Ibn Ḥayyān al-Qurṭubī · al-Muqtabas · A Reader's Companion

بابُ الوفيات

القسم الثاني

أبو مروان ابن حيّان القرطبي (٣٧٧–٤٦٩ هـ) · القطعة المطبوعة، الصفحات ١٤٣–٢٣٢

«الوفاة لأولى النباهة في دولة الأمير عبد الرحمن بن الحكم»: نحو ستّين رجلاً من الفقهاء والمحدِّثين والشعراء والقوّاد، بأنسابهم ورحلاتهم ومصنَّفاتهم — وما فيها من اختلافٍ في التواريخ.

ابدأ

موضع هذا الباب من القطعة وطبيعته

القسم الثاني والأخير من القطعة الباقية من «المقتبس» يحمل عنوان «الوفاة لأولى النباهة في دولة الأمير عبد الرحمن بن الحكم»، ويشغل اثنتين وعشرين صفحة من المطبوع، من [ص ٢١١] إلى [ص ٢٣٢]، وعندها تنقطع القطعة. وأرقام الصفحات المذكورة في هذه الخلاصة كلها أرقام المطبوع دون سواها. وقد جاءت حقول الحواشي في هذا النطاق كله فارغة، فليس في القسم تعليق للمحقِّق يمكن النقل عنه، وكل ما يلي منقول من المتن، من كلام ابن حيّان أو من كلام من ينقل عنهم بأسمائهم. والباب في أصله سجلّ وفيات مرتَّب على السنين، من سنة سبع ومائتين إلى سنة ثمان وثلاثين ومائتين، غير أنه ليس سجلًّا خالصًا: يقف عند موت الأمير نفسه [ص ٢٢١]، ثم يُلحق به أربعة فصول ليست من الوفيات في شيء — «ذكر خصال من مناقب الأمير عبد الرحمن بن الحكم لم تمر في عرض أخباره» [ص ٢٢٢]، و«ذكر المجاعة» [ص ٢٢٥]، و«الداخلون إلى الأمير عبد الرحمن من قومه» [ص ٢٢٩]، و«ما قيل في رثاء الأمير عبد الرحمن بن الحكم» [ص ٢٣٠] — ثم يعود في آخر صفحتين إلى الوفيات تحت عنوان «ومما يستلحق في باب الوفاة» [ص ٢٣١]، فيفرد ثلاث تراجم لرجال سبق ذكرهم في أماكنهم من السنين. وعدد من تُذكر وفاتهم بأسمائهم في الباب نحو ستين رجلًا، عدا الجماعات التي تُذكر بلا تسمية.

شكل الترجمة: السطر الواحد هو القاعدة

الصورة الغالبة على الباب ليست ترجمةً بل قيدًا: اسم تحت رأس سنة، وربما نسبة أو لقب أو خطّة أو بلد. من ذلك «وغربيب بن عبد الله الثقفي بطليطلة» [ص ٢١١]، و«فرج بن مسرة بن سالم» [ص ٢١٣]، و«يحيى بن موسى» [ص ٢١٦]، و«عبد الله بن محمد بن جابر» [ص ٢١٩]. وأكثر من ثلثي المذكورين لا ينالون أكثر من هذا. والزيادة على السطر — حين تقع — تأتي على أحد وجهين: إمّا إشارة موجزة إلى الخطّة وظرف الموت، كقوله في الحاجب عبد الرحمن بن غانم إنه توفي «في الحبس»، وفي مالك بن القتيل إنه مات «في المطبق»، وفي فتح بن الفرج الأزدي الرشاش إنه مات «بالمشرق» [ص ٢١٢]؛ وإمّا نصّ منقول بتمامه عن مصنِّف آخر، وهو الوجه الذي يصنع تراجم الباب.

الترجمة المبسوطة: قالبٌ مستعار من كتاب ابن الفرضي

كلما اتسعت الترجمة في هذا الباب فالغالب أن ابن حيّان يستدعي نصًّا من «كتاب القاضي ابن الفرضي». وقالب هذه النصوص واحد لا يكاد يتخلف: نسب مسرود إلى ستة أو ثمانية آباء، ثم اللقب أو ما عُرف به، ثم الكنية، ثم البلد ووصفٌ بالنباهة أو الحسب، ثم الرحلة وشيوخها بالتسمية، ثم تصنيف علمه — أفي الحديث كان أم في المسائل — ثم الخطّة إن وليَ، ثم خلقُه وسيرته، ثم سنة الوفاة مع ما فيها من خلاف. ترجمة قاسم بن هلال بن فرقد بن عمران القيسي نموذج مكتمل لهذا القالب: كنيته أبو محمد، قرطبي، تفقّه على زياد بن عبد الرحمن، «ورحل، فسمع من ابن القاسم وابن وهب وغير واحد من المصريين والمدنيين من أصحاب مالك، وكان عالمًا بالمسائل، ولم يكن له علم بالحديث، وكان رجلًا معقلًا وقورًا، حدث عنه بنوه وغيرهم» [ص ٢٢١].

وما يلفت في هذا القالب هو ما لا يذكره. لا تذكر التراجم مؤلَّفات أصحابها ألبتة، على كثرة الفقهاء فيها؛ والاستثناء الوحيد إشارة عابرة إلى عبد الله الأحدب النحوي المعلم «وكان له وضع في النحو» [ص ٢١٢]. وأقرب ما يجيء من ذكر الكتب خبرُ كتب هارون بن سالم، «وكانت كتبه موقفة عند أحمد بن خالد» [ص ٢٢١]، وهو خبر مكتبةٍ لا خبر تأليف. وكذلك لا تُذكر كيفية الموت ولا مرضه إلا نادرًا، ولا يُنشَد في تراجم الباب شعرٌ ألبتة — والشعر الوحيد في القسم مرثيتان في الأمير نفسه، لا في أحد من رجاله [ص ٢٣٠–٢٣١].

الفقهاء وأصحاب الرحلة إلى المشرق

هذه أوسع طبقات الباب وأكثرها نصيبًا من التفصيل. والرحلة إلى المشرق هي العلامة الفارقة التي تنتقل بالرجل من سطر إلى ترجمة. من هؤلاء حسين بن عاصم الثقفي، «وكانت لحسين رحلة سمع فيها من ابن القاسم وابن وهب وأشهب ومطرف وابن نافع ونظرائهم» [ص ٢١٢]؛ وقرعوس بن العباس الثقفي، «رحل فسمع من مالك بن أنس وسفيان الثوري وابن جريج... فلم يتحقق بالحديث، وتحقق بالمسائل على مذهب مالك وأصحابه» [ص ٢١٤]؛ ومحمد بن عيسى المعافري المعروف بالأعشى، ورحلته مؤرَّخة سنة تسع وسبعين ومائة، سمع فيها «من سفيان، ووكيع، ويحيى القطان، وغيرهم من المدنيين والعراقيين»، وهو ممن «جمع الفقه إلى رواية الحديث» [ص ٢١٥]؛ وسعيد بن حسان مولى الأمير الحكم، رحل سنة سبع وسبعين ومائة وانصرف سنة أربع ومائتين، فحُدَّت رحلته بطرفيها معًا، وهو تحديد لا يتكرر في الباب [ص ٢٢٠].

وفي هذه الطبقة يظهر تصنيفٌ ثابت يفرِّق بين علم الحديث وعلم المسائل، ويوزَن به الرجال: الأشج «كان الغالب عليه الفقه، ولم يكن له علم بالحديث» [ص ٢١٦]، وقاسم بن هلال كذلك [ص ٢٢١]، بينما الأعشى «كان الغالب عليه الحديث والأثر» [ص ٢١٥]. ويظهر فيها كذلك تحوُّل المذهب: زونان الفقيه — واسمه عبد الملك بن الحسن، ونسبه في النصّ ينتهي إلى أبي رافع مولى رسول الله ﷺ — «كان يذهب أولًا إلى مذهب الأوزاعي... ثم تحوّل إلى مذهب مالك» [ص ٢١٧].

وفي رأس هذه الطبقة رجلان. الأول عيسى بن دينار الغافقي، أصله من طليطلة وسكن قرطبة، «وكانت له فيها رياسة بعد انصرافه من المشرق، وكان ابن القاسم يعظمه ويجله ويصفه بالفقه والورع، وكان لا يعد في الأندلس أفقة منه في نظرائه» [ص ٢١٣]. والثاني يحيى بن يحيى الليثي، «عميد الفقهاء شيخ قرطبة»، مات لثمان بقين من رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين وله اثنتان وثمانون سنة، وأصله «من برابر مصمودة، يتولى بني ليث»، سمع الموطأ أولًا بقرطبة من زياد بن عبد الرحمن ثم من مالك نفسه إلا أبوابًا من الاعتكاف شكّ في سماعها فأثبت روايته فيها عن زياد، ورحل إلى مالك وهو ابن ثمان وعشرين سنة [ص ٢١٨]. والترجمة تمضي إلى ما هو أدقّ من ذلك: أن فتيا الأندلس عادت بعد عيسى بن دينار إلى رأيه، وأنه كان يفتي برأي مالك صرفًا لا يعدوه إلا في ثلاث — ترك القنوت في الصبح لرأي الليث، وترك الأخذ باليمين مع الشاهد وإيجاب شهيدين أخذًا بقول الليث، وترك بعثة الحكمين عند تشاجر الزوجين — «فكان ذلك مما ينكر عليه» [ص ٢١٨]. وينقل ابن حيّان عن محمد بن عمر بن لبابة قسمته: «فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها عبد الملك بن حبيب، وعاقلها يحيى بن يحيى» [ص ٢١٩]. ويعود إلى الرجلين في المستلحك آخر القسم، فينقل عن محمد بن حارث أن عيسى «سمع من ابن القاسم كبيرهم، واقتصر عليه»، وأنه «كان من أهل الزهد اليابس، والدين الكامل»، وأن ابن وضاح كان يقول: «هو الذي علم أهل الأندلس الفقه» [ص ٢٣١]؛ ويثبت ليحيى بن يحيى رحلتين لا رحلة واحدة، «واقتصر في الثانية على عبد الرحمن بن القاسم، وبه تفقه، وإليه انتهت الرياسة في العلم بالأندلس» [ص ٢٣٢].

القضاة وأهل الأحكام

القضاة في الباب أقلّ عددًا وأشحّ ترجمةً من الفقهاء. يُذكر عبد الخالق بن عبد الجبار الباهلي قاضي طليطلة [ص ٢١٤]، ثم الوليد بن عبد الخالق بن عبد الجبار بن قيس الباهلي قاضي طليطلة بعده [ص ٢١٦]، فالخطّة تتوارث في البيت الواحد والنصّ لا يعلّق على ذلك. ويُذكر يحيى بن معمر الألهاني «الذي كان قاضي الجماعة» [ص ٢١٦] بسطر واحد. وأوسع قيود هذه الطبقة قيدُ سعيد بن القاضي محمد بن بشير المعافري، ويُنقل فيه عن ابن الفرضي أن أصولهم من مدينة باجة، وأن سعيدًا «كان رجلًا صالحًا عاقلًا، سمع من يحيى بن يحيى وغيره، واستقضاه الأمير عبد الرحمن بعد والده» [ص ٢١٣].

الوزراء والحُجّاب والكُتّاب

طبقة الخدمة السلطانية حاضرة بكثرة، لكن بغير علمٍ يُذكر ولا رحلةٍ تُؤرَّخ. يُقيَّد الحاجب القائد الكاتب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث وسفيان بن عبد ربه الحاجب [ص ٢١٢–٢١٣]، ومحمد بن موسى الغافقي «مولى لهم، وقد ولي الوزارة والكتابة» [ص ٢١٣]، وجهور بن يوسف بن بخت الفارسي الوزير [ص ٢١٤]، ومحمد بن سعيد بن رستم الوزير الحاجب في صفر سنة خمس وثلاثين وأخوه القاسم قبله [ص ٢١٩]، والوزير عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني «وقد نيف على الثمانين سنة» [ص ٢٢٠]. ومنهم من يجمع الخطط الثلاث: أبو عبد الله بن محمد بن سعيد الزجالي المعروف بالأصمعي، «صنيعة الأمير عبد الرحمن، وهو حامل بعد الوزارة والكتابة والقيادة» [ص ٢١٦]. والكتّاب فيهم من يُنسب إلى صنعته لا إلى علمه: حجاج المغيلي «الكاتب كاتب الترسيل، وهو من موالي يزيد بن طلحة العبسي» [ص ٢١٢].

الموالي والصنائع وأهل الخدمة

نسبة الولاء تتكرر في الباب حتى تصير من عناصر التعريف الثابتة. حارث بن أبي سعد «مولى الأمير عبد الرحمن بن معاوية»، رحل فسمع من ابن القاسم وابن كنانة وغيرهما، «وهو جد بني حارث الذين كانت فيهم الخطط. وولي الشرطة الصغرى ولم يزل عليها إلى أن توفي» [ص ٢١٥]، ويضيف المستلحك أنه «أول من وليها» وأن الأمير الحكم بن هشام هو الذي ولّاه فأقرّه عبد الرحمن [ص ٢٣١]. ومحمد بن خالد بن مرتنيل المعروف بالأشج «مولى الأمير عبد الرحمن بن معاوية»، صاحب الصلاة بقرطبة، «وكان على الصلاة والشرطة معًا، وتوفي وهو ابن اثنتين وسبعين سنة» [ص ٢١٦]. وسعيد بن حسان «مولى الأمير الحكم بن هشام»، وكان مشاوَرًا مع يحيى بن يحيى وعبد الملك بن حبيب وقاسم بن هلال، «وكان منقطعًا إلى مؤاخاة يحيى، آخذًا بهديه، معظمًا له، راكبًا سننه، لا يخالفه في شيء يراه» [ص ٢٢٠].

وفي هذه الطبقة أعلى موضعين في الدولة وأشهر اسمين في الباب، وكلاهما يُقيَّد بأقصر عبارة. الأول: «ونصر الفتى الخصي خليفة الأمير عبد الرحمن الغالب على دولته، في شعبان منها» [ص ٢٢٠]، فوصفٌ بالغلبة على الدولة يمرّ في نصف سطر بلا خبر واحد يسنده. والثاني: «علي بن نافع الملقب بزرياب، مولى المهدي العباسي، في ربيع الأول من سنة ثمان وثلاثين ومائتين، هلك قبل وفاة الأمير عبد الرحمن بأربعين يومًا» [ص ٢٢١] — لا ذكر لغناء ولا لقدوم ولا لصنعة. وليس في القسم كله عن زرياب سوى ذلك وذكرٍ عارض في سياق مناقب الأمير، حيث يجيء وصفه بأنه «زرياب المغني، تالي وحي الشيطان، وثالث أثافي السلوان» [ص ٢٢٢–٢٢٣]. ومن أهل العبادة في هذه الطبقة هارون بن سالم أبو عمر، سمع من عيسى بن دينار ويحيى بن يحيى ورحل فلقي أشهب وأصبغ بن الفرج وعلي بن معبد وسحنون، «وكان منقطع القرين في الفضل والزهد والعلم، وكان يقال فيه إنه مجاب الدعوة... إلا أن العبادة كانت أغلب عليه»، ومات «حدثًا في الأربعين من عمره» [ص ٢٢١].

بنو أميّة: الأشراف والإخوة والداخلون

يفرد الباب لبني مروان قيودًا يميّزها بلقب «الشريف» أو «الأخ». منهم عبد الله المعروف بالبلنس بن الأمير عبد الرحمن بن معاوية الداخل [ص ٢١١]، والعباس بن عبد الله القرشي المرواني [ص ٢١٤]، والشريف يحيى بن سليمان بن الأمير عبد الرحمن بن معاوية «وكان من الجلساء» [ص ٢١٩]، والشريف أمية الأعشى بن هشام بن الأمير الحكم [ص ٢٢٠]. ومن إخوة الأمير: بكر بن الأمير الحكم بتُدمير «وكان قائدًا بها»، وخبره وحده يحمل تفصيلًا إداريًّا لا نظير له في الباب — ورد بذلك أمية بن سليمان عامل تدمير، «فخرج زيدان الفتى الكبير للنظر في إحصاء تركته والاحتياط عليها» [ص ٢١٩]؛ وسعيد الخير بن الأمير الحكم «في ربيع الآخر» [ص ٢٢٠].

وفصل «الداخلون إلى الأمير عبد الرحمن من قومه» [ص ٢٢٩] هو المقابل الحيّ لهذا كله: لا وفياتٌ بل قدوم. يذكر أبا القاسم بكار بن عبد الواحد بن داود بن سليمان بن عبد الملك بن مروان ومعه ابن أخيه أبا سعيد مسلمة، فأكرمهما الأمير وأنزلهما وأقطعهما «وأجرى لكل واحد من الرزق بالمشاهرة ثلاثين دينارًا»؛ ثم سلمة بن عبد الملك بن عبد الواحد سنة ست وثلاثين ومائتين، «وقد انقرض الآن عقب سلمة هذا»؛ ثم أصبغ بن محمد بن هشام، «فألقى عصاه بالأندلس وأنسل، فعرف ولده ببني السعيدي، وهم بإشبيلية» [ص ٢٢٩]. والصيغتان الأخيرتان — انقراض العقب وبقاؤه إلى زمن الكتابة — تكشفان أن غرض الفصل نسبيّ لا حَوليّ.

ويلحق بهذا خبر الشريف دحون بن الوليد، واسمه حبيب بن الوليد بن حبيب الداخل، وهو أطول ما في القسم من ترجمة شخص واحد وأبعده عن قالب الوفيات: نشأ في كفالة جده حبيب بعد موت أبيه، فكان «فقيهًا فاضلًا عالمًا أديبًا شاعرًا محسنًا»، ورحل إلى المشرق أيام الأمير عبد الرحمن فحجّ وكتب عن أهل الحديث «وقدم إلى الأندلس بعلم كثير»، فتحلّق في المسجد الجامع بقرطبة وهو يلبس الوشي الهشامي، «فتكاثر الناس عليه، فكره ذلك الأمير عبد الرحمن، وأوصى إليه بترك التحلق»، محتجًّا بأنه «جدّ كسر من قريش»، فترك [ص ٢٢٦]. ومعه خبران بإسناد: قصته بدمشق مع عمر بن فرج الرخجي عامل المعتصم حين أمر بإزعاج الغرباء أيام الغلاء، فأبى دحون الخروج وقال «ذاك قدر لأني ابن بجدتها»، فأعفاه الرخجي [ص ٢٢٧]؛ وخبر الجارية عابدة التي وُهبت له بمكة، «وكانت تروى عن مالك بن أنس وغيره من العلماء شيوخها، فتسند عشرة آلاف حديث عن النبي ﷺ»، فقدم بها إلى الأندلس فولدت له بشرًا [ص ٢٢٨].

الموتى في الحبس والمطبق وأهل الهَيْج

طبقة رابعة تتكوّن من ذكر مكان الموت لا من ذكر الخطّة. توفي الحاجب عبد الرحمن بن غانم «في الحبس» ومالك بن القتيل «في المطبق» سنة عشر ومائتين [ص ٢١٢]، ومات عبد الرحمن بن عبد الحميد بن غانم «في الحبس، على اختلاف» سنة ست عشرة [ص ٢١٤]. وسنة عشرين ومائتين: «وهلك إبراهيم بن عقبة، وحرب بن بلدس، وعبد الرحمن بن صبيح وأصحابهم الطليطليون في المطبق بقرطبة» [ص ٢١٥]، والجماعة المضافة إليهم لا تُسمّى. ويرتبط بهذا ذكرٌ للهَيْج مرتين، في موضعين لا يشرح النصّ فيهما ما هو: قرعوس «كان ممن اتهم في أمر الهيج، فوقاه الله» [ص ٢١٤]، ويحيى بن يحيى «ممن اتهم بالإجلاب في الهيج، فهرب إلى طليطلة، ثم استأمن الأمير الحكم، فأمنه، وانصرف إلى قرطبة» [ص ٢١٩]. فهذه الطبقة تُعرَّف بعلاقتها بالسلطان سلبًا، كما تُعرَّف طبقة الوزراء بعلاقتها به إيجابًا.

الشعراء والشعر

الشعراء أندر أهل الباب. لا يُذكر منهم في الوفيات إلا «أبو اليسول الشاعر سعيد بن يعمر بن علي العبدي بسرقسطة» [ص ٢١٩]، بسطر مجرّد لا شعر فيه. والشعر كله مؤجَّل إلى فصل الرثاء [ص ٢٣٠]، ومصدره خطّ أبي بكر عبادة الشاعر: أبيات لطاهر بن حزم الشاعر «من قصيدة يرثي بها الأمير عبد الرحمن ويهنئ الأمير محمدًا ابنه بالخلافة» من الطويل، مطلعها «سقى الله قبرًا بالنخيل غمامة»، ويقطعها ابن حيّان بقوله «وخرج إلى مديح فأطال»؛ ثم أبيات لعبد الله بن بكر «المنبز بالنذل» من المتقارب، فيها «تسور المنايا فما من عزيز / يدافع بالعز تسوارها» [ص ٢٣٠–٢٣١]. وذكر الأمير نفسه في السجلّ لا يزيد على سطر أسوة بغيره: «وفيها مات الأمير عبد الرحمن بن الحكم ليلة الخميس لثلاث بقين من ربيع الآخر منها وقد تقدم ذكر ذلك في مكانه» [ص ٢٢١] — والإحالة إلى موضع سابق من الكتاب لا يشمله المحفوظ من القطعة.

مَن يَنقل عنه ابن حيّان في هذا الباب

النقل في القسم مصرَّح به في الأغلب، ويمكن إحصاؤه. أكثر من يُسمَّى هو «القاضي ابن الفرضي» — ويُكنى في أحد المواضع «أبا الوليد» — ينقل ابن حيّان عن كتابه تسع مرات مصرِّحًا بذلك، بصيغ «وفي كتاب القاضي ابن الفرضي» و«قال ابن الفرضي في كتابه» و«من كتاب ابن الفرضي»: في حسين بن عاصم [ص ٢١٢]، وسعيد بن محمد بن بشير [ص ٢١٣]، وقرعوس [ص ٢١٤]، والأشج [ص ٢١٦]، وعبد الله بن الغازي بن قيس وزونان [ص ٢١٧]، ويحيى بن يحيى [ص ٢١٨]، وسعيد بن حسان وقاسم بن هلال [ص ٢٢٠]. ويليه أحمد بن محمد الرازي، أربع مرات: مرجِّحًا وفاة سعيد بن محمد بن بشير سنة عشر [ص ٢١٣]، ومخالفًا في العباس بن عبد الله وجهور بن يوسف «هلكا معًا في سنة عشرين بعدها» [ص ٢١٤]، ومخالفًا في يوم وفاة يحيى بن يحيى [ص ٢١٨]، ثم مصدرًا لفصل المناقب كله [ص ٢٢٢]. ثم معاوية بن هشام الشبينسي، أربع مرات كذلك: في حياء الأمير وكرمه [ص ٢٢٣]، وصلته لأخيه سعيد الخير [ص ٢٢٤]، والمجاعة [ص ٢٢٥]، والداخلين [ص ٢٢٩]. وعبادة الشاعر مرتين، كلتاهما بصيغة الخطّ لا السماع: «قرأت بخط عبادة الشاعر» في دحون [ص ٢٢٦]، و«وجدت بخط أبي بكر عبادة الشاعر» في الرثاء [ص ٢٣٠]. وإسحاق بن سلمة مرتين بإسنادين موصولين، أحدهما عن عبدة بنت بشر بن دحون عن أبيها، والآخر عن أحمد بن عبد الله الحبيبي عن جده [ص ٢٢٧]. وتُذكر أسماء مفردة مرة واحدة لكل منها: الوزير عيسى بن فطيس في نسب بيت فطيس ولقبه [ص ٢١١]، ومحمد بن عمر بن لبابة في قسمة الفقه والعلم والعقل [ص ٢١٩]، ومحمد بن حارث في ترجمة عيسى بن دينار، وفيها ينقل بدوره عن ابن وضاح [ص ٢٣١]. ويبقى وراء ذلك نقلٌ مبهم: «على خلاف من الرواة» [ص ٢١١]، و«ورواته في أنهما هلكا سنة ست وعشرين بعدها» [ص ٢١٥]، وقوله في وفاة هارون بن سالم «فيما ذكره أحمد» [ص ٢٢١] — والمذكور قبله في السياق أحمد بن خالد، غير أن النصّ لا يصرّح بأنه هو.

الاختلاف في التواريخ، ومواضع الخلل في النص

الخلاف على السنين سمة بنيوية في الباب لا حادثة عارضة، وابن حيّان يثبته ولا يفصل فيه غالبًا. يبدأ الباب به: فطيس بن سليمان — واسمه عثمان وفطيس لقبه، «ثم صار هذا اللقب فيهم اسمًا علمًا تنازعوه لنباهة حامله جدهم باني بيتهم ذلك» — توفي سنة سبع ومائتين «على خلاف من الرواة. وقيل بل في سنة سبع وتسعين ومائة في حياة الأمير الحكم» [ص ٢١١]. ومثله محمد بن كليب وحمدون بن فطيس، وُضعا في سنة عشرين والرواة على أنهما هلكا سنة ست وعشرين [ص ٢١٥]؛ والأعشى محمد بن عيسى، «قيل سنة إحدى وعشرين، وقيل بل سنة اثنتين بعدها» [ص ٢١٥]؛ والأصمعي الزجالي، وُضع في سنة ثمان وعشرين ثم «قيل إنه توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين بعدها» [ص ٢١٦].

والأهم من ذلك أن النصوص المنقولة عن ابن الفرضي تعارض في مواضع رأسَ السنة الذي وضعها ابن حيّان تحته، دون تعليق يوفّق بينهما. حسين بن عاصم مقيَّد تحت سنة ثمان ومائتين، ونصّ ابن الفرضي يقول إنه ولي السوق للأمير محمد بن عبد الرحمن وكان شديدًا على أهلها يضرب الباعة، «فكأنه سقط بذلك عن أن يروى الناس عنه، وتوفي صدر أيام الأمير محمد سنة ثلاث وستين ومائتين» [ص ٢١٢]، وبين التاريخين نحو خمس وخمسين سنة. وسعيد بن حسان مقيَّد تحت سنة خمس وثلاثين، ونصّ ابن الفرضي يقول «وتوفي في أيام الأمير عبد الرحمن بن الكم سنة ست وثلاثين ومائتين، بعد خليله يحيى بن يحيى بعامين» [ص ٢٢٠]. والأشج مقيَّد تحت سنة أربع وعشرين، وابن الفرضي يقول «قيل سنة عشرين، وقيل سنة أربع وعشرين» [ص ٢١٦]. وأصرح من ذلك تعارضٌ داخل القسم نفسه: سعيد الخير بن الأمير الحكم مقيَّد في وفيات سنة خمس وثلاثين ومائتين [ص ٢٢٠]، بينما يقول فصل المناقب نقلًا عن الشبينسي إنه نجا من انهيار مجلسه الذي هلك تحته أربع عشرة جارية، وإن الأمير عوّضه بكل جارية اثنتين، «وطالت حياته إلى أن توفي في أيام الأمير محمد صدر ربيع الآخر سنة أربعين ومائتين» [ص ٢٢٥]. ولا يشير النصّ إلى هذا التعارض.

وفي القسم مواضع منقطعة أو مشوَّشة يحسن التصريح بها دون محاولة إصلاحها. منها قوله في وفيات سنة ثمان ومائتين: «فيها هلك عبد الله المعروف بالبلنس بن الأمير عبد الرحمن بن معاوية الداخل، بعدما توفي قبلهما في هذه السنة أيضًا» [ص ٢١١] — والضمير في «قبلهما» بلا مرجع، والجملة مقطوعة الآخر، فالظاهر سقوط اسم أو أكثر. ومنها في وفيات سنة خمس وثلاثين قيدٌ لا يُقرأ على وجهه: «وخاطب العاز» [ص ٢١٩]، لا يتضح أهو اسم علم أم خطّة أم تحريف. ومنها في ترجمة قرعوس ورودُ «ابن أبي حازم الليث» متتابعَين بلا فاصل، فقد يكونان اسمين التبسا [ص ٢١٤]. ومنها اسم حارث نفسه: هو في الوفيات «حارث بن أبي سعد» [ص ٢١٥]، وفي المستلحك آخر القسم «حارث بن أبي سابق» [ص ٢٣١]، مع اتفاق الكنية والولاء والخطّة وسنة الوفاة، فالاختلاف في النقل ظاهر ولا يُحسم من هذا النصّ. ومنها ما وقع في خبر المجاعة [ص ٢٢٥]: يبدأ بمجاعة سنة سبع ومائتين سببها انتشار الجراد ولحسه الغلات، ثم ينتقل فجأةً إلى استسقاء يظهر فيه «يحيى» بلا تقديم ولا تعريف، ويؤمّن على دعائه أيوب العابد المستجاب حتى «سقي الناس ليومهم. وغاب أيوب فلم يظهر»؛ ويعقّب ابن حيّان بنفسه على اضطراب الرواية: «ومضى ذكر هذا الخبر على اختلاف الرواة في تاريخ عامه واسم الإمام المستسقى». وثمة تحريفات مطبعية ظاهرة، منها «فهيا مات» [ص ٢١٤]، و«عبد الرحمن بن الكم» [ص ٢٢٠]. وأخيرًا يظهر عنوان «سنة اثنتين وثلاثين ومائتين» في هذا الموضع من المطبوع مرتين، [ص ٢١٦] و[ص ٢١٧]: الأولى ليست رأس سنة في الحقيقة بل ذيل جملة الاختلاف في وفاة الأصمعي انقطع على آخر السطر فصار في هيئة عنوان، ولذلك انخرم ترتيب السنين في هذا الموضع فجاءت سنة تسع وعشرين بعد سنة اثنتين وثلاثين.