هذا القسم الأخير من الكتاب يمتدّ في النصّ المتاح من الصفحة ١٨٠ إلى الصفحة ٢٣٣، وعندها ينتهي المتن الأصلي بعبارةٍ من المترجم: «تمت ترجمة هذا العمل بعونه تعالى في ٢٥ ربيع الثاني ١٤٣٢ الموافق ٣٠ آذار ٢٠١١» [ص ٢٣٣]، ثم تبدأ الصفحة ٢٣٤ بكلمة «انتهى» يليها ثبت التعليقات الختامية. ولا يقدّم الكتاب في هذا الجزء عنوان قسمٍ أو ترقيم فصولٍ؛ فالبنية التي وجدتها بنية مقالاتٍ متتابعة، كلّ واحدةٍ منها تفتتح بصفحةٍ تحمل اقتباساً مفرداً منسوباً إلى قائله — فالح رفقي أتاي، وبغنام باشا، وأحمد راسم، وإيلبر أورتايلي، وأمين معلوف، ودوغان أوزلم، وجلال تاتيكر ورمضان بالجي، وأتاتورك، وأقوالٌ منسوبة إلى السلطان عبد الحميد نفسه — ثم يمضي النصّ في موضوعه. والمقالات في هذا القسم تنتظم على محورين متعاقبين: محورٍ أوّل مادّيّ عمرانيّ وتقنيّ يشغل الصفحات ١٨٠–١٩٨ (ميناء غلطة، أوّل سيارة وأوّل صيدلية، تاريخ الغواصات العثمانية، وادي الورود ومدرسة گولخانة الطبية)، ومحورٍ ثانٍ يشغل الصفحات ١٩٩–٢٣٣ ويدور كلّه حول سؤالٍ واحد: كيف رآه معاصروه من المثقّفين والضبّاط، ولماذا انقلب كثيرٌ منهم عليه ثم ندموا. ويختم المؤلّف بفصلٍ استرجاعيّ يربط عهد السلطان بمعركة چناق قلعة [ص ٢٣٢].
ميناء غلطة: عقدٌ يُقرأ بنوداً
يفتتح المؤلّف مقالته عن الميناء بمقارنةٍ صريحة مع جدلٍ تركيّ معاصر حول مناقصة «غلطة پورت»، ثمّ ينتقل إلى وصف موانئ إستنبول في القرن التاسع عشر: السفن الكبيرة ترسو في عرض البحر وتُنقل حمولتها بالزوارق، وأطقم الزوارق والحمّالين من الروم واليونانيين القادمين من جزر كفلونيا ونيسيروس ومرمرة [ص ١٨٠]. ويؤرّخ الحاجة إلى ميناءٍ حديث بعهد محمود الثاني بعد ظهور السفن البخارية، ويقول إنّ حروب القرم زادت الحاجة وضوحاً، وإنّ المسألة بُحثت في عهد عبد العزيز دون قرار حتى انتقل عبؤها إلى عبد الحميد [ص ١٨٠]. ورست المناقصة على الفرنسيّ ماريوس ميشيل — الذي يذكر المؤلّف أنّه أسلم فيما بعد — وكان قبلها يدير المنارات البحرية في إستنبول، وبدأ العمل بالميناء عام ١٨٧٩، وقوبل الامتياز باحتجاج أهل غلطة والمتضرّرين [ص ١٨١].
وحجّة المؤلّف هنا وثائقية في شكلها: يحيل إلى ما نشره عثمان نوري إنكين في المجلد الخامس من «مجلة الأمور البلدية» من نصّ المقاولة والقانون المنظّم لها، ثم يعرض بنوداً بعينها ليخلص منها إلى حكمه [ص ١٨١]. فمدّة الامتياز خمسة وثمانون عاماً على صيغة «إنشاء–تشغيل–تحويل»؛ والمادة ١٧ تجيز للدولة إعلان فقدان الشركة أهليتها ووضع اليد على أموالها وعرضها في المزاد العلني إن تخلّفت عن الجداول الزمنية؛ ووزارة النافعة تراقب التنفيذ بمفتّشين تتحمّل الشركة رواتبهم؛ ولوزارة البحرية أن تعيّن ضابطاً لقيادة ميناء دار السعادة؛ والاتفاقية تؤكّد عدم المساس بالأوابد الأثرية والجوامع والأوقاف؛ والمادة السابعة تعطي الدولة حقّ التشغيل وبيع المنشآت بعد أربعين عاماً؛ والرسوم لا تُرفع إلا بتصديق الوزارة وبعد شهرٍ من الإعلان؛ والمادة ٢٢ تضبط عدد العاملين في المعاملات الرسمية؛ وتُذكر أرقام الرسوم — فرنك على الطنّ للربط وثلاثة فرنكات رسوم ميناء [ص ١٨١–١٨٢]. والبند الذي يعلّق عليه المؤلّف بأشدّ ما يعلّق هو أنّ المحاكم العثمانية وحدها لها صلاحية النظر والفصل في الخلاف بين الشركة والدولة، وأنّ الاستثمار الوافد من الخارج كان لا بدّ أن يجري عبر شركةٍ قائمة وفق القوانين العثمانية [ص ١٨٢]. ومن العرض ينتقل المؤلّف إلى الاستنتاج: «لم يترك عبد الحميد مصير ميناء غلطة لرحمة الشركات الأجنبية حتى في عصر الامتيازات» [ص ١٨٢]. ويذكر بعد ذلك أنّ الميناء افتُتح أمام السفن عام ١٨٩٥، ويستشهد بوصفٍ لسرمت مختار ألوس عن ضخامة السفن التي كانت ترسو فيه، ويورد أسماءها كما وردت في الأصل [ص ١٨٢]. ويُقفل الفصل بجملةٍ خطابية صريحة اللهجة: هذه هي الدولة التي كانت توصف بـ«الرجل المريض» بنت الميناء في تلك الشروط، «فماذا فعلنا نحن؟!» [ص ١٨٣].
أوّل سيارة وأوّل صيدلية
في وقفةٍ قصيرة يردّ المؤلّف تهمة «عداوة الأوتوموبيل»، ويقول إنّ أوّل سيارة تعمل بالبنزين دخلت إستنبول عام ١٨٩٥ بإذنٍ منه وبطلب زهير زادة أحمد بيك الذي صار فيما بعد مبعوث البصرة، وعُرضت في فنر بهجة. ويسجّل بأمانةٍ روايةً ثانية تنسب إدخال السيارة الأولى إلى القائم مقام ستاڤرو من الفرقة الموسيقية الهمايونية، وتجعل السيارة إيطالية الصنع [ص ١٨٣]. ثمّ يعدّد الصيدليات الحديثة الأولى بأسماء مؤسّسيها وأحيائها وتواريخها: صيدلية حمدي لخليل حمدي بيك عام ١٨٨٠، وصيدلية ضياء في ديوان يولو ١٨٩٠، وأدهم پرتو بيك في أق سراي ١٨٩٥، ومحمد كاظم في بشيك طاش ١٨٩٦، وصيدلية حلب لبشير كمال في بهچه قاپي ١٨٩٨، وصيدلية الاستقامة لحسن رؤوف في ديوان يولو ١٩٠٠ [ص ١٨٣]. والعرض هنا لائحيّ لا جدليّ، والخلاصة التي يبني عليها أنّ هذه المظاهر من المدنية الحديثة دخلت البلاد في عهده.
الغواصتان: من «التمساح الآليّ» إلى نوردنفلت
يمهّد المؤلّف لتاريخ الغواصات بفقرةٍ في نقد الذات الجمعية التركية، يصف فيها الحديث الدائم عن التخلّف بأنه «تاريخ ساديّ» يستهويه اللوم وجلد الذات، مستعيراً وصفاً لأيهان سونغار [ص ١٨٤]؛ وهي فقرة جدالية صريحة يسوقها مقدّمةً لدعواه أنّ ميلاد الغواصات التركية يصادف الشفق الأول لتاريخ الغواصات في العالم. ثم يسرد تاريخاً عامّاً للغواصة: إشارات إلى الإسكندر وليوناردو دافنشي، و«التمساح الآليّ» الذي يذكر سيد وهبي في «سورنامة» أنّ إبراهيم أفندي من الترسانة بناه في احتفالات ختان أولاد السلطان أحمد الثالث، مع وصفٍ لتزفيت سطحه الداخلي ومنظارٍ في مقدّمته وخروج خمسة رجالٍ منه يحملون أطباق زردة الأرزّ [ص ١٨٤–١٨٥]. ثم غواصة ديفيد بوشنل «تورتِل»، و«نوتيليوس» لروبرت فولتون التي أثارت انتباه نابليون عام ١٨٠١، وغواصة ويليام باور عام ١٨٤٩، وغواصة المهندس الإنكليزي غاريت عام ١٨٧٨ ثم التالية عام ١٨٧٩، ثم تعاون غاريت مع منتج الأسلحة السويدي ثورستن نوردنفلت في استوكهولم عام ١٨٨٥ وإنتاجهما «نوردنفلت ١» التي اشترتها الحكومة اليونانية بتسعة آلاف جنيه إسترليني [ص ١٨٥].
والصفقة اليونانية هي المفصل في سرد المؤلّف. فرسالةٌ من نوردنفلت بتاريخ ٢٥ تموز ١٨٨٥ بلغت نظارة البحرية العثمانية تعرض حضور اختباراتٍ قرب كوبنهاغن؛ وحضرها البنكباشي خليل بيك — الملحق العسكري البحري الأسبق في برلين — بين نحو خمسةٍ وثلاثين مراقباً من دولٍ تمتدّ من اليابان إلى البرازيل، وفي حضور القيصر الروسي وملك الدانمارك [ص ١٨٥–١٨٦]. وتقرير خليل بيك — كما يعرضه المؤلّف — كان متحفّظاً: الغواصة في وضعها الحالي غير كافية وتحتاج زيادة سرعةٍ وتزويداً بالطوربيدات وإتماماً لنواقصها [ص ١٨٦]. وهنا يستند المؤلّف إلى وثيقةٍ محدّدة: «إرادة سنيّة» في أرشيف رئاسة الوزراء مؤرّخة بسنة ١٣٠٢، فيها ذكرٌ لغواصةٍ لا مثيل لها اشتراها اليونانيون، وأمرٌ بشراء غواصتين منها بعد إتمام نواقصهما وتزويدهما بثلاثة طوربيدات بأحد عشر ألف إسترليني [ص ١٨٦]. ويصرّح بأنّ «أهمية هذه الوثيقة» عنده أنها تُظهر عناية السلطان بالقوات البحرية. أمّا تفسير الدافع — أنّ السلطان توقّع هجوماً يونانياً بحرياً لا بريّاً على سفن المواصلات إلى جزر إيجة وسواحل سلانيك — فاستنتاجٌ يسوقه المؤلّف بلغته هو لا بلغة الوثيقة.
ويضع المؤلّف الصفقة في سياقٍ دوليّ مستنداً إلى بحث الروسيّين ألكساندر ڤيتول وقسطنطين زوكوف: التوتّر الروسيّ الإنكليزي عام ١٨٨٥، وحرب روسيا مع القوات الأفغانية في عهد ألكساندر الثالث، والتحالف الروسي الألماني النمساوي عام ١٨٨١، واحتلال قبرص عام ١٨٧٨ ومصر عام ١٨٨٢، والضغط على الدولة للاعتراف بالاتحاد البلغاري، واضطرار السلطان إلى فتح الباب للألمان أمام ضغوط بسمارك، ووصول مدافع كروب وبنادق الماوزر والعسكر الألماني منذ عام ١٨٨٤، وتمركز المدافع على المضيقين عام ١٨٨٥–١٨٨٦ [ص ١٨٧]. وفي هذا الموضع يرد في النصّ «حرب ٩٣ - ١٧٧٨»، وهو خطأ طباعيّ ظاهر صوابه ١٨٧٨ بحسب سائر مواضع الكتاب.
ثم تأتي الوقائع مرتّبةً بالتواريخ: اكتملت الغواصة التركية الأولى في ترسانة تاشكيزاك في ٦ أيلول ١٨٨٦ وسمّيت «عبد الحميد» ونزلت البحر في شباط ١٨٨٧، وكانت في الاختبارات الأولى تعمل تحت سطح الماء مباشرة دون أن تغوص كلّياً؛ واكتملت الثانية في آب ١٨٨٧ ونزلت باسم «عبد المجيد» في كانون الثاني ١٨٨٨؛ وأُجريت اختبارات التنقّل وإطلاق الطوربيدات، ويذكر المؤلّف — ناقلاً عن نجاة گولان — أنّ «عبد المجيد» نالت شرف أوّل غواصةٍ تطلق قذائفها في العالم [ص ١٨٨]. ويورد اتفاقيةً جديدة وقّعها غاريت مع ناظر البحرية حسن باشا في ١٥ آذار ١٨٨٨ يتعهّد فيها بترك عاملين في إستنبول، وفرماناً سلطانياً صدر بعدها بأسبوع [ص ١٨٨]. ولا يخفي المؤلّف أنّ الغواصتين «لحقهما الأذى منذ الإطلاق الأول للطوربيدات وأعيدتا إلى الصيانة»، وأنّ السلطان «لم يحصد النتيجة التي ينتظرها» [ص ١٨٨–١٨٩]. ويشدّ إلى ذلك شهادةً صحفية أجنبية: خبراً في «The Manchester Courier» بتاريخ ٢٨ حزيران ١٨٨٧ يقول إنّ الحكومة التركية امتلكت أكثر من نموذجٍ واحد من غواصة نوردنفلت [ص ١٨٩]. وينتقل من هذه المادّة إلى خطابٍ مباشر: من زعم أنّ السلطان ترك الأسطول يهترئ راسياً في الخليج «ستحمرّ وجوههم خجلاً» [ص ١٨٩] — وهو موضعٌ يفارق فيه العرض التوثيقيّ إلى المخاطبة الجدلية.
«لغزٌ يستعصي حلّه»: كيف يحاجّ المؤلّف مؤرّخي البحرية
هذا الفصل أوضح مواضع القسم في بيان طريقة المؤلّف في الاستدلال؛ فهو لا يجادل خصومه مباشرةً بقدر ما يعرض حيرة مؤرّخي البحرية الأتراك أنفسهم ويجعل الحيرة هي الدليل. ينقل عن نجاة گولان سؤاله بنصّه: إن كان عبد الحميد هو الذي قضى على البحرية التركية ولا يحبّ البحر ولا رجاله، «فلماذا يشتري السلطان الذي يكره البحر والبحرية الغواصة في الوقت الذي لم يكن أحدٌ يملكها؟» [ص ١٩٠]. ثمّ يرصد ما يعدّه ازدواجاً في المعالجة: عند الحديث عن إعطاب السفن يُذكر السلطان مستبدّاً مطلق الصلاحية، وعند الحديث عن الغواصات يُنزَل إلى مرتبة ممثّلٍ فاقد الصلاحية استحوذ على عقله «ذكيٌّ محبٌّ لوطنه» مجهول الاسم [ص ١٩٠]. وهذه ملاحظةٌ في منهج الخصوم لا في الوقائع، ويسوقها المؤلّف بنبرةٍ ساخرة: «وبمثل هذا يتكوّن التاريخ، أليس كذلك؟».
ثم ينتقل إلى البنكباشي البحّار رشيد متل وكتابه الصادر عام ١٩٦٠ عن قيادة أركان القوات البحرية. ومن هذا الكتاب ينقل وثيقةً هي عمدة الفصل: ردّ السلطان على الباب العالي في محادثات أياستيفانوس حين طلب الروس إدراج تسليم ستّ قطعٍ من الأسطول في بنود المعاهدة، ونصّه: «إلى الباش وكيل صفوت باشا وسائر الوكلاء، أقسم إنني لا أفكّر أبداً ولن أقبل بخروج الأسطول من يدنا. أقبل بكلّ التضحيات، وأرفض مادة الأسطول من جذورها، وأنا مستعدّ للتضحية بحياتي فداءً لأسطولنا إن لزم الأمر»، بتاريخ ٥ شباط ١٢٩٣ (٢٧ شباط ١٨٧٨) [ص ١٩٠–١٩١]. ويورد المؤلّف بعدها تحفّظ متل نفسه بنصّه: إنّ الوثيقة وتمويل الغواصتين من الخزينة الخاصة وإرسال رؤوف أورباي إلى إنكلترا وأميركا «إذا كان كلّ ذلك يوحي بأنه لم يترك الأسطول ليتلف في الخليج عمداً؛ فإنني على قناعةٍ بأنه من المبكر الحديث عنه بشكلٍ مثبتٍ أو منفيّ، والتدقيق في الوثائق سيظهر لنا حقيقة الأمر»، مع جملة متل الأخيرة: «تاريخنا العثماني المستند إلى الوثائق لم يُكتب حتى الآن» [ص ١٩١]. ونقل هذا التحفّظ كاملاً — بما فيه من امتناعٍ عن الحسم — من مواضع أمانة العرض في الكتاب، وإن كان المؤلّف يوظّفه بعدها في اتجاهه، ويعلّق بأنّ أقوال متل «كُتبت من وجهة نظرٍ عسكرية».
وتفصيلة الخزينة الخاصة يعلّق عليها المؤلّف تعليقاً حجاجياً صريحاً: أن يدفع «عدوّ البحرية» ثمن غواصةٍ من وارداته الشخصية لا من خزينة الدولة ويهبها للأسطول، يجعل دعوى الخصوم «في وضعٍ حرجٍ وعاجزٍ يدفعه للبحث عن مستندٍ يتشبّث به» [ص ١٨٩]. ويتبع ذلك تفاصيل من متل عن نفاد صبر السلطان: إرادةٌ إلى ناظر الخزينة الخاصة أغوب باشا يسأله فيها عن تسديد المبالغ، وجوابٌ بأنّ اثنين وعشرين ألف جنيهٍ سُدّدت في الدفعة الأولى وثمانية آلاف تُسدَّد عند تحرّك سفن الشحن؛ ودهشة متل من أنّ السلطان «يفقد صبره في تأخّرٍ لا يتجاوز عشرة الأيام» [ص ١٩١–١٩٢]. ويذكر تتابع الإرادات السنيّة لتكثيف العمل ليل نهار في ترسانة تاشكيزاك مع اقتراب حربٍ محتملة مع اليونانيين [ص ١٩٢]. ويضيف قصّة جاسوسٍ التقط صوراً للغواصتين بآلةٍ خبّأها تحت معطفه ومَوّه عدستها على شكل ثقب زرّ، فأُلقي القبض عليه وأُعدم، مع الإشارة إلى أنّ الصورة الأصلية في معهد سميثسونيان [ص ١٩٢] — وهي روايةٌ تُساق في هذا الموضع من غير إحالةٍ مرقّمة.
ثم مهمّة عام ١٩٠٤–١٩٠٥: تعيين رؤوف أورباي مفتّشاً عامّاً للأسطول الهمايوني، ثمّ إرساله مترجماً مع الأميركيّ بغنام باشا إلى إنكلترا والولايات المتحدة لجمع معلوماتٍ عن الطرادات والغواصات وبحث فتح الاعتمادات؛ وينقل نصّ تبليغ موظّف المابين الثاني نوري باشا لهما، وفيه ذكر «الإرادة الأصلية للذات الشاهانية» بإجراء تحقيقاتٍ عميقة مفصّلة حول الغواصات، وتسليمهما مفاتيح الشيفرات الرقمية للبلدان التي سيقصدانها [ص ١٩٢–١٩٣]. ويلفت إلى أنّ صالح منير باشا، سفير السلطان في باريس، علم بقدومهما وهما في فيينا عبر شبكة مراسليه [ص ١٩٣]. وينقل قول بغنام باشا الذي جعله المؤلّف عنوان الفصل: «إنّني في الحقيقة أتعجّب من سلطانكم؛ إنه رجلٌ يشبه الألغاز... فتارةً تراه صاحب أفكارٍ غير مسبوقة، وتارةً أخرى تراه بعقلية القرون الوسطى» [ص ١٩٣]. ويذكر أنّ محاولة الشراء لم تنجح بسبب محاولة اغتيال السلطان بتفجير قنبلةٍ عام ١٩٠٥ وبسبب ضيق الخزينة، وأنّه لم يتمّ إلا شراء عددٍ من الطرادات [ص ١٩٣–١٩٤]. ويقفل الفصل بشهادتين مؤسّسيّتين متأخّرتين: كتاب قيادة أسطول الغواصات في الذكرى المئوية، وفيه أنّ القرار الذي اتُّخذ قبل مئة عام «يتبيّن صوابه الآن بجلاء»، وكتابٌ رسميّ آخر صادر عن قيادة الأسطول البحري يعزو شراء الغواصتين إلى «رئيس الدولة صاحب الرؤية البعيدة في الإدارة» [ص ١٩٤]. واستدعاء شهادةٍ صادرةٍ عن المؤسسة العسكرية نفسها — لا عن كتّابٍ متعاطفين — هو أقوى ما يعتمد عليه المؤلّف في هذا الموضع.
وادي الورود ومكبّ النفايات، ومدرسة گولخانة
يفتتح المؤلّف هذه المقالة بحادثةٍ معاصرة: انفجار غاز الميتان وانزلاق أربعمئة وسبعين ألف متر مكعّب من القمامة في إستنبول صباح ٢٤ آذار — والسنة ترد في النصّ ١٩٩٣ — وموت تسعةٍ وثلاثين شخصاً، في مكبٍّ يُعرف بـ«مزبلة حكيم باشي» [ص ١٩٦]. ومن الاسم يعود إلى الثمانينيات من القرن التاسع عشر: مهاجرو حرب ٩٣ (١٨٧٧–١٨٧٨) من الأراضي التي صارت بلغاريا، وإقامتهم المؤقّتة في باحات المساجد والميادين، واستقرار قسمٍ منهم في إسبارطة وقسمٍ في مزرعة السلطان الخاصة في چاويش باشي، وجوابهم الطريف حين سُئلوا عن عملهم: «تربية الورود» [ص ١٩٦]. ثم يذكر أنّ المهاجرين من إقليم قيزانليق بدأوا إنبات الورود وإنتاجها وفق منهجٍ علميّ بإشراف بونكوفسكي من أساتذة المدرسة الطبية الشاهانية، وأنّ الحصاد الأول عام ١٨٨٦ بلغ ستّمئة وخمسين كيلوغراماً، وأنّ السلطان سُرّ بالنتيجة فوسّع الزراعة من وادي غوكصو [ص ١٩٧]. ويعرّف بمالك المزرعة الأصليّ مصطفى بهجت أفندي، حكيم باشي في عهدَي سليم الثالث ومحمود الثاني، المتوفّى عام ١٨٣٤، وعمّ الشاعر عبد الحق حميد [ص ١٩٧].
والحجاج في هذه المقالة قائمٌ على المفارقة الزمنية أكثر منه على الوثيقة: وادي الورود نشأ في «عصر الانحطاط»، وتحوّله إلى وادٍ للنفايات وقع في «عصر النهضة حسب تعبير كتبنا المدرسية» [ص ١٩٧]. وهي مفارقةٌ يسوقها المؤلّف صراحةً بلغةٍ ساخرة، واصفاً السلطان بـ«الرجعيّ» على سبيل التهكّم بخصومه، ومقابلاً إيّاه بـ«التقدّميين من حكّامنا». ثم ينتقل إلى گولخانة: دعوة مجموعةٍ من أطبّاء جامعة بون إلى إستنبول عام ١٨٩٨؛ وتاريخ المشفى العسكري المرتدّ إلى عام ١٨٤٨ ثمّ تحوّله إلى إعدادية عام ١٨٦٠ فرشدية طبية عسكرية عام ١٨٧٥؛ ورفض الأساتذة الفرنسيين — الذين كانوا يحتكرون تعليم الطب — العمل مع الألمان، فتخصيص مبنى رشدية گولخانة في سراي بورنو مشفىً بمئةٍ وخمسين سريراً بأحدث التجهيزات الألمانية [ص ١٩٧–١٩٨]. وينقل عن موسوعة معارف إستنبول، مادّة نوران يلدرم، أنّ المدرسة ضمّت أفضل المختبرات والعيادات وافتُتحت مشفىً يستقبل المدنيين، وأنّ معملاً صغيراً أُنشئ في حديقتها لإنتاج الضمادات الطبية بدلاً من استيرادها معلّبةً من أوروبا [ص ١٩٨]. ثمّ يتابع خطّ المؤسسة إلى ضمّ المدارس المدنية والعسكرية في حيدر باشا، فنقلها إلى أنقرة عام ١٩٤١، فتسميتها GATA بعد عام ١٩٤٧، ويشير إلى أنّ عبارة الإنشاء الدالّة على عبد الحميد ما زالت قائمةً على الباب [ص ١٩٨].
الجنازة وقافلة النادمين
عند الصفحة ١٩٩ ينتقل الكتاب إلى محوره الثاني بصورةٍ لموكب جنازة السلطان في شباط ١٩١٨ وتعليقٍ عليها: «ودّع السلطان الأخير عالمنا قبل أن يدرك آلام الاحتلال البريطاني» [ص ١٩٩]. ثم يروي زيارة أنور باشا وطلعت باشا لقصر بيلربيي بعد الخلع، وأنّ أنور لفّق حجّةً وعاد من عتبة الباب خجلاً، وأنّ طلعت خرج والدموع في عينيه معترفاً بحجم الأخطاء التي وقعوا فيها، وأنّه كان في المشيّعين بينما وقف أنور عاقداً يديه خلف ظهره [ص ٢٠٠]. ويصف الجنازة بأنها آخر جنازةٍ عظيمة احتشد لها الناس في العهد العثماني، أُقيمت رسميةً بأمرٍ من السلطان رشاد بمشاركة الأمير وحيد الدين، ويذكر نحيب النساء من النوافذ: «كيف تتركنا وتذهب؟» [ص ٢٠٠]. ويستشهد بندم الفيلسوف رضا توفيق في قصيدته «استمداد من روح السلطان عبد الحميد» وبندم الشاعر سليمان نظيف، ويلاحظ أنّ شعراء كباراً — عبد الحق حميد ويحيى كمال وتوفيق فكرت — مدحوه في أوّل عهده ثمّ انتقلوا إلى صفوف المعارضة [ص ٢٠٠].
ثمّ يسوق حالةً بعيدةً عن مركز الدولة: بطرس، جدّ الروائي أمين معلوف، في زحلة عام ١٩٠٨. وهنا ينقل المؤلّف نصوصاً من معلوف نفسه، أوّلها بيانٌ صحفيّ للجدّ فيه مديحٌ صريح: «ينبغي أن يكون الثناء الأول والأخير لحاكمنا المحترم السلطان ابن السلطان عبد الحميد خان سبب كلّ خير»، وثانيها خطبةٌ ألقاها الجدّ على المسرح ساعة بلغه خبر الخلع وفيها هجاءٌ عنيف: «سيبقى اسمه ملطّخاً بالعار إلى الأبد» [ص ٢٠١–٢٠٢]. واللافت أنّ المؤلّف ينقل النصّين معاً مع جملة معلوف الختامية عن جدّه — «أترك الحجر الأول ليرميه به امرؤ لم يتغيّر قطّ» — ثم يعلّق بأنّ معلوف «بأسلوبه الاستهزائي العجيب يقول الكثير لكلّ ذي عينين» [ص ٢٠٢]؛ أي إنّه يقرأ التقلّب نفسه شاهداً على أطروحته لا شاهداً عليها. ويتبع ذلك خاطرةٌ لراغب أق يواش من الخمسينيات، فيها ردّ السلطان المعزول على مشروع نقل العاصمة إلى قونية أثناء معارك چناق قلعة: «لن أتحرّك إلى أيّ مكان، ولن أترك أرض أجدادي» [ص ٢٠٢]، وجواب أنور باشا لحرس القصر بعد لقائه به: «لقد أخطأنا معه للأسف»، وجواب السلطان عن أنور: «ليس رجلاً سيّئاً، كان يمكن استخدامه» [ص ٢٠٢]. ويبلغ الفصل ذروته باعترافٍ منسوب إلى أنور باشا مخاطباً جمال باشا المرسيني قبل هربه من إستنبول بيوم: «لقد أردنا الطورانية فأصابنا الهلاك. إنّ أساس أخطائنا ومسؤوليتنا يكمن في عدم فهمنا السلطان عبد الحميد، وأنّنا أصبحنا أدواتٍ للصهيونية» [ص ٢٠٣]. ويُقدَّم هذا النصّ بإحالةٍ ختامية من غير مناقشةٍ لسنده.
السلطان والمثقّفون: تشخيص القطيعة
يصوغ المؤلّف هنا أطروحته العامّة: أنّ السلطان «نجح في كسب محبّة شعبه، واستطاع أن يؤسّس لعلاقةٍ جيدةٍ معه، لكنّه لم يبتسم له قدره مع المثقّفين في عصره أو في من جاؤوا بعده» [ص ٢٠٥]. ويعزو ذلك إلى دعاياتٍ مغرضة، خصوصاً بعد المشروطية الثانية. ويضرب مثلاً بمراد الميزانجي حين كان مدرّس تاريخٍ في ثانوية دار الشفقة: يطلب مراقبة الباب كأنّه يفشي سرّاً، ثم يحدّث طلابه عن سلطانٍ يكبّل أقدام مبغوضيه ويحملهم على سفينة «عز الدين» فيلقيهم في البحر قبالة تكيرداغ، بأسلوبٍ يوحي بالمعاينة — والشاهد على المجلس مالك أق سل، أحد الطلاب الحاضرين [ص ٢٠٥]. ويضيف خواطر آقا كوندوز في عهد الجمهورية بوصفها بياناً لكيفية تنشئة جيلٍ مشحونٍ بالكراهية [ص ٢٠٥].
ثم يستدعي مؤرّخاً غربياً بعينه: جوستين مكارثي، وينقل عنه تحليلاً لمرحلة تعليق البرلمان — أنّ المشروطية العثمانية لم تكن عملاً ناجحاً، وأنّ مجلساً احتجّ لأوّل مرة وحمّل الجيش أوّلاً ثم السلطان ثانياً مسؤولية هزيمة ١٨٧٧–١٨٧٨، وأنّ السلطان خشي الانقلاب عليه ووصول تلك الأصوات إلى أوروبا فاستعمل صلاحيةً يمنحها له الدستور نفسه في حلّ المجلس، وأنّه لم يُلغِ الدستور ولكنّه لم يدعُ إلى انتخاباتٍ جديدة ثلاثين عاماً [ص ٢٠٥]. ويردف بقولٍ منسوب إلى السلطان عند إعلان المشروطية: إنّه كان ينبغي إعداد الأمّة لمستوى الوسط الجديد الذي يشكّله الدستور، «أمّا وقد آن الأوان ونضجت الأمّة؛ فإنّني أعلن الدستور» [ص ٢٠٦]. ويستشهد بخصمٍ من خصومه — حسين جاهد، «كان دائم المعارضة للسلطان» — على أنّ عبد الحميد لم يستطع كبح دموعه وسط الهتافات، وبأحمد رضا بيك رئيس جمعية الأتراك الجدد على قوله: «لا أتذكّر لحظةً كنت فيها سعيداً إلى هذا الحدّ في عمري كلّه» [ص ٢٠٦]. والاعتماد على شهادة الخصم أسلوبٌ متكرّر في هذا القسم كلّه.
ويضرب مثلاً على تقلّب المواقف بالجرّاح جميل توپوزلو — وفق ما كتبه سرمد مختار ألوس — الذي نال لقب الباشا والرتب والنياشين من يلدز كلّما أجرى عمليةً ناجحة، وأقام الاحتفالات المبالغ فيها في ذكرى الجلوس في بيته، ثمّ قدّم نفسه بعد المشروطية بأقواله وكتاباته مجاهداً حارب الاستبداد منذ الأزل [ص ٢٠٦]. ويصل إلى صيغةٍ يعدّها خلاصةً: «تاريخنا القريب هو تاريخ المتغيّرين، والمجبرين على التغيير» [ص ٢٠٦]، ثمّ إلى استعارةٍ مفتوحة: السلطان «رصاصةٌ استقرّت في أجسادنا... لم ننجح بعد في انتزاعها» [ص ٢٠٧]. ويُلحق بذلك بورتريهاً لمراد الميزانجي بقلم يحيى كمال، فيه أنّ مراداً كان أحد اثنين تقدّما بلائحة إصلاحاتٍ إلى السلطان بناءً على طلبه — والآخر عزت هولو باشا — وأنّ برود القصر دفعه إلى المعارضة عبر جريدة «الميزان» في مصر ثمّ باريس، ثم عاد بإقناع أحمد جلال الدين باشا وقبل عضوية مجلس الشورى، ثمّ حاول بعد المشروطية أن يظهر بطلاً فألقى جيش الحركة القبض عليه بتهمة التحريض في أحداث ٣١ آذار ونجا من الشنق بأعجوبة [ص ٢٠٧].
محمد عاكف وبديع الزمان: نمطان من المعارضة
يعقد المؤلّف مقارنةً بين معارضَين إسلاميّين، ويجعلها محور الصفحات ٢٠٨–٢١٧. أمّا محمد عاكف فيعرض خصومته للسلطان في أشدّ صورها، ناقلاً عن كتاب مدحت جمال كونتاي حكاية أنّ عاكفاً خرج مصفرّاً يتدافعه الغثيان حين رأى وجه السلطان لأوّل مرة في بيازيد [ص ٢٠٨]، وأنّه كان يثق بأنّ السلطان وراء أحداث ٣١ آذار «كثقته بنفسه»، وأنّه ترجم ونشر في جريدة «الصراط المستقيم» ردّاً كتبه المصلح المصري فريد وجدي على مثقّفي الهند الذين دافعوا عن السلطان في صحفهم [ص ٢٠٨]. ثم ينقل من ديوان «صفحات» أبياتاً في هجائه: اختباؤه خلف الأقفاص «مثل النساء»، وإحاطته بأربعين أو خمسين ألف جنديّ، وتركه ما يزيد على ستّين ألفاً بلا صلاةٍ حين يصلّي الجمعة، والإسراف والتبذير، ووصفه في موضعٍ آخر بـ«غراب يلدز» [ص ٢٠٨–٢٠٩]. وهذا النقل الكامل للهجاء — بلا تخفيف — أمانةٌ في العرض، غير أنّ المؤلّف يتبعه بحكم: إنّ عاكفاً «لا يمتلك المعلومات الواضحة الدالّة على تخلّيه عن هذه النظرة»، وإنّ أبيات الندم في أواخر «صفحات» — وهي المكتوبة عام ١٩٢٢، أي بعد عشر سنواتٍ عصيبة — «ليست كافيةً للتكفير عن الانتقادات السليطة اللاذعة السابقة» [ص ٢٠٩–٢١٠]. ويورد في التعليق الختامي قولاً منسوباً إلى عاكف في سنوات مرضه بمصر عن نيّته تدوين ذكرياتٍ فيها «اعتذارٌ من السلطان عبد الحميد» [الحاشية ٢٩٨].
أمّا بديع الزمان سعيد النورسي فيقدّمه المؤلّف بوصفه النموذج المقابل: معارضةٌ مبدئية لا شخصية، لا تنحدر إلى شعاراتٍ من طراز «غراب القصر»، ويرى أنّ النورسي «يتّخذ من تشريح عبد الحميد الاجتماعي نموذجاً للاستبداد، كما فعل الأمير صباح الدين» [ص ٢١١]. ويستعرض السلسلة التي عدّها النورسي أسلافه في دفاعه أمام ديوان الحرب العرفي — ياووز سلطان سليم (١٥٢٠)، علي سوافي (١٨٧٨)، الشيخ تحسين أفندي (١٨٨٠)، نامق كمال (١٨٨٨)، جمال الدين الأفغاني (١٨٩٧)، محمد عبده (١٩٠٥) — ويقرأ فيها في آنٍ واحد مصادر فكره ومفتاح خلافه مع السلطان [ص ٢١١]. ثم يعلّق على كلّ اسمٍ منها: علي سوافي منظّم مداهمة چراغان لتهريب السلطان السابق مراد الخامس، وتحسين أفندي أُجبر على الانسحاب من الحياة الفكرية، ونامق كمال يعارض ولا يدّخر وسعاً في الاستفادة المادية منه، والأفغاني «شخصية غامضة أثارت شبهات السلطان» ففضّل وجوده في إستنبول تحت سمعه وبصره، ومحمد عبده تتقلّب مواقفه بحسب الوسط الذي يتكلّم فيه، ورشيد رضا يبدأ مدافعاً عن مشروع الخطّ الحجازي وعن السلطان حتى قال في العدد الأول من «المنار» إنّها تستقي العثمانية بلهجتها الحميدية، ثمّ ينتهي في سنواته الأخيرة إلى اتّهامه بالاستبداد [ص ٢١١–٢١٢]. ويحذّر المؤلّف من المبالغة في ردّ فكر النورسي إلى الجيل السابق عليه، داعياً إلى البحث عن عالمه الفكري الخاص [ص ٢١٢].
ويسرد قدوم النورسي إلى إستنبول عام ١٩٠٧ وهو في الثلاثين، حاملاً مشروع «مدرسة الزهراء» — جامعةٍ إسلامية تجمع المعارف التقليدية والعصرية في شرق الأناضول — ثم تقديمه عريضة إصلاح التعليم في أيار أو حزيران ١٩٠٨ [ص ٢١٢–٢١٣]. ويوازن بين مشروعه ومدارس السلطان، فيذكر افتتاح دار الفنون في إستنبول والجامعة الحميدية في بكين لتمكين مسلمي الصين من التحصيل، ويلاحظ في الوقت نفسه أنّ هذه المدارس «كانت تهدف إلى بناء الإيديولوجية الرسمية وإعداد الرجال المخلصين للخليفة السلطان»، وأنّ المدارس العليا — الحربية والملكية والطبية — «غدت مصادر مباركةً للمعارضة»، وأنّ الرقابة كانت قائمةً بينما الصحف الأجنبية تُقرأ بسهولةٍ حتى في وان [ص ٢١٣]؛ وهي ملاحظاتٌ لا تجري في اتجاه الدفاع. وهنا يفارق المؤلّف الرواية الشائعة صراحةً: يقول إنّ من غير السهل القبول بأنّ تقريراً في التعليم يدفع إلى وضع صاحبه تحت المراقبة، ويرجّح أن يكون السبب الحقيقيّ كلامه الصريح البعيد عن المجاملات مع كبار البيروقراطيين في القصر [ص ٢١٣] — وهو ترجيحٌ يسوقه بوصفه ترجيحاً. ثمّ يذكر وضعه في مشفى طوپ طاشي للأمراض العقلية في أسكدار، وتقرير الطبيب الأرمنيّ بسلامة عقله، ونقله على أساس التقرير إلى السجن، وزيارة ناظر الضبطية له قبل شهرٍ من الانقلاب الدستوري في ٢٤ تموز ١٩٠٨ حاملاً وعداً بعرض المشروع على مجلس الوزراء وبتعيينه رئيساً للجامعة المزمعة، وعرضاً براتبٍ شهريّ من القصر رفضه [ص ٢١٣–٢١٤]. ويستنتج المؤلّف أنّ المشروع لو قُدّم «من قناةٍ مناسبة أخرى وأرضيّة مناسبة أخرى وفي زمنٍ مناسب» لما تركه السلطان [ص ٢١٤]، وهو استنتاج شرطيّ يعترف بأنه كذلك.
ثمّ ينقل المؤلّف مادّةً من داخل مدرسة النورسي، وهي أطول شواهد الفصل. يذكر أنّ النورسي كان يرى في إدارة السلطان استبداداً، لكنّه «استبدادٌ جزئيّ أُكره عليه» يقابله ما رآه بعد ذلك من «استبدادٍ كيفيّ شديد» [ص ٢١٥]. وينقل عن مصطفى سونغور قول أستاذه في سنوات حكم الحزب الواحد: «أي سعيد المتبلّد! لقد عارضت حاكماً مشفقاً وقلت عنه إنه مستبدّ؛ فتحمّل جزاءً لك هذا الاستبداد الشديد» [ص ٢١٥]، وقوله: «إنّ السلطان عبد الحميد وليّ، وأدعو له في أدعيتي الخاصة» [ص ٢١٥]، ورواية محسن علو لنجم الدين شاهينر [ص ٢١٥]. ويورد بتمامه «مكتوباً» كتبه طالبان — محسن وضياء — عام ١٩٥٣ في أربعة بنود: أنّ أستاذهم كان يحسن الظنّ بالسلطان استناداً إلى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، وأنّه أثنى عام ١٩٠٨ على «الحرية في دائرة الشريعة» وحذّر من أنّ الاستبداد الجزئيّ إن أُفلت من عقاله «يتكاثر كالخلايا» فيصير مطلقاً، وأنّه توقّع خلاص العالم الإسلامي وظهور «الجمهوريات الإسلامية المتحدة»، وأنّه كان على قناعةٍ بأنّ السلطان في عداد الأولياء، معدّداً قرائنه: ثباته أمام الدسائس والقوى الأجنبية، وسوقه العشائر البدوية البائسة في الولايات الشرقية إلى المراتب العسكرية والمدنية العليا عبر الألوية الحميدية، ومواظبته على صلاة الجمعة في جامع الحميدية، ووجود شيخٍ يعدّه أستاذه المعنويّ في يلدز [ص ٢١٦–٢١٧]. ويضيف من ترجمة عبد القادر باديللي بنداً خامساً يقيس أخطاء الأستاذ في حقّ السلطان على ما وقع بين عليّ وطلحة والزبير رضي الله عنهم [ص ٢١٧]. ويختم بملاحظةٍ ببليوغرافية يحيل فيها القارئ إلى مقالة سليم سونماز عن وثائق أرشيف رئاسة الوزراء المتعلقة بقدوم النورسي من وان إلى إستنبول [ص ٢١٧].
شهاداتٌ من داخل معسكر الخصوم: آقا كوندوز ورؤوف أورباي
يخصّص المؤلّف مقالتين متتاليتين لرجلين من صفّ المعارضة. الأولى للكاتب آقا كوندوز (١٨٨٦–١٩٥٨)، واسمه الأصلي أنيس عوني، ويعرض سيرته من موسوعة اللغة والآداب التركية ثمّ يشكّك في تلك السيرة بصراحة: «هل يمكن أن يكون هناك مثالٌ أفضل من هذا لإثبات أنّ السير الذاتية تُكتب لخداع الأغبياء؟» [ص ٢١٨]. ويستوقفه صمت التراجم عن اثنين وعشرين عاماً من حياته، ويشير إلى نيابته في مجلس النواب من عام ١٩٣٢ إلى عام ١٩٤٦ ويربطها بما سيرويه [ص ٢١٩]. ثمّ يعثر على مقالتَي كوندوز «في طريقي إلى السلطان» في مجلة Yedigün عام ١٩٣٩، فيسرد منهما: أنّه كان في ٢٤ نيسان ١٩٠٩ عند بحيرة قصر يلدز مع الوحدة العسكرية التي تطوّع فيها لحماية الهيئة الحاملة فتوى الخلع، وأنّه عرف منها أسعد توبتاني باشا وإيمانويل قره صوه وظنّ الباقين عرباً [ص ٢١٩]؛ ثمّ يصحّح المؤلّف هذا الظنّ بالاستناد إلى رواية فتحي أوقيار الذي كان في الحديقة أيضاً، فيجعل الآخرَين السيناتور الأرمني آرام أفندي ونائب لازيستان عارف حكمت باشا [ص ٢١٩]. ثمّ يروي ذكرى كوندوز عن عام ١٨٩٧ وهو ابن إحدى عشرة سنة، حين التقى في حديقة القصر رجلاً نحيلاً أنيقاً بلحيةٍ سأله عمّا يفعل، فأجابه ببراءة أنّه جاء ليقابل السلطان طلباً للانتساب إلى مدرسة، فوعده الرجل بالتسجيل في غلطة سراي وبإنقاذ والده من النفي وتعيينه بنكباشي، ولم يدرك الفتى إلا في منتصف الطريق أنّه قبّل يد السلطان نفسه [ص ٢١٩–٢٢٠]. والمفارقة التي يبنيها المؤلّف: أنّ الفتى نفسه صوّب سلاحه بعد سنواتٍ على الرجل الذي حوّل حياته، وأنّ من خلعوه كانوا «النشء الذي تخرّج من المدارس التي افتتحها بنفسه» [ص ٢٢٠]. ويعزّز الحكم باستدعاء الباحث الفرنسي ثيري زاركون ووصفه المرحلة بـ«الدولة الماسونية» [ص ٢٢٠، والحاشية ٣١٤]. ويلحق بذلك خبراً قصيراً عن سالم الكردي، أحد ضبّاط حراس قصر علاتيني في سلانيك، الذي أطلق النار على السلطان المعزول فأخطأه، مع الإشارة إلى أنّ سالماً هذا كان قد دخل ثانوية قوللي العسكرية بمساعدة السلطان وتلقّى منه معوناتٍ مالية، وأنّه قتل لاحقاً عازفَين أرمنيّين بلا سبب، والمصدر مذكّرات واصف بك في «مجموعة حياة التاريخية» عدد كانون الأول ١٩٦٦ [ص ٢٢٠–٢٢١].
والمقالة الثانية لرؤوف أورباي، «بطل الحميدية» (١٨٨١–١٩٦٤). يقدّمه المؤلّف بوصفه ممّن «تشوّشت أفكارهم في فهم السلطان»، لكنّه كان محظوظاً بمعرفته عن قرب، ويلاحظ أنّ الوثائق التي نُشرت بعد وفاته تُظهر أنّه لم يعد ينظر إليه «من نافذة البحرية بل بعينَي رجل دولة» [ص ٢٢٢]. ومادّة الفصل كلّها من مذكّرات أورباي التي جمعها جمال قوطاي: وصف غرفة الاستقبال وخارطة كيپرت للحرب الروسية اليابانية والأعلام المثبّتة عليها؛ ووصف صوته «الداوودي» وطريقته في توسيع دائرة السؤال حتى يطمئنّ إلى الجواب؛ وقول بغنام باشا بعد اللقاء: «إنّ سلطانكم يريد أن يعرف أفكار مخاطبه وآراءه قبل أن يعبّر عن أفكاره وآرائه» [ص ٢٢٣]. ثمّ تفصيلةٌ يجعلها المؤلّف حجّةً قائمة بذاتها: أنّ السلطان قرأ التقرير الذي ترجمه أورباي ووضع خطوطاً حمراء تحت المعلومات المهمّة والأسماء الخاصة، «فهذه الحادثة تدلّ على أنّ السلطان لم يكن يطلب التقارير ليطرحها جانباً أو لمجرّد إشغال الناس» [ص ٢٢٤]؛ وأنّه كلّف بغنام بتدقيق توزيع العلامات على ساحات الحرب ومطابقتها للتقرير؛ وأنّه طلب إعادة الكلام «بشكلٍ أبطأ وبكلماتٍ واضحة»؛ وأنّه تذكّر نسب الضابط الشابّ عند الخروج فسأله: «رؤوف بيك، هل أنت ابن محمد مظفر باشا؟» ودعا له بأن يخدم الوطن والأمّة [ص ٢٢٤–٢٢٥]. ويستخلص المؤلّف أنّ الحادثة، على عرضيّتها، تُظهر «حجم المسائل الدقيقة التي ينشغل بها رجل الدولة في قصره الصغير» [ص ٢٢٥]. ثم ينتقل إلى مواجهة أورباي بنصٍّ من مذكّراته نفسها، وهو تلميحه إلى أنّ السلطان لم يكن يُرى مصلّياً يوم الجمعة، فيردّ عليه ردّاً معمارياً: لو دخل مسجد يلدز لرأى إلى يساره محفل الحاكم في قفصٍ من أشجار الورد يُرى المصلّي من خلال قضبانه، ويصف التلميح بأنّه «يرقى إلى الافتراء الصريح على شخصٍ مسلم» [ص ٢٢٥]. وهذا الموضع من أوضح مواضع المجادلة المباشرة في القسم، ويعقّبه المؤلّف بتخفيفٍ: لعلّ خصومة أورباي تُفسَّر بـ«الجوّ العام الذي كان يسيطر على ذلك العصر» [ص ٢٢٥].
صورة الأب، وشهادة أتاتورك، وچناق قلعة
في المقالة قبل الأخيرة يقترح المؤلّف إطاراً نفسياً لتفسير علاقة الجيل بالسلطان: أنّه بقي في العقل الباطن لمثقّفي الجمهورية ممثّلاً «صورة الأب»، وأنّ الجيل الأول منهم بحث عن السلوان «في أحضان الأمّ» [ص ٢٢٦]. ويستشهد بيحيى كمال الذي فرّ إلى باريس قبل أن يتجاوز الثامنة عشرة ليكتب مقالاته ضدّ السلطان، ولم يعد إلى بيته إلا بعد سقوطه، وبنصٍّ ليحيى كمال نفسه يصف فيه عبد الحميد بأنّه «بحرص سلطانٍ آسيويّ غيور قديم قد تكفّل المملكة كما يتكفّل المرء زوجته» [ص ٢٢٦]. ثم ينقل عنه وصفاً لفراغ السلطة بعد ١٩٠٨: انقلابٌ أسقط القانون الأساسي القديم واجتمع مجلس المبعوثان، «ولكن لم يكن في الميدان مكانٌ للسلطة»، فوقع الاحتلال العسكري عام ١٩٠٩، «وأنشأ الاتحاديون من موقع السلطة قاعدةً للإرهاب» [ص ٢٢٦]، واعترافاً منسوباً إلى الدكتور ناظم، أحد قادة الاتحاديين النشطاء، ليحيى كمال في الحرب العالمية الأولى: «نريد أن نتخلّى عن السلطة، ولكن لمن نتركها؟ من نأتمنه عليها؟» [ص ٢٢٧]. ويعرض روايته غير المكتملة «أنت لي في كلّ ليلة» التي بدأ كتابتها عام ١٩٥٦/١٩٥٧، وفيها بطلٌ شابّ في باريس يسمع بائع الصحف ينادي بموت السلطان فيغرق في التفكير: «على الرغم من كلّ شيء استطاع هذا الحاكم أن يدير الوطن... فكم هي المصائب المخيفة التي ستحلّ به الآن؟» [ص ٢٢٧]. ثمّ يكشف أنّ يحيى كمال نفسه نظم مديحاً في الذكرى الخامسة والعشرين للجلوس عام ١٩٠٢ في صحيفة «ارتقاء» باسم أحمد آغا وحاول إخفاءه، وينقل مطلعه [ص ٢٢٧–٢٢٨]، ثمّ يعقّب بحسبةٍ بلاغية: ١٩٥٧ ناقص ١٩٠٢ يساوي خمساً وخمسين سنةً «نحتاج إليها لنفهم قدر الأب الذي فقدناه» [ص ٢٢٨].
وتأتي المقالة التالية لتقديم شهادةٍ يعدّها المؤلّف خاتمة استدلاله: ما نشره نظام الدين نظيف تپه دلن لي أوغلو في جريدة «الحرّيّة» في ٣١ تموز ١٩٥٨ — في الذكرى الخمسين لإعلان المشروطية، وفي حلقةٍ مؤخّرة من سلسلةٍ بدأت في ٢٣ تموز — عن لقاءٍ جمعه بأتاتورك في قصر دولمة بهچة صيف عام ١٩٣٧ بعد مقالاتٍ نشرها بعنوان «مقدونيا». وينقل النصّ: أنّ أتاتورك قال له «واضحٌ أنك لا تحبّ عبد الحميد أبداً»، ثم بعد صمت: «أن تكره عبد الحميد فلا بأس عليك! ولكن إيّاك أن تسيء إلى ذكراه»، ثمّ إنّ إدارة عبد الحميد لدولةٍ عظمى تعيش على أرضها شعوبٌ كثيرة مجهولة المصير وحدودها مطوّقة بالأعداء «كانت إدارةً تتمتّع بالتسامح الأعظم، خصوصاً عندما تكون في أواخر القرن التاسع عشر» [ص ٢٢٩–٢٣٠]. والمصدر مُحال إليه في التعليق الختامي إلى كتاب نظام الدين نظيف الصادر في إستنبول عام ١٩٦٠ [الحاشية ٣٢٤]. واستدعاء أتاتورك شاهداً — لا خصماً — هو منتهى استراتيجية المؤلّف في هذا القسم كلّه: أن تأتي الشهادات من غير المتّهمين بالتحيّز للسلطان.
وينتهي الكتاب بفصلٍ استرجاعيّ يبدأ بمَرثاةٍ كُتبت في سيواس خلال الحرب العالمية الأولى — «فمن للعساكر يحقن دماءهم سوى السلطان عبد الحميد؟» — ويقرأها المؤلّف، ناقلاً عن براءة دميرجي، بوصفها دليلاً على أنّ ذكر السلطان اقترن في وجدان الناس بالحياة لا بالموت، وعلى أنّ «فراسة الناس أدركت» ما لم تدركه ذاكرة المثقّفين [ص ٢٣١]. ثمّ يعدّد ما يعدّه حصيلة عهده: زمن سلمٍ طويل حقن دماء جيلٍ كامل، وبنية تحتية مدنية من المدارس وتشكيلات الشرطة إلى دار العجزة ودار الفنون في قونية وتشكيلات الإطفائية، وجسر كركوك، وصنبور ماءٍ في قرية أق صو ببورصة، وشبكة مياه إستنبول، وساقٌ صناعية للشابّ الأرمني أونّك، وإرسال طبيبه الخاصّ إلى زوجة موظّفٍ في بريد لالة لي [ص ٢٣١–٢٣٢]. ثمّ يشرح عنوان الكتاب: «كان لا بدّ له من أن يخرج في رقصٍ طويلٍ متعبٍ مع ذئاب ذلك العصر» [ص ٢٣٢]، ويعدّد مقابلاته: هدوءٌ يملأ ثيودور روزفلت غيظاً، ومناوراتٌ تُذهب تهديدات جلادستون هباءً، ودهاءٌ ينال تقدير بسمارك، وتفاهمٌ مع الروس، وتعبئةٌ عسكرية، ومدافع كروب في مضيق چناق قلعة [ص ٢٣٢]. وأطروحته الختامية أنّ جيل چناق قلعة تخرّج من مدارسه واستعمل السلاح الذي وفّره، وأنّ مقاومة السلطان نفسها كانت «چناق قلعة صامتة» — وهي أطروحة سببيّة يسوقها بلغة الخطابة لا بلغة الإثبات، مقرونةً بأسئلةٍ إنشائية موجّهة إلى السلطان بضمير المخاطب [ص ٢٣٢–٢٣٣]. ثمّ يقفل الكتاب بقولٍ منسوب إلى السلطان: «نحن كنهرٍ فاض عن مجراه... والقوّة الفريدة القادرة على الحفاظ علينا أقوياء: هي الإسلام» [ص ٢٣٣].
في جهاز الكتاب: ما الذي يستند إليه فعلاً
ينتهي المتن عند الصفحة ٢٣٣، وتشغل الصفحات ٢٣٤–٢٦٩ — أي ستّاً وثلاثين صفحة — ثبتاً واحداً من التعليقات الختامية المرقّمة من ١ إلى ٣٢٤ [ص ٢٣٤، ص ٢٦٩]. ولا يتضمّن النصّ المتاح قائمة مصادر مستقلّة، ولا فهرس أعلامٍ أو موضوعات، ولا فهرس محتويات في آخره؛ فالجهاز كلّه محصورٌ في هذا الثبت. وهو ثبتٌ مزدوج الطبقة: تعليقاتٌ من المؤلّف مصطفى أرمغان تُختم أحياناً بحرفَي «م.أ»، وتعليقاتٌ من المترجم مصطفى حمزة تُختم بحرف «م» وحده. وتعليقات المترجم كثيرة، تشرح المصطلحات العثمانية — المابين، الثغر، دار السعادة، الطغراء — وتضيف سياقاً من مصادر عربية، وأكثرها إحالةً كتاب محمد حرب «السلطان عبد الحميد الثاني آخر السلاطين العثمانيين الكبار» الصادر عن دار القلم [ص ٢٣٥، ص ٢٦٦]. وبعض هذه التعليقات ليست شرحاً بل موقفاً، كالحاشية التي تناقش أيّ الأمرين يصحّ في السلطان: افتقاده رجالاً بالمواصفات المطلوبة، أم خطؤه في الاختيار [الحاشية ٣٠٩].
أمّا مادّة إحالات المؤلّف فيغلب عليها ثلاثة أنواع. الأول: مصنّفاتٌ تركية حديثة صادرة عن دور نشر إستنبولية وأنقروية بين الثمانينيات ومطلع الألفية — يلماز أوزتونا، وحيد الدين إنكين، أحمد أق كوندوز، إيلبر أورطايلي، عثمان نوري لرمي أوغلو، بيرم كودامان، مراد أوزيوكسل — وهي عمود المادّة. والثاني، وهو الأكثر تكراراً: مقالاتٌ في مجلاتٍ تاريخية ثقافية تركية شبه شعبية، منها «مجموعة الحياة التاريخية»، و«التاريخ يتكلم»، و«التاريخ الاجتماعي»، و«Yedigün»، و«Türk Dünyası Tarih Dergisi»، إضافةً إلى صحفٍ يومية مثل «زمان» و«حريت» و«أقشام»، وكثيرٌ منها من الستينيات والسبعينيات [ص ٢٤٠، ص ٢٥٠، ص ٢٦٥]. والثالث، وهو الأقلّ عدداً: مراجع بلغاتٍ أوروبية — إريك يان زوركر، وسليم دَرينكيل، وفرنسوا جورجيون، وبرنارد لويس، وشكران وحيدة، ودراسة في Oriente Moderno، ومقالة باحثٍ يابانيّ في حوليات الجمعية اليابانية لدراسات الشرق الأوسط [ص ٢٣٦–٢٣٧، ص ٢٥٠، ص ٢٦٢، ص ٢٦٦]. وتظهر إحالاتٌ أرشيفية مباشرة، لكنّها قليلة ومعظمها منقولٌ بواسطة؛ أشهرها إحالة «باش وكالت أرشيفي، يلدز ظرفي ١١٤» التي ترد نقلاً عن رشيد متل لا عن معاينةٍ مباشرة للوثيقة [الحاشية ٢٦٨].
وفي الثبت مواضع يصرّح فيها الكتاب بحدود مادّته: يذكر المؤلّف أنّ ترقيم الصفحات من عنده حين يكون الأصل غير مرقّم [الحاشية ٢٧٣]، ويسجّل المترجم عجزه عن الوصول إلى النصّ الأصليّ لأبياتٍ نقلها أمين معلوف بعد نفاد الكتاب [الحاشية ٢٧٩]، ويُنبّه في موضعٍ آخر إلى أنّ مذكّراتٍ بعينها «يحيط الشكّ بسلامتها، ومن المفيد الاستئناس بها إلى جانب الأدلة الأخرى» [الحاشية ٦٢]، ويشير إلى ضعف ترجمةٍ تركية مقارنةً بأصلها الإنكليزي [الحاشية ٣٣]. وتتضمّن حاشيةٌ واحدة إحالةً إلى صفحة إنترنت [الحاشية ٣١٤].
ملاحظة على حال النصّ المقروء: النصّ المستخرَج سليمٌ في مجمله، غير أنّ الأسماء اللاتينية تتقطّع فيه على أسطرٍ متعدّدة وتتخلّلها فراغاتٌ داخل الكلمة الواحدة، كما تنفصل بعض الحروف في الكلمات المعرّبة عن التركية («چ ناق قلعة»، «گ ولخانة»)؛ وهي آثار استخراجٍ لا نقصٌ في المادّة. وفي الصفحة ١٨٧ يرد «حرب ٩٣ - ١٧٧٨»، وهو خطأ ظاهر صوابه ١٨٧٨ بحسب سائر مواضع الكتاب. وفي الصفحة ١٩٦ تُؤرَّخ حادثة انزلاق القمامة بصباح «الرابع والعشرين من آذار ١٩٩٣»، وهو ما أثبته النصّ. ولم أقف في المدى ١٨٠–٢٦٩ على صفحةٍ مبتورةٍ أو غير مقروءة.