةً صينية للاستعمال المحلي، ثم صنع حكايةً عالمية عن التنافس بين الجامعات، صارت الحكومات تستشهد بها لإصلاحاتها: فقد أسهمت في ألمانيا في إطلاق «مبادرة التميّز»، وفي أوروبا في تمويل U-Multirank، وهو تصنيفٌ أوروبي متعدّد المعايير (ص ٩٧–٩٨). وتسمّي كيم ما انتهى إليه الأمر ظاهرةً ما بعد حداثية: كل حكومةٍ تريد لنفسها «هارفارد واحدة»، ورقم المرتبة ينفصل شيئاً فشيئاً عمّا تفعله الجامعات حقاً (ص ٩٩).

الفصل السابع: سارة دي رايكه وتيريزا شتوكيلوفا، «النشر المفترس وضرورة الإنتاجية الدولية: التغذّي على المهيمن وتغذيته» (Predatory Publishing and the Imperative of International Productivity: Feeding Off and Feeding Up the Dominant)

ينطلق الفصل من شعارٍ تردّده سياسة البحث الأوروبية: «كن دولياً!» (ص ١٠١). ففي الدول الأصغر، كهولندا وجمهورية التشيك، كثيراً ما يقوم وصف «الدولي» مقام الجودة دون أن يسأل عنه أحد؛ فالدولي فوق الوطني، والوطني فوق المحلي (ص ١٠١). وترى المؤلفتان أنّ التحايل على المقاييس، والنشر المفترس، وهو نشرٌ في مجلاتٍ تأخذ المال من المؤلفين ولا تكاد تراجع ما تنشر، وإساءة استعمال الوصول المفتوح الذهبي، أي النشر الذي يدفع فيه المؤلف رسماً ليُتاح بحثه للقرّاء بالمجان، كلها يمكن أن تُفهم في جانبٍ منها استجابةً منطقية لهذا الأمر حين «يجمح» (ص ١٠١).

الحالة التي تدرسانها جدلٌ ثار سنة ٢٠١٥م في كلية العلوم الاجتماعية بجامعة كارلوفا (Charles University) في براغ، ومن ورائه نظام التقييم التشيكي الذي أُدخل سنة ٢٠٠١م، ويمنح «نقاط RIV» لأنواعٍ محدّدة من المخرجات البحثية (ص ١٠٢). أراده واضعوه آلةً موضوعية شفّافة، فصار شبكةً من الأوزان لا يفهمها تمام الفهم حتى من يديرون السياسات (ص ١٠٢). ولم تكن هناك على المستوى الوطني مراجعةُ أقرانٍ تُذكر، أي أن يقرأ المقالةَ متخصّصون في ميدانها ويحكموا عليها، بل كان إدراج المجلة في Web of Science وScopus، وهما قاعدتا بياناتٍ كبيرتان تفهرسان المجلات واستشهاداتها، يُتّخذ برهاناً على جودتها الدولية (ص ١٠٣).

كان بطلَ الجدل باحثٌ ناشئ نال الدكتوراه سنة ٢٠٠٧م، وادّعى سبعةَ عشرَ كتاباً بحثياً ألّفها أو حرّرها بالاشتراك بين ٢٠١١ و٢٠١٣م، وأكثر من ثمانين مقالة بين ٢٠٠٦ و٢٠١٥م (ص ١٠٣). وكان في بعض المجلات «الدولية» التي تملأ سيرته رئيسَ تحرير، أو عضواً في هيئة التحرير، بل ناشراً. وبعض هذه المجلات، مع أنها مفهرسة في Scopus، كان مدرجاً في قائمة بيل (Beall's list)، وهي القائمة السوداء التي وضعها أمين المكتبات جيفري بيل للناشرين المفترسين. وكان زملاؤه، ومنهم رئيس قسمه، شركاءه في التأليف، ثم تبيّن أنّ أحد شركائه شخصٌ لا وجود له، نُسب إليه انتماءٌ مخترَع إلى ستراسبورغ ثم إلى كامبريدج (ص ١٠٣). وتلاحظ المؤلفتان أنه لم يفعل إلا ما طلبه النظام، لكنه فعله بمهارة، بل حاول أن يبني حول نفسه «دولياً» جديداً بين الشرق والغرب (ص ١٠٣–١٠٤).

أنهت الكلية عقده في سبتمبر ٢٠١٥م، وأصدرت قواعد تحذّر من المجلات المفترسة ومن دور النشر التي يدفع فيها المؤلف ثمن نشره، وكان قد صدر لمنسوبيها منذ ٢٠١٠م أكثر من عشرين كتاباً «دولياً» عن إحدى هذه الدور (ص ١٠٤). وبعد أسابيع قليلة لم تجدّد عقد المبلِّغ الرئيس أيضاً، مع ما لقيه من تأييدٍ واسع (ص ١٠٤). فقد أخذت بمقاربة «التفّاحة الفاسدة»، أي أن تحصر العلّة في فردٍ وتُبقي النظام بمنأى عن السؤال (ص ١٠٤).

ثم تسأل المؤلفتان: من المستفيد (cui bono)؟ وجوابهما أنّ نقد المجلات المفترسة يقوّي حجّة الناشرين التجاريين وفهارسهم، فيصيرون هم حرّاس بوّابة «الدولي» (ص ١٠٥). فالنشر المفترس يحاكي حوافز الصناعة المهيمنة، ويقع في قلبها لا على هامشها (ص ١٠٥–١٠٦)، وأصحابه ليسوا «فرائس» في شيء، بل يتحايلون على النظام عن قصد (ص ١٠٦). وتصف Scopus نفسها بأنها نظرةٌ شاملة على بحوث العالم، لكنها في الواقع لا تقدر على ضبط ما تشهد له (ص ١٠٧). أمّا القوائم السوداء ومدوّنات السلوك فتفترض علماً واحداً تجمعه معايير مشتركة. وتختم المؤلفتان بقولهما:

«الأكثر والأسرع والأشدّ دوليةً لا يلزم أن يكون الأفضل دائماً.» (ص ١٠٧)

الفصل الثامن: دانييلي فانيلي، «ضغوط النشر: ما هي الآثار التي نراها؟» (Pressures to Publish: What Effects Do We See?)

يمتحن فانيلي أشيع حكايةٍ في هذا الميدان، وهي أنّ ضغط النشر يدفع العلماء إلى الممارسات الرديئة. يجد الحكاية معقولة، لكنه لا يجد لها من الشواهد ما يسندها (ص ١١١)، فيستعرض الشواهد التي تُساق لها عادةً، شاهداً بعد شاهد. فالاستبيانات تخبرنا بما يعتقده الباحثون، لا بما يحدث فعلاً (ص ١١١). وتزايد السحب، أي إعلان المجلة أنّ ورقةً نشرتها لم تعد معتمدة، يعكس في أكثره انتشار سياسات السحب نفسها: فلم تكن لدى المجلات الطبية العالية التأثير سياسةٌ للسحب سنة ٢٠٠٤م إلا في ٢١ في المئة منها، وصارت النسبة ٦٥ في المئة سنة ٢٠١٤م، وظلّ عدد ما تسحبه المجلة الواحدة من الأوراق ثابتاً (ص ١١٢). والمجلات العالية التأثير هي التي سبقت إلى تبنّي هذه السياسات، وهذا ما يفسّر ارتفاع معدّلات السحب فيها (ص ١١٢). أمّا الدراسات التي تُظهر تزايد النتائج الإيجابية في ملخّصات الأوراق فشاهدها أقوى، لكنها معرّضة لـ«المغالطة الإيكولوجية» (ecological fallacy)، وهي أن يُستدلّ بما يصحّ في المجموع على ما يفعله كل فردٍ فيه (ص ١١٣).

ثم يعرض عمله هو مع زملائه، ويسمّيه ضربتين للحكاية. أولاهما دراسةٌ قارنت ٦١١ ورقةً مسحوبة و٢٬٢٢٦ ورقةً مصحَّحة بـ٥٬٤٦٦ ورقةً ضابطة تماثلها (ص ١١٤). فكان أعلى البلدان خطراً للسحب تلك التي تدفع نقداً عن الأوراق العالية التأثير، كالصين وتركيا وأستراليا؛ وجاءت الولايات المتحدة في الوسط، وضغطها مهنيٌّ يمرّ بالتثبيت الوظيفي، أي بالحصول على المنصب الدائم في الجامعة؛ وكان أدنى الخطر في هولندا والمملكة المتحدة، حيث يتبع التمويلُ التقييماتِ الوطنية ويُحَسّ الضغط أشدّ ما يُحسّ (ص ١١٤). ولم يكن أغزر المؤلفين إنتاجاً، ولا من ينشرون في المجلات الكبرى، أكثر عرضةً للسحب من غيرهم، بل كانوا مثلهم أو أقلّ (ص ١١٤–١١٥). ومضت دراستان لاحقتان في الاتجاه نفسه، إحداهما في أكثر من ثلاثة آلاف تحليلٍ تلوي (meta-analysis)، وهو بحثٌ يجمع نتائج دراساتٍ كثيرة في سؤالٍ واحد، والأخرى في أوراقٍ فيها صورٌ مكرّرة (ص ١١٥).

أمّا الضربة الثانية ففي الإنتاجية نفسها. تتبّع فانيلي ولاريفيير ٤١ ألف مؤلفٍ لهم أكثر من ٧٦٠ ألف ورقة بين ١٩٠٠ و٢٠١٣م، فوجدا أنّ الأوراق إذا عُدّت عدّاً كسرياً، فلم يُحسب للمؤلف من الورقة إلا نصيبه بقسمتها على عدد شركائه، كانت معدّلات النشر في السنوات الخمس عشرة الأولى من المسيرة ثابتةً أو متراجعة في أكثر التخصصات (ص ١١٥–١١٦)، وكذلك الأوراق التي يكون فيها الباحث المؤلفَ الأول (ص ١١٦). فإذا كانت سِيَرُ العلماء اليوم تسرد أوراقاً أكثر فلأنهم يتعاونون أكثر (ص ١١٧).

يصرّح فانيلي بأنه يراجع رأياً كان يقول به (ص ١١٧). فهو لا يسمّي الضغط خرافة، لكنه يرى في ربط تزايد سوء السلوك بتزايد الضغط «خطأً مزدوجاً» (ص ١١٧)، ويقترح مكان ذلك استراتيجيتين خفيّتين. أولاهما أنّ العلماء لعلّهم صاروا يجزّئون تعاوناتهم، فينضمّون إلى أكثر ما يستطيعون منها ويسهمون في كلٍّ منها بالقليل، لأنّ مؤشر هيرش (h-index)، وهو رقمٌ يلخّص عدد أوراق الباحث وما نالته من استشهادات، لا يعدّل حسابه بعدد المؤلفين (ص ١١٨). والثانية أنّ الأوراق طالت، فلعلّ النتائج السلبية صارت تُدفن في أثنائها (ص ١١٨–١١٩).

«أقترح أنّ العلماء، بدل أن يقطّعوا نتائجهم «شرائح سلامي» وينتقوا منها، ربما صاروا يزيدون من «دسّها في الشطيرة».» (ص ١١٩)

الفصل التاسع: سيرجيو سيسموندو، «الإدارة الخفية للمعرفة الدوائية والتحايل عليها» (Ghost-Managing and Gaming Pharmaceutical Knowledge)

موضوع سيسموندو الموضعُ الذي تلتقي فيه ثلاثة اقتصادات: اقتصاد العلم الطبي، واقتصاد الممارسة الطبية، واقتصاد تسويق الدواء. وما ينتجه هذا الملتقى مقالةٌ في مجلةٍ طبية تبدو علماً أكاديمياً، وقد صنعت الشركاتُ أكثرَها أو صنعتها كلَّها، وغايتها أن تؤثّر فيما يصفه الأطباء لمرضاهم. ويسمّي ذلك «الإدارة الخفية» (ghost management) للعلم الطبي (ص ١٢٣). أكثر مصادره مؤتمراتٌ تعقدها الصناعة، حضرها هو ومساعدان له بين ٢٠٠٧ و٢٠١٧م، وأسماء المتحدّثين فيها مُغفَلةٌ كلها (ص ١٢٤).

تتولّى شركاتُ البحث التعاقدية (CROs)، وهي شركاتٌ تُستأجر لإجراء التجارب السريرية نيابةً عن صانعي الدواء، أكثرَ التجارب التي تموّلها الصناعة، ثم يحلّل إحصائيّو الشركة البيانات، ويكتب الكتّاب الطبيون مسوّدات الأوراق، ويقودها مخطّطو النشر في دروب المجلات (ص ١٢٣). ولا يُستقطب المؤلفون في العادة إلا بعد كتابة المسوّدة، والواحد منهم «قائد الرأي» (key opinion leader, KOL)، أي طبيبٌ أو باحثٌ له في تخصّصه مكانةٌ تجعل لكلامه وزناً، تختاره الشركة لمكانته، أو لموافقته على النتائج، أو لتتّخذه متحدّثاً في المستقبل (ص ١٢٤). ويرسم المخطّطون خريطةً للرسائل الرئيسة، ويقصدون المجلات بحسب معامل تأثيرها، وهو متوسّط ما تناله مقالاتها من استشهادات، وبحسب نسبة رفضها، ويردّون على الأحداث برسائل إلى المحرّر (ص ١٢٥). كان ٧٠ في المئة من تمويل الصناعة للبحث يذهب سنة ١٩٩٠م إلى الجامعات والمستشفيات التعليمية، فلمّا جاءت سنة ٢٠٠٠م صار ٧٠ في المئة منه يذهب إلى شركات البحث التعاقدية (ص ١٢٦). وقد تشتمل خطّة دواءٍ يُرجى له رواجٌ كبير على أكثر من خمسين مقالة في نحو ثلاث سنين (ص ١٢٦). أمّا قادة الرأي فيضفون على المقالة «طلاءً» من الاستقلال، وقلّما يعملون في البيانات؛ بل قال أحد المخطّطين إنّ نصف الشركات لا يُطلع المؤلفين إلا على المسوّدة قبل الأخيرة (ص ١٢٦–١٢٧). والمحرّرون يعرفون هذه العملية، ولا يكاد يُعرف سحبٌ لورقةٍ بسبب التأليف الخفي، إن عُرف أصلاً (ص ١٢٧–١٢٨).

يمتدّ النموذج نفسه إلى برامج المتحدّثين التي ترعاها الشركات. فقد قلق أحد المديرين من أن يضطرّ إلى أن يشرح للمحقّقين لماذا يحتاج برنامجٌ واحد إلى سبعمئة متحدّث أو ألف، وفي ذلك ما يدلّ على أنّ بعضهم ربما يُدفع لهم لأنهم يصفون الدواء، لا لأنهم يتحدّثون (ص ١٢٨).

صلة هذا كله بالمقاييس لغزٌ في الاستشهاد. وجدت دراسةٌ لاثنتين وتسعين مقالةً ثبت أنها مُدارة في الخفاء أنه يُستشهد بها نحو عشرة أضعاف ما يُستشهد بالمقالات المعتادة في المجلات نفسها، ووجدت دراسةٌ سابقة لخمسٍ وخمسين مقالة أنها تزيد عليها بمقدار ٢٫٤ إلى ٢٫٩ ضعفاً (ص ١٢٩–١٣٠). ولسيسموندو في ذلك ثلاثة تفسيرات: أنّ هذه المقالات وافرة الموارد فهي جديرةٌ بأن يُستشهد بها، وأنّ الشركات توزّعها على نطاقٍ واسع، وأنّ خطةً من خمسين مقالة أو مئة تتيح ضرباً خفيّاً من الاستشهاد الذاتي، لا يقوم به فردٌ بل شركة (ص ١٣٠–١٣١).

يأبى سيسموندو في خاتمته أن يقابل بين الزائف والأصيل مقابلةً سهلة. فالأوراق المُدارة في الخفاء كثيراً ما تكون علماً طبياً نموذجياً، بُني ليخدم التسويق (ص ١٣٢). وسوء السلوك حاضرٌ فيها في العادة، لأنّ المؤلفين الذين تحمل أسماءهم لا يستوفون شروط التأليف، لكنه غيرُ اختلاق البيانات (ص ١٣٢).

«شركات الدواء هي اليوم أكبر المساهمين في قاعدة الأدلة في الطب» (ص ١٣٢)