ما الذي يغطيه هذا القسم، وكيف بُني
يمتد هذا القسم من الصفحة ٩٠ إلى الصفحة ١٨٠، ولا يقوم على أبواب مرقّمة ولا على فهرس معلن. البنية التي يكشفها النص نفسه هي سلسلة فصول قصيرة، يفتتح كلٌّ منها بشاهدٍ مقتبس منسوب إلى قائله في أعلى الصفحة — فتحي أوقيار، كاظم قره بكر، جون روز، ضياء شاكر، طه طوروس، نور الدين طوبجي، كونان دويل، الأميرال هنري وودز، فالح رفقي أتاي، ورشيد الدين خان، وأقوال منسوبة إلى السلطان عبد الحميد نفسه — ثم يجري الفصل في فقرات تتخللها عناوين فرعية عريضة من نوع «القنبلة التي ألقاها الاشتراكي الأرمني» و«لن أبيع أي شبرٍ من تراب الوطن» و«السلطان الذي يقاوم أميركا». وتتخلل الفصول صناديق ببليوغرافية مستقلة يسرد فيها المؤلف مراجعه («بعض النقاط الهامة في العلاقة بين مسلمي الصين وعبد الحميد»، «نحن والعصرنة اليابانية»)، وصفحات تكاد تقتصر على تعليقات على صور فوتوغرافية ولوحات ومخططات. الترتيب الموضوعي ينتقل من صورة السلطان في الأذهان وتاريخ الجدل حوله، إلى محاولة اغتياله سنة ١٩٠٥، إلى شبكات الماسونية والكاربوناري، إلى سياسة الوحدة الإسلامية شرقاً، إلى فلسطين وهرتزل، إلى اليابان ودور العبادة، إلى الدفاع عن مقام النبي، إلى «الورقة الأميركية»، وينتهي بملف داخلي طويل: المواصلات والتعليم وأبراج الساعة والأسطول وميناء غلطة. والمؤلف يكتب صراحةً في موقع المدافع عن شخصيةٍ يرى أنها ظُلمت، ويجادل باستمرار مؤرخين وكتّاباً بأعيانهم.
صورة السلطان، والرقابة، وتاريخ الجدل حوله
يبني المؤلف صورة «الأب الصالح» على رسالة دكتوراه لنادر أوزبك عن عبد الحميد وحبه لفعل الخير، وينقل منها نصاً يقول إن السلطان اهتم شخصياً بمتضرري زلزال إستنبول الكبير سنة ١٨٩٤ وقدّم الهبات وعُني بالإعلان عنها في الصحف [ص ٩٠]. ثم ينتقل من النقل إلى الاستنتاج: يرى أن الفارق بين عبد الحميد وملوك الروس والألمان أن أعماله الخيرية تحسّن صورة المؤسسة والدولة لا شخصه وحده، وأنه وحده هو الذي حوّل الخير من عادة شخصية للسلاطين إلى آليةٍ في الحكم، ويستشهد على أن «إحداث العادات» من مظاهر التحضر بكتاب إيريك هوبسباون وتيرانس ويليامز The Invention of Tradition [ص ٩٠].
وفي مسألة الرقابة يقرّ المؤلف بالواقعة ثم يعيد تأطيرها. يذكر أن المطبوعات ووسائل الاتصال خضعت للرقابة خصوصاً بعد ١٨٨٠، وأن الصحف صارت تحمل عبارة «شوهدت»، لكنه يحصر الضغط في الكتابات السياسية وأخبار الاحتلال، ويقول إن ساحة النشر العلمي والتربوي بقيت واسعة، بل يستخرج من الرقابة «فائدة»: التدقيق في هوية الكتّاب أبقى الساحة لأسماء حقيقية كأحمد راسم ومختار صادق وحسين مجاهد وأحمد حكمت وجناب شهاب الدين وشمس الدين سامي بدلاً من الأسماء المستعارة [ص ٩١]. وهنا يسند حجّته إلى وثيقة: كتاب أورهان «عبد الحميد بين فكي كماشة أوروبا»، ناقلاً عنه تقرير مستشار وزارة الخارجية الإنكليزية سانديسون في ٨ تشرين الأول ١٨٨١، وفيه اعتراف بأن بريطانيا منعت بريدها من توزيع صحيفة «الغيرة العثمانية» خوفاً من تأثيرها في الهنود، وأنه مقتنع بحق الحكومة التركية في تدابير مماثلة [ص ٩١–٩٢]. ويضيف أن دوائر البريد الأجنبية لم تكن خاضعة للرقابة، وأن خبراً لا أصل له عن مقتل عشرين ألف بلغاري تسرّب إلى صحف لندن عبر بريد إستنبول [ص ٩٢].
ويقدّم رقماً بلا إسناد صريح: أن عدد من صادق السلطان على إعدامهم طوال حكمه أحد عشر شخصاً فقط، ولأسباب جنائية لا سياسية [ص ٩٢–٩٣]. ثم يؤرّخ للجدل نفسه: حملة الافتراءات بعد وصول الاتحاديين، ثم بوادر الندم مع هزائم الحرب العالمية، ثم استمرار الموقف الرافض في مرحلة الجمهورية حتى نحو ١٩٤٠ [ص ٩٣]. ويسمّي المنعطف «انكسار عبد الحميد»، ويؤرخه ببحث نهال أتسيز المنشور في ١٧ تموز ١٩٤٢ في مجلة Tanrıdağ التي يصدرها رضا نور، العدد ١١، رداً على مقالات بيامي صفا [ص ٩٣–٩٤]. وهنا يعمل المؤلف عمل المؤرخ النصّي: يقابل بين عبارة أتسيز المحترسة سنة ١٩٤٢ («لم يكن عبد الحميد سلطاناً سيئاً إلى هذا الحد»، ص ٩ من بحثه) وعبارته الجازمة في كتابه «مسائل في التاريخ التركي» (ط١ ١٩٦٦، ط٤ ١٩٩٧، ص ١٠٤)، ليخلص إلى أن الدفاع عنه ازداد حدةً بمرور الزمن [ص ٩٤–٩٥]. ويجادل نجيب فاضل في دعوى الأسبقية، ويرى أن أتسيز كان أول من بدأ الهجوم المضاد، مع ذكر كتيّب هـ. رائف أوغان ١٩٥٦ وسلسلة أربع عشرة مقالة في صحيفة «الحرية» ١٩٥٨ [ص ٩٤–٩٥]. ويصنّف كتب نجيب فاضل وأمثاله في «التأسيس الإيديولوجي» لا في البحث التاريخي الموضوعي [ص ٩٤]، ويقول إن الأبحاث الأكاديمية الجادة لم تبدأ إلا بعد ١٩٦٠، وخارج تركيا مع مطلع السبعينيات، بفضل المذكرات ووثائق أرشيف يلدز، ناقلاً عبارة نيازي أحمد بان أوغلو عن أن أوراق يلدز ستُسقط «الوجوه المستعارة» [ص ٩٤]. ويحصي ما يراه ثغرات باقية: السياسة الداخلية والتاريخ الاجتماعي للأناضول وقضايا الأرمن والأكراد والدين [ص ٩٥]، ويختم بعبارة فرنسوا جورجيون الساخرة عن ولادة عبد الحميد سياسياً من جديد بعد موته الفيزيولوجي سنة ١٩١٨ [ص ٩٥].
قنبلة يلدز، ٢١ تموز ١٩٠٥
يروي المؤلف الحادثة برواية تفصيلية: يوم الجمعة ٢١ تموز ١٩٠٥، في مراسم التحية عند جامع يلدز–حميدية في بشيك تاش، انفجرت قنبلة تزن ١٢٠ كغ فقتلت ٢٦ شخصاً منهم ثلاثة جنود، وجرحت ٥٨، ودمّرت ١٧ عربة، وأهلكت ٢٠ جواداً [ص ٩٧]. ويسمّي المنفّذ: الاشتراكي البلجيكي تشارلز إدوارد جوريس، ٢٩ عاماً، تعرّف إلى الأرمن خلال أعمال شغب في فرنسا وقدم إستنبول بدعوتهم، وسكن بناء موراڤيتج في بي أوغلو، وأجرى تجارب تفجير في محمية أحراش أبراهام باشا في بايكوز ثم في پولوناز كوي، واستصنع عربةً فيها قسم مخفي تحت مقعد السائق [ص ٩٧–٩٨]. ويقول إن المدبرين حسبوا أن السلطان يحتاج إلى دقيقة واثنتين وأربعين ثانية للوصول إلى عربته، وأن محادثةً عند الباب مع شيخ الإسلام جمال الدين أفندي أفسدت الحساب [ص ٩٧].
ثم يفتح جبهة أدبية-سياسية: يورد أبياتاً من قصيدة توفيق فكرت «تأخّر لحظة» التي تصف المنفّذ بـ«الصياد المجيد» وتأسف لأنه «ما أصاب مقتلاً»، ويقابلها بأن فكرت نفسه فاز بالمركز الأول في مسابقة أقامتها مجلة «مرصاد» سنة ١٨٩١ وامتدح السلطان في مجلة «معلومات» سنة ١٨٩٤ [ص ٩٨]. ويستعير وصف المشهد من قلم نجيب فاضل بدلاً من الوصف المباشر [ص ٩٨–٩٩]، ويصف رباطة جأش السلطان وقبضه على لجام الجياد، شاهداً بحضور جنرال البحرية الأميركي بغنام [ص ٩٩]. والقسم الأكبر من الفصل جدلٌ مع كتّاب بأعيانهم: مع فكرت الذي كتب بعد ٤٥ عاماً أن السلطان لم يكن يصلي الجمعة، ومع حلمي كيرتيش الذي ينقل عنه نصاً يصف السلطان بـ«الظالم» ويتحدث عن مصاعب المنفّذين لا عن الضحايا [ص ٩٩–١٠٠].
ويقدّم تفسيراً للغاية من العملية بوصفه استنتاجاً: لو نجحت لتبعتها انفجارات في بي أوغلو، فتدخّلٌ أجنبي، فخطوة أولى نحو دولة أرمنية [ص ١٠٠]. ويذكر أن المحكمة ضمّت — بأمر السلطان — قضاة من الروم والأرمن واليهود «حتى لا تحوم حول عدالتها شبهة»، وأصدرت أحد عشر حكماً بالإعدام بينهم جوريس وعقوبات بحق ٤٦ آخرين، وأن والد نجيب فاضل كان رئيس محكمة الجنايات [ص ١٠٠]. وفي مسألة سبب التأخّر يعترض على «جميع المصادر تقريباً» التي تردّه إلى ثرثرة مع شيخ الإسلام، ويقدّم روايةً بديلة مسندة: جلال الدين ڤلورا باشا عن أبيه الصدر الأعظم فريد باشا الأڤلوني، أن شيخ الإسلام استوقف السلطان ليعرّفه بأمير مكة الزائر — والمصدر مذكور: سميح نافذ تانسو، «وجه الميدالية الآخر»، إستنبول ١٩٧٠، دار Gür، ص ١٨–١٩ [ص ١٠٠–١٠١]. ويختم بأن السلطان عفا عن جوريس ودسّ في جيبه ٥٠٠ ليرة ذهبية وأرسله للعمل في أوروبا [ص ١٠١].
الكاربوناري والماسونية ووفد الخلع
يصرّح المؤلف بأن هذا الفصل ينظر «من وجهة نظرٍ مختلفة» معتمداً على محاضرة لجوزيف برودا في معهد شيللر عن نشوء السلطة الماسونية في تركيا [ص ١٠٢]. ويبدأ من شهادة أبي الضياء توفيق، أحد أعضاء جمعية العثمانيين الجدد، عن اجتماع ستة شبان في يني كوي ثم نزهةٍ في غابات بلغراد، ومعهم كتاب عن جمعية الكاربوناري الإيطالية وآخر عن جمعية سرية بولونية، ليجعل الكاربوناري «الأرضية البنيوية والاستراتيجية» لجمعية العثمانيين الجدد التي كتبت أول دستور سنة ١٨٦٥ [ص ١٠٢]. ويعرّف بالكاربوناري وبمازيني: ماسوني عالي الرتبة لا يتورع عن الإرهاب، له عملاء في إنكلترا وأميركا وروسيا، ويُنسب إليه دورٌ في اغتيال ألكساندر الثاني، توفي ١٨٧٢ واستمر عملاؤه [ص ١٠٢–١٠٣].
ومن هنا ينتقل إلى دعوى مركزية: أن انقلابات العرش الثلاثة في سنةٍ واحدة تخفي وراءها «شبكة من العلاقات السرية»، وأن السرعسكر حسين عوني ومدحت باشا كانا مدفوعَين إلى صراعٍ لا يدركانه، وأن «الحزب اليهودي» B'nai B'rith بمساعدة الكاربوناري ورئيس الوزراء الإنكليزي بالمرستون كان مستقراً على منبع العمل [ص ١٠٣]. والبناء هنا استدلالي لا وثائقي: يستنتج المؤلف أن «عظمة» عبد الحميد تظهر في تصفيته مدحت باشا وتكبيله القوى الماسونية ومنعه اليهود والإنكليز من السيطرة على شريان الحياة الاقتصادية والثقافية، وأن ثمن ذلك كان لقب «السلطان الأحمر» والانتقام سنة ١٩٠٨ [ص ١٠٣–١٠٤]. وينسب إلى برودا ردّ سياسة التتريك الاتحادية إلى الإنكليز، ويعدّد جواسيس عنده: لورانس في العرب، وسيتون واتسون في الصرب، والليدي دونهام في الأرناؤوط، ونويل باكستون في البلغار، ويصف «أرمنستان الكبرى» و«كردستان الكبرى» بأنهما «موزتان» أُلقيتا لإيقاع الأكراد المسلمين بالأرمن المسيحيين [ص ١٠٤]. ثم يركّز على إيمانويل قرة صو، من قادة بنائي بريث في سلانيك، حلقة الوصل بين تركيا الفتاة والماسونية، وعضو الوفد الذي أبلغ السلطان قرار الخلع مع آرام أفندي الأرمني وأسعد توپتاني الأرناؤوطي وعارف حكمت؛ ويذكر أنه صار مفتش إعاشة الجيش وجمع مليوني ليرة ذهبية ثم هرب إلى إيطاليا سنة ١٩١٩ [ص ١٠٤–١٠٥]. ويستند في وصف الوفد إلى صورة فوتوغرافية التقطها يلماز أوزتونا [ص ١٠٥].
الوحدة الإسلامية شرقاً: كاشغار والصين، والشريف حسين
في حزيران ١٨٧٣ وصل الشيخ تورة سفيراً من سيد يعقوب خان في تركستان الشرقية إلى السلطان عبد العزيز بخطابٍ بالفرنسية يطلب الحماية، فأُرسلت معونة رتّبها مشير المصنع الحربي علي سعيد باشا وناظر عموم المصانع سيّد باشا: ستة مدافع كروب، وألفا بندقية منها ألف مستعملة، ومعدات صناعة البارود، وثمانية ضباط بإمرة مراد أفندي الأندروني، يسمّي المؤلف أربعةً منهم: المهندس العسكري علي كاظم، وضابط المشاة محمد يوسف، وضابط الخيالة يوسف الشركسي، وضابط المدفعية إسماعيل حقي [ص ١٠٦–١٠٧]. ويصف الرحلة عبر السويس وبومباي والبر الهندي رغم عراقيل الإنكليز، والاستقبال بمئة قذيفة مدفع، وتلاوة الخطب باسم السلطان العثماني وسكّ النقود [ص ١٠٧]. والسند هنا تقرير: يذكر أن اليوزباشي علي كاظم أفندي رفع بعد عودته تقريراً يفيد بتشكيل طابور مدفعية وألاي من ثلاثة آلاف جندي سمّاهم «جيش النظام الجديد»، وأن الصينيين أسروا الضباط لاحقاً وعذبوهم ثلاثةً وثلاثين يوماً قبل أن يتدخل والٍ لاجئ فيطلق سراحهم [ص ١٠٧–١٠٨].
ثم يعمّم: الوحدة الإسلامية «ورقة رابحة» في صراع عبد الحميد مع الدول الإمبريالية، تمتد فعالياته من شمال أفريقيا إلى تركستان، ومن فاس إلى الشرق الأقصى، مع دعم الدعاة في الولايات المتحدة واستنهاض السنوسيين [ص ١٠٨]. والذروة الوثائقية في هذا الفصل هي الجامعة الحميدية في بكين: يقول إن إحسان ثريا صرمة عثر في ملف الصين من أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية على وثائق تبيّن أن مسلمي الصين طلبوا مدرسةً بمستوى جامعي، وأن الجامعة استقبلت طلابها في مطلع ١٩٠٨؛ وينشر ترجمةً لنصٍّ عثماني معاصر عن حفل الافتتاح يذكر ٣٨ جامعاً في بكين وخطبةً بالعربية يترجمها المفتي إلى الصينية [ص ١٠٨–١٠٩]. ويورد وثيقةً أخرى: طلب السلطان من المشيخة الإسلامية ومفتشية المدارس الابتدائية إرسال أربعة معلمين إلى الصين، وإهمال الحكومة الطلب، واستجواب السبب في الإرادة الخاصة رقم ٨٦ (٢٤ ص ١٣٢٥) في أرشيف رئاسة الوزراء [ص ١٠٩–١١٠]. ويختم بصندوق مراجع يحيل إلى صرمة (١٩٨٥ و١٩٩٨)، وطه طوروس، وحافي قادر ألپمان، ورضا بكين، وكارولين بلوندن ومارك ألڤين، ووحيد الدين أنگين (٢٠٠٥) [ص ١١٠].
وفي الطرف المقابل يضع الشريف حسين. يفتتح بشاهدٍ عن أن الثورة العربية كلّفت دافعي الضرائب الإنكليز أحد عشر مليون إسترليني حسب رونالد ستور [ص ١١١]. ويقول — استنتاجاً لا نقلاً — إن الشريف لم يكن يتصف بالذكاء الذي يتطلبه الحكم فكان سهل الاستغلال، وإن عبد الحميد لما بلغه اتصال الجواسيس الإنكليز به دعاه وعائلته إلى إستنبول سنة ١٨٩١ ولم يتركه ثمانية عشر عاماً، ثم أطلقه الاتحاديون وضمّوه مبعوثاً إلى المجلس [ص ١١١]. والدليل الذي يقدّمه شهادةٌ شفوية متسلسلة: البروفيسور نوزت يالچين تاش عن الرئيس القبرصي التركي الأسبق رؤوف دنك تاش، وأيّدها هارون عثمان أوغلو حفيد السلطان في لقاءٍ مع المؤلف؛ ومضمونها أن الشريف في منفاه القبرصي كان يبكي عند رائف دنك تاش قائلاً: «لماذا قمنا بخيانة الدولة العثمانية؟» [ص ١١١–١١٢]. ويلحق بذلك أن لورنس ظهر مرة أخرى سنة ١٩٣٠ على رأس قوى تحرّض التمرد الكردي في آغري داغ [ص ١١٣].
هرتزل وفلسطين
يمهّد المؤلف بأطروحة عامة: الصهيونية تيار قومي سياسي وُلد من رحم المجتمعات الأوروبية حلاً «لمشكلة أوروبية صرفة»، ولم تنشأ في العالم الإسلامي [ص ١١٤–١١٥]. ويسند تاريخاً للتسامح: تهجير اليهود من المجر ١٣٧٦ ومن فرنسا ١٣٩٤ ولجوؤهم إلى أدرنة، ورسالة الحاخام إسحق سارفاتي إلى يهود فرنسا يدعوهم إلى الأراضي العثمانية (ويشير إلى أن طرف الرسالة محروق) [ص ١١٤–١١٥]. ويستثني حادثتين: طليطلة ١٠٦٦ محيلاً على هارولد بلوم، وما حدث في قصر طوپ قابي أواخر القرن السادس عشر [ص ١١٤]. ويقابل ذلك بقومية الڤولك الألمانية والغيتوات، وبقضية دريفوس وبيان إميل زولا J'accuse في ١٣ كانون الثاني ١٨٩٨ [ص ١١٥–١١٦].
ثم يدخل الملف مباشرةً: المؤتمر الصهيوني الأول في بازل ١٨٩٧ برئاسة ثيودور هرتزل صاحب Der Judenstaat، وفلسطين يومها من ولاية سوريا ويعيش فيها نحو عشرين ألف يهودي من السفاراد، وتردُّد هرتزل بين قبرص وأوغندا قبل التركيز على فلسطين [ص ١١٦]. ويعلن مصدره الرئيس في هذا الفصل: كتاب ميم كمال أوكة «الصهيونية وقضية فلسطين في الصراع بين الحضارات» [ص ١١٧]. ومنه يذكر أن هرتزل زار إستنبول خمس مرات بين ١٨٩٦ و١٩٠٢ ولم يقابل السلطان إلا مرة واحدة [ص ١١٧]. ويعرض العرض المالي: خمسة ملايين ليرة ذهبية عن طريق الكونت ليونسكي، يكفل القسم الأكبر منه إدموند روتشيلد، في وقت كانت أعباء الخزينة تقدَّر بعشرين مليون جنيه إسترليني بعد إعلان «قرار شهر محرم» سنة ١٨٨١ بالعجز عن سداد الديون الخارجية [ص ١١٧]. ويورد نص الرفض المنسوب إلى السلطان: «لن أبيع شيئاً من التراب ولو كان شبراً؛ لأن هذا الوطن ليس ملكاً لي، بل هو أمانة لأمتي» [ص ١١٧–١١٨]. ويعرّف الكونت نيولينسكي بأنه من جهاز السلطان لتسقّط الأخبار، وينقل من طلبه المؤرخ في ٢٣ آذار ١٨٩٧ فقرةً عن تعذّر إصلاح المالية من دون رأس المال اليهودي مقابل إذنٍ بمستوطنات في قسمٍ من فلسطين [ص ١١٨]. وينقل من مذكرات هرتزل تقديره أن عشرين مليون جنيه تؤمّن سلامة المالية التركية، وأن عائدات فلسطين السنوية ثمانون ألف ليرة ذهبية [ص ١١٩]، ونصّ برقيةٍ منه من بازل في ١٣ آب ١٨٩٩ [ص ١٢٠].
ويضيف قرينةً موازية: رفض السلطان سنة ١٨٧٩ طلب أمير الصرب ميلان أوبرافيتش شراء قلعة إزڤورنيك بالحجة نفسها، وأن في وثائق يلدز رسالةً بالفرنسية من الملك نفسه يلتمس عوناً في قضية عائلية [ص ١٢٠]. ثم يعرض «الخطوة المضادة»: عرضٌ بالسماح لليهود بالإقامة في أي بقعةٍ من أراضي الدولة خارج فلسطين مقابل توحيد الديون، ورفض الصهاينة له [ص ١٢١]. ويعدّ أربعة مكاسب انتزعها السلطان مقابل نياشين منحها هرتزل: تخفيف الضغوط في المسألة الأرمنية، ودعوته إلى مباحثات روڤيير حول قرضٍ جديد، والبرقيات من المؤتمرات، وإرسال مراقب إلى المؤتمرات الصهيونية [ص ١٢١]. وينقل من مذكرات السلطان السياسية فقرة يفرّق فيها بين موقفه من يهود إمبراطوريته كمواطنين وموقفه من التصورات الصهيونية عن فلسطين، ويعلّق بأنها لا تدل على معاداةٍ للسامية بل على «فلسفة دولة عميقة» [ص ١٢٢–١٢٣] — والتمييز هنا تأويل المؤلف لا نص الوثيقة. ويقابله بنص من مذكرات هرتزل يعترف فيه بأن أقوال السلطان أثارت مشاعره وأطفأت آماله، وفيها «جمال مأساوي»، ومنه يستخرج المؤلف عنوان كتابه: هرتزل يرقص فوق البيوض، وعبد الحميد يراقص الذئاب [ص ١٢٣]. ويقفل الملف بأن الصهاينة خلصوا إلى ضرورة عزله، وفرحوا بانقلاب ١٩٠٨، وأن الهجرة السرية انطلقت في فوضى ١٩٠٨–١٩١٣ عبر التابعية الأوروبية والامتيازات، فارتفع عدد اليهود من عشرين أو خمسة وعشرين ألفاً إلى ١٢٥ ألفاً خلال خمسة عشر إلى عشرين عاماً [ص ١٢٤–١٢٥]، ثم دخول اللنبي القدس في كانون الأول ١٩١٧ [ص ١٢٥].
اليابان وسفينة أرطغرل، ورعاية دور العبادة
يفتتح فصل اليابان بشهادة رؤوف أورباي — أول رئيس وزراء في عهد الجمهورية، وكان يومها ضابطاً بحرياً ومترجماً للأدميرال الأميركي بغنام — عن السلطان جالساً إلى خارطة كيبرت النافرة، عليها أعلام روسية ويابانية تُبدَّل مواقعها تبعاً لأخبار الجبهة [ص ١٢٦]. ويردّ الاهتمام إلى سنة ١٨٧٢، حين ناوله أخوه الشاهزادة مراد جريدة «الحديقة» وفيها خبر اشتراك اليابان في معرض باريس، فطلب من طبيبه ومستشاره ماڤروياني بيك تقريراً مفصّلاً عنها، وصارت اليابان عنده نموذج التمدن بلا التضحية بالمعتقد [ص ١٢٦–١٢٧]. ويتابع الوقائع: مرور خمسة من الساموراي، وزيارة الأمير هيبي سنة ١٨٨٠، وزيارة أكيهيتو سنة ١٨٨٧ حيث قبل السلطان أعلى وسام إمبراطوري ولم يكن يقبل هدايا الدول الغربية [ص ١٢٧]. ثم رحلة أرطغرل عبر السويس إلى يوكوهاما، وكارثتها التي خسرت فيها الدولة ٥٨١ بحاراً، والحداد الياباني وحملات المساعدة [ص ١٢٧–١٢٨]. ويلحق صندوق مراجع يحيل إلى ضياء شاكر (١٩٩٤)، وسلجوق أسنبل، وكيهارو يوميكو، وألبير أورتاي، وبحث رنا وورينغ في IJMES عدد ٣٦ (٢٠٠٤) ص ٢٠٢–٢٣٠ [ص ١٢٨–١٢٩].
وفي فصل دور العبادة يجمع ثلاث حالات. الأولى: كنيس حمدات إسرائيل في Yeldeğirmen بقاضي كوي، افتُتح للعبادة سنة ١٨٩٩، ويقول المؤلف إن السلطان أزال العوائق التي وضعها الروم، فأضاف اليهود اسمه إلى اسم كنيسهم [ص ١٣٠]. الثانية: كنيسة سانتا ماريا في جادة الاستقلال، واسم السلطان عند مدخلها لمعوناته في بنائها، ويستشهد بسعيد نعوم دخاني على أنها الكنيسة الوحيدة التابعة للفاتيكان التي تحمل اسم خليفة [ص ١٣١]. الثالثة، وهي التي يعدّها الأعجب: كنيسة سان Gioacchino في روما، أُرسيت أساساتها في ١ تشرين الأول ١٨٩١ وافتُتحت ١٨٩٨؛ ومصدره مقالة جليل لائق تز في مجلة «تسوية» سنة ١٩٩٥، ينقل فيها عن كبير الرهبان بينيتو بيساكو أن معونات السلطان شملت الزخرفة الداخلية وخشب السدر اللبناني للأبواب، وأنه كان بين أربعة وعشرين رئيس دولة نُقشت أسماؤهم بالموزاييك بعبارة «المماليك العثمانيون» بالأحرف اللاتينية [ص ١٣٢–١٣٣]. وهنا يجادل مصدره نفسه: يقول إن الكاتب ماسوني يريد بهذه المعلومة أن يُظهر مصارع الماسونية كنوعٍ من الماسونيين، ويرفض تفسيره [ص ١٣٣]. ويقدّم تفسيره البديل — رعاية الخليفة لمصالح رعيته وإرسال رسالة «نحن هنا» دولياً — مستنداً إلى الإرادة الخاصة رقم ١٧٢٤ سنة ١٣١٠ (١٨٨٤) بإرسال ألواح مرمر من صنديقلي إلى البابا، ووثيقتي أرشيف رئاسة الوزراء رقم ١٢١٩ و١١٣٨ (١٣١٤/١٣١٥ = ١٨٨٨–١٨٨٩) عن تكليف عاصم بيك سفيراً لدى الفاتيكان [ص ١٣٣–١٣٤].
الدفاع عن مقام النبي، وإدارة الصحافة الأوروبية
يربط المؤلف صراحةً بين موضوعه وبين أزمة الرسوم الكاريكاتورية الدانماركية ودعوات المقاطعة في زمن الكتابة [ص ١٣٥]. والواقعة الأساس: سنة ١٨٩٠ ألّف ماركي دو بونييه، من أعضاء الأكاديمية الفرنسية، دراما بعنوان «محمد» وسلّمها إلى الكوميديا الفرنسية؛ فأرسل السلطان خطاباً إلى الرئيس سادي كارنوت عن طريق سفيره في باريس صالح منير باشا، ووجّه تحذيراً شديد اللهجة عبر كونت مونبيللا السفير الفرنسي في إستنبول، وهدّد بقطع العلاقات [ص ١٣٥–١٣٦]. ثم يتتبع ثلاثة أشواط: منعها في إنكلترا رغم الاتفاق مع الممثل إرڤينغ ومسرح ليسيوم الملكي، عبر علاقة السلطان باللورد ساليسبري؛ ثم محاولة ثالثة بعد ثلاثة أعوام في عهد روزربري فشلت أيضاً؛ ثم عرضها في باريس بعد تغيير اسمها إلى «بارادايز» وتغيير محتواها [ص ١٣٦]. ويضيف منع أوبرا موزارت «عملية خطف فتاة من القصر» في أمستردام سنة ١٨٩٤ [ص ١٣٦]، ومنع مسرحية عن السلطان محمد الفاتح في روما بمعونة الإمبراطور ويلهلم الثاني، ناقلاً خبر المنع عن الصحيفة الإيطالية «كابيتان فاراكاسّا» في ١٥ نيسان ١٨٩٠ [ص ١٣٧]، وتدخّل الرئيس كروڤر كليڤلاند شخصياً في الولايات المتحدة بعد لقاءٍ خاص بين السلطان والسفير ألكساندر و. تيريل [ص ١٣٧].
ويعرض بعد ذلك آلية إدارة الصورة، ناسباً المعلومة إلى كاتب المابين تحسين باشا مع تحفّظٍ لفظي («إن كان كذباً؛ فاعتبروني أنقل أكاذيب…»): ترجمة يومية للمقالات السياسية في التايمز وTemps وKölnische Zeitung والتريبيون والستاندارد، وتحديد ما يحتاج إلى ردّ، واستكتاب كتّاب أجانب، ودعوة ممثلي الصحف الأوروبية إلى يلدز بالهدايا والنياشين [ص ١٣٧–١٣٨]. ويذكر أن السلطان فكّر في شراء جريدة التايمز ولا يُعرف سبب عدوله [ص ١٣٧]. ويختم بشهادة على الخصم: أسف الصدر الأعظم طلعت باشا لأحد أقربائه بعد وفاة السلطان في شباط ١٩١٨ قائلاً إنه مات في الوقت الذي كانوا يريدون فيه الاستفادة من نفوذه وعلاقاته بحكام أوروبا [ص ١٣٨].
الورقة الأميركية: من مورغنتو إلى روزفلت
ينطلق من هنري مورغنتو، آخر سفير أميركي لدى الدولة العثمانية (١٩١٣–١٩١٦)، ومذكراته «أسرار البوسفور»، وفيها وصف عبد الحميد بـ«السلطان الأحمر» و«واحد من أشد الوحوش ضراوة في التاريخ»، ونصٌّ ينقله المؤلف يزعم أن مدنية تركيا كلها مستعارة: الدين من العرب، واللغة مستدانة، وآيا صوفيا كنيسة، والعمارة بيزنطية [ص ١٣٩]. ويردّ المؤلف بالمقارنة (الدين والأبجدية في أميركا) لا بالوثيقة [ص ١٣٩]، ثم يقدّم أطروحته: أن «الذنب» الحقيقي كان محاولة عبد الحميد استغلال الولايات المتحدة ورقةً في يده [ص ١٤٠].
وهنا يتحول إلى الوثائق: يحيل إلى بحث وحيد الدين إنگين «عبد الحميد والسياسة الخارجية» وإلى ثلاث عشرة إرادة خاصة بين ١٨٩٣ و١٩٠٨، ويستخرج منها أمثلة: منع السفينة الأميركية «بانكروفت» من اجتياز البوسفور في ١٣ كانون الثاني ١٨٨٦ لأن الولايات المتحدة ليست من موقّعي معاهدة باريس؛ ورفض افتتاح قنصلية في أرضروم في ٢٠ كانون الأول ١٨٩٧ لعدم وجود مواطنين أميركيين هناك؛ ورفض تعيين هاربوت قنصلاً في ألازيغ في ٣ كانون الأول ١٩٠٠ لأنه أرمني عثماني انتقل إلى التابعية الأميركية؛ ورفض بحث الضمانات سنة ١٨٩٨ لأن أداءها «يعتبر اعترافاً بمسؤوليتنا»؛ ورفض رفع التمثيل إلى مستوى سفارة [ص ١٤٠–١٤١]. ويقابل ذلك بصفقات السلاح: شركة في كونكتيكت لمعمل سلاح خفيف، وضمّ الجنرال بغنام برتبة باشا، وإرساله مع رؤوف أورباي لشراء الطرادات والغواصات [ص ١٤١]. ويورد رسالة القنصل سبنسر أدّي إلى وزير الخارجية جون هاي عن طلب السلطان الشخصي معلومات عن المدافع ذات الضغط الهوائي لتحصين المضيق [ص ١٤٢].
ويعطي للورقة الأميركية جذراً تاريخياً: نافارين ١٨٢٧ وإغراق ٥٢ سفينة عثمانية، واحتلال الجزائر ١٨٣٠، فالبحث عن بديل؛ ومحاولات ١٧٩٩ و١٨٠٠ الفاشلة لعقد حلف؛ وسفينة صمّمها هنري أكفورد اشتُريت بمئة وخمسين ألف ليرة ذهبية؛ ودخول ٢٣٩ ألف بندقية أنفيلد إلى ثكنات الجيش أواخر ١٨٦٩؛ وصيرورة الولايات المتحدة اعتباراً من ١٨٧٠ المورّد الأول للسلاح، وخاصة في حرب ٩٣ (١٨٧٧–١٨٧٨) [ص ١٤٢–١٤٤]. ويستخدم وثائق أميركية يقدّمها أورال ساندر وكورثان فيشك ليردّ تهمة «عداء البحرية» [ص ١٤٤]، وينقل من رسالة القنصل تيريلّ سنة ١٨٩٧ وصفاً للجيش العثماني في حالة حرب: العناية بالنظافة، وحمّام يتسع لأربعين عسكرياً، ومليون بندقية ماوزر، وملاحظة أن أوروبا قد تكتشف في «الرجل المريض» أشد المرضى قوة [ص ١٤٤–١٤٥].
ثم فصل معرض شيكاغو ١٨٩٣: الدعوة في ١٩ شباط ١٨٩١، وإحالتها إلى شركة سهامي سعد الله بسبب النفقات، والقرية التركية إلى جوار القرية الألمانية والهولندية، وجريدة بالتركية والعربية والإنكليزية، ومسرح، وميدان خيل. والحجّة التي يبنيها المؤلف: بينما عُرض المصريون «كمخلوقات شرقية في حديقة حيوانات»، عرض الجناح العثماني توربيدات من الترسانة الهمايونية وأجهزة إطفاء ونسيجاً وتلغرافاً وأجهزة كهربائية، أكثر من ثلاثة آلاف منتج، رسالتها «نحن لسنا الرجل المريض»؛ ويستشهد على النية بغضب السلطان حين رأى في العرض ما يمثّل الدراويش وحلقاتهم، وبتنبيهه إدارة المعرض بإبعاد الجامع عن الملاهي [ص ١٤٦–١٤٩].
وأزمة إزمير هي ذروة هذا الملف. بعد سيرة موجزة لثيودور روزفلت وشعار «العصا الغليظة» [ص ١٥٠–١٥١]، يعرض خلفية التبشير الأميركي بعد حرب القرم ومؤتمر برلين ١٨٧٨، وحادثة كلية مرزيفون سنة ١٨٩٣ حين اتُّهم معلّمان أرمنيان بالاشتراك في التمرد وخُرّب المبنى واعتُقل أكثر من خمسمئة شخص، وتسوية الأمر بخمسمئة ليرة تعويضاً وعفوٍ عن المعلّمَين [ص ١٥١]. ثم تمرد صامصون ١٨٩٤ وقدوم الطرادة «كينتاكي» إلى إزمير، وردّ السلطان بدعوة الطاقم إلى عشاء بدلاً من الإذن للسفينة بالتقدم إلى إستنبول [ص ١٥٢]؛ وإطلاق قوات السواحل النار سنة ١٨٩٧ على «بانكروفت» عند محاولتها دخول ميناء إزمير بلا إذن [ص ١٥٢]. ويورد تحذير وزير الدفاع إليو روت لروزفلت من أن الأتراك ليسوا لقمة سائغة وأن قواتهم البرية «صامدة كالجبال» [ص ١٥٢–١٥٣]. ثم أزمة ١٩٠٣ بعد خبرٍ كاذب عن هجوم على السفارة في بيروت، ثم تصعيد نيسان ١٩٠٤ وقرار قصف إزمير واعتراض الوزير هاي بحجة الانتخابات، والتسوية أخيراً: وعدٌ بأن تستفيد المدارس التبشيرية من الحقوق الفدرالية، مقابل رفضٍ مستمر لرفع التمثيل الدبلوماسي [ص ١٥٣–١٥٥]. ويصف المؤلف النتيجة صراحةً بأنها تعادل «١–١» بتقديم تنازل وامتناع عن آخر، وأن السفن غادرت ميناء إزمير في ١٥ آب ١٩٠٤ [ص ١٥٥].
المشروعات والمواصلات والتعليم
في فصل المشروعات يستدل بالرسوم والمخططات المحفوظة: مشروعا جسرين على البوسفور والخليج، ومشروع المعماري الفرنسي فردينان أرنودن سنة ١٩٠٠ المقدَّم من شركة السكة الحديدية في البوسفور، ومشروع جسر غلطة لجوزيف أنطوان بوڤار المقدَّم بدعوةٍ من السلطان عن طريق صالح منير باشا [ص ١٥٧]. وسكة حديد اليمن: تقرير الوالي حسين حلمي باشا سنة ١٨٩٨، وبدء الإنشاء ١٩١٣، وتوقف المشروع بعد قصف القوات الإيطالية ميناء جبانة [ص ١٥٧–١٥٨]. والخط الحجازي يقدَّم مقابلاً للخط البغدادي الذي موّل الألمان جزءه من حيدر باشا إلى أنقرة، بوصفه مشروعاً محلياً كاملاً في تمويله وتخطيطه وتنفيذه، ويستشهد باحترام الكاتب الإنكليزي ر. تورت له بوصفه ربما المشروع الوحيد الذي نُفّذ بالكامل بلا ديون ولا فوائد [ص ١٥٨]. وينقل — من دون تسمية القائل — حكماً لبعض الباحثين: «لو لم تكن استثمارات عبد الحميد الكبيرة في البنية التحتية، لكانت تركيا عبارة عن بقعة كبيرة تشبه قونيه» [ص ١٥٩].
وضمن الفصل نفسه يعالج علاقته بنامق كمال، وهي أوضح موضع يبني فيه المؤلف حجّته على قلب الرواية الشائعة: يقول إن السلطان هو الذي دعا نامق كمال وضياء باشا إلى لجنة إعداد الدستور، وإن نامق كمال ردّ بأبيات هجاء تحمل تهديداً بأن ما تكرر مرتين قد يتكرر ثالثة، فقُدّم للمحاكمة بتهمة الإخلال بالأمن العام ولم يُسجن بل أُبعد إلى جزيرة غريت ثم ميدللي بطلبه، ثم عُيّن سنة ١٨٧٩ والياً لمتصرفية ميدللي، ثم والياً لرودوس وسakız [ص ١٥٩–١٦١]. ويضيف أن السلطان أوقف طباعة تاريخه العثماني لأنه رأى في مقدمة الجزء الأول تصنّعاً في المديح، وأنه بعد وفاة نامق كمال في ٢ كانون الأول ١٨٨٨ نُفّذت وصيته بالدفن قرب سليمان باشا، وأن القبر خطّطه توفيق فكرت ودفع ثمنه عبد الحميد [ص ١٦١].
وفي المواصلات والاتصالات يعرض أرقاماً: إنشاء وزارة البرق والبريد سنة ١٨٧٧، وإيقاف البريد الأجنبي سنة ١٣١٦ (١٩٠٠)، وبدء قلم الحوالات في ٢٧ حزيران ١٩٠٠، وإنشاء مباني البريد في ٣٠ أيار ١٩٠١، والاتفاق مع شركة السكة الحديدية في ٣٠ آب ١٩٠١، ومبنى البريد الكبير في سيركجي للمعماري ودات بيك [ص ١٦٣]. وطول خطوط التلغراف خمسون ألف كيلومتر سنة ١٩٠٨، مع وحدة تلغراف في قصر يلدز وتسخير الخطوط للأرصاد الجوية [ص ١٦٣–١٦٤]، واستخدام الهاتف في إستنبول سنة ١٨٨١ [ص ١٦٤]. وفي الطرق: إعادة العمل بنظام ١٨٦٩ الذي يلزم كل رجل بين السادسة عشرة والستين بأربعة أيام عمل سنوياً؛ ويستشهد بمذكرات سعيد باشا الصغير على تعبيد خمسة آلاف كيلومتر بعد ١٨٧٩، وبرقم ١٠١٦٠ كم داخل حدود تركيا الحالية سنة ١٨٩٥، وبطريق صامصون–بغداد بطول اثني عشر ألف كيلومتر سنة ١٨٩٥، وبطريق گوموشخانة–بايبورت–أرضروم–دوغوبيازيد إلى إيران سنة ١٨٧٩، وبدور خليل رفعت باشا في صامصون [ص ١٦٤]. ويورد شواهد مادية: جسر الفرات في دير الزور، وسبيل ماء عليه طغراء السلطان في قرية أق صو ببورصة، ولوحة مرمرية في متحف بورصة مُحي منها اسمه [ص ١٦٥].
وفصل التعليم أطول فصول القسم إحصاءً. يضع سياسة عبد الحميد في امتداد التنظيمات، وينتقد سياسة تعليم النخبة المنسوبة إلى ناظر المعارف أمر الله أفندي بتشبيهٍ صريح: «سلّم ناقص الدرجات» ركّز على الرشديات ودار الفنون وأهمل التأسيس الابتدائي [ص ١٦٨–١٦٩]. ويذكر أن دستور ١٨٧٦ فرض التعليم الابتدائي الإلزامي، وينقل نص المادة [ص ١٧٠]. والأرقام التي يسوقها: ارتفاع عدد المدارس الابتدائية من ست سنة ١٨٧٦ إلى خمسين سنة ١٨٨٦، و٣٠٥٧ مدرسة على الأصول الحديثة سنة ١٨٩٢–١٨٩٣، و٩٣٤٧ مدرسة في العام الدراسي ١٩٠٥/١٩٠٦، بمتوسط أربعمئة مدرسة سنوياً؛ وتضاعف الرشديات من ٢٥٠ سنة ١٨٧٦ إلى ٩٠٠؛ وارتفاع الإعداديات من ٤٣ إلى ١٠٩ مدارس فيها عشرون ألف طالب سنة ١٩٠٩ [ص ١٧١]. (سلسلة الأرقام في هذه الفقرة غير متسقة داخلياً في النص المطبوع؛ انظر ملاحظة المواضع المشكلة أدناه.) ثم يعدّد المدارس العليا: مكتب الحقوق ١٨٨٠ افتُتح بخطاب جودت باشا، والمدرسة الزراعية البيطرية ١٨٨٧، ومدرسة الصنائع النفيسة ١٨٨٢، ومدرسة التجارة الحميدية ١٨٨٤، ومدرسة العشائر ١٨٩٢ لأبناء العشائر العربية والكردية والبدوية، ودار تعليم تربية دودة القز ١٨٨٦ ودار تحصيل الحرير ١٨٨٩ في بورصة، ومدرسة الرعيان في المزرعة النموذجية بأنقرة ١٨٩٨ [ص ١٧٢–١٧٣]. ويسوق شاهدين على الأثر: قول الأمير فيصل في إستنبول سنة ١٩٣٢ إن أجداده تعلّموا في مدارس إستنبول [ص ١٧٣]، وملاحظةٌ يقدّمها المؤلف بوصفها مفارقة: أن خريجي هذه المدارس أنفسهم صاروا هدف انتقاد السلطان بعد انفجار الصحافة سنة ١٩٠٨ [ص ١٧٣]. وفي التعليم النسوي يورد موقف السلطان من تردد عبد اللطيف صبحي باشا: «افتتح المدرسة، وأنا خلفك» [ص ١٦٦]، وصندوقاً عن أولى مدارس البنات في صامصون سنة ١٨٩٨ بأسماء أولى الطالبات ومنهنّ بنت شيخ تكية السعديين، ومنهاجها الذي يجمع القرآن والتجويد والفقه بالرياضيات وعلوم اللغة، والبيانو المهدى إليها [ص ١٦٦–١٦٧].
أبراج الساعة، والأسطول، وميناء غلطة
فصل أبراج الساعة نموذج واضح لطريقة المؤلف في الجدل: يعرض أولاً قراءة عصمت أوزال في «رسائله الثلاث»، ومقالة أحمد هاشم «ساعة المسلم»، ومفادها أن الأبراج تندرج في مشروع تغريب البلاد الإسلامية وتنصيرها [ص ١٧٤]. ثم يقرّ بجزءٍ منه — الصلة بين ضبط الوقت والتمدن الصناعي، وكون الأبراج جزءاً من استراتيجية المراقبة [ص ١٧٤–١٧٥] — ثم ينقضه بالأدلة المادية: أبراج قائمة قبل التنظيمات بثلاثة قرون، محيلاً على كينيتز في «ظلال السنجق الكبير» وعلى بحث حقي عجون، ومعدّداً برج جامع فرحات باشا في بنيالوق سنة ١٥٧٧، وأبراج أوسكوپ وسراي بوسنة وتراونيك، وشهادات أوليا چلبي عن شومنو سنة ١٦٠٢ وعن أسكوب سنة ١٦٦٠–١٦٦١، وبرج صفران بولو الذي أمر ببنائه عزت محمد باشا سنة ١٧٩٠ [ص ١٧٥]. ثم يثبت دور عبد الحميد في التعميم لا في الابتداء: فرمان سنة ١٩٠١ في ذكرى الجلوس الخامسة والعشرين يلزم الولاة ببناء برج ساعة في كل ولاية، وقد سبقه برجا يلدز (١٨٩٠) ودولمة بهچة (١٨٩٤) [ص ١٧٥]. ويقف عند برج إزمير للمعماري رايموند تشارلز بيري سنة ١٩٠١ وحوضه المثمّن ذي الخمسة والعشرين صنبوراً [ص ١٧٦–١٧٧]، وعند مشفى الحميدية للأطفال في شيشلي الذي بناه في ذكرى وفاة ابنته خديجة، حيث يجتمع في بناءٍ واحد مئذنة وبرج ساعة وبارومتر وتقويم شهري وقياس لسرعة الرياح [ص ١٧٦–١٧٧].
وفي مسألة الأسطول يصوغ المؤلف جواباً مرقّماً في خمس نقاط عن تهمة «عداء البحرية»: أن أسطول عبد العزيز — وإن بلغ المرتبة الثالثة عالمياً — عجز في حرب ٩٣ أمام السفن الروسية البخارية الصغيرة وأُغرقت منه سفينة لطف الجليل بالطوربيدات؛ وأن دولةً بلا بنية إنتاج سفن لا تُبقي أسطولها عامراً بالاستيراد (ويقارن بطائرات أف ١٦ اليوم)؛ وأن تعويضات الحرب للروس جعلت الإبحار مكلفاً؛ وأنه مع ذلك ضمّ سفناً حديثة وغواصات وإن مال إلى القوات البرية ومدافع كروب للمضائق؛ وأن بقاء الأسطول في الخليج كان عنصر ردع [ص ١٧٨–١٧٩]. والحجّة الحاسمة عنده نصّية: رفضه في معاهدة أياستيفانوس طلب الروس بعض السفن تعويضاتٍ، وقوله لصفوت باشا إنه على استعداد للتضحية بنفسه في سبيل رفض هذا البند [ص ١٧٩].
ويُفتتح فصل ميناء غلطة بمقارنةٍ مع جدلٍ معاصر حول مناقصة «غلطة پورت» [ص ١٨٠]. ويصف الوضع السابق: رسو السفن الكبيرة في عرض البحر ونقل الركاب والبضائع بزوارق التجذيف، وأطقمها من الروم القادمين من كفلونيا ونيسيروس ومرمرة، والحمّالون من كفلونيا [ص ١٨٠]. ويؤرخ الحاجة إلى عهد محمود الثاني وإلى حروب القرم، ويقول إن القضية بحثت في عهد عبد العزيز بلا قرار وبقي عبؤها إلى عهد عبد الحميد [ص ١٨٠–١٨١]. والامتياز استقر على الفرنسي ماريوس ميشيل، وبدأ العمل سنة ١٨٧٩ [ص ١٨١]. والسند التوثيقي المعلَن هو المجلد الخامس من «مجلة الأمور البلدية» لعثمان نوري إنكين، وفيه كامل المقاولة والقانون المنظّم لها [ص ١٨١]. ومنه يستخرج المؤلف شروطاً يعدّها دليلاً على صرامة الدولة في عصر الامتيازات: مدة ٨٥ عاماً على صيغة «إنشاء–تشغيل–تحويل»، ومادة ١٧ التي تجيز إسقاط أهلية الشركة ووضع اليد على أموالها عند التخلف عن الجداول، وخارطة بمقياس ١/١٠٠، ومفتشون من وزارة النافعة تتحمل الشركة رواتبهم، وحقّ وزارة البحرية في تعيين ضابط لقيادة الميناء، والنص على عدم المساس بالأوابد الأثرية والجوامع والأوقاف، والمادة السابعة التي تمنح الدولة حق التشغيل والشراء بعد أربعين عاماً، ومنع رفع الرسوم إلا بتصديق الوزارة، والمادة ٢٢ في عدد العاملين، ورسوم بفرنك عن كل طن للربط وثلاثة فرنكات للميناء، واختصاص المحاكم العثمانية وحدها بالفصل في الخلاف، واشتراط أن يجري الاستثمار الأجنبي عبر شركة قائمة وفق القوانين العثمانية [ص ١٨١–١٨٢]. وافتُتح الميناء أمام السفن سنة ١٨٩٥، ويستشهد على إتقانه بذكريات سرمت مختار ألوس عن السفن العابرة للأطلسي الراسية فيه [ص ١٨٢].
مواضع مشكلة أو غير واضحة في النص
النص المستخرج نظيف في مجمله، غير أن مواضع بعينها تحتاج إلى تنبيه. الأرقام تلتصق بالكلمات في مواضع كثيرة، ويجري تقطيع الأسماء اللاتينية حرفاً حرفاً في صناديق المراجع، وخاصة في ص ١٢٨–١٢٩ و١٨٢. وتبقى أسماء تركية بالحرف اللاتيني داخل السياق العربي من دون تعريب: Gökkafes [ص ٩٦]، Tepedenlioğlu [ص ٩٤]، Yeldeğirmen [ص ١٣٠]، sakız [ص ١٦١]، Szechenyi [ص ١٥٦]، Unkapanı [ص ١٨١]. وفي ص ١٤٤ عبارة مضطربة عن انتشار الطراز المارتيني: «بلغ عددها خمسمئة ألف أغنية»، والسياق يوجب أن يكون العدد للبنادق لا للأغاني. وفي ص ١٦٠ يرد اسم «عبد المجيد» في جملةٍ تتحدث عن إيمان السلطان بضرورة المشروطية سنة ١٨٧٦، والسياق يوجب «عبد الحميد». وفي ص ١٧١ سلسلة أرقام المدارس الابتدائية غير متسقة داخلياً: ست مدارس سنة ١٨٧٦، ثم مئتان سنة ١٨٧٧، ثم خمسون سنة ١٨٨٦. وفي ص ١٦٣ يُنسب النمو السكاني إلى «عهد سلطنة عبد المجيد» ويؤرَّخ بنهايات سبعينيات القرن التاسع عشر في الشاهد المنسوب إلى إريك جان زورخر. وصفحات ١٣١ و١٣٢ و١٥٦ و١٦٩ و١٧٦ تكاد تقتصر على تعليقات على صور فوتوغرافية ومخططات لا يمكن قراءة محتواها من النص وحده، وص ١٤٩ لا تحمل سوى سطرٍ واحد، وص ١٠١ تفتتح بذيل إحالةٍ مقطوع («١٨ – ١٩») يعود إلى المصدر المذكور في آخر ص ١٠٠.