اقرأ الكتاب بلا مقابل في موقع مطبعة MIT، فهو منشورٌ بالوصول المفتوح
ما يثبته الكتاب
أقوى ما في الكتاب فكرته المركزية: أنّ دراسة سوء السلوك البحثي ينبغي أن تنتقل من مضمون الأوراق إلى النظام الذي يقدّر قيمتها. كان سوء السلوك يُحصر تقليدياً في ثلاث ممارسات، هي اختلاق البيانات وتحريفها وانتحال عمل الغير. أمّا المحرّران فيميّزان بين جرائم «معرفية» تفسد العلم نفسه وجرائم «بيروقراطية» تفسد تقييمه (ص ٣)، ويذهبان إلى أنّ المقاييس تخلق «شروط الإمكان» لممارساتٍ جديدة، أي إنها هي التي تجعلها ممكنة أصلاً (ص ١). وبهذين يحصل إطارٌ واضح لحالاتٍ لا يتّسع لها الثالوث القديم: مراجعة الأقران المزيّفة، وفيها يراجع المؤلف ورقته بنفسه تحت اسمٍ آخر؛ وتكتّلات الاستشهاد؛ والانتماءات المشتراة، وفيها تدفع الجامعة للباحث ليذكر اسمها في أوراقه؛ والأوراق التي تديرها شركات الدواء في الخفاء. قد يكون العلم في هذه كلها سليماً، ويفسد التقييم مع ذلك. وهذه الفكرة يقيمها الكتاب إقامةً مقنعة.
الإسهام الثاني تاريخي. فقد بيّن تشيسار أنّ ميرتون سمّى خطر التحايل وناقشه مع غارفيلد، واضع «فهرس الاستشهاد العلمي»، قبل أن تستحكم مقاييس الاستشهاد (ص ٣٣–٣٧). وإذا ضُمّت إلى ذلك رواية جانغرا لتحوّل الورقة العلمية إلى وحدةٍ للمحاسبة (ص ٤٤)، ودراسة باور لنظام قياس الأثر في الجامعات البريطانية (ص ٥٧–٦٥)، قامت حجّةٌ متينة على أنّ التحايل جزءٌ من طريقة عمل المقاييس نفسها، لا عارضٌ يطرأ عليها.
ثالثها أنه يُسمِع صوت الرقباء، وهم من تطوّعوا لكشف سوء السلوك من خارج المؤسسات الرسمية. فالجزء الثالث يسجّل بألسنة أصحابه كيف عمل Retraction Watch وPubPeer والنقّاد الأفراد في العقد الثاني من هذا القرن، وما وجدوه وما كلّفهم ذلك. ورواية بروكس لكشف مكتب نزاهة البحث الأمريكي اسمَه (ص ١٧٠)، وللتهديدات القانونية التي تلقّاها (ص ١٧٣–١٧٤)، من السجلّ الذي قلّما تحفظه المطبوعات الأكاديمية.
مواضع القوّة في شواهده
أصلب الفصول التجريبية ما أفصح عن بياناته ومنهجه. ودراستا فانيلي أحكم ما في الكتاب: إحداهما تقارن الأوراق المسحوبة والمصحَّحة بأوراقٍ ضابطة تماثلها، والأخرى تتتبّع إنتاج الباحثين على مدىً طويل (ص ١١٤–١١٦). ويلحق بهما في الدقّة أرقام أورانسكي في سحب الأوراق، وهو إعلان المجلة أنّ الورقة لم تعد معتمدة (ص ١٤٤–١٤٥)، وما شاهده سيسموندو في مؤتمرات صناعة الدواء وما ينقله من دراسات الاستشهاد (ص ١٢٤، ١٢٩–١٣٠)، وإعادة غاسبار وديدييه بناء قضية فوانيه يوماً بيوم (ص ١٦٠–١٦٤)؛ فكلّ ذلك محدّدٌ يمكن التحقّق منه. وأرقام باور من «إطار التميّز البحثي»، وهو التقييم الدوري لبحوث الجامعات البريطانية (ص ٥٧–٥٨)، وحالات كيم (ص ٩٣–٩٦) ملموسةٌ كذلك. أمّا تجربة آيك أنتكير ومحرّرو مورغنشترن الوهميون فليسا دراستين، لكنهما يصلحان برهاناً على أنّ الأمر ممكن، وهذا كل ما يدّعيانه.
للكتاب كذلك شيءٌ من الصدق مع إطاره. فنتائج فانيلي تخالف الرواية الشائعة بأنّ ضغط النشر يدفع إلى سوء السلوك، وهو يراجع رأيه السابق في هذا المطبوع نفسه (ص ١١٧). ويقيّد فاوترز الصورة التي يرسمها المحرّران للتقييم (ص ٦٧)، وتقرّر جاكوب أنّ الكتاب يكاد يُغفل الجنوب العالمي، أي البلدان النامية (ص ٢٥٤). والكتاب الجماعي الذي يطبع خلافاته أنفع لقارئه من كتابٍ يخفيها.
مواضع الضعف
كثيرٌ من الفصول مقالاتُ رأيٍ قصيرة أو شهاداتٌ يرويها أصحابها. وأكثر الجزء الثالث بأقلام من يديرون ما يصفونه: كتب عن Retraction Watch أحدُ مؤسّسَيه، وعن PubPeer القائمان عليه، وعن «المقاييس البديلة»، وهي قياس الاهتمام بالبحث على الشبكة، إحدى مطوّراتها، وعن كشف أوراق SCIgen صاحبُه المتخفّي باسمٍ مستعار. لهذه الروايات قيمة الشهادة، لكنها ليست تقييماً مستقلاً، ولا يقدّم الكتاب تقييماً مستقلاً من عنده. فالقائمان على PubPeer يقولان إنّ ناقدي الموقع قلّما يأتون بمسيرةٍ علمية أصابها منه ضررٌ ظالم (ص ١٥٢–١٥٣)، ولا يقدّم الكتاب بياناتٍ تؤيّد ذلك أو تنقضه.
أمّا الأطروحة المركزية، وهي أنّ المقاييس تخلق شروط الإمكان لسوء سلوكٍ جديد، فيحتجّ لها الكتاب بالأمثلة ولا يختبرها. تجمع المقدمة حالاتٍ لافتة كثيرة، بعضها مأخوذ من الصحف والمدوّنات (ص ١٠–١٣)، ثم لا يحاول الكتاب أن يقيس مدى شيوع هذه الممارسات. وفصل فانيلي نفسه يضع الأطروحة أمام سؤالٍ مباشر: إذا لم يكن أكثر المؤلفين حظّاً من المكافأة أكثرهم تعرّضاً لسحب أوراقهم (ص ١١٤–١١٥)، فكم من سوء السلوك الجديد تحرّكه المقاييس، وكم منه تحرّكه المكافآت المالية خاصةً؟ والكتاب يترك الرأيين متجاورين ولا يحسم بينهما.
تختلف بعض التفاصيل من فصلٍ إلى فصل؛ فبروكس يذكر أنه كتب في مدوّنته عن ٢٧٤ ورقة (ص ١٧٤)، وليبمان تذكر ٢٧٥ (ص ٢٧٢). والفرق صغير، لكنّ من يستشهد بالكتاب ينبغي له أن يأخذ الرقم من الفصل الذي يحمل الرواية الأصلية.
ما غاب عنه
أوضح ما غاب عنه الجغرافيا. تأتي مادة الحالات في أكثرها من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا القارّية، وتظهر البرازيل والصين وجمهورية التشيك والمملكة العربية السعودية موضوعاتٍ للحالات لا أقلاماً تكتب عنها. وكل مساهمٍ ذكرت القائمة مؤسسته كان يعمل في أوروبا أو أمريكا الشمالية حين صدر الكتاب (ص ٢٨٥–٢٨٦)، وقد سمّت جاكوب هذه الثغرة صراحةً (ص ٢٥٤). والعالم العربي حاضرٌ في موضعين: رواية كيم عن الجامعتين السعوديتين اللتين استقطبتا باحثين كثيري الاستشهاد بأعمالهم لقاء أن يذكروا انتماءهم إليهما في أوراقهم (ص ٩٣)، وحاشيةٌ في المقدمة عن جامعة الملك عبد العزيز (ص ٢٠، الحاشية ١٩). والجامعات في الموضعين موصوفةٌ من الخارج، ولا يفحص الكتاب منطقها هي ولا السياسات الوطنية التي وراءها.
في التخصّصات ميلٌ مثله. أكثر الأمثلة من الطب الحيوي والفيزياء وعلوم الحاسوب، ولا تحضر الإنسانيات إلا في حالة باور البريطانية وفي خدعتَي سوكال و«مولّد ما بعد الحداثة».
أمّا الزمن فكتب المساهمون أكثر فصولهم بين نحو ٢٠١٥ و٢٠١٩م، وصدر الكتاب سنة ٢٠٢٠م، وكانت «قائمة بيل»، وهي القائمة السوداء للمجلات التي تأخذ المال وتنشر بلا مراجعة تُذكر، قد أُغلقت في يناير ٢٠١٧م (ص ١٠٨، الحاشية ٦). فما جدّ بعد ذلك خارجٌ عن نطاقه. منذ نحو ٢٠٢٢م صارت «مصانع الأوراق» (paper mills)، وهي جهاتٌ تصنع المخطوطات وتبيعها وتبيع معها حقّ التأليف، همّاً يوثّقه الناشرون وهيئات أخلاقيات النشر علناً (COPE وSTM، تقرير Paper Mills، ٢٠٢٢م). ولا يلمس الكتاب هذه الممارسة إلا من طرفين: أخبار تأليفٍ يُباع في أوراقٍ مكتوبةٍ سلفاً ومقبولةٍ سلفاً (ص ٧)، وما وجدته COPE من جهاتٍ تبيع مخطوطاتٍ جاهزة وعناوين لمراجعين ملفّقين (ص ١٢–١٣). وقاعدة بيانات Retraction Watch، التي يذكرها أورانسكي جديدةً في أكتوبر ٢٠١٨م (ص ١٤٤)، آلت إلى Crossref سنة ٢٠٢٣م. والنماذج اللغوية الكبيرة، وهي برامج الذكاء الاصطناعي التي تكتب نصوصاً كنصوص البشر، جاءت بعد الكتاب. ولا شيء من هذا يُضعف حجّته؛ وإنما معناه أنّ حالاته ينبغي أن تُقرأ سجلّاً للعقد الثاني من هذا القرن.
يبقى العلاج، والكتاب في التشخيص أقوى منه فيه. تتباعد مقترحاته تباعداً واسعاً، من «الحكم في السياق» عند فاوترز (ص ٧٣) والبنية المفتوحة للبيانات عند لين (ص ٢٢١–٢٢٣)، إلى ترك المقالة في المجلة وسيلةً للنشر عند ويجر (ص ٢٢٩–٢٣٣)، ومجلات الاختراق التي تخترق المقاييس جهاراً عند غريزمر (ص ٨٤–٨٦)، ورفض PubPeer للمقاييس كلها (ص ١٥٥). ولا يوازن المحرّران بين هذه المقترحات.
قيمته لمن يعمل في نزاهة البحث
من يجلس في لجان الترقية، أو يحرّر مجلة، أو يدير مكتباً للبحث، أو يدرّس أخلاقيات البحث، يجد في الكتاب أسماءً لممارساتٍ لا يشملها التعريف المعتاد لسوء السلوك: «التلاعب بعد الإنتاج»، أي التحايل على طريق الورقة إلى النشر وعلى أرقامها لا على مضمونها، و«النشر الشبيه بالبريد المزعج»، أي النشر في منابر رديئة لا يكون المؤلف فيها ضحيةً خالصة، و«الإدارة الخفية»، وهي تحكّم الشركات من وراء ستار في البحث وكتابته ونشره. ويجد فيه تفسيراً لعودة هذه الممارسات كلما عولجت: فكل مقياسٍ جديد يفتح طريقاً جديداً إلى التحايل عليه، وإذا شُدّدت القواعد في مؤشرٍ انتقلت المشكلة إلى غيره. ويعرّفه بأدوات الميدان، من قواعد بيانات الأوراق المسحوبة ومراجعة الأقران بعد النشر إلى الفحص الجنائي للصور وكشف النصوص المولَّدة آلياً، ويبيّن حدود كل أداة وما يتعرّض له من يستعملها.
أمّا المؤسسات التي تكافئ النشر بعدده أو بمكانة المجلة فتجد فيه تحذيراً صريحاً. فقد وجد فانيلي أنّ البلدان التي تدفع للباحث مالاً عن كل ورقة كانت أعلى خطراً لسحب الأوراق (ص ١١٤)، وروت كيم كيف تُشترى انتماءات الباحثين (ص ٩٣)، والأمران كلاهما يمسّان مباشرةً كل نظام مكافأةٍ مربوطٍ بالأعداد أو بمعاملات التأثير، وهي الأرقام التي تُقاس بها مكانة المجلات، أو بالتصنيفات. وما يقوله فاوترز من أنّ مراجعة الأقران والمؤشرات ليست إحداهما مستقلةً عن الأخرى (ص ٦٩–٧٢) يصدق على كل لجنةٍ تقرأ سيرةً ذاتية وإلى جانبها سجلّ استشهاداتها.
لا يقدّم الكتاب علاجاً واحداً، ولا يتّفق مؤلفوه على علاج. لكنه يبيّن بوضوح أنّ سوء السلوك بهذا المعنى لا يُردّ إلى أخلاق الأفراد وحدها؛ فهو ينبت من الطريقة التي يُعَدّ بها البحث ويُحصى.