Ibn Ḥayyān al-Qurṭubī · al-Muqtabas · A Reader's Companion

حوليّاتُ ٢٣٢–٢٣٨ هـ

القسم الأول

أبو مروان ابن حيّان القرطبي (٣٧٧–٤٦٩ هـ) · القطعة المطبوعة، الصفحات ١٤٣–٢٣٢

الثغرُ الأعلى وموسى بن موسى القسوي، وميورقةُ والقومس، والقحطُ والسيلُ والفتن، وإيقاعُ الولايات والعزل، ومَهلِكُ نصرٍ الخصيّ، ثمّ موتُ الأمير سنة ٢٣٨ وديوانُ دولته.

ابدأ

حدود هذا القسم

هذا القسم يلخّص الحوليّات التي تفتتح القطعة المتاحة من «المقتبس من أنباء أهل الأندلس» لأبي مروان ابن حيّان القرطبي، وهي سنوات ٢٣٢–٢٣٨ هـ متتابعةً على ترتيب السنين، ثم ما ألحقه المؤلّف بسنة ٢٣٨ من فصولٍ في صفة الأمير عبد الرحمن بن الحكم وأولاده وحجّابه ووزرائه وكتّابه وقوّاده وقضاته. والنصّ المقروء هنا قطعةٌ لا كتابٌ تامّ: ترقيم المطبوع يبتدئ في أوّل ما بين أيدينا بالصفحة ١٤٣ وينتهي هذا القسم عند الصفحة ٢١٠، فهو جزءٌ من مجلّدٍ أكبر، مبتورُ الطرفين، ولا مقدّمة له ولا خاتمة. وكلّ إحالةٍ في ما يلي إلى صفحات المطبوع، لا إلى ترقيم النسخة الإلكترونية. ولم تُرجِع الأداة في هذا المدى كلّه حاشيةً واحدةً للمحقِّق: حقل الحواشي فارغٌ في الصفحات ١٤٣–٢١٠ جميعًا، فما يأتي منقولٌ من المتن وحده، ولا يُنسَب إلى المحقِّق شيء. وفي النصّ مواضعُ بيضاءُ ظاهرة، سقطتْ فيها كلماتٌ أو أسطر، أُشير إليها في مواضعها.

الثغر الأعلى وموسى بن موسى القسوي

الخيط الأطول في هذه الحوليّات هو موسى بن موسى القسوي، يخرج ويعود ثلاث مرّات في سبع سنين. في سنة ٢٣٢ «تقلّب عن الطاعة» لتحامل عبد الله بن كليب عامل الثغر عليه ومدّه يده إلى بعض أمواله، فتحرّك إلى تطيلة وابن كليب داخلها، فاحتجز عنه العامل بحصانة المدينة واستغاث بالأمير عبد الرحمن، فأخرج إليه ابنه محمدًا بالصائفة وقاد معه محمد بن يحيى بن خالد، فأذعن موسى واعترف بالذنب وسأل العفو، فأُقرّ على حاله، ومضت الصائفة إلى بنبلونة [ص ١٤٣].

ثم عاد إلى الخلاف في آخر سنة ٢٣٥، فأفسد ما حول تطيلة وعاث حوز طرسونة وبرجة، وظاهره أخوه لأمّه «العلج ابن ونقه» ببنبلونة. خرج إليه عبّاس بن الوليد المعروف بالطبلي بالصائفة، فعاد موسى إلى الطاعة وبذل ابنه إسماعيل رهينة، وتولّى إخراج البيعة وقبض الرهينة خالد بن يحيى ومحمد بن الوليد ومطرّف بن نصير، وجُدّدت لموسى الولاية على تطيلة. غير أنّ إسماعيل هرب من قرطبة، «ذاهلًا عمّا كان فيه من غضارة المعيشة» بسعة قطائعه، فأمر الأمير بقصّ أثره، فقُبض عليه عند وادي آنة ورُدّ إلى قرطبة، فعفا عنه الأمير وخلّاه على قطائعه [ص ١٤٦].

وفي سنة ٢٣٧ كانت وقيعة البيضاء، والبيضاء «مجاورة لمدينة بقيرة من بلد بنبلونة»، بين المسلمين و«الكفرة الجاشقيين». اليوم الأوّل كان على المسلمين واستُشهد منهم جماعة، ونالت موسى بن موسى فيه خمسٌ وثلاثون وخزةً تخلّلت حلق درعه؛ وفي اليوم الثاني أخذ المقدّمة متحاملًا على ألم جراحه، فحامى على المسلمين «وحسن غناؤه»، فانهزم الجاشقيّون «أفحش هزيمة، وفُرشت الأرض بصرعاهم» [ص ١٥٦]. وفي السنة نفسها هلك «ينقه بن ينقه» أخو موسى لأمّه وظهيره على أمره، بعد فالجٍ عطّله، فولي مكانه ابنه غرسية واستُملكت له إمارة بنبلونة [ص ١٥٧]. فرجل الثغر عند ابن حيّان ليس متمرّدًا فحسب، بل مقاتلٌ في صفّ المسلمين يوم تكون الوقيعة على الحدود، وهو يُثبت الوجهين معًا دون أن يوفّق بينهما.

البحر والشمال: ميورقة والقومس غليالم

يعطي ابن حيّان للبحر مساحةً قصيرةً حادّة. في سنة ٢٣٤ أغزى الأمير عبد الرحمن أسطولًا «من ثلاثمائة مركب» إلى أهل جزيرتي ميورقة ومنورقة، لنقضهم العهد وإضرارهم بمن يمرّ إليهم من مراكب المسلمين، ففُتح أكثر جزائرهم، وأنفذ الأمير فتاه شنظير الخصيّ إلى ابن ميمون عامل بلنسية ليحضر تحصيل الغنائم ويقبض الخمس؛ وصولح بعض أهل الحصون على ثلث أموالهم وأنفسهم [ص ١٤٤]. ثم في سنة ٢٣٥ ورد كتاب أهل ميورقة «مستغيثين ممّا دهمهم من سخطه، مستقيلين لعثراتهم لديه»، فأقالهم الأمير وأعطاهم ذمّته وجدّد لهم عهده [ص ١٤٥]. هذا نمطٌ يتكرّر في القطعة كلّها: خروجٌ، ثم حصار أو غزو، ثم استقالةٌ وعفو.

وفي الشمال يتابع ابن حيّان قصّة قومسٍ إفرنجيّ على مدى ثلاث سنوات. في سنة ٢٣٢ استأمن «غليالم بن برناط بن غليالم، أحد عظماء قوامس إفرنجة» على الأمير عبد الرحمن بقرطبة، فأكرمه وأحسن إليه وإلى أصحابه وصرفه إلى الثغر «لمغاورة الملك لذويق بن قارله بن ببين صاحب الفرنجة»، فأعانه عمّال الثغر وأثخن العدوّ، «وكتبه إلى الأمير متّصلة» [ص ١٤٤]. وفي سنة ٢٣٤ اقتحم بلد قومه، فقتل وسبى وحرّق وخرّب، وحاصر برشلونة حتى أضرّ بها، وتقدّم إلى جرندة فشارفها، وورد كتابه على الأمير يعترف بما كان منه، فأُجيب «بالإحماد لفعله، والإرصاد لمكافأته»، وكُتب إلى عبيد الله بن يحيى عامل طرطوشة وإلى عبد الله بن كليب عامل سرقسطة في إمداده ومعونته «وتحريضه على شقاق قومه» [ص ١٤٥]. ويُسجَّل في سنة ٢٣٥ خبرٌ مقتضبٌ عن الجارة الشمالية الأخرى: هلك «الطاغية رذمير بن أردميس ملك الجلالقة» فولي ابنه أردون، وكانت ولاية رذمير ثمانية أعوام [ص ١٤٧].

القحط والسيل والفتن الداخلية

يحتفظ ابن حيّان بأخبار الطبيعة والمعاش إلى جانب أخبار الحرب. في سنة ٢٣٢ «كان القحط الذي عمّ الأندلس، فهلكت المواشي، واحترقت الكروم، وكثر الجراد، فزاد في المجاعة وضيق المعيشة» [ص ١٤٣]. وفي سنة ٢٣٥ سيلان عظيمان بنهر قرطبة في شهر رجب القمري «الموافق لشهر ينير الشمسي رأس سنة العجم بالأندلس»، عُدّا في أمّهات السيول؛ وحمل وادي شنيل فطغى مدّة وأخرب حنيّتين من قنطرة مدينة إستجة، وطمى السيل بكورة إشبيلية فذهب بستّ عشرة قرية بين البحر وحاضرة إشبيلية بما فيها «من ناسٍ وبهائم وأمتعة، فكان ذلك حدثًا عظيمًا تحدّث الناس عنه زمانًا» [ص ١٤٦–١٤٧]. والجملة الأخيرة كاشفةٌ عن مصدر مثل هذه الأخبار: حديث الناس المتوارث، لا وثيقة ديوان. وفي سنة ٢٣٦ يُعلَّل تركُ إخراج ولدٍ من ولد الأمير إلى كورة تدمير على العادة «لإمحالٍ نالها في هذا العام» [ص ١٤٨].

وفي المعصية الداخلية خبران. الأوّل في سنة ٢٣٤: خرج فرج بن خير الطوطالقي بدنهكة وأروش «فأظهر المعصية، وجمع أهل الفساد»، فعالجه الأمير بالخيل حتى أذعن، فاصطنعه ورفع مرتبته وولّاه كورة باجة، «فلم يلبث أن انتقض عليه إلى مديدة، وجرت منه خطوبٌ أفسدت الصنيعة» [ص ١٤٥]. والثاني في سنة ٢٣٦: ثار حبيب البرنسي بجبال الجزيرة الخضراء واجتمع له خلقٌ من أهل الفساد، فشنّ الغارة على قرى ريّة وغيرها ونهب وقتل وسبى، فأخرج الأمير الخيل مع عبّاس بن مضا، فأُوقع بهم وقُتل منهم خلقٌ وتفرّقت بقيّتهم، «فانخنس حبيب رئيسهم في غمار الناس، وطُفئت نائرته، وطُلب دهرًا فلم يُظفر به» [ص ١٤٨].

إيقاع الولايات والعزل

كثيرٌ من مادّة هذه السنوات إداريٌّ صرف، يُقيَّد بجملةٍ واحدة لكلّ عزلٍ وولاية، وأكثره في طليطلة والقضاء. عُزل حارث بن بزيع عن طليطلة في شوّال سنة ٢٣٢ ووليها محمد بن السليم [ص ١٤٣]؛ ثم عُزل محمد بن السليم في شعبان سنة ٢٣٣ ووليها أيوب بن السليم، وهو الخبر الوحيد الذي حملته تلك السنة كلّها [ص ١٤٤]؛ ثم عُزل أيوب في رمضان سنة ٢٣٤ ووليها يوسف بن بسيل [ص ١٤٥]. وفي القضاء: عُزل معاذ بن عثمان سنة ٢٣٤ ووُلّي مكانه محمد بن زياد [ص ١٤٥]، وعُزل محمد بن زياد في ربيع الآخر سنة ٢٣٧ ووُلّي سعيد بن سليمان بن حبيب الغافقي «مجموعًا له إلى الصلاة»، «فكان آخر قضاة الأمير عبد الرحمن» [ص ١٥٧]. ويجدر التنبيه إلى أنّ هذا الأخير يعارض ما ينقله ابن حيّان بعد ذلك عن ابن عبد البرّ: «لم يزل محمد بن زياد على القضاء والصلاة معًا بقرطبة إلى أن هلك الأمير عبد الرحمن بن الحكم» [ص ٢١٠]. والتناقض قائمٌ في النصّ كما هو، ولم يفصل فيه المؤلّف.

وفي الأسرة الحاكمة نقلٌ مماثل: في سنة ٢٣٦ أدال الأمير ابنه الحكم عن ولاية كورة إلبيرة بأخيه عبد الله، وولّى الحكم كورة تدمير ومعه «سعد أخو خزر لا يفارقه»، ثم عزل عبد الله عن إلبيرة في السنة نفسها فأعاد إليها الحكم؛ وفي السنة نفسها صُرف عاملٌ عن كورة ريّة وصُرف معه خزر المولى الملازم له [ص ١٤٨]. أمّا أثمن خبرٍ إداريّ في القطعة فكتاب عبيد الله بن يحيى من الثغر الأعلى سنة ٢٣٦: يذكر استغناءه عن العدّة التي أُمر باحتباسها من الحرس، واكتفاءه بمائة وثلاثين غلامًا من مواليه وغلمانه «يرضى بسالتهم، ويحمد مذاهبهم»، لما أصبح الثغر عليه من السكون؛ فأجرى القطائع على تلك العدّة وحدها، وصُرف جميع ما يُقبض بالثغر من الجزاء والعشور وسائر الوظائف — بعد إقامة النفقات الراتبة — إلى فكاك الأسرى ومرمّة الحصون ومصالح الثغور، وسُوّغ له مائتا دينار في الشهر لعمالته وألف دينار في العام من جباية عمله. ويعقّب ابن حيّان بحكمٍ صريح: «فكان عمل الأمير عبد الرحمن ذلك بالثغر وأهله من جلائل مناقبه» [ص ١٤٧].

مهلك نصر الخصيّ

أطول خبرٍ في حوليّات هذه القطعة هو مقتل نصر الخصيّ سنة ٢٣٦، ويشغل وحده نحو ثماني صفحات [ص ١٤٩–١٥٦]. يصفه ابن حيّان بأنّه «خليفة الأمير عبد الرحمن بن الحكم، المقدّم على جميع خاصّته، المدبّر لأمر داره، المشارك لأكابر وزرائه في تصريف ملكه»، وأنّ هلاكه كان «شبيه الفجأة في عقب شعبان»، وأنّه بلغ من الأثرة «فوق ما ناله خادمٌ خاصّ مع أميرٍ رشيد سُمع عنه»، ثم يختم: «فقضى ذميمًا مستراحًا منه»، و«فسُرّ الناس بحتفه، وأطبقوا على ذمّه» [ص ١٤٩، ١٥١].

والطريقة هنا أوضح ما تكون: يقول ابن حيّان «وكثر القول في السبب الذي أراده»، ثم يسوق روايتين متتاليتين لخبرٍ واحد. الأولى «ما ذكره أبو بكر بن القوطية»: أنّ نصرًا غلب على قلب مولاه بانقطاعه إلى حظيّته طروب أمّ عبد الله، وممالأتها على تقديم ولدها للأمر بعد أبيه على محمد بكر ولده المرشَّح، ثم سوّلت له نفسه اغتيال مولاه، فوثق بالحرّاني الطبيب وبذل له ألف دينار على أن يعمل له «سؤر الملوك الذي يدني الأجل، ويقلب الدول»؛ فدسّ الطبيب إلى فجر — ضرّة طروب — من حذّر الأمير، فتعلّل الأمير على نصر يوم الميعاد وأكرهه على شرب الدواء بين يديه، فخرج يركض «وركضه يزيده شرًّا»، وأمره الحرّاني بلبن المعز فعُوجل قبل أن يُؤتى به [ص ١٤٩–١٥١]. والثانية «حكى الحسن بن محمد بن مفرّج في كتابه قصّة مهلك نصر هذا»، وهي الرواية نفسها في مجراها العام، بألفاظٍ أخرى وتفاصيل مختلفة، والنتيجة واحدة [ص ١٥٤–١٥٦]. ثم يضيف شاهدًا ثالثًا في نسبه لا في الحادثة: «وذكر الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن حزم أنّ نصرًا هذا الذي إليه تُنسب منية نصر» كان من الفتيان الذين خصاهم الأمير الحكم من أبناء الأحرار، وأنّ أباه المعروف بأبي الشمول من أسالمة أهل الذمّة من أهل قرمونة، ومات قبل ابنه بأيام؛ ويختم ابن حيّان: «وأخبار نصر كثيرة» [ص ١٥٦].

وبين الروايتين يُثبت ابن حيّان أربع قطعٍ شعريّة ليحيى الغزال، سمّاه «عدوّه الموتور من لدنه»: مرثيةٌ ساخرةٌ في موته، وأبياتٌ زعم أنّه أنذر بها بهلاكه «من طريق النجم» قبل وقوعه بمدّة، وأبياتٌ في مسكنه بمنيته إلى جانب مقابر الربض والنهر، وأبياتٌ قالها حين ذكر الناس إنزال السلطان زريابًا مغنّيه في منية نصر بعد موته [ص ١٥١–١٥٤]. فالشعر عنده ليس زينةً بل شاهدُ حالٍ على ما كان الناس يقولونه.

سنة ٢٣٨: موت الأمير ومشاهد آخر أيامه

تُفتَتح سنة ٢٣٨ بخبر الوفاة مباشرة: توفّي الأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ليلة الخميس لثلاثٍ خلون من ربيع الآخر، فدُفن يوم الخميس في تربة الخلفاء بقصر قرطبة، وأدلاه في قبره أخواه المغيرة وأميّة، وصلّى عليه ابنه محمد. ومولده بطليطلة في شعبان سنة ١٧٦، وأبوه الحكم يومئذٍ واليها لوالده هشام، فكانت سنّه اثنتين وستّين سنة، وخلافته إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر وستّة أيّام [ص ١٥٨]. ثم يفعل ابن حيّان ما يفعله دائمًا في التاريخ المضبوط: ينقل الخلاف. «وقال الحسن بن محمد بن مفرّج: قال ابن عبد البرّ: توفّي… ليلة الخميس لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأوّل»، ثم يعدّد أربعة أقوالٍ في مدّة الخلافة [ص ١٥٨].

ثم ثلاث شهاداتٍ متتابعة عن آخر أيّامه. الأولى للفقيه محمد بن وضّاح: احتجب الأمير عن الناس قبل موته «مدّة من ثلاثة أعوام أو نحوها» لعلّةٍ طالت واشتدّت، «فحمته الحركة، وهدّت قوّته، وأحدثت عليه رقّةً في نفسه، ووحشةً في خاطره» [ص ١٥٨–١٥٩]. وعلى إثرها المشهد الذي يبلغ فيه سرد ابن حيّان أعلاه: طلب الأمير من خدمه أن يعاين «ضوء الدنيا وفسحة الأرض»، فأخذوا سرير خيزران من أسرّة الخلافة وجرّبوا حمله في تعاريج الدرجة مرارًا حتى أمنوا عليه المشقّة، ثم صعدوا به إلى العلّية فأشرف على صحراء الربض والنهر أمامه «والسفن تجري فيه صاعدةً ونازلة»؛ ثم رأى قطيع شاءٍ لا راعي معه، فقيل له إنّ راعيها قاعدٌ في فيء جنان طروب، فتنفّس الصعداء وبكى حتى أخضلّ لحيته وقال: «وددت والله أن أكون مكان ذلك الراعي ولا أنشب فيما نشبت من الدنيا ولا أتقلّد من أمور الناس ما تقلّدت» [ص ١٥٩–١٦٠]. والثالثة عن أحمد بن الأمير محمد بن عبد الرحمن — أي عن حفيد الميت — في يومه الأخير: تحرّكت له قوّةٌ خال بها أنّه مبلٌّ من ضناه، فدخل الحمّام وأجدّ خضابه، ودعا حاجبه عيسى بن شهيد فسأله: «كيف ترى خضابنا يا عيسى؟»، وأمره بتهيئة نزهةٍ يركب فيها مع كرائمه صبيحة الغد، وطلب رداءً يوسفيًّا من الوشي «لم تر العيون آنق منه» ليُقطع له ثوبًا وقلنسوةً لحاجبه، فاعتذر عريف الخيّاطين بضيق الوقت ودقّة الصنعة؛ ووُضع الرداء على كرسيّ في المجلس، فما صلّى الأمير المغرب حتى ثارت علّته وقاء دمًا مرارًا «حتى لفظ نفسه». وقعد الأمير محمد من ليلته مكانه، فنظر إلى الثوب على الكرسيّ فعرف شأنه، فقال: «ليصر كفن الأمير»، «وأصبح حديثه موعظةً لمن سمع به» [ص ١٦١–١٦٣].

وعن أحمد بن محمد الرازي صفته: «كان أشمّ أقنى أعين أسود العينين، طوال فخم، مسبل، عظيم اللحية، يخضب بالحنّاء»، ونقش خاتمه «عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ»، «وهو أوّل من استنقشه» [ص ١٦٣]. وذكوره في عدد الرازي أربعون، أوّلهم الأمير محمد الوالي بعده، وإناثه ثلاثٌ وأربعون، زاد فيهنّ معاوية بن هشام الشبينسي «نسّابة أهل البيت» بنتين [ص ١٦٣–١٦٤].

ديوان الدولة: الحجابة والوزارة والكتابة والقيادة

بعد الوفاة ينقلب النصّ من الحوليّة إلى الفصول المرتّبة على الخطط. في الحجابة يقول الرازي إنّ الأمير ألفى على حجابة أبيه عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث فأقرّه، ثم سفيان بن عبد ربّه، ثم عيسى بن شهيد، ثم عبد الرحمن بن رستم، ثم أُعيد عيسى إلى أن هلك الأمير [ص ١٦٥]. وسفيان «تولّى خدمة الخزانة الكبرى أيام الأمير الحكم، وهو أوّل من استخزن بالأندلس، وحمل هذا الاسم» [ص ١٦٥]. أمّا عيسى بن شهيد مولى معاوية بن مروان بن الحكم فتدرّج من خطّة الخيل إلى الوزارة والنظر في المظالم ثم الحجابة، «وقد قاد بالصوائف فأُحمدت سياسته» [ص ١٦٦]. وفيه يُروى الخبر الذي يكشف حدود سلطان الأمير في مرضه: كان نصرٌ شاحنًا لعيسى، فأخرج الأمر عن مولاه في علّته الطويلة بصرف عيسى وتقليد ابن رستم مكانه؛ فلمّا استقلّ الأمير وسأل عيسى عن أمرٍ قال له: «يا مولاي، لست بحاجب، وهذا هو الحاجب»، فعرف الأمير من حيث أُتي، وسأل نصرًا فادّعى وصيّةً خرجت إليه، «فكذّبه الأمير، وعلم أنّها من تحامله وجسراته، فسبّه وأغلظ له، وهمّ به، ثم عفا عنه»، وأعاد عيسى [ص ١٦٦–١٦٧]. ثم يُتبع ذلك برواية ابن القوطية المخالفة في الترتيب [ص ١٦٧–١٦٨].

ويسمّي الرازي سبعة عشر وزيرًا بأسمائهم، ويقيّد أرزاق بعضهم: محمد بن السليم «كانت له مع الوزارة خططٌ يرتزق عليها في كلّ شهر ثلاثمائة دينار» [ص ١٦٨]. وينقل عن ابن القوطية خبرًا مؤسّسًا: «والأمير عبد الرحمن أوّل من ألزم هؤلاء الوزراء الاختلاف إلى القصر كلّ يوم، والتكلّم معهم في الرأي، والمشورة لهم في النوازل، وأفردهم ببيتٍ رفيعٍ داخل قصره مخصوصٍ بهم»، «جرى على ذلك من تلاهم إلى اليوم» [ص ١٦٨]. ويزيد ابن مفرّج أنّه اجتمعت له «عصابةٌ لم يجتمع مثلها عند أحدٍ من الخلفاء قبلهم ولا بعدهم» [ص ١٦٩].

وفي الكتابة يُسمّي عبد الكريم بن مغيث، وعبد الله بن محمد بن أميّة بن يزيد بن أبي حوثرة «بيت الكتابة لبني مروان بالأندلس»، ومحمد بن سعيد الزجالي، ومحمد بن موسى بن محمد، وكليب الكاتب «من غير أن يرتسم بالخطّة» [ص ١٧٠]. ولخبر الزجالي فصلٌ مستقلّ يجمع فيه ابن حيّان بين ابن القوطية وابن الفرضي: هو محمد بن سعيد بن أبي سليمان واسمه وارشكين، من بني يطفت من نفزة، الملقّب بالأصمعي «لذكائه وقوّة حفظه»، لا سابقة لبيته في الدولة؛ وسبب اصطناعه — «زعموا» — أنّ دابّة الأمير عثرت به في بعض أسفاره فجرى على لسانه عجزُ بيت، فطُلب صدره فلم يعرفه أحدٌ في العسكر غير الزجالي، فأنشده، فقال له: «الزم السرادق» [ص ١٧١–١٧٣]. ثم استعفى من كتابة الوزراء ترفّعًا، فأفرده الأمير بكتابته واتّخذ للوزراء كاتبًا مفردًا، «فجرى الأمر على ذلك من بعد الأمير عبد الرحمن إلى آخر الدولة»، وتوفّي سنة ٢٣٢ [ص ١٧٣–١٧٤]. وفي القيادة يسمّي عبد الكريم بن مغيث «وقاد لثلاثةٍ من الخلفاء: هشام والحكم وعبد الرحمن»، وعبد الرحمن بن رستم، وعبد الواحد الإسكندراني، وعبّاس بن الوليد الطلبي «وكان كثير التردّد بالصوائف»؛ وعلى الشرطة محمد بن كليب بن ثعلبة ثم سعيد بن عيّاض القيسي، وعلى الشرطة والردّ حارث بن أبي سعد [ص ١٧٦–١٧٧].

القضاء وسلطان يحيى بن يحيى

أضخم فصول هذا القسم فصل القضاة، وهو وحده يمتدّ من ص ١٧٧ إلى ص ٢١٠، وعنوانه نفسه يعلن منهجه: «على اختلاف الرواة في عددهم وترتيب دولهم». يقول الرازي: «كان له أحد عشر قاضيًا» ويسوق أسماءهم؛ وينقل عن ابن مفرّج عن ابن عبد البرّ ترتيبًا آخر بالسنين ينتهي إلى عشرة؛ ويقول: «وقد خالف أبو بكر ابن القوطية ابنَ عبد البرّ في عدد هؤلاء القضاة وترتيب دولهم» ثم يسوق قائمته [ص ١٧٧–١٧٩]. وفي خلافهم في نسب أوّلهم مسرور بن محمد يعلّق ابن حيّان بحكمٍ من عنده: «وذا من اختلافهم قبيح» [ص ١٧٧].

والعلّة التي يفسّر بها كثرةَ القضاة واحدة، مكرّرة في أكثر من موضع: اتّباع الأمير رأيَ يحيى بن يحيى الليثي. «وإنّما كان سبب استكثار عبد الرحمن بن الحكم من القضاة وكثرة توليته وعزله لهم إتباعه فيهم رضا كبير الفقهاء المشاورين الأثير عنده يحيى بن يحيى، إذ كان لا يزال يشير عليه بقاضٍ فيوليه الأمير مقتصرًا فيه على رأيه، فإذا أنكر عليه يحيى شيئًا رفع عليه إلى الأمير، فلا يؤخّر عزله» [ص ١٧٨]. ويشتدّ الوصف في موضعٍ آخر: صار الأمير «يلتزم من إعظامه وتكريمه وتنفيذ أموره ما يلتزمه الولد لأبيه، فلا يستقضي قاضيًا ولا يعقد عقدًا ولا يمضي في الديانة أمرًا إلّا عن رأيه وبعد مشورته»، ويحيى في مقابل ذلك لا يألو في «إحماد سيرته… وتحضيضهم على طاعته» [ص ١٨٠]. غير أنّ النصّ يحفظ الوجه الآخر أيضًا: كان الأمير «قد ضاق بيحيى بن يحيى والفقهاء الضالعين معه… فكان يكره تألّبهم ويقلق منهم ويسمّيهم سلسلة السوء»، وحذّر منهم القاضي يخامر بن عثمان، فأفشى يخامر السرّ يوم عزله على رؤوس الناس، فقال الأمير: «قبّحه الله! ذكر أسرارنا على رؤوس الناس» [ص ٢٠٢].

وأخبار القضاة نفسها مستخرجةٌ — كما يصرّح العنوان — «من كتاب الاحتفال» [ص ١٨٦]، وأكثر النقل فيها عن محمد بن حارث الخشني وعن ابن عبد البرّ متقابلين. منها زهد مسرور بن محمد يحمل خبزته إلى الفرن بنفسه [ص ١٨٦]؛ وسعيد بن سليمان الغافقي البلوطي، تُروى عنه عن محمد بن وضّاح الموازنة المشهورة: «ولي القضاء أربعةٌ ما ولي القضاء في مملكة الإسلام مثلهم… دحيم بن الوليد بالشام، والحارث بن مسكين بمصر، وسحنون بن سعيد بالقيروان، وسعيد بن سليمان بقرطبة» [ص ١٨٨]. ومنها يحيى بن معمر الألهاني الإشبيلي، كان يكاتب أصبغ بن الفرج وغيره بمصر إذا أشكل عليه أمرٌ واختلف عليه فقهاء قرطبة، «فكان فقهاء قرطبة يحقدون ذلك عليه» وأشدّهم عليه يحيى بن يحيى حتى عُزل، ووصيّته عند موته أن يُقال ليحيى بن يحيى: ﴿وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون﴾، فبكى يحيى وقال: «ما أظنّنا إلّا خُدعنا في الرجل» [ص ١٩٠–١٩٢]. ومنها إبراهيم بن العبّاس المرواني، عُزل لأنّ امرأةً خاطبته بمجلس نظره: «يا ابن الخلائف!» فلم يغيّر عليها، فرُفع ذلك إلى الأمير، «وقيل إنّ تلك المرأة دُسّت لتقول ذلك القول» [ص ١٧٩، ١٩٦–١٩٧]. ومنها يخامر بن عثمان، «لم يك أهلًا له، ولا راجح الوزن»، انبرى له يحيى بن الحكم الغزال «منتهك الأعراض» بأربع مقطوعات هجاء يوردها ابن حيّان بتمامها [ص ٢٠٠–٢٠١].

كيف يروي ابن حيّان

طريقة ابن حيّان في هذه القطعة بيّنةٌ في بنيتها قبل أن تكون بيّنةً في ألفاظه. الحوليّات المحضة — ٢٣٢ إلى ٢٣٧ — تكاد تخلو من الإسناد: أخبارٌ مرسلةٌ بصيغة «وفيها»، مضبوطةٌ بالشهر أحيانًا، بلا ذكر ناقل. ومتى بلغ خبرٌ حدًّا من الخطورة أو من الخلاف انقلب النصّ إلى النقل المسمّى: مقتل نصر الخصيّ روايتان متتابعتان لابن القوطية ولابن مفرّج ثم زيادةٌ لابن حزم، ووفاة الأمير تاريخان متعارضان وأربعة أقوالٍ في مدّة الخلافة، وقضاته ثلاث قوائمَ متخالفةٍ في العدد والترتيب.

وأكثر من يُنقل عنه في هذا القسم أربعة: أحمد بن محمد الرازي — وعنه أصول الفصول الديوانية كلّها: الصفة، وعدد الولد، والحجّاب، والوزراء، والشرطة، والقوّاد، والقضاة [ص ١٦٣، ١٦٥، ١٦٨، ١٧٦، ١٧٧]؛ وأبو بكر بن القوطية — وعنه أخبار الدار والخطط ومقتل نصر والزجالي [ص ١٤٩، ١٦٧، ١٦٨، ١٧١]؛ والحسن بن محمد بن مفرّج «في كتابه» — وهو الواسطة التي ينقل بها ابن حيّان كثيرًا من كلام ابن عبد البرّ [ص ١٥٤، ١٥٨، ١٦٥، ١٦٩، ١٧٧]؛ وابن عبد البرّ «في تاريخه» — وهو أكثرهم حضورًا في فصل القضاة وحده [ص ١٧٧، ١٨٢، ١٨٧، ١٩١، ١٩٧، ٢٠٣، ٢١٠]. ودونهم محمد بن حارث الخشني صاحب «كتاب الاحتفال»، وابن الفرضي «في كتابه المؤلَّف في طبقات أهل الدولة والأدب بالأندلس» [ص ١٧٢]، ومعاوية بن هشام الشبينسي، ومحمد بن وضّاح، وابن حزم، وأحمد بن الأمير محمد بن عبد الرحمن، وأصبغ بن خليل، وعبادة الشاعر «بخطّه».

وصيغ النقل عنده متمايزة: «قال الرازي» و«قال ابن عبد البرّ» للكتب المتداولة؛ و«حدّثني» للسماع، كقول محمد بن حارث: «حدّثني من وثقت به من أهل العلم» [ص ١٨٦]؛ و«قرأت في كتاب» و«قرأت بخطّ» حين يعاين النسخة بنفسه [ص ١٧٢، ١٨٥]؛ و«زعموا» حين يتبرّأ من العهدة [ص ١٧٢، ١٩٣، ٢٠٤]. وهو يقحم صوته الخاصّ نادرًا وبحدّة: يقول «قال حيّان» فيردّ على معاوية بن هشام وصفَه أبا قصيّ يعقوب بن الأمير بالشعر: «ثم لم ينشد له منه ما يصدّق وصفه، بل أنشد ثلاثة أبياتٍ… ليست بطائل»، ثم ينقد البيت الأخير: «اضطرّته القافية إلى أن قرن بين أغزر الأنواء وأنزرها، فأحال جدًّا» [ص ١٦٤].

والمادّة التي يحرص على استبقائها متنوّعة عمدًا: الغزو والصوائف والأساطيل، والعزل والولاية بتاريخ الشهر، والقحط والسيل والجراد، وثورات الأرياف، وأرزاق الوزراء وأرقام الجباية، ومشاهد القصر الخاصّة إلى حدّ حوارٍ بين أميرٍ محتضرٍ وحاجبه عن خضابه، وشعر الهجاء والرثاء بتمامه، ونوادر القضاة وأخلاقهم، وخبر متنبّئ الثغر سنة ٢٣٧: رجلٌ من المعلّمين ادّعى النبوّة وألحد في القرآن ونهى عن قصّ الشارب والأظفار قائلًا «لا تغيير لخلق الله»، فاستشار فيه عبيد الله بن يحيى أهل العلم فأشاروا باستتابته ثلاثة أيام، فلم يتب فقُتل صلبًا وهو يقول: «أتقتلون رجلًا أن يقول ربّي الله؟»، وكتب عبيد الله إلى الأمير بأمره «فأحمد فعله» [ص ١٥٧].

وأمّا حال النصّ فيجب التنبيه عليه: في القطعة مواضع نقصٍ ظاهرة لم يمكن قراءتها، منها آخر ص ١٤٦ حيث ينقطع خبر السيل بنقاطٍ متتابعة، وص ١٧٠ و١٧١ و١٧٣ في خبر الكتابة والزجالي، وص ١٨٠ حيث ينقطع كتاب الأمير بالاستنفار بسطرٍ مبتور، وص ١٨٣–١٨٤ في خبر مصلّى المصارة، وص ١٩١ و١٩٦ و٢٠٦ في مواضعَ من فصل القضاة. كما يقع اضطرابٌ في ضبط بعض الأعلام يظهر بالمقارنة الداخلية: «عبّاس بن الوليد الطبلي» [ص ١٤٦] و«الطلبي» [ص ١٥٧، ١٧٧]، و«الشبينسي» [ص ١٦٣] و«الشبانسي» [ص ١٨٣]. وقد تقدّم موضع التعارض الصريح في آخر قضاة الأمير بين ص ١٥٧ وص ٢١٠.