أرقام الصفحات بين معقوفتين — على هيئة [ص ٩٤] — تحيل إلى النسخة المعتمدة في هذا الدليل: نصّ مستخرَج من ملفّ الكتاب، ٢٦٩ صفحة. وهي أرقام صفحات هذه النسخة، لا أرقام المطبوع. والإحالة على «الحاشية ٣٢٤» تعني حاشيةً من الحواشي الختاميّة المرقَّمة في آخر الكتاب، ومعها رقم الصفحة التي وردت فيها.
الكتابُ ومؤلِّفُه
الصفحات الأولى تعطي هويّة النشر كاملة. الأصل تركيّ عنوانه ABDÜLHAMİD’İN KURTLARLA DANSI لمصطفى أرمغان، وحقوق ترجمته مرخَّصة من دار Timaş الإستنبوليّة، ونُشرت الترجمة العربيّة بدعم من وزارة الثقافة والسياحة في الجمهوريّة التركيّة ضمن مشروع TEDA [ص ٣]. الترجمة لمصطفى حمزة، والمراجعة والتحرير لمركز التعريب والبرمجة [ص ٢]، والناشر الدار العربيّة للعلوم ناشرون في بيروت، والطبعة الأولى ١٤٣٣ هـ / ٢٠١٢ م [ص ٣]. وقد وقّع المترجم مقدّمته في دمشق، رمضان ١٤٣٢ / آب ٢٠١١ [ص ٩–١٠]، ووقّع المؤلّف مقدّمته في إستنبول، تموز ٢٠١١ [ص ١٥].
الكتاب لا يقدّم عن مؤلّفه سيرةً ولا تعريفًا. مقدّمته الشخصيّة تتحدّث عن أسرة جدّه لأمّه في أورفة، وعن جدّ والده الذي كان مدرّسًا للعربيّة والفارسيّة ومات بالكوليرا في الشام [ص ١١]، ثمّ تنتقل مباشرةً إلى موضوعها. لا تجد في الكتاب سنة ميلاد المؤلّف، ولا دراسته، ولا مهنته، ولا انتماءً جامعيًّا، ولا بيانَ منهج، ولا ثبتًا للمصادر ولا فهرسًا؛ الحواشي الختاميّة تنتهي عند الحاشية ٣٢٤ وينتهي الكتاب معها [ص ٢٦٨–٢٦٩]. والمعلومة المهنيّة الوحيدة عنه في الكتاب كلّه مدفونة في حاشية عابرة تحيل على ترجمةٍ تركيّة لمحمّد أسد «قام بها مصطفى أرمغان، إستنبول ٢٠٠١» [الحاشية ٧٨، ص ٢٤١].
ما يمكن التحقّق منه خارج الكتاب: مصطفى أرمغان مولود في ٢٤ شباط ١٩٦١ في جزيرة ابن عمر (جزره)، وتخرّج في كلّيّة الآداب بجامعة إستنبول، قسم اللغة التركيّة وآدابها، سنة ١٩٨٥. عمل رئيسًا لتحرير مجلّة İzlenim (١٩٩٥–١٩٩٦)، وكاتبًا في صحيفة Zaman (١٩٩٥–٢٠١٥)، ثمّ في Yeni Şafak (٢٠١٦–٢٠١٧) وYeni Akit (من ٢٠٢١)، ورئيسًا لتحرير مجلّة Derin Tarih (٢٠١٢–٢٠٢١). ومادّة ويكيبيديا الإنكليزيّة عنه تصف إنتاجه التاريخيّ بأنّه «مراجَعة تاريخيّة» (historical revisionism). فهو كاتب وناشر ومحرِّر مجلّة تاريخيّة جماهيريّة، لا مؤرّخ أكاديميّ — وهذا وصف لموقعه المهنيّ، لا حكم على ما يقول.
والمترجم ليس ناقلًا محايدًا، ولا يدّعي ذلك. مقدّمته تمتدّ خمس صفحات، ويقول فيها إنّه عثر على الكتاب في أسواق كتب إستنبول، وإنّه وجد فيه «قامةً عبقريّةً فذّة، ورجل دولةٍ من الطراز الأرفع»، ويخاطب المؤلّف بـ«أخي وسميّي» [ص ٩]. ومن حواشي الكتاب البالغة ٣٢٤ حاشية خمسون حاشية له هو، تنتهي بعلامته «م.» أو «المترجم». فالنصّ العربيّ يحمل ثلاثة أصوات على القارئ أن يفرزها: صوت المؤلّف، وصوت المترجم، والأقوال المنسوبة إلى السلطان نفسه.
وموقع الكتاب في مشروع صاحبه معلن: هو جزء أوّل من عمل مفتوح يسمّيه المؤلّف «أنسيكلوبيديا عبد الحميد»، ويقول صراحةً: «لا يمكننا حتى الآن الادّعاء بإتمام الجزء الأوّل... وفي الأصل لا نعرف العدد الذي ستبلغه أجزاؤها» [ص ١٣]. والمترجم يذكر أنّ جزأين كانا قد صدرا بالتركيّة حين ترجم [ص ٩].
الكتابُ بوصفه مرافعة
عنوان الكتاب استعارة، والاستعارة مشروحة في النصّ. الذئاب هي الدول الكبرى المتحلّقة حول «الرجل المريض» تنتظر إعلان وفاته؛ والرقص هو إشغالها وإبعادها عن الفريسة ريثما يُعاد البناء من الداخل. المترجم يقولها في مقدّمته: «كانت الدولة العثمانيّة بمثابة الرجل المريض وقد أحاطت به الذئاب... وكان على عبد الحميد أن يراقص الذئاب ويشغلهم ويأخذهم بعيدًا عن الفريسة» [ص ٨]. والمؤلّف يختم بها: «كان لا بدّ له من أن يخرج في رقصٍ طويلٍ متعبٍ مع ذئاب ذلك العصر» [ص ٢٣٢]. ولفظ «الذئاب» يتكرّر سبع عشرة مرّة على اثنتي عشرة صفحة، وعبارة «الرجل المريض» ثلاث عشرة مرّة.
والنبرة نبرة مرافعة لا مسح. في متن الكتاب (ص ١٧–٢٣٣، مئتان وسبع عشرة صفحة) مئتان وأربعون علامة استفهام، ومئة وسبع وسبعون علامة تعجّب، وثلاث مئة واثنتان وعشرون نقطة حذف. وفيه فصول يخاطب فيها المؤلّف السلطان مباشرةً: «نعم، أنت هنا سلطاني العظيم وما زلت! لم تغادر إلى أيّ مكان» [ص ٢٠]، ولفظ «سلطاني» يرد خمس عشرة مرّة.
وخصوم الكتاب معيَّنون بأسمائهم. أوّلهم الاتحاديّون وجماعة تركيا الفتاة — «الاتحاد والترقّي» إحدى عشرة مرّة، و«تركيا الفتاة» عشر مرّات — ويُتَّهمون بحرق وثائق يلدز وتهريبها بعد الانقلاب [ص ١٨–١٩]. وثانيهم مثقّفو العهد الجمهوريّ الذين ورثوا الخصومة [ص ٩٣]. وثالثهم صانعو لقب «السلطان الأحمر»، ويردّه الكتاب إلى «الدعاية الأرمنيّة» وإلى الرأي العامّ الأوروبيّ [ص ٣٦، ٩٣، ١٠٤]. ورابعهم مؤرّخون غربيّون بأعيانهم، وعلى رأسهم برنارد لويس الذي يقول عنه المؤلّف إنّه «لا يستطيع تجنّب الانحياز الكامل والتحامل على عبد الحميد حتى في أكثر مواضع حياته إشراقًا» [ص ٣٦].
وممّا يُحسب للكتاب في هذا الباب أنّه يصنّف نفسه بنفسه. يقول المؤلّف عن كتابَي نهال أتسيز ونجيب فاضل في الدفاع عن السلطان: «من الطبيعيّ أنّه لا يمكن تصنيف هذه الكتب العامّة في إطار الأبحاث التاريخيّة الموضوعيّة، بل في إطار التأسيس الإيديولوجيّ. فهي الأسلحة المستخدمة من التاريخ لاستخدامها في الصراع» [ص ٩٤]. ثمّ يضع كتابه في سلسلة تبدأ بمقالة أتسيز سنة ١٩٤٢ ويسمّيها «انكسار عبد الحميد» [ص ٩٣–٩٥].
وبناء الكتاب يتبع هذه الوظيفة. ليس سردًا متّصلًا لحكم دام ثلاثة وثلاثين عامًا، بل تراكم مقالات قصيرة تحت عناوين صحفيّة — يقارب عددها المئة في النصّ المستخرَج — من طراز «الخليفة الذي يرسل الدعم الماليّ لباستور» [ص ٤٠]، و«شارلوك هولمز والسلطان عبد الحميد» [ص ٦١]، و«رحلة في مكتبة عبد الحميد» [ص ٦٤]، و«غواصتنا الأولى قادمة» [ص ١٨٥]. من قرأه باحثًا عن حوليّة للعهد لم يجدها.
دعاواه الرئيسية
تُعرض هنا كما يعرضها الكتاب، منسوبةً إليه، من غير إقرار ولا ردّ.
أنّه محدِّث لا رجعيّ. يستدعي أدلّةً من نوع: عشرة آلاف فرنك أرسلها السلطان هديّةً إلى معهد باستور بعد سنة من اكتشاف لقاح الكلب، وإيفاد أطبّاء إلى باريس ثمّ إلى روبرت كوخ في برلين [ص ٤٠–٤١]؛ وواحد وخمسون ألبومًا تضمّ ثلاثين ألف صورة فوتوغرافيّة صُوّرت بأمره سنة ١٨٩٣ [ص ٣٧]؛ وتعيينه غير مسلمين في مواقع مهمّة [ص ٣٧].
أنّ سياسته كانت خطّةً واعية لكسب الوقت — «الوقت المكتسب» — أُنفق في بناء المدارس والسكك والمشافي [ص ١١، ٢٢، ٢٠٦].
أنّ الاستبداد المنسوب إليه كان دفاعًا اضطراريًّا لا طبعًا. يحوّل الكتاب السؤال إلى ثنائيّة «الحرّيّة أم الأمن؟» [ص ٢٢، ٨٧]، ويقيس بمثال افتراضيّ لتركيا مهزومةً محتلَّةً [ص ٢٢–٢٣]، ويورد أنّ السلطان لم يصادق طيلة حكمه إلّا على إحدى عشرة عقوبة إعدام، وكلّها لأسباب جنائيّة لا سياسيّة [ص ٩٢–٩٣].
أنّ لقب «السلطان الأحمر» لقب دعائيّ صنعته أطراف لها مصلحة فيه [ص ٣٤، ٣٦، ٩٣، ١٠٤].
أنّه أفشل المشروع الصهيونيّ في فلسطين. يورد أنّ هرتزل زار إستنبول خمس مرّات بين ١٨٩٦ و١٩٠٢ ولم يقابل السلطان إلّا مرّة، وأنّ عرضًا بخمسة ملايين ليرة ذهبيّة قُدّم ورُفض، وأنّ السلطان عرض عليهم أرضًا في غير فلسطين فرفضوا [ص ١١٧، ١٢٠–١٢١].
أنّ سياسته الإسلاميّة كانت عالميّة المدى — الصين وتركستان الشرقيّة [ص ١٠٦–١١٠]، والحبشة [ص ٧٧]، وأمريكا [ص ١٣٩]، وسكّة الحجاز التي بلغت المدينة سنة ١٩٠٨ [ص ١٢].
أنّ تهمة تعطيل الأسطول ساقطة. يبني الكتاب هذا على شرائه غوّاصات من طراز Nordenfelt، ويستشهد بخبر في صحيفة The Manchester Courier بتاريخ ٢٨ حزيران ١٨٨٧ [ص ١٨٩–١٩٤].
أنّ خلعه سنة ١٩٠٩ جرى بتهمة مفتعلة، وأنّ الاتحاديّين منعوا محاكمته وقد طلبها [ص ١٩]، وأنّ الصورة انقلبت بعد ١٩١٨ حين هرب خالعوه [ص ١٧–١٩، ٢٣١].
قاعدتُه المصدرية
بنية الكتاب على النحو الآتي: مقدّمة المترجم [ص ٥–١٠]، مقدّمة المؤلّف [ص ١١–١٥]، المتن [ص ١٧–٢٣٣]، ثمّ الحواشي الختاميّة [ص ٢٣٤–٢٦٩]. في المتن نحو ثمانية وخمسين ألف كلمة، وفي الحواشي نحو ثمانية آلاف وأربعمئة — أي إنّ الجهاز المرجعيّ يشغل قرابة ثُمن النصّ، وهي نسبة معتبرة لكتاب موجَّه إلى قارئ عامّ.
الحواشي ٣٢٤، منها خمسون للمترجم و٢٧٤ للمؤلّف. ومن حواشي المؤلّف ٢١٩ تعطي إحالةً بصفحة محدّدة، و٥٥ لا تعطيها، و١٢٥ تحمل عنوانًا بالحرف اللاتينيّ.
وتوزّع الإحالة على صفحات المتن يقول شيئًا آخر: من مئتين وسبع عشرة صفحة، إحدى وستّون صفحة لا تحمل علامة إحالة واحدة، وسبع وخمسون تحمل علامةً واحدة فقط، وتسع وتسعون تحمل اثنتين فأكثر. وأطول تتابع غير مُحال عليه خمس صفحات [ص ١٠٠–١٠٤]. فقرابة ثلث المتن مقول من غير سند ظاهر.
وجغرافيّة المصادر أحاديّة إلى حدّ لافت. من ٣٢٤ حاشية تذكر ١٢٦ حاشيةً إستنبولَ مكانًا للنشر، وستّ عشرة أنقرة، وواحدة قونية، وواحدة إزمير. أمّا بيروت والقاهرة ولندن ونيويورك فلا ترد ولا مرّة واحدة؛ ودمشق مرّة، والرياض مرّة، وباريس مرّة، وبرلين مرّتان. الكتاب مبنيّ على المكتبة التركيّة وحدها تقريبًا، ولا يعبر إلى المكتبة العربيّة ولا إلى الأدبيّات المنشورة في الغرب إلّا عبر ترجماتها التركيّة.
ونوع المادّة داخل هذه المكتبة ثلاثة أصناف، متفاوتة الوزن:
- الدوريّات التاريخيّة الجماهيريّة التركيّة — أربع وسبعون حاشية تحيل على عدد مرقَّم من دوريّة. وأكثرها تكرارًا «مجموعة الحياة التاريخيّة» (١٣ حاشية)، و«مجموعة التاريخ المصوّرة» (٩)، و«التاريخ يتكلّم» (٤)، و«الخزينة التاريخيّة» (٢). وأعداد هذه المجلّات المستشهَد بها تعود في الأغلب إلى الخمسينيّات والستّينيّات والسبعينيّات.
- المذكّرات — إحدى وعشرون حاشية. وأهمّها: «مذكّراتي السياسيّة» المنسوبة إلى السلطان نفسه [الحواشي ٩٣ و١٦٣ و١٧٨، ص ٢٤٢ و٢٥٠ و٢٥١، وعند المترجم ص ١٢]؛ ومذكّرات ابنته عائشة عثمان أوغلو [الحاشيتان ٧٥ و٩٦، ص ٢٤٠ و٢٤٢]؛ ومذكّرات كاتبه الأوّل تحسين باشا [الحاشيتان ٧٤ و١٨٧، ص ٢٤٠ و٢٥٢]؛ ومذكّرات طبيبه في المنفى عاطف حسين بإعداد م. متين خُلاغو [الحواشي ٦٦ و٧٠ و٢١٤]؛ ومذكّرات رؤوف أورباي التي جمعها جمال قوطاي في خمسة مجلّدات [الحاشيتان ١٦٦ و٢٦٥]؛ ومذكّرات هرتزل [الحاشيتان ١٥٨ و١٥٩، ص ٢٤٩]. واسم قوطاي وحده يرد في اثنتي عشرة حاشية موزّعة على سبع صفحات من قسم الحواشي.
- الأدبيّات الأكاديميّة — حاضرة لكنّها رقيقة. يناقش الكتاب فرنسوا جورجيون (ثلاث عشرة إشارة) وكمال قرباط (ستّ) وإيلبر أورتايلي (ستّ) وبرنارد لويس (خمس) وشريف ماردين (اثنتان) وإريك يان زورخر (واحدة)، ويحيل مرّةً على دراسة ستانفورد شو عن أرشيف يلدز المنشورة سنة ١٩٧١ [الحاشية ١٢٦، ص ٢٤٦]، ومرّةً على مراجعة گوكخان چتين سايا لأبحاث القرن التاسع عشر [الحاشية ١٢٧، ص ٢٤٦].
أمّا الوثائق الأرشيفيّة فهي أضعف حلقات الجهاز، وهذا موضع يستحقّ الانتباه. لفظ «يلدز» يرد ثلاثًا وستّين مرّة على سبع وأربعين صفحة، والمؤلّف يقيم عليه دعوى منهجيّة صريحة: «الوثائق الخاصّة بالسلطان عبد الحميد والتي وجدت بالكامل تقريبًا في أرشيف قصر يلدز تشكّل مصدرًا هامًّا لا يمكن التغاضي عنه» [ص ٩٤]. غير أنّ لفظ «أرشيف» أو «وثيقة» لا يرد إلّا في خمس حواشي من ٣٢٤. الأرشيف في هذا الكتاب برنامجٌ يُبشَّر به أكثر ممّا هو مادّةٌ يُستخرج منها.
كيف يُقرأ نقديًّا
ما يلي إرشاد قراءة، لا حكم على الكتاب.
أوّلًا: الدعاوى القائمة على شاهد واحد. خاتمة الكتاب مثال بالغ الوضوح. آخر صفحتين تنقلان مشهدًا لأتاتورك سنة ١٩٣٧ يثني فيه على إدارة عبد الحميد ويقول: «إنّ نمط إدارة عبد الحميد هو التسامح الأعظميّ» [ص ٢٢٩]. والسند، بحسب الحاشية ٣٢٤ [ص ٢٦٨–٢٦٩]، سلسلة مقالات نشرها نظام الدين نظيف في صحيفة «الحرّيّة» سنة ١٩٥٨ ثمّ ضمّها إلى كتاب صدر سنة ١٩٦٠. شاهد واحد، يروي بعد إحدى وعشرين سنة، في سياق سِجاليّ معلن، عن حوار خاصّ لا شاهد عليه غيره. هذا لا يعني أنّ الخبر باطل؛ يعني أنّ وزنه الاستدلاليّ لا يحتمل ما بُني عليه من ختام.
ثانيًا: «مذكّراتي السياسيّة». يستشهد بها الكتاب ثلاث مرّات في الحواشي وينقل منها المترجم في مقدّمته [ص ١٢]، ويعاملها في كلّ موضع على أنّها كلام السلطان. والقارئ ينبغي أن يعلم أنّ نسبة هذا النصّ إلى عبد الحميد محلّ نزاع بين المؤرّخين الأتراك: نشر علي بيرنجي سنة ٢٠٠٥ دراسةً في مجلّة Dîvân بعنوان «مسألة دفتر ذكريات السلطان عبد الحميد» يقرّر فيها أنّ هذه المذكّرات مصنوعة، ووافقه على ذلك مراد بارداقچي وحقان أردم. الموضوع خلافيّ، وليس من شأن هذه الصفحة أن تفصل فيه؛ الذي يعني القارئ أنّ الكتاب لا يذكر النزاع أصلًا. ويستحقّ التسجيل أنّ المؤلّف يمارس النقد المصدريّ حين يشاء: في الحاشية ٦٢ [ص ٢٣٩] ينبّه على مذكّرات عصمت بوزداغ بقوله «هذه المذكّرات يحيط الشكّ بسلامتها، ومن المفيد الاستئناس بها إلى جانب الأدلّة الأخرى». فالأداة موجودة عنده، والاستعمال انتقائيّ.
ثالثًا: الاستدلال بالصمت وبقلب عبء الإثبات. يتكرّر في الكتاب نمطان: أن يُستدلّ من إتلاف الخصوم للوثائق على أنّ فيها ما يدينهم [ص ١٩]، وأن يُردّ الاتّهام بسؤال بلاغيّ بدل معارضته بدليل — «فلماذا يشتري السلطان الذي يكره البحر والبحريّة الغوّاصة في الوقت الذي لم يكن أحد يملكها؟!» [ص ١٩٠]. السؤال وجيه، لكنّه لا ينهض وحده بإسقاط الدعوى المضادّة.
رابعًا: المواضع التي تنزلق إلى تفسير مؤامراتيّ على إسناد رقيق. أوضحها صفحتان تنسبان سياسة التتريك إلى تدبير إنكليزيّ، وتَعُدّان «أرمنستان الكبرى» و«كردستان الكبرى» طُعمين أُلقيا عمدًا لإشعال الحرب، وتسردان دور إيمانويل قره صو — والإسناد كلّه «الباحث جوزيف برودا» و«باحث إيطاليّ» [ص ١٠٤–١٠٥، الحاشيتان ١٣٤ و١٣٥، ص ٢٤٦].
خامسًا: ما لا يعالجه الكتاب. الأرمن يَرِدون على عشرين صفحة من المتن، والسياق في عامّتها ثلاثة: تفجير يلدز سنة ١٩٠٥ ووصف ثبات السلطان فيه [ص ٩٧–٩٩]، وردّ لقب «السلطان الأحمر» إلى الدعاية [ص ٣٦]، وعرض الأرمن ورقةً في لعبة التقسيم [ص ١٠٤]. ولفظ «مجزرة» لا يرد في الكتاب ولا مرّة واحدة، ولفظ «ساسون» كذلك؛ ولفظ «مجازر» يرد مرّتين لا تخصّان أرمن الدولة العثمانيّة [ص ١٢ عن إسرائيل، ص ١١٠ عن الصين]. وأعمال القتل الجماعيّ التي وقعت لأرمن الدولة العثمانيّة بين ١٨٩٤ و١٨٩٦، وتُسمّى في الأدبيّات المتخصّصة «المجازر الحميديّة»، وتتراوح تقديرات ضحاياها بين مئة ألف وثلاث مئة ألف، ويتنازع المؤرّخون في نطاقها وفي تسلسل المسؤوليّة عنها وفي توصيفها — لا يعرض لها الكتاب. والمؤلّف نفسه يسجّل في موضع آخر أنّ «قضايا الأرمن والأكراد وشرق الأناضول وجنوب شرقه والدين بقيت مختبئةً في زوايا وثائق عبد الحميد» [ص ٩٥]. فمَن أراد هذا الملفّ فليطلبه في غير هذا الكتاب.
سادسًا: طبقة المترجم. خمسون حاشية له، ومقدّمة من خمس صفحات، وبعض حواشيه تعليق سياسيّ راهن لا علاقة له بالقرن التاسع عشر — كالحاشية ٢٥١ [ص ٢٦١] التي تتمنّى راعيًا كعبد الحميد وتشكو «أخبار الفساد والصفقات الخائنة». هذه أقوال المترجم، لا أقوال المؤلّف ولا شهادة على العهد.
موقعُه من الجدل حول عبد الحميد
عهد عبد الحميد الثاني من أكثر عهود التاريخ العثمانيّ خلافًا بين المؤرّخين، والكتاب نفسه يشهد بذلك ويرسم خريطة المعركة في صفحات صريحة. يقول إنّ الجدل التركيّ اشتعل سنة ١٩٤٢ بين بيامي صفا ونهال أتسيز، وإنّ الكتابة المنتصرة للسلطان تكاثرت بعد ١٩٥٠ حين «ضعفت الرقابة على الطباعة والنشر»، وإنّ «الأبحاث الأكاديميّة الجادّة عن عبد الحميد» لم تبدأ إلّا بعد ١٩٦٠، وخارج تركيا في السبعينيّات [ص ٣٦، ٩٣–٩٥].
القطبان، بالقدر الذي يمكن التحقّق منه: صورة السلطان المستبدّ الدمويّ التي يلخّصها لقب «السلطان الأحمر»، ويردّها الكتاب إلى الاتحاديّين ومثقّفي الجمهوريّة والرأي العامّ الأوروبيّ والدعاية الأرمنيّة [ص ٣٦، ٩٣، ١٠٤]؛ وصورة «الخاقان المعظّم» التي أرسى دعائمها أتسيز ونجيب فاضل، ويصفها المؤلّف بنفسه بأنّها «التأسيس الإيديولوجيّ» [ص ٩٤]. وبينهما أدبيّات أكاديميّة يقرّ الكتاب بعضها ويخاصم بعضها الآخر.
هذه الصفحة لا تفصل في النزاع ولا تملك أن تفصل فيه. الذي يمكن قوله بثقة أمران. الأوّل أنّ الكتاب يقف عند أحد القطبين وقوفًا معلنًا، لا يخفيه ولا يعتذر عنه؛ والتصنيف ليس تصنيفي وحدي، فمادّة ويكيبيديا الإنكليزيّة عن المؤلّف تصف إنتاجه بالمراجَعة التاريخيّة، وقد ترأّس تحرير مجلّة Derin Tarih من ٢٠١٢ إلى ٢٠٢١. والثاني أنّ الترجمة العربيّة صدرت بدعم رسميّ من وزارة الثقافة والسياحة التركيّة ضمن مشروع TEDA [ص ٣] — وهذه معلومة عن الطريق الذي بلغ به الكتاب قارئه العربيّ، لا حجّة على صواب مضمونه ولا على خطئه.
ويترتّب على ذلك تنبيه أخير في هذا الباب: خريطة الجدل التي يرسمها الكتاب هي خريطة طرف في الجدل. تصلح لمعرفة كيف يرى هذا الطرف الميدان، ولا تصلح وحدها لمعرفة الميدان.
كيف تقرأ هذا الكتاب اليوم
اقرأه على ما هو عليه: وثيقة في سِجال تركيّ حيّ حول القرن العثمانيّ الأخير، ومخزون إحالات لا يلقاها القارئ العربيّ في مكان آخر — أسماء، ووقائع جزئيّة، ودوريّات تاريخيّة تركيّة، ومذكّرات لم تُترجم.
والقاعدة العمليّة بسيطة: انظر في الحاشية قبل أن تقبل الدعوى. الحاشية في هذا الكتاب تقول لك عادةً بأيّ صنف من المادّة تتعامل — أوثيقة هي، أم مذكّرات، أم مقالة في مجلّة شعبيّة من الستّينيّات — وهذا وحده يضبط مقدار الثقة. وتذكّر أنّ إحدى وستّين صفحة من المتن لا تحمل حاشيةً أصلًا.
وأقوى مواضع الكتاب حيث يشير إلى شيء ماديّ يمكن التحقّق منه: رسالتا باستور بخطّه في متروكات زويروس باشا [ص ٤١]، وخبر The Manchester Courier في ٢٨ حزيران ١٨٨٧ عن الغوّاصات العثمانيّة [ص ١٨٩]، وألبومات الصور المحفوظة في مكتبة جامعة إستنبول [ص ٣٧]. وأضعفها حيث تقوم الدعوى كلّها على ذكرى رجل واحد بعد عقود، أو على ما لم يقله الخصوم.
ثمّ لا تقرأه وحده. الكتاب يسمّي لك بنفسه من يقف على الضفّة الأخرى ومن يقف في الوسط، ويناقشهم بأسمائهم؛ وثلاثة ملفّات كبرى — الأرمن، والأكراد، وشرق الأناضول — يتركها الكتاب مغلقة، ويقرّ مؤلّفه بأنّها بقيت في الظلّ [ص ٩٥]. الملفّ المغلق فجوة، لا جواب.