يغطي هذا القسم الصفحات ١–٩٠ من الطبعة العربية لكتاب مصطفى أرمغان «السلطان عبد الحميد والرقص مع الذئاب»، بترجمة مصطفى حمزة ومراجعة مركز التعريب والبرمجة، الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون ببيروت، الطبعة الأولى ١٤٣٣هـ/٢٠١٢م، عن الأصل التركي ABDÜLHAMİD'İN KURTLARLA DANSI الصادر عن دار تيماش، بدعم من مشروع TEDA التابع لوزارة الثقافة والسياحة التركية [ص ٣]. أما البنية التي وجدتها فعلًا فهي على النحو الآتي: صفحات ١–٤ بيانات نشرٍ وحقوق؛ ثم مقدمة المترجم مصطفى حمزة (ص ٥–١٠) موقَّعة من دمشق في رمضان ١٤٣٢/آب ٢٠١١؛ ثم مقدمة المؤلف للترجمة العربية (ص ١١–١٥) موقَّعة من إستنبول في تموز ٢٠١١؛ وصفحة ١٦ خالية؛ ويبدأ المتن من ص ١٧. والمتن لا ينقسم إلى فصولٍ مرقَّمةٍ ولا يحمل فهرسًا، بل يجري على هيئة سلسلةٍ من المباحث القصيرة، يُفتتح كلٌّ منها في الغالب بشاهدٍ (اقتباس) منسوبٍ إلى قائلٍ معيَّنٍ ومذيَّلٍ برقم تعليقٍ، ثم يتلوه عنوان داخلي؛ وتتخلل هذه المباحث صفحاتٌ لا تحمل سوى تعليقاتٍ على صور (ص ٣٠ وص ٧٤، كلتاهما عن مجلة L'illustration الفرنسية). ويصرّح المؤلف نفسه بأن ما بين يديه ليس كتابًا مغلق البنية، فيقول إنه لا يستطيع «الادّعاء بإتمام الجزء الأول من أنسيكلوبيديا عبد الحميد»، وإنه لا يعرف أصلًا عدد الأجزاء التي ستبلغها [ص ١٣]. ولذلك جاءت أقسام هذا الجزء أقرب إلى مداخل موسوعيةٍ متجاورة: التمهيد الوجداني، ثم مسألة «فهم عبد الحميد» بوصفها معيارًا، ثم الوجه العصري والثقافي، ثم الوجه الإنساني والأبوي، ثم السياسة الخارجية، ثم دفاعٌ نظري عن الحكم الفردي. وقد بلغت أرقام التعاليق في نهاية ص ٩٠ الرقم [١٢٢].
مقدمتا الطبعة العربية: تأطيرٌ حضاري سابق على المتن
تفتتح الطبعة العربية بمقدمة المترجم، وهي نصٌّ مستقل عن الكتاب في منهجه وفي لغته. يبني مصطفى حمزة فيها إطارًا حضاريًّا عامًّا: التدافع بين الحضارات سنّةٌ إلهية، والحضارات تتمايز بالعقيدة، وبقاؤها مشروطٌ بالهوية والشعور بالانتماء [ص ٥]. ثم يفرّق بين «الدولة الدينية» بالمفهوم الكنسي الأوروبي و«الدولة المدنية» القائمة على فصل الدين عن الحياة، ويقرّر أن الدولة الإسلامية لم تعرف الأولى، وأن الاستبداد الذي وقع فيها إنما قام على «مفهوم السلطان المتغلّب» وكان إساءة تطبيقٍ لا أصلًا في التشريع، ويحمّل المستشرقين الجزء الأكبر من صورة الحاكم المستبد المنغمس في المجون، عبر «نصوصٍ تاريخيةٍ مغرضةٍ مكذوبةٍ أو مجتزأةٍ» [ص ٦–٧]. وهذا موضع تُصرَّح فيه الحجّة بوصفها حجّةً عامّةً في نقد المصادر، لا استنادًا إلى وثيقةٍ بعينها.
يعرض المترجم بعد ذلك موقع الكتاب بين ما سبقه. يذكر «صحوة الرجل المريض» لموفق بني مرجة، و«السلطان عبد الحميد الثاني آخر السلاطين العثمانيين الكبار» للدكتور محمد حرب ضمن سلسلة أعلام المسلمين، ومذكرات السلطان وبناته وزوجاته؛ ثم يقرّر أن أرمغان «ينطلق من الجزئيات المتناثرة محاولًا إعادة تركيبها»، وأنه عثر على الكتاب في أسواق كتب إستنبول، وأنه يأمل أن تسهم الترجمة في «جسر الهوة بين الثقافة التركية والعربية، تلك الهوة التي أحدثها الفكر القومي المقيت» [ص ٨–٩].
تبدأ مقدمة المؤلف بسيرةٍ عائلية: أجداده من آل المفتي (موفتوغيللر) في أورفة، وجدُّ والده عبد الرحمن أفندي كان مدرّسًا للعربية والفارسية بأورفة، وتوفي بالكوليرا في الشام عائدًا من الحج نحو ١٩٠٥ «وفق مصادر العائلة» [ص ١١]. ثم يضع أرمغان أطروحته المركزية: لولا مقاومة عبد الحميد بين ١٨٨٠ و١٩٠٨، وسياسة الإلهاء، وإدارته للعبة الدول العظمى، وحسن استغلاله «الوقت المكتسب» في المدارس والسكك والمستشفيات، ولولا إدراكه المبكر «اللعبة الكبرى» حول فلسطين — لكانت تركيا والبلاد العربية في صورةٍ تاريخيةٍ مختلفة [ص ١١–١٢]. ويستشهد بقول السلطان في «مذكراتي السياسية» إن بيع أرضٍ من فلسطين لليهود «إنما هو بمثابة فرمانٍ بإعدام إخوتنا الفلسطينيين»، وبقول هرتزل في مذكراته بعد إخفاقه: «لم يبقَ لنا سوى التوجه إلى إنكلترا» [ص ١٢]. ويربط تسمية الإنكليز له بـ«السلطان الأحمر» بالكلفة التي سبّبها لهم في التقاسم الإمبريالي لا بسلوكه الداخلي — وهو استنتاجٌ للمؤلف يقدّمه بوصفه تفسيرًا للدافع.
افتتاحية ١٩١٩: الغياب حجّةً على القيمة
يبدأ المتن (ص ١٧) بمشهدٍ صحفي: رسمٌ كاريكاتيري في إحدى صحف إستنبول في آب ١٩١٩، تحته تعليق «سكتّ، فسكتت المقاومة!»، والمخاطَب هو السلطان المخلوع قبل عشرة أعوام [ص ١٧]. ويبني المؤلف من هذه المفارقة حجّته الافتتاحية: عشر سنواتٍ فقط فصلت بين أشدّ حملات الشتم والافتراء وبين الحنين إليه، وهي مدةٌ كافيةٌ في نظره لأن تكون شهادةً على قيمة الرجل [ص ١٨]. ثم ينتقل إلى مسألة الوثائق: بعد حادثة آذار/مارت أُحرقت أهمّ وثائق قصر يلدز في ميدان بيازيد، وهرب المسؤولون إلى خارج البلاد حاملين ما تبقّى منها [ص ١٨]. والسؤال الذي يطرحه المؤلف — وهو سؤالٌ استنتاجي يعترف بصيغته الاستفهامية — هو: لماذا احتاجوا إلى الحرق والتهريب؟ ويستشهد بفتحي أوقيار، الذي صار رئيسًا للوزراء في عهد الجمهورية، في نقله أن السلطان نفسه طالب بمحاكمته ومُنع منها، ويستخلص من ذلك أن «عبد الحميد كان الصندوق الأسود لعصره» [ص ١٩].
وينقل عن أوقيار كذلك مشهدًا آخر: هيئةٌ مثلت أمام السلطان تطالب بنقل العاصمة إلى بورصة أو الأناضول، فطردهم قائلًا: «أبلغ العجز بنا ألاّ نستطيع أن نفعل ما فعله إمبراطور بيزنطة قسطنطين؟!... هاتوا لي بندقيةً، فأنا مستعد لمحاربة العدو وحدي» [ص ١٩–٢٠]. ثم يعقد المؤلف مقارنةً حسابية: انكمشت مساحة المليون كيلومتر مربع إلى مئات ألوفٍ قليلةٍ خلال تسع سنواتٍ فقط بعد الخلع، ورأى «اللاعبون الكبار» أن مثلث أنقرة–سقاريا–قونيا وحده يليق بهذه الأمة [ص ٢١]. ويسجّل المؤلف عن السلطان أنه لم يصف خالعيه بالخونة، بل «رجالًا مغفلين»، ويرى فيهم «أدواتٍ في الحديقة التركية للعبة التقاسم الدولية» [ص ٢٠].
«الحرية أم الأمن؟»: النظام الحميدي بوصفه سورًا داخليًّا
هنا يقدّم أرمغان أوضح صيغةٍ لتفسيره للحكم الحميدي. الاستعارة التي يعتمدها هي السوران: تهالك السور الخارجي بفعل الأعداء، فكان على السلطان أن يبني سورًا جديدًا من الداخل، وبين السورين يجري الصراع الأشد [ص ٢٢]. ويقول إن «النظام الحميدي كما يعبّر عنه الغربيون» هو هذا السور الداخلي، يرتفع «على شكل رقابةٍ قويةٍ، ويستعرض قوته على شكل استبدادٍ، ولا يخلو من جهاز شرطةٍ سريةٍ» [ص ٢٢]. ولا ينفي المؤلف هذه الأوصاف؛ حجّته أنها كانت الاستجابة المتاحة.
وطريقته في تسويغ ذلك هي القياس التخييلي المعاصر: يدعو القارئ إلى تصوّر الجمهورية التركية مهزومةً أمام الولايات المتحدة، فاقدةً ثلث أراضيها اختيارًا عشوائيًّا بأرقام الولايات من ١ إلى ٢٥ — ويسرد الأسماء من أضنة إلى أرض روم — ثم يسأل: أكان يمكن أن تبقى الحقوق الديمقراطية وحرية الرأي والصحافة سليمةً في ظل ذعرٍ كهذا؟ [ص ٢٢–٢٣]. ويضيف قياسًا ثانيًا من ما بعد ١١ أيلول: رئيس الولايات المتحدة يأمر بتفتيشٍ دقيقٍ «يصل إلى الأحزمة الداخلية للناس» لأن ثلاث طائراتٍ ضربت، «ثم تكلموا عن استخبارات السلطان عبد الحميد، واستبداده، وشرطته السرية» [ص ٢٣]. والاستدلال هنا قياسيٌّ صريح، لا استنادٌ إلى وثيقة. ويضيف معطًى ظرفيًّا: انعقاد مؤتمر الترسانة البحرية في إستنبول بين الدول الكبرى لمناقشة مصير الدولة العثمانية من دون أن يُسمح للعثمانيين بإرسال مندوبٍ يمثّلهم [ص ٢٣]. ويصف وضع السلطان عند تعطيله المجلس في شباط ١٨٧٨ بأنه وضع «حاكمٍ وضعت يداه تحت الصخور: الثلث الأفضل من أراضيه تحت الاحتلال، وخمس سكانه لم يعودوا تحت سلطته» [ص ٢٤].
«أن تفهم عبد الحميد»: من نجيب فاضل إلى جورجيون
يخصّص المؤلف مبحثًا لمسألةٍ منهجية: هل يصلح عبد الحميد معيارًا؟ ينطلق من الجملة الختامية لكتاب نجيب فاضل قيصة كورك «الخاقان المعظم عبد الحميد خان الثاني» (٦٣٩ صفحة في طبعته الثالثة ١٩٧٧): «أن تفهم عبد الحميد؛ يعني أنك تفهم كل شيءٍ» [ص ٢٥]. ثم — وهذا موضع تحفّظٍ صريحٍ من المؤلف على مرجعه — يسجّل أن نجيب فاضل يجعل مبدأه العام أن كل ما قيل عن عبد الحميد من اتهاماتٍ كان نقيضه هو الصحيح، ويعلّق أرمغان: «ربما لن يسلم ذلك عند النظر في مناهج المؤرخين وقواعد التاريخ؛ فالتاريخ لا يبدو كسلسلةٍ متناظرةٍ من الخطأ والصواب» [ص ٢٥]. ثم يعيد صياغة مقولة نجيب فاضل بوصفها معيارًا للانتماء لا حكمًا تاريخيًّا: «قل لي من هو عبد الحميد، أقل لك من تكون!» [ص ٢٦]، ويربطها بثلاثية أحمد حمدي طنبنار في «المدن الخمس»: ماذا كنّا؟ ومن نكون؟ وإلى أين نمضي؟ [ص ٢٦].
ويسند المؤلف قراءته إلى مؤرخين معيَّنين. ينقل عن يلماز أوزتونا أن السلطان «لم يلتقط الدولة من الشارع»، وأنه طوّر النظامين القضائي والتعليمي اللذين أسسهما جودت باشا، وأن من مبادئه الفصل بين السلطتين القضائية والتنفيذية «فخضع له خضوعًا كاملًا» [ص ٢٨]. ويورد واقعةً تفصيلية: لم يصادق السلطان طوال حكمه إلا على أحكام إعدامٍ بحق أحد عشر شخصًا في الجرائم العادية، حتى إن ناظر العدلية عبد الرحمن باشا قدّم استقالته احتجاجًا على تخفيف الأحكام، فبيّن له السلطان أن القضاة قد يخطئون وأنه يتجنّب خطأً لا رجعة فيه [ص ٢٨]. وينقل عن فرنسوا جورجيون أن إدارة عبد الحميد صيغت كردّ فعلٍ في تجديدين: إقامة سلطنةٍ قويةٍ مقابل تقلّص صلاحيات السلطان، وردٌّ على ليبرالية مدحت باشا وانتصاره للحكم الدستوري [ص ٢٩]. ويكرّر أن الأسس التي تقوم عليها تركيا اليوم وُضعت في حكم عبد الحميد [ص ٣٢].
في هذا الموضع أيضًا يعرض المؤلف الاختلاف حول تاريخ الخلع وسببه: يذكر في المقدمة أن السلطان سقط عن العرش في ٢٧ نيسان ١٩٠٩ بتهمة تأييده المزعوم لحركة ٣١ آذار/مارت [ص ١٢–١٣]، بينما يذكر في المتن أنه خُلع في ٢٤ نيسان ١٩٠٩ «بحجة حادثةٍ مصطنعةٍ» [ص ٢٧]؛ والتاريخان متعارضان في النص كما ورد، وأحدهما على الأرجح خطأ طباعي. ويضيف أن من الحجج التي سيقت للخلع «أسبابًا شرعيةً مزعومةً، كالأمر بإحراق الكتب الدينية أو منعها» [ص ٢٧]. ويستشهد بشهادتين من داخل معسكر خصومه: حسين جاهد يالچين صاحب جريدة «طنين» في خواطره «قصة عشرة أعوام»، وفتحي أوقيار الذي يعترف بأن الاتحاد والترقي «لم يكن يملك فلسفةً للحكم، ولا الكادر الذي يديره» [ص ٢٧]. واستعمال شهادة الخصم على نفسه هو أحد أنماط الاستدلال الغالبة في هذا القسم.
«فتح الإمبراطورية من جديد»: الوجه العصري والثقافي
يستند المؤلف إلى صدور سيرة عبد الحميد بقلم فرنسوا جورجيون في فرنسا — «التي كانت تدعوه ذات يوم بالسلطان الأحمر» — ويصفها بأنها أول سيرةٍ ذاتيةٍ لتركي، وينقل عن جورجيون في مقالةٍ من خمس عشرة صفحة قوله: «أن تفهم عبد الحميد، وتفهم فترة حكمه؛ يعني أنك تفهم تركيا اليوم!» [ص ٣٤]. ويلتقط منه عبارة «محاولة فتح البلاد العثمانية من جديدٍ»، ويوسّعها بنفسه إلى فتحٍ سياسي، وفتحٍ في المواصلات (أعمدة التلغراف والسكك)، وفتحٍ دبلوماسي، وفتحٍ ثقافي [ص ٣٤]. ويسجّل ملاحظةً نصّية دقيقة: النص التركي أسقط الجملة الأخيرة من نص جورجيون الفرنسي، وهي التي تصف قصر يلدز بوصفه تركيبًا من المنطق المحلي الموروث وفنون الزخرفة الأوروبية [ص ٣٥].
ويجادل المؤلف صراحةً برنارد لويس. فحين ينسب لويس حملات التعليم إلى لائحة سعيد باشا الصغير، يردّ أرمغان بأن اللائحة قد تكون مهمّة «ولكن ليس عدلًا أن تكون الخبرة والمعرفة اللتان يمتلكهما عبد الحميد معلّقتين بها»، ويتّهم لويس بأنه «لا يستطيع تجنّب الانحياز الكامل والتحامل» وأنه كلما وجد تقدّمًا «بحث جاهدًا عن آخرين يعزو إليهم عواملها» [ص ٣٦]. ومع ذلك يستشهد بلويس نفسه حين يوافق حجّته: من بين أربعة آلاف كتابٍ صدرت خلال أربعة عشر عامًا (١٨٧٦–١٨٩٠) كان مئتان في الدين، وألفٌ في العلوم والفنون، وأكثر منها قليلًا في الآداب [ص ٤١–٤٢]. وينقل عن كمال قرباط أن عبد الحميد من الحكّام القلائل الذين حدّدوا مصائر مجتمعاتهم ثم نالهم التقزيم في الداخل والخارج «باستثناء العالم العربي» [ص ٣٦]، وأن الحملة عليه لم تهدأ حتى ١٩٥٠ حين ضعفت الرقابة على النشر [ص ٣٦].
وتُبنى «العصرنة» على أمثلةٍ موثّقةٍ بأسماءٍ وتواريخ: افتتاح مشفى دار الكلب بعد وضع باستور لقاحه سنة ١٨٨٥؛ وإيفاد زويروس باشا والطبيب البيطري حسين خلوقي إلى معهد باريس سنة ١٨٨٦؛ وكتاب حسين رمزي بيك الأول في لقاح الكلب (١٨٨٨–١٨٨٩)؛ وهديّة السلطان لمعهد باستور عشرة آلاف فرنك [ص ٤٠]. ويستند إلى وثائق اشتراها معهد تاريخ الطب من ورثة زويروس باشا وفيها رسالتان بخط باستور، وإلى وفد الأطباء العثمانيين إلى روبرت كوخ في برلين ومذكرات حسين خلوقي «مذكرات برلين ١٨٨٩» [ص ٤١]. ثم برقية التعزية الشخصية التي أرسلها السلطان إلى عائلة فيكتور هوغو — «عدو الأتراك» في أشعاره — ونُشرت في جريدة الطريق في ٣ حزيران ١٨٨٥، ووجود ترجمتين لروايتي هوغو في مكتبته بأرقامهما في مكتبة الجامعة نقلًا عن بيبليوغرافيا زينب كرمان [ص ٤٢–٤٣].
ويعرض وثائقَ عن حساسية السلطان تجاه اللغة التركية: وثيقة ٢٥ تموز ١٨٩٤ التي تشدّد على نظارة المعارف في تطبيق تعليم التركية في المدارس النصرانية وإغلاق ما لا يلتزم؛ وإرادة ١٥ شباط ١٨٩٥ بتغيير اسمَي فندقَي «سمر بالاس» و«بيرا بالاس»؛ وإرادة ٣٠ حزيران ١٨٩٦ باستبدال اسم شركةٍ مكتوبٍ بالفرنسية على علمٍ في ميناء إستنبول؛ وتعميمٌ إلى إعدادية مناستر في ١٩ أيار ١٨٩٤؛ ورسالةٌ إلى الشاه مظفر الدين سنة ١٩٠٠ يرجوه فيها إلغاء منع التركية في مدارس أذربيجان [ص ٤٣–٤٤]. ويختم القسم باقتباسٍ من جورجيون يقول فيه إن «تبرئة عبد الحميد أمام التاريخ تشكل حدثًا جديدًا»، وإن أرشيف يلدز يُظهر أن حركة التنظيمات لم تكن قد بلغت حالة الشلل سنة ١٨٧٦ [ص ٤٤].
حرب ١٨٩٧ والوجه الأبوي: الإحسان بوصفه أداة حكم
ينتقل الكتاب إلى النصر على اليونان في «حرب تسيليا» سنة ١٨٩٧، ويصفه بأنه من آخر الانتصارات الكبيرة في التاريخ العثماني؛ إذ بلغت القوات العثمانية بقيادة الغازي أدهم باشا حدود أثينا، ثم فرضت الدول العظمى وقف إطلاق النار وانسحابًا مقابل تعويضات [ص ٤٥]. ويسجّل أن دخول الحرب جاء بإصرار السرعسكر رضا باشا وقادة الصف الأول، وينقل عن السلطان قوله إن الحرب «ليست منحصرة في الحدود، بل ينبغي أن تكون الأمة كلها في حالة الحرب» [ص ٤٥]. ثم يعتمد على مذكرات الهانم فاطمة پسند في وصف عمل نساء القصر في تجهيز الضمادات والألبسة، وزيارات السلطان اليومية للمشفى، وحكاية العكاز الذي صنعه بيديه لجنديٍّ بُترت ساقه [ص ٤٥–٤٦]. ويقرّ المؤلف هنا بأن السلطان يتحمّل «بعض الخطأ» في سوء فهم المثقفين له، لأنه أغلق على نفسه القصر وطلب «الحضور من دون أن يُرى» [ص ٤٦].
ويجعل أرمغان من الإحسان بابًا تفسيريًّا قائمًا بذاته، معتمدًا على رسالة الدكتوراه التي أعدّها نادر أوزبك في جامعة بينغهامتون [ص ٥٣]. الأمثلة الموثّقة: لجنة المساعدات برئاسته الفخرية بعد زلزال إستنبول سنة ١٨٩٤ وتبرّعاته المتدرّجة، وآخرها خمسة آلاف ليرةٍ يُشترط صرف ألفين منها «للطلاب في حقل التعليم» [ص ٤٧]؛ وربع الليرة الذهبية التي تُرسل إلى كل طفلٍ يُختن في الأماكن العامة يوم جلوسه على العرش في ١٩ آب بالتقويم الرومي، وهو ما يعزو إليه المؤلف استقرار موسم الختان في آب إلى اليوم [ص ٥٢–٥٣]؛ وتخصيص ١٥٣٠٠ قرش من الخزينة الخاصة لشراء خمسين طنًّا من الفحم وتوزيعها على معدمي إستنبول، مع رسالة شكرٍ في وثائق الأرشيف، ومثلها معونة فحمٍ لفقراء فيليبي [ص ٥٣–٥٤]؛ وفكّ الغارمين من ماله الخاص لا من خزينة الدولة [ص ٥٤]. وأبرز أمثلته حالةٌ فردية موثّقة بتاريخها: طلبٌ ورد في ٢٩ أيار ١٨٩٩ من شابٍّ في السادسة والعشرين فقد ساقه اليسرى، أُحيل إلى ناظر البحرية حسن حسني باشا، وقُدِّرت كلفة الساق الصناعية بثمانية عشر ليرة، وأمر السلطان بصرفها من «العطية السنية» خلال شهرين — والشاب هو أونّك بن غريفور، أي أرمني [ص ٥٤–٥٥]. ويستعمل المؤلف المثال حجّةً على أن حكم عبد الحميد كان «آخر المحاولات النبيلة في إدارة الأمة العثمانية باعتبارها عائلة واحدة» [ص ٥٥].
يوميات السلطان: الشهادات القريبة
يجمع الكتاب مادّته عن الحياة الخاصة من شهودٍ من محيط القصر يسمّيهم: سميح ممتاز صاحب «في الزمان الأول»، وضياء شاكر، وخلوق شخصور أوغلو، والباش كاتب تحسين باشا، وبنتَي السلطان عائشة عثمان أوغلو وشادية، وزوجته فاطمة پسند [ص ٤٧، ٤٩، ٥٦]. وتفاصيل هذه الصفحات دقيقة إلى حد الرصد اليومي: معطفه المزرّر حتى العنق، وتفضيله الأقمشة المحلية ومخاطبته الوزراء بقوله «لباسي خرقة خالصة»، ومحاسبته الآغوات على مشترياته قرشًا قرشًا [ص ٤٩]؛ وعملُه من خمس عشرة إلى ست عشرة ساعة يوميًّا، وإذنه بإيقاظه في أي وقتٍ لأمرٍ طارئ، وقوله: «لقد أصبح عدم النوم، والتيقظ الدائم؛ فرض عينٍ علينا» [ص ٥٦].
وفي التديّن يعتمد على شهادة ابنته عائشة سلطان: يصلي الخمس، ويلازم تلاوة القرآن، وانتسب في شبابه إلى الشاذلية عن طريق الشيخ حمزة ظافر أفندي وإلى القادرية عن طريق الشيخ عبد الله أفندي، وكان يردّد «الدين والعلم» ويضيف أن الاعتقاد فيهما معًا جائز [ص ٥٦–٥٧]. ويعلّق المؤلف على منهجه في هذه الصفحات تعليقًا صريحًا: «أيها المؤرخون، إياكم أن تجعلوا آثاركم ومؤلفاتكم خالية من هذه الحرارة وهذه الروح» [ص ٥١] — وهو إعلانٌ عن اختيارٍ سردي، لا عن قاعدةٍ في التوثيق. وينقل عن أرمينوس ويمبري، ويصفه بأنه جاسوسٌ يهودي الأصل يزعم صداقة السلطان، وصفَه له بأنه «من أكثر الأمراء الذين عرفتهم في الشرق تهذيبًا ورحمةً» [ص ٤٨].
الكتب والصور والموسيقى: بناء صورةٍ ثقافية
يخصّص المؤلف مساحةً واسعةً لمكتبة يلدز. يقدّر محتواها ما بين تسعين ألفًا ومئة ألف كتاب رغم النهب الذي تعرّضت له سنة ١٩٠٨، وينقل وقوف أمين المكتبة صبري بيك في وجه الناهبين [ص ٣٧–٣٨]. ويعرض تقسيم ضياء أركينز لها إلى أربعة أقسام — الكتب الأجنبية المترجمة خصّيصًا في نسخةٍ واحدة، ومختارات الصحف الأوروبية، وقسم الروايات نحو ستة آلاف كتاب، والكتب الجغرافية ومذكرات الرحّالة — مع ملاحظة أن قسم الكتب العربية والفارسية كان فقيرًا مقابل غيره [ص ٦٤]. وينقل مشاهدات السيدة ماكس موللر في مذكراتها المطبوعة سنة ١٨٩٧ عن رفوف المكتبة المتحرّكة ومخطوطاتها الإيرانية [ص ٦٤–٦٥]. وفي هذا المحيط يظهر خللٌ في إخراج النص: تتوقف السردية في ص ٦١–٦٢ ليحلّ محلها ما يشبه جهاز التعليقات مطبوعًا داخل المتن — إحالاتٌ ببليوغرافية إلى جورجيون وهنري وودز وأرول أويه بازارجي بأرقام صفحاتٍ وتواريخ نشر — من دون فاصلٍ يميّزها عن كلام المؤلف؛ ومضمونها ولع السلطان بروايات كونان دويل ومنحُه إياه نيشانًا إمبراطوريًّا، وأن عدد الكتب التي أمر بترجمتها خصّيصًا له ٥٠٥ كتب لا ستة آلاف [ص ٦١–٦٢].
وفي التصوير: واحدٌ وخمسون ألبومًا تضم ثلاثين ألف صورةٍ التُقطت بأمره سنة ١٨٩٣ ولا تزال في مكتبة جامعة إستنبول، وستةٌ وثلاثون ألبومًا تضم أكثر من ١٢٠٠ صورةٍ أهداها إلى مكتبة الكونغرس [ص ٣٧، ٦٣]. وفي الموسيقى ينقل عن ضياء شاكر أنه لم يكن متعصّبًا لموسيقى الشرق أو الغرب، وعن عائشة سلطان أن والدها تلقّى الموسيقى على المعلم الفرنسي ألكساندر أفندي والملحّن الإيطالي دونيزتّي، وأنه كان يرجّح النمط الأوروبي [ص ٦٨، ٧٠]. ويبني على ذلك استنتاجًا صريحًا: عثمان زكي أونغور، ملحّن نشيد الاستقلال، دخل المدرسة الموسيقية في القصر سنة ١٨٩٢، «فنحن... مدينون في تلحين نشيد استقلالنا إلى السلطان عبد الحميد» [ص ٦٩]. وتتناثر بعد ذلك فقراتٌ قصيرةٌ عن النجارة والرماية والأوبرا وشغفه بالخيول [ص ٧٢–٧٣].
الرقص مع الذئاب: الحبشة وطرابلس والجامعة الإسلامية
يشرح المؤلف عنوان الكتاب من مثلٍ إنكليزي Howling with the wolves: من حاصرته الذئاب لا ينجو إلا بأن يتقن العواء مثلها [ص ٧٥]. ويؤطّر المرحلة بجدول التقاسم الإمبريالي بين ١٨٩٠ و١٩٠٥: بريطانيا في السودان الشرقي وكينيا وروديسيا، وفرنسا في تونس والجزائر والصحراء والسنغال وتشاد، وإسبانيا والبرتغال وألمانيا والنمسا–المجر في البوسنة والهرسك [ص ٧٥–٧٦].
وأوسع أمثلته تفصيلًا هي الحبشة. الفرضية المعروضة: إيطاليا، وقد تأخّرت في التقاسم، توجّهت إلى أريتريا والصومال ثم إلى طرابلس الغرب وبنغازي نحو ١٩٠١–١٩٠٢ [ص ٧٧]. فكلّف السلطان عظم زاده صادق مؤيد باشا — المتقن للعربية والفرنسية والألمانية — بالتوجّه إلى السنوسيين في واحة الكفرة لتنظيمهم وتدريبهم، فعاد بعد أن أدّوا قسم الولاء [ص ٧٧–٧٨]. ثم أُرسل صادق مؤيد باشا نفسه على رأس هيئةٍ من ثلاثةٍ إلى أديس أبابا بخطابٍ إلى الملك منليك يخاطبه فيه: «أنتم أحفاد سيدنا سليمان، وحماة مسلمي الحبشة»، ويخاطبه برتبة المشير، مع هدايا لرؤساء القبائل؛ ثم كان الخطاب السري بتحذيره من استعداد إيطاليا لاحتلال الحبشة، مع إرسال نقودٍ لشراء السلاح [ص ٧٩–٨٠]. والنتيجة كما يعرضها المؤلف: سحبت إيطاليا جنودها من طرابلس وبنغازي لتحشدهم على حدود الحبشة، «فقد تخلص من الطليان في ليبيا وبنغازي، واستطاع أن يحمي الحبشة» [ص ٨٠]. وهذا استنتاجٌ سببي يقدّمه المؤلف من ترتّب الحوادث، لا نقلًا عن وثيقة. ويقابله بما جرى بعد الخلع: جمع الاتحاديون السلاح ونقلوه إلى المركز خلافًا لسياسة المستودعات، فتمهّد الطريق للنزول الإيطالي، وصمدت المناطق الداخلية بمقاومة السنوسيين حتى ١٩١٩ [ص ٨٠].
ويستخلص من ذلك مبدأً عامًّا ينسبه إلى السلطان: الجيش المركزي عاجزٌ عن الانتشار، فتنظيم القوات المحلية يطيل عمر المقاومة؛ ومن هنا مشروع «إمبراطورية جديدة أصغر» طلائعها العناصر الإسلامية من أتراكٍ وعربٍ وأكرادٍ وأرناؤوطٍ وجركس، وتحويل ليبيا إلى قاعدةٍ تتحكّم بأفريقيا، والأرناؤوط إلى ملاذٍ لمسلمي البلقان [ص ٨١]. ثم يعرض شبكة الجامعة الإسلامية: الشيخ البخاري سليم أفندي إلى مسلمي روسيا، وإيفاد العلماء إلى مكة في مواسم الحج، والتنسيق في القصر مع الشيخ أبي الهدى والشيخ ظافر أفندي، والهدايا والنياشين إلى بورنو سنة ١٨٨٥، ومهمة السيد أمين أفندي إلى سلطان زنجبار منذ سنة ١٨٧٨ — نقلًا عن جزمي أرسلان — ثم لقاء السلطان سيد علي بن حميد بعبد الحميد في إستنبول سنة ١٩٠٧، مع ملاحظة أن الدعاء كان يُرفع هناك للخليفة العثماني السنّي في خطب الجمعة رغم انتشار المذهب الإباضي [ص ٨١–٨٢].
إنكلترا العدو الأول: مصر والعقبة والنفط
يجعل المؤلف إنكلترا خصمًا مركزيًّا، ويستشهد بوثيقةٍ من أرشيف رئاسة الوزراء ينقل عنها قول السلطان إن الإنكليز «لن يترددوا أبدًا في تمزيق الدولة العثمانية عندما تقتضيه مصالحهم، وهم يخططون لنقل الخلافة إلى جدة أو مصر» [ص ٨٢]. ويعرض قبرص بوصفها تنازلًا صغيرًا مؤقتًا قُدِّم لتفادي تنازلٍ أكبر، «وقلبه ينزف دمًا، في سبيل حماية إستنبول» [ص ٨٢].
وفي مصر يسرد ديون الخديوي إسماعيل بعد امتيازٍ من السلطان عبد العزيز، وبيع حصص قناة السويس التي سدّد الإنكليز مبالغها قبل فرنسا، وعزل إسماعيل وتعيين ابنه توفيق، وحركة الضباط بقيادة عرابي [ص ٨٢–٨٣]. وموقف المؤلف من عرابي سلبيٌّ صريح: يقول إن السلطان ساند عرابي في بادئ الأمر لكن ميوله إلى القومية العربية لم تكن تروق له، وإن عرابي «كان عاجزًا عن إدراك الموقف الدقيق» [ص ٨٣]. ويعرض الفخّ كما يراه: طلبت فرنسا وإنكلترا من الدولة العثمانية إرسال قواتها إلى مصر لحماية مصالحهما، ولو أرسلها السلطان لزعزع مكانة الخلافة في العالم الإسلامي، فتجنّب ذلك [ص ٨٣]. ثم أعمال النهب في الإسكندرية، وقصف الأسطول الإنكليزي، ودخول القاهرة في ١٢ أيلول ١٨٨٢؛ وحكمه على عرابي: «قدّم عرابي باشا الوطني أكبر إساءةٍ لوطنه وأكبر خدمةٍ للإنكليز» [ص ٨٣–٨٤].
وفي أزمة العقبة سنة ١٩٠٦ يعرض بناء الحامية العسكرية في بئر السبع في جنوب فلسطين، وقمع ثورة اليمن سنة ١٩٠٥، ووصول الأميرالاي رشدي بيك إلى العقبة قبل الإنكليز بمدفعٍ واحدٍ وطابورين، ثم السيطرة على طابا، ومهلة العشرة أيام والتهديد بالحرب، وسؤال السلطان للسفير الإنكليزي: «هل عليّ أن أستأذن الإنكليز لدخول قلعةٍ تقوم على أرضنا؟!»، وانتهاء الأمر بإعادة طابا إلى المصريين وبقاء العقبة مع العثمانيين [ص ٨٤–٨٥]. ويضيف الإرادتين السنيتين بشأن نفط بغداد في ٢١ أيلول ١٨٩٨ ونفط الموصل في ٦ نيسان ١٨٩٩ بتحويل الملكية إلى الخزينة الخاصة، وما تلاهما بعد هدنة موندروس، والدعاوى الدولية التي رفعها أحفاد السلطان [ص ٨٥].
وفي هذا القسم أيضًا موضعٌ مضطرب في النص: يقول المؤلف إن أعمال عبد الحميد أخّرت سقوط الدولة أربعين عامًا «(من ١٨٧٨ وحتى ١٨١٨)» [ص ٧٥]، والتاريخ الثاني مستحيل ولا يستقيم إلا بقراءته ١٩١٨.
خاتمة القسم: الفردية في القيادة، والإحسان بوصفه سياسة
يختم أرمغان هذا الجزء بحجّةٍ مقارنة: نظام الحكم حتى سنة ١٩٤٦ كان يقوم على قيادة الرجل الواحد، ويضع في سلسلةٍ واحدةٍ عبد الحميد وأنور باشا ومصطفى كمال أتاتورك وعصمت إنونو وبسمارك والإمبراطور ويلهلم؛ ويقرّر أن البنية السياسية في أوروبا لم تكن ديمقراطيةً في تلك الفترة، وأن حكم عبد الحميد «لم يكن متفرّدًا بذلك في عصره» [ص ٨٦]. ويقرّ في الوقت نفسه بأن الناظر من اليوم «لربما نجد فيه حاكمًا متسلطًا مستبدًّا؛ أوتوقراطيًّا كما يحلو لفرنسوا جورجيون أن يسميه» [ص ٨٦]. ويعيد سؤال الحرية والأمن، مستشهدًا بإجراءات ما بعد ١١ أيلول في أميركا، وبقانون «تقرير سكون» سنة ١٩٢٥ في تركيا الذي أُسكتت به الصحف والمعارضة، ليخلص إلى أن الحكم على عبد الحميد بأنه طاغيةٌ «سيكون حكمًا خاطئًا» [ص ٨٧]. وحجّته الختامية في هذا الباب حجّةٌ بالنتائج: التجربة المفجعة في السنوات التسع التي تلت الخلع أثبتت «كم كان عبد الحميد مصيبًا» [ص ٨٨].
ويعود في الصفحتين الأخيرتين إلى العمران والإحسان. يعدّه «آخر البنائين الكبار بالمفهوم المعماري»، ويعدّد المدارس ومحطات القطار والموانئ والتكيّات وجامع يلدز الحميدي «الذي يحمل نسماتٍ من قصور الحمراء» ومعمل يلدز للخزف؛ ويقرّر أن النمط الموحّد للمدارس اليوم «ما هو إلا استمرار للطراز العصري لعبد الحميد» [ص ٨٩]. ثم يعود إلى أطروحة نادر أوزبك، وينقل عنه أن السلطان اهتمّ بتقوية الانطباع بأنه حامٍ للفقراء عن طريق الطباعة والنشر، وأنه بعد زلزال ١٨٩٤ اعتنى عنايةً خاصةً بالإعلان عن هباته في الصحف [ص ٩٠]. ولا يعدّ المؤلف ذلك مأخذًا، بل يفرّق بينه وبين استعراض ملوك الروس والألمان بأن الصورة المقصودة هي صورة الدولة لا الشخص، ويرى أن عبد الحميد وحده «حوّلها من عاداتٍ شخصيةٍ تقليديةٍ للسلاطين إلى آلياتٍ تستقر في سيناريو الحكم»، مستندًا في مفهوم «إحداث العادات» إلى كتاب The Invention of Tradition [ص ٩٠].
ملاحظات على حال النص: لا توجد صفحاتٌ متعذّرة القراءة في هذا النطاق. صفحة ١ وصفحة ١٦ خاليتان في النسخة المستخرجة، وصفحتا ٣٠ و٧٤ لا تحملان سوى تعليقاتٍ على صور. وفي ص ٦١–٦٢ يندمج جهاز الإحالات بالمتن من دون فاصل. وفي ص ١٨ يرد «بعد ١٣ آذار/مارت» حيث يرد في سائر المواضع «٣١ آذار/مارت»، وهو على الأرجح قلبٌ في الرقمين. ويتعارض تاريخا الخلع بين ص ١٢–١٣ (٢٧ نيسان ١٩٠٩) وص ٢٧ (٢٤ نيسان ١٩٠٩). كما ورد في ص ٧٥ تاريخٌ مستحيل («١٨١٨»).