الحسن بن محمد
ابن الحسن النباهي الجُذامي؛ من أهل مالقة؛ يكنى أبا علي.
أوليته
قال القاضي المؤرخ أبو عبد الله بن أبي عسكر فيه: من حسباء مالقة وأعيانها وقضاتها، وهو جد بني الحسن المالقيين، وبيته بيت قضاء وعلم وجلالة، لم يزالوا يرثون ذلك كابراً عن كابر، استقضى جده المنصور بن أبي عامر، وكانت له ولأصحابه حكاية مع المنصور.
قال القاضي ابن بياض، أخبرني أبي، قال: اجتمعنا يوماً في منتزه لنا بجهة الناعورة بقرطبة مع المنصور بن أبي عامر في حداثة سنه، وأوان طلبه، وهو مرتج مؤمل، ومعنا ابن عمه عمرو بن عبد الله بن عسكلاجة، والكاتب ابن المرعزى، والفقيه أبو الحسن المالقي، وكانت سفرة فيها طعام، فقال ابن أبي عامر من ذلك الكلام الذي كان يتكلم به، لا بد أن نملك الأندلس، ونحن نضحك منه ومن قوله. ثم قال: يتمنى كل واحد منكم عليَّ ما شاء أُوَلَّيه؛ فقال عمرو: أتمنى أن توليني المدينة، نضرب ظهور الجنات، وقال ابن المرعزى: وأنا أشتهي الأسفح، القضاء في أحكام السوق، وقال أبو الحسن: وأنا أحب هذه أن [توليني] قضاء مالقة بلدي. قال موسى ابن غدرون، قال لي تمن أنت؛ فَشَقَقْتُ لحيته بيدي، واضطربت به وقلت قولاً قبيحاً من قول السفهاء. فلما ملك ابن أبي عامر الأندلس، ولي ابن عمه المدينة، وولى ابن المرعزى أحكام السوق، وولى أبا الحسن المالقي قضاء ريُّه، وبلغ كل واحد ما تمنى، وأخذ مني مالاً عظيماً أفقرني لقبح قولي. فبيت بني الحسن الشهير، وسيأتي من أعلامه ما فيه كفاية.
حاله
قال ابن الزبير: كان طالباً نبيلاً من أهل الدين والفضل والنهى والنباهة.
نباهته
[قال ابن الزبير في كتاب نزهة البصائر والأبصار: اسْتُقْضيَ بغرناطة].
وفاته
توفي سنة اثنين وسبعين وأربعمائة، ذكره ابن بشكوال في الصلة، وعرف بولايته قضاء غرناطة، وذكره ابن عسكر، وتوهم فيه الملاحي، فقال: هو من أهل إلبيرة.
حسن بن محمد
ابن حسن القيسي؛ من أهل مالقة؛ يكنى أبا علي؛ ويعرف بالقلنار.
حاله
كان رحمه الله بقية شيوخ الأطباء ببلده، حافظاً للمسائل الطبية، ذاكراً للدواء، فسيح التجربة، طويل المزاولة، متصرفاً في الأمور التي ترجع إلى صناعة اليدين صدلة واخراعةً، محارباً، مقدوراً عليه في أخرياته، ساذجاً، مخشوشناً، كثير الصحة والسلامة، محفوظ العقيدة، قليل المصانعة، برياً من التشمت، يعالج معيشته بيده في صبابة فلاحة. أخذ صناعة الطب عن أبي الحسن الأركشي، ومعرفة أعيان النبات عن المصحفي وسرح معه، وارتاد منابت العشب في صحبته، فكان آخر السحارين بالأندلس، وحاول عمل الترياق الفارق بالديار السلطانية عام اثنين وخمسين وسبعمائة مبرزاً في اختيار أجزائه، وإحكام تركيبه، وإقدام على اختبار مرهوب حياته، قتلاً وصنجاً وتقريصاً، بما يعجب من إدلاله فيه، وفراهته عليه.
حسن بن محمد
ابن باصَة؛ يكنى أبا علي؛ ويعرف بالصَّعَلْعَل؛ رئيس المؤقتين
بالمسجد الأعظم؛ من غرناطة؛ أصله من شرق الأندلس.
حاله
كان فقيهاً إماماً في علم الحساب والهيئة، أخذ عنه الجلة والنبهاء قائماً على الأطلال والرخائم وآلالات الشعاعية، ماهراً في التعديل، مع التزام السنة، والوقوف عندما حد العلماء في ذلك، مداوم النظر، ذا مستنبطات ومستدركات وتواليف، نسيج وحده ورحقة وقته.
وفاته
توفي بغرناطة عام ستة عشر وسبعمائة.
الحسن بن محمد
ابن علي الأنصاري؛ من أهل..... يكنى أبا علي؛
ويعرف بابن كسرى
حاله
كان متقدماً في حفظ الأدب واللغة، مبرزاً في علم النحو، شاعراً مجيداً، ممتع المؤانسة، كثير المواساة، حسن الخلق، كريم النفس، مُثِرّاً في نظم الشعر [في غير فن]، مدح الملوك والرؤساء، مؤثراً للخمول على الظهور وفي تخامله يقول شعراً ثبت في موضعه.
مشيخته
روى عن أبي بكر بن عبد الله بن ميمون الكندي، وأبي عبد الله الكندي، وأبي الحكم بن هرودس، وأبي عبد الله بن غالب الرصافي. ممن روى عنه، روى عنه أبو الطاهر أحمد بن علي الهواري السبتي، وأبو عبد الله إبراهيم بن سالم بن صالح بن سالم.
نباهته وإدراكه
من كتاب نزهة البصائر والأبصار؛ قال القاضي أبو عبد الله بن عسكر: نقلت من خط صاحبنا الفقيه القاضي رحمه الله ما معناه: قال: حدثني الفقيه الأديب أبو علي؛ قال: كنت بإشبيلية؛ وقد قصدتها لبعض الملوك، فبينما أنا أسير في بعض طرقها، لقيت الشيخ أبا العباس، فسلمت عليه، ووقفت معه، وكنت قد ذُكِرَ لي أن بها رجلاً من الصالحين، زاهداً، فاضلاً ينتقد من الشعر في الزهد والرقائق، ببدائع تعجب؛ [وكان بالمغرب قد قصد الهربيّ والنادر]، فسألني أبو العباس عن مصيري؛ فأعلمته بقصدي، فرغب أن يصحبني إليه، حتى أتيناه، فرأيناه رجلاً عاقلاً، قاعداً في موضع قذر، فسلمنا عليه، فرد علينا، وسألناه عن قعوده في ذلك الموضع، فقال أتذكر الدنيا وسيرتها، فزدنا به غبطة، ثم استنشدناه في ذلك الغرض من كلامه، ففكر ساعة ثم أنشدنا كلاماً قبيحاً، تضمن من القبيح ومن الإقذاع والفواحش ما لا يحل سماعه، فقمنا نلعنه، وخجلت من أبي العباس، واعتذرت له. ثم اتفق أن اجتمعنا في مجلس الأمير الذي كنت قد قصدته، فقال أبو العباس، إن أبا علي قد حفظ لبعض الحاضرين شعراً في الزهد، من أعذب الكلام وأحسنه، فسألني الأمير وطلب مني إنشاده؛ فخجلت ثم ثاب إليَّ عقلي، فنظمت بيتين فأنشدتهما إياه وهما:
أشهد ألا إله إلاّ الله
محمد المصطفى رسول الله
لا حول للخلق في أمورهم
إنما الحول كله لله
قال: فأعجب الأمير ذلك واستحسنه. ومن مقاماته بين يدي الملوك وبعض حاله، نقلت من خط صاحبنا الفقيه القاضي أبي الحسن بن أبي الحسن، قال: المروي منسوب إلى قرية بقرب مالقة، وهو الذي قال فيه الشيخ أبو الحجاج بن الشيخ رضي الله عنه:
إذا سمعت من أسرى
ومن إلى المسجد أسرى
فقل ولا تَتَوَقَّف
أبا علي بن كِسْرى
قال وهو قريب الأستاذ الأديب أبي علي الإسْتِجي ومعلمه، وأحد طلبة الأستاذ أبي القاسم السهيلي، وممن نبع صغيراً، وارتحل إلى غرناطة ومرسية، وهو الذي أنشد في طفولته السيد أبا إسحاق بإشبيلية:
قسماً بحمص وإنه لعظيم
وهي المقام وأنت إبراهيم
وكان بالحضرة أبو القاسم السهيلي، فقام عند إتمامه القصيدة، وقال لمثل هذا أحسيك الحسا، وأواصل في تعليمك الإصباح والإمسا، وكان يوماً مشهوداً.
وأنشد الأمير أبا يعقوب حين حلها:
أمعشر أهل الأرض في الطول والعرض
بهذا استنادي في القيامة والعرض
لقد قال فيك الله ما أنت أهله
فيقضي بحكم الله فيك بلا نقض
وإياك يُعنى ذو الجلال بقوله
كذلك مكنا ليوسف في الأرض
وذكره ابن الزبير، وابن عبد الملك، وابن عسكر، وغيرهم؛ ومن شعره في معنى الانقطاع والتسليم إلى الله تعالى، وهي لزومية، ولنختم بها، ختم الله لنا بالحسنى:
إلهي أنت [الله] ركني وملجئي
وما لي إلى خلق سواك ركون
رأيت بني الأيام عُقْبَي سكونهم
حِراكٌ وفي عُقبى الحِراك سكون
رِضًى بالذي قَدَّرت تسليم عالمٍ
بأن الذي لا بد منه يكون
وفاته
توفي بمدينة مالقة في حدود ثلاث وستمائة.
الحسين بن عتيق
ابن الحسين بن رشيق التغلبي؛ يكنى أبا علي؛ مُرْسِيُّ [الأصْل] سبْتِيُّ الاسْتيطان؛ مُنْتَمٍ إٍلى صاحب الثورة على المعتمد.
حاله
كان نسيج وحده، وفريد دهره، إتقاناً ومعرفة، ومشاركة في كثير من الفنون اللسانية والتعالمية، متبحراً في التاريخ، رياناً من الأدب، شاعراً مفلقاً، عجيب الاستنباط، قادراً على الاختراع والأوضاع، جهم المحيا، موحش الشكل، يضم برداه طوياً لا كفاء له، تحرف بالعدالة، وبرز بمدينة سبتة، وكتب عن أميرها، وجرت بينه وبين الأديب أبي الحكم مالك بن المُرَحَّل من الملاحات والمهاترات أشد ما يجري بين متناقضين، آلت به إلى الحكاية الشهيرة، وذلك أنه نظم قصيدة نصّها:
لكلاب سبتة في النباح مدارك
وأشدها [دركاً لذلك] مالك
شيخ تفانى في البطالة عمره
وأحال فكيه الكلام الآفك
كلبٌ له في كل عِرض عضة
وبكل مُحْصَنَةٍ لسانٌ آفك
مُتْهم بذوي الخنا متزمِّعٌ
متهازلٌ بذوي التقى متضاحك
أحلى شمائله السباب المفتري
وأعف سيرته الهجاء الماعك
وألذ شيء عنده في محفٍل
لمزٌ لأستار المحافل هاتك
يَغْشى مخاطره اللَّئيم تفكها
ويعاف رؤيته الحليم الناسك
لو أن شخصاً يستحيل كلامه
خرْءاً لَلاَك الخرْءَ منه لائك
فكأنه التمساح يقذف جوفه
من فيه ما فيه ولا يتماسك
أنفاسه وفُسُاؤه من عنصر
وسُعالُه وضُراطُه متشارك
[ما ضرفا من معدَّ الله
لو أسلمته نَواجِذٌ وضواحك]
في شعره من جاهلية طبعه
أثقال أرضٍ لم ينلها فاتك
صدر وقافية [تعارضتا معاً]
في بيت عنسٍ أو بعرسٍ فارك
قد عم أهل الإرض بلعنه
فللأعنية في السماء ملائك
ولأعجب العجبين أن كلامه
لخلاله مسكٌ يروح ورامَك
إن سام مكرمة جثا متثاقلا
يرغو كما يرغو البعير البارك
ويدب في جنح الظلام إلى الخنا
عَدْواً كما يعدو الظليم الراتك
نبذ الوقار لصبيةٍ يهجونة
فسياله فرشٌ لهم وأرائك
يبدي لهم سوآته ليسوءهم
بمسالك لا يرتضيها سالك
والدهر باكٍ لانقلاب صروفه
ظهراً لبطن وهو لاه ضاحك
واللسن تنصحه بأفصح منطق
لو كان ينجو بالنصيحة هالك
تب يا ابن تسعين فقد جزت المدا
وارتاح للُّقيا بسنِّك مالك
[أو ما ترى من حافديك] نشابها
ابنٌ يضاجع جده ويناسك
هيهات أية عِشرة لهجت به
هَنوات مملوك وطيِّع مالك
يا ابن المُرحَّل لو شهدت مَرَحَّلاً
وقدِ انْحنى بالرَّحل منه الحارك
وطريد لومٍ لا يحل بمعشر
إلا أمال قفاه صفعٌ دالك
[مركوب لهوِ لجاجة وركاكة]
وأراك من ذاك اللجاج البارك
لرأيِت للْعَيْن اللئيمة سحّة
وعلا بصَفْع عَرْكُ أذْنك عارك
وشغُلتَ عن ذم الأنام بشاغل
وثناك خصمٌ من أبيك مماحك
قسماً بمن سمك السماء مكانها
ولديه نفس رداء نفسك شائك
لأقول للمغرور منك بشيبةٍ
بيضاء طي الصحف منها حالك
لا تأمَنَنْ للذئب دفع مضرة
فالذئب إن أعفتيه بك فاتك
عارٌ على الملك المنزه أن يرى
في مثل هذا للملوك مسالك
فكلامه للدين سم قاتل
ودنوه للعرض داء ناهك
فعليه ثم على الذي يصغى له
ويلٌ يعاجله وحتفٌ واشك
وأتاه من مثواه آت مجهزٍ
لدم الخناجر بالخناجر سافك
وهي طويلة تشتمل من التعريض والصريح على كل غريب، واتخذ لها كنانة خشبية كأوعية الكتب، وكتب عليها: ((رقاص مُعَجَّل، إلى مالك بن المرحل)). وعمد إلى كلب، وجعلها في عنقه، وأوجعه خبطاً حتى لا يأوي إلى أحد، ولا يستقر، وطرده بالزقاق متكتما بذلك. وذهب الكلب وخلفه من الناس أمة، وقرئ مكتوب الكنانة، واحتمل إلى أبي الحكم، ونزعت من عنق الكلب، ودفعت إليه، فوقف منها على كل فاقرةٍ كفت من طماحه، وغضت عن عنان مجاراته، وتُحدَّث بها مدة، ولم يغب عنه أنها من حيل ابن رشيق، فعوق سهام المراجعة، ثم أقصر مكبوحاً، وفي أجوبته عن ذلك يقول:
كلاب المزابل آذينني
بأبوالهن على باب داري
وقد كنت أوجعها بالعصا
ولكن عوت من وراء الجدار
واستدعاه بآخرةٍ أمير المغرب السلطان أبو يعقوب؛ فاستكتبه، واستكتب أبا الحكم صدقةً، فيقال أن جر عليه خجلةً كانت سبب وفاة أبي علي. ودخل الأندلس، وحط بها بألمرية، وقد أصيب بأسر عياله؛ فتوسل إلى واليها من قرابة السلطان الغالب بالله، بشعر مدحه فيه من قصيدة أولها:
ملقي النوى ملقٍ لبعض نوالكا
فاشف المحب ولو بطيف خيالكا
ومنها:
لا تحسبنّي من فلانٍ أو فلا
أنا من رجال الله ثم رجالكا
ومنها:
نصب العدو حبائلا لحبائبي
وعَلِقْتُ في استخلاصها بحبالكا
وفي خاتمها:
وكفاك شر العين عيبٌ واحد
لا عيب فيه سوى فلول نصالكا
ولحق بغرناطة، ومدح السلطان بها، ونجحت لديه مشاركة الرئيس بألمرية. فجبر الله حاله، وخلص أسره. ومما جمع فيه بين نثره ونظمه [ما كتبه] لما كتبه إليه الأديب الطبيب صالح بن شريف بهاتين القصيدتين، اللتين تنازع فيهما الأقوام، واتفقوا على أن يحكم بينهما الأحلام، وعبر عن ذلك الأقلام، ولينظرهما من تشوق إليهما بغير هذا الموضع.
تواليفه
وأوضاعه غريبة، واختراعاته عجيبة، تعرفت أنه اخترع في سفرة الشطرنج شكلا مستديراً. وله الكتاب الكبير في التاريخ، والتلخيص المسمى بميزان العمل وهو من أظرف الموضوعات، وأحسنها شهرة.
وفاته
كان حيا عام أربعة وسبعين وستمائة.
حَبُّوس بن ماكْسَن
ابن زيري بن مناد الصَّنْهاجي؛ يكنى أبا مسعود؛
ملك إلبيرة وغرناطة وما والاها.
حاله وأوليته
أما أوليته فقد مر ذلك بما فيه الكفاية عند ذكر بلكين. ولما دخل زاوي بن زيري على الأندلس غب إيقاعه بالمرتضى، الذي نصبته الجماعة، واستيلائه على محلته بظاهر غرناطة؛ وخاف تمالؤ الأندلس عليه، ونظر للعاقبة، فأسند الأمر إلى ابن أخيه، حبوس بن ماكسن، وكان بحصن أشتر، فلما ركب البحر من المنكب، وودعه به زعيم البلدة وكبير فقهائها أبو عبد الله بن أبي زمنين، ذهب إلى ابن أخيه المذكور واستقدمه، وجرت بينه وبين ابن عمه المتخلف على غرناطة من قبل والده، محاورة أنجلت عن رحيله تبعاً لأبيه، وانفرد حبُّوس، فاستبد بالملك، ورأب الصدع سنة أحد عشر وأربعمائة، قال ابن عذاري في تاريخه: فانحازت صنهاجة مع شيخهم ورئيسهم حبوس بن ماكسن، وقد كان أخوه حباسة هلك في الفتنة، وبقي منهم معه بعد انصراف زاوي إلى إفريقية، جماعة عظيمة، فانحازوا إلى مدينة غرناطة، وأقام حبوس بها ملكاً عظيماً، وحامى رعيته ممن جاوره من سائر البرابرة المنتشرين حوله، فدامت رياسته.
وفاته
توفي بغرناطة سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.
الحكم بن عبد الرحمن
ابن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام ابن عبد الرحمن بن معاوية.
صفته وحاله
كان أصهب العين، أسمر، أقنى، معسّل اللحية، جهير الصوت، طويل الصلب، قصير الساقين، عظيم الساعد، أفصم، وكان ملكاً جليلاً، عظيم الصيت، رفيع القدر، عالي الهمة، فقيهاً بالمذهب، عالماً بالأنساب، حافظاً للتاريخ، جماعاً للكتب، محباً في العلم والعلماء، مشيراً للرجال من كل بلد، جمع العلماء من كل قطر، ولم يكن في بني أمية أعظم همة، ولا أجل رتبة في العلم، وغوامض الفنون منه. واشتهر بهمته بالجهاد وتُحدَّث بصدقاته في المحلول، وأملته الجبابرة والملوك.
دخوله إلبيرة
قال ابن الفيّاض: كتب إليه من الثغر الجنوبي أن عظيم الفرنجة من النصارى حشدوا إليه [وسألوه الممرة] بطول المحاصرة، فاحتسب شخوصه بنفسه إلى ألمرية في رجب سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، في جحفل لجبٍ من نجدة الأولياء وأهل المراتب. ولما أحل إلبيرة ورد عليه عليه كتاب أحمد بن يَعْلى من طرطوشة بنصر الله العزيز وصنعه الكريم على الروم، ووافى ألمرية، وأشرف على أمورها، ونظر إلى أسطولها وجدده، وعدته يومئذ ثلاثمائة قطعة، وانصرف إلى قرطبة.
مولده
لست بقين من جمادى الآخرة؛ سنة اثنتين ثلاثمائة.
وفاته
لأربع خلون من صفر؛ سنة ست وستين وثلاثمائة، وعمره نحوٌ من ثلاث وستين سنة، وهو خاتمة العظماء من بني أمية.
الحكم بن هشام
ابن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ابن أمية؛ كنيته أبو العاصي.
صفته
آدَمُ شديد الأُدْمَة، طويل، أشم، نحيف، لم يخضب.
بنوه
تسعة عشر من الذكور؛ منهم عبد الرحمن؛ ولي عهده.
بناته
إحدى وعشرون.
أمه
أم ولد؛ اسمها زخرف.
وزراؤه وقواده
خمسة منهم: إسحاق بن المنذر، والعباس بن عبد الله، وعبد الكريم بن عبد الواحد، وفُطَيس بن سليمان، وسعيد بن حسّان.
قضاته
مصعب بن عمران، وعمر بن بشر، والفرج بن كنانة، وبشر بن قطن، وعبد الله بن موسى، ومحمد ابن تليد، وحامد بن محمد بن يحيى.
كتابه
فُطَيس بن سليمان. وعطاف بن زيد، وحجّاج بن العُقَيْلي.
حاجبه
عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث.
حاله
كان الحكم شديد الحزم، ماضي العزم، ذا صولة تتقى، وكان حسن التدبير في سلطانه، وتولية أهل الفضل، والعدل في رعيته، مبسوط اليد بالعطاء الكثير، وكان فصيحاً، بليغاً، شاعراً مجيداً، أديباً، نحوياً.
قال ابن عذاري: كانت فيه بطالة، إلاّ أنه [كان شجاعاً، مبسوط اليد]، عظيم العفو، وكان يسلط قضاته وحكامه على نفسه، فضلاً عن ولده وخاصته، وهو الذي جرت على يده الفتكة العظيمة بأهل رَبْض قرْطُبَة؛ الذين هاجوا به وهتفوا بخلعانه؛ فأظهره الله عليهم، في خبر شهير، وهو الذي أوقع بأهل طليطلة أيضاً، فأبادهم بحيلة الدعاء إلى الطعام بما هو معلوم.
دخوله غرناطة
قالوا: وبإلبيرة وأحوازها تلاقى مع عمه أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن؛ فهزمه وقتله حسبما ثبت في اسم أبي أيوب.
شعره
قالوا وكان له خمس جوارٍ؛ قد استخلصهن لنفسه، ومَلَّكْهُنَّ أمره؛ فذهب يوماً إلى الدخول عليهن، فتأبين عليه، وأعرضن عنه؛ وكان لا يصبر عنهن، فقال:
قضبٌ من البان ماست فوق كثبان
ولَّيْنَ عنِّي وقد أزمعن هجراني
ناشدتهن بحقي فاعتزمن على ال
عصيان حتى خلا منهن هِمْياني
ملكنني ملك من ذلت عزيمته
للحب ذل أسيرٍ مُوثَقٍ عاني
من لي بمُغْتَصِبات الرُّوح من بدني
يُغْصِبَننِي في الهوى عزي وسلطاني
ثم عَطَفْن عليه بالوصال فقال:
نلت الوصال بعد البُعاد
فكأنِّي ملكّت كل العباد
وتناهى السرور إذ نلت ما لم
يُغْن عنه تَكاثُفُ الأجناد
مناقبه
أنهى إليه عباس بن ناصح؛ وقد عاد [من] الثغر؛ الثغر؛ أن امرأة من ناحية وادي الحجارة سمعها تقول: وَاغَوْثاه، يا حكم؛ ضيعتنا، وأسلمتنا، واشتغلت عنا؛ حتى استأسد العدو علينا؛ ورفع إليه شعر في هذا المعنى والغرض؛ فخرج من قرطبة كاتماً وجهته؛ وأوغل في بلاد الشرك؛ ففتح الحصون، وهدم المنازل، وقتل وسبَى، وقفل بالغنائم على الناحية التي فيها تلك المرأة؛ فأمر لأهل تلك الناحية بمال من الغنائم؛ يفدون به أسراهم، ويصلحون به أحوالهم؛ وخَصَّ المرأة وآثرها، وأعطاها عدداً من الأسرى؛ وقال لها: هل أغاثك الحكم؟ قالت: أي والله؛ أغاثنا وما غفل عنا؛ أعانه الله وأعز نصره.
وفاته
توفي لأربع بقين لذي الحجة؛ سنة ست ومائتين، وكان عمره اثنين وخمسين سنة. وجرى ذكره في الرجز؛ من نظمي في تاريخ دول الإسلام بما نصه:
حتى إذا الدهر عليه احتكما
قام بها ابنه المسمى حكما
واستشعر الثورة فيها وانقبض
مستوحشاً كالليث أقعى وربض
حتى إذا فرصته لاحت تفض
فأفحش الوقعة في أهل الربض
وكان جباراً بعيد الهمة
لم يرع منٍ آل بها أو ذمة
حكم بن أحمد
ابن رجا الأنصاري؛ من أهل غرناطة؛ يكنى أبا العاصي.
حاله
كان من قرائها، ونبهائها، وكان من أهل الفضل والطلب، وإليه ينسب مسجد أبي العاصي، وحمام أبي العاصي، ودربه بغرناطة. وكفى بذلك دليلاً على الأصالة والتأثل. ذكره أبو القاسم؛ ولم يذكر [من] أمره مزيداً على ذلك.
حاتم بن سعيد
ابن خلف بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن ابن عثمان بن سعيد بن عبد الملك بن سعيد بن عمار بن ياسر
أوليته
قد مر بعض ذلك؛ وسيأتي بحول الله.
حاله
قال أبو الحسن بن سعيد في كتابه الموضوع في مآثر القلعة: كان صاحب سيف وقلم وعلم، ودخل في الفتنة المردنيشيه؛ حسبما مرّ ذلك عند ذكر أخيه أبي جعفر؛ فصار من جلساء الأمير أبي عبد الله [محمد] بن سعد بن مردنيش بمرسية، وأرباب آرائه، وذوي الخاصة من وزرائه، وكان مشهوراً بالفروسية والشجاعة [والرأي].
حكاياته ونوادره
قال: كانت التندير والهزل قد غلبا عليه. وعرف بذلك؛ فصار يحمل منه ما لا يحمل من غيره، قالوا: فحضر يوماً مع الأمير محمد بن سعد. يوم الجلاب من حروبه، وقد صبر الأمير صبراً جميلاً، ووالى الكر المرة بعد المرة. وذلك بمرأى من حاتم، فرد رأسه إليه، وقال: يا قائداً أبا الكرم كيف رأيت؟ فقال له حاتم: لو رآك السلطان اليوم؛ لزاد في مرتبك؛ فضحك ابن مردنيش، وعلم أنه أراد بذلك: لا تليق به المخاطرة، وإنما هو للثبات والتدبير. وقال له يوماً وقد جرى ذكر الجنات: جُنّ اليوم يا أبا الكرم على بستانك بالزنقات، وأردت أن أكون من ضيافتك، فقال عبد الرحمن بن عبد الملك؛ وهو إذ ذاك وزير الأمير، وبيده المجابي والأعمال: لعل الأمير اغتر بسماع اسمه حاتم، ما فيه من الكرم إلا الاسم، فقال الحاتم، ولعل الأمير اغتر بسماع [أمانة] عبد الرحمن، فقدمة على وزرائه، وما عنده من الأمانة إلا الاسم، فقال ابن مردنيش وقد ضحك، الأولى فهمت، ولم أفهم الثانية، فقال له كاتبه أبو محمد السلمى، إنما أشار إلى قول رسول الله صلى الله عليه، في عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: (أمير هذه الأمة، وأمين في أهل السماء، وأمين في أهل الأرض)؛ فطرب ابن مردنيش، وجعل يقول: أحسنتما.
شعره
قال أبو الحسن: ولم أحفظ من شعر حاتم ما أورده في هذا المكان إلا قوله يخاطب حفصة الركونية الشاعرة، التي يأتي ذكرها؛ حين فرّ إلى مرسية، وتركها بغرناطة:
أحن إلى ديارك يا حياتي
[وأبصر ذو وهد سيل الظُّباتِ]
وأهوى أن أعود إليك لكن
[خفوق البَنْد عاق عن القنات]
وكيف إلى جنابك من سبيل
وليس يحله إلا عداتي
مولده
في سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. وقال أبو القاسم الغافقي فيه عند ذكره: كان طالباً نبيهاً جميلاً سرياً، تام المروءة، جميل العشرة.
وفاته
قال: مات بغرناطة سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة.
حباسة [بن ماكسن
ابن زيري بن مناد الصنهاجي]؛ كان شهماً، هيباً، بُهْمَةً من البُهم؛ كريماً في قومه، أبياً في نفسه، صدراً من صدور صنهاجة؛
وكان أشجع من أخيه حَبُّوس.
وفاته
قال أبو مروان عند ذكر وقعة ((رمداي)) بطرف قرطبة؛ في حروب البرابرة لأهلها في شوال؛ عام اثنين وأربعمائة.
قال: واستلحم حباسة بن ماكسن الصنهاجي ابن أخي زاوي بن زيري، [وهو] فارس صنهاجة طراً وفتاها، وكان قد تقدم إلى هذه الناحية. زعموا لما بلغه اشتداد الأمر فيها، فرمى بنفسه على طلابها، واتفق أن ركب بسرج طري العمل متفتح اللبد، وخانه مقعده عند المجاولة، لتقلبه على الصهوة، وقيل إنه كان منتبذاً على ذلك. فتطارح على من بإزائه، ومضى قدماً بسكرى شجاعته ونشوته، يصافح البيوت بصفحته، ويستقبل القنا بلباته، لا يعرض له شيء إلا حطه، إلى أن مال به سرجه، فأتيح حمامه لاشتغاله بذلك، بطعنة من يد المسمى النبيه النصراني؛ أحد فرسان الموالي العامريين، فسقط لفيه، وانتظمته رماح الموالي فأبادته، وحامى أخوه حبوس، وبنو عمه، وغيرهم من أنجاد البرابرة على جثته، فلم يقدروا على استنقاذها؛ بعد جلاد طويل. وغلب عليه الموالي؛ فاحتزوا رأسه، وعجلوا به إلى قصر السلطان، وأسلموا جسده للعامة، فركبوه بكل عظيمة، واجتمعوا إليه اجتماع البغاث على كبير الصقورة، فجروه في الطريق وطافوا به الأسواق، وقطعوا بعض أعضائه، وأبدوا شواره وكبده بكل مكروه من أنواع الأذى، بأعظم ما ركب ميت، فلما سئموا تجراره، وأوقدوا له ناراً فحرقوه بها جرياً على ذميم عادتهم، في قبح المثلة، ولؤم القدرة. وانجلت الحروب في هذا اليوم لمصابه، عن أمر عظيم، وبلغ من جميع البرابرة الحزن عليه مناله، ورأت أن دماء أهل قرطبة جميعاً لا تعدله. من الكتاب المتين.
حبيب بن محمد
ابن حبيب؛ من أهل النجش من وادي المنصورة؛ أخوه مالك النجشي؛ دباب الحلقات؛ ومراد أذناب المقربين.
حاله
كان على سجية غريبة من الانقباض المشوب بالاسترسال، والأمانة مع الحاجة، بادي الزَّي واللسان، يحفظ الغريب من اللغة، ويحرك شعراً لا غاية وراءه في الركاكة. وله قيامٌ على الفقه وحفظ القرآن ونغمةٌ حسنة عند التلاوة. قدم الحضرة غير ما مرة، وكان الأستاذ، إمام الجماعة، وسيبويه الصناعة، أبو عبد الله بن الفخار المعروف بالبيري؛ أبا مثواه ومحط طيته، يطلب منه مشاركته بباب السلطان في جراية يرغب في تسميتها، وحال يروم إصلاحها، فقصدني مصحباً منه رقعة تتضمن الشفاعة، وعرض على قصيدة من شعره [يروم] إيصالها إلى السلطان، فراجعت الأستاذ برقعة أثبتها على جهة الإحماض وهي:
((يا سيدي الذي أتشرف، وبالانتماء إلى معارفه أتميز، وصل إلى عميد حصن النجش، وناهض أفراخ ذلك العُشّ، تلوح عليه مخائل أخيه المسمى بمالك، ويترجج به الحكم في الغاية في أمثال تلك المسالك، أشبه من الغراب بالغراب، وإنها لمن عجائب الماء والتراب، فألقى من ثنائكم الذي أوجبته السيادة والأبوة، ما يقصر عن طيب الألوة، وتخجل عند مشاهدته الغرر المجلوة، وليست بأولي برّ أسديتم، ومكرمة أعدتم وأبديتم، والحسنات وإن كانت فهي [إليكم] منسوبة، وفي أياديكم أياديكم محسوبة، وبلوت من الرجل طلعة نتفة، لم يغادر من صفات النبل صفة، حاضر بمسائل [من] الغريب، وقعد مقعد الذكي الأريب، وعرض عليّ حاجته وغرضه، وطلب مني المشاركة، وهي مني لأمثاله مفترضة، ووعدني بإيقافي على قصيدة حبرها وأنسى بالخبر خبرها، وباكرني بها اليوم مباكرة الساقي بدهاقه، وعرضها على عرض التاجر نفائس أعلاقه، وطلب مني أن أهذب له ما أمكن من معانيها وألفاظها، وأجلو القذى عن ألحاظها، فنظرت منها إلى روضٍ كثرت أثغابه وجيشٍ من الكلام زاحم خواصه أو شابه، ورمت الإصلاح ما استطعت، فعجزت عن ذلك وانقطعت، ورأيت لا جدوى إلى ذلك الغرض، ما لم تبدل الأرض غير الأرض. وهذا الفن أبقى الله سيدي، ما لم يمت إلى الإجادة بسبب وثيق، وينتمي في الإحسان إلى مجد عريق، وكان رفضه أحسن وأحمد، واطراحه بالفائدة أعود، وإذا اعتبره من عدل وقسط، وجده طريقين لا يقبل الوسط، فمنهما مال يقتنى ويدخر، وسافلٌ يهزء به ويسخر، والوسط ثقيل لا يتلبس به [نبيل].
قيل لبعضهم ألا تقول الشعر؟ فقال أريد منه ما لا يتأتى لي، ويتأتى لي منه ما لا أريده. وقال بعضهم، فلان كمُغَنّ وسط؛ لا يجيد فيطرب، ولا يسيء فيسلي. فاقتضى نظركم الذي لا يفارق السداد والتوفيق، وإرشادكم الذي رافقه الهدى ونعم الرفيق، أن يشير عليه بالاستغناء عن رفعها، والامتساك عن دفعها، فهو أقوى لأمته، وأبقى على سكنته وسمته، وأستر لما لديه، قبل أن يمد أبو حنيفة رجليه، [وإن] أصمت عن هذا العذل مسامعه، وهفت به إلى النجاح مطامعه، فليعمد على الاختصار، فذو الإكنار جم العثار، وليعدل إلى الجادة عن ثنيات الطرق، ويجتزئ عن القلادة بما أحاط بالعنق، بالعنق، فإذا رتبها وهذبها، وأوردها من موارد العبارة أعذبها، توليت زفافها وإهداءها، وأمَطْتُ بين يدي الكفوء الكريم رداءها والسلام)).
حمدة بنت زياد
المُكَتّب؛ من ساكني وادي الحمَّة؛ بقرية بادي؛
من وادي آش.
حالها
قال أبو القاسم: نبيلةً، شاعرةٌ، كاتبة، ومن شعرها وهو مشهور:
أباح الدمع أسراري بوادي
له في الحسن آثارٌ بوادي
فمن نهر يطوف بكل روض
ومن روض يطرف بكل وادي
ومن بين الظِّبا مهات إنْس
[سبت لبِّي] وقد سلبت فؤادي
لها لحظٌ ترقِّده لأمرٍ
وذاك الأمر يمنعني رقادي
إذا سَدَلَتْ ذوائبها عليها
رأيت البدر في جُنْح السوادي
كأن الصبح مات له شقيق
فمن حزن تسربل في الحدادي
ومن غرائبها:
ولما أبى الواشون إلا قتالنا
وما لهم عندي وعندك من ثار
وشنوا على آذاننا كل غارة
وقلَّت حُماتي عند ذاك وأنصاري
رَمَيْتُهم من مُقْلَتَيْك وأدْمُعي
ومن نفسيَ [بالسيف والسيل] والنار
وقال أبو الحسن بن سعيد في حمدة وأختها زينب: شاعرتان، أديبتان من أهل الجمال، والمال، والمعارف والصون، إلا أن حب الأدب، كان يحملها على مخالطة أهله، مع صيانة مشهورة، ونزاهةٍ موثق بها.
حفصة
بنت الحاج الرَّكوني من أهل غرناطة؛ فريدة الزمان في الحسن،
والظرف، والأدب، واللوذعية
قال أبوالقاسم: كانت أديبة، نبيلة، جيدة البديهة، سريعة الشعر.
بعض أخبارها
قال الوزير أبو بكر بن يحيى بن محمد ابن عمر الهَمْداني: رغبت أختي إلى حفصة أن تكتب شيئاً بخطها فكتبت:
يا ربة الحسن بل يا ربة الكرم
غضى جفونك عما خطه القلم
تصفحيه [بلحظ الود منعمة]
لا تحفلي بقبيح الخط والكلم
قال أبو الحسن بن سعيد؛ وقد ذكر أنهما باتا بحوز مؤمل؛ في جنة له هنالك؛ على ما يبيت عليه أهل الظرف والأدب؛ قال:
رعى الله ليلاً لم يُرَع بمذمم
[رعانا ووارانا بحَوْزِ مُؤَمَّل]
وقد نفحت من نحو نجد أريجه
إذا نفحت هبت بريح القرنفل
وغرد قمريٌ على الدوح وانثنى
قضيبٌ من ريحان من فوق جدول
يرى الروض مسروراً بما قد بدا له
عناق وضم وارتشاف مُقَبّل
فقالت:
[لعمرك ما سرَّ الرياض وصالنا]
ولكنّه أبدَى لنا الغِلَّ والحَسَد
ولا صفق النهر ارتياحاً لقربنا
ولا مدح القمريُّ إلاّ لما وَجَد
فلا تحسبن الظن الذي أنت أهلُه
فما هو في كل المواطن بالرَّشَد
فما خِلْت هذا الأفق أبدى نجومه
لأمرٍ سوى كي ما يكون لنا رَصَد
قال أبو الحسن بن سعيد: وبالله ما أبدع ما كتبت به إليه؛ وقد بلغها أنه علق بجارية سوداء؛ أسعت له من بعض القصور؛ فاعتكف معها أياماً وليالي، بظاهر غرناطة؛ في ظل ممدود، وطيب هوى مقصور وممدود:
يا أظرف الناس قبل حٍال
أوقعه نحوه القدر
عشقت سوداء مثل ليل
بدائع الحسن قد ستر
لا يظهر البشر في دجاها
كلا ولا يبصر الخفر
بالله قل لي وأنت أدرى
بكل من هام في الصور
من الذي هام في جنان
لا نوار فيه ولا زهر
فكتب إليها بأظرف اعتذار، وألطف أنوار:
لا حكم إلا لآمر ناهٍ له من ذنبه معتذر
له محيا به حياتي أعيذ مداه بالسور
كصحبة العيد في ابتهاج وطلعةٍ الشمس والقمر
سعده لم أمل إليه إلا اطِّرافاً له خبر
عدمت صبحي فاسود عش قي وانعكسالفكر والنظر
إن لم تلح يا نعيم رو حي فكيف لا تفسد الفكر
قال: وبلغنا أنه خلا مع حاتم وغيره من أقاربهم، لهم طربٌ ولهو؛ فمرت على الباب مستترة. وأعطت البواب بطاقةً فيها مكتوب:
زائر قد أتى بجيدغزال
طامع من محبه بالوصال
أتراكم بإذنكم مسعفيه
أم لكم شاغلٌ من الأشغال
فلما وصلت الرقعة إليه؛ قال ورب الكعبة، ما صاحب هذه الرقعة إلاّ الرقيعة حفصة، ثم طلبت فلم توجد. فكتب إليها راغباً في الوصال والأنس الموصول:
أي شغل عن الحبيب يعوق
يا صاحباً قد آن منه الشروق
صل وواصل فأنت أشهى إلينا
من جميع المنى فكم ذا تشوق
بحياة الرضى يطيب صبوحٌ
عرفاً إن جفوتنا أو غبوق
لا وذل الهوى وعز التلاقي
واجتماع إليه عز الطريق
وذكرها الأستاذ في صلته؛ فقال: وكانت أستاذة وقتها. وانتهت إلى أن علمت النساء في دار المنصور، وسألها يوماً أن تنشده ارتجالاً فقالت:
أمنن عليّ بصك يكون للدهر عدة
تختط يمناك فيه الحمد لله وحده
قال: فمنّ عليها، وحرز لها ما كان لها من ملك.
وفاتها
قالوا: توفيت بحضرة مراكش؛ في آخر ثمانين أو إحدى وثمانين وخمسمائة.
الخضر بن أحمد
ابن الخضر بن أبي العافية من أهل غرناطة؛ يكنى أبا القاسم.
حاله
من كتاب عائد الصلة: كان رحمه الله صدراً من صدور القضاة، من أهل النظر والتقييد، والعكوف على الطلب، [مضطلعاً بالمسائل، مسائل الأحكام]، [مهتدياً لمظنات النصوص]، نسخ بيده الكثير، وقيد على الكثير من المسائل، حتى عرف فضله، واستشاره الناس في المشكلات. وكان بصيراً بعقد الشروط، ظريف الخطاب، بارع الأدب، شاعراً مكثراً، مصيباً غرض الإجادة. وتصرف في الكتابة السلطانية، ثم في القضاء، وانتقل في الولايات الرفيعة النبيهة. وجرى ذكره في التاج المحلي بما نصه: ((فارس في ميدان البيان. وليس الخبر كالعيان، وحامل لواء الإحسان، لأهل هذا الشَّان، رَفَلَ في حُلَل البَدائع فسحب أذيالها، وشعشع أكواس العجائب فأدار [جرياً لها]، واقتحم على الفحول أغيالها، وطمح إلى الغاية البعيدة فنالها، وتذوكرت المعضلات فقال: أنا لها. عكف واجتهد، وبرز إلى مقارعة المشكلات ونهد، فعلم وحصل، وبلغ الغاية وتوصل، وتولى القضاء، فاضطلع بأحكام الشرع. وبرع في معرفة الأصل والفرع، وتميز في المسائل بطول الباع، وسعة الذراع، فأصبح صدراً في مصره، وغرة في صفحة عصره، وسيمر من بديع كلامه، وهثات أقلامه، وغرر إبداعه ودرر اختراعه، ما يستنير لعلم الحليم، وتلقي له البلغاء يد التسليم.
شعره
قال في غرض الحكمة والأمثال:
عز الهوى نقصان والرأي الذي
ينجيك منه [إذا ارتأيت مروما]
فإذا رأيت الرأي يتبع الهوى
خالف وفاقهما تعد حكيما
[وكيف تخاف من الحليم مراجياً]
خف من نصيحك ذي السفاهة شوما
واحذر معادات الرجال توقياً
منهم ظلوماً كنت أو مظلوما
فالناس إما جاهلٌ لا يتقي
عاراً ولا يخشى العقوبة لؤما
أو عاقلٌ يُرمى بسهم مكيدةٍ
كالقوس ترسل سهمها مسموما
فاحلم عن القسمين تسلم منهما
وتسد فتدعى سيداً وحليما
ودع المعادات التي من شأنها
أن لا تديم على الصفاء قديما
أبت المغالبة الوداد فلا تكن
ممن يغالب ما حييت نديما
وإذا منيت بقربه فاخفض له
جناح الذل واخضع ظاعناً ومقيما
إن الغريب لكالقضيب محاير
إن لم يمل للريح عاد رميما
وارع الكفاف ولا تجاوز حده
ما بعده يجني عليك هموما
وابسط يديك متى غنيت ولا تكن
فيما يكون به المديح ذميما
وإذا بذلت فلا تبذر إن ذا ال
تبذير [يومئذ أخوه] رجيما
وعف الورود إذا تزاحم موردٌ
واحسب ورود الماء منه حميما
واصحب كريم الأصل ذا فضل فمن
يصحب لئيم الأصل عُدَّ لئيما
فالفضل من لبس الكرام فمن عرا
عنه فليس لما يقول كريما
[إن المَقارَنَ بالمُقارَنِ يُقتَدَى]
مثلٌ [جَرَى جَرْيَ الرياح] قديما
وجماع كل الخير في التقوى فلا
تعدم حُلَى التقوى تعد عديما
وقال يصف الشيب من قصيدة، وهي طويلة، أولها:
لاح الصباح صباح شيب المفرقِ
فاحمد سراك نجوت مما تَتَّقِي
هي شيبة الإسلام فاقدر قدرها
قد أعتقتك وحق قدر المعتقِ
خَطَّت بفودك أبيضاً في أسودٍ
بالعكس من معهود خطٍ مُهْرَقِ
كالبرق راع بسيفه طرف الدجى
فأعار دُهْمَتَه شتات الأبلق
كالفجر يرسل في الدّجنة خيطه
ويجر ثوب ضيائه بالمشرق
كالماء يستره بقعر طحلب
فتراه بين خلاله كالزئبق
كالحية الرقشاء إلا أنه
لا يبرأ الملسوع منه إذا رقي
كالنجم عد لرجم شيطان الصِّبا
يا ليت شيطان الصِّبا لم يحرق
كالزهر إلا أنه لم يستنم
إلا بغصن ذابٍل لم يورق
كتبسم الزنجي إلا أنه
يبكي العيون بدمعه المترقرق
وكذا البياض قذى العيون ولا ترى
للعين أبكى من بياض المفرق
ما للغواني وهو لون خدودها
يجزعن من لألائه المتألق
وأخلته لمع السيوف [ومن يشم
لمع السيوف] على المفارق يفرق
هو ليس ذاك ولا الذي أنكرته
فكن خائفاً ما خفن منه واتّق
داءٌ يعز على الطبيب دواؤه
ويضيع خسرا فيه مال المنفق
لكنه والحق أصدق مِقْوَلٍ
شين المسيء الفعل زين المتقي
ومن مقطوعاته قوله:
أقلِّي فما الفقر بالمرء عارٌ
ولا دار من يألف الهون دارا
وما يكسب العز إلا الغنى
غنى النفس فاتخذه شعارا
وما اجتمع الشمل في غيره
فيحسن إلا وساء انتشارا
فدهر غيرك لا تنظرن
فيألم قلبك [منه] انكسارا
وهزي إليك بجذع الرِّضَى
تساقط عليك الأماني ثمارا
وقال أيضاً:
العلم حسنٌ وزينُ والجهل قبحٌ وشينُ
والمال عزٌ وعيشٌ والفقر ذلٌ وحَيْنُ
والناس أعضاء جسم فمنهمُ أستٌ وعينُ
هذي مقالة حق ما في الذي قلت مَيْنُ
وقال أيضاً:
إن أراك الزمان وجهاً عبوساً
فتلقاه من بعد ذاك طلْقا
لا يهمنك حاله إنّ في طَرْ
فَة عينٍ ترتاح فيه وتشقى
أي عز رأيت أو أي ذل
لذوي الحالتين في الدهر يبقَى
سل نجوم الدجى إذا ما استنارت
ما الذي في وقت الظهيرة تلقَى
وتفكر وقل بغير ارتيابٍ
كل شيء يفنى وربك يبقى
وقال أيضاً:
لو أن أيام الشباب تعود لي
عود النضارة للقضيب المورق
ما إن بكيت على شبابٍ قد ذَوَى
وبقيت منتظراً لآخر مونقَ
وقال في القلم:
لك القلم الأعلى الذي طال فخره
وإن لم يكن إلا قصيراً مُجَوَّفَا
تعلم منه [الناس] أبدع حكمة
فها هو أمضى ما يكون محرفا
وقال في التشبيه:
كأنما السوسن الغض الذي افتتح
ت منه كمائمه المبيضة اللون
بنان كف فتاةٍ قط ما خضبت
تلقى بها من يراها خيفة العين
وقال يعرض بقوم من بني أرقم:
إذا ما نزلت بوادي الآشي
فقل رب من لدغه سلم
وكيف السلامة في موطنٍ
به عصبةٌ من بني أرقم
وقال مورياً بالفقه. وهو بديع:
لي دينٌ على الليالي قديمٌ
ثابت الرسم منذ خمسين حجة
أقاعداً بالحكم عليها أم لها
في تقادم الدهر حجة
ونختم مقطوعاته بقوله:
نجوت بفضل الله مما أخافه
ولم لا وخير العالمين شفيع
وما ضعت في الدنيا بغير شفاعة
فكيف إذا كان الشفيع أضيع
وقال أيضاً:
عليك بتقوى الله فيما ترومه
من الأمر تخلص بالمرام وبالأجر
ولا ترج غير الله في نيل حاجةٍ
ولا دفع ضرٍ في سرار ولا جهر
فمن أم غير الله أشرك عاجلا
وفارقه إيمانه وهو لا يدر
وفاته
توفي قاضياً ببرجة، وسيق إلى غرناطة؛ فدفن بباب إلبيرة عصر يوم الأربعاء آخر يوم من ربيع؛ عام خمسة وأربعين وسبعمائة.
خالد بن عيسى
ابن إبراهيم بن أبي خالد البلوي؛ من أهل قنتورية؛ من حصون وادي المنصورة
حاله
هذا الرجل من أهل الفضل والسذاجة، كثير التواضع، منحط في ذمة التخلق، نابه الهيئة، حسن الأخلاق، جميل العشرة، محبٌ في الأدب، قضى ببلده وبغيره، وحج وقيد رحلته في سفر، وصف فيه البلاد ومن لقي، بفصول جلب أكثرها من كلام العماد الأصبهاني، وصفوان وغيرهما، من ملح. وقفل إلى الأندلس، وارتسم في تونس في الكتابة عن أميرها زماناً يسيراً، وهو الآن قاض ببعض الجهات الشرقية.
وجرى ذكره في الرحلة التي صدرت عني في صحبة الركاب السلطاني عند تفقد البلاد الشرقية، في فصل حفظه الناس، وأجروه في فكاهاتهم وهو: ((حتى إذا الفجر تبلج. والصبح من باب المشرق تولج، عدنا وتوفيق الله قائدٌ، وكنفنا من عنايته صلةٌ وعائدٌ، تتلقى ركابنا الأفواج، وتحيينا الهضاب والفجاج إلى قنتورية، فناهيك من مرحلة قصيرة كأيام الوصال، قريبة البكر من الآصال، كان المبيت بإزاء قلعتها السامية الارتفاع، الشهيرة الامتناع، وقد برز أهلها في العديد والعدة، والاحتفال الذي قدم به العهد على طول المدة، صفوفاً بتلك البقعة خيلاً ورجلا كشطرنج الرقعة، لم يتخلف ولدٌ عن والدٍ، وركب قاضيها ابن أبي خالد، وقد شهرته النزعة الحجازية، وقد لبس من الحجازي، وأرخى من البياض طيلساناً، وتشبه بالمشارقة شكلاً ولساناً، وصبغ لحيته بالحناء والكتم، ولاث عمامته واختتم، والبداوة تسمه على الخرطوم، وطبع الماء والهواء يقوده قود الجمل المخطوم، فداعبته مداعبة الأديب للأديب، والأريب للأريب، وخيرته بين خصلتين، وقلت نظمت مقطوعتين، إحداهما مدحٌ، والأخرى قدحٌ، فإن همت ديمتك، وكرمت شيمتك، فللذين أحسنوا الحسنى. وإلا فالمثل الأدنى. فقال: انشدني لأرى على أي أمري أتيت، وأفرق بين ما جنيتني وما جنيت، فقلت:
قالوا وقد عظمت مبرة خالد
قاري الضيوف بطارفٍ وبتالد
ماذا تممت به فجئت بحجة
قطعت بكل مجادل ومجالد
أن يفترق نسبٌ يؤلف بيننا
أدبٌ أقمناه مقام الوالد
وأما الثانية فيكفي من البرق شعاعه، وحسبك من شر سماعه. ويسير التنبيه كافٍ للنبيه. فقال: لست إلى قراي بذي حجة، وإذا عزمت فأصالحك على دجاجة، فقلت ضريبةٌ غريبةٌ، ومؤنةٌ قريبةٌ، عجل ولا تؤجل، وإن انصرم أمد النهار فأسجل، فلم يكن إلا كلا ولا، وأعوانه من القلعة تنحدر، والبشر منهم بقدومها يبتدر، يزفونها كالعروس فوق الرؤوس، فمن قائل يقول أمها يمانية، وآخر يقول أخوها الخصي الموجه إلى الحضرة العلية، وأدنوا مرابطها من المضرب بعد صلاة المغرب، وألحفوا في السؤال، وتشططوا في طلب النوال، فقلت يا بني اللكيعة جئتم ببازي، بماذا كنت أجازي، فانصرفوا وما كادوا يفعلون، وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون، حتى إذا سلت لذبحها المُدى، وبلغت من طول أعمارها المَدى، قلت يا قوم ظفرتم بقرة العين، وابشروا باقتراب اللقاء، فقد ذبحت لكم غراب البين)).
ولقد بلغني أنه لهذا العهد بعد أن طال المدى، يتظلم من ذلك، وينطوي من أجله على الوجدة، فكتبت إليه: وصل الله عزة الفقيه النبيه، العديم النظير والتشبيه، وارث العدالة عن عمه وابن أبيه، في عزة تظلله، وولاية تتوج جاهه وتُكلله.
داود بن سليمان
ابن داود بن عبد الرحمن بن سليمان بن عمر بن حَوْط الله
الأنصاري الحارثي الأُنْدي؛ يكنى أبا سليمان.
أوليته
قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: من بيت علم وعفاف، أصله من أندة، حصن بشرقي الأندلس، وانتقل أبو سليمان هذا مع أخيه أبي محمد إلى حيث يذكر بعد.
حاله
قال ابن عبد الملك: كان حافظاً للقراءة، عارفاً بإقراء القرآن بها، أتقن ذلك عن أبيه، ثم أخيه كبيره أبي محمد، محدثاُ متسع الرواية، شديد العناية بها، كثير السماع، مكثراً، عدلاً، ضابطاً لما ينقله، عارفاً بطرق الحديث، أطال الرحلة في بلاد الأندلس، شرقها وغربها، طالبا للعلم بها، ورحل إلى سبتة وغيرها، من بلاد الأندلس العدوية، وعني بلقاء الشيوخ كباراً وصغاراً، والأخذ منهم، أتم عناية، وحصل له بذلك ما لم يحصل لغيره، وكان فهيماً بصيراً بعقد الشروط، حاذقاً في استخراج نكتها، تلبس بكتبها زماناً طويلاً بمسجد الوحيد من مالقة، وكان محباً في العلم وأهله، حريصاً على إفادته إياهم، صبوراً على سماع الحديث، حسن الخلق طيب النفس، متواضعاً، ورعاً، منقبضاً، لين الجانب، مخفوض الجناح، حسن الهدى، نزيه النفس، كثير الحياء، رقيق القلب، تعدد الثناء عليه من الجِلَّة.
قال ابن الزبير، كان من أهل العدالة والفضل، وحسن الخلق، وطيب النفس والتواضع، وكثرة الحياء. وقال ابن عبد المجيد: كان ممن فضله الله بحسن الخلق والحياء على كثير من العلماء. وقال أبو عبد الله بن سلمة: مثل ذلك. وقال ابن... بمثله.
مشيخته
قال الأستاذ: أقرأ بمرسيه، وأخذ بها، وبقرطبه، ومالقة، وإشبيلية، وغرناطة وسبتة، وغيرها من بلاد الأندلس. وغرب العدوه، واعتناؤه يُعينُه وأخاه بباب الرواة، والأخذ عن الشيوخ، حتى اجتمع لهما ما لم يجتمع لأحد من أهل عصرهما، فمن ذلك: أبوهما أبو داود، وأبو الحسن صالح بن يحيى بن صالح الأنصاري، وأبو القاسم بن حسن، وأبو عبد الله بن حميد، وأبو زيد السهيلي، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن عراق الغافقي، وأبو العباس يحيى بن عبد الرحمن المجريطي، وعن ابن بشكوال، وأخذ عن: أبي بكر بن الجد، وأبي عبد الله بن زرقون، وأبي محمد بن عبد الله، وأبي عبد الله بن الفخار الحافظ، وأبي العباس بن مضاء، وأبي محمد بن بونة، وأبي محمد بن عبد الصمد بن يعيش الغساني، وأبي بكر بن أبي حمزة، وأبي جعفر بن حكم الزاهد، وأبي خالد بن يزيد بن رفاعة، وأبي محمد عبد المنعم بن الفرس، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي عبد الله ابن عروس، وأبي بكر بن أبي زمنين، وأبي محمد بن جمهور، وأبي بكر بن النيار، وأبي الحسن بن محمد بن عبد العزيز الغافقي الشقوري، وأبي القاسم الحوفي القاضي، وأبي بكر بن [بيبش] بن محمد بن [بيبش] العبدري، وأبي الوليد بن جابر بن هشام الحضرمي، وأبي بكر بن مالك الشريشي، وأبي عبد اليسر الجزيري، وأبي بكر بن عبد الله السَكْسَكي، وأبي الحجاج بن الشيخ الفهري، وغيرهم ممن يطول ذكرهم.
قضاؤه وسيرته فيه
قال ابن أبي الربيع: لازمت ابني حوط الله، فكان أبو محمد يفوق أخاه والناس في العلم، وكان أبو سليمان يفوق أخاه والناس في الحلم. واستقضي بسبتة والمرية والجزيرة الخضراء، وقام قاضياً بها مدة، ثم نقل منها إلى قضاء بلنسية آخر ثمان وستمائة، ثم صرف بأبي القاسم ابن نوح، وقدم على القضاء بمالقة في حدود إحدى عشر وستمائة، فشكرت أحواله كلها، وعرف في قضائه بالنزاهة. قال أبو عبد الله بن سلمة: كان إذا حضر خصوم، ظهر منه [من] التواضع ووطأة الأكناف، وتبيين المراشد والصبر على المداراة، والملاطفة، وتحبيب الحق، وتكريه الباطل، ما يعجز عنه، ولقد حضرته، وقد أوجبت الأحكام عنده الحدود على رجل، فهاله الأمر، وذرفت عيناه، وأخذ يعتب عليه ويؤنبه على أن ساق نفسه إلى هذا، وأمر بإخراجه ليحد بشهود في موضع آخر لرقة نفسه، وشدة إشفاقه، واستمرت ولايته بمالقة إلى أن توفي.
مولده
ببلدة أندة سنة ستين وخمسمائة.
وفاته
قال أبو عبد الرحمن بن غالب: توفي إثر صلاة الصبح؛ من يوم السبت سادس ربيع الآخر؛ سنة إحدى وعشرين وستمائة، ودفن إثر صلاة العصر يوم وفاته، بسفح جبل فَارُه، في الروضة المدفون بها أخوه أبو محمد، فأتبعه الناس ثناءً جميلا، ذكر، واختلفوا في جنازته، وخرج إليها النساء، والصبيان داعين متبكين.
رضوان النصري
الحاجب المعظم؛ حسنة الدولة النصرية، وفخر مواليها.
أوليته
رومي الأصل. أخبرني أنه من أهل القلصادة، وأن انتسابه يتجاذبه القشتالية من طرف العمومة، والبَرْجِلُونِيَّة من طرف الخؤولة، وكلاهما نبيه في قومه. وأن أباه ألجأه الخوف بدم ارتكبه في محل أصالته من داخل قشتالة؛ إلى السُّكنى بحيث ذكر، ووقع عليه سباءٌ في سن الطفولية، واستقر بسببه بالدار السلطانية، ومَحضَ إحراز رقه، السلطان دايل قومه، أبو الوليد المار ذكره، فاختص به، ولازمه قبل تصيير الملك إليه، مؤثراً له مغتبطاً بمخائل فضله، وتماثل استقامته، ثم صير الملك إليه فتدرج في معارج حظوته، واختص بتربية ولده، وركن إلى فضل أمانته، وخلطه في قرب الجوار بنفسه، واستجلى الأمور المشكلة بصدقه، وجعل الجوائز السنيه لعظماء دولته على يده، وكان يوجب حقه، ويعرف فضله، إلى أن هلك، فتعلق بكنف ولده، وحفظ شمله، ودبر ملكه، فكان آخر اللَّخْف، وستراً للحرم، وشجىً للعدا وعدة في الشدة، وزيناً في الرخاء، رحمة الله عليه.
حاله وصفته
كان هذا الرجل مليح الشيبة والهيئة. معتدل القد والسحنة، مرهب البدن. مقبل الصورة، حسن الخلق، واسع الصدر، أصيل الرأي، رصين العقل، كثير التجمل، عظيم الصبر، قليل الخوف من الهيعات، ثابت القدم في الأزمات، ميمون النقيبة، عزيز النفس، عالي الهمة، بادي الحشمة، آية في العفة، مثلاً في النزاهة، ملتزماً للسنة، دؤباً على الجماعة، جليس القبلة، شديد الإدراك مع السكون، ثاقب الذهن مع إظهار الغفلة، مليح الدعابة مع الوقار والسكينة، مستظهراً لعيون التاريخ، ذاكراً للكثير من الفقه والحديث، كثير الدّالة على تصوير الأقاليم وأوضاع البلاد، عارفاً للسياسة، مكرماً للعلماء، متركاً للهوادة، قليل التصنع، نافراً من أهل البدع، متساوي الظاهر والباطن، مقتصداً في المطعم والملبس.
مكانته من الدين
أتفق على أنه لم يعاقر مسكراً [قط]، ولا زُنَّ بهَناة، ولا لطخ بريبة، ولا وصم بخلة تقدح في منصب، ولا باشر عقاب جاز، ولا أظهر شفاء من غائظ، ولا اكتسب من غير التجر والفلاحة مالاً.
آثاره
أحدث المدرسة بغرناطة. ولم تكن بها بعد، وسبب إليها الفوائد ووقف عليها الرباع المغلة، وانفرد بمنقبها، فجاءت نسيجة وحدها بهجة وصدراً وظرفاً وفخامة، وجلب الماء [الكثير إليها من النهر]، فأبد سقيه عليها، وأدار السور الأعظم على الربض الكبير المنسوب للبيازين، فانتظم منه النجد والغور، في زمان قريب، وشارف التمام إلى هذا العهد، وبنى من الأبراج المنيعة في مثالم الثغور وروابي مطالعها المنذرة، ما ينيف على أربعين برجا، فهي ماثلة كالنجوم ما بين البحر الشرقي من ثغر بيرة إلى الأحواز الغريبة، وأجرى الماء بجبل مورور، مهتدياً إلى ما خفي على من تقدمه، وأفذاذ أمثال هذه الأنقاب يشق تعداده.
جهاده
غزا في السادس والعشرين من محرم؛ عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة بجيش مدينة باغة، وهي ما هي من الشهرة، وكرم البقعة، فأخذ بمخنقها، وشد حصارها وعاق الصريخ عنها، فتملكها عنوة، وعمرها بالحماة ورتبها بالمرابطة، فكان الفتح فيها عظيما، وفي أوائل شهر المحرم؛ من عام اثنين وثلاثين وسبعمائة غزا بالجيش عَدْو المشرق، وطوى المراحل مجتازاً على بلاد قشتالة، لورقة ومرسية، وأمعن فيها، ونازل حصن المدور، وهو حصن أمن غائلة العدو [مكتنفٌ بالبلاد، مُدَّ بالبسيني، موضوعٌ على طية التجارة، وناشبه القتال، فاستولى عنوة] عليه منتصف المحرم من العام المذكور، وآب مملوء الحقائب سبياً وغنماً.
وغزواته كثيرة، كمظاهرة الأمير الشهير أبي مالك على منازلة جبل الفتح، وما اشتهر عنه فيه من الجد والصبر، وأوثر عنه من المنقبة، الدالة على صحة اليقين، وصدق الجهاد، إذ أصابه سهم في ذراعه وهو يصلي، فلم يشغله عن صلاته، ولا حمله توقع الإغارة على إبطال عمله.
ترتيب خدمته وما تخلل عن ذلك من محنته
لما استوثق أمر الأمير المخصوص بتربيته، محمد ابن أمير المسلمين أبي الوليد نصر، وقام بالأمر وكيل أبيه الفقيه أبو عبد الله محمد بن المحروق، ووقع بينه وبين المترجم عهدٌ على الوفاء والمناصحة، ولم يلبث أن نكبه وقبض عليه ليلة كذا من رجب؛ عام ثمانية وعشرين وسبعمائة، وبعثه ليلا إلى مرسى المُنَكَّب، واعتقله في المطبق من قصبتها بغياً عليه، وارتكب فيه أشنوعة أساءت به العامة، وأنذرت باختلال الحال، ثم أجازه البحر، فاستقر بتلمسان، ولم يلبث أن قتل المذكور، وبادر سلطانه الموتور بفرقته عن سدته، فاستدعاه فلحق محله من هضبة الملك متملياً ما شاء من عز وعناية، فصرفت إليه المقاليد، ونيطت به الأمور، وأسلم إليه الملك، وأطلقت يده في المال، واستمرت الأحوال إلى عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة. والتأث الأمر وظهر من سلطانه التنكر عليه؛ فعاجله الحمام فخلصه الله منه، وولى أخوه أبو الحجاج من بعده، فوقع الإجماع على اختياره للوزارة أوائل المحرم من عام أربعة وثلاثين وسبعمائة، فرضي الكل به، وفرحت العامة والخاصة للخطة، لارتفاع المنافسات بمكانه، ورضي الأضداد بتوسطه، وطابت النفوس بالأمن من غائلته، فتولى الوزارة وسحب أذيال الملك، وانفرد بالأمر واجتهد في تنفيذ الأحكام، وتقدم الولاة، وجواب المخاطبات، وقواد الجيوش. إلى ليلة الأحد الثاني والعشرين من رجب؛ عام أربعين وسبعمائة، فنكبه الأمير المذكور نكبة ثقيلة البرك، هائلة هائلة الفجأة من غير زلة مأثورة، ولا سقطة معروفة، إلا ما لا يعدم بأبواب الملوك من شرور المنافسات، ودبيب السعايات الكاذبة، وقبض عليه بين يدي محراب الجامع من الحمراء إثر صلاة المغرب، وقد شهر الرجال سيوفهم فوقه يحفون به، ويقودونه إلى بعض دور الحمراء، وكبس ثقات السلطان منزله، فاستوعبوا ما اشتمل عليه من نعمة، وضم إلى المستخلص عقاره، وسوغ الخبر عظيم غلاته، ثم نقل بعد أيام إلى قصبة ألمرية محمولا على الظهر، فشد بها اعتقاله، ورتب الحرس عليه إلى أوائل شهر ربيع الثاني من عام أحد وأربعين وسبعمائة. فبدا للسلطان في أمره واضطر إلى إعادته، ووجد فقد نصحه، وأشفق لما عدم من أمانته، والانتفاع برأيه، وعرض عليه بما لنوم الكف والإقصار عن ضره، فعفا عنه، وأعاده إلى محله من الكرامة، وصرف عليه من ماله، وعرض الوزارة فأباها، واختار برد العافية، وأنس لذة التخلي، فقدم لذلك من سد الثغور، فكان له اللفظ، ولهذا الرجل المعنى، فلم [يزل] مفزعاً للرأي، محلى في العظة على الولاية، كثير الآمل والغاشي؛ إلى أن توفي السلطان المذكور؛ غرة شوال؛ من عام خمسة وخمسين وسبعمائة. فشعب الثأي، وحفظ البلوى، وأخذ البيعة لولده سلطاننا الأسعد أبي عبد الله، وقام خير قيام بأمره، وجرى على معهود استبرائه. وقد تحكمت التجربة، وعلت السن، وزادت أنة الخشية، وقربت من لقاء الله الشقة، فلا تسأل عما حط من خل، وأفاض من عدل، وبذل من مداراة، وحاول عقد السلم، وسد أمور الجند على القِل، ودامت حاله متصلة على ما ذكر، وسنه تتوسط عشر التسعين إلى أن لحق بربه. وقد علم الله أني لم يحملني على تقرير سيرته، والإشادة بمنقبته داعيةٌ، وإنما هو قول بالحق، وتسليم لحجة الفضل، وعدل في الوصف، والله عز وجل يقول: ﴿ وَإذَا قُلْتُمْ فَأعْدِلُوا﴾.
وفاته
في ليلة الأربعاء الثامن والعشرين من رمضان؛ من عام ستين وسبعمائة، طرق منزله؛ بعد فراغه من إحياء ثلث الليل، متبذل اللبسة، خالص الطوية، مقتضياً للأمن مستشعراً للعافية، قائماً على المسلمين بالكل حاملاً للعظيمة؛ وقد بادره الغادرون بسلطانه؛ فكسروا غلقه بعد طول معالجة، ودخلوا عليه، وقتلوه بين أهله وولده، وذهبوا إلى الدايل برأسه؛ وفجعوا الإسلام، بالسائس الخصيب المتغاضي، راكب متن الصبر، ومطوق طوق النزاهة والعفاف، وآخر رجال الكمال والستر. الضافي على الأندلس، ولوئم من الغد بين رأسه وجسده، ودفن بإزاء لحود مواليه من السبيكة ظهراً، ولم يشهد جنازته إلا القليل من الناس، وتُبُرَّك بعد بقبره. وقلت عند الصلاة عليه، أخاطبه دون الجهر من القول لمكان التقية:
أرضوان لا توحشك فتكة ظالم
فلا موردٌ إلا سيتلوه مصدرً
ولله سرٌ في العباد مُغَيَّبٌ
يشهد بخافيه القضاء المُقَدًّرُ
سَمِيُّك مرتاحٌ إليك مسلم
عليك ورضوان من الله أكبر
فحَثَّ المَطالَيْسَ النعيم منغصٌ
ولا العيش في دار الخلود مكدر
زاوي بن زيري
ابن مناد الصنهاجي؛ الحاجب المنصور؛ يكنى أبا مثنى
أوليته
قد مر ما حدث بين أبيه زيري وبين قرابته من ملوك إفريقية، وباديس بن منصور من المشاحنة التي أوجبت مخاطبة المظفر بن أبي عامر؛ في اللحاق بالأندلس، وإذنه في ذلك. فدخل الأندلس، منهم على عهده جماعة وافرة من مساعير الحروب وآثار الحتوف، مع شيخهم هذا وأميرهم، ودخل منهم معه أبناء أخيه: ماكسن وحباسة وحبوس، وقاموا في جملة المظفر، وزاوي مخصوصٌ باسم الحجابة. فلما اختل بناء الخلافة، بمحمد بن عبد الجبار الملقب بالمهدي؛ أذلهم وتنكر لهم، وأشاع بينهم وبين أمثالهم من البرابر، المغايرة؛ فكان ذلك سبب الفتنة التي يسميها أهل الأندلس بالبربرية؛ فانحاشوا، ونفروا عهده، وبايعوا سليمان بن الحكم، واستعانوا بالنصارى، وحركوا على أهل قرطبة خصوصاً، وعلى أهل الأندلس عموماً، ما شاء الله من استباحة، وإهلاك النفوس، وغلبوا على ملك الأندلس، وما وراء البيضة، واقتسموا أمهات الأقطار، وانحازوا إلى بلاد تضمهم. فانحازت صنهاجة مع رئيسهم المذكور إلى غرناطة؛ فأووا إليها، واتخذوها ملجأ، وحماها زاوي المذكور، وأقام بها ملكاً، وأثل بها سلطاناً لذويه. فهو أول من مدن غرناطة، وبناها وزادها تشييداً ومنعة، واتصل ملكه بها، وارتشحت عروقه، إلى أن كان من ظهوره بها وأحوازها، على عساكر الموالي، الراجعين بإمامهم المرتضى إلى قرطبة، البادين بقتاله، والآخذين بكظمه، بما تقرر ويتقرر في اسم المرتضى، من باب المحمدين بحول الله. وكان زاوي كبش الحروب، وكاشف الكروب، خدم قومه شهير الذكر أصيل المجد، المثل المضروب في الدهاء، والرأي، والشجاعة، والأنفة، والحرم. قال بعضهم: أحكم التدبير، والدولة تسعده، والمقادر تنجده، وحكيت له في الحروب حكايات عجيبة.
بعض أخباره في الرأي
قال أبو مروان: وقد مرّ ذكر الفتنة البربرية، لما خلص ملأ القوم، لتشاور أميرهم وهم فرض في خروجهم من قرطبة، عندما انتهوا إلى فحص هلال، واجتمعوا على التأسي، وضرب لهم زعيمهم زاوي بن زيري بن مناد الصنهاجي، مثلا بأرماح خمسة جمعها مشدودة، ودفعها لأشد من حضره منهم، وقال، إجهد نفسك في كسرها كما هي وأغمزها، فعالج ذلك فلم يقدر عليه، فقال له حلها وعالجها رمحاً رمحاً، فلم يبعد عليه دقها، فأقبل على الجماعة، فقال: هذا مثلكم يا برابرة، إن جمعتم لم تطاقوا، وإن تفرقتتم لم تبقوا، والجماعة في طلبكم، فانظروا لأنفسكم وعجلوا، فقالوا نأخذ بالوثيقة، ولا نلقي بأيدينا [إلى] التهلكة، فقال لهم: بايعوا لهذا القرشي سليمان، يرفع عنكم الأنفة في الرياسات، وتستميلون إليه العامة بالجنسية؛ ففعلوا، فلما تمت البيعة، قال إن مثل هذا الحال لا يقوى على أهل الإستطالة، فيقيد له رئيس كل قبيلة منكم، قبيلة يتكفل السلطان بتقويمهم، وأنا الكفيل بصنهاجة، قال: وامتارت بطون القبائل على أرحامها، وقبائلها إلى أفخاذها وفصائلها، فاجتمع كل فريق منهم على تقديم سيده، فاجتمعت صنهاجة على كبيرها زاوي، ولم تزل تلك القبائل المتألفة بالأندلس لطاعة أميرها، المنادين له إلى أن أورثوهم الإمارة.
التوقيع
قالوا: ولما نازله المرتضى الذي أجلب به الموالي العامريين بظاهر غرناطة، خاطبه بكتاب يدعوه فيه إليه طاعته، وأجمل موعده فيه، فلما قرئ على زاوي؛ قال لكاتبه، اكتب على ظهر رقعته: ﴿قُلْ يَا أيُّهَا الكَافِرُونَ﴾. الكَافِرُونَ﴾. السورة. فلما بلغت المرتضى أعاد عليه كتاباً؛ يعده فيه بوعيده؛ فلما قرئ على زاوي، قال رد عليه: ﴿ألْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾؛ إلى آخرها، فازداد المرتضى غيظاً، وناشبه القتال؛ فكان الظهور لزاوي.
قال المؤرخ: واقتتلت صهناجه مع أميرهم مستميتين لما دهمهم من بحر العساكر؛ على انفرادهم، وقلة عددهم؛ إلى أن انهزم أهل الأندلس، وطاروا على وجوههم: مسلموهم، وإفرنجهم؛ لا يلوون على أحد. أحد. فأوقع البرابر بهم السيف، ونهبوا تلك المحلات، واحتووا على مالا كفاء له؛ اتساعاً وكثرة، ظل الفارس يجيء من أتباع المنهزمين ومعه العشرة. ولا تسل عما دون ذلك من فاخر النهب، وخير الفساطيط، ومضارب الأمراء والرؤساء.
قال ابن حيان: فحل بهذه الوقيعة على جماعة الأندلس مصيبةٌ؛ أنست ما قبلها، ولم يجتمع لهم جمعً بعدها، وفروا بإدبار، وباءوا بالصغار.
منصرفه عن الأندلس
قال المؤرخ: ولهول ما عاينه زاوي؛ من [اقتدار] أهل الأندلس في أيام تلك الحروب وجعاجعهم، وإشرافهم على التغلب عليه، هان سلطانه عنده بالأندلس، وخرج عنها نظراً إلى عاقبة أمره، ودعا بجماعة من قومه لذلك فعصوه؛ وركب البحر بجيشه وأهله، فلحق بإفريقية وطنه.
قال: فكان من أغرب الأخبار في الدولة الحمودية انزعاج ذلك الشيخ زاوي عن سلطانه؛ بعد ذلك الفتح العظيم؛ الذي ناله على أهل الأندلس، وعبوره البحر، بعد أن استأذن ابن عمه المعز بن باديس؛ فأذن له. وحرص بنو عمه بالقيروان، على رجوعه لهم [لحال سنه]، وتقريبهم يومئذ من مثله من مشيختهم لمهلك جميع إخوتهم، وحصوله هو على مقرر بني مناد الغريب الشأن، في أن لا تحجب عنهم نساؤهم؛ [وكن] زهاء ألف امرأة في ذلك الوقت، هن ذوات محرم من بنات أخوته وبناتهن وبين بنيهن.
وكان رحيل زاوي عن الأندلس سنة ستة عشر وأربعمائة. قال ابن حيان، وأخبار هذا الداهية كثيرة، وأفعاله ونوادره مأثورة.
زهير العامريّ
فتى المنصور بن أبي عامر.
حاله
كان شهماً داهية، سديد المذهب، مؤثراً للأناة، ولي بعد خيران صاحب ألمرية، وقام بأمره أحمد قيام، سنة تسعة عشر وأربعمائة، يوم الجمعة لثلاث خلون من جمادى الأولى. وكان أميراً بمرسية، فوجه عند خيران حين أحس بالموت؛ فوصل إليه، وكان عنده إلى أن مات؛ فخرج زهير مع ابن عباس إلى الناس؛ فقال لهم: أما الخليفة خيران فقد مات، وقد قدم أخاه زهيراً هذا. فما تقولون: فرضي الناس به؛ فدامت مدة ولايته عشرة أعوام ونصف عام إلى أن قتل.
مناقبه
قال أبو القاسم الغافقي: وكان حسن السيرة جميلها، بنى المسجد في ألمرية، ودار فيه من جهاته الثلاث، المشرق والمغرب والجوف، وبنى مسجداً ببجَّانة، وشاور الفقهاء، وعمل بقولهم، وملك قرطبة، ودخل قصرها، يوم الأحد لخمس بقين من شعبان؛ سنة خمس وعشرين وأربعمائة، ودام سلطانه عليها خمسة عشر شهراً ونصف شهر.
قال ابن عذاري: وأما زهير الفتى؛ فامتدت أطناب مملكته من ألمرية إلى قرطبة ونواحيها، وإلى بياسة، وإلى الفج من أول طليطلة. وقالوا: قرَّ ما بينه وبين باديس؛ [فأرسل باديس]، إلى زهير رسوله؛ مكاتباً مستدعياً تجديد المحالفة؛ فسارع زهير، وأقبل نحوه، وضيع الحزم، واغتر بالعجب، ووثق بالكثرة؛ أشبه شيء بمجيء الأمير الضخم إلى عامل من عماله؛ قد ترك رسم الالتقاء بالنظراء، وغير ذلك من وجوه الحزم؛ وأعرض عن ذلك كله؛ وأقبل ضارباً بسوطه؛ حتى تجاوز الحد الذي جرت العادة بالوقوف عنده؛ من عمل باديس دون إذنه؛ وصير الأوعار والمضايق خلف ظهره، فلا يفكر فيها؛ واقتحم البلد؛ حتى صار إلى باب غرناطة. ولما وصل خرج باديس في جمعه، وقد أنكر اقتحامه عليه، وعده حاصلاً في قبضته، [فبدأه بالجميل] والتكريم، وأوسع عليه وعلى رجاله في العطاء والقرى، والتعظيم بما مكن اغترارهم، وثبت طمأنينتهم، ووقعت المناظرة بين زهير وباديس، ومن حضرهما من رجال دولتيهما؛ فنشأ بينهما عارض الخلاف لأول وهلة، وحمل زهير أمره على التشطط؛ فعزم باديس على اللقاء ووافقه عليه قوم من خدامه، فأقام المراتب، ونصب الكتائب، وقطع قنطرة لا محيد عنها لزهير، والحائن لا يشعر؛ وغاداه عن تعبية محكمة؛ فلم يرعه إلا رجة القوم راجعين؛ فدهش زهير وأصحابه؛ إلا أنه أحسن تدبير الثبات لو استتمه؛ وقام فنصب الحرب، وثبت في قلب العسكر، وقدم خليفته هذيلا في وجوه أصحابه إلى الموالي. فلما رأتهم صنهاجة، علموا أنهم الحماة والشوكة، ومتى حُصدوا لم يثبت من وراءهم، فاختلطوا بهم، واشتد القتال، فحكم الله لأقل الطائفتين من صنهاجة؛ ليُري قدرته؛ فانهزم زهير وأصحابه وتقطعوا، وعمل السيف فيهم فمزقوا، وقتل زهير، وجهل مصرعه، وغنم رجال باديس من المال والمرافق والأسلحة والحلية والعدة والغلمان والخيام، ما لا يحاط بوصفه. وكانت وفاة زهير يوم الجمعة عقب شوال؛ سنة تسع وعشرين وأربعمائة؛ بقرية ألفنت؛ خارج غرناطة.
طلحة بن عبد العزيز
ابن سعيد البلطيوسي، وأخواه: أبو بكر، وأبو الحسن؛
بنو القبطرنة؛ يكنى أبا محمد.
حالهم
كانوا عيوناً من عيون الأدب بالأندلس، ممن اشتهروا بالظرف، والسّرو والجلالة. وقال أبو الحسن بن بسام: وقد ذكر أبا بكر منهم؛ فقال: أحد فرسان الكلام، وحملة السيوف والأقلام، من أسرة أصالة، وبيت جلالة، أخذوا العلم أولا عن آخر، وورثوه كابراً عن كابر، ثلاثة كهقعة الجوزاء، وإن أربوا عن الشهر في السنا والسناء. كتب أبو محمد عبد العزيز وأخواه عن ملك لمتونة، ودخلوا معه غرناطة. ذكر ذلك غير واحد. واجتزأت بذكر أبي محمد، وأتبعه أخويه اختصاراً.
شعره
من شعر أبي محمد، قوله في الاستدعاء:
هلم إلى روضنا يا زُهر
ولُحْ في سماء المنى يا قمر
وفَوِّق إلى الأنس سهم الإخاء
فقد عُطِّلت قوسُه والوتر
إذا لم تكن عندنا حاضراً
فما بغصون الأماني ثمر
وقعت من القلب وقع المنى
وحزت من العين حسن الحور
قال أبو نصر: بات مع أخويه في أيام صباه، واستطابة جنوب الشباب وصباه، بالمنية المسماة بالبديع، وهو روض كان المتوكل يكلف بموافاته، ويبتهج بحسن صفاته، ويقطف ريحانه وزهره، ويقف عيه إغفاءه وسهره، ويستفزه الطرب متى ذكره، وينتهز فرص الأنس فيه روحاته وبكره، ويدير حمياه على ضفة نهره، ويخلع سره فيه لطاعة جهره، ومعه أخواه، فطاردوا اللذات حتى أنضوها، ولبسوا برود السرور فما نضوها، حتى صرعتهم العقار، وطلحتهم تلك الأوقار، فلما هم رداء الفجر أن يندى، وجبين الصبح أن يبتدى، قام الوزير أبو محمد فقال:
يا شقيقيَّ وافى الصباح بوجهه
ستر الليل نوره وبهاؤه
فاصطبح واغتنم مسرة يومٍ
لست تدري بما يجيء مساؤه
ثم استيقظ أخوه أبو بكر فقال:
يا أخي قم تر النسيم عليلا
باكر الروض والمدام شمولا
[في رياض تعانق الزهر فيها
مثُل ما عانق الخليل خليلا]
لا تنم واغتنم مسرة يوم
إن تحت التراب نوماً طويلا
ثم استيقظ أخوهما أبو الحسن [وقد ذهب من عقله الوسن] فقال:
يا صاحبيّ ذرا لومي ومعتبتي
قم نصطبح قهوة من خير ما ذخروا
وبادرا غفلة الأيام واغتنما
فاليوم خمرٌ ويبدو في غد خبر
وقال أبو بكر في بقرة أخذها له الرنق صاحب قلمورية، وقد أعاد أرضه:
وأفقدنيها الرنق أمَّا حَفِيَّة
إذا هي حفت ألفت بين وفدين
تعنفني أمي على أن رثيتها
وأن أتبعتها الدم من عين
لها الفضل عندي أرضعتني
[وبالرغم ما بلغتني وأمي حولين]
محمد بن إسماعيل
ابن فرج بن إسماعيل بن نصر؛ الرئيس المتوثب على الملك، وحِيُّ كرسي الإمارة، وعاقد صفقة الخسران المبين؛
يكنى أبا عبد الله.
أوليته
معروفة.
حاله
من نفاضة الجراب وغيره: كان شيطاناً، ذميم الخلق، حرفوشاً، على عُرف المشارقة، مترامياً للخسائس، مَأْلَفاً للدعرة والأجلاف والسوار وأولي الريب، خبيثاً كثير النكر، منغمساً في العهن، كلفاً بالأحداث، متقلباً عليهم في الطرق، خليع الرسن، ساقط الحشمة، كثير التبذل، [قواد عصبة كلاب]، معالجاً لأمراضها، مباشراً للصيد بها، راجلاً في ثياب منتاب الشعر من الجلود والسوابل والأسمال. عقد له السلطان على بنته لوقوع القحط في رجال بيتهم، ونوههه بالولاية، وأركبه، وأغضى له عن موبقات تقصر به، إلى أن هلك، وحاد الأمر عن شقيق زوجه، واستقر في أخيه، وثقل على الدولة، لكراهة طلعته، وسوء الأحدوثة به، فأمر بترك المباشرة، والدخول للقلعة. وأذن له في التصرف في البلد والفحص، وأبقيت عليه النعمة، فداخل أم زوجه، وضمن لها تمام الأمر لولدها، وأمدته بالمال، فنظر من المساعير شيعةً، من كسرة الأغلاق، وقتلة الزقاق، ومختلسي البضائع، ومخيفي السابلة، واستضاف من أسافلة الدولة، من آسفته بإقصار قصد، أو مطل وعد، أو حط رتبة، أو عزل عن ولاية، فاستظهر منهم بعدد ولا، كالشقي الدليل الموروي، الغريب الطور، وإبراهيم بن أبي الفتح المنبوذ بالإضليع، قريع الجهل، ومستور العظيمة، وارتادوا عورة القلعة، فاهتدوا منها إلى ما شاءوا وتألفوا بخارج، ثم تسللوا ببطن الوادي المعروف بهداره، إلى أن لصقوا بجناح السور الصاعد، الراكبة قوسه جرية النهر، وصعدوا مساوقين جناحه المتصل بسور القلعة، وقد نقص كثير من ارتفاعه، لحدثان إصلاح فيه، فتسوروه عن سلم، ودافع بعض محاربيهم بعضاً، في استباق أدراجه. فدخلوا البلد في الثلث الأخير من ليلة الأربعاء الثامن والعشرين لرمضان؛ [عام ستين وسبعمائة]، ثم استغلظوا بالمشاعل، وقتلوا نائب الملك رضواناً النصري، سايس الأمر، وبقية المشيخة، واستخرجوا السلطان الذي هو يزيفه، فنصبوه للناس، وتم الأمر، بما دل على احتقار الدنيا عند الله، وانخرط هذا الخَبُّ، في طور غريب من التنزل للسلطان، والاستخدام لأمه، والتهالك في نصحه، وخلط نفسه فيه، وتبذل في خدمته، يتولى له الأمور، ويمشي في زي الأشراط بين يديه، ويتأتى لشهواته، ويتظاهر بحراسته. ولما علم أن الأمر يشق تصيره إليه من غير واسطة، بغير انقياد الناس إليه، من غير [تدريج كاده]، فألطف الحيلة في مساعدته على اللذات، وإغرائه بالخبائث، وشغله بالعهر، وقتله بالشهوات المنحرفة، وجعل يتبرأ من دنيته وينفق بين الناس من سلع اغتيابه، ويرى الجماهير الإنكار لصنيعه، ويزين لهم الاستعاضة منه بعد ما غلظت شوكته، وضم الرجال إلى نفسه مورياً بحفظه، والاستظهار على صونه.
وفي الرابع من شعبان عام أحد وستين وسبعمائة، ثار به في محل سكناه في جواره، واستجاش أولياء غدره، وكبس منزله، مداخلا للوزير المشئوم، عاقداً معه صفقة الغدر. وامتنع السلطان بالبرج الأعظم، فاستنزله وقتله، كما مر في اسم المذكور قبل، واستولى على الملك، فلم يختلف عليه اثنان، واشتغل طاغية الروم بحرب، كان بينه وبين القطالنيين، فتمالأ لمسالمته، فاغتبط الصنيع وتهنا المنحة، وتشطط على الروم في شروط غير معتادة، سامحوه بها مكيدة واستدراجاً.
واجتاز أمير المسلمين المصاب بغدره إلى الأندلس، طالباً لحقه، ومبادراً إلى رد أمره، فسقط في يده، ووجه الجيش إليه بمثواه من بلد رندة، فانصرف عنها خائباً، ورجع أدراجه، يشك في النجاة، وتفرغ إليه الطاغية، [ففضَّ عليه جمه]، وقد أجرت عليه شوكته وقيعةً، نصر الله فيها الدين، وأملى لهذا الوغد فلم يُقْله العَثْرة بعدها. ونازل حصونه المهتضمة واستولى على كثير منها، وحام فلم يُصْحر غَلْوة، وأكذب ما موه به من البسالة. وظهر للناس بلبس الصوف، وأظهر التوبة على سريرة دَخِلة، وفسق مبين، وقل ما بيده، ونفد بيت ماله، فلم يجد شيئاً يرجع إليه، من بعد ما سبك الآنية والحلية، وباع العقار لبتذيره، وسحه المال سحاً، في أبواب الأراجيف والاختلاف، والبهج بالغنا، فشرف الإنقاب إلى الفرار، وأزمع إلى الانسلال.
وعندما تحرك السلطان إلى غربي مالقة، ونجع أهلها بطاعته ودخلوا في أمره، وسقط عليه الخبر. اشتمل على الذخيرة جمعاء، وهي التي لم تشتمل خزائن الملوك مطلقاً على مثلها، من الأحجار واللؤلؤ والقصب، والتف عليه الجمع المستميت، جمع الضلال ومرد الغي، وخرج عن المدينة ليلة الأربعاء السابع عشر من جمادى الآخرة. وصوب وجهه إلى سلطان قشتالة، مكظومٌ تجنيه، وموتور سوء جواره، من غير عهد، إلا ما أمل من التبقي عنده من التذميم به، وضمان إتلاف الإسلام، واستباحة البلاد والعباد بنُكْرته.
ولما استقر لديه نَزْله، تَقَبَّضَ عليه، وعلى شِرْذِمَته المُنيفَة على ثلاثمائة فارس من البغاة، كشيخ جنده الغربي إدريس بن عثمان بن إدريس بن عبد الله بن عبد الحق، ومن سواه، تحصل بسببهم بيد الطاغية، كل ما تسمو إليه الآمال، من جواد فاره، أو منطقة ثقيلة، وسلاح مُحَلَّى، وجوشن رفيع، ودرع حصينة، وبُلْبُلة منيعة، وبيضة مذهبة، وبزة فاخرة، وصامت عتيد، وذخيرة شريفة، فتنخل منهم متولي التسور فجعلهم أسوة رأسهم في القتل، خر بعضهم يومئذ على بعض، في القتل، وأخذتهم السيوف، فحلوا بعد الشهرة، والتمثيل في أزقة المدينة، وإشاعة النداء في الجزيرة، ثاني رجب من العام المؤرخ به، وركب أسوق سايرهم الأداهم، واستخلصهم الإسار. وبارد بتوجيه رؤسهم، فنصبت من فوق العورة التي كان منها تسورهم القلعة، فمكثت بها إلى أن استنزلت وووريت، وانقضى أمره على هذه الوتيرة مشئوماً دبيراً، لم يمتعه الله بالنعيم، ولا هناه سكنى المحل الكريم، ولا سوغه راحة، ولا ملأه موهبة، ولا أقام على فضله حجة، ولا أعانه على زلفة، إنما كان رئيس السراق وعريف الخراب، وإمام الشرار؛ ندر يوما في نفسه، وقد رفعت إليه امرأة من البدو تدعي أنها سرقت دارها، قال: إن كان ليلا بعد ما سد باب الحمراء علي وعلى ناسي، فهي والله كاذبة، إذ لم يبق سارق في الدنيا، أو في البلاد، إلا وقد تحصل خلفه، وقانا الله المحن، وثبتنا على مستقر الرشد، ولا عاقنا عن جادة الاستقامة.
وزراء دولته
استوزر الوزير المشئوم ممدهً في الغي، الوغد، الجهول، المرتاش من السرقة، الحقود على عباد الله لغير علة عن سوء العاقبة، المخالف في الأدب سنن الشريعة، البعيد عن الخير بالعادة والطبيعة، دودة القز، وبغل طاحونة الغدر، وزق القطران، محمد بن إبراهيم بن أبي الفتح الفهري، فانطلقت يده على الإبشار، ولسانه على الأعراض، وعينه على النظر الشزر، وصدره على التأوه والرين، يلقى الرجل كأنه قاتل أبيه، محدقاً إلى كميه، يحترش بهما خبيئة، أو يظن بهما رشوة، فأجاب الله دعاء المضطرين، ورغبات السائلين، وعاجله بالأخذة الرابية، والبطشة القاضية فقبض عليه في ليلة السبت العاشر لرمضان؛ من العام المذكور، وعلى ابن عمه العصر فوط وعلى الحيرا من نواهض بيتهما وأنفذ الأمر بتعريضهم، فمضى حكم الله بهذه المنية الفرعونية فيهم
﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾، قاهر الجبابرة، وغالب
الغلاب، وجاعل العاقبة للمتقين.
واستوزر بعده، أولى الناس وأنسبهم إلى دولته، وأحقهم بمظاهرته، المسوس الجبار اليأس والفطرة، المختبل الفكرة، القيل، المرجس، الحول، الشهير، الضجر، محمد ابن علي بن مسعود، فما بُلِيَ الناس على طول الحُمرة، وانفساح زمان التجربة، أسوأ تدبيراً، ولا أشر معاملة، ولا أبذأ لساناً، ولا أكثر شكوى ومعاتبة، ولا أشح يداً، ولا أجدب خواناً، من ذلك المشئوم، [بنعق البوم]، ينعق بما لا يسمع، ويسرد الأكاذيب، ويسيء السمع، فيسيء الإجابة، ويقود الجيش فيعود بالخيبة، إلى أن كان الفرار، فصحبه إلى مصرعه، وكان ممن استؤثر به القيد الثقيل، والأسر الشديد، والعذاب الأليم، عادة بذلك عبد ((المالاخوينا))، التي كان يحجب سمتها، زمان ترفيهه، فقضت عليه سَيَّءَ المَيتة، مُطرح الجثة. سترنا الله بستره ولا سلبنا في الحياة، ولا في الممات ثوب عنايته.
كاتب سره
صاحبنا الفقيه الأهوج، قصب الريح، وشجرة الخور، وصوت الصدى، أبو محمد عبد الحق بن عطية، المستبد بتدبير الدبير، خطاً فوق الرقاع الجاهلة، ومسارةً في الخلوات الفاسقة، وصدعاً فوق المنابر الكبيبة، بحلة لث الراية، ويذب عنه ذب الوالدة، ينتهي في الاعتذار عن هناته إلى الغايات القاصرة.
قضاته
شيخنا أبو البركات، قيسُ لَيْلَى القضاء، المخدوع بزخرف الدنيا على الكبرة والعناء، لطف الله به، وألهمه رشده.
شيخ الغزاة على عهده
إدريس بن عثمان بن إدريس بن عبد الحق بن محيو، بقية بيت الدبرة ووشيجة الشجرة المجتثة، عذب في الجملة من أهل بيته عند القبض عليهم، واستقر في القبض الأشهب من قبيله بالمغرب، مطلق الإقطاع، مرموقاً بعين التجلة، مكنوفاً بشهرة الأب، إلى أن سعى به إلى السلطان، نسيج وحده فارس بن علي، واستشعر البث فطار به الذعر لا يلوي عناناً، حتى سقط بإفريقية، وعبر البحر إلى ملك برجلونة. ثم اتصل بالدولة النصرية، بين إدالة الغدر، وإيالة الشر، فقلده الدائل مشيخة الغزاة، ونوه به، فاستراب مُعْزُله يحيى بن عمر، ففر إلى أرض الروم حسبما يذكر في اسمه، فقام له بهذا الوظيف، ظاهر الشهرة والأبهة، مخصوصاً منه بالتجلة، إلى أن كان ما كان من إزمانه وفراره، فوفى له وصحبه ركابه، وقاسمه المنسجة شق الأبلة، واستقر بعد قتله أسيراً عانياً علق الدهر، لضنانة العدو بمثله، إلى أن أفلت من دون الأغلاق، وشد الوثاق، ولحق بالمسلمين في خبر لم يشتمل كتاب الفرج بعد الشدة على مثله، والأغراب منه، يستقر في اسمه إلماعٌ به، ثم استقر بالمغرب معتقلا. ثم مات رحمه الله.
من كان على عهده من الملوك
وأولاً بمدينة فاس دار ملك المغرب، السلطان، الخير، الكريم الأبوة، المودود قبل الولاية، اللين العريكة، الشهير الفضل في الحياة، آية الله في إغراب الصنع، وإغراب الإدبار، أبو سالم إبراهيم بن علي بن عثمان ابن يعقوب بن عبد الحق، أمير المسلمين، المترجم به في حرف [الألف]. ولما قتل يوم الحادي والعشرين لذي قعدة؛ من عام اثنتين وستين، قام بالأمر بعده أخوه المتحيل أبو عامر تاشفين بن علي إلى أواخر صفر عام ثلاثة وستين، ولحق بالبلد الجديد، الأمير أبو محمد زيان ابن الأمير أبي عبد الرحمن بن علي بن عثمان؛ المترجم به في بابه، ثم المتولي من عام ثمانية وستين وسبعمائة السلطان أبو فارس عمه، المؤمل لِلَمَّ الشعث، وضم النشر، وتجديد الأمر بحول الله، ابن السلطان الكبير المقدس، أبي الحسن بن سعيد بن يعقوب بن عبد الحق، وهو بعد متصل الحال إلى اليوم.
وبتلمسان الأمير أبو حمو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان.
وبإفريقية الأمير الخليفة على عرفهم، إبراهيم ابن أمير المؤمنين أبي يحيى بن حفص.
وبقشتالة، بطره بن ألهنشة بن هراندة بن شانجه المصنوع له، ولي النعمة منه، ومستوجب الشكر من المسلمين لأجله، بإراحته منهم.
وبرغون، بطره بن شانجه.
وبرندة، مزاحمه بالملك الفخم، أمير المسلمين حقيقة، المرتب الحق، المعقود البيعة، وصاحب الكرة، وولي حسن العاقبة، مجتث شجرته الخبيثة، وصارخ إيالته الدنية، أبو عبد الله محمد ابن أمير المسلمين أبي الحجاج، ابن أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر.
مولده
مولد هذه النسمة المشئومة أول يوم من رجب؛ عام اثنين وثلاثين وسبعمائة.
وفاته
توفي قتيلاً ممثلاً به بطيلاطة، من ظاهر إشبيلية، في ثاني من رجب؛ عام ثلاثة وستين وسبعمائة، وسيقت رؤوس أشياعه، الغادرين مع رأسه إلى الحضرة؛ فصلبت بها. وفي ذلك قلت:
في غير حفظ الله من هامةٍ
هام بها الشيطان في كل واد
لا خلفت ذكراً ولا رحمةً
في فم إنسانٍ ولا في فؤاد
محمد بن إسماعيل
ابن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن أحمد بن خميس ابن نصر الخرزجي؛ أمير المسلمين بالأندلس بعد أبيه رحمه الله.
أوليته
معروفة.
حاله
كان معدوداً في نبلاء الملوك، صيانة، وعزاً وشهامة، وجمالاً، وخصلاً، عذب الشمائل، حلواً لبقاً، لوذعياً هشاً، سخياً، المثل المضروب به في الشجاعة المقتحمة حد التهور، حلس ظهور الخيل، وأفرس من جال على ظهورها، لا تقع العين، وإن غصت الميادين على أدرب بركض الجياد منه، مغرماً بالصيد عارفاً بسمات السقار وشتات الخيل، يحب الأدب، ويرتاح إلى الشعر وينبه على العيون، ويلم بالنادرة الحارة. أخذت له البيعة يوم مهلك أبيه، وهو يوم الثلاثاء السابع والعشرين لرجب؛ من عام خمسة وعشرين وسبعمائة. وناله الحجب، واشتملت عليه الكفالة إلى أن شبَّ وظهر، وفتك بوزيره، المتغلب على ملكه، وهو غلام لم يَبْقِل خدُّه، فهيب شأنه، ورهبت سطوته، وبرز لمباشرة الميادين، وارتياد المطارد، واجتلاء الوجوه، فكان ملء العيون والصدور.
ذكاؤه
حدثني القائد أبو القاسم بن الوزير عبد الله بن عيسى وزير جده؛ قال، تُذُوكِرَ يوماً بحضرته تباين قول المتنبي:
ألا خدَّد الله ورد الخدود
وقد قُدُودَ الحسان القُدود
وقول امرئ القيس:
وإن كنت قد ساءتك مني خليقةً
فسُلِّي ثيابي من ثيابك تنسِل
وقول إبراهيم بن سهل:
إني له من دمي المسفوك معتذراً
أقول حمّلته في سفكه تعبا
فقال رحمه الله، بديهة: بينهما ما بين نفس ملك عربي وشاعر، ونفس يهودي تحت الذمة، وإنما تتنفس بقدر همتها، أو كلاماً هذا معناه. ولما نازل مدينة قبرة ودخل جفنها عنوة، ونال قصبتها، ورماها بالنفط، وتغلب عليها، وهي ما هي عند المسلمين، وعند النصارى، من الشهرة والجلالة، بادرناه نهنيه بما نُسَّق له، فزوى وجهه عنا، وقال ماذا، تهنونني به، كأنكم رأيتم تلك الخرقة بكذا يعني العلم الكبير في منار إشبيلية، فعجبنا من بعد همته، ومرمى عزمه.
شجاعته
أقسم أن يغير على باب مدينة بيانة في عدة قليلة عينها الميمن، فوقع البهت وتوقعت الفاقرة، لقرب الصريخ، ومنعة الحوزة، وكثرة الحامية، واتصال تخوم البلاد، ووفور الفرسان بذلك الصقع، وتنخل أهل الحفاظ، وهجم على باب الكفار نهاراً، وانتهى إلى باب باب المدينة وقد برزت الحامية، وتوقع فرسان الروم الكمناء، فأقصروا عن الإحصار، وحمى المسلمون فشد عليهم، فأعطوهم الضمة ودخلوا أمامهم المدينة، ورمى السلطان أحد الرجال الناشبة بمزراق كان بيده محلى السنتان رفيع القيمة، وتحامل يريد الباب فمنع الإجهاز الإجهاز عليه، وانتزاع الرمح الذي كان يجره خلفه، وقال اتركوه يعالج به رمحه إن كان أخطأته المنية، وقد أفلت من أنشوطة خطر عظيم.
جهاده ومناقبه
كان له وقائع في الكفار، على قلة أيامه، وتحرك ونال البلاد، وفتح قبرة، ومقدم جيش العدو الذي بيت بظاهرها وأثخن فيه، وفتح الله على يده مدينة باغوة، وتغلب المسلمون على حصن قشتالة، ونازل حصن قشرة قشرة بنفسه لدى قرطبة، فكاد أن يتغلب عليه، لولا مددٌ اتصل للنصارى به. وأعظم مناقبه تخليص جبل الفتح، وقد أخذ الطاغية بكظمه، ونازله على قرب العهد من تلك المسلمين إياه، وناخ بكلكله، وهد بالمجانيق أسواره، فدارى الطاغية، واستنزل عزمه وتحفه، ولحق في موضع اختلاله، إلى أن صرفه عنه، وعقد له له صلحاً، ففازت به قداح الإسلام، وتخلصه من بين ناب العدو وظفره، فكان الفتح عظيماً لا كفاء له.
بعض الأحداث في دولته
وفي شهر المحرم من عام سبعة وعشرين وسبعمائة، نشأت بين المتغلّب على دولته، وزيره، وبين وبين شيخ الغزاة وأمير القبائل العُدْوِيَة، عثمان بن أبي العلاء، الوحشة وألحقت ريحها السعايات، فصبت على المسلمين شؤبوب فتنة عظم فيهم أثرها أثرها معاطباً، وسئم الانصراف عن الأندلس، فلحق بساحل ألمرية، وأحوزته المذاهب، وتحامت جواره الملوك، فداخل أهل حصن أندرش، فدخل في طاعته، طاعته، ثم استضاف إليه ما يجاوره، فأعضل الداء، وتفاقمت اللأواء، وغامت سماء الفتنة، واستنفد خزائن الأموال المستعدة لدفاع العدو، واستلحق الشيخ أبو سعيد عم السلطان، وقد استقر بتلمسان، فلحق به، وقام بدعوته في أخريات صفر عام سبعة وعشرين وسبعمائة. واغتنم الطاغية فتنة المسلمين فنزل ثغر بيرة، ركاب الجهاد، وشجى العدو، فتغلب عليه، واستولى على جملة من الحصون التي تجاوره، فاتسع نطاق الخوف، وأعيى داء الشر، وصرف إلى [نظر] ملك المغرب في أخريات العام رندة ومربلةً وما يليهما، وترددت الرسائل بين السلطان وبين شيخ الغزاة فأجلت الحال عن مهادنة، ومعاودة للطاعة، فصرف أميرهم أدراجه إلى العدوة، وانتقلوا إلى سكنى وادي آش على رسم الخدمة والحماية على شروط مقررة، وأوقع السلطان بوزيره، وأعاد الشيخ إلى محله من حضرته، أوائل عام ثمانية وعشرين بعده. واستقدم القائد الحاجب أبا النعيم رضوان من أعاصم حباليه قتيله، فقام بأمره أحسن قيام. وعبر البحر البحر بنفسه بعد استقرار ملكه في الرابع والعشرين من شهر ذي حجة؛ من عام اثنين وثلاثين وسبعمائة، فاجتمع مع ملك المغرب السلطان الكبير أبي الحسن بن عثمان، فأكرم نزله، وأصحبه إلى الأندلس، وحباه بما لا يحب به ملك تقدمه، من مغربيات الخيل، وخطير الذخيرة، ومستجاد العدة، ونزل الجيش على أثره جبل الفتح. وتوجه الحاجب أبو النعيم بأكبر إخوة السلطان، مظاهراً على سبيل النيابة، وهيأ الله فتحه، ثم استنقاذه استنقاذه بلحاق السلطان، ومحاولة أمره كما تقدم، فتم ذلك يوم الثلاثاء الثاني عشر لذي الحجة من عام ثلاثة ثلاثة وثلاثين وسبعمائة.
وزراء دولته
وزر له وزير أبيه، وأخذ له البيعة، وهو مثخن بالجراحات، التي أصابته يوم الفتك بأبيه السلطان أبي الوليد، ولم ينشب أن أجهز جرح تجاوز عظم الدماغ، بعد مصابرة ألم العلاج الشديد، حسبما يأتي في اسمه، وهو أبو الحسن علي بن مسعود بن يحيى بن مسعود المحاربي، وترقى إلى الوزارة والحجابة وكيل أبيه محمد بن أحمد المحروق، من أهل غرناطة، يوم الإثنين غرة شهر رمضان؛ من عام خمسة وعشرين وسبعمائة، ويأتي التعريف بهم. ثم اغتيل بأمره، عشي ثاني يوم من محرم فاتح تسعة وعشرين وسبعمائة. ثم وزر له، القائد أبو عبد الله ابن القائد أبي بكر عتيق بن يحيى بن المول من وجوه الدولة، وصدور من يمت بوصله، إلى السابع عشر من رجب؛ من العام، ثم صرف إلى العدوة، وأقام رسم الوزارة والحجابة والنيابة، أبو النعيم مولى أبيه، [إلى آخر آخر مدته، بعد أن التأث] أمره لديه، وزاحمه بأحد المماليك المسمى بعصام حسبما يأتي ذكره في موضعه إن شاء الله.
رئيس كتابه
كتب له كاتب أبيه قبله وأخيه بعده، شيخنا نسيج وحده، أبو الحسن علي بن الجياب الآتي ذكره في موضعه إن شاء الله.
قضاته
استمرت الأحكام لقاضي أبيه، أخي وزيره، الشيخ الفقيه أبي بكر بن مسعود؛ رحمه الله إلى عام سبعة وعشرين وسبعمائة، ووجهه رسولاً عنه إلى ملك المغرب، فأدركته وفاته بمدينة سلا، فدفن بمقبرة سلا. رأيت قبره بها رحمه الله. وتخلف ابنه أبا يحيى مسعود عام أحد وثلاثين وسبعمائة، وتولى الأحكام الشرعية القاضي أبو عبد الله محمد بن يحيى بن بكر الأشعري، خاتمة الفقهاء، وصدر العلماء، رحمة الله، فاستمرت [له] الأحكام إلى تمام مدة أخيه بعده.
أمه
رومية اسمها عَلْوَة وكانت أحظى لداتها عند أبيه، وأم بكره، إلى أن نزع عنها في أخريات أمره، لأمر جرته الدالة، وتأخرت وفاتها عنه إلى مدة أخيه.
من كان على عهده من الملوك بأقطار
المسلمين والنصارى.
فبفاس، السلطان الكبير، الشهير، الجواد، خِدْن العافية، وحلف السعادة، وبحر الجود، وهضبة الحلم، أبو سعيد عثمان بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق؛ الذي بذل المعروف، وقرب الصلحاء والعلماء، وأدنى مكانهم، وأعمل إشارتهم، وأوسع بأعطيته المؤمنين المسترفدين، وعظم قدره، واشتهر في الأقطار صيته، وفشا معروفه، وعرفت بالكف عن الدماء والحرمات عفته، إلى أن توفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة؛ عام أحد وثلاثين وسبعمائة، ثم صار الأمر إلى ولده السلطان، مُقْتفي سننه في الفضل والمجد، وصخامة السلطان، مبراً عليه، بالبأس المرهوب، والعزم الغالب، والجد الذي لا يشوبه هزل، والاجتهاد الذي لا يتخلله راحة، الذي بعد مداه، وأذعن لصولته عداه، واتصلت [ولايته] مدته، ومعظم مدة أخيه الوالي بعده. وبتلمسان الأمير عبد الرحمن بن موسى بن يغمراسن، من بني عبد الواد، مشيد القصور، ومروض الغروس، ومُتبنَّك الترف، واتصل إلى تمام مدته، وصدرا من مدة أخيه بعده.
وبتونس الأمير أبو يحيى، أبو بكر بن الأمير أبي زكريا بن الأمير أبي إسحاق لبنة تمام قومه، وصقر الجوارح من عشه، وسابق الجياد من حلبته، إلى تمام المدة، وصدراً كبيراً من دولة أخيه بعده.
ومن ملوك النصارى، ملك على عهده الجفرتين القنيطية والتاكرونية، الطاغية المرهوب الشبا، المسلط على دين الهدى، ألهنشة بن هراندة بن شانجه بن ألفش بن هراندة، الذي احتوى على كثير من بلاد المسلمين حتى الجفرتين واتصلت أيامه إلى أخريات أيام أخيه، وأوقع بالمسلمين على عهده، وتملك الجزيرة الخضراء وغيرها. وبرغون ألفنش بن جايمش بن ألفنش ابن بِطْرُه بن جايمش؛ الذي استولى على بلنسية، ودام إلى آخر مدته، وصدراً من مدة أخيه. وقد استقصينا من العيون أقصى ما سح به الاستقصاء، وما أغفلناه أكثر، ولله الإحاطة.
مولده
في الثامن من شهر المحرم؛ من عام خمسة عشر وسبعمائة.
وفاته
وإلى هذا العهد مات، وغِرت عليه رؤوس الجند، من قبائل العدوة، الصدور، وشحنت عليه القلوب غيظاً، وكان شرها لسانه، غير جزوع ولا هياب، فربما يتكلم بملئ فيه من الوعيد الذي لا يخفى على المعتمد به، وفي ثاني يوم من إقلاع الطاغية من الجبل، وهو يوم الأربعاء الثاني عشر من ذي حجة، وقد عزم على ركوب البحر من ساحل مربلة، فهو مع وادي ياروا من ظاهر جبل الفتح، تخفيفاً للمؤنة، واستعجالا للصدور، وقد أخذت على حركته المراصد. فلما توسط كمين القوم، ثاروا إليه وهو راكب بغلا أثابه به ملك الروم، فشرعوا في عتبه بكلام غليظ، وتأنيب قبيح، وبدأوا بوكيله فقتلوه، وعجل بعضهم بطعنه، وترامى عليه مملوك من مماليك أبيه، زنمة من أخابيث العلوج يسمى زياناً، صونع على مباشرة الإجهاز عليه، فقضى لحينه بسفح الربوة الماثلة، يسرة العابر للوادي ممن يقصد جبل الفتح، وتركوه بالعراء بادي البوار، مسلوب البزة، سيء المصرع، قد عدت عليه نعمه، وأوبقه سلاحه، وأسلمه وأسلمه أنصاره وحماته. ولما فرغ القوم من مبايعة أخيه السلطان أبي الحجاج، صرفت الوجوه يومئذ إلى دار الملك، ونقل القتيل إلى مالقة، فدفن على حاله تلك برياضٍ تجاور منية السيد، فكانت وفاته ضحوة يوم الأربعاء الثالث عشر [لذي حجة؛ من عام] ثلاث ثلاث وثلاثين وسبعمائة. وأقيمت على قبره بعد حين حين قبة، ونوه بقبره، وهو اليوم ماثلٌ رهن غربةٍ، وجالب عبرة، جعلنا الله للقائه على حذر وأهبة، وبلوح الرخام الماثل عند رأسه مكتوب: ((هذا قبر السلطان الأجل، الملك الهمام، الأمضى الباسل، الجواد ذي المجد الأثيل، والملك الأصيل، المقدس، المرحوم، أبي عبد الله محمد ابن السلطان الجليل، الكبير، الرفيع، الأوحد، المجاهد، الهمام، صاحب الفتوح المسطورة، والمغازي المشهورة، سلالة أنصار النبي صلى الله عليه وسلم، أمير المؤمنين، وناصر الدين، الشهيد، المقدس، المرحوم أبي الوليد [بن فرج]، بن نصر، قدس الله روحه وبرد ضريحه. كان مولده في الثاني لمحرم؛ عام خمسة عشر وسبعمائة، وبويع في اليوم الذي استشهد فيه والده رضي الله عنه السادس والعشرين [لرجب؛ عام خمسة وعشرين] وسبعمائة، وتوفي رحمه الله في الثالث عشر لذي حجة من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، فسبحان من لا يموت)):
يا قبر سلطان الشجاعة والندى
فرع الملوك الصيد أعلام الهدى
وسلالةٍ السلف الذي آثاره
وضاحة لمن اقتدى ومن اهتدى
سلفٌ لأنصار النبي نجاره
قد حل منه في المكارم محتدا
متوسط البيت قد أسست
ه سادة الأملاك أوحد أوحدا
بيتٌ بناه محمدون ثلاثةٌ
من آل نصر أورثوه محمدا
أودعت وجهاً قد تهلل حسنه
بدراً بآفاق الجلالة [قد بدا]
ونداً يسح على العفاة مواهباً
مثنى الأيادي السابغات وموحدا
يبكيك مذعورٌ بك استعدى على
أعدائه فسقيتهم كاس الردى
[يبكيك محتاجٌ أتاك مؤملا
فغدا وقد شفعت يداك له اليدا]
أما سماحك فهو أسنى دية
أما جلالك فهو أسمى مصعدا
جادت ثراك من الإله سحابةٌ
لرضاه عنك تجود هذا المعهدا
[وشر ما تبع هذا السلطان تواطؤ قتلته من بني
أبي العلاء وأصهارهم وسواهم من شيوخ خدامه، كالوكيل في مدة أخيه بعد، الشيخ الذهول مسافر بن حركات وسواه، على اكتتاب عقد [بعد] وفاته، بأمور من القول تقدح في أصل الديانة، وأغراض تقتضي إلى الوهن في الدين، وهنات تسوغ إراقة دمه الذي توفرت الدواعي على حياطته، والذب عنه، تولى كبرها شيخنا أبو الحسن بن الجياب، مرتكباً منها وصمة محت على غرر فضله إلى كثير من خدامه وممالكيه، وبعثوا بها إلى ملك المغرب، فاقتطعت جانب التمهيل والتأخير واللبث عن الحكم، والتعليل عن السماع، وبروز الأغراض، واتباع السيئة أمثالها.
وقد كان رحمه الله من الجهاد وإقامة رسم الدين، بحيث تزل عن هذه الهنات صفاته، وتنكر هذه المذمات صفاته وكان بمكان من العز، وإرسال السجية، ربما عذله الشيخ في بعض الأمر، فيسجم إضجاراً وتمليحاً بإخراجه، ولم يمر إلا الزمان اليسير، وأوقع الله بالعصبة المتمالئة عليه من أولاد عبد الله، فسفتهم رياح النكبات، واستأصلت نعمهم أيدي النقمات، ولم تقم لهم
من [بعد] ذلك قائمة، والله غالب على أمره].
وتبعت هذا السلطان نفوس أهل الحرية، ممن له طبع رقيق، وحسٌ لطيف، ووفاءٌ كريم، ممن كان بينه وبين سطوته دفاعٌ، وفي جو اعتقاده له صفاءٌ، فصدرت مراث مؤثرة، وأقاويل للشجون مهيجة، نثبت منها يسيراً على العادة. فمن ذلك ما نظمه الشيخ الكاتب القاضي أبو بكر بن شبرين، وكان على فصاحة فصاحة ظرفه، وجمال روايته، غراب قربه، ونائحة مأتمه، يرثيه ويعرض ببعض من حمل عليه من ناس وخدامه:
استقلا ودعاني ظائفاً بين المغاني
وانعما بالصبر إني لا أرى ما تريان
ومن قوله:
عينٌ بكي لميت غادروه
في ثراه ملقى وقد غدروه
دفنوه ولم يصل عليه
أحدٌ منهم ولا غسلوه
إنما مات يوم مات شهيداً
فأقاموا رسماً ولم يقصدوه
محمد بن محمد
[ابن محمد] بن يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد بن نصر ابن قيس الخزرجي؛ ثالث الملوك من بني نصر؛
يكنى أبا عبد الله.
أوليته:
معروفة.
حاله
كان من أعاظم أهل بيته، صيتاً وهمة، أصيل المجد، مليح الصورة، عريق الإمارة، ميمون النقيبة، سعيد [النصبة] عظيم الإدراك، تهنأ العيش مدة أبيه، وتَمَلَّى السياسة [في] حياته، وباشر الأمور بين يديه، فجاء نسيج وحده إدراكاً، ونبلا، وفخاراً، وشأواً. ثم تولى الأمر بعد أبيه فأجراه على ديدنه، وتقبل سيرته، ونسج على منواله، وقد كان الدهر ضايقه في حصته، ونغصه ملاذ الملك [بزمانة، سَدِكَت] بعينيه لمداخلة السهر، ومباشرة [أنوار] ضخام الشمع، إذ كانت تتخذ له له منها جذوع في أجسادها مواقيت تخبر بانقضاء ساعات الليل، ومضيّ الرّبع، وعلى التزامه؛ لِكِنَّه وغيبوبته في كِسْر بيته، فقد خدمته السعود، وأملت بابه الفتوح، وسالمته الملوك، وكانت أيامه أعياداً. وكان يقرض الشعر، ويصغي إليه، ويثيب عليه، فيجيز الشعراء، ويرضخ للندماء، ويعرف مقادر العلماء، ويواكل الأشراف والرؤساء، [ضارباً] في كل إصلاح بسهم، مالئاً من كل تجربة وحنكة، حار النادرة، حسن التوقيع، مليح الخط، تغلب تغلب عليه الفظاظة والقسوة.
شعره
كان له شعر مستظرف من مثله، لا بل يفضل به الكثير ممن ينتحل الشعر من الملوك. ووقعت على مجموع له، ألفه بعض خدامه، فنقلت من مطولاته:
واعدني وعدا وقد أخلفا
أقل شيء في المليح الوفا
وحال من عهدي ولم يرعه
ما ضره لَوَ اْنَّه أنصفا
ما بالها لم تتعطف على
صاحب لها ما زال مستعطفا
يستطلع الأنباء من نحوها
ويرقب البرق إذا ما هفا
خفيت سقماً عن عيون الورى
وبان حبي بعد ما قد خفا
لله كم من ليلةٍ بتها
أدير من ذاك اللَّمى قَرْقَفَا
مَتَّعتني بالوصل منها وما
أخْلَفَتْ وعداً خلت أن يُخلفا
ومنها:
ملَّكْتُك [القلب] وإني امٌرؤ
عليّ ملك الأرض قد وُقِّفا
أوامري في الناس مسموعةٌ
وليس مني في الورى أشرفا
يُرهف سيفي في الوغى متسلطاً
ويُتَّقَى عزمي إذا ما أرهفا
وتُرتجى يُمنايَ يوم النّدى
تخالها السحب غدت وُكفا
نحن ملوك الأرض من مثلنا
حزنا تليد الفخر والمطرفا
نخاف إقداماً ونرجى ندًى
لله ما أرجى وما أخوفا
لي رايةٌ في الحرب كم غادرت
ربع العدا قاعاً بها صفصفا
يا ليت شعري والمنى جمة
والدهر يوماً هل يرى منصفا
هل يَرْتَجي العبد تداينكم
أو يصبح الدهر له مسعفا
مناقبه
وأعظم مناقبه المسجد الجامع بالحمراء، على ما هو عليه، من الظرف والتنجيد، والترقيش، وفخامة العمد، وإحكام أتوار الفضة، وإبداع ثراها، ووقف عليه الحمام بإزائه وأنفق فيه مال الجزية، وأغرمها لمن يليه من الكفار، فدوا به زرعاً، نَهَد إليه صائفته لا نتسافه، وقد أهمتهم فتنة، فظهر بها منقبة يتيمة، ومعلوّة فذة، فاق بها من تقدمه، ومن تأخره من قومه.
جهاده
أغزى الجيش لأول أمره مدينة المنظر، فاستولى عليها عليها عنوة، وملك من احتوت عليه المدينة، ومن جملتهم الزعيمة صاحبة المدينة، من أفراد عقائل الروم، الروم، فقدمت الحضرة في جملة السبي، نبيهة المركب، ظاهرة الملبس، رائقة الجمال، خص بها ملك المغرب، فاتخذها لنفسه، وكان هذا الفتح عظيماً، والصيت بمزايه عظيماً بعيداً أنشدني.
ما نقل عنه من الفظاظة والقسوة
هجم لأول أمره على طائفة من مماليك أبيه وكان سيء الرأي فيهم فسجنهم في مُطْبق الأريّ من حمرائه، وأمسك مفتاح قفله عنده، وتوعد من يرمقهم بقوت بالقتل، فمكثوا أياماً، وصارت أصواتهم تعلو بشكوى الجوع، حتى خفتت ضعفاً بعد أن اقتات آخرهم موتاً من لحم من سبقه، وحملت الشفقة حارساً كان برأس المُطبق، على أن طرح لهم خبزاً يسيراً، تنقص أكله مع مباشرة بلواهم، ونُميَ إليه ذلك، فأمر بذبحه على حافة الجب، فسالت عليهم دماؤه وقانا الله مصارع السوء، وما زالت المقالةعنها شنيعة، والله أعلم بجريرتهم لديه.
وزراؤه
بقي على خطة الوزارة. وزير أبيه أبو سلطان عزيز عزيز ابن علي بن عبد المنعم الداني، الجاري ذكره بحول الله في محله، متبرماً بحياته إلى أن توفي، فأنشد عند موته:
مات أبو زيد فواحسرتا
إن لم يكن مات من جمعة
مصيبة لا غفر الله لي
أن كنت أجريت لها دمعة
وتمادى بها أمره، [يقوم بها حاشيته، وقد ارتاح
إليها متوليها بعده، المترفع بدولته، القائد الشهير، البهمة أبو بكر بن المول؛ حدث قارئ العشر من القرآن بين يدي السلطان، ويعرف بابن بكرون، وكان شيخاً متصاوناً ظريفاً، قال: عزم السلطان على تقديم هذا الرجل وزيراً، وكان السلطان يؤثر الفال، وله في هذا المعنى وساوسٌ ملازمة، فوجه إلي الفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى يومئذ، أبو عبد الله بن الحكيم المستأثر بها دونه، والمتلقف لكرتها قبله، وخرج لي عن الأمر، وطلب مني أن أقرأ آياً يخرج فألها عن الغرض، قال فلما غدوت لشأني تلوت بعد التعوذ قوله عز وجل: ﴿ يَا أيُّهَا الذينَ
آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً، وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ، قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أفْوَاهِهِم...﴾. إلى قوله:
((لنا...)) " فلما فرغت الآية، سمعته حاد عن رأيه الذي كان أزمعه]. وقدم للوزارة كاتبه أبا عبد الله بن الحكيم في ذي قعدة من عام ثلاثة وسبعمائة. وصرف إليه تدبير تدبير ملكه، فلم يلبث أن تغلب على أمره، وتقلد جميع شئونه، حسبما يأتي في موضعه إن شاء الله.
كتابه
استقل برياسته وزيره المذكور، وكان ببابه من كتابه جملةٌ تباهى بهم دسوت الملوك، أدباً وتفنناً وفضلاً وظرفاً، كشيخنا تلوه وولي الرتبة الكتابية من بعده، وفاصل الخطبة على أثره. وغيره ممن يشار إليه في تضاعيف الأسماء، كالشيخ الفقيه القاضي أبي بكر بن شبرين، والوزير الكاتب أبي عبد الله بن عاصم، والفقيه والفقيه الأديب أبي إسحاق بن جابر. والوزير الشاعر المفلق أبي عبد الله اللوشي، من كبار القادمين عليه، والفقيه الرئيس أبي محمد الحضرمي، والقاضي الكاتب أبي الحجاج الطرطوشي، والشاعر المكثر أبي العباس القَرَّاق، وغيرهم.
قضاته
استمرت ولاية قاضي [أبيه] الشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن هشام الألشي قاضي العدل، وخاتمة أولي أولي الفضل، إلى أن توفي عام أربع وسبعمائة. وتولى وتولى له القضاء، القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد بن أحمد [بن محمد بن أحمد] القرشي المنبور بابن فركون، فركون، وتقدم التعريف به، والتنبيه على فضله، إلى آخر أيامه.
من كان على عهده من الملوك بالأقطار
وأول ذلك بفاس، كان على عهده بها، السلطان الرفيع القدر، السامي الخطر، المرهوب الشبا، المستولى في العز وبعد الصيت على المدى، أبو يعقوب يوسف بن يعقوب المنصور، ابن عبد الحق، وهو الذي وطّدَ الدولة المرينية، وجبا الأموال العريقة، واستأصل من تُتَّقَى شوكته من القرابة وغيرهم، وجاز إلى الأندلس في أيام أبيه وبعده، غازياً، ثم حاصر تلمسان، وهلك عليها في أوائل ذي قعدة؛ عام ستة وسبعمائة، [فكانت دولته إحدى وعشرين سنة وأشهراً]. ثم صار الأمر إلى حافده أبي ثابت عامر ابن الأمير أبي عامر عبد الله بن يوسف ابن يعقوب بعد اختلاف وقع، ونزاع انجلى عن قتل جماعة من كبارهم منهم الأمير أبو يحيى ابن السلطان أبي يوسف، والأمير أبو سالم ابن السلطان أبي يعقوب، واستمر الأمر للسلطان أبي ثابت إلى صفر من عام ثمانية وسبعمائة، وصار الأمر إلى أخيه أبي الربيع سليمان تمام مدة ملكه وصدرا من دولة أخيه نصر، حسبما يذكر في موضعه إن شاء الله.
وبتلمسان الأمير أبو سعيد عثمان [بن يغمراسن] ثم أخوه أبو عمران موسى، ثم ولده أبو تاشفين تاشفين عبد الرحمن إلى [آخر] مدة أخيه.
وبتونس، السلطان الفاضل، الميمون النقيبة. المشهور الفضيلة، أبو عبد الله محمد بن الواثق يحيى بن المستنصر أبي عبد الله بن الأمير أبي زكريا بن أبي حفص، من أولي العفة، والنزاهة، والتؤدة والحشمة، والعقل، عني بالصالحين، واختص بأبي محمد المرجاني، [فأشار بتقويمه]، وظهرت عليه بركته، [وكان يرتبط إليه، ويقف في الأمور عنده، فلم تعدم الرعية بركة ولا صلاحاً في أيامه]، إلى أن هلك في ربيع الآخر عام تسعة وسبعمائة، ووقعت بينه وبين هذا الأمير المترجم به المراسلة والمهاداة.
وبقشتالة، هراندة بن شانجة بن أدفونش بن هراندة، [المستولي على إشبيلية وقرطبة، ومرسية، وجيان، ولا حول ولا قوة إلا بالله]. هلك أبوه وتركه صغيراً، مكفولا على عادتهم، فتنفس المخنق، وانعقدت السلم، واتصل الأمان مدة أيامه، وهلك في دولة أخيه. وبرغون، جايمش بن ألفنش بن بِطْرُه.
الأحداث
في عام ثلاثة وسبعمائة نَقِم على قريبه الرئيس أبي أبي الحجاج بن نصر الوالي بمدينة وادي آش، [أمراً أوجب عزله عنها، وكان مقيماً بحضرته فاتخذ [الليل] جملاً وكان أملك بأمرها، وذاع الخبر، فاستركب الجيش، وقد حد ما ينزل في استصلابه، وجدد الصكوك بولايته خوفاً من اشتعال الفتنة، وقد أخذ على يديه، وأغرى أهل المدينة بحربه، فتداعوا لحين شعورهم باستعداده وأحاطوا به، فدهموه وعاجلوه، فتغلبوا عليه، وقيد إلى بابه أسيراً مصفداً، فأمر أحد أبناء عمه فقتله
صبراً، وتملا فتحاً كبيراً، وأمن فتنة عظيمة]، وفي
شهر شوال؛ من عام خمسة وسبعمائة. قرع الأسماع النبأ العظم، الغريب من تملك سبتة وحصولها في قبضته، وانتزاعها من يد رئيسها أبي طالب عبد الله بن بن أبي القاسم، الرئيس الفقيه، ابن الإمام المحدث أبي العباس العزمي حسبما يتقرر في اسم الرئيس الفقيه أبي طالب إن بلغنا الله ذلك، واستأصل ما كان لأهلها من الذخائر والأموال، ونقل رؤساءها، وهم عدة، إلى حضرته غرناطة في غرة المحرم من العام، فدخلوا عليه، وقد احتفل بالملك، واستركب في الأبهة الجند، فلثموا أطرافه، واستعطفه شعراؤهم بالمنظوم من القول، وخطباؤهم بالمنثور منه، فطمأن روعهم وسكن جأشهم، وأسكنهم في جواره، وأجرى عليهم الأرزاق الهلالية، وتفقدهم في الفصول إلى أن كان من أمرهم ما هو معلوم.
اختلاعه
في يوم عيد الفطر؛ من عام ثمانية وسبعمائة أحيط بهذا السلطان، وأتت الحيلة عليه، وهو مصاب بعينيه، مقعدٌ في كنه، فداخلت طائفة من وجوه الدولة أخاه، وفتكت بوزيره الفقيه أبي عبد الله بن الحكيم، ونصبت للناس الأمير أبا الجيوش نصراً أخاه، وكبست منزل السلطان، فأحيط به، وجعل الحرس [عليه]، وتسومع بالكائنة فكان البهت، وسال من الغوغاء البحر، فتعلقوا بالحمراء، يسألون عن الحادثة، فشغلوا بانتهاب دار الوزير، وبها من مال الله ما يفوت الوصف، وكان الفجع في إضاعته على المسلمين، وإطلاق الأيدي الخبيثة عليه عظيماً، وفي آخر اليوم عند الفراغ من الأمر، دخل على السلطان المخلوع، الشهداء، عليه بخلعه، بعد نقله من دار ملكه إلى دار أخرى، فأملى رحمه الله، زعموا، وثقية خلعه، مع شغب الفكر، وعظم الداهية، وانتقل رحمه الله بعد، إلى القصر المنسوب إلى السيد بخارج الحضرة، أقام به يسيراً، ثم نقل إلى مدينة المنكب،
وكان من أمره ما يذكر إن شاء الله. [ومما يؤثر من
ظرفه، حدث من كان منوطاً به من خاصته، مدة أيام إقامته بقصر نجد، قبل خلعه، قال: أرسل الله الأغربة على سقف القصر، وكان شديد التطير والقلق لذلك حسبما تقدم من الإشارة إلى ذلك بحديث العشر، وكان من جملتها غرابٌ، شديد الإلحاح، حاد النعيب والصياح، فأغرى به الرماة من مماليكه بأنواع القسى، فأبادوا من الغربان أمة، وتخطأ الحتف ذلك الغراب الخبيث العبقان، فلما انتقل إلى سكنى الحمراء، ظهر ذلك الغراب على سقفه، ثم لما أهبط مخلوعاً إلى قصر شنيل تبعه، وقام في بعض السقف أمامه، فقال يخاطبه رحمه الله: يا مشئوم، يا محروم بين الغربان، قد خلصت أمرنا، ولم يبق لك علينا طلب، ولا بيننا وبينك كلام، إرجع إلى هؤلاء المحارم فاشتغل بهم، قال، فأضحكنا
على حال الكآبة بعذوبة منطقه، وخفة روحه].
وفاته
قد تقدم ذكر استقراره بالمنكب، وفي أخريات شهر جمادى الآخرة؛ عام عشرة وسبعمائة، أصابت السلطان السلطان نصراً سكتةٌ، توقع منها موته، بل شك في حياته، فوقع التفاوض الذي تمحض إلى التوجيه عن السلطان المخلوع الذي بالمنكب ليعود إلى الأمر، فكان ذلك وأسرع إلى إيصاله إلى غرناطة في محفة، فكان حلوله بها في رجب من العام المذكور. وكان من قدر الله، أن أفاق أخوه من مرضه، ولم يتم للمخلوع الأمر، فنقل من الدار التي كان بها إلى دار أخيه الكبرى، فكان آخر العهد به. ثم شاعت وفاته أوائل شوال من العام المذكور، فذكر أنه اغتيل غريقاً في البركة في الدار المذكورة لما توقع من عادية جواره، ودفن بمقبرة السبيكة، مدفن قومه، بجوار الغالب بالله جده، ونوه بجدثه وعليه مكتوب ما نصه: ((هذا قبر السلطان الفاضل، الإمام العادل، علم الأتقياء، أحد الملوك الصلحاء، المخبت الأواه، المجاهد في سبيل الله، الرضي الأورع، الأخشى الله الأخشع، المراقب في السر والإعلان، المعمور الجنان بذكره واللسان، السالك في سياسة الخلق وإقامة الحق، منهاج التقوى والرضوان، كافل الأمة بالرأفة والحنان، الفاتح لها بفضل سيرته، وصدق سريرته، ونور بصيرته، أبواب اليمن والأمان، المنيب الأواب، العامل ما يجده نوراً مبيناً يوم الحساب، ذي الآثار السنية، والأعمال الطاهرة، القائم في جهاد الكفار بماضي العزم وخلص النية، المقيم قسطاس العدل، المنير منهاج الحلم والفضل، حامي الذمار، وناصر دين المصطفى المختار، المقتدي بأجداده الأنصار، المتوسل بفضل ما أسلفوه من أعمال البر والجهاد، ورعاية العباد والبلاد، إلى الملك القهار: أمير المسلمين، وقامع المعتدين، المنصور بفضل الله، أبي عبد الله، ابن أمير المسلمين الغالب بالله، السلطان الأعلى، إمام الهدى، وغمام الندى، محيي السنة، حسن الأمة، الأمة، المجاهد في سبيل الله، الناصر لدين الله، أبي عبد الله، ابن أمير المسلمين الغالب بالله، أبي عبد الله بن يوسف بن نصر، كرم الله وجهه ومثواه، ونعمه برضاه. ولد رضي الله عنه يوم الأربعاء الثالث لشعبان المكرم؛ [ [من عام خمسة وخمسين وستمائة. وتوفي قدس الله روحه، وبرد ضريحه، ضحوة يوم الإثنين الثالث لشوال؛ عام ثلاثة عشر] وسبعمائة، رفعه الله إلى منازل أوليائه الأبرار، وألحقه بأئمة الدين، لهم عقبى الدار، وصلى الله على سيدنا محمد المختار، وعلى آله، وسلم تسليماً)). ومن الجانب الآخر:
رضى الملك الأعلى يروح ويغتدي
على قبر مولانا الإمام المؤيد
مقرِّ العُلى والملك والبأس والندى
فقدس من مغنى كريم ومشهد
ومثوى الهدى والفضل والعدل والتقى
فبورك من مثوى زكي وملحد
فيا عجباً طود الوقار جلالة
ثوى تحت أطباق الصفيح المنضد
وواسطة العقد الكريم الذي له
مآثر فخر بين مثنى وموحد
محمد الرضيُّ سليل محمد
إمام النّدَى نجل الإمام محمد
فيا نخبة الأملاك غير منازعٍ
ويا علم الأعلام غير مفند
بكتك بلادٌ كنت تحمي ذمارها
بعزمٍ أصيلٍ أو برأي مسدد
وكم معلم للدين أوضحت رسمه
بنى لك في الفردوس أرفع مصعد
كأنك ما سست البلاد وأهلها
بسيرة ميمون النقيبة مهتد
كأنك ما قدت الجيوش إلى العدا
فصيرتهم نهب القنا المتقصد
وفتحت من أقطارهم كل مبهم
فتحت به باب النعيم المخلد
كأنك ما أنفقت عمرك في الرضى
بتجديد غَزْوات وتشييد مسجد
وإنصاف مظلومٍ وتأمين خائفٍ
وإصراخ مذعورٍ وإسعاف مجتد
كأنك ما أحييت للخلق سنة
تجادل عنها باللسان وباليد
كأنك ما أمضيت في الله عزمة
تدافع فيها بالحسام المهند
فإن تجهل الدنيا عليك وأهلها
بذاك ثوب الله يلقاك في غد
تعوضت ذخراً من مقام خلافة
مقيمٍ منيبٍ خاشع متعبد
وكل الورى من كان أو هو كائنٌ
صريع الردى إن يكن فكأن قَدِ
فلا زال جاراً للرسول محمد
بدار نعيمٍ في رضى الله سرمد
وهذي القوافي قد وفيت بنظمها
فيا ليت شعري هل يصيخ لمنشد
محمد بن محمد
ابن يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر
الأنصاري الخزرجي؛ ثاني الملوك الغالبين من بني نصر، وأساس أمرهم، وفحل جماعتهم.
أوليته
تقرر بحول الله في اسم أبيه؛ الآتي بعد؛ حسب الترتيب المشترط.
حاله
من كتاب طُرْفة العصر من تأليفنا، كان هذا السلطان أوحد الملوك جلالة وصرامة، وحزماً. مهد الدولة، ووضع ألقاب خدمتها، وقرر مراتبها، واستجاد واستجاد أبطالها، وأقام رسوم الملك فيها، واستدر جباياتها، مستظهراً على ذلك، بسعة الذرع، وأصالة السياسة، ورصانة العقل، وشدة الأسر ووفور الدهاء، وطول الحنكة، وتملؤ التجربة، مليح الصورة، تام الخلق، بعيد الهمة، كريم الخلق، كثير الأناة. قام بالأمر بعد أبيه، وباشره مباشرة الوزير أيام حياته، فجرى على سنن أبيه، من اصطناع أجناسه، ومداراة عدوه، وأجرى صدقاته، وأربى عليه بخلال، بخلال، منها براعة الخط، وحسن التوقيع، وإيثار العلماء، والأطباء، والعدلين، والحكماء، والكتاب، والشعراء، وقرض الأبيات الحسنة، وكثرة الملح، وحرارة النادرة. وطما بحرٌ من الفتنة لأول استقرار أمره، وكثر عليه المنتزون والثوار، وارتجت الأندلس، وسط أكلب الكفار، فصبر لزلزالها، رابط الجأش، ثابت المركز، وبذل من الاحتيال، والدهاء، المكنوفين بجميل الصبر، [ما أظفره] بخلوَّ الجو. وطال عمره، وجدَّ وجدَّ صيته، واشتهر في البلاد ذكره، وعظمت غزواته، وسَيَمُرُّ من ذكره ما يدل على أجل من ذلك إن إن شاء الله.
شعره وتوقيعه
وقفت على كثير من شعره، وهو نمطٌ مُنْحَطٌّ بالنسبة إلى أعلام الشعراء ومستظرفٌ من الملوك والأمراء. من ذلك، يخاطب وزيره:
تذكر عزيز ليٍال مضت
وإعطاءنا المال بالراحتين
وقد قصدتنا ملوك الجهاتِ
ومالوا إلينا من العُدوتين
وإذا سأل السلم منا اللَّعِين
فلم يحظ إلى بخفي حنين
وتوقيعه يشذ عن الإحصاء، وبأيدي الناس إلى هذا هذا العهد كثير من ذلك، فمما كتب به على رقعة كان رافعها يسأل التصرف في بعض الشهادات ويلح عليها:
يموت على الشهادة وهو حي
إلهي لا تمته على الشهادهْ
وأطال الخط عند إلهي إشعاراً بالضراعة عند الدعاء والجد. ويذكر أنه وقع بظهر رقعة لآخر اشتكى ضرر أحد الجند المنزلين في الدور، ونبزه بالتعرض لزوجه ((يُخرج هذا النَّازل ولا يُعَوَّض بشيء من المنازل)).
بنوه
ثلاثة: ولي عهده أبو عبد الله المتقدم الذكر، وفرج المغتال أيام أخيه، ونصر الأمير بعد أخيه.
بناته
أربع: عقد لهن، جمع أبرزهن إلى أزواجهن، من قرابتهن، تحت أحوال ملوكية، ودنيا عريضة، وهن: فاطمة، ومؤمنة، وشمس، وعائشة. وفاطمة منهن أم حفيده إسماعيل الذي ابتز ملك بنيه عام ثلاثة عشر وسبعمائة.
وزيره
كان وزيره، الوزير الجليل الفاضل، أبو سلطان، لتقارب الشبه، زعموا في السن والصورة، وفضل الذات، ومتانة الدين، وصحة الطبع، وجمال الرواء، أغنى وحسنت واسطته، ورفعت إليه الوسائل، وطرزت باسمه الأوضاع، واتصلت إلى أيامه أيام مستوزره، ثم صدراً من أيام ولي عهده.
كتابه
ولي له خطة الكتابة والرياسة العليا في الإنشاء جملةٌ، منهم: كاتب أبيه أبو بكر بن أبي عمرو اللوشي، ثم الأخوان: أبو علي الحسن، والحسين، إبنا محمد بن يوسف بن سعيد اللوشي، سبق الحسن وتلاه الحسين، وكانا توأمين، ووفاتهما متقاربة، ثم كتب له الفقيه أبو القاسم محمد بن محمد بن العابد الأنصاري، آخر الشيوخ، وبقية الصدور والأدباء، أقام كاتباً [مدة] مدة] إلى أن أبرمه انحطاطه في هوى نفسه، وإيثاره المعاقرة، حتى زعموا أنه قاء ذات يوم بين يديه. فأخره عن الرتبة، وأقامه في عداد كتابه إلى أن توفي تحت رفده. وتولى الكتابة الوزير أبو عبد الله بن الحكيم، فاضطلع بها إلى آخر دولته.
قضاته
تولى له خطة القضاء، قاضي أبيه، الفقيه العدل، أبو بكر بن محمد بن فتح الإشبيلي الملقب بالأشبرون. تولى قبل ذلك خطة السوق، فلقي سكران أفرط في قحته، واشتد في عربدته، وحمل على الناس، فأفرجوا عنه، فاعترضه واشتد عليه حتى تمكن منه بنفسه، واستنصر في حده، وبالغ في نكاله، واشتهر ذلك عنه، فجمع له أمر الشرطة وخطة السوق، ثم ولي القضاء، فذهب أقصى مذاهب الصرامة، إلى أن هلك فولي؛ خطة القضاء بعده الفقيه العدل أبو عبد الله محمد بن هشام من أهل ألش، لحكاية غبطت السلطان السلطان بدينه، ودلته على محله من العدل والفضل، فاتصلت أيام قضائه إلى أيام مستقضية، رحمه الله.
جهاده
وباشر هذا السلطان الوقائع، فانجلت ظلماتها، عن عن صبح نصره، وطرزت مواقعها بطراز جلادته وصبره، فمنها وقيعة المطران وغيرها، مما يضيق التأليف عن استقصائه. وفي شهر المحرم؛ من عام خمسة وتسعين وتسعين وستمائة، على تفئة هلاك طاغية الروم، شانجه شانجه بن أدفونش، عاجل الكفار لحين دهشهم، فحشد فحشد أهل الأندلس، واستنفر المسلمين، [فاغتنم] الداعية، وتحرك في جيش، يجر الشوك والشجر، ونازل مدينة قيجاطة وأخذ بكظمها، ففتحها الله على يديه، وتملك بسببها جملة من الحصون التي ترجع إليها، وكان وكان الفتح في ذلك عظيماً، وأسكنها جيشاً من المسلمين، وطائفة من الحامية، فأشرقت العدو بريقه. وفي صائفة عام تسعة وتسعين وستمائة، نازل مدينة القبذاق فدخل جفنها، واعتصم من تأخر أجله بقصبتها، ذات القاهرة العظيمة الشأن، الشهيرة في البلدان، فأحيط بهم، فخذلوا وزلزل الله أقدامهم، فألقوا باليد، وكانوا أمنع من عقاب الجو، وتملكها على حكمه، وهي من جلالة الوضع، وشهرة المنعة، وخصب الساحة، وطيب الماء، والوصل إلى أفلاذ الكفر، والاطلاع على عوراته، بحيث شهر. فكان تيسُّر فتحها من غرائب الوجود، وشواهد اللطف، وذلك في صلاة الظهر من يوم الأحد الثامن لشهر شوال؛ عام تسعة وتسعين وستمائة، وأسكن بها رابطة المسلمين، وباشر العمل في في خندقها بيده رحمه الله، [فتساقط الناس، من ظهور ظهور دوابهم إلى العمل، فتم ما أرید................................ منه سريعاً.
وأنشدني شيخنا أبو الحسن الجياب يهنئه بهذا الفتح:
عدوك مقهورٌ وحزبك غالب
وأمرك منصور وسهمك صائب
وشخصك مهما لاح للخلق أذعنت
لهيبته عجم الورى والأعارب
وهي طويلة].
من كان على عهده من الملوك
كان على عهده بالمغرب، السلطان الجليل، أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق، الملقب بالمنصور، وكان ملكاً صالحاً، ظاهر السذاجة، سليم الصدر، مخفوض الجناح، شارعاً أبواب الدالة عليه منهم، أشبه بالشيوخ منه بالملوك، في إخمال اللفظ، والإغضاء عن الجفوة، والنداء بالكنية. وهو الذي استولى على ملك، الموحدين، الموحدين، واجتث شجرتهم من فوق الأرض، وورث سلطانهم، واجتاز إلى الأندلس، كما تقدم مرات ثلاث أو أزيد منها، وغزا العدو، وجرت بينه وبين السلطان المترجم به أمور، من سَلْم ومناقضة، وإعتاب، وعتب، [حسبما تدل على ذلك القصائد الشهيرة المتداولة، وأولها ما كتب به على عهده، الفقيه الكاتب الصدر، أبو عمرو بن المرابط، في غرض استنفاد للجهاد:
هل من معيني في الهوى أو منجدي
من مُتْهم في الأرض أو مُنْجد]
وتوفي السلطان المذكور بالجزيرة الخضراء في عنفوان وحشة بينه وبين هذا السلطان في محرم خمسة وثمانين وستمائة، وولي بعده ولده، العظيم الهمة، القوي العزيمة، أبو يعقوب يوسف، وجاز إلى الأندلس على عهده، واجتمع به بظاهر مربلة، وتجدد العهد، وتأكد الود، ثم عادت الوحشة المفضية إلى تغلب، العدو على على مدينة طريف، فرضة المجاز الأدنى، واستمرت أيام أيام السلطان أبي يعقوب إلى آخر مدة السلطان المترجم به، ومدة ولده بعده.
وبوطن تلمسان، أبو يحيى يغمور، وهو يغمراسن ابن زيان بن ثابت بن محمد بن بندوسن بن طاع الله بن علي بن يمل، وهو أوحد أهل زمانه جرأة وشهامة، ودهاء، وجزالة، وحزماً. مواقفه في الحروب شهيرة، وكانت بينه وبين بني مرين وقائع، كان عليه فيها الظهور، وربما ندرت الممانعة، وعلى ذلك فقوي الشكيمة، ظاهر المنعة. ثم ولي بعده ولده عثمان إلى تمام مدة السلطان المترجم به، [وبعضاً من دولة ولده].
وبوطن إفريقية، الأمير الخليفة، أبو عبد الله بن أبي زكريا بن أبي حفص، الملقب بالمستنصر، المثل المضروب، المضروب، في البأس والأنفة، وعظم الجبروت، وبعد الصيت، إلى أن هلك سنة أربعة وسبعين وستمائة، ثم ولده الواثق بعده، ثم الأمير أبو إسحاق وقد تقدم ذكره. ثم كانت دولة الدَّعي ابن أبي عمارة المتوثب على ملكهم، ثم دولة أبي حفص مستنقذها من يده، وهو عمر بن أبي زكريا بن عبد الواحد، ثم السلطان الخليفة الفاضل، الميمون النقيبة، أبو عبد الله [محمد] بن بن الواثق يحيى بن المستنصر أبي عبد الله ابن الأمير زكريا.
وبوطن النصارى؛ بقشتالة؛ ألفنش بن هراندة، إلى إلى أن ثار عليه ولده شانجه، واقتضت الحال إجازة سلطان المغرب، واستجار به، وكان من لقائه بأحواز الصخرة من كورة تاكرنا ما هو معلوم. ثم ملك بعده ولده شانجه، واتصلت ولايته مدة أيام السلطان، وجرت بينهما خطوب إلى أن هلك عام أربع وسبعين وستمائة. وولي بعده ولده هراندة سبعة عشر عاماً، عاماً، وصار الملك إليه، وهو صبيٌ صغير فتنفس مخنق [ أهل] الأندلس، وغزا سلطانهم [وظهر] إلى آخر مدته. مدته.
وبرغون؛ ألفنش بن جايمش بن بطره بن جايمش المستولى على بلنسية، ثم هلك وولي بعده جايمش ولده، وهو الذي نازل مدينة ألمرية على عهد نصرٍ ولده، واستمرت أيام حياته إلى آخر مدته. وكان لا نظير له في الدهَّاء، والحزم، والقوة.
من الأحداث في أيامه
على عهده تفاقم الشَّر، وأعيا داء الفتنة، ولقحت حرب الرؤساء، الأصهار من بني إشقيلولة، فمن دونهم، وطنب سرادق الخلاف، وأصاب الأسر وفحول الثروة الرؤساء، فكان بوادي آش الرئيسان أبو محمد وأبو الحسن، وبمالقة وقمارش الرئيس أبو محمد عبد الله، وبقمارش: رئيس آخر [هو] الرئيس أبو إسحاق، فأما الرئيس أبو محمد فهلك، وقام بأمره بمالقة، ولده، وابن أخت السلطان المترجم به. ثم خرج عنها في سبيل الانحراف والمنابذة إلى ملك المغرب، ثم تصير أمرها إلى السلطان، على يد واليها من بني علي. وأما الرئيسان فصابرا المضايقة، وعزماً على النطاق والمقاطعة بوادي آش زماناً طويلاً. وكان آخر أمرهما الخروج عن وادي آش إلى ملك المغرب: معوضين بقصر كتامة، حسبما يذكر في أسمائهم. إن بلغنا الله إليه. وفي أيامه كان جواز السلطان المجاهد أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، إلى الأندلس، مغازياً ومجاهداً في سبيل الله. في أوائل عام اثنين وسبعين وستمائة، وقد فسد ما بين سلطان النصارى وبين ابنه، واغتنم المسلمون الغرَّة، واسْتُدْعِيَ سلطان المغرب إلى الجواز، ولحق به السلطان المترجم به، وجمع مجلسه بين المنتزين عليه وبينه، وأجلت الحال عن وحشة، وقضيت الغزاة، وآب السلطان إلى مستقره. وفي العام بعده، كان إيقاع السلطان ملك المغرب بالزعيم، ذُنُونَه، واستئصال شأفته، وحصد شوكته. ثم عبر البحر ثانية بعد رجوعه إلى العدوة، واحتل بمدينة طريف في أوائل ربيع الأول؛ عام سبعة وسبعين وستمائة، ونازل إشبيلية، وكان اجتماع السلطانين بظاهر قرطبة، فاتصلت فاتصلت اليد، وصلحت الضمائر، ثم لم تلبث الحال أن استحالت إلى فساد، فاستولى ملك المغرب على مالقة، بخروج المنتزي بها إليه، إلى يوم الأربعاء التاسع والعشرين لرمضان؛ عام سبعة وسبعين وستمائة. ثم رجعت إلى ملك الأندلس بمداخلة من كانت بيده ولنظره، حسبما يأتي بعد إن شاء الله. وعلى عهده نازل طاغية الروم الجزيرة الخضراء، وأخذ بمخنقها، وأشرف على افتتاحها، فدافع الله عنها، ونفس حصارها، وأجاز وأجاز الروم بحرها، على يد الفئة القليلة من المسلمين، فعظم المنح، وأسفر الليل، وانجلت الشدة، في وسط ربيع الأول من عام ثمانية وسبعة وسبعين وستمائة.
مولده
بغرناطة؛ عام ثلاثة وثلاثين وستمائة، وأيام دولته ثلاثون سنة، وشهر واحد، وستة أيام.
وفاته
من كتاب ((طرفة العصر)) من تأليفنا في التاريخ، قال: واستمرت الحال إلى أحد وسبعمائة، فكانت في ليلة الأحد الثامن من شهر شعبان في صلاة العصر، وكان السلطان رحمه الله في مصلاه، متوجهاً إلى القبلة لأداء فريضته، على أتم ما يكون عليه المسلم من الخشية والتأهب، زعموا أن شرقاً كان يعتاده لمادة كانت تنزل من دماغه، وقد رجمت الظنون في غير ذلك لتناول عشية يومه كعكاً اتخذت له بدار ولي عهده، والله أعلم بحقيقة ذلك. ودفن منفرداً، عن مدفن سلفه، شرقي المسجد الأعظم في الجنان المتصل بداره، ثم ثني بحافده السلطان أبي الوليد، وعزز بثالث كريم من سلالته، وهو السلطان أبو الحجاج بن أبي الوليد، تغمد الله جميعهم برحمته، وشملهم بواسع مغفرته وفضله.
وقفة لابد منها
بوزياني الدراجي
هنا ينتهي المجلد الأول الأصلي (تصنيف
عنان)، ويبدأ بعده المجلد الثاني الأصلي أيضاً.
وقد خصه عنان بمقدمة؛ أوضح فيها أنه يضعه
بين أيدي القراء في طبعته الثانية؛ بعد أن زوده
بحواشي تفسيرية، وإضافات مستمدة من أصول
مخطوطة عديدة. منها:
1 مخطوط أكادمية التاريخ بمدريد (مخطوط
العلامة جاينجوس) المحفوظ تحت رقم: IILXC.
2 مخطوط جامع الزيتونة بتونس؛ المحفوظ في
الوقت الحاضر بدار الكتب الوطنية تحت رقم:
3 مخطوط الإسكوريال؛ المحفوظ بمكتبة دير
سان لورنز بالإسكوريال؛ تحت رقم 8661
الغزيري، ورقم: 3761 ديرنبور.
4 مخطوط الخزانة الملكية بالرباط؛ المحفظ بها
تحت رقم: 0481.
وذكر عنان: أنه اتخذ مخطوط جاينجوس
أساساً لتدوين ومقارنة نص المجلد الثاني هذا.
وبذلك يكون قد سار على النهج نفسه؛ المتبع
في المجلد الأول.
وقد ذَكَّر بأنه لا يوجد من بين تلك
الأصول المخطوطة ما يشتمل على المجلد الثاني
بصورة مستقلة تماماً؛ سوى مخطوط جامع
الزيتونة؛ الذي يقدم للباحثين كتاب الإحاطة
ضمن أجزاء ثلاثة متتابعة. لأن هذا المخطوط
يوصف وإن كان ذلك بالخطأ أنه النسخة
الفريدة في العالم الكاملة من كتاب الإحاطة.
وقد سبق الحديث عن هذا في المجلد الأول.
حيث اتضح أن هذا المخطوط؛ تشوبُه بعض
النقائص، وينتابه شيء من التصحيف؛ بالإضافة إلى
عدم اكتماله؛ في مقابل مخطوط الإسكوريال مثلاً.
وقد اختير هنا المسار الضمني نفسه؛
الذي خطه عنان؛ كما روعي فيه التبويب
الداخلي ذاته؛ المتبع من قبله؛ في الطبعة الأصلية
الثانية. حيث التزم عنان فيه بنظام الأسفار
المُعَد من قبل المؤلف (ابن الخطيب). وهذا لا
علاقة له بوضع المجلدات الأربعة؛ التي اختارها
المحقق.
ولكي ينجلي المقصود؛ يستحسن توضيع ما
عمله عنان بشكل مختصر. حيث نأى بنفسه
عن اتخاذ مخطوط الزيتونة أساساً فريداً في
تصفيف المجلد الثاني هذا. واتبع طريقاً؛ رأى
أنه الصواب.
وعليه فقد بوَّب الكتاب بالشكل الذي
يريحه؛ مع أن تبويب ابن الخطيب؛ بُنِيَ على أن
كتاب الإحاطة مُصنَّف إلى اثني عشر سفراً؛ هي
عبارة عن أجزاء متقاربة في أحجامها؛ باستثناء
السفر الأخير؛ الذي يحتوي على تراجم ثمان؛
بينما تتشكل بقية الأسفار من أربعين ترجمة
تقريباً في كل سفر.
المهم؛ أن تقسيم المجلدات الأربعة؛ هو من
ابتكار عنان شخصياُ؛ حتى وإن كان قد التزم
بنظام الأسفار المُعَد أصلاً من قبل ابن
الخطيب. فكل مجلد يشتمل على أسفار منها.
وقد صرح عنان بذلك في مقدمة المجلد الثاني؛
حيث قال:
((هذا وقد رأينا أن نفتتح المجلد الثاني؛
بترجمة السلطان محمد بن يوسف بن إسماعيل
ابن فرج بن إسماعيل بن فرج بن يوسف
ابن نصر الخزرجي (السلطان محمد الغني
بالله)؛ سلطان ابن الخطيب. هذا في حين أن
النصف الأول من ترجمة هذا السلطان؛ يرد في
نهاية الجزء الأول من مخطوط الزيتونة؛ في
اللوحات الخمس عشرة الأخيرة (ص 603 533).
ونحن قد وقفنا بالمجلد الأول عند ترجمة
السلطان (محمد بن محمد بن يوسف بن محمد
ابن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر
الأنصاري الخزرجي)؛ ثاني الملوك النصريين)).
وعلى هذا؛ وجدنا أن التصرف في عدد
المجلدات؛ لا يمس بأصل الكتاب كما وضعه ابن
الخطيب. لأن هذا الأخير صنف كتابه إلى اثني
عشر سفراً بأحجام صغيرة؛ جمعت في مخطوط
الزيتونة ضمن ثلاثة مجلدات، وفي الإسكوريال
ضمن مجلدين؛ والطبعة المصرية قبل طبعة
عنان في مجلدين؛ بينما جعلها هذا الأخير
أربعة مجلدات. وكل هذا من باب الاجتهاد
والتصرف.
وقد رأينا في هذا العمل الأخير إعادة
تصنيف الإحاطة؛ وطبعها في خمسة مجلدات؛
وذلك تجاوباً مع عوامل عديدة: منها شكل
المحتوى والإخراج الداخلي، وظروف الطباعة،
وحجم المجلد.. إلخ.
بوزياني الدراجي
محمد بن يوسف
ابن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن فرج بن يوسف بن نصر الخزرجي أمير المسلمين لهذا العهد بالأندلس، صدر الصدور، وعلم الأعلام، وخليفة الله، وعماد الإسلام، وقدوة هذا البيت الأصيل، ونير
هذا البيت الكريم، ولباب هذا المجد العظيم، ومعنى الكمال،
وصورة الفضل، وعنوان السعد، وطاير اليمن، ومحول الصنع،
الذي لا تبلغ الأوصاف مداه، ولا توفى العبارة حقه،
ولا يجري النظم والنثرفي ميدان ثنايه،
ولا تنتهي المدائح إلى عليائه.
أوليته
أشهر من إمتاع الضحى، مستولية على المدا، بالغلة بالسعة بالانتساب إلى سعد بن عبادة عنان السماء، مبتجحة في جهاد العدا؛ بحالة من ملك جزيرة الأندلس، وحسبك بها، وهي بها في أسنى المزاين والحَلْي، وقدماً فيه بحسب لمن سمع ورأى.
حاله
هذا السلطان أيمن أهل بيته نقيبة، وأسعدهم ميلاداً وولاية، قد جمع الله له بين حسن الصورة، واستقامة البنية، واعتدال الخلق، وصحة الفكر، وثقوب الذهن، ونفوذ الإدراك. ولطافة المسايل، وحسن التأني؛ وجمع له من الظَّرْف ما لم يجمع لغيره، إلى الحلم، والأناة اللذين يُحِبُّهُما الله، وسلامة الصدر، التي هي من علامة الإيمان، ورقة الحاشية، وسرعة العبرة، والتبريز في ميدان الطهارة والعفة، إلى ضخامة التنجد، واستجادة الآلات، والكلف بالجهاد، وثبات القدم، وقوة الجأش ومشهور البسالة، وإيثار الرفق، وتوخي السداد، ونجح المحاولة. زاده الله من فضله، وأبقى أمره في ولده، وأمتع المسلمين بعمره. ساق الله إليه الملك طواعية واختياراً، إثر صلاة عيد الفطر على بَغْتَةٍ وفاة المقدس أبيه، من عام خمسة وخمسين وسبعمائة، لمخايل الخير، ومزية السن، ومظنة البركة، وهو يافع، قريب العهد بالمراهقة، فأنبته الله النبات الحسن، وسَدَل به الستر؛ وسوغ العافية، وهنأ العيش؛ فلم تشح في مدته السماء، ولا كَلِب الأعداء، ولا تبدلت الألقاب، ولا عونيت الشدائد، ولا عرف الخوف، ولا فورق الخصب، إلى أن كانت عليه الحادثة، ونابه التمحيص، الذي أكسبه الحنكة، وأفاده العبرة، فشهد بعناية الله في كف الأيدي العادية، وأخطأ ألم السهام الراشقة، وتخييب الآمال المكايدة، وانسدال أروقة الستر والعصمة، ثم العودة، الذي عرف الإسلام، بدار الإسْلاَم قدرها، وتملأ عزها، ورَجَحَ وزنها، كما اختبر ضدها فرصة الملك، وشاع العدل، وبعد الصيت، وانتشر الذكر، وفاض الخير؛ وغزر القطر، فظهرت البركات، وتوالت الفتوح، وتخلدت الآثار. وسيرد من بيان هذه الجمل، ما يسعه الترتيب بحول الله.
ترتيب دولته الأولى
إذ هو ذو دولتين، ومسوغ ولايتين، عززهما الله، بملك الآخرة، بعد العمر الذي يملأ صحايف البر، ويخلد حسن الذكر، ويعرف إلى الوسيلة، ويرفع في الرفيق
الأعلى الدرجة، ﴿عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا، وَعَلَى رَبَّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
وزراؤه وحجابه
أنتدب إلى النيابة عنه، والتشمير إلى الحجابة ببابه، الشيخ القايد المعتمد بالتجلة، المتحول من الخدام النبهاء، المتسود الأبوة، المخصوص بالقِدْح المعلى من المزية، المسلم له في خصوصية الملك والتربية، ظهير العِلْمِ والأدب، وأمين الجد، ومولى السلف، ومفرغ الرأي إلى هذا العهد، وعقد سُفْرَةٍ السلطان، وبقية رجال الكمال من مشيخة المماليك، وخيار الموالي، أبا النعيم رضوان رحمه الله. فحمد الكل، وخلف السلطان، وأبقى الرتب، وحفظ الألقاب، وبذل الإنصاف، وأوسع الكنف، واستدعى النصيحة، ولم يأل جهداً في حسن السيرة، وتظاهر المحض، وأفردني بالمَزِيَّة وعاملني بما يرتد عنه جسر أطرف الموالاة والصحبة، ووفى لي الكيل الذي لا يقتضيه السن، والقربة من الاشتراك في الرُّتْبَة، والتزحزح عن الهضبة، والاختصاص باسم الوزارة على المشهر والغيبة، والمحافظة على التشيع والقدمة، بلغ في ذلك أقصى الغايات. مدارج التخلق المأثور عن الجلة، والتودد إلى المرة بعد المرة، واختصصت بفوت المدة بالسلطان، فكنت المنفرد بسره دونه، ومفضي همه، وشفاء نفسه، فيما ينكره من فتنة تقع في سيرته، أو تصير توجيه السذاجة في معاملاته، وصلاح ما يتغير عليه من قلبه، إلى أن لحق بربه.
شيخ الغزاة ورئيس الجند الغربي
لأول أمره
أقر على الغزاة شيخهم على عهد أبيه، أبا زكريا يحيى بن عمر بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق، مطمح الطَّواف، وموفي الاختيار، ولباب القوم، وبقية السلف. حزماً ودهاء، وتجربة وحُنْكَة وجدّاً وإدْراكاً ناهيك من رجل فذ المنازع، غريبها، مستحق التقديم، شجاعة وأصالة، ورأياً ومباحثة، نسابة قبيله، وأضحى قسَّهم، وكسرى ساستهم، إلى لطف السجية، وحسن التأني، لغرض السلطان، وطرق التنزل للحاجات، ورقة غزل الشفاعات. وإمتاع المجلس، وثقوب الذهن والفهم، وحسن الهيئة. وزاده خصوصية ملازمته مجلس الرَّقاع المعروضة. والرسل الواردة. وسيأتي ذكره في موضعه بحول الله تعالى.
كاتب سره
قمت لأول الأمر بين يديه بالوظيفة التي أسنَدَها إليّ أبوه المولى المقدس، رحمه الله، من الوقوف على رأسه، والإمساك في التهاني والمبايعة بيده. والكتابة والإنشاء والعرض والجواب. والخلعة والمجالسة، جامعاً بين خدمة القلم، ولقب الوزارة، معزز الخطط برسم القيادة، مخصوصاً بالنيابة عنه في الغيبة، على كل ما اشتمل عليه سور القلعة والحضرة، مطلق أمور الإيالة، محكماً في أشتاته تحيكم الأمانة، مطلق الجراية، ظاهر الجاه والنعمة. ثم تضاعف العز، وتأكد الرعي، وتمحض القرب، فنقلني من جلسة المواجهة، إلى صف الوزارة؛ وعاملني بما لا مزيد عليه من العناية، وأحلني المحل الذي لا فوقه في الخصوصية، كافأ الله فضله، وشكر رعيه، وأعلى محله عنده. وأصدر لي هذا الظهير لثاني يوم ولايته: هذا ظهير كريم، صفي شربه. وسفرني في الرسالة عنه، إلى السلطان، الخليفة الإمام، ملك المغرب، وما إليه من البلاد الإفريقية، أبي عنان، حسبما يأتي ذكره. ثم أعفاني في هذه المدة الأولى، عن كثير من الخدمة، ونوه بي عن مباشرة العرض بين يديه بالجملة، فاخترت للكل والبدلة، وما صان عنه في سبيل التجلة، وإن كان منتهى أطوار الرفعة، الفقيه أبا محمد بن عطية، مستنزلاً عن قضاه وادي آش وخطابتها، فكان يتولى ما يكتب بنظري، وراجعاً لحكمي، ومتردداً لبالي، مكفى المؤنة في سَبيلِ الحمل الكلي، إلى وقوع الحادثة، ونفوذ المشيئة بتحويل الدولة.
قضاته
جدد أحكام القضاء والخطابة لقاضي أبيه الشيخ الأستاذ الشريف، نسيج وحده، وفريد دهره، إغْراباً في الوقار، وحُسْن السَّمْت وأصالة البيت، وتبحراً في علوم اللسان، وإجهازاً في فصل القضايا، وانفراداً ببلاغة الخطبة، وسبقاً في ميدان الدهاء والرجاحة، أبي القاسم محمد بن أحمد بن محمد الحسني، الجانح إلى الإيالة النصرية من مدينة سبتة. وسيأتي التعريف به في مكانه إن شاء الله. وتوفي رحمه الله بين يدي حدوث الحادثة، فأرجئ الأمر بمكانه، إلى قدوم متلقف الكرة، ومتعاور تلك الخطة، الشيخ الفقيه القاضي، أبي البركات قاضي أبيه. ووليها الأحق بها بعده، إذ كان غايباً في السفارة عنه، فوقع التمحيص قبل إبرام الأمر على حال الإستنابة.
الملوك على عهده
وأولهم بالمغرب: السلطان، الإمام، أمير المسلمين، أبو عنان ابن أمير المسلمين أبي الحسن ابن أمير المسلمين أبي سعيد ابن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب ابن عبد الحق، البعيد الشأو في ميدان السعادة، والمُصْمي أغراض السداد، ومعظم الظفر، ومخول الموهبة، المستولي على آماد الكمال، عقلاً وفضلاً وأبهةً ورواءاً، وخطاً وبلاغة، وحفظاً وذكاء وفهماً وإقدامًاً، تغمده الله برحمته. بعثني إلى بابه رسولاً على إثر بيعته، وتمام أمره، وخاطباً إثره ووده، مسترفداً من منحة قبوله، قبوله، فألفيت بشراً مبذولا، ورفداً ممنوحاً، وعزاً باذخاً، يضيق الزمان عن جلالته، وتقصر الألسنة عن كنه وصفه، فكان دخولي عليه في الثامن والعشرين من شهر ذي قعدة؛ عام خمسة وخمسين المذكور، وأنشدته بين يدي المخاطبة، ومضمن الرسالة:
خليفة الله ساعد القدر
علاك ما لاح في الدجا قمر
فأحسب وكفى، واحتفل واحتفى، وأفضت بين يدي كرمته، إلى الحضور معه في بعض المواضع المطلة على مورد رحب. هاج به الخدام أسداً، أرْوَد، شَثْن الكفَّيْن مُشْعر اللَّبدة، حتى مرق عن تابوت خشبي كان مسجونا به، من بعد إقلاعه، من بعض كُواه، وأثارته من خلفه، واستشاط وتوقد بأساً. وجُلِب ثور عَبِلُ الشَّوَى، الشَّوَى، منتصب المروى، يقدمه صُوارٌ من الجواميس، الجواميس، فقربت الخُطا، وحميت الوغى، وبلغ الزئير والجوار ما شاء، في موقف من ميلاد الشيم العلى يخشى يخشى الجبان مقارعة العدا، ويوطن نفسه الشجاع على ملاقاة الردى، وخار الأسد عن المبارزة، لما بلغ منه ثقافاً عن رد المناوشة، ومضطلعاً بأعباء المحاملة، فتخطاه إلى طائفة من الرجالة، أولي عدة، وذوي دُرْبَةٍ، حمل نفسه متطارحاً كشهاب الرجم، وسرك الدجا، وأخذته رماحهم بإبادته، بعد أن أردى بعضهم، وجدل بين يدي السلطان، متخبطا في دمه. وعرض بعض الحاضرين، وأغرى بالنظم في ذلك، فأنشدته:
أنعام أرضك تقهر الآسادا
طبعاً كسا الأرواح والأجسادا
وخصايص لله بث ضروبها
في الخلق ساد لأجلها من سادا
إن الفضايل في حماك بضايع
لم تخش من بعد النفاق كسادا
كان الهزبر محارباً فجزيته
بجزاء من في الأرض رام فسادا
فابغ المزيد من آلايه بشكره
وأرغم بما خولته الحسادا
فستحسن تأتي القريحة، وإمكان البديهة، مع قيد الصفة، وهيبة المجلس. وكان الانصراف بأفضل ما عاد به سفير، من واد أصيل، وإمداد موهوب، ومهاداة أثيرة وقطار مجنوب، وصامت محمول، وطعمة مسوعة. وكان الوصول في وسط محرم من عام ستة وخمسين وسبعماية، وقد نجح السعي، وأثمر الجهد، وصدقت المخيلة، وقد تضمن رحلي الوجهة، والأخرى قبلها جزء. والحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة. وتوفي زعموا بحيلة، وقيل حتف أنفه، لما نهكه المرض، وشاع عنه الإرجاف، وتنازع ببابه الوزراء، وتسابق إلى بابه الأبناء. وخاف مدبر أمره، عايدة ملامته، على توقع برئه، وكان سيفُه يسبق على سوطه، والقبر أقرب إلى من تعرض لعتبه من سجنه، فقضى موضع هذا السبيل خاتمة الملوك الجلة، من أهل بيته. جدد الملك، وحفظ الرسوم، وأجرى الألقاب، وأغلظ العقاب، وصير إيالته أضيق من الخَدَّ. وأمد الأندلس، وهزم الأضداد، وخلد الآثار، وبنى المدارس والزوايا، واستجلب الأعلام. وتحرك إلى تلمسان فاستضافها إلى إيالته، ثم ألحق بها قسنطينة وبجاية، وجهز أسطوله إلى تونس، فدخلها وتملكها ثقاته في رمضان؛ عام ثمانية وخمسين وسبعمائة، واستمرت بها دعوته إلى ذي قعدة من العام. رحمة الله عليه. وكانت وفاته في الرابع عشر لذي حجة؛ من عام تسع وخمسين وسبعمائة. وصار الأمر إلى ولده المسمى بالسعيد، المكنى بأبي بكر، مختار وزيره ابن عمر الفدووي. ورام ضبط الإيالة المشرقية فأعياه ذلك، وبايع الجيش الموجه إليها منصور بن سليمان، ولجأ الوزير وسلطانه إلى البلد الجديد، مثوى الخلافة المرينية، فكان أملك بها. ونازله منصور بن سليمان، ثم استفضى إليه أمر البلد لحزم الوزير وقوة شكيمته. وغادر السلطان أبو سالم إبراهيم بن السلطان أبي الحسن أخو الهالك السلطان أبي عنان الأندلس، وقد كان استقر بها بإبعاد أخيه إياه عن المغرب، كما تقدم في اسمه، فطلع على الوطن الغربي بإعانة من ملك النصارى، عانى فيها هولاً كثيراً، واستقر بآخرة بعد إخفاق شيعته المراكشيةِ، بساحل طنجة، مستدعًى ممن بجبال غمارة، ودخلت سبتة وطنجة في طاعته. وفرّ الناس عن منصور بن سليمان، ضربة لازب، وتقبض عليه وعلى ابنه، فقتلا صبراً، نفعهما الله. وتملك السلطان أبو سالم المدينة البيضاء يوم الخميس عشر لشعبان؛ عام ستين وسبعمائة، بنزول الوزير وسلطانه عنها إليه. ثم دالت الدولة. وكان من لحاق السلطان برندة، واستعانته على رد ملكه ما يأتي في محله، والبقاء لله سبحانه.
وبتلمسان؛ السلطان أبو حمو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن يحيى بن يغمراس بن زيان؛ قريب العهد باسترجاعها، لأول أيام السعيد.
وبتونس؛ الأمير إبراهيم ابن الأمير أبي بكر ابن الأمير أبي حفص ابن الأمير أبي بكر بن أبي حفص بن إبراهيم بن أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد، لنظر الشيخ رأس الدولة، وبقية الفضلاء، الشهير الذكر، الشائع الفضل، المعروف السياسة، أبي محمد عبد الله بن أحمد ابن تافراقين. تحت مضايقة من عرب الوطن.
ومن ملوك النصارى بقشتالة؛ بِطْرُه بن ألهنشة بن هِراندة بن شانجه بن ألفنش بن هراندة، إلى الأربعين، وهو كما اجتمع وجهه، تولى الملك على أخريات أيام أبيه في محرم؛ عام أحد وخمسين وسبعمائة. وعقد معه سلم على بلاد المسلمين. ثم استمر ذلك بعد وفاته في دولة ولده المترجم به، وغمرت الروم. وألقت العصا، وأغضت القضاء، وأجالت على الكثير من الكبار الردى، بما كان من إخافته ساير إخواته لأبيه، من خاصته، العجلة الغالبة على هواه، فنبذوه على سوء بعد قتلهم أمهم، وانتزوا عليه بأقطار غرسهم فيها أبوهم قبل موته بمرعية أمهم. وسلك لأول أمره سيرة أبيه في عدوله عن عهوده بمكابيه لمنصبه، إلى اختصاص عجلة، أنف بحراه كبار قومه، من أجل ضياع بذره وانقراض عقبه، فمال الخوارج عليه، ودبروا القبض عليه، وتحصل في أنشوطة، يقضي أمره بها إلى مطاولة عقله أو عاجل خلع، لولا أنه أفلت وتخلص من شراراها. فاضطره ذلك إلى صلة السلم، وهو الآن بالحالة الموصوفة.
الأحداث في أيامه
لم يحدث في أيامه حدث إلا العافية المُسِحَّة والهدنة المتصلة، والأفراح المتجددة، والأمنة المستحكمة، والسلم المنعقدة. وفي آخر جمادى؛ عام ست وخمسين وسبعمائة لحق بجبل الفتح فشمم شعبته، وأبرَّ مَتْبوته، مَتْبوته، كان على ثغره العزيز على المسلمين، من لدن افتتاحه، الموسوم الخطة، المخصوص بمزية تشييده، عيسى بن الحسن بن أبي منديل، بقية الشيوخ أولي الأصالة والدهاء، والتزيي بزي الخير، والمثل الساير في الانسلاخ من آية السعادة، والإغراق في سوء العقبى. والله غالب على أمره، فكان أملك بمصامَّه، وقر عينه بلقاء ولده، والتمتع منه بجواد عتيق. مُلَّي من خلال السياسة، أرداه سوء الحظ، وشؤم النصبة، وأظلم ما بينه وبين سلطانه، مسوغه برداء العافية على تفه صغر، وملبسه رداء العفة على قدح الأمور، أبدى منها الخوف على ولده، وعرض ديسم عزمه، على ذوبان الجبل، فانحطوا في هواه، وغروه بكاذب عصبة، فأظهر الامتناع سادس ذي قعدة؛ من العام المذكور، واتصلت الأخبار، وساءت الظنون، وضاقت الصدور، ونكست الرؤوس لتوقع الفاقرة، بانسداد باب الصريخ، وانبتات سبب النصرة، وانبعاث طمع العدو وانحطت الأطماع في استرجاعه واستقالته، لمكان حصانته، وسمو الذروة، ووفور العدة، ووجود الطعمة، وأخذه بتلاشي الفرصة. ثم ردفت الأخبار بخروج جيشه صحبة ولده إلى منازلة أُشْتبونة، وإخفاق أمله فيها. وامتساك أهلها بالدعوة، وانتصافهم من الطائفة العادية؛ فبودر إليها من مالقة بالعدد. وخوطب السلطان من ملك المغرب أيده الله بالجلية، فتحققت المنابذة، واستقرت الظنون. وفي الخامس والعشرين من شهر ذي قعدة، ثار به أهل الجبل وتبرأ منه أشياعه، وخذلوه بالفرار، فأخذت شعابه ونقابه، فكر راجعاً أدراجه إلى القاعدة الكبيرة؛ وقد أعجله الأمر، وحملته الطمأنينة على إغفال الاستعداد بها. وكوثر؛ فألقي به وقد لحق به؛ بعض الأساطيل بسبتة. لداعي تسور تُوطى على إمارته، فقيد هو وأبنه، وخيض بهما البحر للحين: (ولم ينتطح فيها عنزان)، رحمه الله، سنام فئة ألقت بَرْكَها، وأناخت بكلكلها، وقد قدر أنها واقعة،
﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ﴾، فقد كان من بالجبل
برموا على إيالة ذينك المرتسمين. وألقوا أجوارها، وأعطوهما الصفقة، بما أطمعهما في الثورة، ولكُلَّ أجَلٍ كَتَابُ. واحتمل إلى الباب السلطاني بمدينة فاس، وبرز الناس إلى مباشرة إيصالهما مجلوبين في منصة الشهرة، مرفوعين في هضبة المثلة. ثم أمضى السلطان فيهما حكم الفساد، بعد أيام الحرابة، فقتل الشيخ بخارج باب السمارين من البلد الجديد. بأيدي قرابته. فكان كما قال الأُوَل:
أضحت رماح بني أبيه تنوشه
لله أرحام هناك تشقق
وقطعت رجل الولد ويده. بعد طول عمل وسوء تناول، ولم ينشب أن استنقذه حمامه؛ فأضحى عبرة في سرعة انقلاب حالهما من الأمور الحميدة، حسن طلعة، وذياع حمد، وفضل شهرة. واستفاضة خيرية، ونباهة بيت، وأصالة عز، إلى ضد هذه الخلال. وقانا الله مصارع السوء، ولا سلب عنا جلباب الستر والعافية. وسد السلطان ثغر الجبل بآخر من ولده اسمه السعيد، وكنيته أبو بكر، فلحق به في العشر الأول من المحرم من عام سبعة وخمسين وسبعمائة، ورتب له بطانته، وقدر له أمره، وسوغه رزقاً رغداً، وعيشاً خفضاً. وبادر السلطان المترجم له، إلى توجيه رسوله؛ قاضياً حقه، مقرر السرور بجواره، وأتبع ذلك ما يليق من الحال من برّ ومهاداة ونزل، وتعقبت بعد أيام المكافآت، فاستحكم الود، وتحسنت الألفة إلى هذا العهد. والله ولي توفيقهم ومسني الخير والخيرة على أيديهم.
الحادثة التي جرت عليه
واستمرت أيامه كأحسن أيام الدول، خفض عيش، وتوالي خصب، وشياع أمن، إلا أن شيخ الدولة القايد أبا النعيم رحمه الله، أضاع الحزم. وإذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره، سلب ذوي العقول عقولهم، بما كان من أمنه جانب القصر الملزم دار سكناه، من علية فيها أخو السلطان، بتهاونه يحيل أمه المداخلة في تحويل الأمر إليه، جملة من الأشرار، دار أمرهم على زوج ابنتها الرئيس محمد بن إسماعيل بن فرج من القرابة الأخلاف، وإبراهيم ابن أبي الفتح. والدليل الموروري؛ وأمدته بالمال، فداخل القوم جملة من فرسان القيود، وعمرة السجون، وقلاميد الأسوار. وكانت تتردد إليه في سبيل زيارة بنتها الساكنة في عصمة هذا الخبيث، المنزوع العصمة، خارج القلعة حتى تم يوم الأربعاء الثامن والعشرين لرمضان من العام، اجتمعوا وقد خفي أمرهم، وقد تألفوا عددا يناهز الماية بالقوس الداخل من وادي هَدَارُّه إلى البلد، لصق الجناح الصاعد منه إلى الحمراء، وكان بسورها ثلم، لم يتم ما شرعوا فيه من إصلاحه؛ فنصبوا سلماً أعد لذلك، وصعدوا منه. ولما استوفوا، قصدوا الباب المضاع المسلحة، للثقة بما قبله؛ فلما تجاوزوه أعلنوا بالصياح، واستغلظوا بالتهويل. وراعوا الناس بالاستكثار من مشاعل الخلفاء، فقصدت طايفة منهم دار الشيخ القايد أبي النعيم؛ فاقتحمته غلاباً وكسرت أبوابه؛ وقتلته في مضجعه، وبين أهله وولده، وانتهبت ما وجدت به. وقصدت الأخرى دار الأمير، الذي قامت بدعوته، فاستنجزته واستولت على الأمر. وكان السلطان متحولاً بأهله إلى سكنى جنة العريف خارج القلعة، فلما طرقه النبأ، وقرعت سمعه الطبول سدده الله؛ وساند أمره في حال الحيرة، إلى امتطاء جواد كان مرتبطاً عنده في ثياب تبذله ومصاحباً لأفراد من ناسه؛ وطار على وجهه، فلحق بوادي آش قبل سبوق نكبته، وطرق مكانه بأثر ذلك، فلم يلف فيه، واتبع فأعيا المتبع. ومن الغد، استقام الأمر لأولي الثورة، واستكملوا لصاحبهم أمر البيعة، وخاطبوا البلاد فألقت إلى صاحبهم أمر البيعة، وخاطبوا البلاد فألقت إلى صاحبهم بالأزمة، وأرسلوا إلى ملك النصارى في عقد الصلح. وشرعوا في منازلة وادي أش، بعد أن ثبت أهلها مع المعتصم بها، فلازمته المحلات وولي عليه التضييق. وخيف فوات البدر ونفاد القوة، فشرع السلطان في النظر لنفسه، وخاطب السلطان أبا سالم ملك المغرب في شأن القدوم عليه، فتلقاه بالقبول؛ وبعث من يمهد الحديث في شأنه، فتم ذلك ثاني يوم عيد النحر من العام. وكنت عند الحادثة على السلطان، ساكناً بجنتي المنسوبة إليّ من الحضرة، منتقلاً إليها بجملتي، عادة المترفين، إذ ذاك من مثلي، فتخطانى الحتف، ونالتني النكبة، فاستأصلت النعمة العريضة، والجدة الشهيرة، فما ابتقت طارفاً ولا تليداً، ولا ذرت قديماً ولا حديثاً، والحمد لله مخفف الحساب، وموقظ أولي الألباب، ولطف الله بأن تعطف السلطان بالمغرب إلى شفاعة بي بخطه، وجعل أمري من فصول قصده. ففكت عني أصابع الأعداء، واستخلصت من أنيابهم، ولحقت بالسلطان بوادي آش. فذهب البأس، واجتمع الشمل. وكان رحيل الجميع ثاني عيد النحر المذكور، فكان النزول بفحص ألفنت، ثم الانتقال إلى لوشة، ثم إلى أنتقيره، ثم إلى ذكوان، ثم إلى مربلة؛ يضم أهل كل محل من هذه مأتماً للحسرة، ومناحة للفرقة. وكان ركوب البحر صحوة الرابع والعشرين من الشهر، والاستقرار بمدينة سبتة، وكفى
بالسلامة غنماً، والأرْض لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. وكان الرحيل إلى باب السلطان، تحت بر لا تسعه العبارة، ولقاؤنا إياه بظاهر البلد الجديد لإلمام ألم عاقه عن الإصحار والتغني على البعد، يوم الخميس السادس لمحرم؛ من عام أحد وستين بعده. في مركب هايل، واحتفال رايع رايق، فعورض فيه النزول عن الصهوات، والبر اللايق بمناصب الملوك، والوصول إلى الدار السلطانية، والطعام الجامع للطبقات وشيوخ القبيل. وقمت يومئذ فوق رأس السلطان، وبين يدي مؤمله، فأنشدته مغرياً بنصره، كالوسيلة بقولي:
سلا هل لديها من مخبرة ذكر
وهل أعشب الوادي ونم به الزهر
فهاج الامتعاض، وسالت العبرات، وكان يوماً مشهوداً، وموقفاً مشهوراً، طال به الحديث، وعمرت به النوادي، وتوزعتنا النزايل على الأمل، شكر الله ذلك وكتبه لأهله، يوم الافتقار إلى رحمته. واستمرت الأيام، ودالت الدولة للرئيس بالأندلس، والسلطان تغلبه المواعيد، وتونسه الآمال، والأسباب تتوفر، والبواعث تتأكد. وإذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه، واستقرت بي الدار بمدينة سلا، مرابطاً مستمتعاً بالغيبة، تحت نعمة كبيرة، وإعفاء من التكليف. وفي اليوم السابع لشوال؛ من عام التاريخ، قعد السلطان بقبة العرض بظاهر جنة المصارة لتشييعه، بعد اتخاذ ما يصلح لذلك؛ من آلة وحلية، وقد برز الخلق، لمشاهدة ذلك الموقف المسيل للدموع، الباعث للرقة؛ المتبع بالدعوات، لما قذف الله في القلوب من الرحمة، وصحبه به في التغرب من العناية، فلم تنب عنه عين، ولا خمل له موكب، ولا تقلصت عنه هيبة، ولا فارقته حشمة، كان الله له في الدنيا الآخرة؛ وأجاز. واضطربت الأحوال؛ بما كان من هلاك معينه السلطان أبي سالم، وغدر الخبيث المؤتمن على قلعته به، عمر بن عبد الله بن علي، صعر الله حزبه، وخلد خزيه، وسقط في يده. إلا أنه ثبتت في رُندة من إيالة الأندلس، الراجعة إلى إيالة المغرب قدمه، فتعلل بها، وارتاش بسببها، إلى أن فتح الله عليه، وسدد عزمه، وأراه لما ضعفت الحيل صنعه. فتحرك إلى بر مالقة؛ وقد فغر عليها العدو فمه؛ ثم أقبل على مالقة، مستميتاً دونها؛ فسهل الله الصعب، وأنجح القصد، واستولى عليها. وانثالت عليه لحينها البلاد، وبدا الريس المتوثب على الحضرة، بعد أن استوعب الذخيرة والعدّة، في جملة ضخمة ممن خاف على نفسه؛ لَوْ وَفَّى بذمة الغادر وعهده؛ واستقر بنادي صاحب قشتالة؛ فأخذه بجريرته؛ وحكم الحيلة في جنايته وغدره، وألحق به من شاركه في التَّسَوّر من شيعته. ووجه إلى السلطان برؤوسهم تبع رأسه. وحث السلطان أسعده الله خطاه إلى الحضرة، يتلقاه الناس، مستبشرين، وتتزاحم عليه أفواجهم مستقبلين مستغفرين. وأحق الله الحق بكلماته، وقطع دابر الكافرين. وكان دخول السلطان دار ملكه، وعوده إلى أريكة سلطانه، وحلوله بمجلس أبيه وجدّه، زوال يوم السبت الموفي عشرين لجمادى الثانية من عام ثلاثة وستين وسبعمائة، جعلنا الله من همّ الدنيا على حذر، وألهمنا لما يخلص عنده من قول وعمل. وتخلف الأمير وولده بكره، أسعده الله، بمدينة فاس فيمن معه من جملة، وخلفه من حاشية؛ ولد المستولي على ملك المغرب في إمساكه إلى أن يسترجع رُندة في معارضة هدفه. ثم إن الله جمع لأبيه بجمع شمله، وتمم المقاصد بما عمه من سعده. وكان وصولي إليه معه، في محمل اليمن والعافية، وعلى كسر التيسير من الله والعناية يوم السبت الموفى عشرين شعبان؛ عام ثلاثة وستين وسبعمائة.
ترتيب الدولة الثانية
السعيدة الدور إلى بيعة الكور
هنأ المسلمين ببركتها الوافرة، ومزاياها المتكاثرة. السلطان أيده الله قد مرّ ذكره، ويسر الله من ذلك ما تيسر.
وزراؤه
اقتضى حزمه إغفال هذا الرسم جملة، مع ضرورته في السياسة، وعظم الدخول، حذراً من انبعاث المكروه له من قبله، وإن كان قدم بهذا اللقب في طريق منصرفه إلى الأندلس، وإياماً من مقامه برندة، فنحله عن كره، علي بن يوسف بن كماشة، من عتاق خدامه وخدام أبيه، مستصحباً إياه، مسدول التجمل على باطن نفرة، مختوم الجرم، على شوكه، في حطبه في حبل المتغلب، وإقراضه السيئة من الحسنة، والمنزل الخشن، إلى الإنفاق منه على الخلال الذميمة، ترأسها خاصة الشوم، علاوة على حمل الشيخ الغريب الأخبار، والطمع في أرزاق الدور، والاسترابة بمَوَدَّة الأب، وضيق العطن، وقصر الباب، وعي اللسان، ومشهور الجبن. ولما وقع القبض، وساء الظن، بعثه من رندة إلى الباب المريني ليخلي منه جنده، ويجس مرض الأيام، بعد أن نقل من الخطة كعبه، فتيسر بعد منصرفه الأمر، وتسني الفتح. وحمله الجشع الفاضح، والهوى المتبع، على التشطط لنفسه، والكدح لخُوَيْصَتِه بما أقطعه الجفوة، وعسر عليه العودة على السلطان بولده، إلى أن بلغ الخبر برجوع أمره، ودخول البلاد في طاعته. فألقى ما تعين إليه، وأهوى به الطمع البالغ في عرش الدولة، ويرتاش في ريق انتقامها. وتحرك وراية الإخفاق خافقة على رأسه، قطب مخلصه، وجؤجوة عوده، من شيخ تدور بين فتكه رحى جعجعة، وتثور بين أضلاعه حية مكيدة، وينعق فوق مساعيه غراب شوم وطيرة، وحدث حرفاؤه صرفاً من مداخلة سلطان قشتالة، أيام هذه المجاورة، فبلغ أمنيته من ضرب وعد، واقتناء عهد، واتخاذ مدد، وترصيد دار قرار، موهماً نفسه البقاء والتعمير والتملي، وانفساح المدة والأمر، وقيادة الدَّجَن عند تحول الموطن لملة الكفر، يسمح لذلك لنقصان عقله، وقلة حيائه وضعف غيرته. وطوى المراحل، وقيض حُمَّى تزلزل لها فكاه، أضلها الحسرة، وانتزاء الخبائث. وتلقاه بمالقة، إيعاز السلطان بالإقامة بها، لما يتصل به من سوء تصريفه، ثم اطلع شافع الحياء في استقامة وطنه طوق عتبه، وصرفه إلى منزله، ناظراً في علاج مرضه. ثم لما أفاق وقفه دون حده، ولم يسند إليه شيئاً من أموره، فشرع في ديدنه من الفساد عليه، وتمرس سلطان قشتالة، شاكياً إليه بثه، وأضجر لسكنى باديته بالثغر، فراب السلطان أمره، وأهمه شأنه، فتقبض عليه وعلى ولده، وصرفا في جملة من دائرة السوء ممن ثقلت وطأته، فغربوا إلى تونس، أوايل شهر رمضان؛ من عام ثلاثة وستين. ثم لما قفل من الحج، واستقر ببجاية يريد المغرب، حنَّ إلى جوار النصرانية، التي ريمَ سلفه العبودية إليها، فعبر البحر إلى برجلونه، ينفض عناء طريق الحج على الصُّلْبان، ويقفو على آثار تقبيل الحجر الأسود، تقبيل أيدي الكفار. ثم قصد باب المغرب رسولاً عن طاغية برجلونه في سبيل فسادٍ على المسلمين؛ فلم ينجح فيه قصده؛ فتقاعد لما خسر فيه ضمانه، وصرف وكره إلى الاتصال بصاحب قشتالة، وعَنَّ على كَتْب إليه بخطه، يَتَنَفَّقُ عنده، ويغريه بالمسلمين؛ فتقبض عليه، وسجن بفاس مع أرباب الجرائم. وعلى ذلك استقر حاله إلى اليوم، وأبرأ إلى الله من التجاوز في أمره: ﴿وَمَنْ
يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. ولما وفدت على السلطان
بولده، وقرت عيني بلقايه، تحت سداده وعزه، وفوق أريكة ملكه، وأديت ما يجب من حقه؛ عرضت عليه غرضي، ونفضت له خزانة سرّي، وكاشفته ضميري بما عقدت مع الله عهدي، وصرفت إلى التشريق وجهي، فعلقت بي لركومه علوق الكرامة، ولاطفني بما عاملت البر بين الدَّعر والضّنانة، ويضرب الآماد [وخرج لي عن الضرورة، وأراني أن مؤازرته أبَرَّ القرب، وراكنني إلى عهد بخطه، فسح فيه لعامين أمد الثواء، واقتدى بشعيب صلوات الله عليه في طلب الزيادة على تلك النسبة، وأشهد من حضر من العلية. ثم رمى إليّ بعد ذلك بمقاليد رأيه، وحكم عقلي في اختيار عقله، وغطى من جفائي بحلمه، وحثا في وجوه شهواته تراب زجري، ووقف القبول على وعظي، وصرف هواه في التحول ثانياً وقصدي، واعترف بقبول نصحي، فاستعنت بالله، وعاملت وجهه فيه]. وصادقني مقارضة الحق بالجهاد، ورمى إلي بدنياه، وحكمني فيما ملكته يداه، وغلبني
على أمره لهذا العهد:، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أمْرِهِ﴾.
فأكمل المقام ببابه إلى هذا التاريخ مدة أجرى الله فيها، من يمن النقيبة، واطراد السداد، وطرد الهوى، ورفض الزور، واستشعار الجد، ونصح الدين، وسد الثغور، وصون الجباية، وإنصاف المرتزقة، ومحاولة العدو، وقرع الأسماع بلسان الصدق، وإيقاظ العيون من نوم الغفلة، وقدح زناد الرجولة، ما هو معلوم، يعضد دعواه، ولله المنة، سجية السذاجة، ورفع التسمت، وتكور المنسأه، وتفويت العقار في سبيل القربة، والزهد في الزَّبْرِج، وبث حبال الآمال، والتعزيز بالله عن الغنيمة، وجعل الثوب غطاء الليل، ومقعد المطالعة فراش النوم، والشغل لمصلحة الإسلام، لرَيم الأنفاس، فأثمر هذا الكرخ، وأثبج هذا المسعى مناقب الدولة، بلغت أعنان، وآثاراً خالدة، ما بقيت الخضراء على الغبراء، وأخباراً تنقل وتروى، إن عاندها الحاسد، فضحه الصباح المنير، وكاثره القطر المنثال، وأعياه السيل المتدافع: فما يختص من ذلك بالسلطان، فخامة الرتبة، ونباهة الألقاب، وتجمل الرياش، وتربع الشريعة، وارتفاع التشاجر ببابه، والمنافسة والاغتباط منه، بمجالس التنبيه والمذاكرة، وبدار الدموع في حال الرقة، والإشادة باحتقار الدنيا بين الخاصة، وتعيين الصدقات في الأوقات العديدة، والقعود لمباشرة المظالم ستة عشر يوماً في كل شهر من شهور الأهلة، يصل إليه فيها اليتيم والأرملة، فيفرح الضعيف، وينتظر حضور الزمن، ويتغمد هفوة الجاهل، ويتأثر لشكوى المصاب، ويعاقب الوزعة على الأغلاط، إلى إحسان الملكة في الأسري، والإغراب في باب الحلم، والإعياء في ترك الحظ، والتبري من سجية الانتقام، والكلف بإرتباط الخيل، واقتناء أنواع السلاح، ومباشرة الجهاد، والوقار في الهيعات، وإرسال سجية الإيمان، وكساد سوق المكيدة، والتصامم عن السعاية. هذا مع الشباب الغض، والفاحم الجَعْد، وتعدد حبائل الشيطان في مسالك العمر، ومطاردة قانص اللذات في ظل السلم، ومغازلة عيون الشهوات من ثنايا الملوك. وأيْمُ الله الذي به تستخلص الحقوق، وتيسر الستور، وتستوثق العهود ولا تطمئن القلوب إلا به؛ ما كاذبته، ولا راضيت راضيت في الهوادة طوله، ولا سامحته في نقيض هذه الخلال. ولقد كنت أعجب من نفاق أسواق الذَّكرى لديه، وانتظام أقسية النصح عنده، وإيقاع نبات الرشد فيه نصيحة، وأقول بارك الله فيها من سجية، وهنأ المسلمين بها من نفس زكية. وسيأتي بيان هذه النتائج، وتفسير مجمل هذه الفضايل بحول من لا حول إلا به سبحانه. والحال متصلة على عهده الوثير من إعانته بالوسوع، والخروج له عن هذه العهدة، والتسليم له في البقية، إرهافاً لسيف جهاده، وجلاء لمرآة نصحه وتسوية لميزان عدله، وإهابة [لمحمد رشده، شد العقدة، عقدة وغيرة على حرمة ماله وعرضه]، ورعاية للسان العلم المنبئ عن شأنه، ونيابة عنه في معقل ملكه، ومستودع ماله وذخيرته، ومحافظة على سره وعلانيته لحرمه وولده، وعمراناً للجوانح بتفضيله وحبه، معاملة أخلص الله قصدها لوجهه، وأمحضها من أجله، ترفعه عن جراية [رحل هلالها، وإقطاع تنجع قدرته، أو فصلة تعبث البنان بنشيرها، وخطة تشد إليه على منشورها]. والله يرجح ميزاني عنده، ويحظى وسيلتي لديه، ويحرك مكافأة سعيي في خواطر حجه، وينبه لتبليغ أملي من حج بيت الله، وزيارة رسول الله، بمنه وكرمه، فما على استحثاث الأجل من قرار، ولا بعد الشيب من إعذار:
و﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾.
أولاده
كمل له في هذا الوقت من الولد أربعة، ثلاثتهم ذكور: يوسف بكره، وأراه يتلوه سعد، ثم نصر غلمة روقة، قد أفرغهم الله في قالب الكمال: ﴿ إذَا رَأيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً ﴾. فَسَحَ الله لهم أمد السعادة، وجعل مساعيهم جانحة إلى حسنى العقبى، سالكاً بهم سبيل الاهتداء بفضل الله ورحمته.
قضاته
قدم لأول قدومه. الفقيه القاضي، الحسيب الخير، أبا جعفر بن أحمد بن جزى، شاكراً بلاءه بمالقة؛ إذ كان قد ألقاه قاضياً بها للمتغلب، فلم يأل جهداً في الإجلاب على من اعتصم بقصبتها، والتحريض على استنزالهم، فاتخذ زلفة لديه، فأجرى الأحكام، وتوخى السداد. ثم قدم إليها الفقيه القاضي الحسيب أبا الحسن علي بن عبد الله بن الحسن، عين الأعيان ببلده مالقة، والمخصوص برسم التجلة، والقيام بوظيفة العقد والحل بها [في الدولة الأولى، وأصالة البيت، والانقطاع إليه، ومصاحبة ركابه في طلب الملك، ومتسور المشاق من أجله، وأولى الناس باستدرار خلف دولته]، فسدد وقارب، وحمل الكَلَّ، وأحسن فصاحة الخطبة والخطة، وأكرم المشيخة وأرضى، واستشعر النزاهة، ولم يقف في حسن التأني عند غاية، واشتمل معها لفق الخطابة، فأبرز وأعلم، تسمياً وحفظاً وجهورية، فاتفق في ذلك على رجاحته، واستصحب نظره على الأحباس. الأحباس. فلم يقف في النصح عند غاية، أعانه الله.
كتابه
أسند الكتابة إلى الفقيه المدرك، المبرز في كثير من الخلال، ملازمه أيضاً في طلب الملك. ومطاردة قنص الحظ أبي عبد الله بن زمرك، ويأتي التعريف بجميعهم.
شيخ غزاته
متولي ذلك في الدولة الأولى، الشيخ أبو زكريا يحيى بن عمر بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق، قدمه إليها معتباً إياه، طاوياً بساط العدو بالجملة، قدموها بابنه عثمان على الخاصة يومئذ، لمظاهرته في الوجهة، وسعيه وسعيه في عودة الدولة. واستمرت الحال إلى اليوم الثالث عشر لشهر رمضان؛ من عام أربعة وستين وسبعمائة، وكان القبض على جملتهم، وأجلى هذا البيت من سُفرة السياسة مدة، مجتزياً فيه بنظره على رسمه في الوزاة من قبيله. ثم قدم إليها موعده بها القديم الخدمة، وسالف الأدمة، لما لجأ إلى وادي آش مفلتاً من وبقة الحادثة، الشيخ أبا الحسن علي بن بدر الدين بن موسى بن رحو ابن عبد الله بن عبد الحق. حلف السداد أيامه، والمقاربة والفضل والدماثة، المخصوص على اختصار بيمن النقيبة، واستمرت أيامه إلى نقبة القفول عن غزوة جيان أخريات محرم؛ من عام تسعة وستين، وتوفي رحمه الله حتف أنفه، فاحتفل لمواراته، وإقرابه من تأبَّيه، واستغفاره، والاعتراف بصدق موالاته، وتفجيعه لفقده، وما أعرب به من وفاء نجده، وقدم لها عهداً طرف اختياره، الأمين، الشهم، والبهمة، خدن الشهرة، والمشار إليه بالبسالة، وفرع الملك والأصالة، عبد الرحمن ابن الأمير أبي الحسن علي ابن السلطان أبي علي عمر ابن أمير المسلمين أبي سعيد عثمان ابن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، إذ كان قد لحق به، بعد ظهور أتيح له بوطنه من المغرب، استقر مبايعاً بعمالة سجلماسة وما إليها، وطن جده، وميراث سلفه، ففسح له جانب قبوله، وأحله من قربه محل مثله، وأنزله بين ثغر الإغتباط ونحره، ثم استظهر به على هذا الأمر، فأحسن الاختيار. وأعز الخطة، وهو القايم عليها لهذا العهد، وإلى الله أسباب توفيقه.
ظرف السلطان وحسن توقيعه
بذَّ في هذا الباب من تقدمه، وكثرة وقوعه، بحيث لا يعد نادرُه، وقليل الشيء يدل على كثيره. مر بي يوماً ومعي ولده، يروم اتخاذ حذق القرآن، فقلت له: أيدك الله، الأمير يريد كذا، ولا بد له من ذلك، وأنا وكيله
عليك في هذا، فقال: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ ﴾.
ولا خفاء ببراعة هذا التوقيع. وغرابة مقاصده. ومجالسه على الأيام معمورة بهذا ومثله.
الملوك على عهده
بالمغرب: السلطان الجليل إبراهيم ابن السلطان أبي الحسن، ابن السلطان أبي سعيد ابن السلطان أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق. تولى ملك المغرب حسبما تقدم في اسمه، وألقى إليه بالمقاليد، واستوسقت له الطاعة، وبحسب ما بث الله من إشرباب الخلق إليه، وتعطشهم إلى لقائة، ورغبتهم في إنهاضه إلى ملك أبيه، كان انقلابهم إلى ضد هذه الخلال، شرقاً بأيامه وإحصاء لسقطاته، وولعاً باغتيابه وتربصاً لمكروه به، إذ أخفقت فيه الأمال، واستولت الأيدي من خدامه على ملكه. وقيض الله لإبادة أمره، وتغير حالة وهد ركنه، الخائن الغادر نسمة السوء وقذار ناقة الملك، وصاعقة الوطن وحرد السيد عمر بن عبد الله بن علي مؤتمنة على البلد الجديد، دار ملكه ومستودع ماله وذخيرته، فسدّ الباب دونه، وجهر يخلعانه، وفض في اتباع الناعق المشئوم سور ماله، وأقام الدعوة باسم أخيه أبي عمر، ذي اللوثة، الميئوس من إفاقته، وذلك ضحوة اليوم الثامن عشر لشوال؛ من عام اثنين وستين وسبعمائة. وبادر السلطان أبو سالم البيعة من متحول سكناه بقصر البلد القديم، وصابر الأمر عامة اليوم. ولما جن الليل، فرّ لوجهة، وأسلم وزراءه، وخاصته، وقيدت خطاه الخيرية، فأوى إلى بعض البيوت، وبه تلاحق متبوعه، فقيد إلى مصرعه السوء بظاهر بلده، وحز رأسه، وأوتي به إلى الغادر. وكان ما بين انفصال السلطان عنه مودعاً إلى الأندلس بإعانته، ومطوق فضل تلقيه وقفوله وحسن كفالته، ثمانية أشهر ويوم واحد. واستمرت دعوة أخيه المموه به إلى الرابع والعشرين من صفر؛ من عام ثلاثة وستين وسبعمائة، واستدعي من باب قشتالة الأمير محمد أبو زيان ابن الأمير أبي زيد بن عبد الرحمن ابن السلطان المعظم أبي الحسن. وقد استقر نازعاً إليه أيام عمه السلطان أبي سالم، وقع عليه اختيار هذا الوزير الغادر، إذ وافق شن تغلبه طبق ضعفه، وأعمل الحيلة في استجلابه، فوصل حسب غرضه، وأجريت الأمور باسمه، وأعيد أخوه المعتوه إلى مكانه، واستمرت أيام هذا الأمير مغلوباً عليه، مغرى بالشراب على فيه وبين الصحب إلى أن ساءت حاله، وامتلأت بالموجدة على الوزير نفسه، فعاجله بحتفه، وباشر اغتياله، وأوعز إلى خدامه بخنقه، وطرحه بحاله في بعض سواقي قصره، متبعاً ببعض أواني خمره يوهم بذلك قاتله، ترديه سكراً، وهَوْيه طفوحاً. ووقف عليه بالعدول عند استخراجه، وندب الناس إلى مواراته، وبايع يومه ذلك أبا فارس عبد العزيز وارث ملك أبيه السلطان أبي الحسن، المنفرد به، وخاطب الجهات بدعوته، وهو صبي ظاهر النبل والإدراك، مشهور الصون، وأعمل الحيلة لأول أمره، على هذا الوزير مخيف أريكة ملكه، ومظنة البدا في أمره، فطوقه الحمام واستأصل ما زَرَاه من مال وذخيرة، شكر الله على الدولة صنيعه؛ وفي ذلك يقول:
لقد كان كالحجاج في فتكاته
تحاذره البرآء دوماً وتخشاه
تغدَّا به عبد العزيز مبادراً
وعاجله من قبل أن يتعشاه
وكان بعده وليه الحق ونصيره لا إله إلا هو. وهو اليوم ملك المغرب، مزاحماً بابن أخيه، السلطان أبي سالم، المعقود البيعة بمراكش وما إليها، جمع الله شتات الإسلام، ورفع عن البلاد والعباد مضرة الفتنة.
وبتلمسان السلطان أبو حمو موسى ابن الأمير أبي يعقوب يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان. حسبما كان في الدولة الأولى، متفقها منه على خلال الكرم والحزم مضطلعاً بأمره والقيام على ما بيده. وبتونس: الأمير أبو سالم إبراهيم ابن الأمير أبي يحيى بن أبي حفص، حسبما تقدم ذكره.
ومن ملوك النصارى
فبقشتالة سلطانها المتقدم الذكر في الدولة الأولى، بِطْرُه بن السلطان ألهنشة بن هراندة بن شانجه بن ألهنشة ابن هراندة، متأكدة بينهما السلم الجمة، والهدنة المبرمة، بما سلف من مظاهرته إياه، والحرص على ما استحانه من المغرب في أسطوله، وبعثه إليه برأس عدوّه المتوثب على ملكه، ورؤوس أشياعه، الظالمين الغدرة، وأتباعه الفجرة، مستمرة أيامه إلى وسط شعبان؛ عام سبعة وستين، صارفاً وجهه إلى محاربة صاحب برجلونة، مستولياً على كثير من قواعده الشهيرة، وقلاعه المنيعة، لما أسلفه به من إجازته أخيه أندريق المدعو بالقُنْد، ومظاهرته حتى ساءت أحواله وأحوال عدوه، وأوهنت الحركات قوى جيشه، وأضعف الاحتشاد عمرة أرضه، واشرأبت القلوب إلى الانحراف عن دعوته، ومالت النفوس إلى أخيه، وقامت البلاد بدعوته، وتلاحقت الوجوه بجهته، ورام التمسك بإشبيلية دار ملكه، فثار أهلها به في عام سبعة وستين. فخرج فاراً عنها.............. به والسلاح يهش إليه، وبعد أن استظهر بخويصته، وأحمل ما قدر عليه من ذخيرة، ورفع من له من ولد وحرمة، رأى سخنة العين من انتهاب قصوره، وتشعيث منازله، وعياث الأيدي في خزائنه، وأسمعه الناس من محض التأنيب وأعراض الشمات، ما لا مزيد عليه، ولاذ بصاحب برتغال، فنأى عنه جانبه لما يجتنيه أبواه من مخالفة رأي الأمة فيه، فقصد بلاد غَلِيسْية، وتلاحق أخوه أندريق بحضرة إشبيلية، فاستوى على الملك وطاعت لأمره البلاد، وعاجله المسلمون لأول أمره، فاستولوا على كثير من الثغور والحمد لله. ولما توسد له الأمر تحول لاستئصال شأفة المخلوع، فأجلى عن غليسية في البحر، واستقر ببلد بيونة، مما وراء دروب قشتالة، وانتبذ عن الخطة القشتالية وأمر نفسه، ولجأ إلى ابن صاحب الأنتكيرة، وهو المعروف ببرقسين أبي الأمير، وبين أول أرضه وبين قشتالة؛ ثمانية أيام، فقبله ولد السلطان المذكور، الساكن بأول ما تلقاه من تلك الأرض، وسفر بينه وبين أبيه. فأنكر الأب استئذانه إياه، والمراجعة في نصره، حمية له؛ وامتعاضاً للواقع. وحال هذه الأمة غريبة في الحماية الممزوجة بالوفاء والرقة، والاستهانة بالنفوس في سبيل الحمد، وبين يدي العَشَايق، عادة العرب الأول. وأخبارهم في القتال غريبة، من الاسترجال والزحف على الأقدام، أميرهم ومأمورهم، والجُئُوَّ في الأرض، أو دفنٍ ببعض الأرض في التراب، والاستظهار في حال المحاربة ببعض الألحان المُهَيَّجَة، ورماتهم؛ قِسِيُّهُم غريبة جافية، وكلهم في دروع، والإحجام عندهم، والتقهقر مقدار الشبر ذنب عظيم. وعار شنيع، ورماتهم يثبتون للخيل في الطراد، وحالهم في باب التحلي بالجواهر، وكثرة آلات الفضة، غريب. وبعد انقضاء سبعة عشر يوماً كان رجوعه ورجوع البَرَنْس المذكور معه مصاحباً بأمراء كثيرين من خترانه وقرابته، وبعد أن أسلفوه مالاً كثيراً، واختص منه صاحب الأنتكيرة، بمائتي ألف دينار من الذهب إلى ما اختص به غيره، وارتهنوا فيه ولده وذخيرته. وكان ينفق على نفسه وجيشه بحسب دينار واحد من الذهب للفارس في ثلاثة أيام، وكان تأليف الجيوش في بَنْبِلُونَة في أزيد من ثلاثين ألفاً، وعسر عليهم المجاز على فحص أحدونيه، لبلاد تمسك لطاعة القند أخيه؛ فصالح القوم صاحب نباره على الإفراج لهم، ونزلت المحلات في فحص نبارة، ما بين حدود أرض نبارة وقشتالة. ونزل المتصير إليه أمر قشتالة، القند بإزايها في جموع لم تنظم لمثله، إلا أنه لشهامته واغتراره، أجاز خندقاً كان بين يديه، وعبر جسراً نشب فيه عند الجولة. وكان اللقاء بين الفريقين يوم السبت سادس إبريل العجمي، وبموافقة شعبان؛ من عام ثمانية وستين. وكان هذا الجموع الإفرنجي الآتي من الأرض الكبيرة في صفوف ثلاثة، مرتبة بعضها خلف بعض، ليس فيهم فارس واحد، وإنما هم رجالة، سواء أميرهم ومأمورهم، في أيديهم عصي جافية في غلظ المعاصم؛ يشرعونها أمامهم، بعد إثبات زجاجها فيما خلفهم من الأرض، يستقبلون منها وجوه عدوهم، ونحور خيله، ويجعلونها دعايم وتكآت لبناء مصافهم، فلم تقلقهم المحلات، وبين أيديهم من الرماة الناشبة الدارعة، ما لا يحصيهم إلا الله عز وجل. وسايرهم السلطان، مستدعي نصرهم راجلاً أميالاً برأيهم؛ إلى أن أعيا بعد ميلين منها فأركبوه بغلة حملوه بينهم عليها، إلى موقف اللقاء والقند. وكان على مقدمة القوم الدك أخو البرنس، والبرنس مع السلطان مستجيره في القلب، والقند المعروف بقندار مانيان، وكثير من الأمراء؛ ردا وسيفه دونهم، ومن خلف الجميع الخيل بجنبها ساستهم وغلمانهم وخدامهم، ووراءها دواب الظهر وأبغالهم، وفي أثنا هذه العَبِيَّة من البنود وآلات الحرب والطرب والأبواق ما يطول ذكره. وكان في مقدمة القند المستأثر بملك قشتالة؛ أخوه شانجه في رجل قشتالة، قد ملأ السهل والجبل، ومن خلفهم أولو الخيل الجافية القبيلية، المسبغة الدروع، من رأس إلى حافر، في نحو ألف وخمسماية، وفي القلب أخوه الآخر دنطية في جمهور الزعماء والفرسان والدرق، وهو الأكثر من رجال الجيش اليوم، ومن رائهم السلطان أندريق في لفيف من الناس. ولما حمل بعضهم على بعض أقدم رماة الفرنج، ثقة بدروعهم، فعظم أثرهم فيمن بإزايهم من رماة عدوهم ورجالهم، لكونهم كشفاء، فكشفوا إياهم. وحملت خيل قشتالة الدارعة، فزحزحت كَرَّ المصاف الإفرانجي، واتصل الحرب بالبرنس، وهو مطل عليهم في ربوة، فصاح بهم بحيث أسمع، وتناول شيئاً من التراب فاستفه، وكسر ثلاث عصيّ، وفعل من معه مثل فعله، وهي عادتهم عند الغضب، وعلامة الإقدام الذي لا نكوص بعده. ووجه إلى أخيه في المقدمة، يقول له، إن وجدت في نفسك ضعفاً، فاذكر أنك ولد صاحب الأنتكيرة. وحمل الكل حملة رجل واحد، فلم تجد الخيل الدارعة سبيلاً، وقامت في نحورها تلك الأسنة، فولوا منهزمين. ولما رأى القند هزيمة أخيه، تقدم بنفسه بمن معه من مدد الأمة الرغونية، وهو ينادي، يا أهل قشتالة، يا موالي، إياكم والعار؛ هأنذا، فلم يثبت أمره، وتراجع فله. فعند ذلك فر في أربعة من أولي ثقته، واستولى القتل والأسر على خاصته، وتردى المنهزمون في الوادي خلفهم. فكان ذلك أعون الأسباب على هلكهم، فأناف عدد من هلك في هذه الوقيعة، حسبما اشتهر، خمسين ألفاً. وامتلأت أيدي هذه الأمة من الأسلحة والأموال والأمتعة والأسرى الذين يفادونهم بمال عظيم. واتصل القند المنهزم بأرض رغون، ثم نجم من البلاد الفرنسية. ودخل أخوه بهذه الأمة أوايل البلاد معترفاً بحميد سعيهم، وعزيز نصرهم، وقد رابه استيلاؤهم، وأوجسه تغلبهم، [وساءه في الأرض الرعادة عياثهم] فاستأذنهم في اللحوق بقواعد أرضه، وقبض الأموال التي تجبى منها نفقاتهم، وقبض منها ديونهم قبله، وحث السير، فوصل طليطلة، لا يصدق بالنجاة، وخاطب السلطان المترجم به، وقدر وده، وده، وحذره سورة هذه الأمة التي فاض بحرها وأعيا أمرها، وأنهى إليه شرها، وشره إلى استيصال المسلمين. وحد له مواعدها التي جعلت لذلك. ووصل إشبيلية، وانثالت البلاد عليه، وعادت الإيالة إلى حكمه، ثم شرع في جعل الضرايب، وفرض الأموال، وأخاف الناس بالطلب والتبعات فعاد نفورهم عنه جزعاً. وامتنعوا من الغرم، وطردوا العمال، وأحس بالشر، فتحصن بإشبيلية، وجهاتها على نفسه، وطال على الأمة الواصلة في سبيل نصره الأمر. فرجعت إلى بلادها، ووقيت نفرة نفرة الفرسان، وأولي الأتباع، وأظهروا الخلاف، وكشفت جيان وجهها في خلعانه، والرجوع إلى دعوة أخيه المتصرف، فتحرك إليها السلطان المترجم به، بعد أن احتشد المسلمين، فكان من دخولها عنوة، واستباحة المسلمين إياها وتخريبها، ما هو مذكور في موضعه. ثم ألحقت بها مدينة أُبَّدَة، الذاهبة في مخالفة مذاهبها والحمد لله. وخالفت عليه قرطبة، واستقر بها من الكبار جملة، كاتبوا أخاه، واستعجلوا، فتعرف في هذه الأيام، أنه قد بلغ أرض برغش، ونار الفتنة بينهم، ويد الإسلام لهذا العهد، والمنية لله، وحده غالبة. وإنما مددنا القول في ذكر هذه الأحوال الرومية، لغرابة تاريخها، ولِيُستشعر الحذر، ويؤخذ من الأمة المذكورة وغيرها، والله ولي نصر المؤمنين بفضله. وبأرض رغون سلطانها الكاين على الدولة الأولى.
بعض مناقب الدولة لهذا العهد
وأولاً: ما يرجع إلى مناقب الحلم والكظم من مآزق الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس. فمن ذلك أن السلطان لما جرت الحادثة، وعظه التمحيص، وألجأ إلى وادي آش لا يملك إلا نفسه في خبر طويل، بادر إلى مخاطبة ثقته بقصبة ألمرية، قلعة الملك، ومظنة الامتناع، ومهاد السلامة، ومخزن الجباية والعدة، وقد أصبح محل استقراره، بينها، وبين المنتزى سداً، وبيعة أهلها لم ينسخ الشرع منها حكماً يناشده الله في رمقه، ويتملقه في رعي ذمته، والوفاء له، وإبراء غربته، وتمسكه من أمانته، فرد عليه أسوأ الرد. وسجن رسوله في المطبق، وخرج منها لعدوه، وناصح بعد في البغي عليه. فلما رد الله الأمر، وجبر الحق، أعتب وأجرى عليه الرزق. ولما ثار في الدولة الثانية الدليل البركي، هاتفاً بالدعوة لبعض القرابة، وأكذبه الله، وعقه الشيطان بعد نشر راية الخلاف، وجعل للدولة، علو اليد، وحسن العاقبة، وتمكن من المذكور، أبقى عليه، وغلب حكم المصلحة العامة في استحيائه، وهو من مغربات الحلم المبني على أساس الدين، وابتغاء وجه الله. ولما أجلى عن الترشيح من القرابة، بعد تقرب التهمة، وغمس الأيدي في المعصية، صرفوا إلى المغرب صرف العافية، وأجرى على من تخلفوه عوايد الأرزاق، ومرافق المواسم، ووعد ضعفاءهم بالإرفاد، وتجوفي عما يرجع للجميع من عقار ورباع، وأسعفت آمالهم في لحاق ذويهم من أهل وولد. ومما يرجع إلى عوايد الرفق، ومرافق العدل من مأزق في جهاد النفس، وقوف وكيل الدولة، مع من يجاور مستخلص السلطان من العامرين ومما ولي الفلاحة، وقد ادعوا أضراراً، يجره الحوار بين يدي القاضي بالحضرة، حتى بعد منقطع الحق، على ما يخص السلطان من الأصول التي جرها الميراث عن كريم السلف؛ ولا كقضية التاجر المعروف بالحاج اللباس، من أهل مدينة وادي آش، وقد [تحصلت في] داره، من قبل التاجر المذكور جارية من بنات الروم، في سبيل تفوت الذمم، ومستهلك المتولات، وترقت إلى تربية ولده، وأصبحت بعض الآظآر لأمرايه واتصل بها كلفه، وزاد هيمانه، وغشي مدافن الصالحين من أجلها، وأنهيت إليه خبره وبثه. وقررت عنده شجوه، وألمعت بما ينقل في هذا الباب عن الملوك قبله، فبادر إلى إخراجها من القصر بنفسه، وانتزاعها من أيدي الغِبْطَة، انتزاع القهر، بحاله في جميل الزي، فمكنت منها يد عاشقها الذاهل، وقد خفت نفسه، وسكن حسه، وكاد لقاؤه إياها أن يقضي عليه. ونظاير هذا الباب متعددة. ومن مواقف الصدق والإحسان من خارق جهاد النفس. بناء المارستان الأعظم حسنة هذه التخوم القصوى. ومزية المدينة الفضلى. لم يهتد إليه غيره من الفتح الأول، مع توفر الضرورة، وظهور الحاجة، فأغرى به همة الدين، ونفس التقوى، فأبرزه موقف الأخدان، ورحلة الأندلس، وفذلكة الحسنات، فخامة بيت، وتعدد مساكن، ورحب ساحة، ودرور مياه، وصحة هواء، وتعدد خزاين ومتوضآت، وانطلاق جراية وحسن ترتيب، أبر على مارستان مصر، بالساحة العريضة، والأهوية الطيبة، وتدفق المياه من فورات المرمل، وأسود الصخر، وتموج البحر، وانسدال الأشجار إلى موافقته إياي، وتسويغه ما اخترعته بإذنه، وأجريته بطيب نفسه، من اتخاذ المدرسة والزاوية، وتعيين التربة، مغيراً [في ذلك كله] على مقاصد الملوك، نقشاً عليه، بطيب اسمه في المزيد، وتخليد في الجُدُرات للذكر، وصوناً للمدافن غير المعتادة، في قلب بلده بالمقاصر والأصونة، وترتيل التلاوة، آناء الليل، وأطراف النهار. وكل ذلك إنما ينسب إلى صدقاته، وعلو همته، ويشهد بما ينبه الحس إلى المنقبة العظمى، في هذا الباب، من إمداد جبل الفتح، مع كونه في إيالة غيره، وخارج عن ملكة حكمه، وما كان من إعانته، وسد ثغره، فانهار إليه على خطر السُّرَى، والظهر البعيد المسعى، ما ملأ الأهواء، وقطع طمع العداة، أنفقت عليه الأموال: ﴿مَا إنَّ مَفَاتِحَهُ
لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾، بودر بذلك، بين يدي
التفاؤل، بنزول العدو إياه، فكان الكِرَى على إيصال الطعام إليه، بحساب درهم واحد وربع درهم للرطل من الطعام، منفعة فذة، وحسنة كبرى، وبدعاً من بدع الفتوى. وفي موقف الاستعداد لعدو الإسلام، من خارق جهاد النفس، إطلاق البُنَى، للمدة القريبة، والزمان الضيق، باثنين وعشرين ثغراً من البلاد المجاورة للعدو، والمشتركة الحدود، مع أراضيه، المترامية النيران لقرب جوابه، منها ثغر أرجدونة، المستولي عليه الخراب؛ أنفق في تجديد قبضته، واتخاذ جبه؛ ما يناهز عشرين ألفاً من الذهب، فهو اليوم شَجَى العدو، ومعتصم المسلمين؛ وحصن أشر، وما كان من تحصين جبله بالأسوار والأبراج، على بعد أقطاره؛ واتخاذ جباب الماء به، واحتفار السانية الهايلة بربضه، ترك بها من الآثار ما يشهد بالقوة لله، والعناية بالإسلام. ثم ختم ذلك بنديد حصن الحمراء، رأس الحضرة، ومعقل الإسلام، ومفزع الملك، ومَعْقِد الأيدي. وصوان المال والذخيرة، بعد أن صار قاعاً صفصفاً. وخراباً بلقعاً، فهو اليوم عروس يجلي المهضب، ويغازل الشهب، سكن لمكانه الإرجاف، وذوت نجوم الأطماع، ونقل إليه مال الجباية، المتفضل لهذا العهد، بحسب التدبير، ونفَّد الخراج، وصوّن الألقاب، وقمع الخزانة بما لم يتقدم به عهد، من ثمانين سنة، والحمد لله. وتجديد أساطيل الإسلام، وإزاحة علل جيوش المرج، وعساكر البحر، فهي لهذا العهد، ملس الأديم، شارعة الشبا، منقضة جفاتها إلى مساواة الأعداء، راكبة ظهور المحاسن، قلقة الموافق، قدماً إلى الجهاد، قد تعدد إغزاؤها، وجاست البحر سوابحها، وتعرفت بركتها والحمد لله، وأنصاب جيش الجهاد، استغرق الشهور المستقبلة، لرود الصفراء والبيضاء الأهلة إلى أكف أهلها، على الدوام، بعد أن كانت يتحيفها
المطل، وينقصها المطال، والحمد لله. وفي * مواقف
الجهاد الحسي، وبيع النفوس من الله، وهو ثمرة الجهاد الأول، ما لا يحتاج عليه إلى دليل، من الجوف إلى حصن أشر، قبل الثغر، والجارح المطل على الإسلام، والعزم على افتتاحه. وقد غاب الناس من مساورته، وأعيى عليهم فتحه، فلزمه السلطان بنفسه، بياض يوم القيظ، محرضاً، للمقاتلة، مواسياً لهم، خالطاً نفسه بالمستنفرة، يصابر لهيب النار، ووقع السلاح، وتعميم الدخان، مفدياً للكلمات، محرضاً لذوي الجراح، [مباشراً الصلاة على الشهداء] إلى أن فتحه الله [على يده]، بعزمه وصبره، فباشر رم سوره بيده، وتحصين عورته بنفسه، ينقل إليه الصخر، وينال الطين، ويخالط الفعلة، لقرب محل الطاغية، وتوقع المفاجأة. ثم كان هذا العمل قانوناً مطرداً في غيره، وديدناً في سواه، حسبما نذكر في باب الجهاد. وفي باب النصيحة للمسلمين من مآزق الجهاد الأكبر، ما صدر في هذه الدولة، من مخاطبة الكافة، بلسان الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، صدعت بذلك الخطباء [من فوق أعواد المنابر، وأسمعت آذان المحافل، ما لم يتقدم به عهد في الزمان الغابر].
نص الكتاب
ولما صحت الأخبار بخروج الأمة الإفرنسية إلى
استئصال هذه البَقِيعة: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ
الكَافِرُونَ﴾. صدر من مخاطبة الجمهور في باب التحريض بما نصه: ((من أمير المسلمين عبد الله محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد نصر، أيده الله ونصره، وأوى أمره، وخلد مآثره. مآثره. إلى أوليائنا الذين نوقظ من الغفلة أحلامهم، وندعوهم لما يطهّر من الارتياب إيمانهم، ويخلص لله أسرارهم وإعلانهم، يرثى لعدم إحسانهم، وخيبة قياسهم، ويغار من استيلاء الغفلات على أنواعهم وأجناسهم، ونسأل الله لهم ولنا إقالة العثرات، وتخفيض الشدائد المعتورات، وكف أكف العوادي المبتدرات. إلى أهل فلانة، دافع الله عن فئتهم الغريبة، وعرفهم في الذراري، والحرم، عوارف اللطائف القريبة وتداركهم بالصنايع العجيبة، سلام عليكم أجمعين، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد؛ حمد الله الذي لا نشرك به أحداً، ولا نجد من دونه ملتحداً، مبتلى قلوب المؤمنين أيها أقوى جلداً، وأبعد في الصبر مداً، ليزيد الذين اهتدوا هدًى. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي أنقذ من الردى، وتكفل بالشفاعة لمن غداً ضارباً هام العدا، ومجاهداً من اتخذ مع الله ولدا، والرضى عن آله الذين كانوا لسماء ملته عمداً، فلم ترعهم الكتايب الوافرة، وكانوا لهم أقل عدداً، ولا هالتهم أمم الكفر، وإن كانت [أظهر جمعاً، وأكثر عدداً] صلاة لا تنقطع أبداً، ورضى، لا يبلغ مداً. فإنا كتبنا إليكم، كتبكم؛ الله فيمن امتلأ قلبه غضباً لأعدايه وحمية، ورمى بفكره غرض السداد، فلم يخط منه هدفاً ولا رمية. وقد اتصل بنا الخبر، الذي يوجب نصح الإسلام، ورعي الجوار والذمام، وما جعل الله للمأموم على الإمام، فوجب علينا إيقاظكم من مراقدكم المستغرقة، وجمع أهوايكم المفترقة، وتهيئكم إلى مصادمة الشدايد المرعدة المبرقة، وهو أن كبير النصرانية، الذي إليه ينقادون، وفي مرضاته يصادقون ويعدون، وعند رؤية صليبه يبكون ويسجدون، لما رأى الفتن قد أكلتهم خضماً وقضماً. وأوسعتهم هضماً فلم تبق لهم عصباً ولا ولا عظماً، ونثرت ما كان نظماً، أعمل نظره فيما يجمع منهم ما افترق، ويرفع ما طرق، ويرفى ما مزق الشتات الشتات وخرق. فرمى الإسلام بأمة عددها كالقَطْر المُنْثال، والجراد الذي تضرب به الأمثال، وعاهدهم وقد حضر التمثال، وأمرهم وشأنهم الامتثال، أن يدمنوا لمن ارتضاه الطاعة، ويجمعوا من ملته الجماعة، ويطلع الكل على هذه الفئة القليلة الغريبة، بغتة كقيام الساعة؛ وأقطعهم، قطع الله بهم، العباد والبلاد، والطارف والتلاد، وسوغهم الحريم المستضعف والأولاد، وبالله نستدفع مالا نطيقه. ومنه نسأل عادة الفرج، فما سدت لديه طريقه، إلاّ أنا رأينا غفلة الناس مع تصميمهم مؤذنة بالبوار. وأشفقنا للذين من وراء البحار، وقد أصبح معظمهم في لهوات الكفار، وأردنا أن نَهُزَّهُم بالموعظة التي تكحل تكحل البصاير بميل الاستبصار. وتلهمكم الاستنصار بالله، عند عدم الانتصار، فإن جبر الله الخواطر بالضراعة إليه، والانكسار ونسخ الإعسار بالإيسار، وأنجد اليمين بانتهاء اليسار، وإلاّ فقد تعين في الدنيا والآخرة حظ الخسار فإن من ظهر عليه عدو دينه، وهو عن الله مصروف، وبالباطل مشغوف، وبغير العرف معروف؛ وعلى الحطام المسلوب ملهوف، فقد تَلَّه
الشيطان للجبين، و﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ذَلِكَ هُوَ
الخُسْرَانُ المُبِينُ﴾. ومن نفذ فيه قدر الله عن أداء الواجب وبذل المجهود، وآجر بالعبودية وجه الواحد الأحد المعبود، ووطن النفس عن الشهوات الموبقة في دار الخلود، العايدة بالحياة الدايمة والوجود، أو الظهور على عدوه المحشود إليه صبرا على المقام المحمود وبيعاً تكون تكون الملائكة فيه من الشهود، حتى تعيث يد الله في في ذلك البناء المهدوم، بقوة الله المحمود، والسواد الأعظم الممدود، كان على أمر ربه بالحياء المردود: ﴿
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلاَّ إحْدَى الحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إنَّا
مَعَكُمْ مُتَرَبَّصُونَ ﴾. فالله الله في الهمم، فقد خبت ريحها. والله الله في العقايد. فقد خفتت مصابيحها. والله الله في الرجولة فقد فل حدها. والله الله في الغيرة؛ فقد نعس حدها. والله الله في الدَّين، فقد طمع العدوُّ في تحويله. والله الله في الحريم؛ فقد مدَّ إلى استرقاقه يد تأميله. والله الله في المساكن التي زحف لسكناها. والله الله في الملة التي يريد إطفاء نورها وسناها [وقد كمل فضلها وتناهى]. والله الله في القرآن العظيم. والله الله في الجيران. والله الله في الطارف والتالد، والله الله في الوطن الذي توارثه الولد عن والوالد. اليوم تستأسد النفوس المهينة. اليوم يستنزل الصبر والسكينة. اليوم تحتاج الهمم أن ترعى هذه النفوس الكريمة الذمم، [اليوم يسلك سبيل العزم والحزم والشدة والشمم] اليوم يرجع إلى الله تعالى المصرون اليوم يفيق من نومه الغافلون والمغترون؛ قبل أن يتفاقم الهول، ويحق القول، ويسد الباب، ويحيق ويحيق العذاب، ويسترق بالكفر والرقاب. [فالنساء تقي تقي بأنفسهن أولادهن الصغار]. والطيور ترفرف لتحمي الأوكار، إذا أحست العياث بأفراخها والأضرار. [تمر الأيام عليكم مر السحاب وذهاب الليالي لكم ذهاب]. فلا خبر يفضي إلى العين، ولا حديث في الله تعالى يسمع بين اثنين، ولا كد إلا لزينة يحلى بها نحر وجيد، ولا سعى إلا في متاع لا يغني في الشدائد ولا يفيد. وبالأمس ندبتم إلى التماس رحمى [أو رضى] مسخر السحاب، واستقالة كاشف العذاب، وسؤال مرسل الديمة، ومحيي البشر والبهيمة، وقد أمسكت عنكم رحمة السماء؛ واغبرت جوانبكم المخضرة احتياجاً إلى بلالة
الماء: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾؛ وإليها الأكف
الأكف تمدون، وأبوابها بالدعاء تقصدون، فلم يُصْحِر منكم عدد معتبر، ولا ظهر للإنابة [ولا للصدقة] خبر، وتتوقُّوون عن إعادة الرغبة إلى الغني الحميد، والولي
والولي الذي إن شاء: ﴿يُذْهِبْكُمْ وَيَأتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
وأيم الله لو كان لهوا لارتقبت الساعات وضاقت المتسعات. وتزاحمت على جماله وغصت الجماعات. أتَعَزُّزاً على الله وهو القوي العزيز، وتلبيساً على الله، وهو الذي يميز الخبيث من الطيب، والشبه من الإبريز، أمنابذة والنواصي بيده، أغروراً في الشدايد بالأمل [ والرجوع بعد إليه]. من: ﴿يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يِعِيدُهُ﴾، ثم ثم ينزل الرزق ويقيده، من يرجع إليه في الملمات، من من يرجى في الشدايد والأزمات، من يوجد في المحيا والممات، أفي الله شك يختلج القلوب، أم غير الله يدفع يدفع المكروه، وييسر المطلوب. تفضلون على اللجأ إليه في الشدايد، [بواسم الجهل، وثرة الأهل] وطايفة منكم منكم قد برزت إلى استسقاء رحمته، تمد إليه الأيدي والرقاب. وتستكشف بالخضوع لعزته العقاب، وتستعجل إلى مواعد إجابته الارتقاب، وكأنكم أنتم، عن كرمه قد استغنيتم، أو على الامتناع من الرجوع إليه بنيتم. أما تعلمون كيف كان نبيكم صلوات الله وسلامه عليه من التبلغ باليسير، والاستعداد إلى دار الرحيل الحق والمسير، ومداومة الجوع، وهجر الهجوع، والعمل على الإياب إلى الله والرجوع. دخلت عليه فاطمة رضي الله عنها، وبيدها كسرة شعير، فقال: ((ما هذه يا فاطمة. فقالت: يا رسول الله، خَبَزْت قرصة؛ وأحببت أن تأكل منها. فقال يا فاطمة؛ أما أنّه أول طعام دخل جوف أبيك منذ ثلاث)). وكان صلى الله عليه وسلم، يستغفر في اليوم سبعين مرة؛ يلتمس رحماه، ويقوم وهو المغفور له؛ ما تقدم من ذنبه وما تأخر، حتى تورمت قدماه، وكان شأنه الجهاد، ودأبه الجد والاجتهاد ومواقف صبره تعرفها الربى والوهاد. فإذا لم تقتدوا به فبمن تقتدون؟ وإذا لم تهتدوا بهديه فبمن تهتدون؟ وإذا لم ترضوه باتباعكم، فكيف تعتزون إليه وتنتسبون؟ وإذا لم ترغبوا في الاتصاف بصفاته؛ غضباً لله تعالى وجهاداً، وتقللاً من العرض الأدنى وسهاداً ففيم ترغبون؟ فابتروا حبال الآمال، فكل آت قريب، واعتبروا بِمَثُلات ما دهم من تقدم من أهل البلاد والقواعد، فذهولكم عنها غريب، وتفكروا في منابرها التي كان يعلوها واعظ أو خطيب، ومطيل ومطيب، ومساجدها المتعددة الصفوف، والجماعات المعمورة بأنواع الطاعات، وكيف أخذ الله فيها بذنب المترفين من دونهم، وعاقب الجمهور بما أغمضوا عيونهم، وساءت بالغفلة عن الله عقبى جميعهم، وذهبت النقمات بعاصيهم، ومن داهن في أمره من مطيعهم، وأصبحت مساجدهم مناصب للصلبان، واستبدلت مآذنهم بالنواقيس من الأذان. هذا والناس ناس، والزمان زمان. فما هذه الغفلة عن من إليه الرجعى وإليه المصير؟ وإلى متى التساهل في حقوقه، وهو السميع البصير؟ وحتى متى مد الأمل في الزمن القصير؟ وإلى متى نسيان اللجأ إلى الولي النصير؟ قد تداعت الصلبان مجلبة عليكم، وتحركت الطواغيت من كل جهة إليكم. أفيخذلكم الشيطان وكتاب الله قائم فيكم؟ وألسنة الآيات تناديكم؟ لم تمح سطورها، ولا احتجب نورها، وأنتم بقايا من افتتحها من عدد قليل، وصابر فيها كل خطب جليل. فو الله لو تمحض الإيمان ورضي الرحمن، ما ظهر التثليث في هذه الجزيرة على التوحيد، ولا عدم الإسلام فيها عزم التأييد. ولكن شمل الداء، وصم النداء، وعميت الأبصار، فكيف الاهتداء، والباب مفتوح، والفضل ممنوح؟ فتعالوا نستغفر الله جميعاً، فهو الغفور الرحيم، ونستقبل مقيل العثرات، فهو الرؤوف الحليم، ونصرف الوجوه إلى الاعتراف بما قدمت أيدينا، فقبول المعاذير من شأن الكريم. سدت الأبواب، وضعفت الأسباب، وانقطعت الآمال إلا منك يا كريم [يا فتاح]،
يا وهاب: ﴿يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِتْ أقْدَامَكُمْ﴾؛ ﴿ يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ، وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾. ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿ يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أعدوا الخيل
وارتبطوها وروضوا النفوس على الشهادة واغبطوها، فمن خاف الموت رضي بالدنية، ولا بد على كل حال من المنية، والحياة مع الذل ليست من شيم أهل العقول والنفوس السنية، واقتنوا السلاح والعدة، وتعرفوا إلى الله في الرخاء يعرفكم في الشدة، واستشعروا القوة بالله [تعالى] على أعدايكم، واستميتوا من دون أبنايكم. وكونوا كالبنيان المرصوص لحملات العدو النازل بفنايكم، وحطوا بالتعويل على الله وحدة بلادكم. واشتروا من الله جل جلاله أبناءكم.
ذكروا أن امرأة احتمل السبع ولدها؛ وشكت إلى بعض الصالحين؛ فأشار عليها بالصدقة فتصدقت برغيف؛ فأطلق السبع ولدها؛ وسمعت النداء: يا هذه؛ لقمة بلقمة. وإنا لما استودعناه لحافظون. أهجروا الشهوات، واستدركوا الباقيات من قبل الفوات، وأفضلوا لمساكينكم من الأقوات، واخشعوا لما أنزل الله تعالى من الآيات، وخذوا نفوسكم بالصبر على الأزمات، والمواساة في المهمات، وأيقظوا جفونكم من السنات، واعلموا أنكم رُضّع ثدي كلمة التوحيد، وجيران البلد الغريب، والدين الوحيد، وحزب التمحيص، ونفر المرام العويص. فتفقدوا معاملتكم مع الله تعالى؛ فمهما رأيتم الصدق غالباً؛ والقلب للمولى الكريم مراقباً، وشهاب اليقين ثاقباً، فثقوا بعناية الله التي لا يغلبكم معها غالب؛ ولا ينالكم [من أجلها] عدو مطالب، وأنكم في الستر الكثيف، وعصمة الخبير اللطيف. ومهما رأيتم الخواطر متبددة، والظنون بالله مترددة، والجهات التي تخاف، وترجى متعددة، والغفلة عن الله ملابسها متجددة. وعادة دواعي الخذلان دايمة، وأسواق الشهوات قايمة. واعلموا أن الله منفذ فيكم وعده ووعيده في الأمم الغافلين، وأنكم قد ظلمتم أنفسكم. ولا: ﴿عُدْوانَ إلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. والتوبة ترد الشارد، والله يحب التوابين، ويحب المتطهرين. وهو القائل: ﴿إنَّ
الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيَّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. وما
أقرب صلاح الأحوال، إذا صلحت العزايم، وتوالت على حزب الشيطان الهزايم، وخُملت الدنيا الدنية في العيون، وصدقت فيها عند الله الظنون: ﴿ يَا أيُّهَا النَّاسُ إنَّ وَعْدَ
اللَّهِ حَقٌّ، فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ
الغُرُورٌ﴾. وثوبوا سراعاً إلى طهارة القلوب، وإزالة الشَّوْب، واقصدوا أبواب غافر الذنوب وقابل التوب. واعلموا أن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدايد، ويسد طريق العوايد، فلا تمطلوا بالتوبة أزمانكم، ولا تأمنوا مكر الله، فتغشوا إيمانكم، ولا تعلقوا متابكم بالصرائر. فهو علام السراير، وإنما علينا [معاشر الأولياء] أن ننصحكم، وإن كنا أولى بالنصيحة. ونعتمدكم ونعتمدكم بالموعظة الصريحة، الصادرة علم الله عن صدق القريحة. وإن شاركناكم في الغفلة، فقد ناديناكم إلى الاسترجاع والاستغفار، وإنما لكم الدنيا نفس مبذولة في في جهاد الكفار. وتقدم إلى ربكم العزيز الغفار، وتقدم لديكم إلى مواقف الصبر. التي لا ترتضي، بتوفيق الله الفرار، واجتهاد فيما يعود بالحسنى وعقبى الدار، والاختيار لله ولي الاختيار. ومصرف الأقدار. وها نحن نسرع في الخروج إلى مدافعه هذا العدو؛ ونفدي بنفوسنا البلاد والعباد، والحريم المستضعف والأولاد؛ ونُصْلَى من من دونهم نار الجلاد، ونستوهب منكم الدُّعاء إلى من وعد بإجابته. وتقبل من صرف إليه وجه إنابته. اللهم كن كن لنا في هذا الانقطاع نصيراً، وعلى أعدائك ظهيراً، ومن انتقام عبدة الأصنام مجيراً، اللهم قَوَّ من ضعفت حيلته، فأنت القوي المعين، وانصر من لا نصير له إلا
أنت: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. اللهم ثبت أقدامنا
وانصرنا عند تزلزل الأقدام، ولا تسلمنا عند لقاء عدو الإسلام، فقد ألقينا إليك يد الاستسلام، اللهم دافع بملايكتك المسومين، عمن ضُيَّقت أرجاؤه، وانقطع إلا منك رجاؤه. اللهم هيئ لضعفائنا، وكلنا ضعيف فقير إليك. ذليل بين يديك حقير، [رحمة تُروَى بالأزمة وتشبع، وقوة تطَّرِد وتُسْتتنبع، يا غَلاَّب الغُلاَّب، يا هازم الأحزاب. يا كريم العوايد، يا مفرج الشدايد: ﴿رَبَّنَا أفْرِغْ
عَلَيْنَا صَبْراً، وَثَبَّتْ أقْدَامَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ
الكَافِرِينَ﴾]. اللهم اجعلنا ممن تيقظ فتيقظ، وذكر فتذكر،
فتذكر، ومن: ﴿ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَاناً وقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ، لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. وقد وردت علينا
المخاطبات من قِبَل إخواننا المسلمين، الذين عرفنا في القديم والحديث اجتهادهم، وشكرنا في ذات الله تعالى جهادهم، بني مرين؛ أولي الامتعاض الله والحمية، والمخصوصين بين القبائل الكريمة بهذه المزية؛ بعزمهم على الامتعاض لحق الجوار، والمصارخة التي تليق بالأحرار، والنفرة لانتهاك ذمار بيتهم المختار، وحركة سلطانهم محل أخينا بمن له من الأولياء والأنصار، إلى الإعانة على هؤلاء الكفار، ومدافعة أحزاب الشيطان وأهل النار، [فاسألوا الله تعالى] إعانتهم على هذا المقصد الكريم الآثار، والسعي الضمين للعز والأجر والفخار، والسلام الكريم يخصكم أيها الأولياء ورحمة الله وبركاته. في الثاني عشر من شهر رمضان المعظم؛ من عام سبع وستين وسبعمائة. عَرَّفنا الله خيره. صح هذا. فكان دفاع الله أقوى، وعصمته أكفى. والحمد لله على عوايده الحسنى)). ومن الغيرة على الدين، وتغير أحوال الملحدين، من مآزق جهاد النفس، ما وقع به العمل من إخماد البدع. وإذهاب الآراء المضلة، والاشتداد على أهل الزيغ والزندقة. وقد أضاقت أرباب هذه الأضاليل الشريعة، وسدت مضرهم في الكافة، فيسلط عليهم الحكام. واستدعيت الشهادات. وأخذهم التشريد، فهل تحس منهم أحداً، أو تسمع لهم ركزاً.
وقيد في ذلك عني مقالات أخرى. منها رسالة ((الغيرة على أهل الحيرة))، ورسالة ((حمل الجمهور على السنن المشهور)). ورسالة ((أنشدت على أهل الرد)). فارتفع الخوض، وكسدت تلك الأسواق الخبيثة. وصمّ منها الصدا، ووضح نار الهدى، والحمد لله، ولو تتبعت مناقب الهدا، لأخرج ذلك عن الغرض.
الأحداث
وفي غرة ذي الحجة كانت الثورة الشنعاء، المجحفة بالدولة، وقد كان السلطان أنذر بطائفة، تُداخِل بعض القرابة، فعاجله بالقبض عليه، وهو في محل ولايته، فَصُفَّدَ وأحْمِل إلى قصبة ألمرية. وخاف أرباب المكيدة افتضاح الأمر؛ فتعجلوا إبراز الكامن، وإظهار الخَبَث، وتولى ذلك جملة من بني غرون؛ ذُنابى بيت الإدبار، وقد عابهم من بني مطرون؛ يدور أمرهم على الدَّليل البَرْكي، فأكذب الله دعوتهم، بعد أن أركبوا الشيخ علياً ابن نصر، ونصبوه تلقاء القلعة بباب البنود، ودعوا الناس إلى بيعته؛ وأخذ السلطان حِذْره، وناصبهم القتال، وأشاع العطا، واستركب الجيش، وعمر الأسوار، فأخفق القصد، وفرّ الدليل البركي، وتُقُبَّضَ على الرئيس المذكور، وجعل الله العاقبة الحسنة للسلطان.
وكان مما أمليته يومئذ بين يدي السلطان من الكلام المرسل ما هو نصه بعد الصدر: ((وإلى هذا؛ فمما أفادته الفِطَر السليمة، والحِلْم والقَضَاء بالشريعة، والنقل الشرعي، والسنن المَرْعي، أنَّ مُغالب الحق مغلوب، ومُزاحم الله مهزوم، ومكابر البرهان بالجهل موسوم، ومرتع الغي مهجور، وسيف العدوان مفلول، وحظ الشيطان موكوس، وحزب السلطان منصور. ولا خفاء بنعمة الله علينا، التي اطَّردها في المواطن العديدة؛ والهضبات البعيدة. والشبهات غير المبينة، والظلمات الكثيفة، معلن بوفور الحظ من رحمته، وإبراز القداح في مجال كرامته، والاختصاص بسيما اختياره. فجعل العصمة ليلة الحادث علينا من دون مضجع أماناً، ونهج لنا سبيل النجاة بين يدي كسبه علينا، وسخر لنا ظهري الطريف والطريق، بعد أن فرق لنا بحر الليل، وأوضح لنا خفي المسلك، وعبد لنا عاصي الحزم، ودمَّثَ غَمْر الشَّعْراء، وأوطأنا صهوة المنعة، وضرب وجوه الشرذمة المتبعة، بعد أن ركضوا قنيب البَراذِن البادنة، من خزاين إهداينا، المتجملة بحلي ركبنا؛ وتحملوا السلاح والرياش المختار من أثير صِلاتنا، وأبهروا الأنفاس التي طال ما رفعها إيناسنا وأبلغها الريق تأميننا، وصببوا العرق الذي أفضله طعامنا، شرهين إلى دمنا، المحظور بالكتاب والسنة، المحوط بسياج البيعة، المحصن عنهم بتقديم النعمة، وحرمة الأب ومتعدد الأذمة. فجعل الله بيننا وبينهم حاجزاً، وسَدَّ ليأجوجهم من المردة مانعاً، وانقلبوا يعضّون الأنامل الغضّة من سُرَيْط جفاننا، ويقلبون الأكف التي أجدبها الدهر، ترفيعاً من المهن المترتبة في خدمتنا، قد حالهم صغار القدر، وذل الخيبة، وكبح الله جماعتهم عن التنفق بتلك الوسيلة. واحتللنا قصبة وادي آش؛ لا نملك إلا أنفساً، لم يشبها غش الملة، ولا كياد الأمة، ولا دنسها والحمد لله عار الفاحشة، ولا وسمها الشوم في الولاية، ولا أحبط عمل نجابتها دخل العقيدة، ولا مرض السريرة، مذ سلمنا المقادة لمن عطف علينا القلوب، وصير إلينا ملك أبينا من غير حول ولا حيلة، نرى أنها أملك لحرمتنا، وأعلم بما كنا، وأرحم بنا. فتشبثت بها القدم، وحميت لنا من أهلها، رعاهم الله الهمم، وصدقت في الذّبّ عنا العزايم، وحاصرنا جيش العدو، وأولياء الشياطين، وظهر الباطل، فبان الظفر والاستقبال، وظهرت الفئة القليلة، والله مع الصابرين، فغلبوا هناك وانقلبوا صاغرين. ومع ما لنا من الضيق، وأهمنا من الأمر، فلم نطلق به غارة، ولا شرهنا إلى تغيير نعمة، ولا سرحنا عنا اكتساح على هجمة، ولا شعنا لبساً في بيت ولا حلة، وأمسكنا الأرماق بيسير الحلال الذي اشتملته خزايننا من أعشار وزكوات، وحظوظ من زراعات، وارتقبنا الفرج ممن محّص بالشدة، والإقالة ممن نبه من الغفلة، وألهم الإقلاع والتوبة. ثم وفقنا سبحانه، وألهمنا من أمرنا رَشَداً، وسلك بنا طريقاً في بحر الفتنة يبساً، فدناه بحقن الدماء، وتأمين الأرجاء، وشكرنا على البلاء، كشكرنا إياه على الآلاء. وخرجنا عن الأندلس، ولقد كاد، لولا عصمته، بأن نذهب مذاهب الزوراء، ونستأصل الشأفة، ونستأصل العرصة، سبحانه ما أكمل صنعه، وأجمل علينا ستره، إلى أن جزنا البحر، ولحقنا بجوار سلطان المغرب، لم تَنْبُ عنا عين، ولا شمخ علينا أنف، ولا حمل علينا بركب، ولا هتفت حولنا غاشية، ولا نُزِعَ عَنَّا للتقوى والعفاف والعفاف سِر، بل كان الناس يوجبون لنا الحق الذي أغفله الأوغاد من أبناء دولتنا، والضفادع ببركة نعمتنا. حتى إذا الناس عافوا الصيحة، وتملوا الحسرة، وسيموا الخسار والخيبة، وسامهم الطغام الذين لا يرجون لله وقاراً، ولا يألون لشعايره المعظمة احتقاراً، كلاب الأطماع، وعبدة الطاغوت، ومدبرو حجُون الجهل، ومياسيس أسواق البعد عن الرّب، وعرايس محرم الزينة، ودود القز، وثغار النهم؛ الأعزة على المؤمنين بالباطل؛ الأذلة في أنفسهم بالحق، ممن لا يحسن المحاولة، ولا يلازم الصهوة، ولا يحمل السلاح، ولا ينزه مجتمع الحشمة عن الفحشاء، ولا يطعم المسكين، ولا يشعر بوجود الله؛ جاروا من شقيهم المحروم، على مضعوف ملتف في الحرم المحصور، محتف بلطف المهد، معلل بالخداع، مسلوب الجرأة بأيدي انتهازهم، شؤم على الإسلام، ومعرة في وجه الدين، أخذ الله منهم حق الشريعة، وأنصف أيمة الملة. فلم ينشبوا أن تهارشوا، فَعُضَّ بعضهم، واستأصلهم البغي، وأُلْحِم للسيف، وتفنن القتل؛ فمن بين مجدل، يوارى بأحلاس الدواب الوبِرة، وغريق يزف يزف به إلى سوء الميتة، واستهينت حرمة الله، واستضيم واستضيم الدين، واستبيحت المحرمات، واستبضعت الفروج في غير الرشدة، وساءت في عدو الدين الحيلة؛ فتحركنا عن اتفاق من أرباب الفتيا، وعزم من أولي الحرية، وتحريض من أولي الحفيظة والهمة، وتداحر من الشوكة، وتحريك من وراء البحر من الأمة. فكان ما قد علمتم من تسكين الثايرة، وإشكا العديم، وإصمات الصارخ، وشعب الثأي، ومعالجة البلوى، وتدارك القطر، وقد أشفى، وكشف الضر والبأسا [أما الحبوة فالتمسها، وجل الرب، واستشاط عليها جو السماء]. وأما مرافق البحر ومرافده؛ فسدت طرقها أساطيل الأعداء. وأما الحميّة فبددها فساد السيرة، وغمط الحق، وتفضيل الأذى. وأما المال فاصطلم السفه بيضاءه وصفراءه، وكبس خزاينه حتى وقع الإدقاع والإعدام، وأقوى العامر، وأفتقرت المجابي والمغابن، واغتربت جفون السيوف من حلاها. وجردتموه الآلة إلى أعلاها، والدغل المستبطن [الفاضح]، ويمحض الحين، وأسلمت للدواء العرصة، وتخربت الثغور من غير مدافعة، واكتسحت الجهات فلم يترك بها نافخ. ووقع القول، وحق البهت، وخذل الناصر، وتبرأت الأواصر، فحاكمنا العدو إلى النصفة. ولم نقره على الدنية، وبايناه أحوج ما كنا إلى كدحه، وأطمع ما أصبحنا في مظاهرته على الكفار مثله، اعتزازاً بالله، وثقة به، ولجأ إليه وتوكلاً عليه، سبحانه ما أبهر قدرته، وأسرع نصرته، وأوجى أمره، وأشد قهره. وركبنا بحر الخطر، بجيش من التجربة ونهدنا قدماً، لا نهاب الهول ولا نراقبه، وأطللنا على أحواز ريَّه في الجمع القليل، إلا من مدد الصَّبر المفرد، إلا من مظاهرة الله الغُفل، إلا من زينة الحق المظلل جناح عقابه يجتاح الروح، تسد جياده بصهيل العز، المطالعة غرره بطليعة النصر. فلما أحس بنا المؤمنون المطهرون بساحتهم انتزوا من عقال الإيالة الظالمة، والدعوة الفاجرة، وتبرأوا من الشرذمة الغاوية. والطايفة المناصبة لله المحارية، وأقبلوا ثنيات وأفراداً، وزرافات ووحداناً. ينظرون بعيون لم ترو من غيبتنا، من محيا رحمة، ولا اكتحلت بمنظر رأفة، ووجوه عليها قسوة الخسف، وإبشار عليها بوس الجهد، يتعلقون بأذيالنا تعلق الغريق، يئنون من الجوع والخوف أنين المرضى، ويجهشون بالبكاء، ويعلنون لله ولنا بالشكوى. فعرفناهم الأمان من الأعداء، وأول عارفة جعلونا عليهم، وصرفنا وجه التأمين والتأنيس، وجميل الود إليهم، وخارطناهم الإجهاش والرقعة، ووثّبنا لهم من الذلة، واستولينا على دار الملك ببلدهم، فأنزلنا منها أخابيث كان الأشقياء مخلفوهم بها، من أخلاف لا يزال تطأ إبشارهم الحدود، وتأنف من استكفايهم اليهود، وانثالت علينا البلاد، وشمّر الطاغية ذيله عن الجهات، وراجع الإسلام رمق الحياة، وحثثنا السير إلى دار الملك، وقد فرّ عنها الشقي الغاصب، بشوكة بغيه، التي أمدته في الغي، وأجرته على حرمة الله. وقصد دار قشتالة، بكل ما صانت الحقاق من ذخيرة، [وحجبت الأمهاء من خرزة ثمينة] يتوعدون المسلمين بإدالة الكفر من الإيمان، واقياد جيوش الصلبان، وشد الحيازم إلى تبديل الأرض غير الأرض، وسوم الدين، وطمس معالم الحق، كياداً لرسول الله في أمته، ومناصبة له في حنيفيته، وتبديلاً لنعمة الله كفراً، ولمعروف الحق نكراً، أصبح له الناس على مثل الرَّضْف، يرتقبون إطلال الكريهة، وسقوط الظلة، وعودة الكرة، وعقبى المعرة: ﴿ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ
مُحِيطٌ ﴾: و﴿بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾، ولدعاء المستضعفين
من المؤمنين مجيب، ومنهم وإن قعدوا في أقصى الأرض قريب. ولم نقدم مذ حللنا بدار الملك شيئاً على مراسلة صاحب قشتالة في أمره، نناشده العهد، ونطري له الوفاء، ونناجزه إلى الحق، ونقوده إلى حسن التلطف، إلى الذي نشاء من الأمن، فحسم الداء، واجتث الأعداء، وناصح الإسلام وهو أعدا عدوه، وحزم الدين، وهو المعطل من أدوايه، وصارت صغرى عناية الله بنا، التي كانت العظمى، واندرجت أولاها في الأخرى، وأتت ركايب اليمن واليمين، تترى، ورأى المؤمنون أن الله لم يخلق هذا الصقع سدى ولا هباء عبثاً، وأن له فينا خبيئة غيب، وسر عناية، ويبلغنا إياها، ويطوقنا طوقها، لا مانع لعطايه، ولا معدد لآلايه، له الحمد ملء أرضه وسمايه. فمن اضطردت له هذه العجايب، فحملته عوايق الاستقامة مزية جيوب التقوى، كيف لا يتمنى، ويدين لله بمناصحته، ويحذر عناد الله بمخالفته، ويخشى عاقبة أمره، إنها: ﴿ لاَ تَعْمَى الأبْصَارُ،
وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التِي فِي الصُّدُورِ ﴾. فَقَلَّمْنا أظفار
المطالبة [وأغضينا عن البقية] وسوغنا من كشف وجهه في حربنا نعمة الإبقاء وأقطعنا رحم من قطع طاعتنا جانب الصفح، وأدررنا لكثير ممن شح عنا ولو بالكلمة الطيبة جورية الرزق، ووهنا ما وجب لنا من الحق، ودنا له بكظم الغيظ؛ وعمرنا الرتب بأربابها، وجردنا الألقاب بعد خرابها، وقبضنا الجباية محملة كتد العادة، مقودة بزمام الرفق؛ ممسوحاً عطفها بكف الطواعية. فبللنا صدأ الجيش الممطول بالأماني، المعلل بالكذب، المستخدم في الذب عن مجاثم الفحشاء، ومراقد العهر، ودارينا الأعداء، وحسمنا الداء، وظهر أمر الله وهم كارهون. إلا أن تلك الشرذمة الخبيثة، أبقت جراثيم نفاق، ركبها انحجار الغدر، وبذر بها حصيد الشر، وأخلطوا الحقايب اللعنة ممن ساء ظنه، وخبث فكره، وظن أن العقاب لا يفلته، والحق لا يذره، والسياسة لا تحفزه، فدبت عقاربهم، وتدارت طوافاتهم، وتأبت فسادهم، فدبروا أمراً تبره الله تتبيراً، وأوسعه خزياً وبيلا، وجفلوا يرتادون من أذيال القرابة، من استخلصه الشيطان وأصحبه الخذلان، من لا يصلح لشيء من الوظائف، ولا يستقل ببعض الكلف، فحركوا منهم زاهق زمانه، من شر الدواب الذين لا يسمعون، فأجرهم رسنه، وتوقف وقفة العين بين الورد والصدر؛ بخلال ما أطلعنا الله طلع نيته. فعاجلناه بالقبض، واستودعناه مصفداً ببعض الأطباق البعيدة، والأجباب العميقة، فخرج أمرهم، وخافوا أن نحترش السعايات، صباب مكرهم، وتتبع نفاقهم، فأقدموا إقدام العير على الأسد، استعجالاً للحين، ورجعاً لحكم الخيار، وإقداماً على التي هي أشد، تولى كبرها، وكشف وجهه في معصيتها الخبيث البركي؛ حِلْف التهور والخرق، المموه بالبسالة وهو الكذوب النكوث الفلول، تحملنا هفوته، وتغمدنا بالعفو قديماً وحديثاً زلته، وأعرضنا فيه عن النصيحة، وأبقينا له حكم الولاية، وأنسنا من نفرته، وتعاففنا عن غرته، وسوغنا الجرايم التي سبقت، والجراير التي سلفت، من إفساد العهد، وأسر المسلمين، والافتيات على الشرع، والصدوع بدعوى الجاهلية، فلم يفده، إلا بطراً، ولم يزده إلا مكراً، والخير في غير أهله يستحيل شراً، والنفع ينقلب ضراً. والتَفَّتْ عليه طايفة من الخلايق؛ بنو غرون؛ قرعاء الجبل والمشأمة. وأذناب بيت الإدبار، ونفاية الشُّرَّار، عَرَك جرأتهم مكان صهرهم البائس، ابن بطرون، الضعيف المنَّة السقيط الهمَّة، الخامل التفصيل والجملة، وغيرهم ممن يأذن الله بضلال كيدهم وتخييب سعيهم. فاقتحموا البلد صبيحة يهتفون بالناس؛ أن قد طرق حمامهم، وأن العدو قد دهمهم، ملتفتين يرون أنهم في أذيالهم، وأن رماحهم تنهشهم وتنوشهم، وسرعانهم ترهقهم، كأنهم سقطوا من السماء، أو ثاروا من بين الحصباء. ثم جالوا في أزقة البلد يقذفون في الصفاح نار الحُباحب ركضاً فوق الصخر المرصوف، وخوضاً في الماء غير المرهوف، ثم قصدوا دار الشيخ البايس علي بن أحمد بن نصر، نفاية البيت، ودردى القوم، ممسوخ الشكل، قبيح اللثغ ظاهر الكدر، لإدمان المعاقرة، مزنون بالمعاقرة والربت على الكبرة ساقط الهمة؛ عديم الدين والحشمة، منتمت في البخل والهلع، إلى أقصى درجات الخسة، مثل في الكذب والنميمة، مُعَيَّب المثانة؛ لا يرِقُ بوله، ولا يجف سلسه. فاستخرجوه مبايعاً في الخلافة، منصوباً بأعلى كرسي الإمامة، مدعوماً بالأيدي لكونه قلقاً لا يثبت على الصهوة مختاراً لحماية البيضة؛ والعدل في الأمة، مغتماً للذب عن الحنيفية السمحة، وصعدوا به إلى ربوة بإزاء قلعتنا، منتتراً باب البنود، مستنداً إلى الربض. مطلاً على دار الملك، قد أقام له رسم الوزارة ابن مطرون الكاري، الكسح الدروب برسم المسومة، الحرد، المهين الحجة، فحل طاحونة الغدر، وقدر السوق والخيانة، واليهودي الشكل والنحل، وقرعت حوله طبول الأعراس، إشادة بخمول أمره، واستهجان آلته، ونشرت عليه راية فال رأيها، وخلب سعيها ودارت به زعنفة من طغام من لا يملي ولا يزيد المكا والصغير من حيله، وأنبث في سكك البلد مناديه، وهتف أولياء باطله باسمه وكنيته؛ وانتجزوا مواعيد الشيطان فأخلفت، ودعوا سماسير الغرور فصمت، وقدحوا زناد الفتنة فصلدت وما أوارت. ولحين شعرنا بالحادثة، ونظرنا إلى مرج الناس، واتصل بنا ريح الخلاف، وجهير الخلعان، استعنا بالله وتوكلنا عليه، وفوضنا أمرنا إلى خير الناصرين، وقلنا: ﴿ رَبَّنَا افْتَحْ
بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقَّ وَأنْتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ﴾، واستركبنا
الجند وأذعنا خبر العطاء، وأطلقنا بريح الجهاد، ونفير الجلاد، وملأنا الأكف بالسلاح، وعمرنا الأبراج بالرجال، وقرعنا طبول الملك، ونشرنا ألوية الحق؛ واستظهرنا بخالصة الأمراء أولياء الدعوة، وخاطبنا فقيه الربض، نخبر مخبره؛ ونسبر غوره، فالفيناه متوارياً في وكره، مرعيا على دينه، مشفقاً من الإخطار برمه، مشيراً بكمه. وتفقدنا البلد، فلم نرتب بأحد من أهله. فلما كملت البيعة، وفخمت الجملة، أنهدنا الجيش، ولي أمرنا، الذي اتخذناه ظهيراً؛ واستنبطناه مشيراً، والتزمناه جليساً وصهيراً. ولم ندخر عنه محلا أثيراً، الشيخ الأجل، أبا سعيد عثمان ابن الشيخ أبي زكريا يحيى بن عمر بن رحو، ممهد الرعب بقدومه، والسعد في خدمتنا بخدمه، في جيش كثيف الجملة، سابغ العدة، مزاح العلة، وافر الناشية، أخذ بباب الربض وشعابه، ولف عليه أطنابه، وشرع إليه أمله. ولم يكن إلا كلاً ولا حتى داسه بالسنابك، وتخلفه مجر العوالي، ومجرى السوابق، وهو الحمى الذي لا يتوعد، والمجد الذي لا يغرب، فلولا تظاهر مشيخته بشعار السلم؛ واستظلاله بظلال العافية، لحث الفاقرة، ووقعت به الرزية. وفر الأعداء لأول وهلة، وأسلموا شقيهم أذل من وتد في قاع، وسلحفة في أعلى يفاع، فتقبض عليه، وأخذت الخيل أعقاب الغدرة أشياعه، وقيد إلينا يرسف في قيد المهزم، ثعلبان مكيدة، وشَكيَّة ضلال ومظنة فضيحة، وأضحوكة سمر. فتضرع بين أيدينا، وأخذته الملامة، وعلاه الخزي، وثل إلى المطبق، حتى نستدعي حكم الله في جرمه، ونقتضي الفتيا في جريرته، ونختار في أقسام ما عرضه الوحي من قتلته. وهدأت الثايرة والحمد لله من يومها، واجتثت شجرة الخلاف من أصلها، فالحمد لله الذي أتم نوره ولو
كره الكافرون: ﴿ إنَّ هَؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وماذا رأيهم منا، أصغر الله منقلبهم، وأخزى مردهم، وأستأصل فلكهم؟ أولا يتبنى أمر وارثه؛ ثم عوده إلينا طواعية، ثم رفعنا وطأة العدو وحربه، ومددنا ظلال الأمن دفعة، وأنفأنا رمق الثغور، حين لم يجدوا حيلة إلا ما عرفوا من أمنه، وبلوا من حيطته وتسوغاً من هدنة، وانسحبت فوق آمالهم وحريمهم من عفة. وأظهر الله علينا من نعمة: ﴿ رَبَّنَا إنَّكَ تَعْلَمُ مَا
نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلاَ
فِي السَّمَاءِ ﴾. اللهم ألبسنا سريرتنا، وعاملنا بدخلتنا فيهم، وإن كنا أردنا لجماعتهم شراً، وفي دينهم إغماضاً، وعن العدل فيهم عدولاً، فعاملنا بحسب ما تبلوه من عقيدنا، وتستكشفه من خبيئتنا، وإن كنت تعلم صحة مناصحتنا لسوادهم؛ واستنفادنا الجهد في إتاحة عافيتهم، ورعي صلاحهم، وتكيف آمالهم، فصل لنا عادة صنعك فيهم، ومسلنا طاعتهم، واهد بنا جماعتهم، وارفع بنظرنا إطاعتهم، يا أرحم الراحمين.
ولما أسفر صبح هذا الصنع عن حسن العفو، وأستقر على التي هي أزكى، وظهر لنا (لا تخاف بالله دركاً ولا تخشى)، وأن سبيل الحق أنجى، ومحجته أحجى، خاطبناكم نجلو نعم الله قبلنا عليكم، ونشيد بتقوى الله بناديكم، وعنايته لدينا ولديكم، ونهدي طرف صنعه الجميل قبلنا إليكم ليكسبكم اعتباراً، فزجوا الله وقارا، وتزيدوا يقيناً واستبصاراً، وتصفوا العين من اختار لكم اختيارا. وهو حسبنا ونعم الوكيل، والله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم. كتب في كذا. والسلام عليكم ورحمت الله وبركاته. صحَّ هذا.
الجهاد في شعبان من عام سبعة
وستين وسبعمائة
اقتضى نظر الحزم، ورأى الاجتهاد للإسلام، إطلاق الغارات على بلد الكفرة من جميع جهات المسلمين، فعظم الأثر، وشهر الذكر، واكتسحت الماشية، وألحم السيف. وكان ثغر برغة، الفايزة به يد الكفرة، لهذا السنين القريبة، قد أهم القلوب، وشغل النفوس، وأضاق الصدور، لانبتات مدينة رندة، بحيث لا يخلص الطيف، ولا تبلغ الرسالة من الطير وغيرها إلى ناحية العدو. فوقع العمل على قصده، واستعانة الله عليه، واستنفر لمنازلته أهل الجهات الغربية من مالقة ورندة، وما بينهما، ويسر الله في فتحه، بعد قتال شديد، وحرب عظيمة، وجهاد شهير، واستولى المسلمون عليه، فامتلأت أيديهم أثاثاً وسلاحاً ورياشاً وآلة، وطهرت للحين مساجده، وزينت بكلمة الله مشاهده، [وأنست بالمؤمنين معاهده] ورتبت فيه الحماة والرماة، والفرسان الكماة، واتصلت بفتحة الأيدي، وارتفعت العوايق، وأوضحت بين المسلمين وأخوانهم السبل، والحمد لله. وتوجهت بفتحه الرسايل، وعظمت المنن الجلايل، وفر العدو لهذا العهد عن حصن السهلة، من حصون الحفرة اللويشية، وسد الطريق الماثلة، وذلك كله في العشر الأوسط لشعبان من هذا العام. ثم أجلب المسلمون في رُندة في أخرياته وقصدوا باغة وجيرة فاستنزلوا أهلها، وافتتحوها، فعظمت النعمة، واطرد الفتح، واتسعت الجهة.
وكانت مما خوطبت به الجهة المرينية من إملائي: المقام الذي نبشره بالفتح ونحييه، ونعيد له خبر المسرة بعد أن نبديه؛ ونسأل الله أن يضع لنا البركة فيه. ونشرك مساهمته فيما نهصره من أغصان الزهور ونجنيه ونعلم أن عزة الإسلام وأهله أسنى أمانيه، وإعانتهم أهم ما يعنيه. مقام محل أخينا الذي نعظم قدره، ونلتزم بره، ونعلم سره في مساهمة المسلمين وجهره؛ السلطان الكذا، الذي أبقاه الله في عمل الجهاد ونيته؛ متكفلة بنشر كلمة الله طويته، متممة من ظهور الدين الحنيف أمنيته، معظم جلاله، ومجزل ثنايه، ومؤمل عادة احتفاله بهذا الوطن الجهادي واعتنايه، أيد الله أمره، وأعز نصره. سلام كريم عليكم، ورحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله، واصل سبب الفتوح، ومجزل مواهب النصر الممنوح. ومؤيد الفئة القليلة بالملايكة والروح، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبيه، الآتي بنور الهدى بين الوضوح، الداعي من قبوله ورضوانه إلى المنهل المورود والباب المفتوح، الرضا عن آله وأصحابه، أسود السروج، وحماة السروح، والمقتفين نهجه في جهاد عدو الله بالعين القارة والصدر المشروح، والدعاء لمقامكم العلي بالعز الرفيع الصروح. فإنا كتبناه إليكم، كتب الله لكم سبوغ المواهب، ووضوح المذاهب وعزة الجانب، وظفرة الكتايب، من حمراء غرناطة حرسها الله، ونعم الله واكفة السحايب، كفيلة بنيل الرغايب، والله يصل لنا ولكم عوارف اللطايف، ويجعل الشهيد دليلاً على الغايب. وإلى هذا وصل الله إعزازكم، وحرس أحوازكم وعمر بالحقيقة من أمراد مجازنا ومجازكم. فإنا بادرنا تعريفكم بما فتح الله علينا من الثغر العزيز على الإسلام، العايد رزؤه الفادح على عبادة الأصنام، ركاب الغارات، وممكن حياة المضرات، ومخيف الطريق السابلة؛ والمسارح الآهلة، حصن بُرْغة ويسر الله في استرجاعه مع شهرة امتناعه، وتطهر من دنس الكفار وأنيرت مئذنته بكلمة الشهادة الساطعة الأنوار، وعجلنا ذلك على حين وضعت الحرب فيه أوزارها، ووفت الأوتار أوبارها، فسار الكتاب إليكم، وأجير الأجر لم يجف عرقه، وعذر الاستعجال لأحبة طرقه. ولما عدنا إلى حضرتنا، بعد ما حصناه وعمرناه، وأجزلنا نظر الحزم له وفرقناه. لم تكد البنود لمسرة فتحه أن تعاد إلى أماكن صونها، مرتقبة عادة الله في عونها، حتى طرقت الأنباء السارة بتوالي الصنع وانفراده بتشفيع أفراده. وذلك أن أهل رندة حرسها الله، نافسوا جيرانهم من أهل مالقة، كان الله لجميعهم، وتولى شكر صنيعهم، فيما كان من امتيازهم بحصن بُرغة، الجار المصاقب لها، فحميت هممهم السنية، وهانت في الله موارد المنية، وتضافر العمل والنية، وظهر نجح المقاصد الدينية في إتاحة الفتح الهنية، فوجهوا نحو حصن وحبر، وهو الداين صحر المدينة ونحرها. والعدو الذي لا يفتر عن ضرها، والحية الذكر التي هي مروان أمرها؛ ففتحوه بعون الله وقوته، وتهنوا بعده سلوك الطريق، وإشاعة الريق، ومراصد الحرس، ومجلوا الجرس، وأنصفوا، وانصرفوا إلى حصن باغة، من مشاهد تلك الحفرة، فناشبوه القتال، وأذاقوه الوبال، وفوقوا إليه النبال، ففتحة الله فتحاً هيناً. لم تفت فيه للمسلمين نفس ولا تطرق لنصر التيسير لبس، فقابلنا بها لشكر هذه النعم المتوالية، والمنن المتقدمة والتالية. وأعدنا الأعلام إلى مراكزها المشرفة المراقب، والطبول إلى قرعها عملاً من الإشارة بالواجب، وشكرنا الله على اتصال المواهب، ووضوح المذاهب، وخاطبنا مقامكم الذي نرى الصنايع متواترة بنيته الصالحة وقصده، ويعتد في الحرب والسلم بمجده، علماً بأن هذه المسرات، نصيبكم منها النصيب الأوفى؛ وارتياحكم أي لمثلها لا يخفى، ونحن نرقب ما تنجلي عنه هذه النكايات، التي تفتت كبد العدو تتاليها، وتروع أحوازه وما يليها، ولا بد له من امتعاض يروم به صرع المعرة، ويأبى الله أن ذلك يأتي بالكرة، والله يجعلها محركات لحتفه المرقوب، وحينه المجلوب، ويحقق حق القلوب، في نصرة المطلوب، عرفناكم بما تريدون عملاً بواجب بركم، ومعرفة بقدركم، وما يتزايد نعرفكم به، ويتصل سبب التأكيد والتعجيل بسببه. والسلام.
الغزاة إلى حصن أشر
وفي أوائل شهر رمضان بعده. أعمل السلطان الحركة السعيدة إلى حصن أشر، وهو قفل الثغر الذي فضه الطاغية، وسورها الذي فرغه الكفر. وجارحه المحلق على البلاد. والمتحكم لولا فضل الله في الأموال والأولاد، فتأذن الله برد مغتصبه، والشفا من وَصَبِه، وأحاط به وناصبه الحرب، ففتحه الله على يده عنوة. على سمو ذروته، وبعد صيته وشهرته؛ واختيار الطاغية في حاميته بعد حرب لم يسمع بمثله، فاز بمزية الحمد فيها السلطان، لمباشرته إياها بنفسه، وحمل كلها فوق كاهله، واتقاد ما خَمَدَ من الحَمِيَّة بتحريضه. ثم لما كان بعد الفتح من استخلاص القصبة وسد ثلمها بيده، ومصابرة جو القيظ عامة يومه، فحاز ذكراً جميلاً وحل من القلوب محلا أثيراً، ورحل منها، بعد أن أسكن بها من الفرسان رابطة متخيرة، ومن الرماة جملة، وتخلف سلاحاً وعدة، فكان الفتح على المسلمين. في هذا المعقل العزيز عليهم جليلاً، والمن من الله جزيلاً، والصنع كثيراً. وصدرت المخاطبة للمغرب بذلك، على الأسلوب المرسل الخلي من السجع الغني.
الغزاة المُعْملة إلى أطريرة
في شهر شعبان؛ من عام ثمانية وستين وسبعمائة، كانت الحركة إلى مدينة أطريرة بنت إشبيلية. وبلدة تلك الناحية الآمنة. مهاد الهدنة البعيدة عن الصَّرْمة. حرك إليها بعدُ المدى، وآثرها بمحض الردى، من بين بلاد العدا، ما أسلف به أهلها المسلمين، من قتل أسراهم في العام قبله. فنازلها السلطان أول رمضان، وناشبها الحرب واستباح المدينة وربضها عنوة. ولجأ أهلها إلى قصبتها المنيعة، ذات الأبراج المشيدة، وأخذ القتال بمخنقهم، وأعان الزحام على استنزالهم، فاسْتُنْزلوا على حكم المسلمين، فيما يناهز خمسة، بما لم يتقدمه عهد؛ ولا اكتحلت به في هذه المدة عين، ولا تلقته عنها أذن، وامتلأت أيدي المسلمين، بما لم يعلمه إلا الله، من شتى الغنايم، وأنواع الفوايد، واقتسم الناس السبي ربعاً على الأكفال والظهور، وتقديرا بقدر الرجال، وحملا فوق الظهور للفرسان، وعمرانا للسروج والأعضاد بالصبية، وبرز الناس إلى ملاقاة السلطان. في هول من العز شهير من الفخر، وبعيد من الصيت، قرت له أعينهم، وقعد لبيعتهم أياماً تباعاً، وملأ بهم البلاد هدايا وتحفاً والحمد لله. [وصدرت المخاطبة بذلك إلى السلطان بالمغرب بما نصه من الكلام المرسل من إنشائي].
الغزاة إلى فتح جيّان
وفي آخر محرم من عام تسعة وستين وسبعمائة، كانت الحركة الكبرى إلى مدينة جيّان، إحدى دور الملك، ومدن المعمود، وكرسية الإمارة، ولو أن المدن الشهيرة، افتتحها الله عنوة، ونقل المسلمون ما اشتملت عليه من النعم والأقوات والأموال والأنعام والأثواب والدواب والسلاح، ومكنهم من قتل المقاتلة، وسبي الذرية، وتخريب الديار، ومحو الآثار، واستنساف النعم، وقطع الأشجار. وهذا الفتح خارق؛ تعالى أن يحيط به النظم والنثر، فذكرُه أطير، وفخره أشهر، وصدرت في ذلك المخاطبة من إملائي إلى ملك المغرب. وأصاب الخلق عقب القفول في هذه الغزاة مرض وافد؛ فشا في الناس كافة، وكانت عاقبته السلامة، وتدارك الله بلطفه، فلم يتسع المجال لإنشاد الشعراء، ومواقف الإطراء، إلى شغل عن ذلك.
الغزاة إلى مدينة أُبّدَة
وفي أول ربيع الأول من هذا العام، كان الغزو إلى مدينة أُبّدَة، واحتل بظاهرها جيش المسلمين، وأبلى السلطان في قتالها، وقد أخذت بعد جارتها جيان أقصى أهبة. واستعدت بما في الوسع والقوة، وكانت الحرب بها مشهورة. وافتتحها المسلمون فانتهبوها، وأعفوا مساكنها العظيمة البناء، وكنايسها العجيبة المرأى، وألصقوا أسوارها بالثرى، ورأوا من سعة ساحتها، وبعد أقطارها، وضخامة بناها، ما يكذب الخبر فيه المرأى، ويبلد الأفكار، ويحير النهى. ولله الحمد على آلايه التي لا تحصى. وقفل المسلمون عنها، وقد أخربوها، بحيث لا تعمر رباعها، ولا تأتلف حجورها وجموعها. وصدرت المخاطبة بذلك إلى صاحب المغرب من إنشائي بما نصه:"وإلى هذا العهد جرت الحادثة على ملك قشتالة، بطره بن أدفونش ابن هراندة بن شانجه، وهو الذي تهيأ به الكثير من الصنع للمسلمين، بمزاحمة أخيه أندريق في الملك وتضييقه عليه، وحياز سبعة من كبار أصحابه، وأهل ملته إليه، وافتقار بطره المذكور إلى إعانة المسلمين، وإجلابهم على من آثر طاعته ضده، فانهزم بظاهر حصن منتيل، ومعه عدد من فرسان المسلمين، ولجأ إلى الحصن على غير أهبة ولا استعداد، فأخذ أخوه الذي هزمه بمخنقه، وأدار على الحصن البنا، وفر جيش المحصور، فاجتمع فله بأحواز أبدة، وراسلوا المسلمين في مظاهرتهم على استنقاذهم، فتوجهت الفتيا بوجوب ذلك. ووقع الاستنفار والاحتشاد حرصاً على تخليصه، ليسبب بقاؤه بقاء الفتنة تستأصل الكفر، وتشغل بعض العدو ببعضه. وفي أثناء هذه المحاولة تباطن الحاين المحصور بمن معه، وبعد عليه الخلاص من ورطته، ومساهمة المسلمين إياه في محنته؛ وانقطعت عنه الأنباء بفرج من كربته، فداخل بعض أمراء أخيه وظُهَرايه، ممن يباشر حصاره، وكان قومساً شهيراً من المدد الذي ظاهره، من أهل إفرنسية، ووعده بكل ما يطمع من مال ومهد، وتوفية عهد. فأظهر له القبول وأضمر الخديعة. ولما نزل إليه سجنه ومن لحق به من الأدلاء [وأولى الحرة بالأرض] وأمسكه، وقد طير الخبر إلى أخيه، فأقبل في شرذمة من خواصه وخدامه، فهجم عليه وقتله، وأوسع العفو من كان محصوراً معه، وطير إلى البلاد برأسه، وأوغر التبن في جثته، ولبس ثياب الحزن من أجله، وإن كان معترفاً بالصواب في قتله، وخاطب البلاد التي كانت على مثل الجمر من طاعة، الجاهر بمظاهرة المسلمين، وما جر ذلك من افتتاح بلادهم، وتخريب كنايسهم، والإتيان على نعمهم، فأجابته ضربة، واتفقت على طاعته، فلم يختلف عليه منها اثنان، إلا ما كان من مدينة قرمونة. واجتمعت كلمة النصارى، ووقع ارتفاع شتاتهم، وصرفوا وجوههم إلى المسلمين، وشاع استدعاؤهم جميع من بأرض الشرق من العدو الثقيل ببرجلونة، وعدو الأشبونة، والعدو الثقيل الوطأة بإفرانسية. وقد كان الله جل جلاله، ألهم أهل البصاير النظر في العواقب، والفكر فيما بعد اليوم أعمل. ووقع لي إذن السلطان، المخلي بيني وبين النصائح، في مخاطبة سلطان النصارى المنكوب لهذا العهد، فأشرت عليه بالاحتراز من قومه، والتفطن لمكايد من يحطب في حبل أخيه، وأريته اتخاذ معقل يحرز ولده وذخيرته، ويكون له به الخيار على دهره. واستظهرت له على ذلك بالحكايات المتداولة، والتواريخ المعروفة، لتتصل الفتنة بأرضهم، فقبل الإشارة وشكر النصيحة، واختار لذلك مدينة قرمونة، المختصة بالجوار المكتب، من دار ملكهم إشبيلية، فشيد هضابها، وحصن أسوارها، وملأها بالمخازن طعاماً وعدة، واستكثر من الآلات، واستظهر عليها بالثقات، ونقل إليها المال والذخيرة، وسجن بها رهان أكابر إشبيلية، وأسرى المسلمين، وبالغ في ذلك، فيما لا غاية وراءه ولا مطمع، ولا ينصرف إلى مصرعه الذي دعاه القدر إليه، حتى تركها عدة خلفه، وأودع بها ولده وأهله، ولجأ إليها بعض من خدامه ممن لا يقبل مهدنة ضده، ولا يقر أمان عدوه، والتفوا على صغير من ولده كالنحل على شهده، ولجأوا إلى المسلمين، فبغض عليهم الكرة والفتح بقاء هذا الشَّجَى، المعترض في حلقه، وأهمه تغير أمره، وجعجع به المسلمون لأجله. وأظهروا لمن انحاز بقرمونة الامتساك بعهده، فعظم الخرق، وأظهر الله نُجْح الحيلة؛ وصدق بها المخيلة، وتفتر الأمر؛ وخمدت نار ذلك الإرجاف. واشتغل الطاغية بقرمونة، بخلال ما خوطب به صاحب الأرض الكبيرة، فطمعه في المظاهرة؛ وتحطب له ملك قشتالة، وعقد السلم مع صاحب بُرْطُغال والأشبونة. ونشأت الفتن بأرضهم؛ وخرجت عليهم الخوارج، فأوجب إزعاجه إلى تلك الجهة، وإقرار ما بالبلاد المجاورة للمسلمين من الفرسان والحماة تقاتل وتدافع عن أحوازها وجعل الخصص موجهة قرمونة وانصرف إلى سد الفتوق التي عليه بلطف الحيلة؛ ببواطن أرضه وأحشاء عمالته، وصار في ملكه أشغل من ذات النَّحيين؛ فساغ الريق؛ وأمكن العذر، وانتهز الغرة، واستؤنفت الحركة، فكانت إلى حصن منتيل والحويز، ففتحهما الله في رمضان؛ من عام سبعين وسبعمائة، ثم إلى ثغر روطة؛ ففتحه الله عن جهد كبير، واتصل به حصن زمرة. فأمن الإسلام عادية العدو بتلك الناحية، وكبس أهل رندة. بإيعاز من السلطان إليها، وإلى من بالجبل جبل الفتح، حصن برج الحكيم والقشتور، فيسر الله فتحهما في رمضان أيضاً."
ثم كانت الحركة إلى الجزيرة الخضراء، باب الأندلس، وبكر الفتح الأول، فكانت الحركة إليها شهر ذي الحجة من العام المذكور. ووقع تحريض الناس بين يدي قصدها في المساجد بما نصه:"معاشر المسلمين المجاهدين. وأولي الكفاية عن ذوي الأعذار من القاعدين. أعلى الله بعلو أيديكم كلمة الدين. وجعلكم في سوى الأجر والفخر من الزاهدين، إعلموا رحمكم الله أن الإسلام بالأندلس ساكن دار، والجزيرة الخضراء بابه، ومبعد مغار، والجزيرة الخضراء ركابه، فمن جهتها اتصلت في القديم والحديث أسبابه، ونصرته على أعدايه وأعداء الله أحبابه، ولم يشك العدو الكافر الذي استباحها، وطمس بظلمة الكفر صباحها، على أثر اغتصابها، واسوداد الوجوه المؤمنة لمصابها، وتبديل محاربها، وعلوق أصله الخبيث في طيب تراثها، أن صريع الدين الحنيف بهذا الوطن الشريف؛ لا ينتعش ولا يقوم، بعد أن فُري الحلقوم؛ وأن الباقي رمق يذهب وقد سد إلى التدارك المذهب؛ لو لا أن الله دفع الفاقرة ووقاها، وحفظ المسكنة واستبقاها، وإن كان الجبل عصمه الله نعم البقية. وبمكانه حفت التقية، فحسبك من مصراع باب فجع بثانيه، ومضايق جوار حيل بينه وبين أمانيه. والآن؛ يا عباد الله؛ قد أمكنكم الانتهاز، فلا تضيعوا الفرصة، وفتر المنخنق فلا تسوغه غصة، واعمروا البواطن بحمية الأحرار، وتعاهدوا مع الله معاهد الأولياء الأبرار؛ وانظروا للعون من الذراري والأبكار، والنشأة الصغار، زغب الحواصل في الأكوار، والدين المنتشر بهذه الأقطار، واعملوا للعواقب، تحمدوا عملكم، واخلصوا لله الضماير، يبلغكم من فضله أملكم، فما عذر من سلم في باب وكره. وماذا ينتظر من أذعن لكيد عدوه ومكروه. من هذه الفُرْضة، دخل الإسلام تروع أسوده. ومن هذه الجهة طلع الفتح الأول تخفق بنوده، ومنها تقتحم الطير الغريب، إذا رامت الجواز وفوده، فيبصر بها صافات والدليل يقوده؛ الباب المسدود يا عباد الله فافتحوه، وجه النصر تجلَّى يا عباد الله فالمحوه، الداء العضال يا عباد الله فاستأصلوه، حبل الله يا رجال الله قد انقطع فصلوه. في مثلها ترخص النفوس الغالية، في مثلها تختبر الهمم العالية، في مثلها تشهر العقايد الوثيقة، وتدس الأحباس العريقة، فنضر الله وجه من نظر إلى قلبه، وقد امتلأته حمية الدين، وأصبح لأن تكون كلمة الله هي العليا متهلل الجبين. اللهم إنا نتوسل إليك بأسرار الكتاب الذي أنزلته، وعناية النبي العربي الذي أوفدت من خصوص الرحمات وأجزلت، وبكل نبي ركع لوجهك الكريم وسجد، وبكل ولي [سده من إمدادك كما وجد]. ألا ما رددت علينا ضالتنا الشاردة، وهنأتنا بفتحها من نعمك الواردة، يا مسهل المآرب العسرة، يا جابر القلوب المنكسرة، يا ولي الأمة الغريبة، يا منزل اللطايف القريبة، اجعل لنا ملايكة نصرك مدداً، وانجز لنا من تمام نورك
الحق موعداً. ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، وَهَيَّئْ لَنَا مِنْ أمْرِنَا رَشَداً ﴾.
فوقع الانفعال، وانتشرت الحمية، وجهزت الأساطيل. وكانت منازلتها يوم السبت الثالث والعشرين من الشهر المذكور، وعاطاها المسلمون الحرب، فدخلت البِنْيَة وهي المدينة الملاصقة لها عنوة، قتل بها من الفرسان الدارعة عدة، وصرفت الغنايم إلى المدينة الكبرى. فرأوا من أمر الله ما لا طاقة لهم به، وخذلهم الله جل جلاله، على منعة الأسوار، [وبعد مهاوي الأغوار، وكثرة العدّ والعدد]. وطلبوا الأمان لأنفسهم. وكان خروجهم عنها يوم الاثنين الخامس والعشرين من الشهر المذكور، السعيد على المسلمين، في العيد والسرور، برد الدين. ولله الحمد على آلايه، وتوالي نعمه وإرغام أعدايه.
وفي وسط ربيع الأول من عام أحد وسبعين وسبعمائة، أعمل الحركة إلى أحواز إشبيلية دار الملك، ومحل الشوكة الحادة، وبها نايب سلطان النصارى، في الجمع الخشن من أنجاد فرسانهم، وقد عظم التضييق ببلدة قرمونة، المنفردة بالانتزاء على ملك النصارى، والانحياز إلى خدمة المسلمين، فنازل المسلمون مدينة أشونة، ودخلوا جفنها عنوة، واعتصم أهلها بالقصبة، فتعاصت، واستعجل الإقلاع منها لعدم الماء المروي والمحلات، فكان الانتقال قدماً إلى مدينة مُرشانة [وقد أحدقوا بها]. وبها العدة والعديد من الفرسان الصناديد ففتحها الله سبحانه، إلا القصبة، واستولى المسلمون فيها، وفي جارتها. من الدواب والآلات على ما لا يأخذه الحصر. وقتل الكثير من مقاتلتها. وعم جميعها العدم والإحراق، ورفعت ظهور دواب المسلمين من طعامها؛ ما تقله أظهر مركب البحار؛ ما أوجب في بلاد المسلمين التوسعة، انحطاط الأسعار، وأوجب الغلاء في أرض الكفار، وقفل والحمد لله في عز وظهور. وفرح وسرور.
مولده السعيد
النَّشِييَة الميمون الطلوع والجيية
المقترن بالعافية، منقولاً من تهليل نشأته المباركة. وحرز طفولته السعيدة، في نحو ثلث ليلة الاثنين والعشرين من جمادى الآخرة؛ عام تسعة وثلاثين وسبعمائة. قلت، ووافقه من التاريخ الأعجمي رابع ينير من عام ألف وثلاثمائة وسبعة وسبعين لتاريخ الصُّفر. واقتضت صناعة التعديل بحسب قيمودا وبطليموس، أن يكون الطالع ببرج القمر، لاستيلائه على مواضع الاستقبال المتقدم للولادة، ويكون التخمين على ربع ساعة وعشر ساعة، وثلث عشر الساعة السادسة من ليلة الاثنين المذكورة. والطالع من برج السنبلة، خمس عشرة درجة وثمان وأربعون دقيقة من درجة. كان الله له في الدنيا
والآخرة: و﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾.
محمد بن يوسف
ابن محمد بن أحمد بن خميس بن نصر بن قيس الخزرجي الأنصاري
من ولد سعد بن عبادة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ابن ليمان بن حارثة [بن خليفة] بن ثعلبة بن طريف بن
الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمر بن يعرب بن يشجب
ابن قحطانبن هُمَيْسع ابن يُمن بن نَبْت بن إسماعيل
ابن إبراهيم، صلى الله عليه وعلى محمد الكريم.
أمير المسلمين بالأندلس ودايلها وخدمة
النصريين بها؛ يكنى أبا عبد الله؛
ويلقب بالغالب بالله.
أوليته
وقد اشتهر عند كثير ممن عني بالأخبار أن هذا البيت النصري من ذرية سعد بن عبادة سيد الخزرج. وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وصنف الناس في اتصال نسبهم [بقيس بن سعد بن عبادة] غير ما تصنيف وأقوى ما ذكر، قول الرازي: دخل الأندلس من [ذرية] سعد ابن عبادة رجلان، نزل أحدهما أرض تاكرونا، ونزل الآخر قرية من قرى سقرسطونة تعرف بقرية الخزرج، ونشأ بأحواز أرجونة من كنبانية قرطبة، أطيب البلاد مدرة، وأوفرها غلة، وهو بلدُه، وبلد جده، في ظل نعمة، وعلاج فلاحة، وبين يدي نجدة وشهرة، بحيث اقتضى ذلك، أن يفيض شِرْيان الرياسة، وانطوت أفكاره على نيل الإمارة [ورآه مرتادو أكفاء الدول أهلاً، فقدحوا رغبته، وأثاروا طمعه].
حدث شيخنا الكاتب الشاعر محمد بن محمد بن عبد الله اللوشي اليحصبي، وقد أخبرني أنه كان يوجد بمدينة جيان رجل من أهل المالية، وكان له فرس أنثى من عتاق الخيل. على عادة أولي المالية. وكان له من أهل الثغور، من ارتباط الخيل، والتنافس في إعداد القوة. وشهرت هذه الفرس، في تلك الناحية، وبعث الطاغية ملك الروم في ابتياعها، فعلقت بها كف هذا الرجل، وآثر بها نفسه، وازداد غبطة بها لديه؛ ورأى في النوم قايلاً يقول له: سر إلى أرجونة، بفرسك وابحث عن رجل اسمه كذا، وصفته كذا، فاعطه إياها؛ فإنه سيملك جياناً وسواها؛ وسواها؛ ينتفع بها عقبك. وأُرْجِي الأمر؛ فعرض عليه ثانية؛ وحث في ذلك في الثالثة. فسأل ثقة له خبيراً بتلك الناحية وأهلها. فقال له المخبر؛ وكان يعرف بابن يعيش؛ فوصفه له. فتوجه الفقيه إلى أرجونة، ونزل بها، وتسومع به، وأقبل السلطان وأظهاره؛ وتكلموا في شأنه؛ فذكر غرضه فيه، وأظهر العجز عن الثمن، وسأل منه تأخير بعضه، فأسعفه. واشترى منه الفرس بمال له خطر. فلما كمل له القصد؛ طلب منه الخلوة به في المسجد من الحصن؛ وخرج له عن الأمر، وأعطاه بيعته، وصرف عليه الثمن؛ واستكتمه السلطان خيفة على نفسه، وانصرف إلى بلده.
قال: وفي العام بعده، دعا إلى نفسه بأرجونة، وتملك مدينة جيان. واختلف في السبب الذي دعاه إلى ذلك. فقيل إن بعض العمال، أساء معاملته في حق مخزني، وقيل غير ذلك.
حاله
هذا الرجل كان آية من آيات الله في السذاجة والسلامة والجمهورية، جندياً، ثغرياً شهماً، أيداً، عظيم التجلد، رافضاً للدعة والراحة، مؤثراً للتقشف، والاجتراء باليسير، متبلغاً بالقليل، بعيداً عن التصنع، جافي السلاح، شديد العزم، مرهوب الإقدام، عظيم التشمير، [مقرياً لضيفه]، مصطنعاً لأهل بيته، فظاً في طلب حظَّه، محمياً لقرابته وأقرانه وجيرانه. مباشراً للحروب بنفسه، تتغالى الحكاة في سلاحه، وزينة دبوره. يخصف النعل، ويلبس الخشن، ويؤثر البداوة، ويستشعر الجد في أموره. سعد بيوم الجمعة، وكان فيه تملكه جيان ثم حضرة الملك غرناطة؛ وقيل يوم قيامه؛ شرع فيه الصدقة الجارية على ضعفاء الحضرة، ومنايهم إلى اليوم. وتملك مدينة إشبيلية في أخريات ربيع الأول من عام ظهوره، وهو عام تسعة وعشرين وستماية نحواً من ثلاثين يوماً. وملك قرطبة في العشر الأول لرجب من العام المذكور، وكلاهما عاد إلى ملك ابن هود. ولما تم له القصد من تملك البيضة، والحصول على العمال، مباشراً للحسابات بنفسه، فتوفر ماله، وغصت بالصامت خزاينه، وعقد السلم الكبير، وتهنأ أمره، وأمكنه الاستعداد، فأنعم الأهواء؛ وملأ بطن الجبل المتصل بالقلعة حبوباً مختلفة، وخزاين درة ومالاً وسلاحاً وارية ظهراً، وكراعاً؛ فوجد فايدة استعداده، ولجأ إلى ما ادخره من عتاده.
سيرته
تظاهر لأول أمره بطاعة الملوك بالعدوة وإفريقية، يخطب لهم زماناً يسيراً. وتوصل بسبب ذلك إلى إمداد منهم وإعانة. ولقبل ما افتتح أمره بالدعاء للمستنصر العباسي ببغداد، حاذياً حذو سميه ابن هود، للهج العامة في وقته. بتقلد تلك الدعوة، إلى أن نزع عن ذلك كله.
وكان يعقد للناس مجلساً عاماً، يومين في كل أسبوع، فترفع إليه الظلامات، ويشافه طالب الحاجات، وتنشده الشعراء. وتدخل إليه الوفود، ويشافه أرباب النصايح في مجلس اختص به أهل الحضرة، وقضاة الجماعة، وأولي الرتب النبيهة في الخدمة، بقراءة أحاديث من الصحيحين، ويختم بأعشار من القرآن، ثم ينتقل إلى مجلس خاص، ينظر فيه في أموره فيصرف كل قصد إلى من يليق به ذلك، ويؤاكل بالعشيات خاصته من القرابة؛ ومن يليهم من نبهاء القواد.
أولاده
أعقب ثلاثة من الذكور: محمداً ولي عهده، وأمير المسلمين على أُثره؛ والأميرين: أبا سعيد فرج، وأبا الحجاج يوسف، توفيا على حياته؛ حسبما يتقرر بعد إن شاء الله.
وزراء دولته
وزر له جماعة: الوزير أبو مروان عبد الملك بن يوسف بن صناديد زعيم قاعدة جبان؛ وهو الذي مكنه من ناصية جيان المذكورة. واستوزر علي بن إبراهيم الشيباني من وجوه حضرته، وذوي النسب من الفضلاء أولي الدماثة والوقار. واستوزر الرييس أبا عبد الله ابن الرييس أبي عبد الله الرميمي. واستوز الوزير أبا يحيى بن الكاتب من أهل حضرته. وغيرهم ممن تبلغ به الشهرة مبلغاً فيهم.
كتابه
كتب له من الجلة جماعة: كالكاتب المحدث الشهير أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن سعيد اليحصبي اللوشي، ولما توفي كتب عنه ولده أبو بكر بن محمد. هؤلاء مشاهير كتابه، ومن المرءوسين أعلام كأبي بكر بن خطاب، وغيره.
قضاته
ولي له قضاء الجماعة، القاضي العالم الشهير، أبو عامر يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري، من جلة أهل الأندلس في كبر البيت، وجلالة المنصب، وغزارة العلم. ثم ولي بعده الفقيه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الجليل بن غالب الأنصاري الخزرجي، ثم ولي بعده الفقيه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد السلام التميمي. وهذا الرجل من أهل الدين والأصالة، وآخر قضاة العدل. ثم ولي بعده الفقيه القاضي أبو عبد الله محمد ابن عياض بن موسى اليحصبي، ثم ولي بعده الفقيه القاضي الحسيب أبو عبد الله بن أضحى، وبيته شهير، [ولم تطل مدته]. وولي بعده آخر قضاته أبو بكر محمد ابن فتح بن علي الإشبيلي الملقب بالأشْبِرون.
الملوك على عهده
بمراكش: المأمون إدريس، مأمون الموحدين، مزاحماً بأبي زكريا يحيى بن الناصر بن المنصور بن عبد المؤمن بالجبل. ولما توفي المأمون ولي الرشيد، أبو محمد عبد الواحد في سنة ثلاثين وستماية، وولي بعده أبو حفص عمر بن إسحاق المرتضى، إلى أن قتله إدريس الواثق أبو دبوس في عام خمسة وستين. وولي بعده يسيراً بنو عامر ابن علي بمراكش، وتعاقب منهم على عهده جلة: كالأمير عثمان وابنه حمو، وأخيه أبي يحيى بن عبد الحق. واستمر الملك في أسن أملاكهم، أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق بن محيو إلى آخر أيامه.
وبتلمسان، شبيهه يغمراسن بن زيان أول ملوكهم، وتقدمه أخوه أكبر منه برهة. ويغمراسن أول من أثّل الملك، وحاز الذكر، واستحق الشهرة.
وبتونس، الأمير أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص. وخاطبه السلطان المترجم به، والتمس رفده، وقد حصل على إعانته، وولي بعد موته ولده المستنصر أبو عبد الله، ودامت أيامه إلى أول أيام ولد السلطان المترجم له عام أربعة وسبعين.
وبقشتالة هراندة بن ألهنشة بن شانجه الإنبرطور. وهراندة هذا هو الذي ملك قرطبة وإشبيلة، ولما هلك ولي بعده ألفنش ولده ثلاثاً وثلاثين سنة، واستمر ملكه مدة ولايته. وصدرا من دولة ولده بعده.
وبرغون جايمش بن بطره بن ألفونش قمط برجلونه. وجايمش هذا هو الذي ملك بلنسية، وصيرها دار ملكه من يد أبي جميل زيان بن مردنيش.
لمع من أخباره
قام ابن أبي خالد بدعوته بغرناطة، كما ذكر في اسمه، ودعاه وهو بجيان. فبادر إليها في أخريات رمضان؛ من عام خمس وثلاثين وستمائة، بعد أن بعث إليه الملأ من أهلها ببيعتهم مع رجلين من مشيختهم، أبي بكر الكاتب، وأبي جعفر التيزولي.
قال ابن عذارى في تاريخه: أقبل وما زيُّه بفاخر، ونزل عشي اليوم الذي وصل بخارج غرناطة، على أن يدخلها من الغد، ثم بدا له فدخلها عند غروب الشمس، نظراً للحزم.
وحدث أبو محمد البسطي قال: عاينته يوم دخوله وعليه شاشية ملف مضلعة أكتافها مخرقة، وعندما نزل بباب جامع القصبة، كان مؤذن المغرب في الحيعلة، وإمامه يومئذ أبو المجد المرادي قد غاب، فدفع الشيخ السلطان إلى المحراب، وصلى بهم، على هيئته تلك؛ بفاتحة الكتاب: و﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾. والثانية ب ب ﴿قل هو الله أحد﴾، ثم وصل قصر باديس، والشمع بين يديه.
وفي سنة ثلاث وأربعين وستماية، صالح طاغية الروم، وعقد معه السلم، الذي طاحت في شروطه جيان. وكان واقع بالعدو الراتب تجاه حضرته، المختص بحصن بليلش على بريد من الحضرة. وكان الفتح عظيماً. ثم حالفه الصنع بما يضيق المجال عن استيعابه. وفي حدود اثنين وستين وستمائة [صالح طاغية الروم، وعقد معه السلم]، وعقد البيعة لولي عهده، واستدعى القبائل للجهاد.
مولده
في عام خمسة وتسعين وخمسمائة بأرجونة، عام الأرك.
وفاته
في منتصف جمادى الثانية؛ من عام واحد وسبعين وستمائة، وَرَدَ عليه وقد أسنّ جملة من كتاب الزعايم، يقودون جيشاً من أتباعهم، فبرز إلى لقايهم بظاهر حضرته، ولما كرّ آيباً إلى قصره، سقط ببعض طريقه، وخامره خصر، وهو راكب، وأردفه بعض مماليكه، واسمه صابر الكبير. وكانت وفاته ليلة الجمعة التاسع والعشرين لجمادى الثانية المذكورة، ودفن بالمقبرة الجامعة العتيقة بسنام السبيكة، وعلى قبره اليوم منقوش: ((هذا قبر السلطان الأعلى، عزُّ الإسلام، جمال الأنام، فخر الليالي والأيام، غياث الأمة، غيث الرحمة، قطب الملة، نور الشريعة، حامي السنة، سيف الحق، كافل الخلق، أسد الهيجاء، حمام الأعداء، قوام الأمور، ضابط الثغور، كاسر الجيوش، قامع الطغاة، قاهر الكفرة والبغاة، أمير المؤمنين، علم المهتدين، قدوة المتقين، عصمة الدين، شرف الملوك والسلاطين، الغالب بالله، المجاهد في سبيل الله، أمير المسلمين، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن نصر الأنصاري، رفعه الله إلى أعلى عليين، وألحقه بالذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، ولد رضي الله عنه، وأتاه رحمة من لدنه عام أحد وتسعين وخمسمائة، وبويع له يوم الجمعة السادس والعشرين [من رمضان؛ عام خمسة وثلاثين] وستماية، وكانت وفاته يوم الجمعة بعد صلاة العصر التاسع والعشرين لجمادى الآخرة؛ عام أحد وسبعين وستماية، فسبحان من لا يفنى سلطانه، ولا يبيد ملكه، ولا ينقضي زمانه، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم)). ومن جهة أخرى:
هذا محل العُلى والمجد والكرم
قبر الإمام الهمام الطاهر العلم
الله ما ضم هذا اللحد من شرف
ومن شيم علوية الشيم
بالجود والباس ما تحوي صفايحه
لا بأس عنترة ولا ندى هِرم
مُغني الكرامة والرضوان يعهده
فخر الملوك الكريم الذات والشيم
مقامه في كلا يومي ندًى ووغى
كالغيث في مجد وكالليث في أجم
مآثر تليت آثارها سوراً
تقر بالحق فيها جملة الأمم
كأنه لم يسر في محفل لَجِبٍ
تضيق عنه بلاد العرب والعجم
ولم يباد العدا منه ببادرة
يفتر منها الهدى عن ثغر مبتسم
ولم يجهز لهم خيلاً مضمرة
لا تشرب الماء إلا من قُلَيْب دم
ولم يقم حكم عدل في سياسته
تأوي رعيته منه إلى حرم
من كان يجهل ما أولاه من نعم
وما حواه لدين الله من حرم
فتلك آثره في كل مكرمة
أبدى وأوضح من نار على علم
لا زال تَهمِي على قبر تضمنه
سحايب الرحمة الوكافة الديم
محمد بن عبد الله
ابن محمد بن عبد الله بن أبي عامر بن محمد بن أبي الوليد بن يزيد بن عبد الملك المعافري؛ المنصور بن أبي عامر؛ معظم الظفر، وخدن
السعد، وملقى عصي الجد، وجوّ رياح الشهرة، وديوان فنون
السياسة، وحجاج الدولة العبشميةفي التخوم المغربية،
المزيُّبالظرف وكمال السجية، والجهاد العظيم،
العريق في بحبوحة بلاد الكفار؛
رحمه الله تعالى.
أوليته
دخل جده عبد الملك الأندلس مع طارق مولى موسى بن نصير في أول الداخلين من المغرب، وكان له في فتحها أثراً جميلاً. وإلى ذلك أشار مادحه محمد بن حسان:
وكل عدو أنت تهزم عرشه
وكل فتوح عنك يفتح بابها
برأيك عبد المليك الذي له
حلا فتح قرطبة وانتهابها
ونزل عبد الملك الجزيرة الخضراء لأول الفتح، فساد أهلها، وكثر عقبه بها، وتكررت فيهم النباهة، وجاوروا الخلفاء بقرطبة. وكان والد محمد هذا، من أهل الدين والعفاف والزهد في الدنيا والقعود عن السلطان؛ سمع الحديث، وأدى الفريضة، ومات منصرفاً عن الحج بإطرابلس.
حاله
كان هذا الرجل بكر الدهر، وفايدة الأيام، وبيضة العمر، وفرد الخلق في اضطراد السعد، وتملد العاجل من الحظ، حازماً، داهية، مشتملاً على أقطار السؤدد، هوياً إلى الأقاصي، وطموحاً، سوساً حمياً، مصطنعاً للرجال، جالباً للأشراف، مستميلاً للقلوب، مطبقاً المفاصل، مُزيحاً للعلل، مستبصراً في الاستبداد، خاطباً جميل الذكر، عظيم الصبر، رحيب الذرع، طموح الطرف، جشع السيف، مهادي جياد العقاب والمثوبة، مهيباً، جزلاً، منكسف اللون، مصفر الكف، آية الله جل جلاله في النصر على الأعداء ومصاحبة الظفر، وتوالي الصنع.
نباهته
قال المؤرخ: سلك سبيل القضاء في أوليته، مقتفياً آثار عمومته وخؤولته، يطلب الحديث في حداثته، وكتب منه كثيراً ولقي الجلة من رجاله، ثم صحب الخليفة الحكم متحزباً في زمرته، وولي له الأعمال من القضاء والإمامة، ثم استكفاه، فعدل عن سبيله، وصار في أهل الخدمة. ثم اختصه بخدمة أم ولده هشام، فزاد بخاصته لولي العهد، عزاً ومكانة من الدولة فاحتاج الناس إليه. وغشوا بابه، وبلغ الغاية من أصحاب السلطان معه، إسعاف، وكرم لقاء، وسهولة حجاب، وحسن أخلاق. فاستطار ذكره، وعمر بابه، وساعده الجد. ولما صار أمر المسلمين إليه، فبلغ التي لا فوقعها عزاً وشهرة.
الثناء عليه
قال: وفي الدولة العامرية، وأعين محمد على أمره، مع قوة سعده، بخصال مؤلفة لم تجتمع لمن قبله، منها الجود، والوقار، والجد والهيبة، والعدل والأمن، وحب العمارة، وتثمير المال، والضبط للرعية، وأخذهم بترك الجدل والخلاف والتشغب، من غير وهن في دينه، وصحة الباطن، وشرح كل فضل، وجلب كل ما يوجب عن المنصور فيه.
غزواته وظهوره على أعدايه
واصل رحمه الله الغزو بنفسه، فيما يناهز خمسين غزوة، وفتح فيها البلاد، وخضد شوكة الكفر، وأذل الطواغيت [وفض مصاف الكفار]، وبلغ الأعماق، وضرب على العدو الضرايب، إلى أن تلقاه عظيم الروم بنفسه وأتحفه بابنته في سبيل الرغبة في صهره، فكانت أحظى عقايله، وأبرت في الدين والفضل على ساير أزواجه؛ وعقد اثني عشر بروزاً إلى تلقي ملوك الروم القادمين عليه [مصطهرين بإلحاح سيفه] منكبين على لثم سريره.
شعره
ومما يؤثر من شعره:
رميت بنفسي هول كل عظيمة
وخاطرت والحر الكريم يخاطر
وما صاحبي إلا جنان مشيع
وأسمر خطي وأبيض باتر
ومن شيمتي أني على طالب
أجود بمال لا تقيه المعاذر
وإني لزجاء الجيوش إلى الوغى
أسود تلاقيها أسود خوادر
فَسُدْتُ بنفسي أهل كل سيادة
وكاثرت حتى لم أجد من أكاثر
وما شدت بنياناً ولكن زيادة
على ما بنى عبد المليك وعامر
رفعنا العلى بالعوالي سياسة
وأورثناها في القديم معافر
وبلغ في ملكه أقطار المغرب، إلى حدود القبلة، وبمدينة فاس، إثر ولده المقلد فتح تلك الأقطار، ونهد أوليك الملوك الكبار.
دخوله غرناطة
قال صاحب الديوان في الدولة العامرية، وقد مر ذكر المنصور، قومس الفرنجة بمدينة برشلونة: وهذه الأمة أكثر النصرانية جمعاً، وأوسعها، وأوفرها من الاستعداد، وما أوطئ من الممالك والبلاد، وفتح من القواعد، وهزم من الجيوش. وقفل المنصور عنها، وهو أطمع الناس في استسيصالها؛ ثم خصهم بصايفة سنة خمس وسبعين، وهي الثالثة عشر لغزواته؛ وقد احتفل لذلك، واستبلغ في النفير. واستوفى أتم الأبهة، وأكمل العدة، فجعل طريقه على شرقي الأندلس، لاستكمال ما هنالك من الأطعمة، فسلك طريق إلبيرة، إلى بسطة، إلى تدمير؛ وهزم في هذه الغزوات بُريل ملك فرنجة ونازل مدينة برجلونة؛ فدخلها عنوة يوم الاثنين النصف من صفر؛ سنة أربع وسبعين أو خمس بعدها.
قلت: وفي دخول المنصور بجيشه بلد إلبيرة: ما يحقق دعوى من ادعى دخول المعتمدين من أهل الأندلس لذلك العهد، إذ كان يصحب المنصور في هذه الغزوة، من الشعراء المرتزقين بديوانه من يذكر؛ فضلاً عن ساير الأصناف على ندارة هذا الصنف من الخدام، بالنسبة للبحر الزاخر من غيرهم. والذي صح أنه حضر ذلك: أبو عبد الله محمد بن حسين الطبني. أبو القاسم حسين بن الوليد، المعروف بابن العريف. أبو الوضَّاح بن شُهَيْد. عبد الرحمن بن أحمد. أبو العلا صاعد بن الحسن اللغوي. أبو بكر زيادة الله بن علي بن حسن اليمني. عمر بن المنجم البغدادي. أبو الحسن علي بن محمد القرشي العباسي. عبد العزيز بن الخطيب المحرود. أبو عمر يوسف بن هارون الزيادي. موسى بن أبي طالب. مروان [بن عبد الحكم] ابن عبد الرحمن. يحيى بن هذيل بن عبد الملك بن هذيل المكفوف. سعد بن محمد القاضي. ابن عمرون القرشي المرواني. علي النقاش البغدادي. أبو بكر يحيى بن أمية بن وهب. محمد بن إسماعيل الزبيدي صاحب المختصر في اللغة. أحمد بن درّاج القَسْطَلِيَّ؛ متنبي الأندلس. أبو الفرج منيل بن منيل الأشجعي. محمد بن عبد البصير. الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد. محمد بن عبد الملك ابن جَهْوَر. محمد بن الحسن القرشي؛ من أهل المشرق. أبو عبيدة حسان بن مالك بن هاني. طاهر بن محمد؛ المعروف بالمهند. محمد بن مَطَرَّف بن شُخَيص. سعيد بن عبد الله الشنتريني، وليد بن مسلمة المرادي، أغلب بن سعيد. أبو الفضل أحمد بن عبد الوهاب. أحمد بن أبي غالب الرصافي. محمد بن مسعود البلخي، عبادة بن محمد بن ماء السماء. عبد الرحمن بن أبي الفهد الإلبيري. أبو الحسن ابن المضيء البجلي الكاتب. عبد الملك بن سهل. الوزير عبد الملك بن إدريس الجزيري. قاسم بن محمد الجياني. قال المؤرخ: هؤلاء من حفظته منهم. وهم أكثر من أن يحصوا، فعلى هذا يتبنى القياس في ضخامة هذا الملك، وانفساح هذا العز.
وفاته
توفي رحمه الله منصرفاً من غزاته المسماة بقنالش والريد، وقد دوخ أقطار قشتالة، ليلة الاثنين سبع وعشرين لرمضان؛ عام اثنين وتسعين وثلاثمائة، وقد عهد أن يدفن ببلد وفاته، بعد وصية شهيرة صدرت عنه، إلى المظفر ولده، فدفن بمدينة سالم، التي بناها في نحر العدو من وادي الحجارة، وبقصرها. وقبره معروف إلى اليوم. وكان قد اتخذ له من غبار ثيابه الذي علاها في الجهاد. وعاء كبير بحديه رحمه الله. وكتب على قبره هذا الشعر:
آثاره تنبيك عن أخباره
حتى كأنك بالعيان تراه
تاالله لا يأتي الزمان بمثله
أبداً ولا يحمي الثغور سواه
محمد بن عباد
ابن [محمد بن]إسماعيل [بن محمد بن إسماعيل] بن قريش بن عباد بن عمرو بن أسلم بن عمرو بن عطاف بن نعيم؛ لخمي النسب.
أوليته
دخل الأندلس جدّه عطاف مع بَلْج بن بشر القشيري؛ من أشراف الطالعة البلجية، وهم من عرب حمص من أرض الشام، وموضعه بها يعرف بالعريش في آخر الجفار بين مصر والشام. ونزل عطاف بقرية تعرف بيومين من إقليم طشانة على ضفة النهر الأعظم من أرض إشبيلية. ولما هلك قريش، ورث السيادة إسماعيل ابن قريش، وهو القاضي المشهور بالفضل والدهاء، يكنى يكنى أبا الوليد. ولي الشرطة الوسطى لهشام بن الحكم، وخطة الإمامة إلى صلاة الجمعة. ثم خلفه أبو القاسم المنفرد برياسة إشبيلية، المتحف فيها بخطط الوزارتين والقضاء والمظالم. وعز جاهه، وكثرت حاشيته، وتعددت غلمانه، وأذعنت له عداته. ثم خلفه الأمير المعتضد ولده؛ وكان خيراً حازماً، سديد الرأي، مصنوعاً له في الأعداء، فلما توفي، تصير الأمر إلى ولده المترجم به؛ المكنى أبا القاسم؛ إلى حين خلعه.
حاله
قالوا كلهم: كان المعتمد، رحمه الله، فارساً شجاعاً. بطلاً مقداماً، شاعراً ماضياً، مشكور السيرة في رعيته. وقال أبو نصر في قلائده: ((وكان المعتمد على الله ملكاً قمع العدا، وجمع بين البأس والندا. وطلع على الدنيا بدر هدى. لم يتعطل يوماً كفّه، ولا بنانه، آونة يراعه. وآونة سنانه. وكانت أيامه مواسم، وثغوره برّه بواسم)). لقبه أولاً الظافر. ثم تلقب بالمعتمد. كلفاً بجاريته اعتماد، لما ملكها؛ لتتفق حروف لقبه بحروف اسمها. لشدة ولوعه بها.
وزراؤه
ابن زيدون، وابن عمار، وغيرهم.
أولاده المملكون
عبيد الله، يكنى أبا الحسن، وهو الرشيد، وهو الذي لم يوافق أباه على استصراخ المرابطين، وعرض بزوال الملك عنهم، فقال: أحب إليّ أن [أكون راعي] إبل بالعدوة؛ من أن ألقى الله، وقد حولت الأندلس دار كفر. وكان قد ولاه عهده، وبويع له بإشبيلية، وهو المحمول معه إلى العدوة. ثم الفتح، وهو الملقب بالمأمون، كان قد بويع له بقرطبة، وهو المقتول بها، المُحْمَل رأسه إلى محلة العدو المرابطين. المحاصرة لأبيه بإشبيلية. ثم يزيد الراضي، وكان قد ولاه رندة، فقتل لما ملكها اللمتونيون. ثم عبد الله. ويكنى أبا بكر. هؤلاء الأربعة من جاريته اعتماد السيدة الكبرى. والمدعوة بالرُّميكية؛ منسوبة إلى مولاها رُمَيْك بن حجاج الذي ابتاعها منه المعتمد.
مُلمَّته
لما تكالب أدفونش بن فردلاند على الأندلس بعد أخذه مدينة طليطلة ضيق بالمعتمد، وأجحف في الجزية، التي كان يُتقى بها على المسلمين عاديته، وعلى ذلك أقسم أخذها وتجنى عليه، وطمع في البلاد، فحكى بعض الإخباريين أنه وجه إليه رسله في آخر أمره لقبض تلك الضريبة، مع قوم من رؤساء النصارى، ونزلوا خارج باب إشبيلية، فوجه إليهم المال، [مع بعض الوزراء، فدخلوا على اليهودي المذكور في خبايه، وأخرجوا المال]، فقال لهم، لا أخذت منه هذا العيار، ولا أخذت منه إلا ذهباً مشجراً، ولا يؤخذ منه في هذا العام إلى أجفان البلاد. ونقل كلامه إلى المعتمد، فبادر بالقبض عليه وعلى النصارى، ونكل بهم، وقتل اليهودي بعد أن بذل في نفسه زِنَة جسمه ذهباً، فلم يقبل منه، واحتبس النصارى، وراسله الطاغية في إطلاقهم، فأبى إلاّ أن يُخلي منه حصن الحدود، فكان ذلك. واستصرخ اللمتونيين، وأجاز البحر بنفسه، وأقسم الطاغية بإيمانه المغلظة ألا يرفع عنه يده. وهاجت حفيظة المعتمد، واجتهد في جواز المرابطين، وكان مما هو معلوم من الإيقاع بالطاغية في وقعة الزلاقة فإنه الذي أصلى نارها بنفسه، فعظم بلاؤه، وشهر صبره، وأصابته الجراح في وجهه ويده. رحمه الله.
وفي ذلك يقول أبو بكر بن عبادة المري:
وقالوا كفه جرحت فقلنا
أعاديه تواقعها الجراح
وما لمرتد الجراحة ما رأيتم
فتوهنها المناصل والرماح
ولكن فاض سيل البأس منها
ففيها من مجاريه انسياح
وقد صحت وسحت بالأماني
وفاض الجود منها والسماح
رأى منه أبو يعقوب فيها
عقاباً لا يُهاض له جناح
فقال له لك القدح المعلى
إذا ضُربت بمشهدك القِداح
ولما اتصلت به الصيحة؛ بين يدي دخول المدينة، ركب في أفراد من عبيده؛ وعليه قميص يشف عن بدنه، والسيف منتضًى بيده، ويمم باب الفرج، فقدم الداخلين فردهم على أعقابهم؛ وقتل فارساً منهم؛ فانزعجوا أمامه؛ وخلفوا الباب؛ فأمر بإغلاقه؛ وسكنت الحال؛ وعاد إلى قصره. وفي ذلك يقول:
إن يسلب القوم العدا
ملكي وتسلمني الجموع
فالقلب بين ضلوعه
لم تسلم القلب الضلوع
قد رمت يوم نزالهم
ألا تُحَصِّنُني الدروع
وبرزت ليس سوى القمي
ص عن الحشا شيء دفوع
أجلي تأخر لم يكن
بهواي ذلِّي والخضوع
ما سرت قط إلى القتا
ل وكان من أملي الرجوع
شيم الأولى أنا منهم
والأصل تتبعه الفروع
جوده
وأخبار جوده شهير، ومما يؤثر من ذلك، على استصحاب حال العز، ووفور ذات اليد، وأدوات الملك غريب، والشاهد المقبول بقاء السجية ومصاحبة الخلق الملكية؛ مع الإقتار والإيسار؛ وتقلب الأطوار، وتعرض له الحصري القرموني الضرير بخارج طنجة؛ وهو يجتاز عليها في السواحل من قهر واعتقال؛ بأشعار ظاهرة المقت، غير لايقة بالوقت؛ ولم يكن بيده زعموا غير ثلاثين ديناراً كانت بخفّه، معدة لضرورة ضرر وأزمة، وأطبع عليها دمه، وأدرج قطعة شعر طيها اعتذار عن نزرها، راغباً في قبول أمرها؛ فلم يراجعه الحصري بشيء عن ذلك، فكتب إليه:
قل لمن جمع العل م وما أحصى صوابه
كان في الصرة شعر فانتظرنا جوابه
قد أتيناك فهلاَّ جلب الشعر جوابه
حلمه
رفع إليه صدر دولته شعر، أغري فيه، بأبي الوليد ابن زيدون، وهو شهير، وتُخُيَّر له موقع وترصد حين، وانتظر به مؤجره، وهو:
يا أيها الملك الأعز الأعظم
أقطع وريدي كل باغ يسلم
واحسم بسيفك كل منافق
يبدي الجميل وضد ذلك يكتم
لا تتركن للناس موضع شبهة
وأحزم فمثلك في العظائم يحزم
قد قال شاعر كندة فيما مضى
قولاً على مر الليالي يعلم
((لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
حتى يراق على جوانبه الدم))
فوقع على الرقعة:
كذبت مناكم صرحوا أو جمجموا
الدين أمتن والسجية أكرم
خنتم ورمتم أن أخون وإنما
حاولتم أن يستخف يلملم
وأردتم تضييق صدر لم يضق
والسمر في صدر النحور تحطم
وزحفتم بمحالكم لمجرب
ما زال يثبت للمحال فيهزم
أنَّى رجوتم غدر من جربتم
منه الوفاء وظلم من لا يظلم
أنا ذا كم لا السعي يثمر غرسه
عندي ولا مبنى الصنيعة يهدم
كفوا وإلاّ فارقبوا لي بطشة
يبقى السفيه بمثلها يتحلم
توقيعه ونثره في البديهة
كتب مع الحمايم إلى ولده الرشيد عقب الفراغ من وقعة الزلاقة: ((يا بني، ومن أبقاه الله وسلمه، ووقاه الأسواء وعصمه. وأسبغ عليه آلاءه وأنعمه كتبته، وقد أعز الله الدين، وأظهر المسلمين، وفتح لهم على يدي مستدعيات الفتح المبين، بما يسره الله في أمسه وسناه، وقدره سبحانه وقضاه، من هزيمة أدفونش بن فردلند لعنه الله وأصلاه، وإن كان طاح للجحيم، ولا أعدمه وإن كان أهل العيش الذميم، كما قنعه الخزي العظيم؛ وأتى القتل على أكثر رجاله وحماته، واتصل النهب ساير اليوم، والليلة المتصلة به، جميع محلاته، وجمع من رؤوسهم بين يدي، من مشهوري رجالهم، ومذكوري أبطالهم، ولم يختر منهم إلا من شهر وقرب، وامتلأت الأيدي مما سلب ونهب. والذي لا مرية فيه، أن الناجي منهم قليل، والمفلت من سيوف الجزع والبعد قتيل، ولم يصبني بفضل الله إلا جرح أشوى وحسن الحال عندنا والله وزكّى، ولا يشغل بذلك بال، ولا يتوهم غير الحال التي أشرت إليها حال، والأدفونش بن فردلاند، إن لم يصبح تحت السيوف فسيموت لا محالة كمداً، وإن كان لم تعلقه أسراد الحمام [فغداً، فإن برأسه طمرة ولحام]. فإذا ورد كتابي هذا، فمر بجمع الخاص والعام، من أهل إشبيلية، وجيرانها الأقرببن، وأصفيائنا المحبين، في المسجد الجامع، أعزهم الله. وليقرأ عليهم فيه، ليأخذوا من المسرة بأنصبايهم، ويضيفوا شكراً لله إلى صالح دعايهم والحمد لله على ما صنع حق حمده جلّ المزيد لأمر حين، إلا من عنده. والسلام.
تلطفه وظرفه
قال أبو بكر الداني: سألني في بعض الأيام عند قدومي عليه بأغمات، قاضياً حق نعمته، مستكثراً من زيارته، مستمتعاً برايق أدبه، على حال محنته، عن كتبي، فأعلمته بذهابها في نهب حضرته. وكنت قد جلبت في سفرتي تلك، الأشعار الستة، بشرح الأستاذ أبي الحجاج الشنتمري الأعلم، وكانت مستعارة، فكتمتها عنه. ووشى إليه أحد الأصحاب. فخجل بكرمه وحسن شيمته، من الأخذ معي في ذكر ما كتمته، فاستطرد إلى ذلك بغرض نبيل، ونحا فيه نحواً، يعرب عن الشرف الأصيل، وأملى علي في جملة ما كان يمليه:
وكواكب لم أدر قبل وجوهها
أن البدور تدور في الأزرار
نادمتها في جنح ليل دامس
فأعرنه مثلاً من الأنوار
في وسط روضة نرجس كعيونها
ما أشبه النوار بالنوار
فإذا تواصفنا الحديث حسبتني
ألهو بملتقط لدر نثار
فإذا اكتحلت برقِّ ثغر باسم
سكبت جفوني أغزر الأمطار
حذر الملام وخيفة من جفوة
تذر الصدور على شفير هار
ترك الجواري الآنسات مذاهبي
وسولها ظفر بريشة الأشعار
فلم أتمالك عند ذلك ضحكاً، وعلمت أن الأمر قد سُرَّي إليه، فأعلمته قصتها، فبسط العذر بفضله. وتأول الأمر وقسم الأشعار على ثلاثة من بنيه. ذوي خط رائع، ونقل حسن. وأدب بارع. أخذوا في نسخها. وصرفوا الأصل لأجل قريب.
محنته
ولم يلبث أمير اللمتونيين بعد جوازه إلى الأندلس، وظهوره على طايفة الروم، أن فسد ما بينه وبين رؤساء الطوائف بالأندلس، وعزم على خلعهم. فأجاز من سبتة العساكر، وسرب الأمداد. وأخذ المعتمد بالعزم يحصن حصونه، وأودع المعاقل عدته، وقسم على مظان الامتناع ولده، وصمدت الجموع صمدة بنيه، ونازل الأمير سير إشبيلية، دار المعتمد، وحضرة ملكه، ونازل الأمير محمد ابن الحاج قرطبة، وبها المأمون، ونزل جرور من قواده رندة، وبها الراضي ابن المعتمد. واستمر الأمر، واتصلت المحاصرة، ووقعت أمور يضيق الكتاب عن استقصايها. فدخلت قرطبة في جمادى الآخرة؛ عام أربعة وثمانين وأربعمائة، وقتل الراضي، وجلب رأسه؛ فطيف به بمرأى من أبيه. وكان دخول إشبيلية على المعتمد، دخول القهر والغلبة، يوم الأحد لعشر بقين من رجب. وشملت الغارة. واقتحمت الدور، وخرج ابن عباد في شِكَّته. وابنه مالك في أمَّته معهما؛ فقتل مالك الملقب بفخر الدولة، ورهقت الخيل، وكثر، فدخل القصر ملقياً بيده. ولما جنّ الليل، وجه ابنه الأكبر الرشيد إلى الأمير، فحجب عنه، ووكل بعض خدمه به، وعاد إلى المعتمد فأخبره بالإعراض عنه، فأيقن بالهلكة، وودع أهله وعلا البكاء، وكثر الصراخ، وخرج هو وابنه، فأنزلا في خباء حصين، ورقبا بالحرس، وأخرج الحرم من قصره، وضم ما اشتمل عليه، وأمر بالكتب إلى ولده برندة؛ ففعل. ولما نزل، واستوصلت ذخيرته، سلا، وأجيز المعتمد البحر. ومن معه إلى طنجة. فاستقر بها في شعبان من العام. وفي هول البحر عليه في هذا الحال، يقول رحمه الله:
لم أنس والموت يدنيني ويقصيني
والموت كأن المنى يأتيني
أبصرت هولاً لو أن الدهر أبصره
لما خوفا لأمر ليس بالدون
قد كنت ضاناً بنفس لا أجود بها
فبعتها باضطرار بيع مغبون
كم ليلة بت مطوياً على حرق
في عسر من عيون الدبر في العين
فتلك أحسن أم ظللت به
في ظل عزة سلطان وتمكين
ولم يكن والذي تعنو الوجوه له
عرضي مهاناً ولا مالي بمخزون
وكم خلوت من الهيجا بمعترك
والحرب ترفل في أثوابها الجون
يا رب إن لم تدع حالاً أسر به
فهب لعبدك أجراً غير ممنون
وجرى على بناته شيء يوم خروجهن، وأضطرتهن الضيعة إلى معيشتهن من غزل أيديهن، وجرت عليه محن طال لها شجنه وأقعده قيده. إلى أن نقل إلى أغمات وريكة، وحلّ عنه الاعتقال، وأجري عليه رزقه، تبلغ به لمدة من أعوام أربعة، واستنقذه حمامه، رحمة الله عليه.
وصوله إلى غرناطة
قال ابن الصيرفي: وقد أجرى ذكر تملك يوسف بن تاشفين غرناطة، وخلع أميرها عبد الله بن بلقين حفيد باديس، يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من رجب؛ عام ثلاثة وثمانين: ولحق ابن عباد وحليفه ابن مسلمة بخيل ورجل ورماة وعدد، وحل ذلك من ابن عباد تضمناً لمسرة أمير المسلمين، وتحققاً بموالاته، فدخلا عليه، وهنياه، وقد تحكمت في نفس ابن عباد الطماعية في إسلام غرناطة إلى ابنه، بعد استصفاء نعمة صاحبها، عوضاً عن الجزيرة الخضراء، وكان قد أشخصه معه، [فعرض بغرضه]، فأعرض أمير المسلمين عن الجميع إعراضاً، كانت منية كل منهما التخلص من يده، والرجوع إلى بلده. فأعمل ابن عباد الحيلة؛ فكتب، يزعم أنه وردت عليه تحثه من إشبيلية في اللحاق، أنباء مهمة طرقت بتحرك العدو، واستأذن بها في الصدور، فأخذ له ولحليفه ابن مسلمة، فانتهزا الفرصة، وابتدرا الرجعة. ولحق كل بموضعه؛ يظن أنه ملك رياسة أمره.
مولده
ولد المعتمد على الله بمدينة باجة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. وولي سنة إحدى وستين. وخلع سنة أربع وثمانين.
وفاته
كانت وفاة المعتمد [على الله] بأغمات في ربيع الأول؛ سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، بعد أن تقدمت وفاته وفاته وفاة الحرة اعتماد. وجزع عليها جزعاً، أقرب سرعة لحاقه بها. ولما أحس بالمنية رثى نفسه بهذه الأبيات وأمر أن تكتب على قبره:
قبر الغريب سقاك الرائح الغادي
حقاً ظفرت بأشلاء ابن عباد
[بالحلم بالعلم بالنعمى إذا اتصلت
بالخصب إن أجدبوا بالري للصادي]
بالطاعن الضارب الرامي إذا اقتتلوا
بالموت أحمر بالضرغامة العادي
[بالدهر في نقم بالبحر في نعم
بالبدر في ظلم بالصدر في النادي]
نعم هو الحق [فاجأني على] قدر
من السماء ووافاني لميعاد
ولم أكن قبل ذاك النعش أعلمه
أن الجبال تهادى فوق أعواد
[كفاك فارفق بما استودعت من كرم
روّاك كل قطوب البرق رعاد]
[يبكي أخاه الذي غيبت وابله
تحت الصفيح بدمع رائح غادي]
[حتى يجودك دمع الطل منهمراً
من أعين الزهر لم تبخل بإسعاد]
فلا تزل صلوات الله نازلة
على دفينك لا تحصى بتعداد
بعض ما رثي به
قال ابن الصيرفي: وخالف في وفاة المعتمد فقال: كانت في ذي حجة. فلما انفصل الناس من صلاة العيد. حف بقبره ملأ، يتوجعون ويترحمون عليه، وأقبل ابن عبد الصمد، فوقف على قبره وأنشد:
ملك الملوك أسامع فأنادي
أم قد عدتك عن السماع عوادي
لما خلت منك القصور فلم تكن
فيها كما قد كنت في الأعياد
أقبلت في هذا الثرى لك خاضعاً
وتخذت قبرك موضع الإنشاد
ثم خرّ يبكي، ويقبل القبر، ويعفر وجهه في التراب؛ فبكى ذلك الملأ حتى أخضلوا ملابسهم، وارتفع نشيجهم. فلله درّ ابن عبد الصمد، وملاذ ذلك البلد.
محمد بن سعد
ابن محمد بن أحمد بن مردنيش الجذامي؛ قال بعضهم ينتمي في تجيب؛ الأمير أبو عبد الله.
أوليته
معروفة، وعلى يد أبيه جرت الوقيعة الكبرى بظاهر إفراغة. على ابن رذمير الطاغية، فجلت الشهرة، وعظمت الأثرة، قال بعضهم: تولى أبوه سعد قيادة إفراغة وما إليها، وضبطها، ونازلها ابن رذمير؛ فشهر غناؤه بها في دفاعه، وصبره على حصاره، إلى أن هزمه الله [عز وجل]، على يدي ابن غانية. وظهر بعد ذلك فحسن بلاؤه. وبعد صيته. ورأس ابنه محمد، ونفق في أُلفَته. وكان بينه وبين ابن عياض المتأمر بمرسية صِهر، ولاه لأجله بلنيسة. فلما توفي ابن عياض، بادرها ابن سعد، وبلغه أثناء طريقه، غدر العدو بحصن جلال؛ فكر وقاد له وفتحه. وعاد فملك بلنسية، وقد ارتفع له صيت شهير، ثم دخلت مرسية في أمره، واستقام له الشرق. وعظمت حاله.
حاله
قال ابن حمامة: ساد من صغره بشجاعته ونجابته، وصيت أبيه، فمال بذلك إلى القيادة. وسنه أحدى وعشرون سنة، ثم ارتقى إلى الملك الراسخ، والسلطان الشامخ، بباهر شجاعته وشهامته. فسما قدره. وعظم أمره. وفشى في كل أمة ذكره.
قال غيره: كان بعيد الغور، قوي الساعد أصيل الرأي. شديد العزم، بعيد العفو، مؤثرا للانتقام، مرهوب العقوبة.
وقال في مختصر ثورة المريدين: كان عظيم القوة في جسمه، ذا أيد في عظمته. جزارة في لحمه، وكان له فروسية، وشجاعة، وشهامة، ورياسة.
بطالته وجوده
قال: وكان له يومان في كل جمعة: الاثنين، والخميس، يشرب مع ندمايه فيهما، ويجود على قواده، وخاصته وأجناده، ويذبح البقر فيهما، ويفرق لحومها على الأجناد، [ويحضر القيان بمزاميرهن وأعوادهن]، ويتخلل ذلك لهو كثير، حتى ملك القلوب من الجند، وعاملوه بغاية النصح، وربما وهب المال في مجالس أنسه. ذكر أنه استدعى يوماً ابن الأزرق أحد قواده، فشرب معه ومع القرابة، في مجلس قد كساه بأحمر الوشي والوطئ والآنية من الفضة وغيرها، وتمادى في لهو وشراب عامة اليوم. فلما كمل نهاره معهم، وهبهم الآنية. وكل ما كان في المجلس من الوشي أو غير ذلك.
ما نقم عليه ووصم به
قالوا: كان عظيم الانهماك في ميدان البطالة، واتخذ جملة من الجواري. فصار يراقد منهن جملة تحت لحاف واحد. وانهمك في حب القيان، والزمر والرقص. قالوا: وكان له فتًى اسمه حسن، ذو رقبة سمينة، وقفاً عريض؛ فإذا شرب، كان يرزُّه، ويعطيه بعد ذلك عطاء جزيلاً. وفي ذلك يقول كاتبه المعروف بالسالمي؛ وكان يحضر شرابه. ويخمر:
أدر كؤوس المدام والرَّز
فقد ظفرنا بدولة العزِّ
ونعم الكفُّ من قفا حسن
فإنها في ليانة الخز
وصاحب إن طلبت أخدعه
فلم يكن في بذله بمعتز
انحنى على أخداعي فأطربني
وهزِّ عطفيّ أيما هزّ
وأجزل صلة السَّالمي؛ حين أنشدها إياه، واشتهرت هذه الأبيات بالشرق، واستظرفها الناس. فرد مرسية دار مجونه، وبلغ في زمانه ألفاً وأربعين. وآثر زيّ النصارى من الملابس، والسلاح، واللجم، والسروج. وكلف بلسانهم يتكلم مباهتة، وألجأه الخروج عن الجماعة. والانفراد بنفسه إلى الاحتماء بالنصارى، ومصانعتهم، والاستعانة بطواغيتهم. فصالح صاحب برشلونة لأول أمره على ضريبة. وصالح ملك قشتالة على أخرى. فكان يبذل لهم في السنة خمسين ألف مثقال. وابتنى لجيشه من النصارى منازل معلومات وحانات للخمور، وأجحف برعيته، لأرزاق من استعان به منهم، فعظمت في بلاده المغارم وثقلت، واتخذ حوانيت بيع الأدم والمرافق، تختنق بجانبه، وجعل على الأغنام وعروض البقر، مؤناً غريبة. وأما رسوم الأعراس والملاهي فكانت قبالاتها غريبة. حدث بعض المؤرخين عن الثقة، قال: كنت بجيان مع الوزير أبي جعفر الوقشي، فوصل إليه رجل من أهل مرسية، كان يعرفه، فسأله الوزير عن أحوال ابن مردنيش وعن سيره؛ فقال الرجل، أخبرك بما رأيته من جور عماله وظلمهم. وذلك أن أحد الرعية بشاطبة؛ واسمه محمد ابن عبد الرحمن، كان له بنظر شاطبة، ضويعة يعيش بها، وكان لازمها أكثر من فايدها، فأعطى لازمها حتى افتقر، وفرّ إلى مرسية. وكان أمر ابن مردنيش، أنه من فرّ من الرعية أمام الغزو، أخذ ماله للمخزن. قال الرجل الشاطبي، فلما وصلت إلى مرسية فاراً عن وطني، وخدمت الناس في البنيان، فاجتمع لي مثقالان سعديان، فبينما أنا أمشي في السوق. وإذا بقوم من أهل بلدي شاطبة، ومن قرابتي، فسألتهم عن أولادي وزوجتي، فقالوا إنهم في عافية؛ ففرحت فرحاً عظيماً، وسألتهم عن الضويعة؛ فقالوا إنها باقية بيد أولادك، فقلت لهم عسى تبيتوا عندي الليلة، فاشتريت لحماً وشراباً، وضربنا دفاً. فلما كان عند الصباح، وإذا بنقر عنيف بالباب. فقلت من أنت؟ فقال أنا الطرقون؛ الذي بيده قبالة اللهو، وهي متفقة بيدي، وأنتم ضربتم البارحة الدّف فأعطنا حق العرس الذي عملت. فقلت له والله ما كانت لي عرس. فأخذت وسجنت؛ حتى افتديت بمثقال واحد من الذي خدمت به؛ وجئت إلى الدار. فقيل لي أن فلاناً وصل من شاطبة الساعة. فمشيت لأسأله [عن أولادي. فقال تركتهم في السجن. وأخذت الضويعة من أيديهم في رسم الجبالي، فرجعت] إلى الدار. إلى قرابتي. وعرفتهم بالذي طرأ علي. وبكيت طول ليلتي، وبكوا معي. فلما كان من الغد. وإذا بناقر بالباب. فخرجت فقال أنا رجل صاحب المواريث. أعلمنا أنكم بكيتم البارحة. وأنه قد مات لكم ميت من قرابتكم غني. وأخذتم كل ما ترك. فقلت والله ما بكيت إلا نفسي، فكذبني وحملني إلى السجن، فدفعت المثقال الثاني، ورجعت إلى الدار [وقلت أخرج إلى الوادي، إلى باب القنطرة، أغسل ثيابي من درن السجن، وأفر إلى العدوة]؛ فقلت لإمرأة تغسل الثياب، إغسلي مما علي. وجردتها. ودفعت لي زناراً ألبسه. فبينا أنا كذلك. وإذا بالخصي قائد ابن مردنيش يسوق ستين رجلاً من أهل الجبل، لابسي الزنانير. فرآني على شكلهم، فأمر بحملي إلى السخرة والخدمة بحصن مسقوط عشرة أيام. فلبثت أخدم، وأحضر مدة عشرة أيام، وأنا أبكي واشتكي للقايد المذكور، حتى أشفق علي وسرحني. فرجعت أريد مرسية، فقيل لي عند باب البلد، كيف أسمك؛ فقلت محمد بن عبد الرحمن، فأخذني الشرطي، وحملت إلى القابض بباب القنطرة. فقالوا هذا من كتبته من أرباب الحالي بكذا وكذا دينار. فقلت والله ما أنا إلا من شاطبة. وإنما اسمي وافق ذلك الاسم، ووصفت له ما جرى علي، فأشفق وضحك مني؛ وأمر بتسريحي فسرت على وجهي إلى هنا.
بعض الأحداث في أيامه ونبذ من أخباره
استولى على بلاد الشرق، مرسية وبلنسية وشاطبة ودانية، ثم اتسع نطاق ملكه، فولي جيان وأبدة وبياسة، وبسطة ووادي آش، وملك قرمونة، ونازل قرطبة وإشبيلية، وكاد يستولي على جميع بلاد الأندلس. فولى صهره ابن همشك، وقد مر في باب إبراهيم، مدينة جيان وأبدة وبياسة، وضيق منها على قرطبة، واستولى على إستجة، ودخل غرناطة سنة سبع وخمسين وخمسماية وثار عليه يوسف بن هلال من أصهاره بحصن مطرنيش وما إليه. ثم تفاسد ما بينه وبين صهره الآخر ابن هَمُشْك. فكان سبب إدبار أمره، واستولى العدو في مدة ابن سعد على مدينة طرطوشة عام ثلاثة وأربعين وخمسماية، وعلى حصن إقليج. وحصن شرانية.
دخوله غرناطة
ولما دخل ابن هَمُشْك مدينة غرناطة، وامتنعت عليه قصبتها، وهزم الجيش المصرخ لمن حصر بها من الموحدين بمرج الرقاد؛ وثاب أثناء ذلك أمر الموحدين. فتجهز لنصرهم السيد أبو يعقوب. وأجاز البحر. واجتمعوا بالسيد أبي سعيد بمالقة. استمد ابن هَمُشْك صهره الأسعد أبا عبد الله محمد بن سعد، فخرج بنفسه في العسكر الكبير من أهل الشرق والنصارى. فوصل إلى غرناطة، واضطربت محلته بالربوة السامية المتصلة بربض البيازين. وتعرف إلى اليوم بكدية مردنيش؛ [وتلاحق جيش الموحدين بأحواز غرناطة. فأبينوا جيش عدوهم، فكانت عليه الدبرة، وفرّ ابن مردنيش]؛ فلحق بجيان، واتصلت عليه الغلبة من لدن منتصف عام سيتن؛ فلم يكن له بعده ظهور.
وفاته
وظهر عليه أمر الموحدين، فاستخلصوا معظم ما بيده، وأوقعوا بجنده الوقايع العظيمة. وحصر بمدينة مرسية، واتصل حصاره، فمات أثناء الحصار في عاشر رجب؛ من عام سبعة وستين وخمسماية وله ثمانية وأربعون عاماً، ووصل أمره أبو القمر هلال، وألقى باليدين إلى الموحدين، فنزل على عهد ورسوم؛ حسبما يأتي في موضعه.
محمد بن يوسف
ابن هود الجذامي؛ أمير المسلمين بالأندلس؛ يكنى أبا عبد الله، ويلقب من الألقاب السلطانية بالمتوكل على الله.
أوليته
من ولد المستعين بن هود. وأوليتهم معروفة، ودولتهم مشهورة، وأمراؤهم مذكورون. خرج من مرسية تاسع رجب؛ عام خمسة وعشرين وستماية إلى الصُّخور من جهاتها في نفر يسير من الجنود [معه] وكان الناس يستشعرون ذلك. ويرتقبون ظهور مسمى باسمه واسم أبيه، وينددون. بإمرته وسلطانه. وجرى عليه بسبب ذلك امتحان في زمن الموحدين مرات، إذ كان بعض الهاتفين بالأمور الكاينة، والقضايا المستقبلة، يقول لهم، يقوم عليكم قايم من صنف الجند، اسمه محمد بن يوسف. فقتلوا بسبب ذلك شخصاً من أهل جيان. ويقال [إن] شخصاً ممن ينتحل ذلك، لقي ابن هود، فأمعن النظر إليه، ثم قال له أنت سلطان الأندلس، فانظر لنفسك، وأنا أدلك على من يقيم ملكك، فاذهب إلى المقدم الغَشْتي فهو القايم بأمرك. وكان الغشتي رجلاً صعلوكاً يقطع الطريق، وتحت يده جماعة من أنجاد الرجال، وسباع الشرار، قد اشتهر أمرهم، فنهض إلى المقدم، وعرض عليه الأمر، وقال نسستفتح بمغاورة إلى أرض العدو، على اسمك وعلى سعدك، ففعلوا، فجلبوا كثيراً من الغنايم والأسرى، وانضاف إلى ابن هود طوايف مثل هؤلاء، وبايعوه بالصخيرات كما ذكر، من ظاهر مرسية، وتحرك إليه السيد أبو العباس بعسكر مرسية؛ فأوقع به وشرده، ثم ثاب إليه ناسه، وعدل إلى الدعاء للعباسيين، فتبعه اللفيف، ووصل تقليد الخليفة المستنصر بالله ببغداد، فاستنصر الناس في دعوته، وشاع ذكره، وملك القواعد، وجيش الجيوش، وقهر الأعداء، ووفى للغشتي بوعده، فولاه أسطول إشبيلية، ثم أسطول سبتة، مضافاً إلى أمرها، وما يرجع إليه، فثار به أهلها بعد؛ وخلعوه، وفر أمامهم في البحر، وخفي أثره إلى أن تحقق استقراره أسيراً في البحر بغرب الأندلس، ودام زماناً، ثم تخلص في سن الشيخوخة، ومات برباط آسفي.
حاله
كان شجاعاً، ثبتاً، كريماً حيياً، فاضلاً، وفياً، متوكلاً عليه، سليم الصدر، قليل المبالاة، فاستعلى لذلك عليه ولاته بالقواعد، كأبي عبد الله بن الرميمي بألمرية، وأبي عبد الله بن زنون بمالقة، وأبي يحيى عتبة بن يحيى الجزولي بغرناطة. وكان مَجْدوداً، لم ينهض له جيش. ولا وفق لرأي، لغلبة الخفة عليه، واستعجاله الحركات، ونشاطه إلى اللقاء، من غير كمال استعداد.
بعض الأحداث في أيامه
جرت عليه هزائم منها هزيمة السلطان الغالب بالله إياه مرتين، إحداهما بظاهر إشبيلية، وركب البحر فنجا بنفسه. ثم هزمه بإلبيرة من أحواز غرناطة، زعموا كل ذلك في سنة أربع وثلاثين وستماية، أو نحوها. وفي سنة خمس وثلاثين كان اللقاء بينه وبين المأمون إدريس أمير الموحدين بإشبيلية، فهزمه المأمون أقبح هزيمة، واستولى على محلته، ولاذ منه بمدينة مرسية. ثم شغل المأمون الأمر، وأهمته الفتنة الواقعة بمراكش، فصرف وجهه إليها وثاب الأمر للمتوكل، فدخلت في طاعته ألمرية، ثم غرناطة، ثم مالقة. وفي سبع وعشرين وستماية، تحرك بفضل شهامته بجيوش عظيمة، لإصراخ مدينة ماردة، وقد نازلها العدو وحاصر، ولقي الطاغية بظاهرها، فلم يتأن زعموا، حتى دفع بنفسه العدو، ودخل في مصافه. ثم لما كرّ إلى ساقته، وجد الناس منهزمين لما غاب عنهم، فاستولت عليه هزيمة شنيعة. واستولى العدو على ماردة بعد ذلك. وفتح عليه في أمور منها: تملكه إشبيلية سنة تسع وعشرين وستماية، وولى عليها أخاه الأمير أبا النجاة سالماً الملقب بعماد الدولة؛ في سنة إحدى وثلاثين. رجعت قرطبة إلى طاعته، واستوسق أمره. وتملك غرناطة ومالقة عام خمسة وعشرين وستمائة، ودانت له البلاد. وفي العشر الأول من شوال؛ دخل في طاعته الريسان: أبو زكريا، وأبو عبد الله، إبنا الرئيس أبي سلطان [عزيز] بن أبي الحجاج بن سعد؛ وخرجا عن طاعة الأمير أبي جميل، وأخذا البيعة لابن هود على ما في أيديهما. وفي سنة ست وعشرين وستمائة، تملك الجزيرة الخضراء عنوة، يوم الجمعة التاسع لشعبان من العام. وفي العشر الوسط من شوال ورد عليه الخبر ليلاً بقصد العدو وجهة مدينة وادي آش. فأسرى ليله مسرجاً بقية يومه، ولحق بالعدو على ثمانين ميلاً، فأتى على آخرهم ولم ينج منه أحد.
إخوته
الرئيس أبو النجاة سالم، [وعلامته وثقت بالله]، ولقبه عماد الدولة، والأمير أبو الحسن عضد الدولة، وأسره العدو في غارة، وافتكه بمال كثير، والأمير أبو إسحاق شرف الدولة. وكلهم يكتب عنه، من الأمير فلان.
ولده
أبو بكر الملقب بالواثق بالله، أخذ له البيعة على أهل الأندلس. في كذا، وولي بعده ولي عهده، واستقل بملك مرسية. ثم لم ينشب أن هلك.
دخوله غرناطة
[دخل غرناطة] مرات عديدة، إحداها في سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وقد وردت عليه الراية والتقليد من الخليفة العباسي ببغداد. وبمصلى غرناطة، قرئ على الناس كتابه، وهو قايم، وزيه السواد، ورايته السوداء بين يديه، وكان يوم استسقاء، فلم يستتم على الناس قراءة الكتاب يومئذ، إلا وقد جادت السماء بالمطر، وكان يوماً مشهوداً، وصنعاً غريباً، وأمر [بعد انصرافه]، أن يكتب عنه بتلك الألقاب التي تضمنها الكتاب المذكور إلى البلاد.
وفاته
اختلف الناس في سبب وفاته، فذكر أنه قد عاهد زوجه ألا يتخذ عليها امرأة طول عمره، فلما تصير إليه الأمر، أعجبته رومية [حصلت له بسبب السبي] من أبناء زعمائهم، من أجمل الناس، فسترها عند ابن الرميمي خليفته، فزعموا أن ابن الرميمي علق بها. ولما ظهر حملها خاف افتضاح القصة، فدبر عليه الحيلة، فلما حل بظاهر ألمرية، عرض عليه الدخول إليها، فاغتاله ليلاً، بأن أقعد له أربعة رجال، قضوا عليه خنقاً بالوسايد. ومن الغد ادَّعى أنه مات فجأة، ووقف عليه العدول، والله أعلم بحقيقة الأمر. سبحانه. وكانت وفاته ليلة الرابع والعشرين من جمادى الآخرة؛ عام خمسة وثلاثين وستماية. وفي إرجاف الناس بولاية ابن هود، والأمر قبل وقوعه، يقول الشاعر:
هُمامٌ به زاد الزمان طلاقة
ولذت لنا فيه الأماني موردا
فقل لبني العباس ها هي دولة
أغار بها الحق المبين وأنجدا
فإن الذي قد جاء في الكتب وصفه
بتمهيد هذي الأرض قد جاء فاهتدا
فإن بشرتنا بابن هود محمد
فقد أظهر الله ابن هود محمدا
محمد بن أحمد
ابن زيد بن أحمد بن زيد بن الحسن بن أيوب بن حامد بن زيد ابن منخل الغافقي؛ يكنى أبا بكر؛ من أهل غرناطة.
وسكن وادي آش.
أوليته
أصل هذا البيت من إشبيلية، وذكره الرازي في الاستيعاب، فقال: وبإشبيلية بيت زيد الغافقي، وهم هناك جماعة كبيرة، فرسان ولهم شرف قديم، وقد تصرفوا في الخدمة بلديون، ثم انتقلوا إلى طليطلة، ثم قرطبة، ثم غرناطة. وذكر الملاّحي في كتابه: الحسن بن أيوب بن حامد بن أيوب [بن زيد] وعدَّه من أهل الشورى، وقضاة الجماعة بغرناطة؛ وأحمد بن زيد بن الحسن؛ هو المقتول يوم قيام بني خالد، بدعوة السلطان أبي عبد الله الغالب بالله بن نصر، وكان عامل المتوكل على الله ابن هود بها، وعمن جُمِع له بين الدين والفضل والمالية.
حاله ونباهته ومحنته ووفاته
كان هذا الرجل عيناً من أعيان الأندلس، وصدراً من صدورها. نشأ عفاً متصاوناً عزوفاً، وطلاوة؛ نزيهاً [أبياً كريم الخؤولة]، طيب الطعمة، حر الأصالة، نبيه الصَّهْر. ثم استعمل في الوزارة ببلده، ثم قدم على من به من الفرسان، فأوردهم الموارد الصفيّة بإقدامه، واستباح من العدو الفرصة، وأكسبهم الذكر والشهرة، وأنفق في سبيل الله، إلى غضاضة الإيمان، وصحة العقد، وحسن الشيمة، والاسترسال في ذكر التواريخ، والأشعار الجاهلية، والأمثال، والتمسك بأسباب الدين، وسحب أذيال الطهارة، وهجر الخبايث، وإيثار الجد، والانحطاط في هوى الجماعة.
مشيخته
قرأ بغرناطة على شيخ الجماعة أبي عبد الله بن الفخار، وببلده على الأستاذ أبي عبد الله الطرسوني، وبه انتفاعه، وكان جهوريّ الصّوت، متفاضلاً، قليل التهيّب في الحفل. ولما حدث بالسلطان أبي عبد الله من كياد دولته، وتلاحق بوادي آش مفلتاً، قام بأمره، وضبط البلد على دعوته، ولمَّ المداهنة في أمره، وجعل حيل عدوه دبر أذنه، إلى أن خرج عنها إلى العدوة، فكان زمان طريقه مفدياً له بنفسه، حتى لحق بمأمنه، فتركها مغربة.
خبر في وفاته ومعرجه
وكانت الحمد لله على محمده، واستأثر به الداخل، فشد عليه يد اغتباطه، وأغرى به عقد ضنانته، وخلطه بنفسه، ثم أغرى به لمكانته من الشهامة والرياسة، فتقبض عليه، وعلى ولده، لباب بني وقته، وغرة أبناء جنسه، فأودعهما مطبق أرباب الجرايم، وهم باغتيالهما، ثم نقلهما إلى مدينة المنكب ليلة المنتصف لمحرم؛ من عام اثنين وستين وسبعمائة في جملة من النبهاء، مأخوذين بمثل تلك الجريرة ثم صرف الجميع في البحر إلى بجاية، في العشر الأول لربيع الأول مصفدين. ولما حلوا بها، أقاموا تحت برّ وتجلة؛ ثم ركبوا البحر إلى تونس، فقطع بهم أسطول العدو بأحواز تكرنت، ووقعت [بينه و] بين المسلمين حرب، فكرم مقام المترجم يومئذ، وحسن بلاؤه. قال المخبر، عهدي به، وقد سل سيفاً، وهو يضرب العدو ويقول، اللهم اكتبها لي شهادة. واستولى العدو على من كان معه من المسلمين، ومنهم ولده؛ وكتب افتك الجميع ببلد العناب، وانصرف ابنه إلى الحج، وآب لهذا العهد بخلال حميدة كريمة. من سكون وفضل ودين وحياء، وتلاوة، إلى ما كان يجده من الركض، ويعانية من فروسية، فمضى على هذا السبيل من الشهادة، نفعه الله، في ليلة الجمعة الثامن لرجب؛ من عام اثنين وستين وسبعمائة.
شعره
أنشدني قاضي الجماعة أبو الحسن بن الحسن له:
يا أيها المرتجي لطف خالقه
وفضله في صلاح الحال والمال
لو كنت توقن حقاً لطف قدرته
فاشمخ بأنفك عن قيل وقال
فإن لله لطفاً عز خالقنا
عن أن يقاس بتشبيه وتمثال
وكل أمر وإن أعياك ظاهره
فالصنع في ذاك لا يجري على بال
محمد بن أحمد
ابن محمد الأشعري؛ من أهل غرناطة،
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن المحروق؛ الوكيل بالدار السلطانية، القُهْرُمان بها، المستوزر آخر عمره، سداد من عَوْن.
حاله وأوليته وظهوره
كان رحمه الله من أهل العفاف والتصاون، جانحاً إلى الخير، محباً في أهل الإصلاح، مغضوض الطرف عن الحُرم، عفيفاً عن الدماء، متسمسكاً بالعدالة، من أهل الخصوصية، كتب الشروط، وبرز في عدول الحضرة، وكان له خط حسن، ومشاركة في الطلب، وخصوصاً في الفرايض، وحظه تافه من الأدب، امتدح الأمراء، فترقى إلى الكتابة مرؤوساً مع الجملة. وعند الإيقاع بالوزير ابن الحكيم، تعين لحصر ما استرفع من منتهب ماله، وتحصل بالدار السلطانية من آثاثه وخُرْثِيَّه، فحزم واضطلع بما كان داعية ترقيه إلى الوكالة، فساعده الوقت، وطلع له جاه كبير، وتملك أموالاً عريضة، وأرضاً واسعة، فجمع الدنيا بحزمه ومثابرته على تنمية داخله [وترقى] إلى سماء الوزارة في الدولة السادسة من الدول النصرية، بتدبير شيخ الغزاة، وزعيم الطايفة عثمان بن أبي العلاء، فوصله إلى إدوار دنياه، والله قد خبأ له المكروه في المحبوب، وتأذن الله سبحانه بنفاد أجله على يده، فاستولى وحجب السلطان. ثم وقعت بينه وبين مرشحه، الوحشة الشهيرة، عام سبع وعشرين وسبعمائة، مارساً لمكان الفتنة، صلة؛ فارط في حجب السلطان، وأجلى جمهور ما كان ببابه، ومنع من الدخول إليه، فاضطربت حاله، وأعمل التدبير عليه، فهجم عليه بدار الحرة الكبيرة جدة السلطان، وكان يعارضها في الأمور، ويجعلها [تكأة لغرضه]، فتيان من أحداث المماليك، المستبقين مع محجوبه، تناولاه سطاً بالخناجر، ورمى نفسه في صهريج الدار، وما زالا يتعاورانه من كل جانب [حتى فارق الحياة] رحمه الله تعالى.
مشيخته
قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وكانت له فيه فراسة صادقة.
محمد بن فتح
ابن علي الأنصاري؛ يكنى أبا بكر؛ [ويُشْهر بالأشْبِرون]؛ قاضي الجماعة.
حاله
كان طِرْفاً في الدهاء والتخلق والمعرفة بمقاطع الحقوق، ومغامِز الرّيب، وعلل الشهادات، فذاً في الجزالة، والصرامة، مقداماً، بصيراً بالأمور، حسن السيرة، عذب الفكاهة، ظاهر الحظوة، علي الرتبة، خرج من إشبيلية عند تغلب العدو عليها، وولي القضاء بمالقة وبسطة. ثم ولي الحسبة بغرناطة، ثم جمعت له إليها الشرطة، ثم قدم قاضياً، واستمرت ولايته نحواً من ثلاثين سنة.
وفاته
توفي ليلة الحادي عشر من شهر ربيع الأول؛ عام ثمانية وتسعين وستمائة.
محمد بن أحمد
ابن علي بن حسن بن علي بن الزيات الكلاعي؛ ولد الشيخ
الخطيب أبي جعفر بن الزيات؛ من أهل بَلَّش؛ يكنى أبا بكر.
حاله
من عائد الصلة من تأليفنا: كان رحمه الله شبيهاً بأبيه، في هديه، وحسن سمته ووقاره، إلا أنه كان حافظاً للرتبة. مقيماً للأبهة، مستدعياً بأبيه ونفسه للتجلة، بقية من أبناء المشايخ، ظرفاً وأدباً ومروءة وحشمة، إلى خط بديع قيد البصر، ورواية عالية، ومشاركة في فنون، وقراءة، وفقه، وعربية، وأدب وفريضة، ومعرفة بالوثاق والأحكام. تولى القضاء ببلده، وخلف أباه على الخطابة والإمامة، فأقام الرسم، واستعمل في السفارة، فسد مسد مثله، وأقرأ ببلده، فانتفع به.
مشيخته
قرأ على الأستاذ الخطيب أبي محمد بن أبي السداد الباهلي. وبغرناطة، على شيخ الجماعة الأستاذ [أبي جعفر] بن الزبير. ومن أعلام مشيخته، جده للأم خال أبيه، الحكيم العارف أبو جعفر بن الخطيب [أبي الحسن ابن الحسن المذحجي الحمي]، والخطيب الرباني أبو الحسن فضل بن فضيلة، والوزير أبو عبد الله بن رشيد.
محمد بن علي
ابن عبد الله بن محمد بن الحاج؛ يكنى أبا عبد الله،
ويعرف بابن الحاج.
أوليته وحاله
[كان أبوه نجاراً من مُدَجَّني] مدينة إشبيلية من العارفين بالحيل الهندسية، بصيراً باتخاذ الآلات الحربية الجافية، والعمل بها، وانتقل إلى مدينة فاس على عهد أبي يوسف المنصور بن عبد الحق، واتخذ له الدولاب، المنفسح القطر البعيد المدى، مُليّن المركز والمحيط، المتعدد الأكواب، الخفي الحركة؛ حسبما هو اليوم ماثل بالبلد الجديد، دار الملك بمدينة فاس، أحد الآثار التي تحدو إلى مشاهدتها الرَّكاب، وبناء دار الصنعة بسلا. وانتقل بعد مهلك أبيه إلى باب السلطان ثاني الملوك من بني نصر، ومتّ إليه بوسيلة، أدنت محله، وأسنت جراياته، إلى أن تولى وزارة ولده أمير المسلمين، أبي الجيوش نصر، واضطلع بتدبيره. ونقم الناس عليه إيثاره لمقالات الروم، وانحطاطه في مهوى لهم، والتشبه بهم في الأكل والحديث، وكثير من الأحوال والهيئات والاستحسان؛ وتطريز المجالس بأمثالهم وحكمهم، سمة وسمت منه عقلاً، لنشأته بين ظهرانيهم، وسبقت إلى قوى عقله المكتسب في بيوتهم، فلم تفارقه بحال، وإن كان آية في الدهاء، والنظر في رجل بعيد الغور، عميق الفكر، قايم على الدمنة، منطوٍ على الرضف، لين الجانب، مبذول البشر، وحيد زمانه في المعرفة بلسان الروم وسيرهم، محكم الأوضاع في أدب الخدمة، ذَرِبٌ بالتصرف في أبواب الملوك. وكان من ثورة العامة بسلطانه ما تقدم، وجهروا بإسلامه إليهم، وقد ولوه بسبب الثورة، وطوقوه كياد الأزمة. فضن به السلطان ضنانة، أعربت عن وفايه، وصان مهجته، واستمر الأمر إلى أن خلع الملك عن الملك. وكان نزول [الوزير المذكور تحت خفارة شيخ الغزاة، وكبير الطايفة، عثمان بن أبي العلى، فانتقل محفوظ الجملة، محوط الوفر، ولم ينشب إلى أن لجأ إلى العدوة، واتصل بالأمير أبي علي عمر ابن السلطان الكبير أبي سعيد، فحركه. زعموا، على محادّة أبيه، وحمله على الانتزاء، فكان ما هو معلوم من دُعايه إلى نفسه، ومنازعة أبيه]، ولقايه إياه بالمقرمدة وفُلَّ جيشه، وفي أثنايه هلك المترجم به.
وفاته
توفي بفاس الجديد في العشر الأول من شعبان؛ عام أربع عشرة وسبعماية.
محمد بن رضوان
ابن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أرقم [النَّميري]؛ من أهل وادي آش؛ يكنى أبا يحيى
حاله
كان صدراً شهيراً، عالماً عَلَماً، حسيباً، أصيلاً، جم التحصيل، قوي الإدراك، مضطلعاً بالعربية واللغة، إماماً في ذلك، مشاركاً في علوم من حساب وهيئة وهندسة. قال الشيخ: كان في هذا كله أبرع من لقيته، إلى سراوة وفضل وتواضع ودين، جارياً في ذلك على سنن سلفه. وعلو محتده. جالسته رحمه الله، كثيراً عند علية من أدركته بغرناطة، لإقامته بها [وتكرر لقائي إياه بها] وبغيرها، فرأيت أصيلاً جليلاً، قد جمع علماً وفضلاً، وحسن خلق، وكان حسن التقييد، لخطه رونق يمتاز به، ويبعد عن غيره، ولي القضاء ببلده، ثم ولي بعد مدة ببرشانة فحمدت سيرته.
مشيخته
أخذ القراءات السبع عن أبي كرم جودى بن عبد الرحمن، وقرأ عليه الغريب واللغة، ولازمه في ذلك، وأجاز له إجازة عامة. وأخذ من غيره ببلده، وصحب بغرناطة جملة من العلماء بها، أيام اختلافه إليها، وإقامته بها.
تواليفه
ألف كتاباً سماه الاحتفال في استيفاء ما للخيل من الأحوال، وهو كتاب ضخم وقفت عليه من قبله وأفدته. واختصر الغريب المصنف، وله تقاييد منثور ومنظوم في علم النجوم، ورسالة في الإسطرلاب الخطى والعمل به. وشجرة في أنساب العرب.
وفاته
توفي ليلة السبت السابع عشر لشهر ربيع الآخر؛ عام سبع وخمسين وسبعماية.
محمد بن محمد
ابن إبراهيم بن محمد [بن إبراهيم بن محمد]بن خلف بن محمد بن سليمان بن سوار بن أحمد بن حزب الله بن عامر بن سعد الخيربن
عياش المكنى بأبي عيشون بن حمود؛ الداخل إلى الأندلس صحبة موسى ابن نصير؛ بن عنبسة بن حارثة بن العباس بن المرداس، يكنى أبا البركات؛ بلفيقي الأصل؛ مروي النشأة والولادة والسلف، يعرف بابن الحاج، وشهر الآن في غير بلده بالبلفيقي، وفي بلده بالمعرفة القديمة.
أوليته
قد تقدم اتصال نسبه بحارثة بن العباس بن مرادس، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد خطبايه وشعرايه، رييس في الإسلام، ورييس في الجاهلية. وكان لسلفه وخصوصاً لإبراهيم من الشهرة بولاية الله؛ وإيجاب الحق من خلقه ما هو مشهور، حسبما تنطق به الفهارس، يعضد هذا المجد من جهة الأمومة، كأبي بكر ابن صهيب، وابن عمه أبي إسحاق، وغيرهم، الكثير ممن صنف في رجال الأندلس، كأبي عبد المجيد المالقي، وابن الأبار، وابن طلحة، وابن فرتون، وابن صاحب الصلاة، وابن الزبير، وابن عبد الملك. فلينظر هناك.
حاله
نشأ ببلده ألمرية عمود العفة، فضفاض جلباب الصيانة، غضيض طرف الحياء، نائي جنب السلام، حليف الانقباض والازورار، آوياً إلى خالص النشب وبحت الطعمة، لا يرى إلا في منزل من سأله، وفي حلق الأسانيد، أو في مسجد من المساجد خارج المدينة المعدة للتعبد، لا يجيء سوقاً، ولا مجمعاً، ولا وليمة، ولا مجلس حاكم [أو وال]؛ ولا يلابس أمراً من الأمور التي جرت عادته أن يلابسها بوجه من الوجوه. ثم ترامى إلى رحلة، فجاس خلال القطر الغربي إلى بجاية، نافضاً إياه من العلماء والصلحاء والأدباء والآثار بتقييده، وأخذه قيام ذكر، وإغفال شهرة. ثم صرف عنانه إلى الأندلس، فتصرف في الإقراء، والقضاء، والخطابة. وهو الآن نسيج وحده في أصالة عريقة، وسجية على السلامة مفطورة [فما شيت من صدر سليم، وعقد وثيق، وغور قريب، ونصح مبذول، وتصنع مرفوض] ونفس ساذجة، وباطن مساو للظاهر، ودمعة سريعة، وهزل يثمر تجلة. وانبساط يفيد حسن نية، إلى حسن العهد، وفضل المشاركة، ورقة الحاشية، وصلابة العود، وصدق العزيمة، وقوة الحامية، وبلاغة الموعظة، وجلة الوقت. وفايدة العصر، تفنناً وإمتاعاً، فارس المنابر غير الهيابة، ولا الجزوع، طيب النغمة بالقرآن، مجهشاً في مجال الرقة، كثير الشفقة لصالح العامة، متأسفاً لضياع الأوقات، [مدمعاً على الفيئة]، مجماً، محولاً في رياسة الدين والدنيا. هذا ما يسامح فيه الإيجاز، ويتجافى عنه الاختصار، ويكفى فيه الإلماع والإشارة، أبقى الله شيخنا أبا البركات.
مشيخته. ولايته
تقدم قاضياً بقنالش، في جمادى الثانية؛ عام خمسة عشر وسبعمائة ثم ولي مربلة، وإستبونة ثم كانت رحلته إلى بجاية. ثم عاد فقعد بمجلس الإقراء من مالقة للكلام على صحيح مسلم، متفقاً على اضطلاعه بذلك. ثم رحل إلى فاس. ثم آب إلى الأندلس، واستقر ببلده ألمرية، فقعد بمسجدها الجامع للإقراء [ثم قدم قاضياً ببرجة ودلاية، والبينول وفنيانة ثم نقل عنها إلى بيرة، ثم غربي ألمرية]. ثم قدم قاضياً بمالقة، ثم قدم بغربها مضافاً إلى الخطابة، ثم أعيد إلى قضاء ألمرية، بعد وفاة القاضي أبي محمد بن الصايغ. ومن كتاب طرفة العصر من تأليفنا في خبر ولايته ما نصه: فتقلد الحكم في الثالث والعشرين لشعبان؛ من عام سبع وأربعين وسبعمائة، ثالث يوم وصوله مستدعًى، وانتابه الطلبة، ووجوه الحضرة والدولة، مهنئين بمثواه من دار الصيانة، ومحل التجلة، إحدى دور الملوك بالحمراء، فطفقوا يغشونه [بها] زرافات ووحداناً في إتاحة الخير، وإلهام وإلهام السداد، وتسويغ الموهبة. وكان وصوله، والأفق قد أغبر، والأرض قد اقشعرت لانصرام حظ من أيام الشتاء الموافق لشهر ولايته، لم يسح فيه الغمام بقطرة، ولا لمعت السماء بنزعة، حتى أضرت الأنفس الشح، وحسر العسر عن ساقه، وتوقفت البذور، فساعده الجد بنزول الرحمة عند نزوله من مرقاة المنبر، مجابة دعوة استسقايه، ظاهرة بركة خشوعه، ولذلك ما أنشدته في تلك الحال:
ظمئت إلى السقيا الأباطح والربا
حتى دعونا العام عاما مجدباً
والغيث مسدول الحجاب وإنما
علم الغمام قدومكم فتأدبا
وتولى النظر في الأحكام فأجال قداحها، مضطلعاً بأصالة النظر، وإرجاء المشبهات، وسلك في الخطابة طريقة مثلى، يفرغ في قوالب البيان أغراضها، ويصرف على الأحكام الكواين والبساطات أساليبها. من المحاكاة، باختلاف القبض والبسط، والوعد والوعيد، حظوظها على مقبض العدل. وسبب الصواب يقوم على كثير مما يصدع به، من ذلك شاهد البديهة. ودليل الاستيعاب. قال شيخنا أبو البركات: ثم صرفت عنها للسبب المتقدم. وبقيت مقيماً بها، لما اشتهر من وقوع الوباء بألمرية، ثم أعدت إلى القضاء والخطابة بألمرية، وكتب بذلك في أوايل رجب؛ عام تسعة وأربعين. وبقيت على ذلك إلى أن صرفت بسبب ما ذكر. ثم أعدت إليها في أواخر رجب سنة ست وخمسين، عسى أن يكون الانقطاع لله سبحانه. فأنا الآن أتمثل بما قاله أبو مطرف بن عميرة رحمه الله:
قد نسبنا إلى الكتابة يوماً
[ثم جاءت] خطة القضاء تليها
وبكل لم نطق للمجد إلا
منزلاً نابياً وعيشاً كريها
نسبة بدلت فلم تتغير
مثل ما يزعم المهندس فيها
بَدَّل من لفظ الكتابة إلى الخَطَابة. وأغرب ما رأيت ما أحكي لك، وأنت أعلم ببعض ذلك، أن أفضل ما صدر عني في ذلك، الخطة من العمل الذي أخلصت لله فيه، ورجوت منه المثوبة عليه، وفيه مع ذلك مفتخر لمن أراد أن يفتخر [غير] ملتفت للدنيا، فعليه عولت سبحانه. سبحانه. انتهى كلامه.
تصانيفه
كتب إليّ بخطه [ما نصه]، وهو فصل من فصول: وأما تواليفي فأكثرها، أو كلها غير متممة في مبيضات. منها: كتاب قد يكبو الجواد في أربعين غلطة [عن أربعين من النقاد، وهو نوع من تصحيف الحفاظ للدّارقُطْني، منها: ((سلوة الخاطر] فيما أشكل من نسبة النسب الرتب إلى الذاكر)). ومنها ((كتاب قدر جم في نظم الجمل)). ومنها ((كتاب خطر فبطر، ونظر فحظر، على تنيهات على وثائق بن فتوح))، ومنها ((كتاب الإفصاح فيمن عرف بالأندلس بالصلاح)). ومنها ((حركة الدخولية في المسألة المالقية)). ومنها ((خطرة المجلس في كلمة وقعت في شعر استنصر به أهل الأندلس))؛ جزء صغير. ومنها ((تاريخ ألمرية)) غير تام. ومنها ديوان شعره المسمى ((بالعذب والأجاج في شعر أبي البركات ابن الحاج)). ومختصره سماه القاضي الشريف ((اللؤلؤ والمرجان اللذان من العذب والأجاج يستخرجان)). ومنها ((عرايس بنات الخواطر المجلوة على منصات المنابر)) يحتوي على فصول الخطب التي أنشئت بطول بنى والخطابة. ومنها ((المؤتمن على أنباء أبناء الزمن)). ومنها تأليف (([في] أسماء الكتب، والتعريف بمؤلفيها))، على حروف المعجم. ومنها ((ما اتفق لأبي البركات فيما يشبه الكرامات)). ومنها ((كتاب ما رأيت وما رُئي لي من المقامات)). ومنها ((كتاب المرجع بالدرك على من أنكر وقوع المشترك)) ومنها ((مشبهات اصطلاح العلوم)). ومنها ((ما كثر وروده في مجلس القضاء)). ومنها ((الغَلَسِيَّات))، وهو ما صدر عني من الكلام على صحيح مسلم أيام التكلم عليه في التغليس. ومنها ((الفصول والأبواب، في ذكر من أخذ عني من الشيوخ والأتباع والأصحاب)).
ثم قال: وقد ذهب شرخ الشباب ونشاطه، وتقطعت أوصاله، ورحل رباطه، وأصبحت النفس تنظر لهذا كله بعين الإمهال والإغفال، وقلة المبالاة التي لا يصل أحد بها إلى منال. وهذه الأعمال لا ينشط [إليها إلاّ] المحركات التي هي مفقودة عندي: أحدها طلبة مجتمعون متعطشون إلى ما عندي متشوفون غاية التشوف، وأين هذه بألمرية. الثاني، طلب رياسة على هذا، ومتى يرأس أحد بهذا اليوم، وعلى تقدير أن يرأس به وهو محال في عادة هذا الوقت، فالتشوف لهذه الرياسة مفقود عندي. الثالث، سلطان يملأ يد من يظهر مثل هذا، على يده غبطة، وما تم هذا. الرابع، نية خالصة لوجه الله تعالى في الإفادة، وهذا أيضاً مفقود عندي، ولا بد من الإنصاف. الخامس، قصد بقاء الذكر، وهذا خيال ضعيف بعيد عني. السادس، الشفقة على شيء ابتدى، [وسعي في] تحصيل مباديه، أن يضيع على قطع ما سوى هذا الإشفاق؛ وهذا السادس، هو الذي في نفسي منه شيء، وبه أنا أقيد أسماء من لقيت، وما أخذت، ويكون إن شاء الله إبراز إذا الصحف نشرت. وأكثر زماني يذهب في كيفية الخروج عما أنا فيه، فإذا ينظر إليّ العاقل في هذا الوقت بعين البصيرة، لا يسعه إلا الشفقة عليّ، والرحمة لي. فإنه يرى رجلاً مطرقاً أكثر نهاره، ينظر إلى مآله، فلا ينشط إلى إصلاحه، وهو سابع ولا يلبس بالعبادة وهو في زمانها المقارب للفوت، ولا ينهض إلى إقامة حق كما ينبغي لعدم المعين، ولا يجنح إلى شيء من راحات الدنيا، ويشاهد من علوم الباطل الذي لا طاقة له على رفعه ما يضيق صدر الحر يقضى نصف النهار، محتلاً في مكان غير حسن، تارة يفكر، وتارة يكتب ما هو على يقين منه أنه كذا لا ينتفع به، ونصف النهار يقعد للناس، تارة يرى ما يكره، وتارة يسمع ما يكره، لا صديق يذكره بأمر الآخرة، ولا صديق يسليه بأمر الدنيا، يكفيني من هذه الغزارة. اللهم إليك المشتكى يا من بيده الخلق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
شعره
من مطولاته في النزعة الغربية التي انفرد بها، منقولاً من ديوانه. قال: ومما نظمته بسبتة في ذي الحجة؛ من عام خمسة وعشرين وسبعمائة، في وصف حالي، وأخذها عني الأستاذ بسبتة، أبو عبد الله بن هانئ، والأديب البارع أبو القاسم الحسيني، وأبو القاسم بن حزب الله، وسواهم. ولما انفصلت من سبتة إلى بلاد الريف زدت عليها إبياتاً في أولها وكثر ذلك بوادي لو؛ من بلاد الريف وهي:
تأسفت لكن حين عز التأسف
وكفكفت دمعاً حين لا عين تذرف
ورام سكوناً وهو في رجل طاير
ونادى بأنس والمنازل تعنف
أراقب قلبي مرة بعد مرة
فألفيه ذياك الذي أنا أعرف
سقيم ولكن لا يحس بدايه
سوى من له في مأزق الموت موقف
وجاذب قلباً ليس يأوي لمألف
وعالج نفساً داؤها يتضاعف
وأعجب ما فيه استواء صفاته
إذ الهم يشقيه أو السر ينزف
إذا حلت الضراء لم ينفعل لها
وإن حلت السراء لم يتكيف
مذاهبه لم تبد غاية أمره
فؤاد لعمري لا يرى منه أطرف
فما أنا من قوم قصارى همومهم
بنوهم وأهلهم وثوب وأرغف
ولا لي بالإسراف فكر محدث
سيغدو حبيبي أو سيشعر مطرف
ولا أنا ممن لهوه جل شأنه
بروض أنيق أو غزال مهفهف
ولا أنا ممن أنسه غاية المنى
بصوت رخيم أو نديم وقرقف
ولا أنا ممن تزدهيه مصانع
ويسبيه بستان ويلهيه مخرف
ولا أنا ممن همه جمعها فإن
تراءت يَثِب بسَعْيٍ لها وهو مرجف
على أن دهري لم تدع لي صروفه
من المال إلا مسحة أو مجلف
ولا أنا ممن هذه الدار همه
وقد غره منها جمال وزخرف
ولا أنا ممن للسؤال قد انبرى
ولا أنا ممن صان عنه التعطف
ولا أنا ممن نجَّح الله سعيهم
فهمتهم فيها مصلى ومصحف
فلا في هوًى أضحى إلى اللهو قايداً
ولا في تقًى أمسى إلى الله يزلف
أحارب دهري في نقيض طباعه
وحربك من يقضي عليك تعجرف
وأنظره شزراً بأصلف ناظر
فيعرض عني وهو أزهى وأصلف
وأضبطه ضبط المحدث صحفه
فيخرج في التوقيع أنت المصحف
ويأخذ مني كل ما عز نيله
ويبدو بجهلي منه في الأخذ محتف
أدور له في كل وجه لعلني
سأثبته وهو الذي ظل يحذف
ولما يئسنا منه تهنّا ضرورة
فلم تبق لي فيها عليه تشوف
تكلفت قطع الأرض أطلب سلوة
لنفسي فما أجدى بتلك التكلف
وخاطرت بالنفس العزيزة مقدماً
إذا ما تخطى النصل قصد مرهف
وصرفت نفسي في شئون كثيرة
لحظِّي فلم يظفر بذاك التصرف
وخضت لأنواع المعارف أبحراً
ففي الحين ما استجرتها وهي تترف
وْلم أحُل من تلك المعاني بطايل
وإن كان أهلوها أطالوا وأسرفوا
وقد مر من عمري الألذ وها أنا
على ما مضى من عهده أتلهف
وإني على ما قد بقي منه إن بقي
لحرمة ما قد ضاع لي أتخوف
أعد ليالي العمر والفرض صومها
وحسبك من فرض المحال تعسف
على أنها إن سلمت جدلية
تعارض آمالاً عليها يُنيِّف
تحدثني الآمال وهي كدينها
تبدل في تحديثها وتحرف
بأنيَ في الدنيا سأقضي مآربي
وبعد يحق الزهد لي والتقشف
وتلك أمانٍ لا حقيقة عندها
أفي قَرْني الضدين يبقى التكلف
ورب أخِلاَّءٍ شكوت إليهم
ولكن لفهم الحال إذ ذاك لم يفُ
فبعضهم يزري علي وبعضهم
يغض وبعض يرثي ثم يصدف
وبعضهم يومي إلي تعجباً
وبعض بما قد رأيته يتوقف
وبعضهم يلقي جوابه على
مقتضى العقل الذي عنه يتوقف
يسيء استماعاً ثم يُعدُّ إجابة
على غير ما تحذوه يحذو ويخصف
ولا هو يبدي لي عليّ تعقلا
ولا هو يرثي لي ولا هو يعنف
وما أمرنا إلا سواء إنما
عرفنا وكل منهم ليس يعرف
فلو قد فرغنا من علاج نفوسنا
وحطوا الدنية من عليل وأنصف
أما لهم من علة أرمت بهم
ولم يعرفوا أغوارها وهي تتلف
وخضنا لهم في الكتب عن كنه أمرهم
ومثلي عن تلك الحقائق يكشف
وصنفت في الآفات كل غريبة
فجاء كما يهوى الغريب المصنف
وليس عجيباً من تركب جهلهم
فإن يحجبوا عن مثل ذاك وصرف
إذا جاءنا بالسخف من نزو عقله
إذا ما مثلناه أزهى وأسخف
فما جاءنا إلا بأمر مناسب
أينهض عن كف الجبان المثقف
ولكن عجيب الأمر علمي وغفلتي
فديتكم أي المحاسن أكشف
إلا إنها الأقدار يظهر سرها
إذا ما وفى المقدور فالرأي يخلف
أيا رب إن اللب طاش بما جرى
به قلم الأقدار والقلب يرجف
وإنا لندعوهم ونخشى وإنما
على رسمك الشرعي من لك يعكف
أقول وفي أثناء ما أنا قايل
رأيت المنايا وهي لي تتخطف
وإني مع الساعات كيف تقلبت
لأسهمها إن فوقت متهدف
وما جر ذا التسويف إلا شيبتي
تُخَيِّل لي طول المدى فأسوف
إذا جاء يوم قلت هو الذي يلي
ووقتك في الدنيا جليس مخفف
أقدم رجلاً عند تأخير أختها
إذا لاح شمس فالنفس تكسف
[كأني لداني المراقد منهم]
ولم أودعهم والخض ريّان ينسف
وهبني أعيش هل إذا شاب مفرقي
وولى شبابي هل يباح التشوف
وكيف ويستدعي الطريق رياضة
وتلك على عصر الشباب توظف
متى يقبل التقويم غير عطوفة
وبي بعد حساً فالنار تنسف
ولو لم يكن إلا ظهورة سره
إذا ما دنا التدليس هان التنطف
أمولى الأسارى أنت أولى بعذرهم
وأنت على المملوك أحق وأعطف
قذفنا بلجّ البحر والقيد آخذ
بأرجلنا والريح بالموج تعصف
وفي الكون من سرّ الوجود عجايب
أطل عليها العارفون وأشرف
وكعت عليهم نكثة فتأخروا
وددت بأن القوم بالكل أسعف
فليس لنا إلا أن نحط رقابنا
بأبواب الاستسلام والله يلطف
فهذا سبيل ليس للعبد غرها
وإلا فماذا يستطيع المكلف
وقال: وضمنها محاورة بينه وبين نفسه، وقيدتها عنه زوال يوم الثلاثاء التاسع والعشرين لمحرم؛ خمس وخمسين وسبعمائة، برابطة العقاب، متعبد الشيخ ولي الله أبي إسحاق الإلبيري، رحمه الله، فمنها:
يأبى شجون حديثي الإفصاح
إذ لا تقوم بشرحه الألواح
قالت صفية إذ مررت بها
أفلا تنزل ساعة ترتاح
فأجبتها لولا الرقيب لكان لي
ما تبتغي بعد الغدو رواح
قالت وهل في الحي حي غيرنا
فاسمح فديتك فالسماح رياح
فأجبتها إن الرقيب هو الذي
بيديه منا هذه الأرواح
وهو الشهيد على موارد عبده
سيان ما الإخفاء والإفصاح
قالت وأين يكون وجود الله إذ
تخشى ومنه هذه الأفراح
فافرح بإذن الله جل جلاله
واشطح فنشوان الهوى شطاح
وانهج على ذمم الرجال ولا تخف
فالحكم رحب والنوال مباح
وانزل على حكم السرور ولا تبل
فالوقت صاف ما عليك جناح
واخلع عذارك في الخلاعة يا أخي
باسم الذي دارت به الأقداح
وانظر إلى هذا النهار فسنه
ضحكت ونور جبينه وضاح
أنواره ضحكت وأترع كأسه
فقد استوى ريحانه والراح
وانظر إلى الدنيا بنظرة رحمة
فجفاؤها بوفائها ينزاح
فأجبتها لو كنت تعلم ما الذي
يبدو لتاركها وما يلتاح
ما كان معنى غامض من أجله
قد ساح قوم في الجبال وتاح
حتى لقد سكروا من الأمر الذي
هاموا به عند العيان وساح
لعذرتني وعلمت أني طالب
ما الزهد في الدنيا له مفتاح
فاترك صفيك قارعاً باب الرضى
والله جل جلاله الفتاح
يا حيّ حي على الفلاح وخلني
فجماعتي حثوا المطي وراح
وقيدت من خطه في جملة ما كتب إلي ما نصه: ومما نظمته بغرناطة، وبعضه ببرجة، وهو مما يعجبني، وأظنه كتبه لك، وهو غريب المنزع، وإنه لكما قال:
خذها على رغم الفقيه سلافة
تُجَلَّى بها الأقمار في شمس الضحى
أبدى أطباء القلوب لأهلها
منها شراباً للنفوس مبرحا
وإذا امرؤ قال في نشوانها
قل أنت بالإخلاص فيمن قد صحا
يا قوتة دارت على أربابها
فاهتزت الأقدام منها واللحا
مزجت فغار الشيخ من تركيبها
فلذاك جردها وصاح وسرحا
فبدت فغار الشيخ من إظهارها
فاشتد يبتدر الحجاب ملوحا
لا تعترض أبداً على مسترفد
قد غار من أسرارها أن يفضحا
وكذاك لا تعتب على مستهتر
لم يدر ما الإيضاح لما أوضحا
سكران يعثر في ذيول لسانه
كفراً ويحسب أنه قد سبحا
كم الهوى حرب بعض وبع
ض ضاق ذرعاً بالغرام فبرحا
لا تخشين على العدالة هاتفاً
ثغر ارتياح العاشقين فجرحا
الحب خمر العارفين وقد ضفت
حتماً على من ذاقها أن يشطحا
فاشطح على هذا الوجود وأهله
عجباً فليس براجح من رجحا
كبر عليهم إنهم موتى على
غير الشهادة ما أغر وأقبحا
واهزأ بهم فمتى يقل نصحاؤهم
أهج فقل حتى ألاقي مفلحا
وإذا أريبهم استخف فقل له
بالله يا يحيى بن يحيى دع جحا
أبني سُلَيْم قد نجا مجنونكم
مجنون ليلى العارفين به قد محا
هل يستوي من لم يبح بحبيبه
مع من بذكر حبيبه قد أفصحا
فافرح وطب وأبهج وقل ما شئته
ما أملح الفقراء يا ما أملحا
ومن مقطوعاته التي هي آيات العجايب، وطرر حلل البدايع في شتى الأغراض والمقاصد، قوله يعتذر لبعض الطلبة، وقد استدبره ببعض حلق العلم بسبتة:
إن كنت أبصرتك لا أبصرت
بصيرتي في الحق برهانها
لا غرو أني لم أشاهدكم
فالعين لا تبصر إنسانها
ومنها قوله في غرض التورية، وهو بديع في معناه:
يلومونني بعد العذار على الهوى
ومثلي في وجدي له لا يفند
يقولون لي أمسك عنه قد ذهب الصبا
وكيف يُرى الإمساك والخيط أسود
ومنها قوله في المجبنات، وهو من الغريب البديع:
ومصفرة الخدين مطوية الحشا
على الجبن والمصفر يؤذن بالخوف
لها هيئة كالشمس عند طلوعها
ولكنها في الحين تغرب في الجوف
ومنها قوله في النصح، ولها حكاية تقتضي ذلك:
لا تبذلن نصيحة إلا لمن
تلقى لبذل النصح منه قبولا
فالنصح إن وجد القبول فضيلة
ويكون إن عدم القبول فضولا
ومنها في الحكم:
ما رأيت الهموم تدخل إلا
من دروب العيون والآذان
غض طرفاً وسد سمعاً ومهما
تلق هماً فلا تثق بضمان
ومنها قوله، وهو من المعاني المبتكرات:
حزنت عليك العين يا مغنى الهوى
فالدمع منها بعد بعدك ما رقا
ولذاك قد صُبِغَتْ بلون أزرق
أو ما ترى ثوب المآتم أزرقا
ومنها قوله في المعاني الغربية، قال: ومما نظمته في عام أربعة وأربعين في التفكر في المعاني، مغلق العينين:
أبحث فيما أنا حصلته
عند انغماض العين في جفنها
أحسبنى كالشاة مجترة
تمضغ ما يخرج من بطنها
وقال: ومما نظمته بين أندرش وبرجة عام أربعة وأربعين، وأنا راكب مسافر، وهو مما يعجبني، إذ ليس كل ما يصدر عني يعجبني. قلت وبحق أن يعجبه:
تطالبني نفسي بما ليس لي به
يَدَانِ فأعطيها الأمان فتقبل
عجبت لخصم لج في طلباته
يصالح عنها بالمحال فيفصل
[قال: ومما نظمته في السنة المذكورة من ذم النساء:
ما رأيت النساء يصلحن إلا
للذي يصلح الكنيف من أجله
فعلى هذه الشريطة صالح
هن لا تعد بأمرئ عن محله]
قال: ومما نظمته في السنة المذكورة:
قد هجرت النساء دهراً فلم أب
لغ آذاني صفاتهن الذميمهْ
ما عسى أن يقال في هجو من قد
خصه المصطفى بأقبح شيمهْ
أو يبقى لناقص العقل والدي
ن إذا عدت المثالب قيمهْ
وقال: وما نظمته في تاريخ لا أذكره الآن، هذان البيتان، ولم أر معناهما لمن مضى. ولو رحل رجل إلى خراسان، ولم يأت إلا بهما، كان ممن لم يخفق مسعاه، ولا أجدب مرعاه، ينفتح بهما للقلب باب من الراحة فسيح، إذا أجهده ما يكابد من المضاضة، ونقض العهود، واختلاف الوعود. وهذه المحنة من شر ما ابتلي به بنو آدم،
شنشنة نعرفها من أمرهم: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾:
رعى الله إخوان الخيانة إنهم
كفونا مؤونات البقا على العهد
فلو قد وفوا كنا أسارى حقوقهم
نراوح بين النسيئة والنقد
وقال يداعبني، وعلى سبيل الكناية يخاطبني، ولقد لقيت، رجلاً ببلاد الهند يعرف بأبي البركات ابن الحاج، وكان بَرِد في بستان كان له، فقلت أهجوه عام أربعة وأربعين وسبعمائة:
قالوا أبو البركات جَمَّ مُاؤه
فغدا أبو البركات لا أبا البركات
قلنا لأن يكنى بموجوداته
أولى من أن يكنى بمعدومات
ومما نظمته عام خمس وأربعين وسبعمائة:
قد كنت معذوراً بعلمي وما
أبث من وعظي بين البشر
من حيث قد أملت إصلاحهم
بالوعظ والعلم فخان النظر
فلم أجد أوعظ للناس من
أصوات وعاظ جلود البقر
ومما نظمته بمرسى تلهى، من بلد هنين، عام ثلاثة وخمسين، وقد أصابني هوس في البحر وخاطبت به بعض الأصحاب:
رأسي به هوس جديد لا الذي
تدريه من هوس قديم فيه
قد حل ما أبديه من هذا كما
قد حل من ذاك الذي أخفيه
ومن الملح قوله، قال: وبت بحمام الخندق من داخل ألمرية ليلة الجمعة الثامن من شهر محرم؛ عام اثنين وثلاثين منفرداً، فطفي المصباح، وبقيت مفكراً، فخطر ببالي ما يقول الناس من تخيل الجن في الأرحاء والحمامات، وعدم إقدام كافة الناس إلا ما شذ عند دخولها منفردين بالليل، لا سيما في الظلام، واستشعرت قوة في نفسي عند ذلك، أعراض وأوهام، فقلت مرتجلاً، رافعاً بذلك صوتي:
زعم الذين عقولهم قدرها
إن عرضت للبيع غير ثمين
أن الرحا معمورة بالجن وال
حمام عندهم كذا بيقين
إن كان ما قالوه حقاً فاحضروا
للحرب هذا اليوم من صفين
فلئن حضرتم فاعلموا بحقيقة
بأني مصارع قيس المجنون
قال: ودخلت رياضاً يوماً، فوجدت كساء منشوراً للشمس لم أعرفه من حوايجي، ولا من حوايج حارسة البستان، فسألتها فقالت، هو لجارتي فقلت:
من منصفي من جارتي جارت على
مالي كأني كنت من أعدائها
عمدت إلى الشمس التي انتشرت على
أرضي وأمت فيه يبس كسائها
لولا غيوم يوم تيبس الكسا
سرت لحجب السحب جل ضياءها
لقضيت منهم الخسار لأنني
أصبحت مزوراً على بخلائها
قلت، وصرت إلى مَغْنًى بحمة بجانة وسار معي كلب كان يحرس رياضي اسمه قَطْمير، وهو فيما يُذْكر كَلْب أهل الكهف، في بعض الأقوال، فتبعني من ألمرية إلى الحمة، ثم من الحمة إلى ألمرية، فقلت:
رحلت وقطمير كلبي رفيقي
يونس قلبي بطول الطريق
فلما أنخت أناخ حذائي
يلاحظني لحظ خل شفيق
ويرعى أذمة رفقي كما
يتغنى الصديق الصدوق
على حين قومي بني آدم
بلؤمهم لم يوفوا حقوق
ولا فرق بين الأباعد منهم
وبين أخ مستحب شفيق
أو ابن متى تلقاه تلقه
هويّ اشتياق بقلب خفوق
فما منهم من ولي حميم
ولا ذي إخاء صحيح حقيق
وناهيك ممن يفضل كلباً
عليهم فيا وليهم من رفيق
ألا من يرقّ لشيخ غريب
أبي البركات الفتى البلفيق
وقال: ومما نظمته بتاريخ لا أذكره هذان البيتان:
وأين الخير من زماني وأهله
على أنني للشر أول سابق
لحا الله دهراً قد تقدمت أهله
فتلك لعمر الله إحدى البوايق
ومن النزعات الشاذة الأغراض:
لا بارك الله في الزهاد إنهم
لم يتركوا عرض الدنيا لفضلهم
بل أثقلتهم تكاليف الحياة فلم
يصايروها فملوا ثقل حملهم
وعظم الناس منهم تركها فغدوا
من غبطة الترك في حرص لأجلهم
نعم أسلم أن القوم إذ زهدوا
زاداً وأعلى الناس طراً فضل تركهم
من حيث قد أحرزوا الترجيح دونهم
لا شيء أبين من ترجيح فضلهم
فالمال والجود والراحات غاية ما
يحكى لنا الزهد في ذا عن أجلهم
والزاهدون براحات القلوب مع ال
أ بدان سروا وعزوا بعد ذلهم
فكل ما فرقوا قد حصلوا غرضاً
منه وزادوا ثناء الناس كلهم
قال: ومما نظمته عام أربعين في ذم الخمر من جهة الدنيا، لا من جهة الدين، إذ ليس بغريب:
لقد ذم بعض الخمر قوم لأنها
تكر على دين الفتى بفساد
وقد سلموا قول الذي قال إنها
تحل من الدنيا بأعظم ناد
وتذهب بالمال العظيم فلن ترى
لمدمنها من طارف وتلاد
فيمسي كريماً سيداً ثم يغتدي
سفيهاً حليف الغي بعد رشاد
وقالوا تسلَّى وهو عارية لها
وإلا فلم يأتوا لذاك بشاد
وصلة ونور وحسناء طفلة
ومَرْأى به للطريف سير جواد
وهل يُداوَى من مرارتها التي
أواخرها مقرونة بمهاد
ولو أشْرِب الإنسان مهلاً بهذه
لأصبح مسروراً بأطيب زاد
ومن حسن حال الشاربين يُقَيُّؤ
نها بالرغم من برق وساد
ومن حسن ذا المحروم أن مدامه
إذا غلبت تكسوه ثوب رقاد
فيختلف الندمان طراً لروحه
ويحدوهم نحو المروءة حادي
ومن حسنه بين الورى ضرب ظهره
فيمسي بلا حرب رهين جلاد
مجانين في الأوهام قد ضل سعيهم
يخففون بيعاً بحسن غواد
ومن نظمه في الإنحاء على نفسه، واستبعاد وجوه المطالب في جنسه، مما نظمته يوم عرفة؛ عام خمسين؛ [وأنا مُنْزَوٍ في غارٍ] ببعض جبال ألمرية:
زعموا أن في الجبال قوماً صالحين قالوا من الأبدال
وادعوا أن كل من ساح فيها فسيلقاهم على كل حال
فاخترقنا تلك الجبال مراراً بنعال طوراً ودون نعال
ما رأينا فيها سويّ الأفاعي وشبا عقرب كمثل النبال
وسباعاًيخترون بالليل عدواً لا تسلني عنهم بتلك القيال
ولو كنا لدى العدوة الأخ رى رأينا نواجذ الريبال
وإذا أظلم الدجى جاء إبلي سإلينا يزور طيف الخيال
هو كان الأنيس فيها ولولا ه أصيبت عقولنا بالخبال
خل عنك المحال يا من تعنى ليس تلقى الرجال غير الرجال
قال: ومن المنازع الغريبة ذم الأصحاب ومدح الأعداء، فمن ذلك قولي:
جزى الله بالخير [أعداءنا]
فموردهم أنسى المصدر
هم حملونا على العرف كرهاً
وهم صرفونا عن المنكر
وهم أقعدونا بمجلس حكم
وهم بوؤونا ذرى المنبر
وهم صيرونا أئمة علم
ودين وحسبك من مفخر
عدوي بأول فدي مأثم
وإن جيت بالإثم لم يعذر
وأنت ترى تمحيص من يعد
ل [بين المُسيءِ وبين البرِ]
ولا زود الله أصحابنا
بزاد تقّيٍ ولا خيّر
هم جرؤونا على كل إثم
وما كنت لولاهم بالمخبر
وعدوا من إكبار آثامنا
فكانوا أضر من الفاتر
أعارني القوم ثوب التقى
وإني مما أعاروني بري
إذا خدعوني ولم ينصحوا
وإني بالنصح منهم حر
فمن كان يكذب حال الرضى
يصدق في غضب يفتر
بلى سوف تلقى لدى الحالتين
يحكم النفس هوى الفر
فيا رب أبق علينا عقولنا
نبيع بها وبها نشتر
قال: وما رأيت هذا المعنى قط لأحد، ثم رأيت بعد ذلك لبعضهم ما معناه:
عداتي لهم فضل علي ومنة
فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها
وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
فوقع حافري على ساق هذا. قال: وما نظمته، متخيلاً أني سابق معناه:
خلسنا ليلة من كف دهر ضنين بالليالي الطيبات
سلكنا للهوى والعقل فيها مسالك قد جلين عن الشتات
قضينا بعض حق النفس فيها وحق الله مرعي الثبات
فلم نر قبله في الدهر وقتاً بدت حسناته في السيئات
ثم رأيت بعد ذلك [على هذا]:
لا وليال على المصلى سرق في نسكها الذنوب
فوقعت ساقي على حافر هذا المحروم، إلا أني جردت ذلك في المعنى، وأوضحته، وجلوته على كرسي التقعيد والتنجيد، فلولا التاريخ لعاد سارق البرق.
نثره
وأما نثره فنمط مرتفع عن معتاد عصره، استنفاراً وبلاغة، واسترسالاً وحلاوة، قلما يعرج على السجع، أو يأمر على التكليف، وهو كثير بحيث لا يتعين عيونه، ولكن نلمع منه نبذة، ونجلب منه يسيراً. كتب إلي عند إيابي من الرسالة إلى ملك المغرب، متمثلاً ببيتين لمن قبله، صدر بهما:
يا أيتها النفس إليه اذهبي
فحبه المشهور من مذهبي
إيأسى التوبة من حبه
طلوعه شمساً من المغرب
بل محلك، أمثل من التمثيل بالشمس، فلو كان طلوعك على هذه الأقطار شمساً، لأصبح [جلها لك] عباد. ولو كان نزولك مطراً لتكيفت الصخور تراباً دمثاً. ولولا معرفتنا معشر إخوان الصفا، بإقرار أنفسنا، لحكمنا بأن قلوبنا تمايم لأصدقائنا، ولكن سبقت عيون السعادة، بالكلات فلو تصادف بالرضى محلاً، لأن تحصيل الحاصل محال، لا زلت محروساً، بعين الذي لا تأخذه سنة ولا نوم [مكنوفة ببركة الذي يرومه رايم]. والسلام)). وكتب إليّ عندما تقلدت من رياسة الإنشاء ما تقلدت: ((تخصكم يا محل الإبن الأرضَى ولادة، والأخ الصادق إخلاصاً ووداً، خصكم الله من السعادة بأعلاها مرقى، وأفضلها عقبى، وأحمدها غنى، وأكرمها مسعى، تحية اللهفان إلى أيام لقائك، المسلى عنها بتأميل العود إليها، المزجى أوقاته بترداد الفكر فيها، محمد بن الحاج، أبقاه الله، عن شوق، والذي لا إله إلا هو، لم أجد قط
مثله إلى ولي حميم. ﴿وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، معرفاً
أنني بعلاقمه، وتصليني عن كسره مجامعه، لما اعتنى به من توقلكم بالرتبة، التي ما زال أحباؤكم بها ممطولي بره. على أنك لم تزد بذلك رتبة على ما كنت باعتبار الأهلية، والمكانة العلية، إلا عند الأطفال والأغفال، والمحلقين من النساء والرجال، لكن أفزعتنا هذه المخاطبة المحظية في قالب الجمهور، ولم نسر فيها، على الأصح، لكن على الجمهور. ولو كانت مصارف الوجود بيدي، لوافتك من الوجود، منازل أسمايه منازل، وأوطأتك أفلاكه مراكب، وأوردتك كوثره مشرباً، وأحللتك أرفعه معقلاً، وأقبستك بدره مصباحاً، وأهدتك أسراره تحفاً. تحفاً. وقد تبلغ المقاصد مبالغ لا تنتهي أقاصيها الأعمال، فنحن وما نضمره لتلك الجملة الجليلة الفاضلة، مما الله رقيب عليه، ومحيط بدقايقه. ولو كانت لهذا العبد الغافل، المأسور في قيد نفسه، المحزون على انتهاب الأيام، رأس عمره في غير شيء، دعوة يساعدها الوجد حتى يغلب على ظنه، أن العليم بذات الصدور، ولاها من قبوله بارقة، لخصك بها، والله شهيد على ما تكنه الأفئدة، وهو حسبنا ونعم الوكيل)).
والفضل جم، والمحاسن عديدة، فلنقصر اضطراراً، ولنكف امتثالاً للرسم، وانقياداً، أمتع الله به.
محمد بن عبد الله
ابن منظور القيسي؛ من أهل مالقة؛ يكنى أبا بكر
أوليته
أصله من إشبيلية، من البيت المشهور بالتعيين والتقدم، والأصالة، تشهد بذلك جملة أوضاع؛ منها: ((الروض المحظور أوصاف بني منظور)). وغيره.
حاله
من كتاب عائد الصلة: كان جم التواضع والتخلق، كثير البر، مفرط الهشة، مبذول البشر، عظيم المشاركة، سريع اللسان إلى الثناء، مسترسلاً في باب الإطراء، درباً على الحكم، كثير الحنكة، قديم العالة، بصيراً بالشروط، ولي القضاء بجهات كثيرة، وتقدم بمالقة، بلده فشكرت سيرته، وحمدت مدارته، وكان سريع العَبْرة، كثير الخشية، حسن الاعتقاد، معروف الإيثار والصدقة، شايع الإقراء لمن ألم بصقعه، واجتاز على محل ولايته، جارياً على سنن سلفه، ينظم وينثر، فلا يقصر.
مشيخته
قرأ على الأستاذ أبي محمد بن أبي السداد الباهلي، ولازمه وانتفع به، وسمع على غيره من الأعلام، كالخطيب الولي أبي عبد الله الطنجالي، والعدل الرواية المسن أبي عبد الله بن الأديب، والمسن أبي الحكم مالك ابن المرحل، وعلى الشيخ الصوفي أبي عبد الله محمد بن أحمد الأقشري الفاسي، ولبس عنه خرقة التصوف، وعلى الخطيب أبي عبد الله بن رشيد، وعن الشيخ القاضي أبي المجد بن الأحوص، وعلى بن مجاهد الرندي المعروف بالسمار، والخطيب أبي العباس بن خميس بالجزيرة الخضراء، وعلى الخطيب الزاهد أبي عبد الله السلال. وكتب إليه بالإجازة، أبو عبد الله بن الزبير، والفقيه أبو الحسن بن عقيل الرندي، والوزير المعمر أبو عمر الطنجي، وأبو الحكم بن منظور ابن عم أبيه، والأستاذ أبو عبد الله بن الكماد. نقلت ذلك من خطه.
تواليفه
أخبرني أنه ألف: ((نفحات المسوك، وعيون التبر المسبوك في أشعار الخلفاء والوزراء والملوك)). وكتاب ((السحب الواكفة والظلال الوارفة، في الرد على ما تضمنه المضنون به على غير أهله من اعتقاد الفلاسفة)). وكتاب ((الصيب الهتان الواكف بغايات الإحسان المشتمل على أدعية مستخرجة من الأحاديث الصحيحة النبوية وسور القرآن)). وكتاب ((البرهان والدليل في خواص سور التنزيل، [وما في قراءتها في النوم من بديع التأويل]...)). وكتاب يشتمل على أربعين حديثاً في الرقايق. موصولة الأسانيد، وكتاب ((تحفة الأبرار في مسألة النبوة والرسالة، وما اشتملت عليه من الأسرار)). وكتاب ((الفعل المبرور والسعي المشكور فيما وصل إليه أو تحصل لديه من نوازل القاضي أبي عمر بن منظور)).
شعره
ومن شعره قوله:
ما للعطاس[ولا] للفال من أثر
فثق فديتك بالرحمن واصطبر
وسلم الأمر فالأحكام ماضية
تجري على السن المربوط بالقدر
محمد بن علي
ابن الخضر بن هارون الغساني؛ من أهل مالقة؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بابن عسكر.
حاله
من كتاب الذيل والتكملة. كان مغرباً مجوداً، نحوياً متوقد الذهن، متفنناً في جملة معارف. ذا حظ صالح من رواية الحديث، تاريخياً، حافظاً، فهيماً، مشاوراً، دؤوباً في الفتوى، متيناً في الدين، تام المروءة، المروءة، سنياً فاضلاً، معظماً عند الخاصة والعامة، حسن الخلق، جميل العشرة، رحيب الصدر، مسارعاً إلى قضاء الحوايج، شديد الإجمال، محسنا إلى من أساء أساء إليه، نفاعاً بجاهه، سمحاً بذات يده، متقدماً في عقد الوثائق، بصيراً بمعانيها، سريع البديهة في النظم والنثر، مع البلاغة، والإحسان في الفنين. ولي قضاء مالقة نايباً عن القاضي أبي عبد الله بن الحسن مدة، ثم ولي مستبداً بتقديم الأمير أبي عبد الله بن نصر، يوم السبت لليلتين بقيتا من رمضان؛ عام خمس وثلاثين. وأشفق وأشفق من ذلك وامتنع منه [وخاطبه مستعفياً، وذكر أنه أنه لا يصلح للقيام بما قلده من تلك الخطة تورعاً منه]؛ فلم يسعفه. فتقلدها، وسار فيها أحسن سيرة، وأظهر الحقوق التي كان الباطل قد غمرها، ونفذ الأحكام. وكان ماضي العزيمة، مقداماً، مهيباً، جزلاً في قضائه، لا تأخذه في الله لومة لأئم، واستمر على ذلك بقية عمره.
مشيخته
روى عن: أبي إسحاق الزوالي، وأبي بكر بن عتيق بن منزول، وأبي جعفر الجيان، وأبي حسن الشقوري، وأبي الحجاج بن الشيخ، وأبي الخطاب بن واجب، وأبي زكريا الأصبهاني مقيم غرناطة.
من روى عنه
روى عنه أبو بكر بن خميس ابن أخته، وأبو العون، وأبو عبد الله بن بكر الإلبيري. وحدث عنه بالإجازة، أبو عبد الله الأبار، وأبو القاسم بن عمران، وكتب بالإجازة للعراقيين من أهل بغداد الذين استدعوها استدعوها من أهل الأندلس، حسبما تقدم في رسم أبي بكر بن هشام، وضمنها نظماً ونثراً اعترف له بالإجادة فيهما.
تصانيفه
صنف كتباً كثيرة، أجاد فيها وأفاد. منها: ((المشرع الروي في الزيادة على المروي)). ومنها ((أربعون حديثاً)) التزم فيها موافقة اسم شيخه، اسم الصابي، وما أراه سبق إلى ذلك، وهو شاهد بكثرة شيوخه، وسعة روايته، ومنها ((نزهة الناظر في مناقب عمار بن ياسر)). ومنها ((الخبر المختصر، في السلوى عن ذهاب البصر))، ألفه ألفه لأبي محمد بن أبي الأحوص الضرير الواعظ. ومنها ((رسالة في ادخار الصبر، وافتخار القصر والفقر))، ومنها ((الإكمال والإتمام في صلة الإعلام بمجالس الأعلام من أهل مالقة الكرام)). وله اسم آخر، وهو ((مطلع الأنوار ونزهة الأبصار، فيما احتوت عليه مالقة من الرؤساء والأعلام والأخيار، وتقيد من المناقب والآثار)). واخترمته المنية عن إتمامه؛ فتولى إتمامه ابن أخته أبو بكر محمد بن خميس المذكور، وقد نقلت منه في هذا الكتاب.
شعره
ومن شعره، وقد نعيت إليه نفسه قبل أن تغرب من سماء معارفه شمسه:
ولما انقضى إحدى وخمسون حجة
كأني منها بعد كرب أحلم
ترقيت أعلاها لأنظر فوقها
مدى الحتف مني على منه أسلم
إذا هو قد أدنت إليه كأنما
ترقيت [فيه نجوة] وهو سلم
وقال في أحدب:
وأحدب تحسب في ظهره
جابهفي نهر عايمة
مثلث الخلقة لكنه
في ظهره زواية قايمة
ومن أمثال نظمه قوله، وقد استدعيت منه إجازة:
أجبتك لأني لما رمته أهل
ولكن ما أجبت محتمل سهل
[وما العلم إلا بحر طال مدانه]
ومالي محمّ في الورود ولا نهل
فكيف أراني أهل ذاك وقد أتى
علي المحتيان البطالة والجهل
وأسأل ربي العفو عني فإنه
لما يرتجيه العبد من فضل أهل
مولده
تخميناً في نحو أربع وثمانين وخمسماية.
وفاته
ظهر يوم الأربعاء لأربع خلون من جمادى الآخرة؛ عام ستة وثلاثين وستماية.
محمد بن يحيى
ابن محمد بن يحيى بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن سعد الأشعري
المالقي؛ يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن بكر؛ من ذرية بلج بن يحيى بن خالد ابن عبد الرحمن بن يزيدبن أبي بردة. واسمه عامر بن أبي عامر بن أبي موسى واسمه عبد الله بن قيس؛ صاحب رسول الله صلى لله عليه وسلم. ذكره ابن حزم في جملة من دخل الأندلس من العرب
حاله
من عائد الصلة: كان من صدور العلماء، وأعلام الفضلاء، سذاجة ونزاهة ومعرفة وتفنناً. فسيح الدرس، أصيل النظر، واضح المذهب، مؤثراً للإنصاف، عارفاً بالأحكام والقراءات، مبرزاً في الحديث، تاريخاً وإسناداً، وتعديلاً وتجريحاً، حافظاً للأنساب والأسماء والكنى، قايماً على العربية، مشاركاً في الأصول والفروع، واللغة والعروض والفرايض والحساب، مخفوض الجناح، حسن التخلق، عطوفاً على الطلبة، محباً في العلم والعلماء، مجلاً لأهله، مطرح التصنع، عديم المبالاة بالملبس، بادي الظاهر، عزيز النفس، نافذ الحكم، صوالة. معروف بنصرة [من أزر إليه]. تقدم للشياخة ببلده مالقة، ناظراً ناظراً في أمور العقد والحل، ومصالح الكافة. ثم ولي القضاء بها، فأعز الخطة، وترك الهوادة، [وإنفاد الحق] ملازماً للقراءة والإقراء، محافظاً للأوقات، حريصاً على الإفادة. ثم ولي القضاء والخطابة بغرناطة في العشر الأول الأول لمحرم؛ سبعة وثلاثين وسبعمايتة، فقام بالوظايف، وصدع بالحق، وجرح الشهود فزيف منهم ما ينيف على السبعين عدداً، واستهدف بذلك إلى معاداة ومناضلة، خاض ثَبَجها، وصادم تيارها، تيارها، غير مبال بالمغبة، ولا حافل بالتبعة، فناله لذلك لذلك من المشقة، والكيد العظيم، ما نال مثله. حتى كان كان يمشي إلى الصلاة ليلاً في مِسَلَّة. لا يطمئن على حاله. جرت في هذا الباب حكايات إلى أن استمرت الحال على ما أراده الله. وعزم عليه الأمير في بعض من الخطة، ليرده إلى العدالة، فلم يجد في قناته مغمزاً، ولا في عوده معجماً، وتصدر لبث العلم بالحضرة، يقري فنوناً منه جمة، فنفع وخرج، ودرس العربية والفقه والأصول، وأقرأ القرآن، وعلم الفرايض والحساب، وعقد مجالس الحديث، شرحاً وسماعاً، على سبيل من انشراح الصدر، وحسن التجمل. وخفض الجناح.
وذكره القاضي المؤرخ أبو الحسن بن الحسن؛ فقال: وأما شيخنا، وقريبنا مصاهرة، أبو عبد الله بن أبي بكر، فصاحب عزم ومضاء، وحكم صادع وقضاء. كان له رحمه الله، مع كل قولة، صولة، وعلى كل رابع لا يعرف ذرة، فأحرق قلوب الحسدة والصُّب، وأعزّ الخطة، بما أزال عنها من الشّوائب، وذهّب وفضّض كواكب الحق الحق بمعارفه، ونفذ في المشكلات، وثبت في المذهلات، واحتج وبكت، وتفقه ونكت.
توقيعه
قال: وحدثنا صاحبنا، أبو جعفر الشقوري، قال كنت قاعداً في مجلس حكمه، فرفعت إليه امرأة رقعة، مضمونها أنها محبة في مطلقها، وتبتغي من يستشفع لها في ردّها، فتناول الرّقعة، ووقع في ظهرها للحين من غير مهلة: الحمد لله، من وقف على ما بالمقلوب، فليصغ لسماعه إصاغة مغيث، وليشفع للمرأة عند زوجها، تأسّياً بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لبربرة في مغيث. والله يسلم لنا العقل والدين، ويسلك بنا مسالك المهتدين. والسلام يعتمد على من وقف على هذه الأحرف من كاتبها، ورحمة الله. قال صاحبنا، فقال لي بعض الأصحاب، هلاّ كان هو الشفيع لها. فقلت الصحيح أن الحاكم لا ينبغي أن يباشر ذلك بنفسه على النصوص.
شعره
ولم يسمع له شعر إلاّ بيتين؛ في وصف قوس عربيّ النسب؛ في (شعر من لا شعر له)، وهما:
هام الفؤاد في بنت النبع والنشم
[زوراً تزري بعطف البان والصنم]
قوام قامتها تمام معطفها
من يلق مقتلها تصميه أو تصم
مشيخته
قرأ على الأستاذ المتفنن الخطيب أبي محمد بن أبي السداد الباهلي القرآن العظيم جمعاً وإفراداً، وأخذ عنه العربية والفقه والحديث، ولازمه، وتأدب به. وعلى الشيخ الراوية الصالح أبي عبد الله محمد بن عياش الخزرجي القرطبي، قرأ عليه كثيراً من كتب الحديث، منها كتاب صحيح مسلم، وسمع عليه جميعه إلاّ دولة واحدة. ومن أشياخه: القاضي أبو القاسم قاسم ابن أحمد بن حسن بن السكوت. والفقيه المشاور، الصدر الكبير، أبو عبد الله بن ربيع، والخطيب القدوة الولي أبو أبو عبد الله بن أحمد الطنجالي، والشيخ القاضي أبو الحسن ابن الأستاذ العلامة أبي الحجاج بن مصامد، والأستاذ خاتمة المقريين أبو جعفر بن الزبير، والخطيب المحدث أبو عبد الله بن رشيد. والخطيب الولي الصالح أبو الحسن بن فضيلة، والأستاذ أبو الحسن بن اللباد المشرفي. والشيخ الأستاذ أبو عبد الله بن الكماد السطي اللَّبليسي. وأجازه من أهل سبتة: شيخ الشرفا أبو علي بن أبي التقى طاهر ابن ربيع، والعدل الراوية أبو فارس عبد العزيز بن الهواري، وأبو إسحاق التلمساني، والحاج العدل الراوية أبو عبد الله ابن الحصار، والأستاذ المقري ابن أبي القاسم ابن عبد الرحيم القيسي، والأستاذ أبو بكر بن عبيدة، والشيخ المعمر أبو عبد الله بن أبي القاسم بن عبيد الله الأنصاري. ومن أهل إفريقية: الأديب المعمر أبو عبد الله محمد بن هارون، وأبو العباس أحمد بن محمد الأشعري المالقي [نزيل تونس]، ومحمد بن سيد الناس اليعمري، وعثمان بن عبد القوي البلوى. ومن أهل مصر: النسابة شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي. والمحدث الراوية أبو المعالي أحمد بن إسحاق، وجماعة غيرهم من المصريين والشاميين والحجازيين.
مولده
في أواخر ذي حجة؛ من عام أربعة وسبعين وستماية.
وفاته
فُقِدَ في مُصاب المسلمين يوم المناجزة بطريف شهيداً محرضاً، زعموا أن بغلة كان عليها [كبت به]، وأفاق رابط الجأش، مجتمع القوى. وأشار عليه بعض المنهزمين بالركوب فلم يكن عنده قوة عليه. وقال انصرف هذا يوم الفرج، إشارة إلى قوله تعالى في الشهداء: { فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ}، وذلك ضحى يوم الاثنين السابع من جمادى الأولى عام أحد وأربعين وسبعمائة.
محمد بن أحمد
ابن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد بن علي ابن موسى بن إبراهيم بن محمد بن ناصر بن حيُّون بن القاسم بن الحسن ابن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب [رضي الله تعالى عنه] حسبما نقل من خطه.
أوليته
معروفة؛ [كان وليته مثله].
حاله
هذا الفاضل جملة من جمل الكمال، غريب في الوقار والحصافة، وبلوغ المدى، واستولى على الأمم حلماً وأناة، وبعداً عن الريب، وتمسكاً بعرى النزاهة، واستمساكاً مع الاسترسال، وانقباضاً مع المداخلة، معتدل الطريقة، حسن المداراة، مالكاً أزمة الهوى، شديد الشفقة، كثير المواساة، مَغَار حَبْل الصبر، جميل العشرة، كثيف سِتْر الحيا، قوي النفس، رابط الجأش، رقيق الحاشية، ممتع المجالسة، متوقد الذهن، أصيل الإدراك، بارعاً بأعمال المشيخة، إلى جلال المنتمى، وكرم المنصب، ونزاهة النفس، وملاحة الشيبة، وحمل راية البلاغة، والإعلام في ميادين البيان، رحلة الوقت في التبريز بعلوم اللسان، حائز الخصل والفضل في ميدانها، غريبة غريزة الحفظ. مقنعة الشاهد. مستبحرة النظر، أصيلة التوجيه، برية عن النوك والغفلة، مرهفة باللغة والغريب، والخبر والتاريخ والبيان. وصناعة البديع. وميزان العروض، وعلم القافية وتقدماً في الفقه، ودرساً له، وبراعة في الأحكام، وإتقان التدريس، والصبر، والدؤوب عليه، بارع التصنيف، حاضر الذهن، فصيح اللسان [مفخرة من مفاخر أهل بيته].
ولايته
قدم على الحضرة في دولة الخامس من ملوك بني نصر، كما استجمع شبابه، يفهق علماً باللسان، ومعرفة بمواقع البيان، وينطق بالعذب الزلال من الشعر، فسهل له كنف البر، ونظم في قلادة كتاب الإنشاء، وهو إذ ذاك ثمينة الخزرات، محكمة الرّصف؛ فشاع فضله، وذاع رجله. ثم تقدم، فثقل من طور الحكم، إلى أن قلد الكتابة والقضاء والخطابة بالحاضرة، بعد ولاية غيرها [التي أعقبها ولاية مالقة] في الرابع من شهر ربيع الآخر؛ عام سبع وثلاثين وسبعماية. فاضطلع بالأحكام. وطبق مفصل مفصل الفضل [ماضي الصريمة، وحي الإجهار]، نافذ الأمر. عظيم الهيبة، قليل الناقد، مطعم التوفيق، يصدع في مواقف الخطب بكل بليغ من القول. مما يريق ديباجته، ويشف صقاله، وتبرأ من كلال الخطباء جوانبه وأطرافه. واستعمل في السفارة للعدو ناجح المسعى، ميمون النقيبة، جزيل الحياء والكرامة؛ إلى أن عزل عن القضاء في شعبان من عام سبعة وأربعين وسبعماية. من غير زلة تخفض، ولا هنة تؤثر، فتحيز إلى التحليق لتدريس العلم، وتفرغ لإقراء العربية والفقه؛ ولم ينشب أميره المنطوي على الهاجس، المغري بمثله، أن قدمه قاضياً بوادي آش، بنت حضرته، معززة بسندها الكبير الخطة. فانتقل إليه بجملته، وكانت بينه وبين شيخنا أبي الحسن بن الجياب صداقة صادقة، ومودة مستحكمة، فجرت بينهما أثناء هذه النقلة. بدايع. منها قوله. [يوس عنه خطة] القضاء التي اخترعها، ويوليها خطة الملامة:
لا مرحباً بالناشز الفارك
إن جهلت رفعة مقدارك
لو أنها قد أوتيت رشدها
ما برحت تعشو إلى نارك
أقسمت بالنور المبين الذي
منه بدت مشكاة أنوارك
ومظهر الحكم الحكيم الذي
يتلو عليه طيب أخبارك
ما لقيت مثلك كفواً لها
ولا أوَتْ أكرم من دارك
ثم أعيد إلى القضاء بالحضرة، فوليها، واستمرت حاله وولايته على متقدم سمته من الفضل والنزاهة والمراجعة فيما يأنف فيه من الخروج عن الجادة، إلى أن هلك السلطان مستقضية مأموماً به، مقتدياً بسجدته، يوم عيد الفطر؛ خمسة وخمسين وسبعماية، وولي الأمر ولده الأسعد، فجدد ولايته، وأكد تجلته، ورفع رتبته. واستدعى مجالسته.
مشيخته
قرأ ببلده سبتة على أبيه الشريف الطاهر، نسيج وحده [في القيام]. وعلى أبي عبد الله بن هاني [وبه جل] انتفاعه؛ وعليه جلّ استفادته. وأخذ عن الإمام شيخ المشيخة أبي إسحاق الغافقي. وروى عن الخطيب أبي عبد الله الغماري، والخطيب المحدث أبي عبد الله بن رشيد، والقاضي أبي عبد الله القرطبي، والفقيه الصالح أبي عبد الله بن حريث، وأخذ عن الأستاذ النظار أبي القاسم بن الشاط وغيره.
محنته
دارت عليه يوم مهلك السلطان المذكور [رحى الوقيعة]، فعركته بالثقال، وتخلص من شرارها هولاً، لتطارح الأمير المتوثب أمام ألمرية عليه. خاتماً في السجدة ودرس الحماة إياه عند الدجلة، من غير التفات لمحل
الوطأة. ولا افتقاد لمحل*............
.......... صلاة تلك الأمة، فغشيه من الأرجل، ورجل الرّبى كثيرة. والتفّ عليه مرسل طيلسانه؛ ساداً مجرى النفس إلى قلبه. فعالج الحمام وقتاً؛ إلى أن نفس الله عنه فاستقل من الرّدى، وانتبذ من مطرح ذلك الوغى، وبودر بالفصاد، وقد أشفى، فكانت عثرة لقيت لماً ومتاعاً، فسمح له المدى آخر من يوثق به من محل البث؛ ومودعات السر من حظيات الملك، أن السلطان عرض عليه قبل وفاته في عالم الحلم، كونه في محراب مسجده، مع قاضيه المترجم به. وقد أقدم عليه كلب أصابه بثوبه، ولطخ ثوبه بدمه، فأهمته رؤياه، وطرقت به الظنون مطارقها، وهم بعزل القاضي، انقياداً لبواعث الفكر، وسداً لأبواب التوقيعات. وقد تأذن الله بإرجاء العزم وتصديق الحلم، وإمضاء الحكم، جل وجهه، وعزت قدرته. فكان من الأمر ما تقرر في محله.
تصانيفه
وتصانيفه بارعة، منها: ((رفع الحجب المستورة في محاسن المقصورة))، شرح فيها مقصورة الأديب أبي الحسن حازم بما تنقطع الأطماع فيه. ومنها ((رياضة الأبيّ في قصيدة الخزرجي))، أبدع في ذلك بما يدل على الإطلاع وسداد الفهم، وقيد على كتاب التسهيل لأبي عبد الله بن مالك تقييداً جليلاً، وشرحاً بديعاًن قارب التمام. وشرع في تقييد على الخبر المسمى، بدرر السمط في خبر السبط. ومحاسنه جمة، وأغراضه بديعة.
شعره
وإما الشعر فله فيه القدح والمعلى، والحظ الأوفى، والدرجة العليا، طبقة وقته، ودرجة عصره. وحجة زمانه، كلامه متكافي في اللفظ والمعنى، صريح الدلالة، كريم الخيم، متحصد الحبل، خالص السبك، وأنا أثبت منه جزماً، خصني به، سماه جهد المقل، اشتمل من حر الكلام، على ما لا كفاء له. الحمد لله تردده أخرى الليالي، فهو المسئول أن يعصمنا من الزلل، زلل القول. وزلل الأعمال. والصلاة على سيدنا محمد خاتم الإرسال. هذه أوراق ضمنتها جملة من بنات فكري، وقطعاً مما يجيش به في بعض الأحيان صدري، ولو حزمت لأضربت عن كتبها كل الإضراب، ولزمت في دفنها وإخفايها دين الأعراب، لكني آثرت على المحو الإثبات، وتمثلت بقولهم [إن خير ما] أوتيتْه العربُ الأبيات.
وإذا هي عضت على ذلك المجد، وسألها كيف نجت من الوأد فقد أوتيتها من حرمكم إلى ظل ظليل، وأحللتها من بنايكم، معرساً ومقيل، وأهديتها علماً بأن كرمكم، بالإغضاء عن عيوبها جد كفيل، فاغتنم قلة التهدية مني، إن جهد المقل غير قليل، فحسبها شرفاً أن تبوأت في جنابك كنفاً، وكفاها مجداً وفخراً؛ أن عقدت بينها وبين فكرك عقداً وجواراً، [ومما قلت في حرف الهمزة].
مولده
بسبتة في السادس لشهر ربيع الأول؛ من عام سبعة وتسعين وستماية.
وفاته
توفي قاضياً بغرناطة؛ في أوايل شعبان؛ من عام ستين وسبعماية.
محمد بن أحمد
ابن عبد الملك الفِشْتالي؛ قاضي الجماعة ببيضة الإسلام فاس، يكنى أبا عبد الله.
حاله
هذا الرجل له أبوة صالحة، وأصالة زاكية، قديم الطلب، ظاهر التخصص، مفرط في الوقار [نابه البزَّة والرّكبة، كثير التهمة، يوهم به الفارّ]، وصدر الصّدور في الوثيقة والأدب، فاضل النّفس، ممحوض النّصح، جميل العشرة لإخوانه، مُجري الصداقة [نصحاً، ومشاركة، وتنفيقاً، على سجية الأشراف وسنن الحسباء]، مديد الباع في فن الأدب، شاعر مجيد، كاتب بليغ، عارف بالتحسين والتقبيح، من أدركه، أدرك علماً من أعلام المشيخة. قدمه السلطان الكبير العالم أبو عنان فارس، قاضياً بحضرته، واختصه، واشتمل عليه، فاتصل بعده سعده، وعرف حقه. وتردد إلى الأندلس في سبيل الرّسالة عنه، فذاع فضله، وعلم قدره، ولما كان الإزعاج من الأندلس نحو النَّبْوَة التي أصابت الدولة، بَلَوْت من فضله ونصحه وتأنيسه، ما أكد الغبطة، وأوجب الثناء، وخاطبته بما نصه:
من ذا يعد فضائل الفشتالي
والدهر كاتب آيها والتالي
علم إذا التمسوا الفنون بعلمه
مرعى المشيح ونجعة المكتال
نال الذي لا فوقها من رفعة
ما أمَّلَتها حيلة المحتال
وقضى قياس تراثه عن جدِّه
إن المقدم فيه عين التالي
قاضي الجماعة؛ بماذا أثني على خلالك المرتضاة، أبقديمك الموجب لتقديمك، أم بحديثك الداعي لتحمّل حديثك، وكلاهما غاية بعد مرماها، وتحامى المُتَصَور حماها، والضالع لا يسام سبقاً، والمنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى. وما الظن بأصالة تعترف بها الآثار وتشهد، وأبوة صالحة؛ كانت في غير ذات الحق تزهد، وفي نيل الاتصال به تجهد، ومعارف تقرر قواعد الحق وتمهد، وتهزم الشبه إذا تشهد. وقد علم الله أن جوارك لم يبق للدهر عليّ جواراً، ولا حَتَّ من غصني ورقاً ولا نواراً. هذا وقد زأر على أسد وحمل ثوراً؛ فقد أصبحت في ظل الدولة التي وقف على سيدي اختيارها، وأظهر خلوص إبريزه معيارها، تحت كنف وعزّ مؤتنف، وجوار أبي دلف، وعلى ثقة من الله بحسن خلف. وما منع من انتساب ما لديه من الفضائل إلا رحلة، لم يبرك بعد حملها، ولا قرّ عملها، وأوحال حال بيني وبين مسور البلد القديم مهْلها. ولولا ذلك لاغتبطت الزايد، واقتنيت الفوايد، والله يطيل بقاءه، حتى تتأكد القربة، التي تنسى بها الغربة، وتعظم الوسيلة، التي لا تذكر معها الفضيلة، وأما ما أشار به من تقييد القصيدة التي نفق سوقها استحسانه، وأنس باستظرافها إحسانه، فقد أعمل وما أمهل، والقصور باد إذا تأمل، والإغضاء أولى ما أمل، فإنما هي فكرة، قد أخمدت نارها الأيام، وغيرت آثارها اللَّيام. وقد كان الحق إجلال مطالعة سيدي من خللها، وتنزيه رجله عن تقبيل مرتجلها. لكن أمره ممتثل، وأتى من المجد أمراً لا مرد له مثل. والسلام على سيدي من معظم قدره، وملتزم بره، ابن الخطيب، ورحمة الله.
فكتب إليّ مراجعاً، وهو المليء بالإحسان:
وافت يجر الزهو فضلة بردها
حسناء قد أضحت نسيجة وحدها
لله أي قصيدة أهديت لو
يهتدي المعارض نحو غاية قصدها
لابن الخطيب بها محاسن جمة
قارعت عنه الخطوب ففلت من حدها
سر البلاغة عنه أودع حافظاً
قد صانه حتى فشى من عندها
في غير عقد نفثته بسحرها
فلذا أتى سلساً منظم عقدها
لم أدر ما فيها وقمت معاوناً
من طرسها أو معلماً من بردها
حتى دفعت بها لأبعد غاية
باعاً تقصر في البلوغ بحدها
حدان من نظم ونثر إن من
يلقاهما منها بذلة عبدها
أولى يداً بيضاء موليها فما
لي مِزْيَةٌ أن أقوم بحمدها
ورفضت تكذيب المنى متشيعاً
لعلي مرآها يصادق وعدها
فبذلت شعري رافعاً من برها
وهززت عطفي رافلاً من بردها
خذها أعز الله جنابك، وأدال للأنس على الوحشة اغترابك، كغبَّة الطائر المتجعد، ونهبة الثاير المستوفز، ومقة اللحظ، قليلة اللفظ، قد جمعت من سوامها وانقحامها، بين نظم قيد، وصلود زند، ونوعت، فعلى إقدامها وانحجامها إلى قاصر ومعتد، وليتني إذا جادت سحابة ذلك الخاطر الماطر الوَدْق، وإنجاب العاني عن مزنة فكرتي، بتقاضي الجواب، انجياب الطوق، وأيقنت أني قد سد علي باب القول وأرتحج، وقلت هذه السالفة الكلية فسدت لها الداعة من تكلم الإمرة [ولم أفه إذ أعوزت المرة بالحلوة]، لكني قلت، وجدّ المكثر كجهد المقل، والواجب قد يقل الامتثال فيه بالأقل. فبعثت بها على علاتها، وأبلغتها عذرها؛ في أن كتبت عن شوقها بلغاتها، وهي لا تعدم من سيدي في إغضاء كريم، وإرضاء سليم. والله عز وجل يصل بالتأنيس الحبل، ويجمع الشمل. والسلام الكريم يخص تلك السيادة ورحمة الله وبركاته. من محمد بن أحمد الفشتالي.
وهو الآن قاض بفاس المذكورة، محمود السيرة أبقاه وأمتع به.
محمد بن محمد
ابن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي ابن داود القرشي المقَّري يكنى أبا عبد الله؛
قاضي الجماعة بفاس وتلمسان.
أوليته
نقلت من خطه. قال: وكان الذي اتخذها من سلفنا قراراً بعد أن كانت لمن قبله مراراً، عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي المقَّري، صاحب أبي مدين، الذي دعا له ولذريته، بما ظهر فيهم من قبول وتبين. وهو أبي الخامس فأنا محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن، وكان هذا الشيخ عُرْوي الصلاة، حتى أنه ربما امتحن بغير شيء فلم يؤنس منه التفات، ولا استشعر منه شعور. ويقال إن هذا هذا الحضور مما أدركه من مقامات شيخه أبي مدين. ثم اشتهرت ذريته على ما ذكر من طبقاتهم بالتجارة، فمهدوا طريق الصحراء بحفر الآبار وتأمين التجار؛ واتخذوا طبل الرحيل، وراية التقدم عند المسير. وكان ولد يحيى، الذي كان أحدهم أبو بكر، خمسةَ رجالٍ. فعقدوا الشركة بينهم فيما ملكوه، وفيما يملكونه على السواء بينهم والاعتدال، وكان أبو بكر ومحمد، وهما أرومتا نسبي من جميع جهات [الأم والأب] بتلمسان؛ وعبد الرحمن وهو شقيقهما الأكبر بسجلماسة، وعبد الواحد وعلي. وهما شقيقاهم الصغيران، بإيوالاتن؛ فاتخذوا هذه الأقطار والحوايط والديار، فتزوجوا [النساء]. النساء]. واستولدوا الإماء. وكان التملساني يبعث إلى الصحراوي [بما يرسم له من السلع. ويبعث إليه الصحراوي بالجلد والعاج والجوز والتّبر، والسجلماسي كلسان الميزان] يعرفهما بقدر الرجحان والخسران، ويكاتبهما بأحوال التجار، وأخبار البلدان، حتى اتسعت أموالهم، وارتفعت في الفخامة أحوالهم.
ولما افتتح التكرور [كورة] إيوالاتن وأعمالها، أصيبت أموالهم، فيما أصيب من أموالها؛ بعد أن جمع من كان بها منهم إلى نفسه الرجال، ونصب [دون ماله] ماله] القتال. ثم اتصل بملكهم؛ فأكرم مثواه، ومكّنه من التجارة بجميع بلاده، وخاطبه بالصّديق الأحب، والخلاصة الأقرب، ثم صار يكاتب من بتلمسان، يستقضي منهم مآربه، فيخاطبه بمثل تلك المخاطبة. وعندي من [كتبه] وكتب الملوك بالمغرب، ما ينبئ عن ذلك. فلما فلما استوثقوا من الملوك، تذللت لهم الأرض للسلوك؛ للسلوك؛ فخرجت أموالهم عن الحدّ، وكادت تفوق الحصر والعدّ، لأن بلاد الصحراء، قبل أن يدخلها أهل مصر [كانت تجلب لها من المغرب] ما لا بال له له من السلع، فيعاوض عنه [بما له بال من الثمن]. [ثم قال أبو مدين]: ((الدينا ضم جنب جنب أبي حمو، وشمل ثوباه. كان يقول: لولا الشناعة لم أزل في بلادي تاجراً من غير تجار الصحراء الذين يذهبون بخبيث السلع، ويأتون بالتّبر الذي كُلّ أمر الدّنيا له تبع، ومن سواهم يحمل منها الذّهب، ويأتي إليها بما يضمحل عن قريب ويذهب، إلى ما يغير من العوايد، ويجرّ السفهاء إلى المفاسد)).
ولما هلك هؤلاء الأشياخ، جعل أبناؤهم ينفقون مما مما تركوا لهم [ولم يقوموا] بأمر التثمير قيامهم، وصادفوا توالي الفتن، ولم يسلموا من جور السلطان، فلم تزل حالهم في نقصان إلى هذا الزّمان [فها أنا ذا لم لم أدرك في ذلك إلاّ أثر نعمة اتخذنا فصوله عيشاً، وأصوله حرمة. ومن جملة ذلك؛ خزانة كبيرة من الكتب، وأسباب كثيرة تعين على الطّلب، فتفرغت بحول الله عز وجل للقراءة؛ فاستوعبت أهل البلد لقاء، وأخذت عن بعضهم عرضاً وإلقاء، سواء المقيم القاطن، والوارد والظاعن].
حاله
هذا الرجل مشار إليه بالعدوة المغربية اجتهاداً، ودؤوباً، وحفظاً وعناية، واطلاعاً، ونقلاً ونزاهة، سليم الصّدر، قريب الغور، صادق القول، مسلوب التصنّع، كثير الهشّة، مفرط الخفّة، ظاهر السذاجة، ذاهب أقصى مذاهب التّخلق، محافظ على العمل، مثابر على الانقطاع، حريص على العبادة، مضايق في العقد والتوجه، يكابد من تحصيل النية بالوجه واليدين مشقة، ثم يغافض الوقت فيها، ويوقعها دفعة متبعاً إياها زعقة التكبير، برجفة، ينبو عنها سمع من لم يكن تأنس بها عادة، بما هو دليل على حسن المعاملة، وإرسال السجية، قديم النعمة، متصل الخيرية، مكب على النظر والدرس والقراءة، معلوم الصيانة والعدالة، منصف في المذاكرة، حاسر الذراع عند المباحثة، راحب عن الصدر في وطيس المناقشة، غير مختار للقرن، ولا ضان بالفايدة، كثير الالتفاف، متقلب الحدقة، جهير بالحجة، بعيد عن المراء والمباهتة، قايل بفضل أولي الفضل من الطلبة، يقوم أتم أتم القيام على العربية والفقه والتفسير، ويحفظ الحديث، ويتهجر بحفظ الأخبار والتاريخ والآداب، ويشارك مشاركة فاضلة في الأصلين والجدل والمنطق، ويكتب ويشعر مصيباً في ذلك [غرض الإجادة]، ويتكلم في طريقة الصوفية كلام أرباب المقال، ويعتني بالتدوين فيها. شرق وحج، ولقي جلّة، واضطبن رحلة مفيدة، ثم آب آب إلى بلده، فأقرأ به، وانقطع إلى خدمة العلم. فلما ولي ملك المغرب السلطان، محالف الصنع ونشيدة الملك، [وأثير الله من بين القرابة والإخوة] أمير المسلمين أبو عنان فارس، اجتذبه وخلطه بنفسه، واشتمل عليه، وولاه قضاء الجماعة بمدينة فاس، فاستقل بذلك أعظم الاستقلال، وأنفذ الحكم، وألان [الكلمة، وآثر التسديد، وحمّل الكَلَّ، وخفض الجناح، فحسنت عنه القالة، وأحبته] الخاصة والعامة. حضرت بعض مجالسه للحكم، فرأيت من صبره [على اللَّدد، وتأتيَّه للحجج] ورفقه بالخصوم، ما قضيت منه العجب.
دخوله غرناطة
ثم لما أخَّر عن القضاء، استعمل بعد لأي في الرسالة، فوصل الأندلس، أوايل جمادى الثانية من عام ست وخمسين وسبعمائة. فلما قضى غرض الرّسالة، الرّسالة، وأبرم عقد وجهته، واحتل مالقة في منصرفه، بدا له في نبذ الكلفة، واصطراح وظيفة الخدمة، وحلّ التقيد، إلى ملازمة الإمرة، فتقاعد، وشهر غرضه، وبتّ في الانتقال، طمع من كان صحبته، وأقبل على شأنه، فخلي بينه وبين همّه. وترك وما انتحله من الانقطاع إلى ربّه. وطار الخبر إلى مرسله، فأنف من تخصيص إيالته بالهجرة، والعدول عنها، بقصد التخلّي والعبادة، وأنكر ما نحله غاية الإنكار، من إبطال عمل الرّسالة، والانقباض قبل الخروج عن العهدة، فوغر صدره على صاحب الأمر، ولم يبعد حمله على الظنة والمواطأة على النفرة، وتجهزت جملة من الخدام المجلين في مآزق الشبهة؛ المضطلعين بإقامة الحجّة، مولين خطة الملام [ مخيرين بين سحايب عاد من الإسلام] مظنة إغلاق النعمة، وإيقاع المثلة، والإساءة بسبب القطيعة والمنابذة. والمنابذة. وقد كان المترجم به لحق بغرناطة فتذمم بمسجدها، وجار بالانقطاع إلى الله، وتوعّد من يجيره، بنكير من يجير ولا يجار عليه سبحانه فأهمّ أمره، وشغلت القلوب آبدته، وأمسك الرسل بخلال ما صدرت شفاعة [ اقتضت له رفع التبعة]، وتركه إلى تلك الوجهة. ولما تحصل ما تيسر من ذلك، انصرف محفوفاً بعالمي القطر: قاضي الجماعة أبي القاسم الحسني المترجم به قبله، والشيخ الخطيب أبي البركات بن الحاج، مستهلين لوروده، مشافهين للشفاعة في غرضه، فأقشعت الغمة، الغمة، وتنفست الكربة. [وجرى أثناء هذا من المراسلة والمراجعة، ما تضمنه الكتاب المسمى بكناسة الدّكّان بعد انتقال السكان المجموع بسلا] ما صورته:
((المقام الذي يحبُّ الشَّفاعة، ويرعى الوسيلة، وينجز العدة، ويتمم الفضيلة، ويضفي مجده المنن الجزيلة، ويُعيى حمده الممادح العريضة الطويلة. مقام محل والدنا الذي كرم مجده، ووضح سعده، وصح في الله تعالى عقده، وخلص في الأعمال الصالحة قصده؛ وأعجز الألسنة حمده، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه الله سبحانه لوسيلة يرعاها، وشفاعة يكرم مسعاها، وأخلاق جميلة تجيب دعوة الطبع الكريم إذا دعاها، معظم سلطانه الكبير، وممجد مقامه الشهير، المتشيع لأبوته الرفيعة، قولاً باللسان، واعتقاداً بالضمير، المعتمد منه بعد الله على الملجأ الأحمى، والولي النصير، فلان. سلام كريم، طيب بَرٌّ عميم، يخص مقامكم الأعلى، وأبوتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله، الذي جعل الخلق الحميدة دليلاً على عنايته بمن حلاه حلاها، وميز بها النفوس النفيسة، التي اختصها بكرامته وتولاها، حمداً يكون كفواً للنعم التي أولاها، وأعادها ووالاها، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله، المترقي من درجات الاختصاص أرفعها وأعلاها، الممتاز من أنوار الهداية بأوضحها وأجلاها، مطلع آيات السعادة يروق مجتلاها. والرضا عن آله وصحبه الذين خبر صدق ضمائرهم لما ابتلاها، وعسل ذكرهم في الأفواه فما أعذب أوصافهم على الألسن وأحلاها. والدعاء لمقام أبوتكم، حرس الله تعالى علاها، بالسعادة التي يقول الفتح أنا طلاع الثنايا وابن جلاها، والصنائع التي تخترق المفاوز بركائبها المبشرات فتفلى فلاها. فإنا كتبنا إليكم، كتب الله تعالى لكم عزة مشيدة البناء، وحشد على أعلام صنائعكم الكرام جيوش الثناء، وقلدكم قلائد مكارم الأخلاق، ما يشهد لذاتكم منه بسابقة الاعتناء. من حمراء غرناطة حرسها الله، والودّ باهر السناء، مجد على الأناء، والتشيع رحب الدسيعة والفناء.
وإلى هذا، وصل الله تعالى سعدكم، وحرس مجدكم، فإننا خاطبنا مقامكم الكريم، في شأن الشيخ الفقيه الحافظ الصالح أبي عبد الله المقرى، خار الله تعالى لنا وله، وبلغ الجميع من فضله العميم أمله، جواباً عما صدر من مثابتكم فيه، من الإشارة المتمثلة، والمآرب المعملة، والقضايا غير المهملة، نصادركم بالشفاعة التي مثلها بأبوابكم لا يرد، وظمآها عن منهل قبولكم لا تجلى ولا تصد، حسبما سنه الأب الكريم والجد، والقبيل الذي وضح منه في المكارم، الرسم والحد. ولم نصدر الخطاب حتى ظهر لنا من أحواله صدق المخيلة، وتبلج صبح الزّهاد والفضيلة، وجود النّفس الشّحيحة بالعرض الأدنى البخيلة، وظهر تخليه عن هذه الدار، واختلاطه باللفيف والغمار، وإقباله على ما يعني مثله من صلة الأوراد، ومداومة الاستغفار، وكنا لما تعرفنا إقامته بمالقة لهذا الغرض الذي شهره، والفضل الذي أبرزه للعيان وأظهره، أمرنا أن يعتنى بأحواله، ويعان على فراغ باله، ويجرى عليه سيب من ديوان الأعشار الشرعية وصريح ماله، وقلنا أما أتاك من غير مسألة مستند صحيح لاستدلاله، ففرّ من مالقة على ما تعرفنا لهذا السبب، وقعد بحضرتنا مستور المنتمى والمنتسب، وسكن بالمدرسة بعض الأماكن المعدة لكسنى المُتَّسمين بالخير، والمحترفين ببضاعة الطَّلب، بحيث لم يتعرّف وروده ووصوله إلاّ ممّن لا يؤبه بتعريفه، ولم تتحقق زوائده وأصوله لقلة تصريفه. ثم تلاحق إرسالكم الجلّة، فوجبت حينئذ الشفاعة، وعرضت على سوق الحلم والفضل من الاستلطاف والاستعطاف البضاعة، وقررنا ما تحققناه من أمره، وانقباضه عن زيد الخلق وعمره، واستقباله الوجهة التي من ولى وجهه شطرها فقد آثر أثيراً، ومن ابتاعها بمتاع الدّنيا، فقد نال فضلاً كبيراً، وخيراً كثيراً، وسألنا منكم أن تبيحوه ذلك الغرض الذي رماه بعزمه، وقصر عليه أقصى همه. فما أخلق مقامكم أن يفوز منه طالب الدنيا بسهمه، ويحصل منه طالب الآخرة على حظه الباقي وقسمه، ويتوسل الزاهد بزهده والعالم بعلمه، ويعول البريء على فضله، ويثق المذنب بحلمه. فوصل الجواب الكريم بمجرد الأمان، وهو أرب من آراب، وفائدة من جراب، ووجه من وجوه إعراب، فرأينا أن المطل بعد جفاء، والإعادة ليس يثقلها خفاء، ولمجدكم بما ضمنا عنه وفاء، وبادرنا الآن إلى العزم عليه في ارتحاله، وأن يكون الانتقال عن رضاً منه من صفة حاله، وأن يقتضي له ثمرة المقصد، ويبلغ طية الإسعاف في الطريق إن قصد، إذ كان الأمان لمثله ممن تعلق بجناب الله. من مثلكم حاصلاً، والدين المتين بين نفسه وبين المخافة فاصلاً، وطالبنا كيمياء السعادة بإعانتكم واصلاً. ولما مدّت اليد في تسويغ حالة هديكم عليها أبداً يحرض، وعلمكم يصرح بمزيتها ولا يعرض، فكملوا أبقاكم الله ما لم تسعنا فيه مشاحة الكتاب، وألحقوا بالأصل حديث هذه الإباحة، فهو أصح حديث في الباب، ووفوا غرضنا من مجدكم، وخلوا بينه وبين مراده من ترك الأسباب، وقصد غافر الذنب وقابل التوب بإخلاص المتاب، والتشمير ليوم العرض وموقف الحساب، وأظهروا عليه عناية الجناب، الذي تعلق به، أعلق الله به يدكم من جناب، ومعاذ الله أن تعود شفاعتنا من لدنكم غير مكملة الآراب. وقد بعثنا من ينوب عنّا في مشافهتكم بها أحمد المناب، ويقتضى خلاصها بالرغبة لا بالغلاب، وهما فلان وفلان، ولولا الأعذار لكان في هذا الغرض إعمال الرّكاب بسبق إعلام الكتاب، وأنتم تولون هذا القصد من مكارمكم ما يوفّر الثناء الجميل، ويربي على التأميل، ويكتب على الود الصريح العقد وثيقة التسجيل. وهو سبحانه يبقيكم لتأييد المجد الأثيل، وإنالة الرّفد الجزيل، والسلام الكريم يخص مقامكم الأعلى، ومثابتكم الفضلى، ورحمة الله تعالى وبركاته. في الحادي والعشرين لجمادى الآخرة؛ من عام سبعة وخمسين وسبعمائة والله ينفع بقصده، وييسر علينا الرجعة إلى وجهه وفضله)).
مشيخته
قال: فممن أخذت عنه، واستفدت منه علماها يعنى تلمسان الشامخان، وعالماها الراسخان: أبو زيد عبد الرحمن، وأبو موسى عيسى؛ إبنا محمد بن عبد الله ابن الإمام، وحافظها ومدرسها ومفتيها: أبو موسى عمران بن موسى بن يوسف المشذالي، صهر شيخ المتأخرين، أبي علي ناصر الدين على إبنته، ومشكاة الأنوار التي [يكاد زيتها] يضيء ولو لم تمسسه نار، الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن حكيم الكناني السلوي رحمه الله. ومنهم: القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن عبد النور، والشيخ أبو عبد الله محمد بن الحسن البرّوني، وأبو عمران موسى بومن المصمودي الشهير بالبخاري. قال سمعت البرّوني يقول: كان الشيخ أبو عمران يدرس البخاري، ورفيق له يدرس صحيح مسلم، مسلم، وكانا يعرفان بالبخاري ومسلم، فشهدا عند قاض، فطلب المشهود عليه بالإعذار فيهما؛ فقال له أبو عمران أتمكنه من الإعذار في الصحيحين: البخاري ومسلم؛ فضحك القاضي، وأصلح بين الخصمين. ثم قال، ومن شيوخي الصلحاء الذين لقيت بها: خطيبها الشيخ أبو عثمان سعيد ابن إبراهيم بن علي الخياط، أدرك أبا إسحاق الطيار. ومنهم: أبو عبد الله بن محمد الكرموني، وكان بصيراً بتفسير الرؤيا، فمن عجايب شأنه، أنه كان في سجن أبي يعقوب يوسف بن عبد الحق [ مع من] كان فيه، من أهل تلمسان؛ أيام محاصرته لها، فرأى أبا جمعة على التلالسي الجرايحي منهم؛ كأنه قايم على ساقيةٍ دايرةٍ، وجميع أقداحها وأقواسها تصب في نقير في وسطها؛ فجاء ليشرب؛ فاغترف الماء؛ فإذا فيه فرْثٌ ودم؛ فأرسله، واغترف فإذا هو كذلك، ثلاثاً أو أكثر، ثم عدل إلى خاصة ماء، فجاءها وشرب منها. ثم استيقظ، [وهو النهار]؛ فأخبره، فقال: إن صدقت الرؤيا، فنحن عن قليل خارجون من هذا السجن. قال كيف، قال الساقية الزمان، والنقير السلطان، وأنت جرايحي، تدخل يدك في جوفه فينالها الفرث والدم، وهذا ما لا يحتاج معه [إلى دليل]، فأُخْرج، فوجد السلطان مطعوناً بخنجر، فأدخل يده في جوفه، فناله الفرث والدم، فخاط جراحته وخرج، فرأى خاصة ماء، فغسل يده وشرب. ولم يلبث السلطان أن توفي، وسرحوا من كان في سجنه. ومن أشياخه الإمام نسيج وحده، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أحمد الآبلى التلمساني، وهو رُحْلة الوقت في القيام على الفنون العقلية، وإدراكه وصحة نظره.
حدث قال: قدم على مدينة فاس، شيخنا أبو عبد الله محمد بن يحيى الباهلي، عرف بابن المُسَفَّر. رسولا من صاحب بجاية. وزاره الطلبة، فكان مما حدثهم أنهم كانوا على زمان ناصر الدين، يستشكلون كلاماً وقع في تفسير سورة الفاتحة من كتب فخر الدين، واستشكله الشيخ معهم. وهذا نصه: ثبت في بعض العلوم العقلية، أن المركب مثل البسيط في الجنس، والبسيط مثل المركب في الفصل، وأن الجنس أقوى من الفصل. فأخبروا بذلك الشيخ الآبلي لما رجعوا إليه، فتأمله ثم قال، هذا كلام مصحف، وأصله أن المركب قبل البسيط في الحس، والبسيط قبل المركب في العقل، وإن الحس أقوى من العقل، فأخبروا ابن المُسَفَّر، فلجَّ: فقال لهم الشيخ، التمسوا النسخ، فوجدوا في لفظ بعضها كما قال الشيخ.
رحلته
رحل إلى بجاية مشرقاً، فلقي بها جلة، منهم الفقيه ابو عبد الله محمد بن يحيى الباهلي، ابن المُسَفَّر. ومنهم قاضيها أبو عبد الله محمد بن الشيخ أبي يوسف يعقوب الزواوي، فقيه ابن فقيه. ومنهم أبو علي حسن بن حسن إمام المعقولات بعد ناصر الدين. وبتونس قاضي الجماعة وفقيهها أبو عبد الله بن عبد السلام، وحضر دروسه، وقاضى المناكح أبو محمد اللخمي؛ وهو حافظ فقهائها في وقته، والفقيه أبو عبد الله بن هارون شارح ابن الحاجب في الفقه والأصول. ثم حج فلقي بمكة إمام الوقت أبا عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن التوزري المعروف بخليل، وإمام المقام أبا العباس رضي الدين الشافعي، وغير واحد من الزايرين والمجاورين وأهل البلد. ثم دخل الشام، فلقي بدمشق شمس الدين بن قيم الجوزية صاحب ابن تيمية، وصدر الدين الغماري المالكي، وأبا القاسم ابن محمد اليماني الشافعي وغيرهم. وببيت القدس أبا عبدالله بن مُثْبت، والقاضي شمس الدين بن سالم، والفقيه أبا عبد الله بن عثمان، وغيرهم.
تصانيفه
ألف كتاباً يشتمل على أزيد من مائة مسألة فقهية، ضمنها كل أصيل من الرأي والمباحثة. ودَوَّن في التصوف، إقامة المريد، ورحلة المتبتل، وكتاب الحقايق والرقايق، وغير ذلك.
شعره
نقلت من ذلك قوله: هذه لمحة العارض لتكملة ألفية ابن الفارض، سلب الدهر من فرايدها مائة وسبعة وسبعين؛ فاستعنت على ردَّها بحول الله المعين:
من فصل الإقبال
رفضت السَّوى وهو الطهارة عندما
تلفعت في مرط الهوى وهو زينتي
وجئت الحمى وهو المصلى ميمماً
بوجهة قلبي وجهها وهو قبلتي
وقمت وما استفتحت إلا بذكرها
وأحرمت إحراماً لغير تجلة
فديني إن لاحت ركوع وإن دنت
سجود وإن لاهت قيام بحسرة
على أننا في القرب والبعد واحد
تألفنا بالوصل عين التشتت
وكم من هجير خضت ظمآن طاوياً
إليها وديجورٍ طويت برحلة
وفيها لقيت الموت أحمر والعدا
مزرقةٌ أسنان الرماح وحدة
وبيني وبين العذل فيها منازل
تنسيك أيام الفجار ومؤنة
ولما اقتسمنا خطتينا فحامل
فجار بلا أجر وحامل برة
خلا مسمعي من ذكرها فاستعدته
فعاد ختام الأمر أصل القضية
وكم لي على حكم الهوى من تجلد
دليل على أن الهوى من سجيتي
يقول سميري والأسا سالم الأسى
ولا توضع الأوزار إلا لمحنة
لو أن مجوساً بت موقد نارها
لما ظل إلا منهلاً ذا شريعة
ولو كنت بحراً لم يكن فيه نضحة
لعين إذا نار الغرام استحرت
فلا ردم من نقيب المعاول آمِنُ
ولا هدم إلاك شيد بقوة
فمم تقول الأسْفِطْسات منك أو
علام مزاج ركبت أو طبيعة
فإن قام لم يثبت له منك قاعد
وإلا فأنت الدهر صاحب قعدة
فما أنت يا هذا الهوى ماء أو هوا
أم النار أم دساس عرق الأمومة
وإني على صبري كما أنت واصف
وحالي أقوى القائمين بحجة
أقل الضنى إن عج من جسمي الضنى
وما شاكه معشار بعض شكيتي
وأيسر شوقي أنني ما ذكرتها
ولم أنسها إلا احترقت بلوعة
وأخْفي الجوى قرع الصواعق منك في
جواي وأخفى الوجد صبر المودة
وأسهل ما ألقى من العذل أنني
أحب أفلي ذكرها وفضيحتي
وأوج حظوظي اليوم منها حضيضها
بالأمس وَسْلُ حرِّ الجفون الغزيرة
وأوجز أمري إن دهري كله
كما شاءت الحسناء يوم الهزيمة
أروح وما يلقى التأسف راحتي
وأغدو وما يعدو التفجُّع خِطَّتي
وكالبيض بيض الدهر والسمر سوده
مساءتها في طي طيب المسرة
وشأن الهوى ما قد عرفت ولا تسل
وحسبك أن لم يخبر الحب رؤيتي
سقام بلا برء ضلال بلا هدًى
أوام بلا ري دم لا بقيمة
ولا عتب فالأيام ليس لها رضاً
وإن ترض منها الصبر فهو بغيتي
ألا أيها اللوام عني قَوِّضوا
ركاب ملامي فهو أول محنتي
ولا تعذلوني في البكاء ولا البُكى
وخلو سبيلي ما استطعتم ولوعتي
فما سلسلت بالدمع عيني إن جنت
ولكن رأت ذاك الجمال فجنت
تجلى وأرجاء الرجاء حوالك
ورشدي غاو والعمايات عمت
فلم يستبن حتى كأني كاسف
وراجعت إبصاري له وبصيرتي
ومن فصل الاتصال
وكم موقف لي في الهوى خضت دونه
عباب الردى بين الظبا والأسنة
فجاوزت في حدي مجاهدتي له
مشاهدتي لما سمت بي همتي
وحل جمالي في الجلال فلا أرى
سوى صورة التنزيه في كل صورة
وغبت عن الأغيار في تيه حالتي
فلم أنتبه حتى امتحى اسمي وكنيتي
وكاتبت ناسوتي بأمارة الهوى
وعدت إلى اللاهوت بالطمئنة
وعلم يقيني صار عيناً حقيقة
ولم يبق دوني حاجب غير هيبتي
وبدلت بالتلوين تمكين عزة
ومن كل أحوالي مقامات رفعة
وقد غبت بعد الفراق والجمع موقفي
مع المحو والإثبات عند تثبتي
وكم جلت في سَمِّ الخِياط وضاق بي
لبسطي وقبضي بسط وجه البسيطة
وما اخترت إلا دن بقراط زاهدا
وفي ملكوت النفس أكبر عبرة
وفقري مع الصبر اصطفيت على الغنى
مع الشكر إذ لم يحظ فيه مثوبتي
وأكتم حبي ما كَنَى عنه أهله
وأكني إذا هم صرحوا بالخبية
وإني في جنسي ومنه لواحد
كنوع ففصل النوع علة حصتي
تسببت في دعوى التوكل ذاهباً
إلى أنَّ أجدى حيلتي ترك حيلتي
وآخر حرف صار مني أولا
مريداً وحرف في مقام العبودة
تعرفت يوم الوقف منزل قومها
فبت بجمع سدَّ خرق التشتت
فأصبحت أقضي النفس منها منى الهوى
وأقضي على قلبي برعي الرعية
فبايعتها بالنفس داراً سكنتها
وبالقلب منه منزلاً فيه حلت
فخلص الاستحقاق نفسي من الهوى
وأوجب الاسترقاق تسليم شُفْعة
فيا نفس لا ترجع تقطع بيننا
ويا قلب لا تجزع ظفرت بوحدة
ومن فصل الإدلال
تبدت لعيني من جمالك لمحة
أبادت فؤادي من سناها بلفعة
ومرت بسمعي من حديثك ملحة
تبدت لها فيك القران وقرت
ملامي أبِنْ عذري استبن وجدي استعن
سماعي أعن حالي أبِنْ قائلي أصمت
فمن شاهدي سخط ومن قاتلي رضا
وتلوين أحوالي وتمكين رتبتي
مرامي إشارات مراعي تعكر
مراقي نهايات مراسي تثبت
وفي موقفي والدار أوقوت رسومها
تقرب أشواقي تبعد حسرتي
معاني إمارات مغاني تذكر
مباني بدايات مثاني تلفت
وبُثَّ غرامٌ والحبيب بحضرة
وَرُدَّ سلام والرقيب بغفلة
ومطلع بدر في قضيب على نقا
فويق محل عاطل دون دجية
ومكمن سحر بابلي له بما
حوت أضلعي فعل القنا السَّمْهريَّة
ومنبت مسك من شقيق ابن منذر
على سوسن غض بجنة وجنة
ووصف اللآلي في اليواقيت كلما
تعل بصرف الراح في كل سحرةّ
سل السلسبيل العذب عن طعم ريقه
ونكهته يخبرك عن علم خبرة
ورمان كافور عليه طوابع
من الند لم تحمل به بنت مزنة
ولطف هواء بين خفق وبانة
ورقة ماء في قوارير فضة
لقد عز عنك الصبر حتى كأنه
سراقة لحظ منك للمتلفت
وأنت وإن لم تبق مني صُبابة
منى النفس لم تقصد سواك بوجهة
وكل فصيح منك يسري لمسمعي
وكل مليح منك يبدو لمقلتي
تهون عليَّ النفس فيك وإنها
لتكرم أن تغشى سواك بنظرة
فإن تنظريني بالرضا تشف علتي
وإن تظفريني باللقا تطف غلتي
وإن تذكريني والحياة بقيدها
عدلت لأمني منيتي بمنيِّتي
وإن تذكريني بعد ما أسكن الثرى
تجلت دجاه عند ذاك وولت
صليني وإلا جددي الوعد تدركي
صبابة نفس أيقنت بتفلت
فما أم بَّو هالك بتنوفة
أقيم لها خلف الحلاب فَدرَّت
فلما رأته لا ينازع خِلْفها
إذا هي لم ترسل عليه وضَنَّت
بكت كلما راحت عليه وإنها
إذا ذكرته آخر الليل حَنَّت
بأكثر مني لوعة غير أنني
رأيت وقار الصبر أحسن حلية
فرحت كما أغدو إذا ما ذكرتها
أطامن أحشائي على ما أجنت
أهوِّن ما ألقاه إلا من القِلى
هوى ونوى نيل الرضا منك بغيتي
أخوض الصَّلَى أطفي العلا والعلوّ لا
أصل السَّلا أرعى الخَلى بين عبرتي
ألا قاتل الله الحمامة غدوة
لقد أصلت الأحشاء نيران لوعة
وقاتل مغناها وموقف شجوها
على الغصن ماذا هيجت حين غنت
فغنت غناء أعجمياً فهيجت
غرامي من ذكري عهود تولَّتِ
فأرسلت الأجفان سحباً وأوقدت
جَوَاي الذي كانت ضلوعي أكَنَّتِ
نظرت بصحراء البريقين نظرة
وصلت بها قلبي فَصَلَّ وصلتِ
فيا لهما قلباً شجياً ونظرة
حجازية لو جُنَّ طرف لجُنَّتِ
ووا عجباً للقلب كيف اعترافه
وكيف بدت أسراره خلف سترة
وللعين لما سوئلت كيف أخبرت
وللنفس لما وطنت كيف دلت
وكنا سلكنا في صعود من الهوى
يسامي بأعلام العلا كل رتبة
إلى مستوًى ما فوقه مستوى
فلما توافينا ثبت وزلت
وكنا عقدنا عقدة الوصل بيننا
على نحر قربان لدي قبر شيبة
مؤكدة بالنذر أيام عهده
فلما تواثقنا اشتددت وحلت
ومن فصل الاحتفال
أزور اعتماراً أرضها بتنسك
وأقصد حجا بيتها بتحلة
وفي نشأتي الأخرى ظهرت بما علت
له نشأتي الأولى على كل فطرة
ولولا خفاء الرمز لا ولن ولم
تجدها لشملي مسلكاً بتشتت
ولو لم يجدد عهدنا عقد خلة
قضيت ولم يقض المنى صدق توبة
بعثت إلى قلبي بشيراً بما رأت
على قدم عيناي منه فكفت
فلم يعد أن شام البشارة شام ما
جفا الشام من نور الصفات الكريمة
فيا لك من نور لو أن التفاتة
تعارض منه بالنفوس النفيسة
تحدث أنفاس الصبا أن طيبها
بما حملته من حراقة حرقة
وتنبئ آصال الربيع عن الربا
وأشجاره إن قد تجلت فجلت
وتخبر أصوات البلابل أنها
تغنت بترجيعي على كل أيكة
فهذا جمالي منك في بعد حسرتي
فكيف به إن قربتني بخلة
تَبَدَّى وما زال الحجاب ولا دنا
وغاب ولم يفقده شاهد حضرتي
له كل غير في تجلية مظهر
ولا غير إلا ما محت كف غيرة
تجلى دليل واحتجاب تنزه
وإثبات عرفان ومحو تثبت
فما شئت من شيء وآليت أنه
هو شيء لم تحمد فجار أليَّتي
وفي كل خلق منه كل عجيبة
وفي كل خلق منه كل لطيفة
وفي كل خاف منه مكمن حكمة
وفي كل باد منه مظهر جلوة
أراه يقلب القلب واللغز كامناً
وفي الزجر والفال الصحيح الأدلة
وفي طي أوفاق الحساب وسر ما
يتم من الأعداد فابدأ بستة
وفي نفثات السحر في العقد التي
تَطُوعُ لها كل الطباع الأبية
يصور شكلاً مثل شكل ويعتلي
عليه بأوهام النفوس الخبيثة
وفي كل تصحيف وعضو بذاته
اختلاج وفي التقويم مجلى لرؤية
وفي خضرة الكمُّون تزجي شرابه
مواعيد عرقوب على أثر صفرة
وفي شجر قد خوفت قطع أصلها
فبان بها حمل لأقرب مدة
وفي النخل في تلقيحه واعتبر بما
أتى فيه عن خير البرية واسكت
وفي الطابع السبتي في الأحرف التي
يبين منها النظم كل خفية
وفي صنعة الطلسم والكيمياء وال
كنوز وتغوير المياه المعينة
وفي حرز أقسام المؤدب محرز
وحزب أصيل الشاذلي وبكرة
وفي سيمياء الحاتمي ومذهب اب
نِ سبعين إذ يُعزى إلى شر بدعة
وفي المثل الأولى وفي النحل الألى
بها أوهموا لما تساموا بسنة
وفي كل ما في الكون من عجب وما
حوى الكون إلا ناطقاً بعجيبة
فلا سر إلا وهو فيه سريرة
ولا جهر إلا وهو فيه كحلية
سل الذكر عن إنصاف أصناف ما ابتنى
عليه الكلام من حروف سليمة
وعن وضعها في بعضها وبلوغ ما
أتت فيه أمضى عدها وتثبت
فلا بد من رمز الكنوز لذي الحجا
ولا ظلم إلا ظلم صاحب حكمة
ولولا سلام ساق للأمن خيفتي
لعاجل مس البرد خوفي لميتتي
ولو لم تداركني ولكن بعطفها
درجت رجائي أن نعتني خيبتي
ولو لم تؤانسني عنا قبل لم ولم
قضى العتب مني بغية بعد وحشتي
ونعم أقامت أمر ملكي بشكرها
كما هونت بالصبر كل بلية
ومن فصل الاعتقال
سرت بفؤادي إذ سرت فيه نظرتي
وسارت ولم تثن العنان بعطفة
وذلك لما أطلع الشمس في الدُّجى
محياً ابنة الحيين في خير ليلة
يمانية لو أنجدت حين أنجدت
لا أبصرت عيناك حياً كميت
لأصحمة في نصحها قدم بنى
لكل نجاشي بها حصن ذمة
ألمت فحطت رحلها ثم لم يكن
سوى وقفة التوديع حتى استقلت
فلو سمحت لي بالتفات وحل من
مهاوي الهوى والهون جد تفلتي
ولكنها همت بنا فتذكرت
قضاء قضاة الحسن قدما فصدت
أجلت خيالاً إنني لا أجِلُّهُ
ولم أنتسب منه لغير تعلة
على أنني كلي وبعضي حقيقه
وباطل أوصافي وحق حقيقتي
وجنسي وفصلي والعوارض كلها
ونوعي وشخصي والهواء وصورتي
وجسمي ونفسي والحشا وغرامه
وعقلي وروحانيتي القدسية
وفي كل لفظ عنه ميل لمسمعي
وفي كل معنى منه معنى للوعتي
ودهري به عيد ليوم عروبة
وأمري أمري والورى تحت قبضتي
ووقتي شهود في فناء شهدته
ولا وقت لي إلا مشاهد غيبة
أراه معي حساً ووهماً وإنه
مناط الثريا من مدارك رؤيتي
وأسمعه من غير نطق كأنه
يلقن سمعي ما توسوس مهجتي
ملأت بأنوار المحبة باطني
كأنك نور في سرار سريرتي
وجليت بالإجلال أرجاء ظاهري
كأنك في أفقي كواكب زينة
فأنت الذي أخفيه عند تستري
وأنت الذي أبديه في حين شهرتي
فته أحتمل واقطع أصل وأعل استفل
ومر أمتثل وأملل أمل وارم أثبت
فقلبي إن عاتبته فيك لم أجد
لعتبي فيه الدهر موقع نكنة
ونفسي تنبو عن سواك نفاسة
فلا تنتمي إلا إليك بمنة
تعلقت الآمال منك بفوق ما
أرى دونه ما لا ينال بحيلة
وحامت حواليها وما وافقت حمى
سحائب يأس أمطرت ماء عبرتي
فلو فاتني منك الرضى ولحقتني
بعفو بكيت الدهر فوت فضيلة
ولو كنت في أهل اليمين منعماً
بكيت على ما كان من سبقية
وكم من مقام قمت عنك مسائلاً
أرى كل حي كل حي وميت
أتيت بفاراب أبا نصرها فلم
أجد عنده علماً يبرد غلتي
ولم يدر ما قولي ابن سيناء سائلا
فقل كيف أرجو عنده برء علتي
فهل في ابن رشد بعد هذين مرتجى
وفي ابن طفيل لا حتثاث مطيتي
لقد ضاع لولا أن تداركني حمى
من الله سعي بينهم طول مدتي
فقيض لي نهجاً إلى الحق سالكاً
وأيقظني من نوم جهلي وغفلتي
فحصنت أنظار الجند جنيدها
بترك فُلي من رغبة ريح رهبة
وكسرت عن رجل ابن أدهم أدهماً
وأنقذته من أسر حب الأسرة
وعدت على حلاج سُكْرى بِصَلْبه
وألقيت بلعام التفاني بهوة
فقولي مشكور ورأيي ناجح
وفعلي محمود بكل محلّة
رضيت بعرفاني فأعليت للعلا
وأجلسني بعد الرضا فيه جلتي
فعشت ولا ضيراً أخاف ولا قلى
وصرت حبيباً في ديار أحبتي
فها أنا ذا أمسي وأصبح بينهم
مبلغ نفسي منهم ما تمنت
وأنشدني قوله في حال قبض وقيدتها عنه:
إليك بسطت الكف أستنزل الفضلا
ومنك قبضت الطرف أستشعر الذلا
وها أنا ذا قد قدمت يقدمني الرجا
ويحجمني الخوف الذي خامر العقلا
أقدم رجلا إن يضئ برق مطمع
وتظلم أرجائي فلا أنقل الرجلا
ولي عثرات لست آمل إن هوت
بنفسي ألاَّ أستقل وأن أصلى
فإن تدركني رحمة أنتعش بها
وإن تكن الأخرى فأولى بي الأولى
قال: ومما نظمته من الشعر:
وَجْدٌ تُسْعِره الضلو
عُ وما تبرده المدامع
هم تحركه الصبا
بة والمهابة لا تطاوع
أملي إذا وصل الرجا
أسبابه فالموت قاطع
بالله يا هذا الهوى
ما أنت بالعشاق صانع
قال ومما كتبت به لمن بلغني عنه بعض الشيء:
نحن إن تسأل بناس معشر
أهل ماء فجرته الهمم
عرب من بيضهم أرزاقهم
ومن السمر الطوال الخيم
عرضت أحسابهم أرواحهم
دون نيل العرض وهي الكرم
أورثونا المجد حتى أننا
نرتضي الموت ولا نزدحم
ما لنا في الناس من ذنب سوى
أننا نلوي إذا ما اقتحموا
قال: وما قلته مذيلاً به قول القاضي أبي بكر بن العربي:
أما والمسجد الأقصى * وما يتلى به نصّا
لقد رقصت بنات الشو * قِ بين جوانحي رقصا
قولي:
فأقلع بي إليه هوى * جناحا عزمه قصا
أقل القلب واستعدى * على الجثمان فاستعصى
فقمت أجول بينهما * فلا أدنى ولا أقصى
قال: ومما قلته في التورية بشأن راوي المدونة:
لا تعجبن لظبي قد دها أسداً
فقد دها أسداً من قبل سحنون
قال: ومما قلته من الشعر:
أنبت عوداً بنعماء بدأت بها
فضلاً وألبستها بعد اللحى الورقا
فظل مستشعراً مستدثرا أرجا
ريّان ذا بهجة يستوقف الحدقا
فلا تُشِنْه بمكروه الجِنَى فلِكم
عوّدته من الجميل من لدن خلقا
وأنف القذى عنه وأثر الدهر منبته
وغذِّه برجاء واسقه غدقا
واحفظه من حادثات الدهر أجمعها
ما جاء منها على ضوء وما طرقاً
ومما قيدت عنه أيام مجالسته ومقامه بغرناطة، وقد أجرى ذكر أبي زيد بن الإمام، أنه شهد مجلساً بين يدي السلطان أبي تاشفين عبد الرحمن بن أبي حمو، ذكر فيه أبو زيد المذكور، أن ابن القاسم مقيد بالنظر بأصول مالك، ونازعه أبو موسى عمران بن موسى المشذالي، وادّعى أنه مطلق الاجتهاد، واحتج له بمخالفته لبعض ما يرويه أو يبلغه عنه لما ليس من قوله، وأتى من ذلك بنظائر كثيرة. قال فلو تقيد بمذهبه، لم يخالفه لغيره. فاستظهر أبو زيد بنص لشرف الدين بن التلمساني، ومثل فيه الاجتهاد المخصوص باجتهاد ابن القاسم، بالنظر إلى مذهب مالك، والمزني إلى الشافعي. فقال أبو موسى عمران، هذا مثال، والمثال لا يلزم صحته؛ فصاح به أبو زيد [بن الإمام]، وقال لأبي عبد الله بن أبي عمر: تكلم؛ [فقال] لا أعرف ما قال هذا الفقيه، والذي أذكره أذكره من كلام أهل العلم [أنه] لا يلزم من فساد المثال فساد الممثل به، فقال أبو موسى للسلطان، هذا كلام أصولي محقق، فقلت لهما يومئذ، وأنا حديث السن: ما ما أنصفهما الرجل؛ فإن المثل كما يؤخذ على جهة التحقيق، كذلك يؤخذ على جهة التقريب، ومن ثم جاء ما قال: هذا الشيخ، أعني ابن أبي عمران، وكيف لا وهذا سيبويه يقول، وهذا مثال ولا يتكلم به، فإذا صح أن المثال قد يكون تقريباً، فلا يلزم صحة المثال، ولا فساد الممثل لفساده فهذان القولان من أصل واحد.
وقال: شهدت مجلساً آخر عند هذا السلطان، قرئ فيه على أبي زيد [بن الإمام] حديث: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)، من صحيح مسلم. فقال له الأستاذ أبو إسحاق [بن حكم السلوي] هذا الملقن محتضر حقيقة، ميت مجازاً فما وجه ترك مُحْتَضِريكم إلى موتاكم، والأصل الحقيقة، فأجابه أبو زيد بجواب لم يقنعه. وكنت قد قرأت على الأستاذ بعض التنقيح، فقلت: زعم القرافي أن المشتق إنما يكون حقيقة في الحال، مجازاً في الاستقبال؛ الاستقبال؛ مختلفاً فيه في الماضي؛ إذا كان محكوماً به. وأما وأما إذا كان متعلق الحكم كما هنا، فهو حقيقة مطلقاً إجماعاً؛ وعلى هذا التقرير، لا مجاز ولا سؤال. ولا يقال إنه احتج على ذلك بما فيه نظر، لأنا نقول إنه نقل الإجماع. وهو أحد الأربعة، التي لا يطالب عنها بالدليل، كما ذكر أيضاً، بل نقول إنه أساء حيث احتج في موضع الوفاق، كما أساء اللخمي وغيره في الاحتجاج على وجوب الطهارة ونحوها. بل هذا أشنع؛ لكونه مما علم كونه من الدين ضرورة. ثم إنا لو سلمنا نفي الإجماع، فلنا أن نقول إن ذلك [إشارة إلى] ظهور العلامات التي يعقبها الموت عادة، لأن تلقينه قبل ذلك، إن لم يدهش، فقد يوحش، فهو تنبيه على وقت التلقين، أي لقنوا من تحكمون بأنه ميت. أو يقال إنما عدل عن الاحتضار لما فيه من الإبهام. ألا ترى اختلافهم فيه، هل هل هو أخذ من حضور الملايكة [أو حضور الأجل، أو حضور الجلاس].
ولا شك أن هذه حالة خفية يحتاج [في نصها إلى دليل الحكمة] أو إلى وصف ظاهر يضبطها. وهو ما ذكرناه، أو من حضور الموت، وهو أيضاً مما لا يعرف بنفسه. بل بالعلامات. فلما وجب اعتبارها. وجب كون تلك التسمية إشارة إليها. والله أعلم.
وقال: وكان أبو زيد يقول فيما جاء من الأحاديث: ما معنى قول ابن أبي زيد. وإذا سلم الإمام، فلا يلبث بعد سلامه ولينصرف؛ وذلك بعد أن أن ينتظر من يسلم من خلفه لئلا يمر بين يدي أحد، وقد ارتفع عنه حكمه، فيكون كالداخل مع المسبوق جمعاً بين الأدلة.
وقلت، وهذا من ملح الفقيه. وقال كان أبو زيد يعنى الإمام، يصحف قول الخوْنجي في الجمل والمقارنات التي يمكن اجتماعه معها؛ فيقول: والمفارقات؛ ولعله في هذا كما قال أبو عمرو بن العلاء للأصمعي لما قرأ عليه: عليه:
وغررتني وزعمت أنك * لابن في الصيف تامرُ
فقال:
وغررتني وزعمت أنك * لا تنى بالضيف تامر
فقال، أنت في تصحيفك أشهر من الحطيئة، أو كما يُحكى عن الشافعي أنه لما صلّى في رمضان بالخليفة، لم يكن يومئذ يحفظ القرآن؛ فكان ينظر في المصحف، وقرأ الآية: ((صنعة الله أصيب بها من أساء. إنما المشركون نحس. وعدها إياه تقية لكم خير لكم. هذا أن دعوا للرحمن ولدا. لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه)).
وقال: ذكر أبو زيد بن الإمام في مجلسه يوماً، أنه سئل بالمشرق عن هاتين الشريطتين: ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ
فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ، وَلَوْ أسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
﴾. فإنهما يستلزمان بحكم الإنتاج "ولو علم الله فيهم خيراً لتولوا وهم معرضون"؛ وهو محال. ثم أراد أن يرى ما عند الحاضرين، فقال ابن حكم؛ قال الخوْنجي، والإهمال بإطلاق لفظه: لو وأن في المتصلة، فهاتان القضيتان على هذا مهملتان، والمهملة في قوة الجزيئة، ولا ولا قياس على جزئيتين. فلما اجتمعت ببجاية بأبي علي حسين بن حسين، أخبرته بهذا، وبما أجاب به الزمخشري وغيره مما يرجع إلى انتفاء أمر تكرار الوسط. [فقال لي: الجوابان في المعنى سواء؛ لأن القياس على الجزئيتين إنما امتنع لانتفاء أمر تكرار الوسط]. وأخبرت بذلك شيخنا شيخنا أبا عبد الله الآبلي، فقال إنما يقوم القياس على الوسط، ثم يشترط فيه بعد ذلك أن لا يكون من جزئيتين جزئيتين ولا سالبتين، إلى ساير ما يشترط. فقلت ما المانع [ من كون هذه الشروط تفصيلاً لمجمل ما ينبني عليه الوسط وغيره، وإلا فلا مانع] لما قاله ابن حسين. قال الآبلي؛ وأجبت بجواب السلوي، ثم رجعت إلى ما قاله الناس، لوجوب كون مهملات القرآن كلية، لأن الشرطية لا تنتج جزئية. فقلت هذا فيما يساق منها للحجة مثل: ﴿
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا ﴾. أما في مثل هذا فلا.
فلا. قلت: وكان يلزم السؤال الأول لو لم يكن للمتولي سبب تأخر، حسبما تبين في مسألة، لو لم يطع الله، فلينظر ذلك في اسم شيخنا أبي بكر يحيى بن هذيل رحمه الله.
وقال: لما ورد تلمسان الشيخ الأديب أبو الحسن بن فرحون، نزيل طيبة، على تربتها السلام سأل ابن حكم عن معنى هذين البيتين:
رأت قمر السماء فأذكرتني
ليالي وصلنا بالرقمتين
كلانا ناظر قمراً ولكن
رأيت بعينها ورأت بعيني
[ففكر؛ ثم قال]: لعل هذا الرجل كان ينظر إليها، وهي تنظر إلى قمر السماء، فهي تنظر إلى القمر حقيقة، وهو لفرط الاستحسان يرى أنها الحقيقة. فقد رأى بعينها لأنها ناظرة الحقيقة. وأيضاً وهو ينظر إلى قمر مجازاً، وهو لإفراطه استحسانها يرى أن قمر السماء هو المجاز، فقد رأت بعينه لأنها ناظرة المجاز.
قلت: ومن هذا يعلم وجه الفاء في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾. والفاء فأذكرتني [بمثابة قولك أذكرتني]، فتأمله، فإن بعض من لا يفهم كلام الأستاذ كل الفهم، ينشده ((وأذكرتني)). فالفاء في البيت الأول، منبهة على الثاني، وهذا النحو يسمى ((الإيذان؛ في علم البيان)). وقال: سألني ابن حكم عن نسب هذا المجيب في هذا البيت:
ومهفهف الأعطاف قلتُ له انتسبْ
فأجاب ما قتل المحب حرام
ففكرت؛ ثم قلت له: أراه تميمياً لإلغائه ((ما)) النافية. فاستحسنه مني [لصغر سني يومئذ]. وسأل [ابن فرحون] ابن حكم يوماً، هل تجد في التنزيل ست فئات فئات مرتبة ترتيبها في هذا البيت:
رأى فحب فرام الوصل فامتنعت
فسام صبراً فأعيا نيله فقضى
ففكر ابن حكم: ثم قال نعم؛ قوله عز وجل:
﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَاِئفٌ مِنْ رَبَّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأصْبَحَتْ
كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا ﴾ إلى آخرها؛ فمنعت له البناء في ((فتنادوا)). فقال لابن فرحون: فهل عندك غيره؟ فقال:
نعم. قوله عز وجل: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاَقةَ اللَّهِ
وَسُقْيَاهَا﴾. إلى آخرها؛ فمنع لهم بناء الآخرة لقراءة الواو. فقلت له: امنع [ولا تسند]، فيقال:
إن المعاني قد تختلف باختلاف الحروف، وإن كان السند لا يسمع الكلام عليه. وأكثر ما وجدت الفاء تنتهي تنتهي في كلامهم إلى هذا العدد، سواء بهذا الشرط وبدونه، كقول نوح عليه السلام: ﴿ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ
فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ﴾.
وكقول امرئ القيس:
((غشيت ديار الحي بالبكرات))، البيتين.
لا يقال قوله، فالحب سابع؛ لأنا نقول إنه عطف على عاقل المجرد منها، ولعل حكمة الستة أنها أول الأعداد التامة، كما قيل في حكمة خلق السموات والأرض فيها. وشأن اللسان عجيب.
وقال: سمعت ابن حكم يقول: [كتب] [بعض] أدباء [فاس] إلى صاحب له:
إبعث إلي بشيء مدار فاس عليه
وليس عندك شيء مما أشير إليه
فبعث [إليه] ببطة من مرّي شرب؛ [يشير بذلك إلى] الرياء. وحدث أن قاضيها أبا محمد عبد الله [بن أحمد بن الملجوم دعي] إلى وليمة، وكان كثير البلغم، فوضع بين يديه صهره أبو العباس ابن الأشقر غضاراً من اللوز المطبوخ بالمري، لمناسبته لمزاجه، فخاف أن يكون قد عرّض له بالرياء. وكان ابن الأشقر يذكر بالوقوع في الناس، فقدم له القاضي غضار المقروض، فاستحسن الحاضرون فطنته.
وقال عند ذكر شيخه أبي محمد عبد الله بن عبد الواحد المجاصي: [دخلت عليه بالفقيه أبي عبد الله السطي في أيام عيد، فقدم لنا طعاماً، فقلت لو أكلت معنا، فرجونا بذلك ما يرفع من حديث. (من أكل مع مغفور له، غفر له)؛ فتبسم، وقال لي: دخلت على سيدي أبي عبد الله الفاسي بالأسكندرية، فقدم لنا طعاماً، فسألته عن هذا الحديث؛ فقال وقع في نفسي شيء؛ فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فسألته عنه، فقال: لم أقله، وأرجو أن يكون كذلك؛ وصافحته بمصافحته الشيخ أبا عبد الله زيان، بمصافحته أبا سعيد عثمان بن عطية الصعيدي، بمصافحته أبا العباس أحمد الملثم، بمصافحته المعمر، بمصافحته رسول الله صلى الله عليه وسلم].
وحدث عن شيخه أبي محمد الدلاصي، أنه كان للملك العادل مملوك اسمه محمد، فكان يخصه لدينه وعقله، بالنداء باسمه، وإنما كان ينعق بمماليكه [يا ساقي]، يا طباخ، يا مزين. فناداه ذات يوم، يا فراش، فراش، فظن أن ذلك لموجدة عليه. فلم ير أثر ذلك، وتصورت له به خلوة، فسأله عن مخالفته لعادته، فقال له له لا عليك، كنت يومئذ جنباً، فكرهت أن أذكر اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، على تلك الحالة. وقال أنشدني المجاصي، قال أنشدني الإمام نجم الدين الواسطي، قال أنشدني شرف الدين الدمياطي، قال أنشدني تاج الدين الآمدي، مؤلف الحاصل، قال أنشدني أنشدني الإمام فخر الدين لنفسه:
نهاية إقدام العقول عقال
وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا
وحاصل دنيانا أذى ودبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم من رجال قد رأينا ودولة
فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها
رجال فماتوا والجبال جبال
وقال: وقد مرّ من ذكر الشريف القاضي أبي علي حسين بن يوسف [بن يحيى] الحسني في عداد شيوخه وقال: حدثني أبو العباس الرندي، عن القاضي أبي العباس بن الغماز. [قال لما قدم القاضي أبو العباس بن الغماز من بلنسية، نزل بجاية؛ فجلس بها في الشهود مع عبد الحق بن ربيع، فجاء عبد الحق يوماً، وعليه برنس أبيض، وقد حسنت شارته، كملت هيئته، فلما نظر إليه ابن الغماز أنشده:
لبس البرنس الفقيه فباهى
ورأى أنه المليح فتاها
لو زليخا رأته حين تبدّى
لتمنته أن يكون فتاها
قال أيضاً: إن ابن الغماز] جلس لارتقاب الهلال بجامع الزيتونة، فنزل الشهود من المئذنة وأخبروا أنهم لم يهلوه. وجاء حفيد له صغير، فأخبره أنه أهَلَّه، فردهم معه؛ فأراهم إياه، فقال ما أشبه الليلة بالبارحة، وقد وقع لنا مثل هذا مع أبي الربيع بن سالم، فأنشدنا فيه:
توارى هال الأفق عن أعين الورى
وأرخى حجاب الغيم دون محياه
فلما تصدى لارتقاب شقيقه
تبدى له دون الأنام فحياه
وجرى في ذكر أبي عبد الله بن النجار، الشيخ التعالمي من أهل تلمسان، فقال: ذكرت يوماً قول ابن الحاجب فيما يحرم من النساء بالقرابة، وهي [أصول وفصول]، أول أصوله، وأول فصل من كل [أصل] وإن علا، فقال إن تركب لفظ التسمية العرفية من الطرفين حلت وإلا حرمت، فتأملته. فوجدته كما قال، لأن أقسام هذا الضابط أربعة، التركيب من الطرفين، كابن العم [وابنة العم] مقابله كالأب والبنت. والتركيب من من قبل الرجل، كإبنة الأخ والعم مقابله كابن الأخت والخالة.
وذكر الشيخ الرئيس أبا محمد عبد المهيمن ابن محمد الحضرمي. وقال: كان ينكر إضافة الحول إلى الله [عز وجل]، فلا يجيز أن يقال: ((بحول الله وقوته))، قال: لأنه لم يرد إطلاقه، والمعنى يقتضي امتناعه؛ لأن الحول كالحيلة، أو قريب منها.
وحكى عن شيخه أبي زيد عبد الرحمن الصنهاجي، عن القاضي أبي زيد عبد الرحمن بن علي الدكالي: أنه اختصم عنده رجلان في شاة. ادعى أحدهما أنه أودعها الآخر، وادعى الآخر أنها ضاعت منه؛ [فأوجب اليمين على المودع أنها ضاعت] من غير تضييع، فقال: كيف أضيع. وقد شغلتني، حراستها عن الصلاة؛ حتى خرج وقتها، فحكم عليه بالغرم. فقيل له في ذلك؛ فقال تأولت قول عمر: ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.
وحكى عن الشيخ الفقيه رحلة الوقت أبي عبد الله الآبلي. حكاية في باب الضرب، وقوة الإدراك، قال: كنت [يوماً] مع القاسم بن محمد الصنهاجي، فوردت عليه طومارة من قبل القاضي أبي الحجاج الطرطوشي فيها:
خيرات ما تحويه مبذولة
ومطلبي تصحيف مقلوبها
فقال لي ما مطلبه، فقلت: ((نارنج))، ودخل عليه وأنا عنده بتلمسان الشيخ الطبيب أبو عبد الله الدباغ المالقي، فأخبرنا أن أديباً استجدى وزيراً بهذا
الشطر: ((ثَمَّ حبيبٌ قَلَّمَا يَنْصِف))
فأخذته وكتبته، ثم قلبته وصحفته فإذا به: قصبتا مِلَفَّ شحمي.
وقال: قال شيخنا الآبلي، لما نزلت تازة مع أبي الحسن بن بري، وأبي عبد الله الترجالي، فاحتجت إلى النوم، وكرهت قطعهما إلى الكلام، فاستكشفت منها عن معنى هذا البيت للمعري:
أقول لعبد الله لما سقاؤنا
ونحن بوادي عبد شمس وهاشم
فجعلا يفكران فيه؛ فنمت حتى أصبحا؛ ولم يجداه، وسألوني عنه، فقلت: معناه ((أقول لعبد الله لِما، وهي سقاؤنا، ونحن بوادي عبد شمس، شمَّ لنا بَرقَا)). قلت: وفيه نظر، وإن استقصينا مثل هذا، خرجنا عن الغرض.
مولده
نقلت من خطه: كان مولدي بتلمسان، أيام أبي حمو موسى بن عثمان بن يغمراسن بن زيان. وقد وفقت على تاريخ ذلك، ورأيت الصفح عنه؛ لأن أبا الحسن بن موسى، سأل أبا الطاهر السلفي عن سنه؛ فقال: أقبل على شأنك؛ فإني سألت أبا الفتح بن زيان ابن مسعدة عن سنه؛ فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت محمد بن علي بن محمد اللبان عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت [حمزة بن يوسف السهمي عن سنه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا بكر محمد ابن علي النفزي عن سنه فقال أقبل على شأنك فإني سألت بعض أصحاب الشافعي عن سنه، فقال: أقبل على شأنك]، فإني سألت أبا إسماعيل الترمذي عن سنه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت الشافعي عن سنه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت مالك بن أنس عن سنه، فقال: أقبل على شأنك، ليس من المروءة إخبار الرجل عن سنه.
وفاته
توفي بمدينة فاس في أخريات محرم؛ من عام تسعة وخمسين وسبعمائة. وأراه توفي في ذي حجة؛ من العام قبله. ونقل إلى تربة سلفه بمدينة تلمسان حرسها الله.
محمد بن عياض
ابن محمد بن عياض بن موسى اليحصبي؛
من أهل سبتة؛ حفيد القاضي الإمام أبي الفضل عياض؛
يكنى أبا عبد الله.
حاله
قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: كان من عدول القضاة. وجلة سراتهم. وأهل النزاهة فيهم. شديد التحري في الأحكام، والاحتياط، صابراً على الضعيف فيهم والملهوف، شديد الوطأة على أهل الجاه وذوي السطوة؛ فاضلاً وقوراً، حسن السمت، يعرَّفه كلامه أبداً، ويزينه ذلك لكثرة وقاره، محباً في العلم وأهله، مقرباً لأصاغر الطلبة، ومكرماً لهم، ومعتنياً بهم، معملا جهده في الدفع عنهم، لما عسى أن يسوءهم. ليحبب إليهم العلم وأهله، ما رأينا بعده [في هذا مثله]. سكن مالقة مع أبيه، عند انتقال أبيه إليها، إلى أن مات أبوه سنة خمس وخمسين وستماية. حدثني شيخنا أبو الحسن بن الجياب، [وجرى ذكر إعرابه لفظ من حديثه عن شيوخه]، قال: دخلت على القاضي المذكور، فسأل أحدنا عن أبيه، فقال: ابن فلان؛ وذكر معرفة مشتركة بين تجار فاس. فقال: أيهما الذي ينحت في الخشب، والذي يعمل في السلاح؛ فما فطن لقصده لسذاجته وحدثني عن ذكر جزالته. أنها كانت تقع له مع السلطان مستقضيه، مع كونه مرهوباً، شديد السطوة، وقايع تنبي عن تصميمه، وبعده عن الهوادة. منها أن السلطان أمر بإطلاق محبوس، كان قد سجنه فأنفذ بين يدي السلطان الأمر للسجان بحبسه، وتوعده إن أطلقه. ومنها إذاعة ثبوت العيد، في أخريات يوم، كان قد أمل السلطان البروز إلى العيد في صباحه، فنزل عن القلعة ينادي، عبد الله يا ميمون، أخبر الناس عن عيدهم اليوم، وأمثال ذلك.
مشيخته
قرأ بسبتة، وأسند بها، فأخذ عن أبي الصبر أيوب ابن عبد الله الفهري وغيره، ورحل إلى الجزيرة الخضراء. فأخذ بها كتاب سيبويه وغيره تفقيهاً على النحوي الجليل أبي القاسم عبد الرحمن بن القاسم القاضي المتفنن؛ وأخذ بها أيضاً كتاب إيضاح الفارسي عن الأستاذ أبي الحجاج بن مغرور، وأخذ بإشبيلية وغيرها عن آخرين؛ وقرأ على القاضي أبي القاسم بن بقي بن نافحة، وأجاز له؛ وكتب له من أهل المشرق جماعة كثيرة، منهم أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر بن أبي الفتح الصيدلاني، وأجاز له بإصبهان، وهو سبط حسن بن مندة، أجاز له في شوال؛ سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. وتحمل عن أبي علي الحداد، شيخ السلفي الحافظ عن محمود الصيرفي ونظايرهما، وجماعة من إصبهان كثيرة كتبوا له بالإجازة. وكتب له من غيرها من البلاد [نيف وثمانون] رجلا، منهم أحد وستون رجلاً كتبوا له مع الشيخ المحدث أبي العباس المغربي، والقاضي أبي عبد الله الأزدي، [وقد نصح على جميعهم في برنامجيهما، واستوفى أبو العباس الغربي نصوص الإسترعات، وفيها اسم القاضي أبو عبد الله ابن عياض].
ومن روى عنه
قال الأستاذ أبو جعفر رحمه الله، أجاز لي مرتين اثنين. وقال حدثني أبو عبد الله مشافهة بالإذن، أنبأنا أبو الطاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي كتابة من دمشق، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الرازي المعروف بابن الحطاب بالحاء المهملة، أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الوهاب البغدادي بالقسطاط، أخبرنا موسى بن محمد بن عرفة السمسار ببغداد، قال أبو عمرو بن أحمد بن الفضل النفزي، أخبرنا إسماعيل بن موسى، أخبرنا عمر ابن شاكر عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ((يأتي على الناس زمان، الصابر منهم على دينه، كالقابض على الجمر)).
هذا الإسناد قريب يعز مثله في القرب لأمثالنا، ممن مولده بعد الستمائة، وإسماعيل بن موسى من شيوخ الترمذي، قد خرج عنه الحديث المذكور، لم يقع له في مصنفه ثلاثي غيره.
مولده
بسبتة سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
وفاته
توفي بغرناطة يوم الخميس الثامن والعشرين لجمادى
الآخرة؛ سنة أربع وخمسين وستماية.
محمد بن عياض
ابن موسى بن عياض بن عمر بن موسى بن عياض اليحصبي، من أهل سبتة؛ ولد الإمام أبي الفضل؛ يكنى أبا عبد الله.
حاله
كان فقيهاً جليلاً، أديباً، كاملاً. دخل الأندلس، وقرأ على ابن بشكوال كتاب الصلة، وولي قضاء غرناطة، قال ابن الزبير: وقفت على جزء ألفه [في شيء] من أخبار أبيه، وحاله في أخذه وعلمه، وما يرجع إلى هذا، أوقفني عليه حفدته بمالقة.
وفاته
توفي سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
محمد بن أحمد
ابن جبير بن سعيد بن جبير بن محمد بن سعيد بن جبير ابن محمد [بن مروان] بن عبد السلام [بن مروان بن عبد
السلام ابن جبير] الكناني؛ الواصل إلى الأندلس.
أوليته
دخل جده عبد السلام بن جبير في طالعة بلج بن بشر بن عياض القشيري؛ في محرم؛ ثلاث وعشرين ومائة. وكان نزوله بكورة شذونة. وهو من ولد ضمرة ابن كنانة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس [بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان]. بلنسي الأصل، ثم غرناطي الاستيطان. شرق وغرب، وعاد إلى غرناطة.
حاله
كان أديباً بارعاً، شاعراً مجيداً، سنياً فاضلاً، نزيه المهمة، سري النفس، كريم الأخلاق، أنيق الطريقة [في الخط]. كتب بسبتة عن أبي سعيد عثمان بن عبد المؤمن، وبغرناطة عن غيره من ذوي قرابته، وله فيهم أمداح كثيرة. ثم نزع عن ذلك، وتوجه إلى المشرق، وجرت بينه وبين طايفة من أدباء عصره، مخاطبات ظهرت فيها براعته وإجادته. ونظمه فايق، ونثره بديع. وكلامه المرسل، سهل حسن، وأغراضه جليلة، ومحاسنه ضخمة، وذكره شهير، ورحلته نسيجة وحدها، طارت كل مطار، رحمه الله.
رحلته
قال من عني بخبره، رحل ثلاثاً من الأندلس إلى المشرق، وحج في كل واحدة منها. فصل [عن غرناطة] أول ساعة من يوم الخميس لثمان خلون من شوال؛ ثمان وسبعين وخمسماية، صحبة أبي جعفر بن حسان، ثم عاد إلى وطنه غرناطة؛ لثمان بقين من محرم؛ واحد وثمانين، ولقي بها أعلاماً يأتي التعريف بهم في مشيخته، وصنف الرحلة المشهورة، وذكر مناقله فيها وما شاهده من عجايب البلدان، وغرايب المشاهد، وبدايع الصنايع، وهو كتاب مؤنس ممتع، مثير سواكن النفوس إلى [الرفادة على] تلك المعالم [المكرمة والمشاهد العظيمة]. ولما شاع الخبر المبهج بفتح بيت المقدس على يد السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي، قوي عزمه على عمل الرحلة الثانية، فتحرك إليها من غرناطة، يوم الخميس لتسع خلون من ربيع الأول؛ من سنة خمس وثمانين وخمسماية، ثم آب إلى غرناطة يوم الخميس لثلاث عشر خلت من شعبان؛ سبع وثمانين؛ وسكن غرناطة، ثم مالقة، ثم سبتة، ثم فاس، منقطعاً إلى إسماع الحديث والتصوف، وتروية ما عنده. وفضله بديع، وورعه يتحقق، وأعماله الصالحة تزكو. ثم رحل الثالثة من سبتة، بعد موت زوجته عاتكة عاتكة أم المجد بنت الوزير أبي جعفر الوقشي، وكان كلفاً كلفاً بها، فعظم وجده عليها، فوصل مكة، وجاور بها طويلاً، ثم بيت المقدس، ثم تجول بمصر والإسكندرية، فأقام يحدث، ويؤخذ عنه إلى أن لحقي بربه.
مشيخته
روى بالأندلس عن أبيه، وأبي الحسن بن محمد بن أبي العيش، وأبي عبد الله بن أحمد بن عروس، وابن الأصيلي. وأخذ العربية عن أبي الحجاج بن يسعون. وبسبتة عن أبي عبد الله بن عيسى التميمي السبتي. وأجاز له أبو الوليد بن سبكة، وإبراهيم بن إسحاق بن عبد الله الغساني التونسي، وأبو حفص عمر بن عبد المجيد بن عمر القرشي الميانجي، نزيلاً مكة، وأبو جعفر أحمد بن علي القرطبي الفنكي، وأبو الحجاج يوسف بن أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد البغدادي، وصدر الدين أبو محمد عبد اللطيف الحجري رييس الشافعية بإصبهان. وببغداد العالم الحافظ المتبحر نادرة الفلك أبو الفرج، وكناه أبو الفضل بن الجوزي. وحضر بعض مجالسه الوعظية وقال فيه فشاهدنا رجلاً ليس بعمرو ولا زيد، (وفي جوف الفرا كل الصيد). وبدمشق أبو الحسن أحمد ابن حمزة بن علي بن عبد الله بن عباس السلمي الجواري، وأبو سعيد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون، وأبو الطاهر بركات الخشوعي، وسمع عليه، وعماد الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن حامد الأصبهاني من أئمة الكتاب، وأخذ عنه بعض كلامه، وغيره، وأبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الأخضر بن علي بن عساكر، وسمع عليه، وأبو الوليد إسماعيل بن علي بن إبراهيم [والحسين بن هبة الله بن محفوظ بن نصر الرقبعي، وعبد الرحمن بن إسماعيل بن أبي سعيد الصوفي، وأجازوا له، وبحران الصوفي العارف أبو البركات حيان بن عبد العزيز، وابنه الحاذي حذوه].
من أخذ عنه
قال ابن عبد الملك: أخذ عنه أبو إسحاق بن مهيب، وابن الواعظ، وأبو تمام بن إسماعيل، وأبو الحسن بن نصر بن فاتح بن عبد الله البجائي، وأبو الحسن [بن علي] الشادي، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو زكريا، وأبو بكر يحيى بن محمد بن أبي الغصن، وأبو عبد الله بن حسن بن مجير. وأبو العباس بن عبد المؤمن البناني، وأبو محمد بن حسن اللواتي وابن تامتيت، وابن محمد الموروري، وأبو عمر بن سالم، وعثمان بن سفيان بن أشقر التميمي التونسي.
وممن [أخذ عنه] بالإسكندرية، رشيد الدين أبو محمد عبد الكريم بن عطاء الله، وبمصر رشيد الدين بن العطار. وفخر القضاة بن الجياب، وابنه جمال القضاة.
تصانيفه
منها نظمه؛ قال ابن عبد الملك: وقفت منه على مجلد متوسط يكون على قدر ديوان أبي تمام حبيب بن أوس، ومنه جزء سماه ((نتيجة وجد الجوانح في تأبين القرين الصالح))؛ في مراثي زوجه أم المجد. ومنه جزء سماه ((نظم الجمان في التشكي من إخوان الزمان)). [وله ترسيل بديع، وحكم مستجادة]، و((كتاب رحلته)). [وكان أبو الحسن الشادي، يقول إنها ليست من تصانيفه، وإنما قيد معاني ما تضمنته، فتولى ترتيبها، وتنضيد معانيها بعض الآخذين عنه، على ما تلقاه منه]. والله أعلم.
شعره
من ذلك القصيدة الشهيرة التي نظمها، وقد شارف المدينة المكرمة طيبة، على ساكنها من الله أفضل الصلوات، وأزكى التسليم:
أقول وآنست بالليل نارا
لعل سراج الهدى قد أنارا
وإلا فما بال أفق الدجى
كأن سنا البرق فيه استطارا
ونحن من الليل في حندس
فما باله قد تجلى نهارا
وهذا النسيم شذا المسك قد
أعير أم المسك منه استعارا
وكانت رواحلنا تشتكي
وجاها فقد سابقتنا ابتدارا
وكنا شكونا عناء السرى
فعدنا نباري سراع المهارا
أظن النفوس قد استشعرت
بلوغ هوى تَخِذته شعارا
بشاير صبح السرى آذنت
بأن الحبيب تدانى مزارا
جرى ذكر طيبة ما بيننا
فلا قلب في الركب إلا وطارا
حنيناً إلى أحمد المصطفى
وشوقاً يهيج الضلوع استعارا
ولاح لنا أحد مشرقاً
بنور من الشهداء استعارا
فمن أجل ذلك ظل الدجى
يحل عقود النجوم انتثارا
ومن طرب الركب حث الخطا
إليها ونادى البدار البدارا
ولما حللنا فناء الرسول
نزلنا بأكرم مجد جوارا
وحين دنونا لفرض السلام
قصرنا الخطا ولزمنا الوقارا
فما نرسل اللحظ إلا اختلاساً
ولا نرجع الطرف إلا انكسارا
ولا نظهر الوجد إلا اكتتاماً
ولا نلفظ القول إلا سرارا
سوى أننا لم نطق أعيناً
بأدمعها غلبتنا انفجارا
وقفنا بروضة دار السلام
نعيد السلام عليها مرارا
[ولولا مهابته] في النفوس
لَثَمْنَا الثَّرَى والتزمنا الجدارا
قضينا بزورته حجنا
وبالعمرتين ختمنا اعتماراً
إليك إليك نبي الهدى
ركبت البحار وجبت القفارا
وفارقت أهلي ولا منة
ورب كلام يجر اعتذارا
وكيف نمن على من به
نؤمل للسيئات اغتفاراً
دعاني إليك هوى كامن
أثار من الشوق ما قد أثارا
فناديتك لبيك داعي الهوى
وما كنت عنك أطيق اصطباراً
[ووطنت نفسي بحكم الهوى
علي وقلت رضيت اختيارا]
أخوض الدجى وأروض السرى
ولا أطعم النوم إلا غرارا
ولو كنت لا أستطيع السبيل
لطرت ولو لم أصادف مطارا
[وأجدر من نال منك الرضى
محب ثراك على البعد زارا]
عسى لحظة منك لي في غد
تمهد لي في الجنان القرارا
فما ضل من بمسراك اهتدى
ولا ذل من بذراك استجارا
وفي غبطة من منّ الله عليه لحج بيته، وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم يقول:
هنيئاً لمن حج بيت الهدى
وحط عن النفس أوزارها
وإن السعادة مضمونة
لمن حج طيبة أو زارها
وفي مثل ذلك يقول:
إذا بلغ المرء أرض الحجاز
فقد نال أفضل ما أمله
وإن زار قبر نبي الهدى
فقد أكمل الله ما أمله
وفي تفضيل المشرق:
لا يستوي شرق البلاد وغربها
الشرق حاز الفضل باستحقاق
أنظر [إلى جمال الشمس] عند طلوعها
زهراء تعجب بهجة الإشراق
وانظر إليها عند الغروب كئيبة
صفراء تعقب ظلمة الآفاق
وكفى بيوم طلوعها من غربها
أن تؤذن الدنيا بعزم فراق
وقال في الوصايا:
عليك بكتمان المصايب واصطبر
عليها فما أبقى الزمان شفيقا
كفاك بالشكوى إلى الناس أنها
تسر عدواً أو تسيء صديقا
وقال:
وصانع المعروف فلتة عاقل
إن لم تضعها في محل عاقل
كالنفس في شهواتها إن لم تكن
وقفاً لها عادت بضر عاجل
نثره
من حكمه قوله: إن شرف الإنسان، فشرف وإحسان. وإن فاق فتفضل وإرفاق. ينبغي أن يحفظ الإنسان لسانه. كما يحفظ الجفن إنسانه. فرب كلمة تقال، تحدث عثرة لا تقال. كم كست فلتات الألسنة الحداد، من ورائها ملابس حداد. نحن في زمن لا يحظى فيه بنفاق إلا إلا من عامل بنفاق. شغل الناس عن [طريق الآخرة] بزخارف الأغراض. [فلجوا في] الصدود عنها والإعراض. والإعراض. آثروا دنيا هي أضغاث أحلام، وكم هفت في حبها من أحلام، أطالوا فيها آمالهم، وقصروا أعمالهم. ما بالهم، لم يتفرغ لغيرها بالهم، ما لهم في غير ميدانها استباق، ولا [بسوى هواها] اشتياق. تالله لو كشفت الأسرار، لما كان هذا الإصرار، ولسهرت [العيون]، وتفجرت من شئونها [الجفون]، فلو أن عين البصيرة من سنتها هابّة، لرأت جميع ما في الدنيا ريحاً هابّة [ولكن استولى العمى على البصاير] ولا يعلم الإنسان ما إليه صاير، أسأل الله هداية سبيله، ورحمة تورد نسيم الفردوس وسلسبيله، إنه الحنان المنان لا رب سواه. ومنها: فلتات الهبات، أشبه شيء بفلتات الشهوات. منها نافع لا يعقب ندماً، ومنها ضار يبقي في النفس ألماً. فضرر الهبة وقوعها عند من لا يعتقد لحقها أداء، وربما أثرت عنده اعتداء. وضرر الشهوة أن لا توافق ابتداء، فتصير لمُتّبعِها داء، مثلها كمثل السكر يلتذ صاحبه بحلاوة جناه، فإذا صحا يعرف قدر ما جناه. عكس هذه القضية القضية هي الحالة المرضية.
مولده
ببلنسية سنة تسع وثلاثين [وخمسماية] وقيل بشاطبة [سنة أربعين وخمسماية].
وفاته
توفي بالإسكندرية ليلة الأربعاء التاسع والعشرين لشعبان؛ أربع عشرة وستماية.
محمد بن أحمد
ابن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن ابن علي بن شبرين؛ يكنى أبا بكر؛ شيخنا الفقيه القاضي المؤرخ الكاتب البارع رحمة الله عليه
أوليته
أصله من إشبيلية، من حصن شلب من كورة باجة، من غربي صقعها، يعرفون فيها ببني شبرين، معرفة قديمة. ولي جده القضاء بإشبيلية، وكان من كبار أهل العلم تشهد بذلك الصلاة. وانتقل أبوه منها عند تغلب العدو عليها عام ستة وأربعين وستماية، فاحتل رندة ثم غرناطة، ثم انتقل إلى سكنى سبتة، وبها ولد شيخنا أبو بكر، وانتقل عند الحادثة إلى غرناطة، فارتسم بالكتابة السلطانية، وولي القضاء بعدة جهات، وتأثل مالاً وشهرة، حتى جرى مجرى الأعيان من أهلها.
حاله
كان فريد دهره، ونسيج وحده في حسن السمت والرواء، وكمال الظرف وجمال الشارة، وبراعة الخط، وطيب المجالسة، خاصياً، وقوراً، تام الخلق، عظيم الأبهة، عذب التلاوة لكتاب الله، من أهل الدين والفضل والعدالة، تاريخياً، مقيداً، طلعة اختيار أصحابه محققاً لما ينقله، فكها مع وقاره، غزلاً، لوذعياً، علي شأن الكتابة، جميل العشرة، أشد الناس على الشعر، ثم على المحافظة، ما يحفظه من الأبيات من غير اعتيام ولا تنقيح، يناغي الملكين في إثباتها، مقررة التواريخ، حتى عظم حجم ديوانه، [تفردت أشعاره بما أبر على المكثرين] مليح الكتابة، سهلها، صانعاً، سابقاً في ميدانها، راجحاً كفة المنثور. وكانت له رحلة إلى تونس، اتسع بها نطاق روايته. وتقلب بين الكتابة والقضاء، منحوس الحظ في الاستعمال، مضيقاً فيه، وإن كان وافر الجد، موسعاً عليه. وجرى ذكره في كتاب التاج المحلى بما نصه: خاتمة المحسنين، وبقية الفصحاء اللسنين، ملأ العيون هدياً وسمتاً، وسلك من الوقار طريقة؛ لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، ما شئت من فضل ذات، وبراعة أدوات. إن خط، نزل ابن مقلة عن درجته [وإن خط]. وإن نظم أو نثر، تبعت البلغاء ذلك الأثر. وإن تكلم أنصت الحفل لاستماعه، وشرع لدرره النفيسة صدق أسماعة. وفد على الأندلس عند كاينة سبتة، وقد طرحت النوى برحاله، وظعن عن ربعه بتوالي إمحاله، [ومصرف بلاده]، والمستولي على طارفها وتالدها، أبو عبد الله بن الحكيم، قدس الله صداه، وسقى منتداه، فاهتز لقدومه اهتزاز الصارم، وتلقاه تلقي الأكارم، وانهض إلى لقايه آماله، وألقى له قبل الوسادة ماله، ونظمه في سمط الكتاب، وأسلاه عن أعمال الاقتاد، ونزل ذمامه تأكداً في هذه الدول، وقوفي له الآتية منها على الأول، فتصرف في القضاء بجهاتها، ونادته السيادة هاك وهاتها، فجدد عهد حكامه العدول من سلفه وقضاتها. وله الأدب الذي تحلت بقلايده اللبات والنحور، وقصرت عن جواهره البحور. وسيمر من ذلك في تضاعيف هذا المجموع ما يشهد بسعة ذرعه، ويخبر بكرم عنصره، وطيب نبعه.
مشيخته
قرأ على جده لأمه الأستاذ الإمام أبي بكر بن عبيدة الإشبيلي، وسمع على الرييس أبي حاتم، وعلى أخيه أبي عبد الله الحسين، وعلى الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، وعلى الشريف أبي علي بن أبي الشرف، وعلى الإمام أبي عبد الله بن حريث. وسمع على العدل أبي فارس عبد العزيز الجزيري. وسمع بحضرة غرناطة على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، [وعلى العدل أبي الحسن بن مستقور] وعلى الوزير أبي محمد بن المؤذن، وعلى الخطيب أبي عبد الله بن رشيد. وبمالقة على الخطيب ولي الله تعالى أبي عبد الله الطنجالي، وعلى الوزير الصدر أبي عبد الله بن ربيع، وعلى القاضي العدل أبي عبد الله بن برطال. وببجاية على الإمام أبي علي ناصر الدين المشذالي، وعلي أبي العباس الغبريني. وبتونس على أبي علي بن علوان، وعلى قاضي الجماعة أبي إسحاق بن عبد الرفيع، وسمع على الخطيب الصوفي ولي الله تعالى، أبي جعفر الزيات، والصوفي أبي عبد الله بن برطال، وعلى الصدر أبي القاسم محمد بن قايد الكلاعي. [وأجازه عالم] كثير من أهل المشرق والمغرب.
شعره
وشعره متعدد الأسفار، كثير الأغراض. وفي الإكثار مجلل الإختيار. فمنه قوله:
أخذت بكظم الروح يا ساعة النوى
وأضرمت في طي الحشى لاعج الجوى
فمن مخبري يا ليت شعري متى اللقا
وهل تحسن الدنيا وهل يرجع الهوى
سلا كل مشتاق وأكثر وجده
وعند النَّوَى وجدي وفي ساكن الهوى
ولي نية ما عشت في حفظ عهدهم
إلى يوم ألقاهم وللمرء ما نوى
وقال:
باتوا فمن كان باكياً يبك
هذي ركاب الشرى بلا شك
[فمن ظهور الركاب معملة
إلى بطون الربى إلى الفلك
تصدع الشمل مثلما انحدرت
إلى صبوب جواهر السلك]
كن بالذي حدثوا على ثقة
ما في حديث الفراق من إفك
من النوى قبل لم أزل حذراً
هذا النوى جل من مالك الملك
وقال:
يا أيها المعرض اللاهي
يسوءني هجرك والله
[فيا ليت شعري كم أرى فيك
لا أقفك عن ويِّه وعزاه
ويحيي مغيري إلى باخل واه
من ذا الذي رآه]
من يرد الله فيه فتنة
يشغله في الدنيا بتياه
يا غصن البان ألا عطفة
على معنَّى جسمه واه
أوسعني بعدك ذلاً وقد
رأً يُثْني عندك ذا جاه
ذكرك لا ينفك عن خاطري
وأنت عني غافل ساه
يكفيك يا عثمان من جفوني
لو كان ذنبي ذنب جهجاه
هيهات لا معترض لي على
حكمك أنت الآمر الناه
قلت: جهجاه المشار إليه رجل من غفار؛ قيل: إنه تناول عصا الخطبة من يد عثمان رضي الله عنه، فكسرها على ركبته، فوقعت فيها الاَّكلة فهلك. وقال:
يا من أعاد صباحي فقده حلكا
قتلت عبدك لكن لم تخف دركا
مصيبتي ليست كالمصائب لا
ولا بكائي عليها مثل كل بكا
فمن أطالب في شرع الهوى بدمي
لحظي ولحظك في قتلي قد اشتركا
وقال، وقد سبقه إليه الرصافي؛ وهو ظريف:
أشكو إلى الله فرط بلبالي
ولوعة لا تزال تذكي لي
بمهجتي حايك شغلت به
حلو المعاني طرازه عالي
سألته لثم خاله فأبي
ومن ذا نخوة وإذلال
وقال حالي يصون خالي
يدني فويحي بالحال والخال
يقربني الآل من مواعده
وأتقي منه سطوة الآل
لكن على ظلمه وقسوته
فلست عنه الزمان بالسالي
وقال أيضاً مضمناً:
لي همة كلما حاولت أمسكها
على المذلة في أرجاء أرضيها
قالت ألم تكن أرض الله واسعة
حتى يهاجر عبد مؤمن فيها
وقال مسترجعاً من ذنبه، ومستوحشاً من شيبه:
قد كان عيبي من قبل في غيب
فمذ بدا شيبي بدا عيبي
لا عذر اليوم ولا حجة
فضحتني والله يا شيبي
وقال:
أثقلتني الذنوب ويحي وَوَيْسي
ليتني كنت زاهداً كأويس
وجرت بينه وبين السلطان ثالث الأمراء من بني نصر، بعد خلعه من ملكه، وانتثار سلكه، واستقراره بقصبة المنكب، غريباً من قومه، معوضاً بالسهاد من نومه، قد فل الدهر سباته، وتركه يندب ما فاته، والقاضي المترجم به يومئذ، مدبر أحكامها، وعلم أعلامها، ومتولي نقضها، وإيرامها، فارتاح يوماً إلى إيناسه، واجتلاب أدبه والتماسه، وطلب منه أن يعبر عن حاله ببيانه، وينوب في بثه عن لسانه، فكتب إليه:
قفا نفساً فالخطب فيها يهون
ولا تعجلا إن الحديث شجون
علمنا الذي قد كان من صرف دهرنا
ولسنا على علم بما سيكون
ذكرنا نعيماً قد تقضى نعيمه
فأقلقنا شوق له وحنين
وبالأمس كنا كيف شئنا وللدنا
حراك على أحكامنا وسكون
وإذا بابنا مثوى الفؤاد ونحونا
تمد رقاب أو تشير عيون
فنغص من ذاك السرور مهنأ
وكدر من ذاك النعيم معين
ونبا عن الأوطان بين ضرورة
وقد يقرب الإنسان ثم يبين
أيا معهد الإسعاد حييت معهداً
وجادك من سكب الغمام هتون
تريد الليالي أن تهين مكاننا
رويدك إن الخير ليس يهون
فإن تكن الأيام قد لعبت بنا
ودارت علينا للخطوب فنون
فمن عادة الأيام ذل كرامها
ولكن سبيل الصابرين مبين
لئن خاننا الدهر الذي كان عبدنا
فلا عجب إن العبيد تخون
وما غض منا مخبري غير أنه
تضاعف إيمان وزاد يقين
وكتب إلى الحكم بن مسعود، وهو شاهد المواريث بهذه الدعابة التي تستخف الوقور، وتلج السمع الموقور: ((أطال الله بقاء أخي وسيدي، لأهل الفرايض، يحسن الاحتيال في مداراتهم، وللمنتقلين إلى الدار الآخرة يأمر بالاحتياط في أمواتهم، ودامت أقلامه مشرعة لصرم الأجل المنسأ، معدة لتحليل هذا الصنف المنشأ من الصلصال والحمأ. فمن ميت يغسل وآخر يقبر، ومن أجل يطوى، وكفن ينشر، ومن رمس يفتح، وباب يغلق. ومن عاصب يحبس، ونعش يطلق. فكلما خربت ساحة، نشأت في الحانوت راحة. وكلما قامت في شعب مناحة، اتسعت للرزق مساحة. فيباكر سيدي الحانوت، وقد احتسى مرقته، وسهل عنقفته، فيرى الصعبة بالمناصب شطراً. فيلحظ هذا برفق، وينظر إلى هذا شزراً. ويأمر بشق الجيوب تارة، والبحث عن الأوساط أخرى. ثم يأخذ القلم أخذاً رفيقاً. ويقول وقد خامره السرور، رحم الله فلاناً، لقد كان لنا صديقاً، وربما أدبره بالانزعاج الحثيث، وقال مستريح منه كما جاء في الحديث. وتختلف عند ذلك المراتب، وتتبين الأصدقاء والأجانب، فينصرف هذا، وحظه التهريب، والنظر الحديد، وينفصل هذا، وبين يديه المنذر الصيت، والنعش الجديد؛ ثم يغشى دار الميت ويسل عن الكيت والكيت، ويقول علي بما في البيت. أين دعاء الثاغية والراغية. أين عقود الأملاد بالبادية. وقد كانت لهذا الرجل حالاً في حال. وقد ذكر في الأسماء الخمسة فقيل ذو مال؛ وعيون الأعوان ترنوا من عل، وأعناقهم تشريب إلى خلف الكلل، وأرجلهم تدب إلى الأسفاط دبيب الصقور إلى الحجل. والموتى قد وجبت منهم الجنوب، وحضر الموروث والمكسوب. وقيد المطعوم والمشروب. وعدت الصحاح. ووزنت الأرطال، وكيلت الأقداح. والشهود يغلظون على الورثة في الألية [ويصونهم بالبتات] في النشأة الأولية. والروائح حين تفعم الأرض طيباً، وتهدي الأرواح شذاً يفعل في إزعاجها على الأبدان فعلاً عجيباً. والدلال يقول هذا مفتاح الباب. والسمسار يصيح قام الندا فما نتنظرون بالثبات. والشاهد يصيح فتعلوا صيحته، والمشرف يشرب فتسقط سبحته. والمحتضر يهس ألا حي فلا تسمعون [ويباهي لون العباء عليه] الجواب رب أرجعون. ما هذا النشيج والضجيج. مت كلا لم أمت. ومن حج له الحجيج. فترتفع له الأصوات، كي لا يفسح فيه الممات. ويبقر بطنه برغمه، ويحفر له بجانب أبيه وبحذا أمه. ثم يشرع في نفسه الفرض، ولو أكفئت السموات على الأرض. ويقال لأهل السهام، أحسنوا، فالإحسان ثالث مراتب الإسلام. وقد نص ابن القاسم على أجرة القسام؛ وسوغه أَصْبَغ وسحنون، ولم يختلف فيه مُطَرَّف وابن الماجشون. إن قيل إيصال الحقائق إلى أرجايها، حسن فجزاه الإحسان إحسان. وقيل إخرج النسب والكسور كفايه، [فللكاهنين حلوان]. اللهم غفراً، ونستقيل الله من انبساط يجر غدراً، ونسل الله حمداً يوجب المزيد من نعمايه وشكراً. ولولا أن أغفل عن الخصم، وأثقل رحل الفقيه أبي النجم، لأستغلن المجلس شرحاً، ولكان لنا في بحر المباسطة سبح، ولأفضنا في ذكر الوارث والوراث. وبينا العلة في أقسام الشهود، مع المشتغل بنسبة الذكور مع الأناث. والله يصل عز أخي ومجده، ويهب له قوة تخصه بالفايدة، وجده ويزيده بصيرة يتبع بها الحقوق إلى أقصاها، وبصراً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ودام يحصي الخراريب والفلوس والأطمار، ويملأ الطوامر بأقلامه البديعة الصنعة، ويصل الطومار بالطومار والسلام)).
والشيء بالشيء يذكر؛ قلت: ومن أظرف ما وقعت عليه في هذا المعنى. قال بعض كتاب الدولة الحكمية بمنورقة: وقد ولاه خطة المواريث، وكتب إليه راغباً في الإعفاء:
وما نلت من شغل المواريث رقعة
سوَى شرح نعش كلما مات ميت
وأكتب للأموات صكاً كأنهم
يخاف عليهم في الجباب التفلت
كأني لعزرائيل صرت مناقضاً
بما هو يمحو كل يوم وأثبت
وقال: فاستظرفها الرييس أبو عثمان بن حكم وأعفاه.
مولده
في أواخر أربعة وسبعين وستماية.
وفاته
قال في العايد، ومضى لسبيله، شهاباً من شهب هذا الأفق، وبقية من بقايا حلبة السبق، رحمه الله، في ليلة السبت الثاني من شهر شعبان المكرم؛ عام سبعة وأربعين وسبعماية، وتخلف وقْراً لم يشتمل على شيء من الكتب، لإيثاره اقتناء النقدين، وعين جراية لمن يتلو كتاب الله على قبره [على حد من التعزرة والمحافظة على الإتقان]. ودفن بباب إلبيرة في دار اتخذها لذلك.
محمد بن أحمد
ابن قُطبة الدَّوسي؛ من أهل غرناطة،
يكنى أبا القاسم.
حاله
مجموع خلال بارعة، وأوصاف كاملة، حسن الخط، ذاكر للتاريخ والأخبار، مستول على خصال حميدة من [حسن رواء] وسلامة صدر، إلى نزاهة الهمة، وإرسال السجية، والبعد عن المصانعة، والتحلي بالوقار والحشمة، شاعر، كاتب. ومناقبه يقصر عنها الكثير من أبناء جنسه، كالفروسية، والتجند، والبسالة، والرماية، والسباحة، والشطرنج، متحمد بحمل القنا، مع البراعة، مديم على المروءة، مواس للمحاويج من معارفه. ارتسم في الديوان فظهر غناؤه، وانتقل إلى الكتابة، معززة بالخطط النبيهة العلمية، وحاله الموصوفة متصلة إلى هذا العهد، وهو معدود من حسنات قطره.
وثبت في التاج المحلى بما نصه: سابق ركض المحلى، أتى من أدواته بالعجايب، وأصبح صدراً في الكتاب، وشهماً في الكتايب. وكان أبوه رحمه الله، بهذه البلدة، قطب أفلاكها، وواسطة أسلاكها، ومؤتمن روسايها وأملاكها، وصدر رجالها، وولي أرباب مجالها، قد نثل ابنه سهامها، فخبر عدالة وبراعة وفهماً، وألقاه بينهم قاضياً شهماً، فظهر منه نجيباً، ودعاه إلى الجهاد سميعاً مجيباً، فصحب السرايا الغريبة المغيرة، وحضر على هذا العهد من الوقايع الصغيرة والكبيرة، وعلى مصاحبة البعوث، وجوب السهول والوعوث، فما رفض اليراعة الباتر، ولا ترك الدفاتر للزمان الفاتر.
شعره
وله أدب بارع المقاصد قاعد للإجادة بالمراصد، وقال من الروضيات وما في معناها:
دعيني ومطلول الرياض فإنني
أنادم في بطحايها الآس والوردا
أعلل هذا بخضرة شارب
وأحكي بهذا في تورده الخدا
وأزهر غض البان رايد نسمة
ذكرت به لين المعاطف والقدا
وقال:
وليل أدرناها سلافا كأنها
على كف ساقيها تضرم نارا
غنينا عن المصباح في جنح ليلها
بخد مدير لا بكأس عقار
وقال:
يومنا يوم سرور فلتقم
تصدع الهم بكاسات المدام
إنما الدنيا منام فلتكن
مغرماً فيها بأحلى المنام
وقال:
وبي منك ما لو كان للشرب ماصحاً
وبالهيم ماروّت صداها المناهل
أحبك ما هبت من الروض نسمة
وما اهتز غصن في الحديقة مايل
فإن شئت أن تهجر وإن شئت فلتقبل
فإني لما حملتني اليوم حامل
وقال:
كم قلت للبدر المنير إذ بدا
هيهات وجه فلانة تحكى لنا
فأجابني بلسان حال واعتنى
لا الشمس تحكيها فأحكيها أنا
وصرفت وجهي نحو غصن أملد
قد رام يشبه قدها لما انثنا
فضحكت هزءاً عند هز قوامها
إذا رام أن يحكى قواماً كالقنا
وكتب إليه في غرض يظهر من الأبيات:
جوانحنا نحو اللقاء جوانح
ومقدار ما بين الديار قريب
وتمضي الليالي والتزاور معوز
على الرغم منا وإن ذا لغريب
فديتك عجلها لعيني زيارة
ولو مثل ما رد اللحاظ مريب
وإن لقائي جل عن ضرب موعد
لأكرم ما يُهدى الأريب أريب
فراجعني بقوله، والتجني شيمة:
لعمرك ما يومي إذا كنت حاضراً
سوى [يوم صب] من عداه يغيب
أزور فلا ألفي لديك بشاشة
فيبعد مني الخطو وهو قريب
فلا ذنب للأيام في البعد بيننا
فإني لداعي القرب منك مجيب
وإن لقاء جاء من غير موعد
ليحسن لكن مرة ويطيب
وإحسانة كثير، وفيما ثبت كفاية ليلاً نخرج [عن غرض الاختصار].
محمد بن محمد
ابن أحمد بن قطبة الدوسي يكنى محمد أبا بكر؛ أخو الذي قبله.
حاله
تلوه في الفضل والسراوة، وحسن الصورة [ونصاعة الطرف] مُرْبٍ عليه بمزيد من البشاشة والتنزل، وبذل التودد، والتبريز في ميدان الانقطاع، متأخر عنه في بعض خلال غير هذا. ذكي الذهن، مليح الكتابة، سهلها، جيد العبارة [متأتي اليراع]، مطلق اليد، حسن الخط، سريع بديهة المنثور، معمٌّ، مخول في التخصص والعدالة. كتب الشروط بين يدي أبيه، ونسخ كثيراً من أمهات الفقه، واستظهر كتباً، من ذلك المقامات الحريرية. وكتب بالدار السلطانية، واختص بالمراجعة عمن بها، والمفاتحة أيام حركات السلطان عنها إلى غيرها. حميد السيرة، حسن الوساطة، نجدي الجاه، مشكور التصرف، خفيف الوطأة. وولي الخطابة العلية. مع الاستمساك بالكتابة. ولم يؤثر عنه الشعر، ولا عول عليه.
محمد بن محمد بن محمد
ابن قطبة الدوسي؛ يكنى أبا بكر؛ وقد ذكرنا أباه وعمه؛
ويأتي ذكر جده.
حاله
نبيل المقاصد في الفن الأدبي، مشغول به، مفتوح من الله عليه فيه [شاعر مطبوع مكثر] انقاد له مركب النظم، في سن المراهقة، واشتهر بالإجادة، وأنشد السلطان، وأخذ الصلة، وارتسم لهذا العهد في الكتابة. وشرع في تأليف يشتمل على أدباء عصره.
شعره
ومما خاطب به أحد أصحابه:
إذا شمت من نحو الحمى في الدجا برقا
أبى الدمع إلا أن يسيل ولا يرقى
ومهما تذكرت الزمان الذي مضى
تقطعت الأحشاء من حر ما ألقى
خليليّ لا تجزع لمحل فأدمعي
تبادر سقياً في الهوى لمن استسقى
وما ضر من أصبحت ملك يمينه
إذا رق لي يوما وقد حازني رقا
فنيت به عشقا وإن قال حاسد
أضل الورى من مات في هاجر شقا
تلهب قلبي من تلهب خدّه
فيا نعم ذاك الخد فاض بأن أشقى
ومنها:
وكم من صديق كنت أحسب أنه
إذا كذبت أوهامنا رفع الصدقا
[محمد بن محمد
ابن محمد بن أحمد بن قطبة الدوسي ابن عم المذكورين قبله؛ يكنى أبا القاسم.
حاله
حسن الصورة، لازم القراءة على شيوخ بلده، ونظم الشعر على الحداثة، وترشح للكتب بالدار السلطانية مع الجماعة، ممن هو في نظمه.
ومن شعره
كتب إليّ بما نصه:
أحسب وحده يوم رأسك ربما
تُعطي السلامة في الصراع سلماً]
محمد بن محمد
ابن محمد بن أحمد بن قطبة الدوسي؛ الفقيه أبي بكر بن القاسم ابن محمد المذكور
حاله
شاب حسن فاضل، دمث، متخلق، جميل الصورة، حسن الشكل، أحمر الوجنتين. حفظ كتباً من المبادي النحوية، وكتب خطاً حسناً، وارتسم في ديوان الجند مثل والده، وهو الآن بحاله الموصوفة.
شعره
قيد أخوه لي من الشعر الذي زعم أنه من نظمه، قوله:
حلفت بمن ذاد عني الكرى
وأسهر جفني ليلاً طويلا
وألبس جسمي ثياب النحول
وعذب بالهجر قلبي العليلا
ما حلت عن وده ساعة
ولا اعتضت منه سواه بديلا
محمد بن محمد
ابن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف ابن جُزَيّ الكلبي؛ من أهل غرناطة وأعيانها، يكنى أبا عبد الله.
أوليته
تنظر في اسم أبيه؛ في ترجمة المقريين والعلماء.
حاله
من أعلام الشهرة على الفتاوة. وانتشار الذكر على الحداثة. تبريزاً في الأدب، واضطلاعاً بمعاناة الشعر، وإتقان الخط، وإيضاحاً للأحاجي والملغزات. نشأ بغرناطة في كنف والده رحمه الله، مقصور التدريب عليه، مشاراً إليه في ثقوب الذهن؛ وسعة الحفظ، ينطوي على نبل لا يظهر أثره [على التفاتة، وإدراك، تغطي شعلته مخيلة غير صادقة، من تغافله. ثم جاش طبعه، وفهق حوضه، وتفجرت ينابيعه، وتوقد إحسانه]. ولما فقد والده، رحمه الله، ارتسم في الكتابة، فبذَّ جلة الشعراء، إكثاراً واقتداراً، ووفور مادة، مجيداً في الأمداح، عجيباً في الأوضاع، صدَّيقاً في النسيب، مطبوعاً في المقطوعات، معتدلا في الكتابة، نشيط البنان، جلداً على العمل، سيال المجاز، جموح عنان الدعابة، غزلا، مؤثرا للفكاهة، انتقل إلى المغرب لشفوف خصله، على ما قد قسم الحظوظ. سبحانه من رزقه بهذه البلاد. فاستقر بباب ملكه. مرعي الجناح، أثير الرتبة. مطلق الجراية، مقرر السهام، معتبا وطنه [راضيا عن جيرته. ديدن من يستند إلى قديم، ويتحيز إلى أصالة].
تواليفه
أخبرني عند لقايه إياي بمدينة فاس في غرض الرسالة، عام خمس وخمسين وسبعماية، أنه شرع في تأليف تاريخ غرناطة، ذاهباً هذا المذهب، الذي انتدبت إليه، ووقفت على أجزاء منه تشهد باضطلاعه، وقيد بخطه من الأجزاء الحديثة والفوايد والأشعار ما يفوت الوصف، ويفوق الحد. وجرى ذكره في التاج؛ بما نصه: ((شمس في البلاغة بازغة، وحجة على بقاء الفطرة الغريزية في هذه البلاد الغربية بالغة، وفريدة وقت أصاب من فيها نادرة أو نابغة، من جذع ابن علي القادح، وجرى من المعرفة كل بارح، لو تعلقت الغوامض بالثريا لنالها، وقال أنا لها. وربما غلبت الغفلة على ظاهره، وتنطفق أكمامها على أزاهره، حتى إذا قدح في الأدب زنده، تقدم المواكب بنده، إلى خط بارع، يعنو طوال الطويل منه [إلى سر وبراعة، كما ترضى المسك والكافور عن طرس وحبر].
شعره
فمن غرامياته وما في معناها قوله:
متى يتلاقى شايق ومشوق
ويصبح عير الحب وهو طليق
أما أنها أمنية عز نيلها
ومرمى لعمري في الرجا سحيق
ولكني خدعت قلبي تعلة
أخاف انصداع القلب فهو رقيق
وقد يرزق الإنسان من بعد يأسه
وروض الربى بعد الذبول يروق
تباعدت لما زادني القرب لوعة
لعل فؤادي من جواه يفيق
ورمت شفاء الداء بالداء مثله
وإني بألا أشتفي لحقيق
وتالله ما للصب في الحب راحة
على كل حال إنه لمشوق
ويا رب قد ضاقت علي مسالكي
فها أنا في بحر الغرام غريق
ولا سلوة ترجى ولا صبر ممكن
وليس إلى وصل الحبيب طريق
ولا الحب عن تعذيب قلبي ينثني
ولا القلب للتعذيب منه يطيق
شجون يضيق الصدر عن زفراتها
وشوق نطاق الصبر عنه يضيق
نثرت عقود الدمع ثم نظمتها
[قريضاً فذا در وذاك عقيق]
بكيت أسًىحتى بكى حاسد[ي معي]
كأن عذولي عاد وهو صديق
ولو أن عند الناس بعض محبتي
لما كان يلقى في الأنام مفيق
أيا عين كفى الدمع ما بقي الكرى
إذا منعوك النوم سوف تذوق
ويا نايماً عن ناظري أما ترى
لشمسك من بعد الغروب شروق
رويدك رفقاً بالفؤاد فإنه
عليك وإن عاديته لشفيق
نقضت عهودي ظالما بعد عقدها
ألا إن عهدي كيف كنت وثيق
كتمتك حبي يعلم الله مدة
وبين ضلوعي من هواك حريق
فما زلت بي حتى فُضحت فإن أكن
صبرت بعد اليوم لست أطيق
وقال:
ومورد الوجنات معسول اللَّمَى
فتاك بلحظ العين في عشاقه
الخمر بين لثاته والزهر في
وجناته والسحر في أحداقه
ينادى غصن البان في أثوابه
ويلوح بدر التم في أطواقه
من للهلاك بثغره أو خده
هب أنه يحكيه في إشراقه
ولقد تشبهت الظبا بشبهة
من خلقه وعجزن عن أخلاقه
نادمته وسناً محياً الشمس قد
ألقى على الآفاق فضل رواقه
في روضة ضحكت ثغور أقاحها
وأمال فيها المزن من آماقه
أسقيه كأس سلافة كالمسك في
نفحاته والشهد عند مذاقه
صفراء لم يدر الفتى أكواسها
إلا تداعى همه لفراقه
ولقد تلين الصخر من سطواته
فيعود للمعهود من إشفاقه
وأظل أرشف من سلافة ثغره
خمراً تداوي القلب من إحراقه
ولربما عطفته عندي نشوة
فشفى الخيال بضمه وعناقه
أرجو نداه إذا تبسم ضاحكا
وأخاف منه العتب في إطراقه
أشكو القساوة من هواي وقلبه
والضعف من جلدي ومن ميثاقه
يا هل لعهد قد مضى من عودة
أم لا سبيل بحالة للحاقه
يا ليت شعري لو كانت لذلك حيلة
أو كان يُعطى المرء باستحقاقه
فلقد يروق الغصن بعد ذبوله
ويتم بدر التم بعد محاقه
ومما اشتهر عنه في هذا الغرض:
ذهبت حشاشة قلبي الصدوع
بين السلام ووقفة التوديع
ما أنصف الأحباب يوم وداعهم
صباً يحدث نفسه برجوع
أنْجد بغيثك يا غمام فإنني
لم أرض يوم البين قل دموع
من كان يبكي الظاعنين بأدمع
فأنا الذي أبكيهم بنجيع
إيه وبين الصدر مني والحشا
شجن طويت على شجاه ضلوع
هات الحديث عن الذين تحملوا
واقدح بزند الذكر نار ولوع
عندي شجون في التي جنت النوى
أشكو الغداة وهن في توديع
من وصلي الموقوف أو من سُهْدي ال
موصول أو من نومي المقطوع
ليت الذي بيني وبين صبابتي
بعد الذي بيني وبين هجوع
يا قلب لا تجزع لما فعل النوى
فالحر ليس لحادث بجزوع
أبعد ما غودرت في أشراكه
تبغي النزوع ولات حين نزوع
ومهفهف مهما هبت ريح الصبا
أبدت له عطفاه عطف مطيع
جمع المحاسن وهو منفرد بها
فاعجب لحسن مفرد مجموع
والشمس لولا إذنه ما آذنت
خجلا وإجلالاً له مطلوع
ما زلت أسقي خده من أدمعي
حتى تفتح عن رياض ربيع
إن كان يرنو عن نواظر شادن
فلرب ضرغام بهن صريع
عجباً لذاك الشَّعر زاد بفرقه
حسنا كحسن الشِّعر بالتصريع
منع الكرى ظلما وقد منع الضنا
فشقيت بالممنوح والممنوع
جردت ثوب العز عني طائعاً
[أتراه يعطفه علي خضوع]
لم أنتفع لبسا من الملبوس في
حبي ولا بعذاري المخلوع
بجماله استشفعت في إجماله
ليحوز أجر منعم وشفيع
يا خادعي عن سلوتي وتصبري
لولا الهوى ما كنت بالمخدوع
أوسعتني بعد الوصال تفرقا
وأثبتني سوءاً لحسن صنيع
أسرعت فيما ترتضي فجزيتني
بطويل هجران إلي سريع
أشرعت رمحا من قوامك دايلاً
فمنعت من ماء الرُّضاب شروعي
خذ من حديث تولعي وتولهي
خبراً صحيحاً ليس بالمصنوع
يرويه خدي مسندا عن أدمعي
عن مقلتي عن قلبي المصدوع
كم من ليال في هواك قطعتها
وأنا لذكراهن في تقطيع
لا والذي طبع الكرام على الهوى
وبرّ سوا أن الهوى المطبوع
ما غيرتني الحادثات ولم أكن
بمذيع سر للعهود مضيع
لا خير في الدنيا وساكنها معا
إن كان قلبي منك غير جميع
وقال في غير ذلك [في غرض] يظهر من الأبيات:
وقالوا عداك البخت والحزم عندما
غدوت غريب الدار منزلك الفنت
ألم يعلموا أن اغترابي حرامة
وأن ارتحالي عن دارهم هو البَخْت
نعم لست أرضى عن زماني أو أرى
تهادي السفن المواخر والبُخْت
لقد سيمت نفسي المقام ببلدة
بها العيشة النكراء والمكسب السحت
يُذَلُّ بها الحرُّ الشريف لعبده
ويجفوه بين السمت من سنة ست
إذا اصطافها المرء اشتكى من سمومها
أذى ويرى فيه أداً يبت
ولست كقوم في تعصبهم عتوا
يقولون بغداد لغرناطة أخت
رغبت بنفسي أن أساكن معشراً
مقالهم زور وودهم مقت
يدسُّون في لين الكلام دواهياً
هي السم بالآل المشود لها لت
فلا درَّ دُرُّ القوم إلا عصيبة
إليَّ بإخلاص المودة قد متوا
وآثرت أقواماً حمدت جوارهم
مقالهم صدق وودهم بحت
لهم عن عيان الفاحشات إذا بدت
تَعامٍ وعن ما ليس يعينهم صمت
فما ألفوا لهوا ولا عرفوا خنًى
ولا علموا أن الكروم لها بنت
به كل مرتاح إلى الضيف والوغى
إذا ما أتاه منهما النبأ البغت
وأشعث ذي طمرين أغناه زهده
فلم يتشوف للذي ضمه التخت
صبور على الإيذاء بغيض على العدا
معين على ما يتقي جاشه الشَّت
ولي صاحب مثلي يمان جعلته
جليسي نهاراً أو ضجيعي إذا بت
وأجرد جرار الأعنة فارح
كميت وخير الخيل قداحها الكمت
تسامت به الأعراق في آل أعوج
ولا عوج في الخلق منه ولا أمت
وحسبي لعضات النوائب منجدا
عليها الكميت الهند والصارم الصلت
قطعت زماني خبرة وبلوته
فبالغدر والتخفيف عندي له نعت
ومارست أبناء الزمان مباحثا
فأصبح حَبْلي منهم وهو منبت
وذي صلف يمشي الهوينا ترفقا
على نفسه كيلا يزايلها السمت
إذا غبت فهو المَرْوة القوم عندهم
له الصدر من ناديهم وله الدست
وإن ضمني يوما وإياه مشهد
هو المعجم السُّكَيت والعمّة الشَّخْت
فحسبي عُداتي أن طويت مآربي
على عزمهم حتى صفا لهم الوقت
وقلت لدنياهم إذا شئت فاغربي
وكنت متى أعزم فقلبي هو البت
وأغضيت عن زلاتهم غير عاجز
فماذا الذي يبغونه لهم الكبت
وقال:
لا تعدُ ضيفك إن ذهبت لصاحب
تعتده لكن تخير وانتق
أو ما ترى الأشجار مهما ركبت
إن خولفت أصنافها لم تغلق
ومنه في المقطوعات:
وشادن تيَّمَني حبه
حظي منه الدهر هجرانه
مورد الخدين حلو اللّمىَ
أحمر مضني الطرف وسنانه
لم تنطَوِ الأغصان في الروض بل
ضلت له تسجد أغصانه
يا أيها الظبي الذي قلبه
تضرم في القلب نيرانه
هل عطفة ترجى لصب شبح
ليس يرجى عنك سلوانه
يود أن لو زرته في الكرى
لو متعت بالنوم أجفانه
قد رام أن يكتب ما نابه
والحب لا يمكن كتمانه
فأفضيت أسراره واستوى
إسراره الآن وإعلانه
وقال:
نهار وجه وليل شعر
بينهما الشوق يستثار
قد طلبا بالهوى فؤادي
فأين لي عنهما الفرار
وكيف يبغي النجاة شيء
يطلبه الليل والنهار
وقال في الدوبيت:
زارت ليلا وأطلعت فجرها
صبحاً فجمعت بين صبح وظلام
لما بصرت بالشمس قالت يا فتى
[جمع الإنسان بين] الأختين حرام
وقال في غرض التورية:
أبح لي في رياض المحاسن نظرة
إلى ورد ذاك الخد أروي به الصدى
وبالله لا تبخل علي بعطفة
فإني رأيت الروض يوصف بالندا
وقال:
وعاشق صلى ومحرابه
وجه غزال ظل يهواه
قالوا تعبد فقلت نعم
تعبداً يفهم معناه
وقال وهو مليح جداً:
وصديق شكى بما حملوه
من قضاء يقضي بطول العناء
قلت فاردد ما حملوك عليهم
قال من يستطع رد القضاء
وقال:
لسانان هجيا من خاصماه
لسان الفتى ولسان القضا
[إذا لم تحز واحداً منهما
فلست أرى لك أن تنطقا]
وقال:
تلك الذؤابة ذبت من شوقي لها
واللحظ يحميها بأي سلاح
يا قلب فانجح لا إخالك ناجياً
من فتنة الجعدي والسفاح
[وإحسانه كثير. ويدل بعض الشيء على كله. ويحجر طلّ الغيث على وبْله].
وفاته
اتصل بنا خبر وفاته بفاس مبطوناً؛ في أوايل ثمانية وخمسين وسبعماية. ثم تحققت [أن ذلك] [في آخر شوال من العام قبله].
محمد بن محمد
ابن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى بن محمد بن الحكيم اللخمي؛ يكنى أبا القاسم.
حاله
من كتاب عائد الصلة: فرع دوحة الأصالة والخصوصية، والعلم والدين، والمكانة والجلالة، [مجلي بيته]. ومجدد مآثره [براً، ومجاملة، وخيرية]. نشأ بأطراف جملته من الفنون، من حساب وفريضة وأدب وقراءة ووثيقة، إلى خط حسن، وأدب تكفله، حتى انقاد له أو كاد. أُعْبِط في وقيعة الطاعون قاضياً ببعض الجهات. وكاتباً للدار السلطانية، فكانت فيه الفجيعة عظيمة.
وجرى ذكره في التاج المحلى بما نصه: ((من فروع مجد وجلالة، ورث الفضل لا عن كلالة. أشرف، مجيد، معظم، مخول في العشيرة، وصل لباب المجد بفرايد الخلال الأثيرة، وأصبح طرفاً في الخير والعفاف، واتصف من العدالة بأحسن اتصاف، وسلك من سنن سلفه، أثر هذا، لا يزال يرشده ويدله، ويسدده فيما يعقده أو يحله، واتسم بميسم الحياء، والحياء خير كله، إلى نزاهة لا ترضى بالدون، ونجابة تتهالك في صون الفنون. وطمح في هذا العهد إلى نمط في البلاغة رفيع، وجنح إلى مساجلة ما يستحسنه من مخترع وبديع، وصدرت منه طرف تُسْتملح، وتُسْتحلى إذا استحلى. ونحن نورد ما أمكن من آياته، ونجلي بعض غرره وشياته.
شعره
ومن مقطوعات آياته:
وهبت فهزت عندما رأت به
الطلا مثل الطفل يرضع في المهد
والروض حياه المزن خلعة برقة
وباتت رباه من حباه على وعد
يحدثنا عن [كرمها] ما من [مزنها]
فتبدي ابتسام الزهر في لثمة الخد
عجبنا لما رأينا من برها
بدور حباب الكأس تلعب بالنرد
وقال:
شربنا وزنجيُّ الدياجيّ موقد
مصابيح من زهر النجوم الطوالع
عقاراً رأته حين أقبل حالكاً
فجاءت بمصفر من اللون فاقع
عجبت لها ترتاع منه وإنها
لفي الفرقد قرت لدم المدامع
وقال:
لاح في الدر العقيق فحيا
أم مزاجٌ أدّاه صرف المحيا
من بنات الكروم والروم بكرا
أقبلت ترتدي حياً يهيا
خلتها والحباب يطفو عليها
شفقاً فوقه نجوم الثريا
قهوة كالعروس في الكأس تُجْلى
صاغ من لؤلئها المزج حليا
وقال:
ويوم أنس صقيل الجو ذي نظر
كأنه من وميض البرق قد خلقا
ما زلت فيه لشمس الطست مصطحباً
وبالنجوم وبالأكواس مغتبقا
صفراء كالعسجد المسبوك إن شربت
تبدي احمراراً على الخدين مؤتلقا
[كذلك الشمس في أخرى عشيتها
إذا توارت أثارت بعدها شفقا]
وقال:
بنفسي حبيب صال عامل قده
عليّ ولمّا ينعطف وهو كالغصن
ويا عجباً منه متى صار ذابلا
ونُضْرته تنار عن حوطة اللَّدُن
وأعجب من ذا أن سيف لحاظه
يمزق أفلاذ الحشا وهو في الجفن
وقال:
يأبى وغير أبى غزال نافر
بين الجوانح يغتدي ويروح
قمر تلألأ واستنار حبيبه
غارت به بين الكواكب بوح
لم يرض غير القلب منزلة فهل
يا ليت شعري بالذراع يلوح
ومما نسب لنفسه وأنشدنيه:
ليل الشباب انجاب أول وهلة
عن صبح شيب لست عنه براض
إن سرني يوماً سواد خضابه
فنصوله عن ساق ببياض
هلا اختفى فهو الذي سرق الصبا
والقطع في السرقات [أمر ماض]
فعليه ما استطاع الظهور بلَمَّتي
وعليّ أن ألقاه بالمقراض
وفاته
توفي رحمه الله بغرناطة في السابع عشر شهر ربيع الآخر؛ عام خمسين وسبعمائة، في وقيعة الطاعون، ودفن بباب إلبيرة [رحمة الله عليه].
محمد بن محمد
ابن عبد الله بن محمد بن محمد [بن علي] بن محمد اللوشي اليحصبي؛ يكنى أبا عبد الله، ويعرف باللوشي
أوليته
من لوشة. وقرأ العلم بها، وتعرف بالسلطان الغالب بالله محمد قبل تَصَيُّر الملك له وتقدم عنده. تضمن ذكره الكتاب المسمى ب((طرفة العصر في أخبار بني نصر))، وتقرر ذلك في حرف الحاء في اسم أبي عمر اللّوْشي، كاتب الدولة النصرية رحمه الله.
حاله
من كتاب عايد الصلة. كان رحمه الله من أهل الحسب والأصالة، شاعراً، مداحاً. نشأ مدللاً في حجور الدولة النصرية، خفيفاً على أبوابها، مفضلاً على مداحها. ثم تجنى بآخرة، ولزم طوراً من الخمول في غير تشك، أعرض به عن أرباب الدنيا، وأعرض عنه، واقتصر على تبلغ من علالة مؤمَّل كان له خارج غرناطة غير مساد من ثلمه، ولا مصلح في خلله، أخذ نفسه بالتقشف، وسوء المسكن، والتهاون بالملبس، حملا عليها في غير أبواب الرياضة، مجانباً أرباب الخطط، وفياً لمن لحقته من السلطان موجدة، تختلف معاملته لمن يعرفه في اليوم مرات، من إعراض عنه، وقبول عليه، ولصوق به، كل ذلك عن سلامة، وتهيب نفس. مليح الدعابة، ذاكرا لفنون من الأناشيد، حسن الجد، متجافياً عن الأعراض. وجرى ذكره في التاج بما نصه: شاعر مفلق، وشهاب في أفق البلاغة متألق، طبق مفاصل الكلام بحسام لسانه، وقلد نحور الكلام، ما يزري بجواهر الملوك من إحسانه. ونشأ في حجور الدولة النصرية مدللاً بمتاته، متقلباً من العز في أفانينه وأشتاته، إذ لسلفه الذمام الذي صفت منه الحياض والحمام، والوداد الذي قصرت عنه الأنداد، والسابقة التي أزرى بخبرها العيان، وشهدت بها أرجونة وجيان، محيز ثمرة الطيب. وله همة عالية، بعيدة المرمى، كريمة المنتمى، حملته بآخرة على الانقباض والازدراء، والزهد في الازدياد والاستكثار، والاقتصاد والاقتصار، فعطف على انتجاع غلته، والتزام محلته، ومباشرة فلاحة صان بها وجهه، ووفاه الدهر حقه ونجمه، واحتجبت عقايل بيانه لهذا العهد وتقنعت، وراودتها النفس فتمنعت، وله فكاهة، وأنس الزمان، مناجاة القينات، عند البيات، وأعذب من معاطاة الراح في الأقداح)).
شعره
قال: [وله أدب بلغ في الإجادة الغاية]، ورفع للجبين من السنن الراية ومن مقطوعاته يودع شيخنا الفقيه القاضي أبا البركات بن الحاج:
رأوني وقد أغرقت في عبراتي
وأحرقت في ناري لدى زفراتي
فقالوا سلوه تعلموا كنه حاله
فقلت سلوا عني أبا البركات
فمن قال إني بالرحيل محدث
روت عنه أجفاني غريب ثبات
ونادى فؤادي ركبه فأجابه
ترحل وكن في القوم بعض عدات
ومن مقطوعاته البديعة من قصيدة مجازية:
سيخطب قس العزم في منبر السُّرى
وهل في الدنا يوم المسير أطيق
وأقطع زند الهجر والقطع حقه
فما زال طيب العمر عني يسترق
مولده
في حدود ثمانية وسبعين وستماية.
وفاته
في الموفّى عشرين من شهر ربيع الثاني؛ من عام اثنين وخمسين وسبعماية.
محمد بن محمد
ابن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى بن الحكيم اللخمي؛ يكنى أبا بكر
أوليته
مرت في اسم ذي الوزارتين.
حاله
من كتاب عائد الصلة: كان صدر أبناء أصحاب النعم، وبقية أعلام البيوت، ترف نشأة، وعز تربية، وكرم نفس، وطيب مجالسة، وإمتاع محاضرة، وصحة وفاء، وشياع مشاركة في جملة فاضلة، محدثاً تاريخياً، كاتباً بليغاً، حسن الخط، مليح الدعابة، ظريف التوقيع، متقدم الحيلة في باب التحسين والتنقيح. يقرض الشعر، ويفك المُعَمَّى، ويقوم على جمل الكتاب العزيز. حفظاً وتجويداً. وإتقاناً، ويسرد نتف التاريخ. وعيون الأخبار، إلى حسن الخلق، وكمال الأبهة، وحلاوة البساطة، واحتمال المنابشة. والمثابرة على حفظ المودة، والاستقالة من الهفوة، والتمسك بالاستعتاب والمعذرة. كتب بالدار السلطانية أكثر عمره، وتصدر بعد في قيادة المواضع النبيهة، [محارباً ذا قدرة في ذلك]. ومع ذلك فشايع المعروف، ذايع المشاركة، قيد الكثير. ودون وصنف، وحمل عن الجلة ممن يشق إحصاؤهم، وكان غرة من غرر هذا القطر، وموكبا من مواكب هذا الأفق، لم يتخلف بعده مثله.
وجرى ذكره في التاج المحلى بما نصه: ((ماجد أقام رسم المجد بعد عفايه، فوفى الفضل حق وفايه؛ بيته في رندة، أشهر في الأصالة من بيت امرئ القيس، وأرسَى في بحبوحة الفخر، من قواعد الرضوى وأبي قيس، استولى على الجود البديع البعيد المدا، وحجت إليه من كل فج طلاب الندا، وعشت إلى ضوء ناره، فوجدت على النار التقى والهدى. ولي الوزارة النصرية، التي اعتصر منها طريفاً بتالد، فأحيت مآثرها الخالدة مآثر يحيى بن خالد. ولما أدار عليها الدهر كأس النوايب، وخلص إليها سهمه الصايب بين صحايف الكتب وصفايح الكتايب، تطلعت من خلالها الرايقة لباب الوجود، وبكتها بسيل أجفانها عين الباس والجود، وطلع على أعقاب هذه الفضايل [محلى من صفحاتها]، وأعاد لو ساعده الدهر من لمحاتها، وارتقى من الكتابة إلى المحل النبيه، واستحقها من بعض ميراث أبيه، وبنى وشيد، ودوَّن فيها وقيَّد، وشهر في كتب الحديث وروايته، وجنى ثمرة رحلة أبيه، وهو في حجر ذؤابته. وأنشأ الفهارس، وأحيى الأثر الدارس، وألف كتابه المسمى بالموارد المستعذبة والمقاصد المنتخبة فسرح الطرف، وروضه طيب الجنى والعرف، وله شعر أنيق الحلية، حاز في نمط العلية. وبيني وبين هذا الفاضل وداد صافي الحياض، وفكاهة كقطع الرياض، ودعابة سحبت الدالة أذيالها، وأدارت الثقة والمقة جريالها. وسيمر في هذا الديوان كل رايق المُحيّا، عاطر الريّا)).
مشيخته
قرأ على الأستاذ أبي جعفر الحريري، والأستاذ أبي الحسن القيجاطي، والأستاذ إسحق بن أبي العاصي. وأخذ عن الطّم والرّم، من مشايخ المشرق والمغرب. فمنهم: الولي الصالح فضل بن فضيلة المعافري، إلى العدد الكثير من أهل الأندلس: كالخطباء الصلحاء أبي عبد الله الطنجالي، وأبي جعفر الزيات، وأبي عبد الله بن الكماد، وغيرهم من: الرُّنديين والمالقيين والغرناطيين، حسبما تضمنه برنامجه.
تواليفه
ألف الكتاب المسمى، ((الفوائد المنتخبة والموارد المستعذبة)). وكمل التاريخ المسمى ب((ميزان العمل)) لابن رشيق. ودون كتاباً في عبارة الرؤيا؛ سماه ((بشارة القلوب بما تخبره الرؤيا من الغيوب))، و((الأخبار المذهبة))، و((الإشارة الصوفية، والنكت الأدبية))، و((الهَوْدج في الكتب))، و((الإشارة في ألف إنشاده)).
شعره وكتابته
قال في التاريخ ما نصه: ((وتهادته إلى هذا العهد رتب السيادة، واستعمل في نبيهات القيادة؛ فوجه إلى معقل قرطمة من كورة ريُّه؛ وهو واليه، وبطاحه في مجرى جياده وصحر عواليه. وقد حللت مالقة صحبة الركب السلطاني في بعض التوجهات، إلى تلك الجهات، في بعض ما أتحف [من مقعده]، المتصل المستمر، بهدية مشتملة على ضروب من البر. فخاطبته مقيماً لسوق الانبساط، وغير حايد عن الوداد والاغتباط، على ما عول عليه من حمل الإفراط، والانتظام في هذا المعنى والانخراط:
ألام على أخذ القليل وإنما
أعامل أقواماً أقل من الذَّرِّ
فإن أنا لم آخذه منهم فقدته
ولا بد من شيء يُعين على الدَّهْرِ
سيدي أطلق الله يدك بما تملك، وفتر عن منحك البخل ليلاً تهلك. كنت قد هومت، وحذرني القلق فتلومت. ولومي كما علمت سيئ الخصال، عزيز الوصال. يمطل ديني، ويعاف طيره ورد عيني. فإذا الباب يدق بحجر، فأنبأني عن ضجر، وجار الجنب يؤخذ بالذنب؛ فقمت مبادراً وجزعت؛ وإن كان الجزع مني نادراً؛ واستفهمت من وراء الغَلَق، عن سبب هذا القَلَق؛ فقالت امرأة من سكان البوادي؛ رابطة الفؤاد يا قوم، رسول خير، وناعق طير، وقرع إذلال لا فرع إدلال؛ حطوا شعار الحَرْب والحَرَب، فقد ظفرتم ببلوغ الأرَب، فتأخرت عن الإقدام، وأنهدت إليه، فحَنَّ عمر بن أبي ربيعة عمن كان بالدار من الخدام؛ فأسفرت الوقيعة عن سلام وسلم، ولم يزن أحد منا بكلم. ونظرت إلى رجل قرطبي الطلعة والأخلاق، خاو على الإطلاق. تنهد قبل أن يسلم، وارتمض لما ذهب من الشبيهة وتألم. شنشنة معروفة. وعين تلك الجهات معاذ الله مصروفة. وقد حملته سيادتكم من المبرة ضروباً شتى. وتجاوزت في المسرات غاية حتى ولم تضع عضواً من جسده، فضلاً عن منكبه ويده، إلا علقته وعاء ثقيلا، وناطت به زنبيلا؛ واستلقى كالمنيَّ إذا ترك المعترك؛ وعلت حوله تلك الأثقال، وتعاورها الانتقال [وكثر بالزقاق القيل والقال. فلما تخلصت إلى الدار، وسترت معرفتها بالجدار، وتناولها الاختبار الفاضح، وبان قصورها الواضح، فتلاشت، بعد ما جاشت، ونظرت إلى قعب من اللبن الممزوق الذي لا يستعمل في البيوت، ولا يباع في السوق، فأذكرتني قول الشاعر:
في تلك المكارم لا قعبان من لبن
شِيبَت بماء فعاد بعد أبوالا
أما زُبده فرفع، وأما جُبنه فاقتيت به وانتفع. وأما من بعثه من فضلاء الخدام فدفع، وكأني به قد ألح وصفع، والتفت إلى قفة قد خيطت، وبعنق ذاك البايس قد نيطت، رمس فيها أفراخ الحمائم، وقلدت بجيده كما يتقلد بالتمائم، وشد حبلها بمخنقه، وألزم منها في العاجل طائره في عنقه، هذا بعد ما ذبحت، وأما حشوها فربحت. ولو سلكتم الطريقة المثلى، لحفظتم جثتها من العفن؛ كما تحفظ جثة القتلى، وأظنكم لم تغفلوا هذا الغرض الأدنى، ولا أهملتم هذه الهمم التي غريزة في المبنى. فإني رميت منها اللهو رمي المختبر، فَكَلُحَ من مرارة الصبر، ولما أخرجتها من كفن القفة، واستدعيت لمواراتها أهل الصُّفة، تمثلت تمثل اللبيب بقول أبي تمام حبيب:
هن الحَمام فإن كسرت عِيافَةً
من حائهن فإنهن حِمام
ولو أن إحدى الدجاجتين لاحت عليها مخيلة سر؛ لكانت من بقايا مواطني ديوك بني مُرّ، وبعث بها حلالك حلاله، وأهدى منها اجتهاد من أحسن. ولم يكن بالهدية ما يذكر، ولا كانت مما ينكر، أستغفر الله، فلو لم تكن التحفة، إلا تلك الفكاهة العاطرة والغمامة الماطرة؛ التي أحسبها الأمل الأقصى، وتجاوزت إلا من التي لا تعد ولا تحصى، للزم الشكر ووجب، وبرز من حر المدح ما تيسر واحتجب؛ فالمكارم وإن تغيرت أنسابها، وجهل انتسابها، وادعي إرثها واكتسابها، إليكم تنشر يدها، وتسعى لأقدامها، ولبيتكم تميل بهواديها، وبساحتكم يسيل واديها، وعلى أرضكم تسح غواديها. ومثلي أعزكم الله، لا يُغضي من قدر تحفكم الحافلة، ولا يقدر من شكرها على فريضة ولا نافلة، ولكنها دعابة معتادة، وفكاهة أصدرتها ودادة. ولا شك أنكم بما جبلتم عليه قديماً وحديثاً، تغتفرون جفائي، الذي سيرتموه سمراً وحديثاً، في جنب وفائي، وتغضون وتتحملون، وبقول الشاعر تتمثلون، وأسمع من الألفاظ اللغوية التي يسر بها سمعي، وإن ضمنت شتمي ووصفي:
بعثت بشيء كالجفاء وإنما
بعثت بعذري كالمدل إلى غدر
وقلت لنفسي لا تردعي فإنه
كما قيل شيء قد يعين على الدهر
وما كان قدر الود والمجد مثله
فخذه على قدر الحوادث أو قدري
وإن كنت لم أحسن صنيعي فإنني
سأحسن في حسن القبول له شكري
وقدرك قدر النيل عندي وإنني
لدى قدرك العالي أدق من الذر
قنعت وحظي من زماني وودكم
هباء ومثلي ليس يقنع بالنزر
أتاني كتاب منك باه مبارك
لقيت به الآمال باهتة الثغر
جلا من بنات الفكر بكراً وزفها
إلى ناظري تختال في حبر الحبر
فألفاظها كالزهر والزهر يانع
وقدر المعاني في الأصالة كالزهر
نجوم معان في سماء صحيفة
ولكنها تُسري النجوم ولا تسري
تضمن من نوع الدعابة ما به
رجوت الذي قد قيل في نشوة الخمر
رعى الله مسراها الكريم فجل ما
جلته من البشرى وأبدت من البشر
لعمري لقد أذكرتني دولة الصبا
وأهديت لي نوع الجلال من السحر
ولما أتت تلك الفكاهة غدوة
وجدت نشاطا سائر اليوم في بشري
ولا سيما إن كان ملحم بردها
عميد أولي الألباب نادرة العصر
نشرت بها ما قد طويت بساطه
زماناً وبي طي الأمور مع النشر
ونعم خليل الخير أنت محافظاً
على سنن الإخلاص في السر والجهر
ودونكها تلهو بها وتديرها
سحيرية الأنفاس طيبة النشر]
فراجعني بقوله:
وقد منّ سيدي الجواب، محتوياً على العجب العجاب، فيالك من فكاهة كوثرية المناهل، عنبرية المسايل، ولو لم يكن إلاّ وصف القرطبي المستوي الطلعة، الشرطي الصنعة. وأما وصف اللبن وفراخ الحمام، فقد بسطتم في المزاح القول، وامتنعتم في الكلام الفصل؛ وذلك شيء يعجز عن مساجلتكم فيه أرباب البلاغة والبيان، فكيف بمثلي ممن له القول المهلهل النسيج، الواهي البيان. ولا بد من عرض ذلك على سيدي القطب الكبير الإمام، وأستاذنا علم الأعلام، وكبير أيمة الإسلام؛ فيحكم بيننا بحكم الفصل، وينصف بما لديه من الحق والعدل. وقد كنت أحيد عن مراجعتكم حيدة الجبان، وأميل عن ذلك ميلة الكوَدْن عن مجاراة السُّمْر الهجان؛ وأعدل عن مساجلة أدبكم الهتان؛ عدول الأعزل عن مبارزة جيد السنان؛ إلى أن وثقت بالصفح، وعولت على ما لديكم من الإغضاء والسمح، ووجهت حاملة السر والظروف، كي تتصل الهدايا ولا ينقطع المعروف، وأستقيل من انبساط يجر عذراً. وأسأله سبحانه وتعالى حمداً يوجب المزيد من إنعامه وشكراً. دام سيدي وآماله مساعدة. والكلمة على فضله واحدة.
ومن شعره في النُّسك واللَّجْإ إلى الله تعالى:
أيا من له الحكم في خلقه
ومن بكربي له أشتكي
تول أموري ولا تسلمني
وإن أنت أسلمتني أهلك
تعاليت من مفضل منعم
ونزهت من طالب مدرك
ومن ذلك ونقلته من خطه:
تصبر إذا ما أدركتك ملمة
فصنع إله العالمين عجيب
وما يدرك الإنسان عار بنكبة
ينكب فيها صاحب وحبيب
ففي من مضى للمرء ذي العقل أسوة
وعيش كرام الناس ليس يطيب
ويوشك أن تهمي سحايب نعمة
فيخصب من ربع السرور جديب
إلهك يا هذا مجيب لمن دعا
وكل الذي عند القريب قريب
مولده
عام خمسة وستين وستماية.
وفاته
من عائد الصلة. قال: وختم الله عمره بخير العمل من الإنابة والتهدج، والتزام الورد، وإن كان مستصحب الخيرية. وحل ببلد ولايتهم رندة، فكانت بها تربته؛ في الثالث والعشرين لربيع الآخر عام خمسين وسبعماية.
محمد بن محمد
ابن علي بن العابد الأنصاري؛ ولد المذكور بعد الكاتب
بالدار السلطانية.
حاله
من كتاب طرفة العصر وغيره؛ قال: كان كاتباً مشهوراً، بليغا، ذا معرفة، بارع الخط، أوحد زمانه في ذلك، وقوراً، معذب اللفظ، منحطاً في هوى نفسه، محارفاً بحرفة الأدب على جلالة قدره. وكتابته نقية، جانحة إلى الاختصار.
شعره
وثيق تقل فيه أرواح المعاني، كشعر أبيه، وتوشيحه فائق. تولى كتابة الإنشاء لثاني الملوك النصريين، واستمر قيامه بها على حجر شديد من السلطان وَمَحْمل، لملازمته المعاقرة وانهماكه في البطالة، واستعمال الخمر، حتى زعموا أنه قاء يوماً بين يديه، فأخره عنها، وقدم الوزير أبا عبد الله ابن الحكيم. وفي ذلك يقول:
أمن عادة الإنصاف والعدل أن أجفا
لأن زعموا أني تحسيتها صرفا
وأقام بقية عمره تحت رفد وبر.
وفاته
توفي في حدود التسعين وستماية. وكان شيخنا ابن الجياب [قد آثره] بكتبه. وكانت نفيسة أعلاها بخط أبيه رحمه الله.
محمد بن مالك
المُرَّي الطَّغْنَري؛ من أهل غرناطة، من ذوي البيتية والحسب فيها. ذكره الأستاذ، في الكتاب المسمى بالصلة، والغافقي، وغيرهما.
حاله
أديب نبيل، شاعر، على عهد الأمير عبد الله بن بلقين بن باديس صاحب غرناطة. قال وكان أولاً يميل إلى البطالة والراحة. ثم إنه استيقظ من غفلته، وأقلع عن راحته، وأجب في توبته. وكان من أهل الفضل والخير والعلم.
من تواليفه: كتابه الشهير في الفلاحة، وهو بديع، سماه زهرة البستان، ونزهة الأذهان، عبرة في الظرف. قال، وجرى له مع سَماجة، خليفة عبد الله بن بلقين قصة. إذ فاجأه سماجة مع إخوان له، ولم يشعروا به، فأنشده ابن مالك ارتجالاً، وقد أخذ بلجام دابته:
بينما نحن في المصلى نساق
وجناح العشي فيه جنوح
إذا أتانا سماجة يتلألأ
ردى الشمس من تجليله يوح
فطفقنا يقول بعض لبعض
أغبوق شرابنا أم صبوح
قال: فتكلم الوزير سماجة [باللسان البربري] مع عبيده، فرجعوا مسرعين، ووقف سماجة مع الوزير ابن مالك، إلى أن أتاه عبيده، بوعاء فيه جملة كبيرة من الدراهم، تنيف على الثلاثمائة دينار. فقال ادفعوها إليه، وانصرف. وأتاهم العبيد مع الدراهم، بطعام وشراب. قال: ابن مالك، وذلك أول مالٍ تَأثَّلْتُه.
شعره
ومنه:
صب على قلبي هوى لاعج
ودب في جسمي ضنًى دارج
في شادن أحمر مستأنس
لسان تذكاري به لاهج
قدر نعمان إذا ما مشى
وما عسى يفعله عالج
فقده من رقة مايس
وردفه من ثقله مايج
عنوان ما في ثوبه وجهه
تشابه الداخل والخارج
فلا تقيسوه ببدر الدّجى
ذا معلم الوجه وذا ساذج
وقد نسبها بعض الناس لغيره.
وفاته
قال الأستاذ: كان حيًا سنة ثمانين وأربعمائة، وأمر أن يكتب على قبره:
يا خليلي عرج على قبري تجد
من أكلة الترب بين جنبي ضريح
خافت الصوت إن نطقت ولكن
أي نطق إن اعتبرت فصيح
أبصرت عيني العجايب لكن
لما فرق الموت بين جسمي وروح
محمد بن علي
ابن محمد [بن عبد الله] بن عبد الملك الأوسي؛
المدعو بالعَقْرب؛ من إقليم الآش
حاله
كان حسن النظم والنثر، ذكياً من أهل المعرفة بالعربية والأدب، موصوفاً بجودة القريحة، والنبل والفطنة.
أدبه وشعره
ذكره الملاحي، وقال: حدثني قاضي الأحكام بغرناطة، أبو القاسم الحسن بن قاسم، الهلالي صاحبنا. قال: كان الأستاذ أبو عبد الله العقرب جارنا، قد وقع بينه وبين زوجه، زهرة بنت صاحب الأحكام أبي الحسن علي بن محمد تنازع؛ فرفعته إلى القاضي بغرناطة، أبي عبد الله ابن السماك العاملي، وكنت يومئذ كاتباً له، فرأى القاضي قوته وقدرته على الكلام وضعفها، وإخفاق نظمها، وشفق لحالها. وكان يرى أن النساء ضعاف، وأن الأغلب من الرجال يكون ظالمهن؛ وكان كثيراً ما يقول في مجلسه: رويدك، رفقاً بالقوارير. وحين رأى، [ما صدر عن القاضي من الجمل]، فقلت له وأين حلاوة شعرك، والقاضي أديب، يهتز إليه ويرتاح، فطلب مني قرطاساً، وجلس غير بعيد، ثم كتب على البديهة بما نصه:
لله حي يا أميم حواك
وحمايم فوق الغصون حواك
غنين حتى خلتهن عَنَيْنَنِي
بغنايهن فنحت في مغناك
ذكرتني ما كنت قد أنسيته
بخطوب هذا الدهر من ذكراك
أشكو الزمان إلى الزمان ومن شكى
صرف الزمان إلى الزمان فشاكي
يا ابن السماك المستظل برمحه
والعزل ترهب ذا السلاح الشاكي
راع الجوار فبيننا في جونا
حق السُّرى والسير في الأفلاك
وابسط إلى الخلق المئوب ببسطة
ظرف الكرام بعفة النساك
وأنا ذاكر إن لم يفت من لم يمت
فدارك ثم دارك ثم ذاك
ثم دفعها إلى القاضي، فكتب القاضي بخطه في ظهر الرقعة: لبيك، لبيك. ثم أرسلني أصلح بين العقرب وزوجه، فإن وصل صلحهما إلى خمسين ديناراً، فأنا أؤديها عنه من مالي، فجمعت بينهما، وأصلحت بينهما عن تراض منهما، رحمهما الله تعالى.
محمد بن علي
ابن عبد الله بن علي القيسي العرادي؛ من أهل غرناطة
حاله
كان فتى حسن السمت، ظاهر السكون، بادي التصون والعفة، دمث الأخلاق، قليل الكلام، كثير الحياء، مليح الخط، ظريفه، بادي النجابة. أبوه وجده من تجار سوق العطر، نبهاء السوق. نظم الشعر، فجاء منه بعجب، استرسالا وسهولة، واقتداراً، ونفوذاً في المطولات، فأنِفْتُ له من الإغفال، وجذبته إلى الدار السلطانية، واشتدت براعته، فكاد يستولي على الأمر. لولا أن المنية اخترمته شاباً، فثكل منه الشعر، قريع إجادة، وبارع ثُنَيَّة شهرة، لو انفسح له الأمد.
مولده
في ذي الحجة؛ عام أحد وثلاثين وسبعمائة.
وفاته
توفي مبطوناً على أيام قريبة من إسراعه بغرناطة، عن سن قريبة من العشرين، في عام خمسة وخمسين وسبعمائة، وأبوه أمين العطارين.
محمد بن علي
ابن العابد الأنصاري؛ يكنى أبا عبد الله، أصله من مدينة فاس.
حاله
من خط القاضي أبي جعفر بن مسعدة: علم كتّاب دار الإمارة النصرية الغالبية، الذي بنوره يستصبحون؛ وسراجهم الذي بإشراقه وبهجته، ونهج محدته يهتدون. رفع لواء الحمد، وارتدى بالفهم والعلم والحلم. كان رحمه الله إماماً في الكتابة، والأدب، واللغة، والإعراب، والتاريخ والفرايض والحساب، والبرهان عليه [عارفاً بالسجلات والتوثيق] أربى على الموثقين من الفحول، المبرزين في حفظ الشعر ونظمه، ونسبته إلى قائله حافظاً مبرزاً. درس الحديث، وحفظ الأحكام لعبد الحق الإشبيلي، ونسخ الدواوين الكبار، وضبط كتب اللغة. وقيد على كتب الحديث، واختصر التفسير للزمخشري، وأزال عنه الاعتزال، لم يفتر قط من قراءة أو درس أو نسخ أو مطالعة، ليله ونهاره. لم يكن في وقته مثله.
مشيخته
أخذ بفاس عن أبي العباس أحمد بن قاسم بن البقال الأصولي، وأبي عبد الله بن البيوت المقري، وعن الزاهد أبي الحسن بن أبي الموالي، وغيرهم.
شعره
ومنه قوله:
طرقت تتيه على الصباح الأبلج
حسناء تختال اختيال تبرج
في ليلة قد ألبست بظلامها
[فضفاض برد بالنجوم مدبج]
وشعره مدون كثير.
وفاته
توفي بحضرة غرناطة؛ عام اثنين وستين وسبعمائة؛ [في ذي القعدة منه].
محمد بن هاني
ابن محمد بن سعدون الأزدي الإلبيري الغرناطي؛ من أهل قرية سكون؛ يكنى أبا القاسم، ويعرف بالأندلسي، وكأنها تفرقة
بينه وبين الحكمي أبي نواس.
أوليته
قال غير واحد من المؤرخين: هو من ذرية يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، وقيل من ولد [أخيه] روح بن حاتم.
حاله
كان من فحول الشعراء، وأمثال النظم، وبرهان البلاغة، لا يدرك شأوه، ولا يشق غباره، مع المشاركة في العلوم، والنفوذ في فك المعمَّى. خرج من الأندلس ابن سبع وعشرين سنة، فلقي جوهراً [المعروف بالكاتب مولى المعز بن المنصور العبيدي صاحب المغرب]؛ وامتدحه، وكان لئيماً، فأعطاه مائتي درهم، فوجد لذلك، وقال: أها هنا كريم يقصد؟ فقيل بلى، جعفر بن يحيى بن علي ابن فلاح بن أبي مروان، وأبو علي بن حمدون، فامتدحهما، ثم اختص بجعفر بن يحيى وأبي علي، فبالغا في إكرامه، وأفاضا عليه من [النعم و]الإحسان ما لم يمر بباله، وسارت أشعاره فيهما، حتى أنشدت للمعز العبيدي، فوجهه جعفر بن علي إليه في جملة طرف وتحف بعث بها إليه، كان أبو القاسم أفضلها عنده، فامتدح [المعز لدين الله]، وبلغ المعز من إكرامه الغاية. ثم عاد إلى إفريقية، ثم توجه إلى مصر، فتوفي ببرقة.
وجرى ذكره في تخليص الذهب من تأليفنا بما نصه: ((العقاب الكاسرة، والصمصامة الباترة، والشوارد التي تهادتها الآفاق، والغايات التي أعجز عنها السباق)).
وصمته
وذكره ابن شرف في مقاماته، قال: وأما ابن هاني محمد، فهو نجدي الكلام، سردي النظام، إلا أنه إذا ظهرت معانيه، في جزالة مبانيه، رمى عن منجنيق لا يؤثر في النفيق. وله غزل معري، لا عذري، لا يقنع بالطيف، ولا يصفع بغير السيف [وقد قده به الذات، وعظم شأنه فاحتمل الثواب]، وكان يقف دولته في أعلى أعلى منزلته ناهيك من رجل يستعين على صلاح دنياه، دنياه، بفساد أخراه، لرداءة دينه، وضعف يقينه. ولو عقل ما ضاقت عليه معاني الشعر، حتى يستعين عليه بالكفر.
شعره
كان أول ما مدح به جعفر بن علي قوله:
أحْبِبْ بتياك القباب قبابا
لا بالحداة ولا الركاب ركابا
فيها قلوب العاشقين تخالها
عَنَماً بأيدي البيض والعنابا
وقال يمدح جعفر بن علي من القصيدة الشهيرة:
أليتنا إذ أرسلت وارداً وجفا
وبانت لنا الجوزاء في أذنها شنفا
شنفا
وبات لنا ساق يقوم على الدجى
بشمعة صبح لا تُقَطُّ ولا تعطفا
أغَنُّ غَضيضٌ جفَّف اللين قده
وأثقلت الصهباء أجفانه الوطفا
ولم يبق إرعاش المدام له يداً
ولم يبق إعنات التثني له عِطْفا
نزيف قضاه السكر إلا ارتجاجة
إذا كَلَّ عنها الخصر حملها الردفا
يقولون حقف فوقيخيزرانة
أما يعرفون الخيزرانة والحقفا
جعلنا حشايانا ثياب مدامنا
وقدت لنا الظلماء من جلدها لحفا
فمن كبد تدني إلى كبد هوى
ومن شفة توحي إلى شفة رشفا
بعيشك نبه كأسه وجفونه
فقد نبه الإبريق من بعد ما أغفا
وقد فكت الظلماء بعض قيودنا
وقد قام جيش الليل للصبح فاصطفّا
وولت نجوم للثريا كأنها
خواتيم تبدو في بنان يد تخفا
ومرّ على آثارها دبرانها
كصاحب رديء كمنت خيله خلفا
وأقبلت الشِّعْرى العَبُورُ مُلِمَّة
بمِرْزَمِها اليَعْبُوب تَجْنًبُه طِرْفا
وقد قبلتها أختها من ورائها
لتخرق من ثُنَيَّا مجرتها سجفا
تخاف زئير الليث قدم نَثْرَةً
وبربر في الظلماء ينسفها نسفا
كأن مُعلى قطبها فارس له
لواءان مركوزان قد كره الزحفا
كأنّ السماكين اللذين تظاهرا
على لُبَّتَيْه ضامنان له الحتفا
فذا رامح يهوي إليه سنانه
وذا أعزل قد عض أنمله لهفا
[كأن قدامى النسر والنسر واقع
قُصِصْنَ فلم تسمُ الخوافي له ضعفا]
كأن أخاه حين دوَّم طايرا
أتى دون نصف البدر فاختطف النصفا
كأن رقيب الليل أجدل مرقب
يقلب تحت الليل في ريشه طرفا
كأن بني نَعْش ونَعْشٍ مَطافل
بوجرة قد أضللن في مَهْمَهِ قشفا
كأنّ سُهاها عاشق بين عُوَّد
فآونة يبدو وآونة يخفا
كأن سهيلا في مطالع أفقه
مفارق إلف لم يجد بعده إلفا
كأن الهزيع الأبنوسي موهنا
سرى بالنسيج الخسرواني ملتفاً
كأن ظلام الليل إذ مال ميلة
صريع مدام بات يشربها صرفا
كأن نجوم الصبح خاقان معشر
من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى
كأن لواء الشمس غرة جعفر
رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا
[وقد جاشت الظلماء بيضاً صوراماً]
ومركوزة سمرا وفضفاضة زعفا
وجاءت عتاق الخيل تردي كأنها
تخط لنا أقلام آذانها صحفا
هنالك تلقى جعفراً خير جعفر
وقد بدلت يمناه من لينها عنفا
فكاينْ تراه في الكريهة عاجلا
عزيمته برقاً وصولته خطفاً
وشعره كثير مدون، ومقامه شهير، وفيما أوردناه كفاية، وهو من إلبيرة الأصيلة.
وفاته
قالوا، لما توجه إلى مصر، شرب ببرقة وسكر ونام عريانا، وكان البرد شديداً فأفلج، وتوفي في سنة إحدى وستين وثلاثمائة؛ وهو [ابن] اثنين وأربعين سنة. ولما بلغت المعز وفاته، تأسف عليه وقال: هذا رجل كنا نطمع أن نفاخر به أهل المشرق.
محمد بن يحيى
ابن محمد بن يحيى بن علي بن إبراهيم [ابن علي] الغساني
البرجي [الغرناطي]؛ يكنى أبا القاسم؛ من أهل غرناطة.
حاله
فاضل، مُجْمَع على فضله، صالح الأبوة، طاهر النشأة، بادي الصيانة والعفة، طرف في الخير والحشمة، صدر في الأدب. جم المشاركة، ثاقب الذهن، جميل العشرة، ممتع المجالسة، حسن الخط والشعر والكتابة، فذ في الانطباع، صنيع اليدين، يحكم على الكثير من الآلات العلمية، ويجيد تفسير الكتاب، رحل إلى العدوة، [وتوسل إلى ملكها]، مجدد الرسم، ومقام الجلة، وعلم دست الشعر والكتابة [أمير المسلمين] أبي أبي عنان فارس، فاشتمل عليه، ونوه به، وملأ بالخير يده، فاقتنى جدة وحظوة وشهرة، وذكراً؛ وانقبض مع مع استرسال الملك، وآثر الراحة، وجهد في التماس الرحلة الحجازية، ونبذ الكل، وسلا الخطة، فأسعفه سلطانه بغرضه، وجعل (حبله على غاربه)، وأصحبه رسالة إلى النبي الكريم من إنشايه، متصلة بقصيدة من نظمه، وكلاهما تُعْلن في الخلفاء بُعْدَ شأوه، ورسوخ قدم علمه، وعراقة البلاغة، في نسب خصله، حسبما تضمنه الكتاب المسمى بمساجلة البيان. ولما هلك وولي ابنه؛ قدمه قاضياً بمدينة ملكه، وضاعف التنويه به، فأجرى الخطة، على سبيل من السداد والنزاهة. ثم لما ولي السلطان أبو سالم عمه، أجراه على الرسم المذكور. وهو الآن بحاله الموصوفة؛ مَفْخر من مفاخر [ذلك الباب السلطاني على تعدُّدِ مفاخره] يحظى بكل اعتبار.
شعره
[ثبت في كتاب نفاضة الجراب من تأليفنا، عند ذكر المدعى الكبير بباب ملك المغرب، ليلة ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر من أنشد ليلتئذ من الشعراء ما نصه: وتلاه الفقيه الكاتب الحاج القاضي، جملة السذاجة، وكرم الخلق، وطيب النفس، وخدن العافية، وابن الصلاح والعبادة، ونشأة القرآن، المتحيز إلى حزب السلامة، المنقبض عن الغُمار، العزوف عن فضول القول والعمل، جامع المحاسن؛ من: عقل رصين، وطلب ممتع، وأدب نقادة، ويد صَناع، أبو القاسم بن أبي زكريا البرجي، فأنشدت له على الرسم المذكور هذه القصيدة الفريدة:
أصغى إلى الوجد لما جد عاتبه
صب له شغل عمن يعاتبه
لم يعط للصبر من بعد الفراق يدا
فضل من ظل إرشاداً يخاطبه
لولا النوى لم يبت حيران مكتئبا
يغالب الوجد كتماً وهو غالبه
يستودع الليل أسرار الغرام وما
تمليه أشجانه فالدمع كاتبه
الله عصر بشرقي الحمى سمحت
بالوصل أوقاته لو عاد ذاهبه
يا جيرة أودعوا إذ ودعوا حرقا
يَصْلى بها من صميم القلب ذائبه
يا هل ترى تجمع الأيام فرقتنا
كعهدنا أو يرد القلب ساكبه
ويا أهيل ودادي والنوى قذف
والقرب قد أبهمت دوني مذاهبه
هل ناقض العهد بعد البعد حافظه
وصادع الشمل يوم الشعب شاعبه
ويا ربوع الحمى لا زلت ناعمة
يبكي عهودك مُضْنى الجسم شاحبه
يا من لقب مع الأهواء منعطف
في كل أوب له شوق يجاذبه
يسمو إلى طلب الباقي بهمَّته
والنفس بالميل للفاني تطالبه
وفتنة المرء بالمألوف معضلة
والأنس بالإلف نحو الإلف جاذبة
أبكي لعهد الصبا والشيب يضحك بي
يا للرجال سبت جدّي ملاعبه
ولن ترى كالهوى أشجاه سالفه
ولا كوعد المنى أحلاه كاذبه
وهمة المرء تغليه وترخصه
من عز نفساً لقد عزت مطالبه
ما هان كسب المعالي أو تناولها
بل هان في ذاك ما يلقاه طالبه
لولا سرى الفلك السامي لما ظهرت
آثاره ولما لاحت كواكبه
في ذمة الله ركب للعلا ركبوا
ظَهْرَ السُّرَى فأجابتهم نجائبه
يرمون عرض الفلا بالسير عن غرض
طي السجل إذا ما جد كاتبه
كأنهم في فؤاد الليل سِرُّ هوى
لولا الضرام لما خفت جوانبه
شدوا على لهب الرمضاء وطأتهم
فغاص في لجة الظلماء راسبه
وكلفوا الليل من طول السرى شططاً
فخلفوه وقد شابت ذوائبه
حتى إذا أبصروا الأعلام ماثلة
يجانب الحرم المحمي جانبه
بحيث يأمن من مولاه خائفه
من ذنبه وينال القصد راغبه
فيها وفي طيبة الغراء لي أمل
يصاحب القلب منه ما يصاحبه
لم أنس لا أنس أياماً بظلهما
سقى ثراه عميم الغيث ساكبه
شوقي إليها وإن شط المزار بها
شوق المقيم وقد سارت حبائبه
إن ردها الدهر يوما بعد ما عبثت
في الشمل منا يداه لا نعاتبه
معاهد شرفت بالمصطفى فلها
من فضله شرف تعلو مراتبه
محمد المجتبى الهادي الشفيع إلى
رب العباد أمين الوحي عاقبه
أوفى الورى ذمماً أسماهم همماً
أعلاهم كرماً جلت مناقبه
هو المكمل في خلق وفي خلق
زكت حلاه كما طابت مناسبه
عناية قبل بدء الخلق سابقة
من أجلها كان آتيه وذاهبه
جاءت تبشرنا الرسل الكرام به
كالصبح تبدو تباشيراً كواكبه
أخباره سر علم الأولين وسل
بدير تيماء ما أبداه راهبه
تطابق الكون في البشرى بمولده
وطبق الأرض أعلاماً تجاوبه
فالجن تهتف إعلاناً هواتفه
والجن تقذف إحراقاً ثواقبه
ولم تزل عصمة التأييد تكنفه
حتى انجلى الحق وانزاحت شوائبه
سرى وجنح ظلام الليل منسدل
والنجم لا يهتدي في الأفق ساربه
يسمو لكل سماء منه منفرد
عن الأنام وجبرائيل صاحبه
لِمُنْتَهًى وَقَفَ الرُّوح الأمين به
وامتاز قُربًا فلا خَلْقٌ يُقَارِبه
لِقَاب قَوْسَيْن أو أدنى فما علمت
نَفْسٌ بمقدار ما أولاه واهبه
أراه أسرار ما قد كان أودعه
في الْخلْقِ والأَمْرِ باديه وغائبه
وآب والبدرُ في بحر الدُّجى غَرِقٌ
والصبح لمَّا يؤب للشرق آيبُه
فأشرقت بسنَاه الأرضُ واتَّبعت
سُبل النجاة بما أبدت مذاهبه
وأقبل الرُشْد والْتَاحت زواهره
وأدْبَر الغي فانجابت غياهبه
وجاء بالذكر آياتٍ مفصلة
يهدى بها من صِراط الله لاحبهُ
نورٌ من الحِكَم لا تخبو سواطعهُ
بَحْرٌ من العلم لا تفْنى عجائبهُ
له مقام الرِّضا المحمود شاهده
في موقف الْحَشْر إذ نابت نوائبه
والرُّسل تحت لواء الحمد يقدُمُها
محمدٌ أحمد السامي مراتبه
له الشَّفاعات مقبولاً وسائلها
إذا دهى الأمر واشتدت مصاعبه
والحوض يروي الصَّدى من عَذْب مورده
لا يشتكي غُلَّة الظمآن شاربه
محامد المصطفى لا ينتهي أبداً
تَعْدَادُهَا هل يعدُّ القَطْر حاسبه
فضلٌ تكفل بالدَّارين يُوسِعُها
نَعْمى ورَحْمى فلا فضلٌ يناسبه
حسبي التوسُّل منها بالذي سَمَحَتْ
به القوافي وجلتها غرائبه
حيّاه من صلوات الله صَوْبُ حياً
تُحْدِى إلى قبره الزَّاكي نجائبه
وخلَّد اللّه مُلْك المستعين به
مؤيد الأمر منصورًا كتائبهُ
إمام عدل بتقوى اللَّه مشتمل
في الأمر والنهي يُرضِيه يراقبه
مسدَّدُ الحُكْم ميمونٌ نقيبتُه
مُظَفّر العزم صِدْق الرأي صائبه
مشمِّرُ للتّقى أذيال مجتهد
جرَّارُ أذيال سحب الجود ساحبه
قد أوسعت أمل الراجي مكارمه
وأحسبت رغبة العافي رغائبه
وفاز بالأمن محبوراً مسالمه
وباء بالخزي مقهوراً محاربه
كم وافد آمل معهود نائله
أثنى وأثنت بما أولى حقائبه
ومستجير بعز من مثابته
عزت مراميه وانقادت مآربه
وجاءه الدهر يسترضيه معتذراً
مستغفراً من وقوع الذنب تائبه
لولا الخليفة إبراهيم لانبهمت
طرق المعالي ونال الملك غاصبه
سمت لنيل تراث المجد همته
والملك ميراث مجد وهو عاصبه
ينميه للعز والعليا أبو حسن
سمح الخلائق محمود ضرائبه
من آل يعقوب حسب الملك مفتخراً
بباب عزهم السامي تعاقبه
أطواد حلم رسا بالأرض محتده
وزاحت منكب الجوزا مناكبه
تحفها من مرين أبحر زخرت
أمواجها وغمام ثار صائبه
بكل نجم لدى الهيجاء ملتهب
ينقض وسط سماء النقع ثاقبه
أكفهم في دياجيها مطالعه
وفي نحور أعاديهم مغاربه
يا خير من خلصت الله نيته
في الملك أو خطب العلياء خاطبه
جردت والفتنة الشعواء ملبسة
سيفاً من العزم لا تنبو مضاربه
وخضتها غير هياب ولا وكل
وقلما أدرك المطلوب هائبه
صبرت نفساً لعقبي الصبر حامدة
والصبر مذ كان محمود عواقبه
فليهن دين الهدى إذ كنت ناصره
أمن يواليه أو خوف يجانبه
لا زال ملكك والتأييد يخدمه
تقضي بخفض مناويه قواضبه
ودمت في نعم تضفوا ملابسها
في ظل عز علاً تصفو مشاربه
ثم الصلاة على خير البرية ما
سارت إليه بمشتاق ركائبه]
ومن شعره ما قيده لي بخطه صاحب قلم الإنشاء بالحضرة المرينية، الفقيه الرئيس الصدر المتفنن [أبو زيد ابن خلدون]:
صحا القلب عما تعلمين فأقلعا
وعطل من تلك المعاهد أربعا
وأصبح لا يلوي على حد منزل
ولا يتبع الطرف الخلي المودعا
وأضحى من السلوان في حرز معقل
بعيد على الأيام أن يتضعضعا
[يرد الجفان النُّجْل عن شرفاته
وإن لحظت عن كل أجيد أتلعا]
عزيز على داعي الغرام انقياده
وكان إذا ناداه للوجد أهطعا
أهاب به للشيب أنصح واعظ
أصاخ له قلباً منيباً ومسمعا
وسافر في أفق التفكر والحجا
زواهره لا تبرح الدهر طلعا
لعمري لقد انضيت عزمي تطلباً
وقضيت عمري رُقْيَة وتطلعا
وخضت عباب البحر أخضر مزبدا
ودست أديم الأرض أغبر أسفعا
ومن شعره حسبما قيده المذكور:
نهاه النهى بعد طول التجارب
ولاح له منهج الرشد لاحب
وخاطبه دهره ناصحاً
بألسنة الوعظ من كل جانب
فأضحى إلى نصحه واعياً
وألغى حديث الأماني الكواذب
وأصبح لا تستبيه الغواني
ولا تزدريه حظوظ المناصب
وإحسانه كثير في النظم والنثر، والقصار والمطولات. واستعمل في السفارة إلى ملك مصر [وملك] قشتالة، وهو الآن قاضي مدينة فاس، نسيج وحده، في السلامة والتخصيص، واجتناب فضول القول والعمل، كان الله له.
محمد بن يوسف
ابن محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف [بن محمد] الصريحي؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بابن زَمْرك. أصله من شرق الأندلس، وسكن سلفه ربض البيازين من غرناطة، وبه وُلِد ونشأ، وهو من مفاخره.
حاله
هذا الفاضل صدر من صدور طلبة الأندلس وأفراد نجبائها، مختص، مقبول، هش، خلوب، عذب الفكاهة، حلو المجالسة حسن التوقيع، خفيف الروح، عظم الانطباع، شره المذاكرة، فطن بالمعاريض، حاضر الجواب، شعلة من شعل الذكاء، تكاد تحتدم جوانبه، كثير الرقة، فكه، غزل، مع حياء وحشمة، جواد بما في يده، مشارك لإخوانه. نشأ عفاً، طاهراً، كلفا بالقراءة، عظيم الدؤوب، ثاقب الذهن، أصيل الحفظ، ظاهر النبل، بعيد مدى الإدراك، جيد الفهم، فاشتهر فضله، وذاع أرجه، وفشا خبره، واضطلع بكثير من الأغراض، وشارك في جملة من الفنون، وأصبح [متلقف كرة] البحث، وصارخ الحلقة وسابق الحلبة، ومظنة الكمال. ثم ترقى [في] درج المعرفة والاضطلاع، وخاض لجة الحفظ، وركض قلم التقييد والتسويد والتعليق، ونصب نفسه للناس، متكلماً فوق الكرسي [المنصوب] وبين الحفل المجموع، مستظهرا بالفنون التي بعد فيها شأوه، شأوه، من العربية والبيان واللغة، وما يقذف به [في] لج النقل، من الأخبار والتفسير. متشوفاً مع ذلك، إلى السلوك، مصاحباً للصوفية، آخذاً نفسه بارتياض ومجاهدة، [ثم عانى الأدب، فكان أملك به، وأعمل الرحلة في طلب العلم] والازدياد، وترقى إلى الكتابة، عن ولد السلطان أمير المسلمين بالمغرب، أبي سالم إبراهيم ابن أمير المسلمين أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب، ثم عن السلطان، وعرف [في] باب الإجادة. ولما جرت الحادثة على [السلطان] صاحب الأمر بالأندلس، واستقر بالمغرب، أنس به، وانقطع إليه، وكرّ صحبة ركابه، إلى استرجاع حقه، فلطف منه محله، وخصه بكتابة سره. وثابت الحال، ودالت الدولة، وكانت له [الطايلة]، [فأقره] على رسمه، معروف الانقطاع والصاغية، كثير الدالة، مضطلعاً بالخطة، خطاً وإنشاء ولسناً ونقداً، فحسن منابه، واشتهر فضله، وظهرت مشاركته، وحسنت وساطته ووسع الناس تخلقه، وأرضى السلطان حمله، وامتد في ميدان النثر والنظم باعه، فصدر عنه [من المنظوم] في أمداحه، قصائد [بعيدة الشأو] في مدى الإجادة، [حسبما يشهد بذلك، ما تضمنه اسم السلطان أيده الله في أول حرف الميم، في الأغراض المتعددة من القصائد والميلاديات، وغيرها]وهو بحاله الموصوفة [إلى الآن]. أعانه الله تعالى تعالى وسدده.
شيوخه
قرأ العربية على الأستاذ رُحلة الوقت في فنّها أبي عبد الله بن الفخار [ثم] على إمامها القاضي الشريف. الشريف. إمام الفنون اللسانية، أبي القاسم محمد بن أحمد الحسني، والفقه والعربية على الأستاذ المفتي أبي سعيد بن لب، واختص بالفقيه الخطيب الصدر المحدث أبي عبد الله بن مرزوق، فأخذ عنه كثيراً من الرواية، ولقي القاضي الحافظ أبا عبد الله المقري عندما قدم رسولاً إلى الأندلس وذاكره، وقرأ الأصول [الفقهية] على أبي علي علي منصور الزواوي، وروى عن جملة، منهم: القاضي أبو البركات بن الحاج، والمحدث أبو الحسن بن التلمساني، والخطيب أبو عبد الله بن اللوشي، والمقرئ أبو عبد الله ابن بيبش. وقرأ بعض الفنون [العقلية] بمدينة بمدينة فاس على الشريف الرحلة الشهير أبي عبد الله [ العلوي] التلمساني [واختص به اختصاصاً لم يخل فيه من إفادة مران، وحنكة في الصناعة].
شعره
وشعره مترام إلى نمط الإجادة، خفاجيّ النزعة، كلف بالمعاني البديعة، والألفاظ الصقيلة، غزير المادة. فمنه في غرض النسيب:
رضيت بما تقضي علي وتحكمُ
أهُان فأقصى أم أصافي فأكرم
إذا كان قلبي في يديك قياده
فمالي عليك في الهوى أتحكم
على أن روحي في يديك بقاؤه
بوصلك يحيى أو بهجرك يعدم
وأنت إلى المشتاق نار وجنة
ببعدك يشقى أو بقربك ينعم
ولي كبد تندى إذا ما ذكرتم
وقلب بنيران الشوق يتضرم
ولو كان ما بي منك بالبرق ما سرَى
ولا استصحب الأنواء تبكي وتبسم
أراعي نجوم الأفق في الليل ما دَجَى
وأقرب [من عينيّ للنوم] أنجم
وما زلت أخفي الحب عن كل عادل
وتُشفي دموع الصب ما هو يكتم
كساني الهوى ثوب السقام وإنه
متى صح حب المرء لا شيء يسقم
فيا من له العقل الجميل سجية
ومن جود يمناه الحيا يتعلم
وعنه يُرَوي الناس كل غريبة
تخط على صفح الزمان وترسم
إذا أنت لم ترحم خضوعي في الهوى
فمن ذا الذي يحني عليّ ويرحم
وحِلمك حِلم لا يليق بمذنب
فما بال ذنبي عند حِلمك يعظم
ووالله ما في الحي حي ولم ينل
رضاك وعمته أياد وأنعم
ومن قبل ما طوقتني كل نعمة
كأني وإياها سوار ومعصم
وفتحت لي باب القبول مع الرضى
[يغض الحي طرفي كأني مجرم]
ولو كان لي نفس تخونك في الهوى
لفارقتها طوعاً وما كنت أندم
وأترك أهلي في رضاك إلى الأسى
وأسلم نفسي في يديك وأسلم
أما والذي أشقى فؤادي في الهوى
وإن كان في تلك الشقاوة ينعم
لأنت من قلبي ونزهة خاطري
ومورد آمالي وإن كنت أحرم
ومن ذلك ما خاطبني به، وهي من أول نظمه، قصيدة
مطلعها: ((أما وانصداع النور في مطلع الفجر)).
وهي طويلة.
ومن بدائعه التي عقم عن مثلها قياس قيس، واشتهرت بالإحسان اشتهار الزهد بأويس، ولم يحل مجاريه ومباريه إلا بويح وويس، قوله في إعذار الأمير ولد سلطانه المنوه بمكانه، وهي من الكلام الذي عنيت الإجادة بتذهيبه وتهذيبه، وناسب الحسن بين مديحه ونسيبه:
معاذ الهوى أن أصحب القلب ساليا
وأن يشغل اللوام بالعذل باليا
دعاني أعط الحب فضل مقادتي
ويقضي علي والوجد ما كان قاضيا
ودون الذي رام العواذل صبوة
رمت بي في شعب الغرام المراميا
وقلب إذا ما البرق أومض موهناً
قدحت به زنداً من الشوق وارياً
خليليّ إني يوم طارقة النوى
شقيت بمن لو شاء أنعم باليا
وبالخيف يوم النفر يا أم مالكَ
تخلَفْتِ قلبي في حبالك عانيا
وذي أشر عذب الثنايا مخصر
يسقي به ماءُ النعيم الأقاحيا
أحوم عليه ما دجا الليل ساهرا
وأصبح دون الورد ظمآن ضاريا
يضيء ظلام الليل ما بين أضلعي
إذا البارق النجدي وهنا بدا ليا
أجيرتنا بالرمل والرمل منزل
مضى العيش فيه بالشبية حاليا
ولم أر ربعا منه أقضى لبانة
وأشجى حمامات وأحلى مجانيا
سقت طَلّهُ الغر الغوادي ونظمت
من القطر في جيد الغصون لآليا
أبثكم أني على النأي حافظ
ذمام الهوى لو تحفظون ذماميا
أناشدكم والحر أوفى بعهده
ولن يعدم الخير والإحسان جازيا
وورد على السلطان أبي سالم ملك المغرب رحمة الله تعالى عليه وفد الأحابيش بهدية من ملك السودان، ومن جملتها الحيوان الغريب المسمى بالزرافة، فأمر من يعاني الشعر من الكتاب بالنظم في ذلك الغرض؛ فقال؛ وهي من بدائعه:
لولا تألق بارق التذكار
ما صاب واكف دمعي المدرار
لكنه مهما تعرض خافقاً
قدحت يد الأشواق زند أواري
وعلى المشوق إذا تذكر معهدا
أن يغري الأجفان باستعبار
أمذكري غرناطة حلت بها
أيدي السحاب أزرة النوار
كيف التخلص للحديث وبيننا
عرض الفلاة وطافح زخار
وغريبة قطعت إليك على الوَنى
بيداً تبيد بها هموم الساري
تنسيه طيّته التي قد أمها
والركب فيها ميِّت الأخبار
يقتادها من كل مشتمل الدُّجى
وكأنما عيناه جذوة نار
خاضوا بها لجج الفلا فتخلّصت
منها خلوص البدر بعد سرار
سلمت بسعدك من غوائل مثلها
وكفى بسعدك حامياً لذمار
وأتتك يا ملك الزمان غريبة
قيد النواظر نزهة الأبصار
موشية الأعطاف رائقة الحلى
رقمت بدائعها يد الأقدار
راق العيون أديمها فكأنه
روض تفتح عن شقيق بهار
ما بين مبيض وأصفر فاقع
سال اللجين به خلال نضار
يحكي حدائق نرجس فى شاهق
تنساب فيه أراقم الأنهار
وأنشد السلطان في ليلة ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب ما فرغ من البنية الشهيرة ببابه رحمه الله تعالى:
تأمل أطلال الهوى فتألما
وسيما الجوى والسقم منها تعلما
أخو زفرة هاجت له منه ذكرة
فأنجد في شعب الغرام وأتهما
وأنشد السلطان في وجهة للصيد أعملها، وأطلق أعنة الجياد في ميادين ذلك الطراد وأرسلها قوله:
حياك يا دار الهوى من دار
نوء السماك بديمة مدرار
وأعاد وجه رباك طلقاً مشرقاً
متضاحكاً بمباسم النوار
أمذكري دار الصبابة والهوى
حيث الشباب يرف غصن نضار
عاطيتني عنها الحديث كأنما
عاطيتني عنها كؤوس عقار
إيه وإن أذكيت نار صبابتي
وقدحت زند الشوق بالتذكار
يا زاجر الأظعان وهي مشوقة
أشبهتها في زفرة وأوار
حنت إلى نجد وليست دارها
وصبت إلى هندية والقار
شاقت به برق الحمى واعتادها
طيف الكرى بمزارها المزوار
ومن شعره في غير المطولات:
لقد زادني وجداً وأغرى بي الجوى
ذٌبُال بأذيال الظلام قد التفّا
تشير وراء الليل منه [بنانة]
مخضبة والليل قد حجب الكفّا
تلوح سناناً حين لا تنفح الصبا
وتبدو سواراً حين تثني له العطفا
قطعت به ليلا يطارحني الجوى
فآونة يبدو وآونة يخفى
إذا قلت لا يبدو أشال لسانه
وإن قلت [لا يخبو الصبابة إذ لفَّا]
إلى أن أفاق الصبح من غمرة الدُّجى
وأهدى نسيم الروض من طيبه عرفا
لك الله يا مصباح أشبهت مهجتي
وقد شفها من لوعة الحب ما شفَّا
[ومما ثبت له في صدر رسالة:
أزور بقلبي معهد الأنس والهوى
وأنهب من أيدي النسيم رسائلا
ومهما سألت البرق يهفو من الحمى
يبادره دمعي مجيباً وسائلا
فيا ليت شعري والأماني تعلل
أيرعى ليَ الحي الكرام الوسائلا
وهل جيرتي الأولى كما قد عهدتهم
يوالون بالإحسان من جاء سائلا]
ومن أبياته الغراميات:
قيادي قد تملكه الغرام
ووجدي لا يطاق ولا يرام
ودمعي دونه صوب الغوادي
وشجوي فوق ما يشدو الحمام
إذا ما الوجد لم يبرح فؤادي
على الدنيا وساكنها السلام
وفي غرض يظهر من الأبيات:
ومشتمل بالحسن أحوى مهفهف
قضى رجع طرفي من محاسنه الوطرْ
فأبصرت أشباه الرياض محاسناً
وفي خده جرح بدا منه لي أثرْ
فقلت لجلاَّسي خذوا الحذر إنما
به وصب من أسهم الغنج والحورْ
ويا وجنة قد جاورت سيف لحظه
ومن شأنها تُدمي من[اللمح بالبصرْ]
تَخَبَّلَ للعينين جرحاً وإنما
بدا كلف منه على صفحة القمرْ
ومما يرجع إلى باب الفخر، ولعمري لقد صدق في ذلك:
يالايمي في الجود والجود شيمتي
جبلت على آثارها يوم مولدي
ذريني فلو أني أخَلَّدُ بالغنى
لكنت ضنيناً بالذي ملكت يدي
ومن مقطوعاته:
لقد علم الله أني امرؤ
أجرر ثوب العفاف القشيب
فكم غمض الدهر أجفانه
وفازت قداحي بوصل الحبيب
وقيل رقيبك في غفلة
فقلت أخاف الإله الرقيب
وفي مدح كتاب الشفا طلبه الفقيه أبو عبد الله ابن مرزوق عندما شرع في شرحه:
ومسرى ركاب للصبا قد ونت به
نجائب سحب للتراب نزوعها
تسلُّ سيوف البرق أيدي حداتها
فتنهل خوفاً من سُطاها دموعها
ومنها:
ولا مثل تعريف الشفاء حقوقه
فقد بان فيه للعقول جميعها
بمرآة حسن قد جلتها يد النهى
فأوصافه يلتاح فيه بديعها
نجوم اهتداء والمداد يُجِنُّها
وأسرار غيب واليراع تذيعها
لقد حزت فضلا يا أبا الفضل شاملا
فيجزيك عن نصح البرايا شفيعها
والله ممن قد تصدَّى لشرحه
فلبّاه من غرّ المعاني مطيعها
فكم مجمل فصّلت منه وحكمة
إذا كتم الإدماج منه تشيعها
محاسن والإحسان يبدو خلالها
كما افْتَرَّ عن زهر البطاح ربيعها
إذا ما أصول المرء طابتَ أرُومَةً
فلا عجب أن أشبهتها فروعها
بقيت لأعلام الزمان تنيلها
هدى ولأحداث الخطوب تروعها
ومما امتزج فيه نثره ونظمه، وظهر فيه أدبه وعلمه، قوله يخاطبني جواباً عن رسالة خاطبت بها الأولاد، وهم مع مولانا أيده الله بالمنكب:
مالي بحمل الهوى يَدان
من بعد ما أعوز التداني
أصبحت أشكو من زمان
ما بت منه على أمان
ما بال عينيك تسجمان
والدمع يرفض كالجمان
ناداك والإلف عنك وان
والبعد من بعده كوان
يا شقة النفس من هوان
لجج في أبحر الهوان
لم يثن عن هواك ثان
يا بغية القلوب قد كفان
يا جانحة الأصيل، أين يذهب قرصك المذهب، وقد ضاق بالشوق المذهب. أمست شموس [الأنس] محجوبة عن عيني، وقد ضرب البعد الحجاب بينها وبيني. وعلى كل حال؛ من إقامة وارتحال؛ فما محلك من قلبي محلا بينها. وما كنت لأقنع من وجهك تخيلا وشبيهاً. ومن أين انتظمت لك عقول التشبيه واتسقت، ومن بعض المواقع والشمس لو قطعت. صادك منذور، وأنت تتجمل بثوبي زور، وجيب الظلام على دينارك حتى الصباح مزرور، ووراءك من الغروب غريم لا يرحم، ومطالب تتقلب منه في كفه المطالب. ويا برق الغمام من أي حجاب تبتسم، وبأي صبح ترتسم، وأي غفل من السحاب تسم أليست مباسم الثغور لا تنجد بأفقي ولا تغور. هذا وإن كانت مباسمك مساعدة، والجو ملبس لها من الوجوم شعاراً، فلطالما ضحكت فأبكت الغوادي، وعقت الرايح والغادي. أعوذ بواشم البروق، بنواسم الطَّفَل والشروق، ذوات الزايرات المتعددة الطروق، فهي التي قطعت وهاداً ونجاداً، واهتدت بسيف الصباح من السحاب قراباً. ومن البروق نجاداً، واهتدت خبر الذين أحبهم مستظرفاً مستجاداً، فعالها ولعلها؛ والله يصل في أرض الوجود نهلها وعلها، وأن يبل ظعين الشوق بنسيمها البليل، وأن نعوضه من نار الغليل، بنار الخليل، وخير طبيب يداوي الناس وهو عليل. فشكواي إلى الله لا أشكو إلى أحد. هل هو إلا فرد تسطو رياح الأشواق على ذبالته، وعمر الشوق قد شب على الطوق، ووهب الجمع للفرق، ولم يقنع بالمشاهدة بالوصف دون الذوق. وقلب تقسم أحشاؤه الوجد، وقسم باله الغور والنجد، وهموم متى وردت قليب القلب، لم تبرح ولم تعد، فلله الأمر من قبل ومن بعد. أستغفر الله يا سيدي الذي يوقد أفكاري حلو لقائه، وأتنسم أرواح القبول من تلقايه؛ وأسأل الله أن يديم لي آمالي بدوام بقايه. إن بعد مداه، قربت منا يداه، وإن أخطأنا رفده أصبنا نداه. فثمرات آدابه الزهر تجيء إلينا، وسحايب بنانه الغر تصوب دوالينا أو علينا، على شحط هواه، وبعد منتواه. ولا كرسالة سيدي الذي عمت فضايله وخصت، وتلت على أولياء نعمته أنباء الكمال وقصت، وآي قضى كل منها عجباً، ونال من التماح غرتها واجتلاء صفحتها أرباً. فلقد [كرمت عنه] بالاشتراك في بنوته الكريمة نسباً، ووصلت لي بالعناية [منه] سبباً. تولى سيدي خيرك من يتولى خير المحسنين، ويجزل شكر المنعمين. أما ما تحدث به من الأغراض البعيدة العذيبة، وأخبر عنه من المعاني الفريدة العجيبة، والأساليب المطيلة، فيعجز عن وصفه، وإحكام رصفه، القلم واللسان، ويعترف لها بالإبداع المستولي على أمد الإحسان البديع وحسَّان. ولقد أجهدت جياد الإرتجال، في مجال الاستعجال، فما سمحت القريحة إلا بتوقع الآجال، وعادت من الإقدام إلى الكلال. فعلمت أن تلك الرسالة الكريمة، من الحق الواجب على من قرأها وتأملها، أن لا يجري في لجة من ميادينها، ويديم يراع سيدي الإحسان كرينها، لكن على أن يفسح الرياض للقصي مدى، ويقتدي بأخلاق سيدي التي هي نور وهدى. فإنه والله يبقيه، ويقيه مما يتقيه، بعد ما أعاد في شكوى البين وأبدى، وتظلم من بالبعد واستعدى، ورفع حكم العتاب عن ذرات النسيم والاقتعاب، ورعى وسيلة ذكرها في محكم الكتاب. وولَّى فضله ما تولَّى، وصرف هواه إلى هوى المولى أن صور السعادة على رأيه، أيده الله تُجلَّى، وثمرة فكره المقدس، أيده الله تتحلَّى. شكر الله له عن جميع نعمه التي أولى، وحفظ عليه مراتب الكمال التي هو الأحق بها والأولى. وقد طال الكلام، وجمحت الأقلام؛ ولسيدي وبركتي الفضل؛ أبقى الله بركته، وأعلى في الدارين درجته، والسلام الكريم يخصكم، من مملوككم ابن زَمْرك، ورحمة الله وبركاته، في الخامس عشر لجمادى الأولى؛ عام تسعة وستين. وخاطبني كذلك، وهو من الكلام المرسل: أبو معارفي، وولي نعمتي، ومعيد جاهي، ومقوم كمالي، ومورد آمالي، ممن توالى نعمه علي، ويتوفر قسمه لدي؛ وأبوء له بالعجز، عن شكر أياديه. التي أحيت الأمل، وملأت أكف الرغبة، وأنطقت الحدايق؛ فضلا عن اللسان، وأياديه البيض وإن تعددت، ومننه العميمة، وإن تجددت، تقصر عن إقطاع أسمى شرف المجلس في الروض الممطور بيانه. فماذا أقول، فيمن صار مؤثراً إليّ بالتقديم، [جالياً صورة] تشريفي، بالانتساب إليه في أحسن التقويم.... وإني ثالث اثنين أتشرف بخدمتها، وأسحب في أذيال نعمتها:
خليليّ هل أبصرتما أو سمعتما
بأكرم من تمشي إليه عبيد
اللهم أوزعني شكر هذا المنعم، الذي أثقلت نعمه ظهر الشكر، وأنهضت كمال الحمد، اللهم أدم بجميع حياته، وأمتع بدوام بقايه الإسلام والعباد، وأمسك بيمن آرائه رمق ثغر الجهاد. يا أكرم مسئول، وأعز ناصر. تفضل سيدي، والفضل عادته، بالتعريف بما يقر عين التطلع ويقنع غلة التشوف. ولقد كان المماليك لما مثلنا بين يدي مولانا، أيده الله، لم يقدم عملاً عن السؤال [ولا] عن الحال، إقامة لرسم الزيارة، وعملاً بالواجب، فإنني أرى الديار بطرفي، فعلى أن أرى الديار بعيني، وعلى ذلك يكون العمل إن شاء الله. وإن سأل سيدي شكر الله احتفاءه، وأبقى اهتمامه، عن حال المماليك، من تعب السفر، وكدَّ الطريق، فهي بحمد الله دون ما يظن. فقد وصلنا المُنَكَّب تحت الحفظ والكلاءة، محرزين شرف المساوقة، لمواكب المولى، يمن الله وجهته، وكتب عصمته، واستقر جميعنا بمحل القصبة، وتاج أهبتها، ومهب رياح أجرايها، تحت النعم الثرَّة، والأنس الكامل الشامل. قرب الله أمد لقايكم وطلع على ما يسر من تلقايكم. ولما بلغنا هذه الطيّة، وأنخنا المطيّة، قمنا بواجب تعريفكم على الفور بالأدوار، ورفعنا مخاطبة المالك على الابتداء، والسلام.
مولده
في الرابع عشر من شوال؛ ثلاث وثلاثين وسبعمائة.
ومن الطارئين منهم في هذا الباب
محمد بن أحمد
ابن محمد بن أبي خيثمة الجَبَّائي؛ سكن غرناطة؛ يكنى أبا الحسن
حاله
كان مبرزاً في علوم اللسان: نحواً ولغة وأدباً، متقدما في الكتابة والفصاحة؛ جامعاً فنون الفضائل، على غفلة كانت فيه.
مشيخته
روى عن أبي الحسن بن سهل، وأبي بكر ابن سابق، وأبي الحسن بن الباذِش، وأبي علي الغساني، وغيرهم. وصحب أبا الحسن بن سراج صحبة مُواخاة.
تواليفه
صنف في شرح غريب البخاري مصنفاً مفيداً.
توفي
ليلة الثامن والعشرين من جمادى الأولى؛ سنة أربعين وخمسماية.
محمد بن أحمد
ابن عبد الله بن أحمد الإِسْتجَّي الحميري؛
من أهل مالقة؛ وأصله من إسْتِجة؛ انتقل سلفه إلى مالقة، يكنى أبا عبد الله.
حاله
كان من جملة حملة العلم، والغالب عليه الأدب، وكان من أهل الجلالة، [ومن بيت علم ودين]. أقرأ ببلده، وقعد بالجامع الكبير منه، يتكلم على صحيح البخاري، وانتقل في آخر عمره إلى غرناطة.
وقال الأستاذ: كان من أبرع أهل زمانه في الأدب [نظماً ونثراً].
شعره
منقولاً من خط الوزير الراوية أبي محمد عبد المنعم بن سِماك، وقد ذكر أشياخه فقال: الشيخ المتفنن الأديب، البارع، الشاعر المفلق، قرأ على أشياخها، وأقرأ وهو دون العشرين سنة. وكانت بينه وبين الأستاذ المقري الشهير أبي العباس الملقب بالوَزَعي قرابة، وله قصيدة
أولها: ((ما للنسيم لدى الأصيل عليلاً))
ومنها:
حتى النسيم إذا ألم بأرضهم
خلعوا عليه رقة ونحولا
[وكان يقول: كان الأستاذ أبو العباس، يستعيدني هذا البيت، ويقول نعم أنت قريبي، وقدم على غرناطة؛ أظن سنة تسع وثلاثين وستمائة].
محنته
قال الأستاذ: جرى له قصة؛ نُقِل بعض كلامه فيها، على بعض أحاديث الكتاب من جهة استشهاد أدبي عليه فيها؛ غالب أدبه. فأطلق عنان الكلام، [وما أكثر مما يطاق فيما يأنفه، إدراكات] تلك الأفهام. ولكل مقام مقال. ومن الذي يسلم من قيل وقال. وكان ذلك سبب الانقطاع، ولم يؤت من قصر باع، وانتقل إلى غرناطة، فتوفي في أثر انقطاعه وانتقاله.
شعره
من ذلك قوله في غرض يظهر من الأبيات:
قضوا في رُبى نَجْد [ففي القلب مرساه]
وغنّوا إن اْبصرتُمُ ثَمَّ مغناه
أما هذه نجد أما ذلك الحمى
فهل عَمِيَت عيناه أم صُمّت أذناه
دعوه يوفي ذكره باتشامه
ديون هواه قبل أن يتوفاه
ولا تسألوه سلوة فمن العنا
رياضة من قد شاب في الحب فوداه
أيحسب من أصْلَى فؤادي بحبه
أني أسلو عنه حاشاه حاشاه
متى غدر الصب الكريم وفى له
وإن أتلف القلب الحزين تلافاه
وإن حجروا معناه وصرحوا به
فإن معناه أحق بمعناه
ويا سابقاً عيس الغرام سيوفهّ
وكل إذا يخشاه في الحب يخشاه
أرحها فقد ذابت من الوجد والسرى
ولم يبق إلاّ عظمها أو بقاياه
ويا صاحبي عج بي على الخَيْفِ من منَى
وما التعني لي من بأني ألقاه
وعرج على وادي العقيق لعلني
أسايل عمن كان بالأمس مأواه
وقل لليالي قد سلفن بعيشه
وعُمْرٌ على رغم العذول قطعناه
هل العود أرجوه أم العمر ينقضي
فأقضي ولا يُقْضى الذي أتمناه
[ومن شعره أيضاً، قوله، رحمه الله:
سرت من ربى نجد معطرة الرَّيَّا
يموت لها قلبي وآونة يحيا
تمسح أعطاف الأراك بليلة
وتنثر كافوراً على التربة اللَّميا
ومرتد في حجر الرياض مريضة
فتحيي بطيب العرف من لم يكن يحيا
وبشرت بأنفاس الأحبة سحرة
فيسرع دمع العين في إثرها جريا
سقني الله دهراً ذكره بنعيمه
فكم لجفوني عند ذكراه من سقيا
ملني محياه الأنيق وحسنه
ومن خلقي قد كنت لا أحمل النأيا
وبي رشأ من أهل غرناطة غدا
يجود بتعذيبي ويبخل باللقيا
رماني فأصابني بأول نظرة
فيا عجباً من علم الرشأ الرميا
وبدد جسمي نوره وكأنه
أشعة شمس قابلت جسدي ملياً
تصور لي من عالم الحسن خالصاً
فمن عجب أن كان من عالم الدنيا
وهم بأن يرقى إلى الحور جسمه
فثقلته كتباً وحملته حليا
إذا ما انثنى أو لاح أو جاح أو رنا
سبا القُضب والأقمار والمسك والضيا
رعى الله دهراً كان ينشر وصله
برود طواها البين في صدره طيا]
مشيخته
ومما يشتمل على أسماء شيوخه، ويدل على تبحره في الأدب ورسوخه؛ إجازته أبا الوليد إسماعيل بن تبر الأيادي، وعندها يقال، أتى الوادي:
إن لي عند كل نفحة بستا
نِ من الورد أو من الياسمينا
نظرة والتفاتة أتمنى
أن تكوني حللت فيما تلينا
ما هذه الأنوار اللايحة، والنوار الفايحة، إني لأجد ريح الحكمة، ولا مفند، وأرد مورد النعمة ولا مُنكد، أمسك دارين ينهب، أم المندل الرطب في الغرام الملهب، أم نفحت أبواب الجنة ففاح نسيمها، وتوضحت أسباب المنة، فلاح وسيمها:
محياك أم نور الصباح تبسما
ورياك أم نور الأقاح تنسما
فمن شم من ذا نفحة رق شيمة
ومن شام من ذا لمحة راق مبسما
أجل: ﴿ خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ﴾. قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم، (لتفهموا أسرار الحكم وتعوا، وإذا رأيتم رياض الجنة فارتعوا)، يعني مجالس الذكر، ومأنس النظر والفكر، ومطالع المناظرة، ومواضع المحاضرة، فهذه بتلك، وقد انتظمت الجواهر النبيوية في سلك، ولهان حمى للعطارة وطيس، بين مسك المداد، وكافور القراطيس. فيا أيها المعلم الأوحد، والعالم الذي لا تنكر إمامته ولا تجحد، حومت على علم الملوك، ولزمت بحلم طريق الحكم المسلوك، فلم تعد أمل الحكماء، ولم تعد إلا بعمل العلماء، وقد قال حكيمهم الفاضل وعظيمهم [الذي لا مناظر له ولا مفاضل]، إذا خدمت الأمراء، فكن [بين استلطاف واستعطاف]، تجن المعارف والعوارف، دانية القطاف. فتعلمهم وكأنك تتعلم منهم، وترويهم، وكأنك تروي عنهم، فأجريت الباب، وامتريت من العلم اللباب، ثم لم تبعد، فقد فعل النحويون ذلك في يكرم، ويعد، ويعز، ولا غرو أن تقرأ على من هو دونك. وتستجيز الإجازة [عن القوم العظام]، يقصدونك. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أمره الله بأن يقرأ على أبي [بن كعب]، [فهل في حي الخواطر الذكية من حيّ]، فقال فقال له رضي الله عنه، [الله أمرك] أن تقرأ علي، والعناية الربانية، تنادي إليّ إليّ، وإذا قال لي من أحب مولاي، واستعار لزينته حلاي:
فما على الحبيب من اعتراض
وللطبيب تصرف في المراض
قد يرحل المرء لمطلوبه
والسبب المطلوب في الراحل
عجت متواضعاً، فما أبرمت في معاجك، ولا ظلمت في السؤال، نعجته إلى نعاجك، فإنه سر الله، لا يحل فيه الإفشاء، وحكمة الله البالغة، والله: ﴿ يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ﴾، وإن لبست من التواضع شعاراً، ولبست عن الترفع تتبيهاً على السر المكتوم وإشعاراً. فهذه الثريا من العجايب إذا ارتفعت في أعلى صعودها، وأسمى راياتها الخافقة وبنودها. نهاية وجودها الحسي عدم، وغاية وصفها الشَّبهي، أن تشبه بقدم، فإذا همت بالركوع، وشمت في المغرب ريح الوقوع، كان لها من السمو القدح المعلى، وعادت قرطاً تتزين به الآذان وتتحلى:
وفي الشرق كأس وفي مغاربها
قرط وفي وسط السماء قدم
هذه آثار التواضع متلوة السور، مجلوة الصور، وكان بعضهم إذا أعطى الصدقة، يعطيها ويده تحت يد السايل، وهكذا تفهم المسايل. فإنه لما سمع النبوة تقول: (اليد العليا، خير من اليد السفلى)؛ أراد أن يؤثر المقام الأعلى. ولما أعطى أبو بكر، رضي الله عنه. ماله كله، أعطى عمر رضي الله عنه النصف [من المال] لا احتياطًاً على ماله؛ ولكن ليقف لأبي بكر في مقام القصور عن كماله، تفويضاً وتسليماً، وتنبيهاً لمن كان له قلب وتعليما. ورُؤي الدَّارَقُطْني [رحمة الله عليه] يحبس أباه بركابه، فلا ينكر عليه، فقيل له في ذلك، فقال رأيته يبادر إلى فضيلة فكرهت مخالفته:
فوق السماء وفوق الزهر ما طلبوا
وإذا ما أرادوا غاية نزلوا
وإلى هذا وصل الله حفظك، وأجزل من الخيرات حظك، فإنه وصلتني الكراسة المباركة، الدالة على التفنن في العلوم والمشاركة، فبينما أنا أتلو الإجازة، وأريق صدور البيان وإعجازه، ألقي إلي كتاب كريم، إنه من أبي الوليد، وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، فحرت، ووقفت كأنني سحرت، وقلت ساحران تظاهرا معاً، وأحدهما قاتلي، فكيف إذا اجتمعا:
فلو كان رمحاً واحداً لاتقيته
ولكنه رمح وثان وثالث
[ومن لعبت بشيمته المثاني
فأحرى أن تطير به المثالث]
وطار بي الشوق كل مطار، وقرأت سماء فكرتي سورة الانفطار، وكدت أصعد إلى السماء توقداً، واختلط بالهواء توددا:
كانت جواهرنا أوايل قبل ذان
فالآن صارت بالتحول ثوان
وجدت وراء الحسن وهي كثيفة
فوجودهن الآن في الأذهان
ولم يكف أن بهرت بالحسن الخلوب، حتى أمرت أن أنظم على ذاك الأسلوب، وبالحريّ لذلك النثر البديع، الحريري أو البديع، ولذلك النظم العجيب، المتنبي أو حبيب، ولذلك التصوف الرقيق، الحارث بن أسد ذي التحقيق. وأما الحديث، فما لك تقطع تلك المسالك، إلا أن العربية ليس لأحد معه فيها دليل، أستغفر الله إلا للخليل، لكن أصول الدين مجرية، تركت تلك الميادين. هناك الله جمع كل منقبة جليلة، فترى الفضيلة لا ترد فضيلة، فمر الرديف وقد ركب غضنفرا، أو المدعي صفة فضل، (وكل الصيد في جوف الفرا). من يُزحم البحر يغرق، ومن يطعم الشجر يشرق. وهل يبارى التوحيد بعمل، أو يجارى البراق بجمل. ذلك انتهى إلى سدرة المنتهى. وهل انبرى ليلطم خده في الثرى. لا تقاس الملايكة بالحدادين، ولا حكماء يونان بالفدادين. أفي طريق الكواكب يسلك، وعلى الفلك الأثير يستملك. أين الغد من الأمس، وظلمة الغسق من وضح الشمس. ولولا ثقتي بغمام فضلك الصيب لتمثلت لنفسي بقول أبي الطيب:
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق
أراه غباري ثم قال له اْلحق
فإن رضيت أيها العلم، فما لجرح إذا أرضاكم ألم [تر] كيف أجاري أعوج بمغرب أهوج وأجاري ذا العقال بجحش في عقال. ظهر بهذه الظلمة، ذلك الضياء، وبضدها تتبين الأشياء. وما يزكو بياض العاج حتى يضاف إلى سواد الأبنوس. ألفاظ تذوب رقة، وأغراض تملك حب الكريم ورِقّة الزّهر، والزهر بين بنان وبيان، والدر طوع لسان وإحسان:
وقالوا ذاك سحر بأهلي
فقلت وفي مكان الهاء باء
وأما محاسن أبي الوليد، فيقصر عنها أبو تمام وابن الوليد:
معان لبسن ثياب الجمال
وهزت لها الغانيات القدودا
كسون عبيداً ثياب عبيد
وأضحى لبيد لديها بليداً
وكيف أعجب من إجرايك لهذه الجياد، وأياديك من إياد. أورثت هذه البراعة المساعدة، عن قِسَّ بن ساعدة. أجدك أنت الذي وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال، كأني أنظر إليه في سوق عكاظ على جمل أورق، وهو يقول أيها الناس: مطر ونبات، وآباء وأمهات، إلى قوله:
في الذاهبين الأولي
نَ من القرون لنا بصاير
لما رأيت موارد
للموت ليس لها مصادر
أيقنت أني لا محا
لة حيث صار القوم صاير
إيه بغير تمويه. رجع الحديث الأول إلى ما عليه المعول. سألتني أيها السيد الذي يجب إسعافه، أن أرغم أنف القلم حتى يجري رعافه، وأن أكحل جفون الأوراق بمداد الأقلام، وأن أجمع الطروس والأمِدَّة، بين إصباح وإظلام، وأطرز بياض السوسن بخضرة الآس، وأبرز العلم الأبيض تحت راية بني العباس، فقلت مبادراً ممتثلاً، وجلت في ميدان الموافقة متمثلاً:
لبيك لبيك أضعافاً مضاعفة
إني أجبت ولكن داعيَ الكرم
أتى من المجد أمر لا مرد له
أمشي على الرأس فيه لا على القدم
دعاء والله مجاب، ونداء ليس دونه حجاب:
[كتبت ولو أني أستطيع
لإجلال قدرك بين البشرْ
قددت اليراعة من أنملي
وكأن المداد سواد البصرْ]
نعم أجزت سيدي الفقيه الأجل، الخطيب الأكرم، العالم العَلَم، الأوحد الأكمل، الحسيب الأحفل الأطول، أبا الوليد بن الفقيه الأجل، المعظم الموقر، المكرم المبارك الأظهر، المرحوم أبي زكريا يحيى بن سعيد بن قتري الإيادي القرموني، وبنيه السادات، النجباء المباركين، أبا القاسم أحمد، وأبا إسحق إبراهيم، وأبا الحسين بتزيا. ونعمت الأغصان والشجرة، والأقنان والثمرة، أقر الله بهم أعين المجد، ولا زالوا بدورا في مطالع السعد، ولا برحوا في مكارم، يجنون نوارها، ويجتلون أنوارها، وتفيض عليهم [يد] العناية الإلهية، نهرها الكوثري ونهارها، جميع ما رويته، قراءة وسماعاً، وإجازة ومناولة من العلوم على اختلافها، وتباين أصنافها، بأي وجه رويته، وعلى أي وصف تقلدته ودريته. وكذلك أجزتهم جميع ما قلته وأقوله من مسطور ومرسوم، ومنثور ومنظوم، وتصرفت فيه من منقول ومفهوم، وقصايدي المسماة بالروحانيات، ومعشراتي الحبيبات، وما نظمته من الوتريات، وشرحي لشعر أبي الطيب المسمى ب((ظهور الإعجاز بين الصدور والأعجاز))، وكتابي المسمى ((شمس البيان في لمس البنان))، و((الزهرة الفايحة في الزهرة اللايحة))، و((نفح الكمامات في شرح المقامات))، و((اقتراح المتعلمين في اصطلاح المتكلمين))، و((كتاب التصور والتصديق في التوطية لعلم التحقيق))، و((رقم الحلل في نظم الجمل))، و(([مفتاح الإحسان في إصلاح اللسان]))؛ وما أنشأته من السلطانيات نظماً ونثراً، وخطابة وشعراً. والله تعالى يجعل أعمالنا خالصة لوجهه بمنه وكرمه؛ فليقل الفقيه الأجل، وبنوه الأكرمون رضي الله عنهم، [أنبأنا وأخبرنا وحدثنا] أو ما شاءوا من ألفاظ الرواية، بعد تحري الشروط المرعية، في الإجازات الشرعية، وإن ذهبوا حفظ الله كمالهم، وأراهم في الدارين آمالهم، إلى تسمية من لي من المشايخ قدس الله أرواحهم، وزحزح عن النار أشباحهم: فمنهم: الأستاذ الخطيب الكبير، العالم الفاضل الجليل، البقية الصالحة، آخر الأدباء، وخاتمة الفضلاء، أبو جعفر أحمد بن يحيى بن إبراهيم الحميري القرطبي الدار، رضي الله عنه. قرأت عليه بقرطبة، شعر أبي الطيب، قراءة فهم لمعانيه، وإعراب لألفاظه؛ وتحقيق للغته، وتنقير عن بديعه. وكذلك قرأت عليه أكثر شعر أبي تمام. وسمعت عليه كتاب الكامل لأبي العباس [المبرد]، ومقامات التميمي، كان يرويها عن منشيها، وكانت عنده بخط أبي الطاهر. وتفقهت عليه (تبصرة الضمري). وكان على شياخته رحمه الله، ثابت الذهن، مقبل الخاطر، حافظ المُعَيَّا:
يروع ركانة ويذوب ظرفا
فما تدري أشيخ أم غلام
نأتيه بمقاطيع الشعر فيصلحها لنا، ويقف على ما نستحسنه منها، فنجده أثبت منا، ولقد أنشدته يوماً، في فتى مفقود العين اليسرى:
لم تزو إحدى زهرتيه ولا انثنت
عن نورها وبديع ما تحويه
لكنه قد رام يُغلق جفنه
ليصيب بالسهم الذي يرميه
فاستفادهما وحفظهما. ولم يزل رحمه الله، يعيدهما مستحسناً لهما، متى وقع ذكري. وكان يروي عن الأمام المازري بالإجازة، وعن القاضي أبي مروان بن مسرة، وعن الأستاذ عباس، وعن أبي عبد الله بن أبي الخصال. ومنهم الفقيه الأجل [العالم العدل]، المحدث الأكمل، المتفنن، الخطيب، القاضي أبو محمد بن حوط الله، سمعت عليه كتباً كثيرة بمالقة، بقراءة الفقيه الأستاذ أبي العباس بن غالب، ولقيته بقرطبة أيضاً، وهو قاضيها. وحدثني عن جدي، وعن جملة شيوخ. وله برنامج كبير. وأخوه القاضي الفاضل، أبو سليمان أيضاً منهم. ومنهم الفقيه الأجل، العالم العَلَم، الأوحد. النحوي، الأديب المتفنن، أبو علي عمر بن عبد المجيد الأزدي، قرأت عليه القرآن العزيز مفردات، وكتاب الجمل، والإيضاح، وسيبويه تفقهاً، وكذلك الأشعار الستة تفقهاً، وما زلت مواظباً له إلى أن توفي رحمه الله. وكان فريد عصره في الذكاء [والزكا]، ولم يكن في حلبة الأستاذ أبي زيد السهيلي أنجب منه [على كثرتهم]. وقد قال الأستاذ أبو القاسم السهيلي للإمام المنصور رضي الله، هو أقعد لكتاب سيبويه منا. وقال لي يوما، وقد نظر إلى طالب يصغي بكليته إلى ثان، فقلت ماذا؟ فقال إن حب الشيء يعمي ويصم، فقلت له، ويعيد الصبح [ليلاً] مدلهم، فاستحسنه. ومنهم الفقيه الأجل، الأديب الأريب الكامل، اللغوي الشهير، أبو علي بن كسرى الموري، قريبي ومعلمي. وكان من طلبة أبي القاسم السهلي، وممن نبغ صغيراً. وهو الذي أنشد في طفولته السيد أبا إسحق الكبير بإشبيلية:
قسما بحمص وإنه لعظيم
فهي المقام وأنت إبراهيم
وكان بالحضرة الأستاذ أبو القاسم السهيلي، فقام عند إتمامه القصيدة، فقال لمثل هذا كنت أُحْسِيك الحسا، [ولمثل هذا] كنت أواصل في تعليمك الإصباح والإمساء. وقد أنشد هذا لأمير المؤمنين أبي يعقوب رضي رضي الله عنه:
أمعشر أهل الأرض بالطول والعرض
بهذا أنادي في القيامة والعرض
فقد قال الله فيك ما أنت أهله
فيقضى بحكم الله فيك بلا نقض
فإياك يُعنى ذو الجلال بقوله
كذلك مكنا ليوسف في الأرض
ومنهم الفقيه الأجل، العالم المحدث، الحافظ الفاضل المؤثر، السيد أبو محمد القرطبي. قرأت عليه القرآن بالروايات مفردات، وتفقهت في الجمل والأشعار، وأجازني [جميع] ما رواه. وكذلك فعل كل واحد ممن تقدم ذكره. وكان رحمه الله آخر الناس علماً ونزاهة وحسن خلق، وجمال سمت [وأبهة] ووقار، وإتقان وضبط، وجودة وحفظ. ومنهم الفقيه الأجل، الحاج الفاضل، الشهيد في كاينة العقاب، المحدث الورع، الزاهد الطاهر، أبو عبد الله بن حسين بن صاحب الصلاة الأنصاري، وعليه كان ابتدائي للقراءة، وكان مبارك التعليم. حسن التفهيم، شديد التواضع. ومنهم الفقيه الأجل الفاضل الورع، المحدث، الحاج الملهم، المجاب الدعوة، الميمون النقيبة الأواب. أبو الحجاج بن الشيخ. رضي الله عنه. وهذا الكتاب على الإطالة مني. ولكن القرطاس فني، والسلام الأتم عليكم، ورحمة الله وبركاته. قال ذلك، وكتبه، العبد المعترف بذنبه، الراجي رحمة ربه. محمد بن عبد الله الحميري ثم الإستجي، في أواسط شعبان المكرم؛ من عام أحد وأربعين وستمائة.
وفاته
من خط الوزير أبي محمد عبد المنعم بن سِماك. قال، قدم غرناطة أظن سنة تسع وثلاثين وستمائة، وشكى علة البطن؛ مدة ثمانية أشهر؛ بدار أبي رحمه الله، مرضناه الثلاثة الأخوة، إلى أن توفي [رحمه الله]، ودفن بمدفنه، مَغْنَى الأدب، بروضة الفقيه أبي الحسن سهل بن مالك.
محمد بن أحمد
ابن علي الهواري؛ يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن جابر؛ من أهل ألمرية.
حاله
رجل كفيف البصر، مدل على الشعر، عظيم الكفاية والمنة، على زمانته. رحل إلى المشرق، وتظافر برجل من أصحابنا يعرف بأبي جعفر الإلبيري، صارا روحين في جسد، ووقع الشعر منهما بين لَحْيَيْ أسد وشمر للكدية، فكان وظيف الكفيف النظم، ووظيف البصير الكتب، وانقطع الآن خبرهما. وجرى ذكره في الإكليل بما نصه: محسوب، من طلبتها الجلة، ومعدود فيمن طلع بأفقها من الأهلة، رحل إلى المشرق، وقد أصيب ببصره، واستهان في جنب الاستفادة بمشقة سفره، على بيان عذره، ووضوح ضره.
شعره
وشعره كثير، فمنه قوله:
سلوا مَسَرَّ ذاك الخال في صفحة الخد
متى رقموا بالمسك في ناعم الورد
ومن هو غصن القدّ منها لفتنتي
وأودعه رمانتي ذلك النهد
ومزمتي القضب اللدان بوصلها
إلى أن أعزر الحسن من ذلك القد
فتاة تفت القلب مني بمقلة
له رقة الغزلان في سطوة الأسد
تمنيت أن تهدي إلى نهودها
فقالت رأيت البدر يهداه أو يُهْدِ
فقلت وللرمّان بدٌّ من الجنى
فتاهت وقالت باللواحظ لا الأيد
فقلت ليس للقلب عندك حاصل
وقالت قلوب الناس كلهم عندي
وقلت اجعليني من عبيدك في الهوى
فقالت كفاني كم لحسنيَ من عبد
إذا شئت أن أرضاك عبداً فمت هوًى
ولا تشكي واصبر على ألم الصد
ألم تر أن النحل يُحمل ضرها
لأجل الذي تجنيه من خالص الشهد
كذلك بذل النفيس سهل لذي النُّهى
لما يكسب الإنسان من شرف الحمد
ألست ترى أزجاته طالما
أضاع كريم المال في طلب المجد
ومن شعره أيضاً قوله:
عرج على بان العذيب وناد
وأنشد فديتك إن حل فؤادي
وإذا مررت على المنازل بالحمى
فاشرح هنالك لوعتي وسهادي
إيه فديتك يا نسيمة خبري
أرب الأحبة والحمى والوادي
يا سعد قد بان العذيب وبانه
فانزل فديتك قد بدا إسعادي
خذ في البشارة مهجتي يوما إذا
بان العُذَيْب ونور حسنه سعادي
قد صح عيدي يوم أبصر حسنها
وكذا الهلال علامة الأعياد
ومما نقلناه من خبر قيّده لصاحبنا الفقيه الأستاذ أبي علي منصور الزواوي، ومما أدعاه لنفسه:
عليّ لكل ذي كرم ذمام
ولي بمدارك المجد اهتمام
وأحسن ما لدي لقاء حرّ
وصحبته معشر بالمجد هام
وإني حين أنسب من أناس
على قمم النجوم لها مقام
يميل بهم إلى المجد ارتياح
كما مالت بشارتها المرام
هم لبسوا أديم القيل برداً
ليسفر من مرادهم الظلام
هم جعلوا متون العيش أرضا
فمذ عزموا الرحيل فقد أقام
فمن كل البلاد لنا ارتحال
وفي كل البلاد لنا مقام
وحول موارد العلياء منها
لنا مع كل ذي شرف زحام
تصيب سهامنا غرض المعالي
إذا ضلت عن الغوص السهام
وليس لنا من المجد اقتناع
ولو أن النجوم لنا قيام
ننزه عرضنا عن كل لوم
فليس يشين سؤددنا ملام
ونبذل لا نقول العام ماذا
سواء كان خصب أو حطام
إذا ما المحل عم بلاد قوم
أثبناها فجاد بنا الغمام
وإن حضر الكرام ففي يدينا
ملاك أمورهم ولنا الكلام
وفينا المستشار بكل علم
ومنا الليث والبطل الهمام
فميدان الكلام لنا مداه
وميدان الحروب بنا يقام
كلا الأمرين ليس له بقوم
سوانا يوم نازلة تمام
يريق دم المداد بكل طرس
وليس سوى اليراع لنا سهام
ونكتب بالمثقفة العوالي
بحيث الطرس لبات وهام
إذا عبست وجوه الدهر منا
إليها فانثنت ولها انتقام
لقد علمت قلوب الروم أنا
أناس ليس يعوزنا مرام
وليس يضيرنا أنا قليل
لعمر أبيك ما كثر الكرام
إذا ما الراية الحمراء هُزَّت
نعم فهناك للحرب ازدحام
وما أحمرت سدى بل من دماً
ليس على جوانبها انسجام
تظلل من بني نصر ملوكا
حلال النوم عندهم حرام
فكم قطعوا الدجى في وصل مجد
وكم سهروا إذا ما الناس نام
أبا الحجاج لم تأت الليالي
بأكرم منك إن عد الكرام
ولا حملت ظهور الخيل أمضى
وأشجع منه إن هز الحسام
وأني جئت من شرق لغرب
ورُمْت بِيَ الزَّمان كما ترام
وجربت الملوك وكل شخص
تحدث عن مكارمه الأنام
فلم أر مثلكم يا آل نصر
جمال الخلق والخلق العظام
ومنها:
لأندلس بكم شرف وذكر
تود بلوغ أدناه الشآم
سعى صوب الغمام بلاد قوم
هم في كل مجدبة غمام
إليك بها مهذبة المعاني
يرينها ابتسام وانتظام
لها لجناب مجدكم انتظام
طواف وفي أركان إسلام
نجزت وما كادت، وقد وطِي الإيطاء صروحكم، وأعيا الإكثار حارثها وسروجها، الله ولي التجاوز بفضله.
محمد بن أحمد
ابن الحداد الوادي آشي؛ يكنى أبا عبد الله.
حاله
شاعر مفلق، وأديب شهير، مشار إليه في التعاليم، منقطع القرين منها، في الموسيقى، مضطلع بفك المُعمَّى. سكن ألمرية، واشتهر بمدح رؤسائها من بني صُمادح. وقال ابن بسام: كان أبو عبد الله هذا، شمس ظهيرة، وبحر خبر وسيرة، وديوان تعاليم مشهورة، وضح في طريق المعارف، وضوح الصبح المتهلل، وضرب فيها بِقِدحِ ابن مقبل، إلى جلالة مقطع، وأصاله منزع، ترى العلم ينمُّ على أشعاره، ويتبين في منازعه وآثاره.
تواليفه
ديوان شعر كبير معروف. وله في العروض تصنيف، مزج فيه بين الأنحاء الموسيقية، والآراء الجليلة.
بعض أخباره
حدث بعض المؤرخين، مما يدل على ظرفه، أنه فقد سكناً عزيزاً عليه، وأحوجت الحال إلى تكلف سلوة، فلما حضر الندماء؛ وكان قد رصد الخسوف بالقمر، فلما حقق أنه قد ابتدأ، أخذ العود وغنى:
شقيقك غيب في لحده
وتشرق يا بدر من بعده
فهلا خسفت وكان الخسوف
حداداً لبست على فقده
وجعل يرددها، ويخاطب البدر، فلم يتم ذلك، إلا واعترضه الخسوف، وعظم من الحاضرين التعجب. قال: وكان مُني في صباه بصبية من الروم، نصرانية، ذهبت بلبه وهواه، تسمى نويرة، افتضح بها، وكثر نسيبه.
شعره
قال في الغرض المذكور:
حديثك ما أحلى [فزيدي وحدثي]
عن الرشإ الفرد الجمال المثلث
[ولا تسأمي] ذكراه فالذكر مؤنسي
وإن بعث الأشواق من كل مَبْعَثِ
وبالله فارقي خَبْل نفسي بقوله
وفي عقد [وجدي] بالإعادة فأبعث
أحقاً وقد صرحت ما بيَ أنه
تبسم [كاللاهي بنا المتعبث]
وأقسم بالإنجيل أنيَ شابق
وناهيك دمعي من محق محنث
ولا بد من قصي على القس قصتي
عساه مغيث المدنف المتغوث
ولم يأتهم عيسى بدين قساوة
فيقسو على بثِّي ويلهو بمكرث
وقلبي من حَلْي التجلد عاطل
هوى في غزال الواديين المرعَّث
سيصبح سرى كالصبح مشهراً
ويمسي حدثيي عرضه المتحدث
ويغري بذكري بين كأس وروضة
ويشدو بشعري فوق مثنًى ومثلث
ومن شعره في الأمداح الصمادحية:
لعلك بالوادي المقدس شاطئ
وكالعنبر الهندي ما أنت واطئ
وإني في رياك واجد عرف ريحهم
فروح الجوى بين الجوانح ناشئ
ولي في السرى من نارهم ومنارهم
هداة حداة والنجوم طوافئ
لذلك ما حنت ركايبي وحمحمت
عِرابي وأوحى سيرها المتباطئ
فهل هاجها ما هاجني أو لعلها
إلى الوخد من نيران وجدي لواجئ
رويداً فذا وادي لبيني وإنه
لورد لباناتي وإني لظامئ
ميادين تهيامي ومسرح ناظري
فللشوق غايات لها ومبادئ
ولا تحسبوا غيداً حمتها مقاصر
فتلك قلوب ضمنتها جآجئ
ومنها:
محا ملة السلوان مبعث حسنه
فكل إلى دين الصبابة صابئ
فكيف أُرَفّي كلم طرفك في الحشا
وليس لتمزيق المهند رافئ
وماليَ لا أسمو مراداً وهمة
وقد كرمت نفسٌ وطابت ضآضئ
وما أخرتني عن تناه مبادئ
ولا قصّرت بي عن تباه مناشئ
ولكنه الدهر المناقض فعله
فذو الفضل منحط وذو النقص نامئ
كأن زماني إذ رآني جذيله
[يلابسني منه] عدو ممالئ
فداريت إعتابا ودارأت عاتباً
ولم يغنني أني مدار مدارئ
فألقيت أعباء الزمان وأهله
فما أنا إلا بالحقائق عابئ
ولازمت سمت الصمت لا عن مذامة
فلي منطق للسمع والقلب صابئ
ولولا علا الملك ابن معن محمد
لما برحت أصدافهن اللآلئ
لآلئ إلا أن فكري غائص
وعلمي [ذو ماء] ونطقي شاطئ
تجاوز حد الوهم واللخط والمنى
وأعشى الحجا لألاؤه المتلألئ
فتنعكس الأبصار وهي حواسر
وتنقلب الأفكار وهي خواسئ
وقال من أخرى:
أقبلن في الحبرات يقصرن الخطا
ويرين حلل الوارشين القطا
سرب الجوى لا الجو عوّد حسنه
أن يرتعي حب القلوب ويلقطا
مالت معاطفهن من سكر الصبا
ميلا يخيف قدودها أن تسقطا
وبمسقط العلمين أوضح معلم
لمهفهف سكن الحسا والمسقطا
ما أخجل البدر المنير إذا مشى
يختال والخوط النضير إذا خطا
ومنها في المدح:
يا وافدي شرق البلاد وغربها
أكرمتما خيل الوفادة فاربطا
ورأيتما ملك البرية فاهنآ
ووردتما أرض المرية فاحططا
يدمي نحور الدارعين إذا ارتأى
ويذل عز العالمين إذا سطا
وإحسانه كثير. دخل غرناطة، ومن بنات
عملها وطنه رحمه الله.
محمد بن إبراهيم
ابن خيرة؛ يكنى أبا القاسم؛ ويعرف بابن المواعيني؛ حرفة أبيه؛ من أهل قرطبة؛ واستدعاه السيد أبو سعيد الوالي بغرناطة إليه؛ فأقام عنده مدة من عامين في جملة من الفضلاء مثله.
حاله
قال ابن عبد الملك: كان كاتباً بليغاً، شاعراً مجيداً، استكتبه أبو حفص ابن عبد المؤمن، وحظي عنده حظوة عظيمة، لصهر كان بينهما بوجه ما، ونال فيه جاهاً عظيما، وثروة واسعة. وكان حسن الخط، رايقه، سلك فيه في ابتدايه مسلك المتقن أبي بكر بن خيرة.
مشيخته
روى عن أبي بكر بن عبد العزيز، وابن العربي، وأبي الحسن شريح، ويونس بن مغيث، وأبي عبد الله
حفيد مكي، وابن أبي الخصال، وابن بقي.
تواليفه
له تصانيف تاريخية وأدبية منها: ((ريحان الآداب، وريعان الشباب)) لا نظير له. و((الوشاح المفضل)). وكتاب في الأمثال السايرة. وكتاب في الأدب؛ نحا فيه منحى أبي عمر بن عبد البر في ((بهجة المجالس)).
وفاته
توفي بمراكش؛ سنة أربع وستين وخمسمائة.
محمد بن إبراهيم
ابن علي بن باق الأموي؛ مرسي الأصل، غرناطي النشأة، مالقي الإسكان؛ يكنى أبا عبد الله.
حاله
من عايد الصلة: كان رحمه الله، كاتباً أديباً ذكيا، لوذعيا، يجيد الخط، ويرسل النادرة، ويقوم على العمل، ويشارك في الفريضة. وبَذَّ السُّبَّاق في الأدب الهَزْلي المستعمل بالأندلس. عَمر زمانا من عمره، محارفاً للفاقة، يعالج بالأدب الكدية، ثم استقام له الميسم، وأمكنه البخت من امتطاء غاربه، فأنشبت الحظوة فيه أناملها بين كاتب وشاهد ومحاسب ومدير تجر، فأثرى ونما ماله، وعظمت حاله، وعهد عندما شارف الرحيل، بجملة تناهز الألف من العين، لتصرف في وجوه من البر، فتوهم أنها [كانت] زكاة امتسك بها.
وجرى ذكره في التاج بما نصه: مدير أكواس البيان المعتق، ولعوب بأطراف الكلام المشقق، انتحل لأول أمره الهزل من أصنافه، فأبرز در معانيه من أصدافه، وجنى ثمرة الإبداع لحين قطافه. ثم تجاوزه إلى المُعَرَّب وتخطاه، فأدار كأسه المترع وعاطاه، فأصبح لِفَنَّيْهِ جامعاً، وفي فلكيه شهاباً لامعاً، وله ذكاء يطير شرره، وإدراك تتبلج غرره، وذهن يكشف الغوامض، ويسبق البارق الوامض، الوامض، وعلى ذلاقة لسانه، وانفساح أمد إحسانه، فشديد الضنانة يشعره. مُغْلٍ لسعره.
شعره
أخبرني الكاتب أبو عبد الله بن سلمة، أنه خاطبه بشعر أجابه عنه بقوله، في رَوِيَّهِ:
أحرز الخصل من بني سلمه
كاتب تخدم الظبا قلمهْ
يحمل الطِّرس عن أنامله
إثر الطرس كلما رقهْ
ويمد البيان بفكرته
مرسلاً حيث يَمَّمَتْ دِيَمُهْ
خصني متحفاً بخمس إذا
بسم الروض فُقْنَ مبتسمهْ
قلت أُهدي زهر الربا خضلا
فإذا كلُّ زهرةٍ كَلِمَهْ
أقسم الحسن لا يفارقها
فأبر انتقاؤها قسمه
خط أسطارها ونمقها
فأتت كالعقود منتظمه
كاسياً من حلاه لي حللاً
رسمها من بديع ما رسمه
طالباً عند عاطش نهلا
ولديه الغيوث منسجمه
يبتغي الشعر من أخي بله
أخرس العِيّ والقصور فمه
أيها الفاضل الذي حمدت
ألسن المدح والثنا شيمه
لا تكلف أخاك مقترحا
نشر عار لديه قد كتمه
وابق في عزة وفي دعه
صافي العيش وارداً شبمه
ما ثنى الغصن عطفه طرباً
وشدا الطير فوق نغمه
مشيخته
قرأ على الأستاذ أبي جعفر الزبير، والخطيب أبي عثمن بن عيسى.
توفي
بمالقة؛ في اليوم الثامن والعشرين لمحرم؛ عام اثنين وخمسين وستمائة. وأوصى بعد أن حفر قبره، بين شيخيه الخطيبين أبي عبد الله الطنجالي، وأبي عثمن بن عيسى أن يدفن، وأن يكتب على قبره هذه الأبيات:
ترحم على قبر ابن باق وحيه
فمن حق ميت الحي تسليم حيه
وقل آمن الرحمن روعة خائف
لتفريطه في الوجبات وغيه
قد اختار هذا القبر في الأرض راجياً
من الله تخفيفاً بقرب وليه
فقد يشفع الجار الكريم لجاره
ويشمل بالمعروف أهل نديه
وإني بفضل الله أوثق واثق
وحسبي وإن أذنبت حب نبيه
محمد بن إبراهيم
ابن سالم بن فضيلة المعافري؛ من أهل ألمرية؛ يدعى بالبيّو؛ ويكنى أبا عبد الله.
حاله
من الإكليل الزاهر، شيخ أخلاقه لينة، ونفسه كما قيل هينة، ينظم الشعر سهلا مساقه، محكما اتساقه، على فاقة ما لها من إفاقة. أنشد السلطان بظاهر بلده قوله:
سرت ريح نجد من رُبَى أرض بابل
فهاجت إلى مسرى سراها بلابل
وذكرني عرف النسيم الذي سرى
معاهد أحباب سراة أفاضل
فأصبحت مشغوفاً بذكرى منازل
ألفت فوا شوقي لتلك المنازل
فيا ريح هبي بالبطاح وبالربا
ومري على أغصان زهر الخمائل
وسيري بجسمي للتي الروح عندها
فروحي لديها من أجل الوسائل
وقولي لها عني معناك بالهوى
له شوق معمود وعبرة ثاكل
فيا بأبي هيفاء كالغصن تَثَنَّى
بقد يقد كاد ينقد مايل
فتاة براها الله من فتنة فمن
رآها ولم يفتن فليس بعاقل
لها منظر كالشمس في رونق الضحا
ولحظ كحيل ساحر الطرف بابل
بطيب شذاها عطّرت كل عاطر
كما بحلاها زينت كل عاطل
رمتني بسهم من سهام جفونها
فصادف ذاك السهم مني مقاتل
فظلت غريقاً في بحار من الهوى
وما الحب إلا لجة دون ساحل
فيا من سبت عقلي وأفنت تجلدي
صليني فإن البعد لا شك قاتل
فلي كبدٌ شوقي إليك تفطرت
وقلب بنيران الجوى في مشاعل
ولي أدمع تحكي ندا كف يوسف
أمير العلى الأرضي الجميل الفضايل
إذا مد بالجود الأنامل لم تزل
بحور الندى تهمي بتلك الأنامل
ومن شعره قوله من قصيدة:
بهرت كشمس في غلالة عسجد
وكبدر تم في قضيب زبرجد
ثم انثنت كالغصن هزته الصبا
طرباً فتزري بالغصون الميد
حوراء بارعة الجمال غريدة
تزهى فتزري بالقضيب الأملد
إن أدبرت لم تبق عقل مدبر
أو أقبلت قتلت ولكن لا تد
تواليفه
قال شيخنا أبو البركات: ابتلي باختصار كتب الناس؛ فمن ذلك مختصره المسمى ((بالدرر المنظومة الموسومة في اشتقاق حروف الهجا المرسومة))، وكتاب في حكايات تسمى ((روضة الجنان))، وغير ذلك.
وفاته
توفي في أواخر رمضان؛ من عام تسعة وأربعين وسبعماية؛ ودخل غرناطة غير مرة.
محمد بن إدريس
ابن علي بن إبراهيم بن القاسم؛ من أهل جزيرة شقر؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بابن مرج الكحل.
حاله
كان شاعراً مفلقاً غزلا، بارع التوليد، رقيق الغزل. وقال الأستاذ أبو جعفر: كان شاعراً مطبوعاً، حسن الكفاية، ذاكراً للأدب، متصرفاً فيه. قال ابن عبد الملك: وكانت بينه وبين طائفة من أدباء عصره مخاطبات، ظهرت فيها إجادته. وكان مبتذل اللباس، على هيئة أهل البادية. ويقال إنه كان أمياً.
من أخذ عنه
روى عنه أبو جعفر بن عثمان الوراد، وأبو الربيع ابن سالم، وأبو عبد الله بن الأبار، وابن عسكر، وابن أبي البقاء، وأبو محمد بن عبد الرحمن بن برطلة، وأبو الحسن الرعيني.
شعره ودخوله غرناطة
قال في عُشَيَّةٍ بنهر الغُنداق، خارج بلدنا لوشة؛ بنت الحضرة، والمحسوب من دخلها فقد دخل إلبيرة، وقد قيل إن هذا النهر من أحواز برجة، وهذا الخلاف داع إلى ذكره:
عرج بمنعرج الكثيب الأعفر
بين الفرات وبين شط الكوثر
ولنغتبقها قهوة ذهبية
من راحتي أحوى المراشف أحور
وعُشَيَّة قد كنت أرقب وقتها
سمحت بها الأيام بعد تعذر
[نلنا بها آمالنا] في روضة
تهدي لنا بشقها شميم العنبر
والدهر من ندم يسفه رأيه
فيما مضى منه بغير تكدر
والورق تشدو والأراكة تنثني
والشمس ترفل في قميص أصفر
والروض بين [مفضض ومذهب]
والزهر بين مدرهم ومدنر
والنهر مرقوم الأباطح والربى
بمصندل من زهره ومعصفر
وكأنه وكأن خضرة شطه
سيف يسل على بساط أخضر
وكأنما ذاك الحباب فرنده
مهما طفا في صفحة كالجوهر
وكأنه وجهاته محفوفة
بالآس والنعمان خد معذر
نهر يهيم بحسنه من لم يهم
ويجيد فيه الشعر من لم يشعر
ما اصفر وجه الشمس عند غروبها
إلا لفرقة حسن ذاك المنظر
ولا خفاء ببراعة هذا النظم. وقال أيضاً:
أرأت جفونك مثله من منظر
ظلٌ وشمسٌ مثل خدّ معذّرِ
وهذا تتميم عجيب؛ لم يسبق إليه. ثم قال منها:
وقرارة كالعشر بين خميلة
سالت مذانبها بها كالأسطر
فكأنها مشكولة بمصندل
من يانع الأزهار أو بمعصفر
أمل بلغناه بهضب حديقة
قد طرزته يد الغمام الممطر
[فكأنه والزهر تاج فوقه
ملْك تجلى في بساط أخضر]
راق النواظر منه رايق منظر
يصف النضارة عن جنان الكوثر
كم قاد [خاطر خاطر] مستوفز
وكم استفز جماله من مبصر
[لو لاح لي] فيما تقدم لم أقل
(عرج بمنعرج الكثيب الأعفر)
قال أبو الحسن الرعيني، وأنشدني لنفسه:
وعشية كانت قنيصة فتية
ألفوا من الأدب الصريح شيوخا
فكأنما العنقاء قد نصبوا لها
من الانحناء إلى الوقوع فخوخا
شملتهم آدابهم فتجاذبوا
سر السرور محدثاً ومصيخا
والوُرْق تقرأ سيرة الطرب التي
ينسيك منها ناسخاً منسوخا
والنهر قد صفحت به نارنجة
فتيممت من كان فيه منيخا
فتخالهم حلل السماء كواكبا
قد قارنت بسعودها المريخا
خرق العوائد في السرور نهارهم
فجعلت أبياتي لهم تاريخا
ومن أبياته في البديهة:
وعندي من مراشفها حديث
يخبر أن ريقتها مدام
وفي أجفانها السكرى دليل
وما ذقنا ولا زعم الهمام
تعالى الله ما أجرى دموعي
إذا عنت لقلتيَ الخيام
وأشجاني إذا لاحت بروق
وأطربني إذا غنَّتْ حَمام
ومن قصيدة.
[عذيري من الآمال خابت قصودها
ونالت جزيل الحظ منها الأخابث
وقالوا ذكرنا بالغنى فأجبتهم
خمولاً وما ذكر مع البخل ماكث
يهون علينا أن يبيد أثاثنا
وتبقى علينا المكرمات الأثابت
وما ضَرَّ أصلاً طيِّباً عدم الغنى
إذا لم يغيره من الدهر حادث]
وله؛ يتشوق إلى أبي عمرو بن أبي غياث:
أبا عمرو متى تُقْضَى الليالي
بلقياكم وهن قصصن ريشي
أبت نفسي هوى إلا شريشاً
وما بعد الجزيرة من شريش
وله من قصيدة:
طَفَلَ المساء وللنسم تضوع
والأنس ينظم شملنا ويجمع
والزهر يضحك من بكاء غمامة
ريعت لشيم سيوف برق تلمع
والنهر من طرب يصفق موجه
والغصن يرقص والحمامة تسجع
فانعم أبا عمران والْهُ بروضة
حَسُنَ المصيف بها وطاب المربع
يا شادن البان الذي دون النقا
حيث التقى وادي الحمى والأجرع
[الشمس يغرب نورها ولربما
كسفت ونورك كل حين يسطع]
إن غاب نور الشمس بتنا نتقي
بسناك ليلَ تَفَرُّقٍ يتطلع
أفلت فناب سناك عن إشراقها
وَجِلاً من الظلماء ما يتوقع
فأمنت يا موسى الغروب ولم أقل
(فَوَدِدْتُ يا موسى لَوَ أنَّكَ يوشع)
وقال:
ألا بشروا بالصبح مني باكياً
أضر به الليل الطويل مع البكا
ففي الصبح للصب المتيم راحة
إذا الليل أجرى [دمعه] وإذا شكا
ولا عجب أن يمسك الصبح عبرتي
فلم يزل الكافور للدم ممسكا
ومن بديع مقطوعاته قوله:
مثل الرزق الذي تطلبه
مثل الظل الذي يمشي معكْ
أنت لا تدركه متبعا
فإذا وليت عنه أتبعكْ
قال:
دخلتم فأفسدتم قلوباً بملككم
فأنتم على ما جاء في سورة النمل
وبالعدل والإحسان لم تتخلقوا
فأنتم على ما جاء في سورة النحل
وقال أبو بكر محمد بن محمد بن جهور: رأيت لابن مرج الكحل مرجاً أحمر قد أجهد نفسه في خدمته فلم ينجب، فقلت:
يا مرج كحل ومن هذي المروج له
ما كان أحوج هذا المرج للكحل
يا حمرة الأرض من طيب ومن كرم
فلا تكن طمعاً في رزقها العجل
فإن من شأنها إخلاف آملها
فيما تفارقها كيفية الخجل
فقال مجيباً بما نصه:
يا قائلا إذ رأى مرجي وحمرته
ما كان أحوج هذا المرج للكحل
هو احمرار دماء الروم سيلها
بالبيض من مر من آبائيَ الأول
أحببته إن من فتنت به
في حمرة الخد أو إخلافه أملي
وفاته
توفي ببلده يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول؛ سنة أربع وثلاثين وستماية، ودفن في اليوم بعده.
محمد بن محمد
ابن أحمد الأنصاري؛ من أهل مرسية؛ يكنى أبا عبد الله؛
ويعرف بابن الجنّان
حاله
كان محدثاً راوية، ضابطا، كاتباً بليغا، شاعراً بارعا، رايق الخط، دينا فاضلا، خيراً، زكياً. استكتبه بعض أمراء الأندلس، فكان يتبرم من ذلك، ويقلق منه، ثم خلصه الله منه. وكان من أعاجيب الزمان في إفراط القماءة، حتى يظن رائيه إذا استدبره، أنه طفل ابن ثمانية ثمانية أعوام أو نحوها، متناسب الخلقة؛ لطيف الشمايل، وقورا، خرج من بلده، حين تمكن العدو من بيضته عام أربعين وستماية، فاستقر بأوريولة، إلى أن استدعاه إلى سبتة، الرييس بها، أبو علي بن خلاص، خلاص، فوفد عليه، فأجل وفادته، وأجزل إفادته، وحظي عنده حظوة تامة. ثم توجه إلى إفريقية، فاستقر ببجاية. وكانت بينه وبين كتاب عصره مكاتبات، ظهرت فيها براعته.
مشيخته
روى ببلده وغيرها عن أبي بكر عزيز بن خطاب، خطاب، وأبي الحسن بن سهل بن مالك، وابن قطرال، قطرال، وأبي الربيع بن سالم، وأبي عيسى بن أبي السداد، وأبي علي الشُّلوبين، وغيرهم.
من روى عنه
روى عنه صهره أبو القاسم بن نبيل، وأبو الحسن محمد بن رُزَيْق.
شعره
[قال القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك: وكان له في الزهد، ومدح النبي صلى الله عليه وسلم بدايع، ونظم في المواعظ للمذكرين كثيرا]. فمن ذلك قوله في توديع رمضان وليلة القدر:
مضى رمضان وكأن بك قد مضى
وغاب سناه بعد ما كان أومضا
فيا عهده ما كان أكرم معهدا
ويا عصره أعزز علي أن انقضا
ألم بنا كالطيف في الصيف زائرا
فخيم فينا ساعة ثم قوضا
فيا ليت شعري إذ نوى غربة النوى
أبِالسّخط عنا قد تولى أم الرضا
قضى الحق فينا بالفضيلة جاهداً
فأي فتى فينا له الحق قد قضا
وكم من يد بيضاء أسدى لذي تقى
بتوبته فيه الصحايف بيضا
وكم حسن قد زاده حسناً وسنا
محاه وبالإحسان والحسن عوضا
فلله من شهر كريم تعرضت
مكارمه إلا لمن كان أعرضا
نفى بينه وبين شجونك معلما
وفي إثره أرسل جفونك فيضا
وقف بِثُنَيَّات الوداع فإنها
تمحص مشتاقاً إليها وتمحضا
وإن قضيت قبل التفرق وقفة
فمقضيها من ليلة القدر ما قضا
فيا حسنها من ليلة جل قدرها
وحض عليها الهاشمي وحرضا
لعل بقايا الشهر وهي كريمة
تبين سراً للأواخر أغمضا
وقد كان أضفى ورده كي يفيضه
ولكن تلاحى [من تلاحى] فقيضا
وقال اطلبوها تسعدوا بطلابها
فحرك أرباب القلوب وأنهضا
جزى الله عنا أحمداً الجزا
على كرم أضفاه بردا وفضفضا
وصلى عليه من نبي مبارك
رؤوف رحيم للرسالة مرتضا
له عزة أعلى من الشمس منزلا
وعزمته أمضى من السيف منتضا
له الذكر يهمي فض مسك ختامه
تأرج من ريا فضايله الفضا
عليه سلام الله ما انهلَّ ساكب
وذهب موشيّ الرياض وفضضا
ومن ذلك قصيدة في الحج:
[تذاكر الذكر وتهيج اللواعجا
فعالجن أشجاناً يكاثرن عالجا
ركاباً سرت بين العُذَيْت وبارق
نواييج في تلك الشعاب نواعجا
تيمَّمْن من وادي الأراك منازلا
يُطرنها إلا في الأراك سجاسجا
لهن من الأشواق حاد فإن ونت
حداه يرجعن الحنين أهازجا
ألا بأبي تلك الركاب إذا سرت
هوادي يملأن الفلاة هوادجا
براهم سوامح أو سراهم فأصبحوا
رسوماً على تلك الرسوم عوالجا
لهم في منى أسنى المنا ولدى الصفا
يرجون من أهل الصفا المناهجا
سما بهم طوف ببيت طامح
أراهم قباباً للعلى ومعارجا
فأبدوا من اللوعات ما كان كامنا
وأذروا دموعاً بل قلوباً مناضجا
ولما دنوا نودوا هنيا وأقبلوا
إلى الركن من كل الفجاج أدارجا
وقضوا بتقبيل الجدار ولثمه
حقوقاً تقضي للنفوس حوايجا
إذا اعتنقوا تلك المعالم خلتهم
أساور في إيمانها وجهالجا
فلله ركب يمموا نحو مكة
لقد كرموا قصداً وحلوا مناسجا
أناخوا بأرجاء الرجاء وعرسوا
فأصبح كل ما بز القدح فالجا
فبشروا لهم كم خولوا من كرامة
فكانت لما قدموه نتايجا
بفتح باب للقبول وللرضا
ووفدهم أضحى على الباب وَالِجَا
تميز أهل السبق لكن غيرهم
غدا همجاً بين الخليقة هامجا
أيلحق جلس للبيوت مداهم
ولم يلعب في تلك المدارج دارجا
ألا ليت شعري للضرورة هل أرى
إلى الله والبيت المحجب خارجا
له الله من ذي كربة ليس يرتجى
لمرتجيها يوما سوى الله فارجا
قد أسهمت شتى المسالك دونه
فلا نهج يلقى فيه لله ناهجاً
يخوض بحار الذنب ليس يهابها
ويصعق ذعراً إن يرى البحر هائجا
جبان إذا عن الهدى وإذا الهوى
يعن له كان الجريء المهارجا
يتيه ضلالا في غيابة همه
فلا حجر تهديه لرشد ولا حجا
فوا حربا لاح الصباح لمبصر
وقلبي لم يبصر سوى الليل إذ سجا
لعل شفيعي أن يكون معاجلا
لداء ذنوب بالشفاء معالجا
فينشقني بيت الإله نوافحاً
ويعبق لي قبر النبي نوافجا
فمالي لإمالتي سوى حب أحمد
وصلت له من قرب قلبي وشايجا
عليه سلام الله من ذي صبابة
حليف شجاً يكنى من البعد ناشجا
ولو أنصفت أجفانه حق وجده
سفكت دما للدموع موازجا]
كتابته
وكتابته شهيرة، تضرب بذكره فيها الأمثال، وتطوى عليه الخناصر. قالوا: لما عقد أمير المسلمين؛ أبو عبد الله محمد بن يوسف [بن هود] البيعة لابنه الواثق بالإمارة من بعده، تولى إنشاءها، وجعل الحاء المهلة سجعها مردفا إياها بالألف، نحو ((صباحا، وصلاحا))، وما أشبه ذلك، طال مجموعها فناهزت الأربعين. وطاب مسمعها، فأحرزت بغية المستمعين: فكتب إليه أبو المطرف بن عميرة رسالته الشهيرة؛ يداعبه في ذلك، وهي التي أولها: ((تحييك الأقلام تحية كسرى، وتقف دون مداك حَسْرَى)). ومنها في الغرض: ((ومالك أمنت تغير الحالات، فشننت غارتك على الحاءات، ونفضت عنها المهارق، وبعث في طلبها السوابق، ولفظتها من الأفواه، وطلبتها بين الشفاه، حتى شهد أهل اللسان، بتزحزحها عن ذلك المكان، وتوارت بالحلوق. ولو تغلغلت إلى العروق، لآثرتها جيادك، واقتنصها قلمك ومدادك)). [وهي طويلة].
فراجعه بقوله: ما هذه التحية الكِسْرَوِيَّة؟ وما هذا الرأي؟ وما هذه الرَّوِيَّة؟ [أتنكيت من الأقلام؟ أم تبكيت من الأعلام؟ أم كلا الأمرين توجه القصد إليه]؟:
و﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدَّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. وإلاّ فعهدي بالقلم،
يتسامى عن عكسه، ويترامى إلى الغاية البعيدة بنفسه، فمتى لانت أنابيبه للعاجم، ودانت أعاربه بدين الأعاجم. واعجبا (لقد استنوق الجمل)، واختلف القول والعمل. (لأمر ما جدع أنفه قصير)، وارتد على عقبه الأعمى أبو بصير. أمْسِ أسْتَسْقي من سحابه، فلا يسقيني، وأستشفي بأسمايه فلا يشفيني، واليوم يحلني محل أنوشروان، ويشكو مني شكوى اليزيدية من بني مروان؛ ويزعم أني أبطلت سحره، كما أبطل سحر بردوران، ويخفي في نفسه ما الله مبديه، ويستجدي بالأثر ما عند مستجديه. فمن أين جاءت هذه الطريقة المتبعة، والطريفة المبتدعة، أيظن أن مَعَمَّاه لا يفك؛ وأنه لا يتجلى هذا الشك. هل هذا منه إلاّ إمحاض التية، وإحماض تَفْنِيَة، ونشوة من خمرة الهزل، ونخوة من ذي ولاية آمن العزل.
تالله لولا محله من القسم، وفضله في تعليم النسم، لأسمعته ما ينقطع به صلفه، وأودعته ما ينصدع به صدفه، وأشدت بشرف المشرقي ومجده، وأشرت إلى تعاليه عن اللعب بجده. ولكن هو القلم الأول، فقوله على أحسن الوجوه يتأول، ومعدود في تهذيبه، كل ما لسانه يهذي به: ﴿ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلاّ الشَّيْطانُ ﴾؛ أياديه أن أذكرها، وإنما أقول: ((ليت
التحية كانت لي فأشكرها)). ولا عتب إلاّ على الحاء،
الحاء، المبرحة بالبرحاء، فهي التي قيمت قيامتي في الأندية، وقامت عليّ قيام المعتدية، يتظلم وهو عين الظالم، ويلين القول، وتحته سمّ الأراقم، ولعمر البراعة وما نصعت، واليراعة وما صنعت، ما خامرني هواها؛ ولا كلفت بها دون سواها.
ولقد عرضت نفسها عليّ مراراً، فأعرضت عنها ازوراراً، ودفعتها عني بكل وجه: تارة بلطف، وأخرى بنَجْه؛ وخفت منها السآمة، وقُلْتُ أنكحي أسامة؛ فرضيت منها بأبي جهم وسوء سَلْكَته، وابن أبي سفيان وصعلكته، وكانت أسرع من أم خارجة للخطبة، للخطبة، وأسمج من سجاح في استنجاح تلك الخطبة. ولقد كنت أخاف من انتقال الطباع في [عترتها]، واستثقال الاجتماع من [عشرتها]، وأرى من الغبن والسفاه [أخذها، وترك بنات الأفواه والشفاه] إذ هي أيسر مؤنة، وأكثر معونة. فغلطي فيها، أن كانت بمنزل بمنزل تتوارى صوناً عن الشمس، ومن نسوة خفرات لا ينطقن إلا بالهمس، ووجدتها أطوع من البنان للكف، والعنان للوكف، والمعنى للاسم، والمغنى للرسم، والظل والظل للشخص، والمستبدل للنص، فما عرفت منها إلا خبرا أرضاه [حتى حسبتها] من الحافظات للغيب بما حفظ الله. فعجبت لها الآن كيف زلت نعلها، ونشزت فنشرت ما استكتمها بعلها، واضطربت [في رأيها] اضطراب المختار أبي عبيد، وضربت وضربت في الأرض تسعى عليّ بكل مكر وكيد، وزعمت أن حرف الجيم خدعها، والآن أخدعها، وأخبرها أن سيبلغ بخبرها الخابور، وأحضرها لصاحبها كما أُحْضِرَ بين يدي قيصر سابور، فقد جاءت إفكاً وزوراً، وكثرت من أمرها شزوراً، وكانت كالقوْس أرَنَّتْ وقد أصْمَت القنيص والمراودة، قالت: ﴿مَا جَزَاءُ﴾، وهي التي قدت القميص، وربما يظن بها الصدق، وظن الغيب ترجيم.
ويقال [لقد خفضت الحاء، بالمجاورة لهذا الأمر الجسيم]، وتنتصر لها أختها التي خيمت بين النرجسة والريحانة، وختمت السورة باسم جعلت ثانيه أكرم [نبي على الله سبحانه]، فإن امتعضت لهذه المتظلمة، تلك التي سبقت بكلمتها بشارة المتكلمة، فأنا ألوذ بعدلها، وأعوذ بفضلها، وأسألها أن تقضي قضاء مثلها، وتعمل
بمقتضى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أهْلِهَا﴾.
على أن هذه التي قد أبدت مينها، ونسيت الفضل بيني وبينها، أن قال الحكمان منها كان النشوز، عادت حرورية العجوز، وقالت التحكم في دين الله لا يجوز، يجوز، فعند ذلك يحصحص الحق، ويعلم من الأولى بالحكم والأحق، ويصيبها ما أصاب أروَى، من دعوة سعيدة حين الدعوى، ويا ويحها أن أرادت [أن تجني علي فجنت لي، وأناخت] لي مركب السعادة، وما ابتغت إلا ختلي، فأتى شرها بالخير، وجاء النفع من طريق ذلك الضير.
أتراها علمت بما يثيره اعوجاجها، وينجلي عنه عجاجها. فقد أفادت عظيم الفوايد، ونظيم الفرايد، ونفس الفخر، ونفيس الذخر، وهي لا تنكر أن كانت من الأسباب، ولا تذكر إلا يوم الملاحاة والسباب. وإنما يستوجب الشكر جسيماً، والثناء الذي يتضوع نسيماً، الذي شرف إذ أهدى أشرف السَّحاءات، وعرف بما كان من انتحاء تلك الحاء المذمومة في الحاءات، فإنه وإن ألم بالفكاهة، فما أملى من البداهة، وسَمّى باسم السابق السُّكَيْت، وكان من أمر مداعبته كَيْت وكَيْت، [وتلاعب بالصفات]، تلاعب السيل بالصفاة، والصَّبا بالبانة، والصَّبا بالعاشق ذي اللُّبانة، فقد أغرب بفنونه، وأغرى القلوب بفتونه، ونفث بجفنه الأطراف، وعبث من الكلام المشقق الأطراف، وعلم كيف يلخص البيان، ويخلص العقيان.
فمن الحق أن أشكره على أياديه البيض، وأن آخذ لفظه من معناه في طرف النقيض. تالله أيها الإمام الأكبر، والغمام المستمطر، والخبر الذي يُشفي سايله، والبحر الذي لا يُرى ساحله؛ ما أنا المراد بهذا المسلك، ومن أين حصل النور لهذا الحلك؟ وصح أن يقاس، بين بين الحداد والملك؟ إنه لتواضع الأعِزَّة. [وما يكون للأكارم عند المكارم من العِزَّة]، وتحريض الشيخ للتلميذ؛ في إجازة الوضوء بالنَّبيذ. ولو حضر الذي قضي له بجانب الغربي أمر البلاغة، وارتضى ماله في هذه الصناعة، من حسن السبك لحليتها والصياغة، وأطاعته فيما أطلعته طاعة القوافي الحسان، وأتبعته فيما جمعته لكن بغير إحسان لأذعن كما أذعنت، وظعن عن محل دعوى الإجادة، كما ظعنت. وأنَّى يضاهي الفرات المعين المعين بالنُّغْبَة، ويباهي بالفلوس من أوتى من الكنوز:
﴿مَا إنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾، وأي حظ للكلالة في
النَّشَب، وقد اتصل للورثة عمود النسب؟ هيهات والله بعد المطلب، وشتان الدُّرّ والخشلب، وقد سيم الغلب، الغلب، ورجع إلى قيادة السلب؛ وإن كنا ممن تقدم لشدة الظمأ إلى المنهل، وكمن أقدم إلى عين تبوك؛ بعد النهي النهي للعل والنهل. فقد ظهرت بذلك المعجزة عياناً، وملئ ما هناك جناناً، وما تعرضنا بإساءة الأدب واللَّوم؛ ولكن علمنا أن آخر الشراب ساقي القوم، وإن أسْهَبْنَا فيما نلنا رتبة ذلك الإيجاز، وإن أعرقنا فهوانا في الحجاز، فلكم قصيرات الحجال، ولنا قصيرات الخطا في هذا المجال، وإكثارنا في قلة، وجارنا من الفقر في فقر وذلة. ومن لنا بواحدة يشرق ضياؤها، ويُخفي النجوم خجلها منها وحياؤها؟ إن لم تطل فلأنها للفروع كالأصل، وفي الجموع كليلة الوصل. فلو سطع نورها الزاهر، ونورها الذي تطيب منه الأنوار الأزاهر؛ لسجدت النيران ليوسف ذلك الجمال، ووجدت نفحات رياها في أعاطاف الجنوب والشمال، وأسرعت نحوها النفوس إسراع الحجيج يوم النفر، وسار خبرها وسَرَى، فصار حديث المقيمين والسفر.
وما أظن تلك الساخرة [في تدليها، إلا السارحة بتجنيها، إذ كانت ربيبتها، بل ربئتها، هذه] التي سبقتني لما سقتني بسينها، ووجدت ريحها، لما فصلت من مصرها مصرها غيرها؛ وحين وصلت، لم يدلني على سابقها إلا عبيرها، وكم رامت أن تستتر عني بليل حَبَرها في هذه المغاني؛ فأغراني بهاؤها، وكل مُغْرَمٍ مُغْرى ببياض صبح صبح الألفاظ والمعاني. وهل كان ينفعها تلفحها بمرطها وتلفعها؟ إذ نادتها المودة، فقد عرفناك يا سودة. فأقبلت على شم نشرها، وعرفها، ولثم سطرها وحرفها، وقَرَيْتُها الثناء الحافل، وقرأتُها؛ فَزُيَّنَت بها المحاضر والمحافل؛ ورمت أمر الجواب، فَغَرَّتْني في الخطاب. لكن لكن رسمت هذه الرقعة التي هي لديكم بعجزي واشية، وإليكم مني على استحياء ماشية، وإن رق وجهها فما رقت لها حاشية، فمنوا بقبولها على علاتها، وانقعوا بماء بماء سماحتكم حَرَّ غللها، فإنها وافدة من استقر قلبه عندكم وثوى، وأقر بأنه يلقط في هذه الصناعة ما يُلقى للمساكين من النَّوَى. بقيتم؛ سيدي الأعلى للفضل والإغضاء، ودمتم غرة في جبين السمحة البيضاء، واقتضيتم السعادة المتصلة مدة الاقتضاء، بيمن الله سبحانه. انتهى.
ومحاسنه عديدة، وآماده بعيدة.
دخوله غرناطة
دخلها مع المتوكل مخدومه، أو وجده بها.
من روى عنه
روى عن أبي الحسن سهل بن مالك.
وفاته
قال الأستاذ في الصلة: انتقل إلى بجاية فتوفي بها؛ في عشر [الخمسين] وستمائة.
محمد بن محمد
ابن أحمد بن شلبطور الهاشمي؛ من أهل ألمرية؛
يكنى أبا عبد الله؛ من وجوه بلده وأعيانه.
نشأ نبيه البيت، ساحباً بنفسه وبماله ذيل الحظوة، متحلياً بخصل من خط وأدب. وزيراً، متجنداً، ظريفاً، درباً على ركوب البحر وقيادة الأساطيل. ثم انحط في هواه انحطاطاً، أضاع مروءته، واستهلك عقاره، وهدّ بيته، وألجأه أخيراً إلى اللحاق بالعدوة؛ فهلك بها.
وجرى ذكره في الإكليل بما نصه: مجموع شعر وخط، وذكاء عن درجة الظرفاء، غير منحط إلى مجادة أثيلة البيت، شهيرة الحي والميت. نشأ في حجر الترف والنعمة، محفوفاً بالمالية الجمة، فلما غفل عن ذاته، وترعرع بين لداته، أجرى خيول لذاته، فلم يَدَعْ منها ربعاً إلا أقفره، ولا عقاراً إلا عقره، حتى حط بساحلها، واستولى بسعر الإنفاق على جميع مراحلها، إلا أنه خلص بنفس طيبة، وسراوة سماؤها صيبة، وتمتع ما شاء من زيرٍ وبَمَّ، وتأنس لا يعطي القياد لهم. وفي عفو الله سعة، وليس مع التوكل على الله ضعة.
شعره
من شعره [قوله] يمدح السلطان، وأنشدها إياه بالمضارب من وادي الغيران عند قدومه من ألمرية:
أثغرك أم سمط من الدر ينظم
وريقك أم مسك به الراح تختم
ووجهك أم باد من الصبح نير
وفرعك أم داج من الليل مظلم
أعلل منك النفس والوجد متلفي
وهل ينفع التعليل والخطب أعظم
وأقنع من طيف الخيال يزورني
لو أن جفوني بالمنام تنعم
حملت الهوى حيناً فلما علمته
سلوت لأني بالمكارم مغرم
ولي في أمير المسلمين محبة
فؤادي مشغوف بها ومتيم
بلغت المنى لما لثمت يمينه
فها أنذا في جنة الخلد أنعم
يصوغ قومي الشعر في طيب ذكره
ويحسن فيه النظم من ليس ينظم
فاستمسك الدين الحنيف زمانه
وقام منار الحق والشرك مغرم
له نظر في المشكلات مؤيد
والله مُهْدٍ إلى الرشد ملهم
ويستغرق طارحاً فيه وابل جوده
فمن فعله في جوده يُتَعلم
فلو أن أملاك البسيطة أنصفوا
لألقوا إليه الأمر طوعاً وسلم
وفي الدين والدنيا وفي البأس والندى
لكم يا بني نصر مقام معظم
ومنها:
إليك أمير المسلمين اقتضيتها
حمايل شكر طيرها مترنم
تنم بعرف المسك أنفاسها
إذا يفوه لراوٍ في الندى بها فم
فباسمك سيرت في المسامع ذكرها
ويغزى في أقصى البلاد ويشمم
ولو أنني في المدح سحبان وائل
وأنجدني فيه حبيب ومسلم
لما كنت إلا عن علاك مقصر
ومن بعض ما نشدت وتولي وتنعم
بقيت ملاذاً للأنام ورحمة
وساعدك الإسعاد حيث يتمم
ومن شعره مذيلاً على البيت الأخير حسبما نسب إليه:
نامت جفونك يا سُؤْلي ولم أنم
ما ذاك إلا لفرط الوجد والألم
أشكو إلى الله ما بي من محبتكم
فهو العليم بما نلقى من السقم
(إن كان سفك دمي أقصى مرادكم
فما غلت نظرة منكم بسفك دم)
ومما نسب إليه كذلك:
قف بي ونادِ بين تلك الطلول
أين الأُلَى كانوا عليها نزول
أين ليالينا بهم والمُنَى
نَجْنيه غضاً بالرضا والقبول
لا حملوا بعض الذي حملوا
يوم تولت بالقباب الحُمول
إن غبتم يا أهل نجد ففي
قلبيَ أنتم وضلوعي حلول
ومما خاطبني به:
تالله ما أورى زناد القلق
سوى ريح لاح لي بالأبرق
أيقنت بالحَيْنِ فلولا نفحة
نجدية منكم تلافت رمق
لكنت أقضي بتلظي زفرة
وحسرة بين الدموع تلتق
فآه من هول النوى وما جَنِيَ
على القلوب موقف التفرق
يا حاكي الغصن انثنى متوجا
بالبدر تحت لمة من غسق
الله في نفس مُعَنَّى أقصدت
من لاعج الشوق بما لم تطق
أتى على أكثرها برح الأسى
دع ما مضى منها وأدرك ما بق
ولو بإلمام خيال في الكرى
إن ساعد الجفن رقيب الأرق
فرب زور من خيال زائر
أقر عيني وإن لم يصدق
شفيت من برح الأسى لو أن من
أصبح رقي في يديه معتق
ففي معاناة الليالي عائق
عن التصابي وفنون القلق
وفي ضمان ما يعاني المرء من
نوايب الدهر مشيب المفرق
هذا لعمري مع أني لم أبت
منها بشكوى روعة أو فَرَق
فقد أخذت من خطوب غدرها
بابن الخطيب الأمن مما أتق
فخر الوزارة الذي ما مثله
بدر علا في مغرب أو مشرق
ومذ أرانيه زماني لم أُبَل
من صرفه من مُرْعد أو مبرق
لا سيما مذ حططت في حمى
جواره الأمنع رحل أينق
أيقنت أني في رجائي لم أخب
وأن مسعى بغيتي لم يخفق
ندب له في كل حسن آية
تناسبت في الخلق أو الخلق
في وجهه مسحة بشر إن بدت
تبهرجت أنوار شمس الأفق
تعتبر الأبصار في لألأتها
عليه من نور السماح المشرق
كالدهر في استينائه وبطشه
كالسيف في حد الظبا والرونق
إن بخل الغيث استهلت يده
بوابل من غيث جود غدق
وإن وشت صفحة طرس انجلى
ليل دجاها عن سنى مؤتلق
بمثلها من حبرات أخجلت
حواشي الروض خدود المهرق
ما راق في الآذان أشناف سوى
ملتقطات لفظه المفترق
تود أجياد الغواني أن يرى
حليها من در ذاك المنطق
فسل به هل آده الأمر الذي
حمل في شرخ الشباب المونق
إذا رأى الرأي فلا يخطئه
يمن اختيار للطريق الأوفق
أيه أبا عبد الإله هاكها
عذراء تحثو في وجوه السبق
خذها إليك بكر فكر يزدري
لديك بالأعشى لدى المحلق
لا زلت مرهوب الجناب مرتجى
موصول عز في سعود ترتق
مبلغ الآمال فيما تبتغي
مؤمن الأغراض فيما تتقي
ناب في القيادة البحرية عن خاله القايد أبي علي الرُّنداحي، وولي أسطول المُنَكَّب برهة.
وفاته
توفي بمراكش في عام خمسة وخمسين وسبعمائة. رحمه الله.
محمد بن محمد
ابن جعفر بن مُشتمل الأسلمي؛ من أهل ألمرية، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالبلياني.
حاله
قال شيخنا أبو البركات: ناب عني في بعض الأعمال بألمرية، وخطب بنحانس من غرْبيّها، ثم خطب بحمة مُرشانة، وهو الآن بها، وعقد الشروط قبلُ بألمرية. عفيف طاهر الذيل، نبيل الأغراض، مهذب الأخلاق، قيم على القراءات، والنحو والأدب، جيد الشعر والكتابة.......... من الضبط، وإجادة العبارة عن المعنى المراد.
تواليفه
قال: له ((رجز في علم الكلام))؛ جيد، و((رجز آخر في ألفاظ فصيح ثعلب))؛ عري عن الحشو؛ على تقعير فيه يغتفر؛ لما جمع من اقتصاره، وله تأليف في الوبا سماه ((بإصلاح النية في المسلة الطاعونية)).
مشيخته
قال: أخذ عني وعن أبيه جملة من الدواوين، وعن غيري من أهل بلده.
شعره
قال: ومما أنشدني من شعره قوله:
هفا بي من بين المغاني عقيقها
ومن بينه انفضت لعيني عقيقها
ومالت لليد قبابه وأشرق
ني بالدمع منها شروقها
يُهَيّج أنفاسي غراماً نسيمها
وتقدح نار الشوق عندي بروقها
ومن دون واديها ظباً خوادل
حكى لحظها ماضي الشفار رقيقها
فلو برزت الشمس منهن في الضحى
مخدرة أضحت كمالا تفوقها
نسيم الصبا أن سُيِّرَت نحو الحمى
فقل تُحيِّي الديار النازحات تشوقها
غريب كييب مستهام متيم
جريح الجفون الساهرات عريقها
فهل عطفة ترجى وهل أمل يرى
بعودة أيام تقضى أنيقها
سقى وتعلم من أدمع الصب جودها
من دِيَم الغيث الملتات ريقها
قال: وأنشدني أيضاً، وقال كَلِفْت إجازة هذا (البيت الأول؛ من هذه القصيدة، إذ ليس لي):
من عادى ومن ناصري ومنصفي
هذا دمعي سفكته بنت المنصف
أو من يخلصني وقد أوهى صحي
ح الجسم مني لحظ طرف مدنف
جفن تحير والهوى يهديه
لفؤاد كل من الهوى لم يألف
متناعس يُهدي السهاد ويصرع ال
بطل الكمي بلحظه المتضعف
تبدو وتشدو للعيون وللمسا
مع فهي بين مكحل ومشنف
ملكت بصنعتها عنان عنانها
وعدت عليها كأن لم تعرف
تغني إذا غَنَّت بطيب صوتها
عن أن يزود لحنها بالمعزف
أما تغنت أو تثنت تهتف
قمري نغمتها وغض المعطف
يأتي على تكرر ما غَنَّتْ به
صدقاً بكل غريب أو مستطرف
تهدي للنفوس على اختلاف طباعها
من نبلها ما تشتهي بتلطف
كنا وجفن الدهر عنا ناعس
خلف ستر للأمان مسجف
حتى وشى بالسر دهر حاسد
كلف بتنغيص الكريم الأشرف
واخجلتا إن لم أمت يوم النوى
لهفا وما إن كنت بعد بمنصف
لكنني مما نحلت وذبت لم
يرني الحمام فكنت عنه أختف
كم ذا أبيت وليس لي من مسعد
في حالتي غير الدموع الذرف
يا هل ترى هذا الزمان وصرفه
هل يسمحان بعودة وتألف
صبراً أبا يعقوبهم فهي النوى
لولا همت شوقا للقيا يوسف
قال وأنشدني أيضاً لنفسه، (والبيت الأخير لغيره):
ما للأحبة في أحكامهم جاروا
نأوا جميعاً فلا خل ولا جار
كيف البقا وقد بانت قبابهم
وقد خلت منهم واأسفي الدار
حداة تمسهم بالقلب قد رحلوا
يا ليتهم حملوا الجثمان إذ سار
جار الزمان علينا في فراقهم
من قبل أن تنقضي للصب أوطار
ساروا فخيمت الأشواق بعدهم
مالي عليها سوى الآماق أنصار
تراك يا ربعهم ترجو رجوعهم
يا ليت لو ساعدت في ذاك أقدار
ودعت منهم شموساً ما مطالعها
إلا من الوشي أطواق وأزرار
أستودع الله من فاز الفراق بهم
وخلفوا ودمع العين مدرار
قلت: ولا خفاء بتخلف هذا النمط عن الإجادة، والله يقبض ويبسط، وشافعنا عرض الإكثار.
وفاته
توفي في آخر أربعة وستين وسبعماية.
محمد بن محمد
ابن حزب الله؛ من أهل وادي آش؛ يكنى أبا عبد الله؛
ويعرف باسم جدَّه.
حاله
دمث؛ متخلق، سهل الجانب، كثير الدعابة، خفيف الروح، له خط حسن ووراقة بديعة، وإحكام لبعض العملية، واقتدار على النظم. اتصل بباب السلطان ملك المغرب، وارتسم كاتبا مع الجملة، فارتاش، وحسنت حاله.
وجرى ذكره في الإكليل الزاهر بما نصه: راقم واشي، رقيق الجوانب والحواشي، تزهى بخطه المهارق والطروس، وتتجلى في حلل بدايعه، كما تتجلى العروس، إلى خلق كثير التجمل، ونفس عظيمة التحمل. ودُود سهل الجانب، عذب المذانب. لما قضيت الوقيعة بطريف، أقال الله عثارها، وعجل ثارها، قذف به موج ذلك البحر، وتفلَّت إفلات الهَدْي المقرّب إلى النحر، ورمى به إلى رُندة القرار؛ وقد عرى من أثوابه، كما عرى الغرار، فتعرف للحين بأديبها المفلق، وبارقها المتألق أبي الحجاج المنتشافري، فراقه يبشر لقايه، ونهل على الظمأ في سقائه، وكانت بينهما مخاطبات، أنشدنيها بعد إيابه، وأخبرني بما كان من ذهاب زاده، وسلب ثيابه.
وخاطبني من شرح حاله في ارتحاله بما نصه: ولما دخلت رُندة الأنيقة البطاح، المحتوية على الأدب والسماح، والعلم والصلاح، أبرز القدر أن لقيت بها شيخنا المعمر رئيس الأدباء، وقدوة الفقهاء، أبا الحجاج المنتشافري، وكنت لم أشاهده قبل هذا العيان، ولا سمح لي بلقاية صرف الزمان، ولم أزل أكلف بمقطوعاته العجيبة، وأولع بضرايبه الغريبة، وتأتي منه مخاطبات تزري بالعقود بهجة، وتطير لها العقود لهجة. نظْمٌ كما تَنَفَّيسَ الصُّبح عن تسنيمه، ونثر كما تأسس الدر بتنظيمه، فأحلني منه محل الروح من الجسد، وشهد لي أني أعز من عليه ورد، ورآني قد ظهرت على مضاضة الاكتياب، لكوني قريب عهد بالإياب، مهزوماً انهزام الأحزاب، خالي الوطاب، نزر الثياب، فقال فيم الجزع، ذهب بحول الله الخوف، وأمن الفزع، فأجبته عجلاً، وقلت أخاطبه مرتجلا:
لا تجزعي نفسي لفقد معاشري
وذهاب مالي في سبيل القادر
ورندة ها أنت خير بلاده
وبها أبو حجاج المنتشافري
سيريك حسن فرايد من نظمه
فتزيل كل كآبة في الخاطر
فأجابني مرتجلا:
سُرّاي يا قلبي المشوق وناظري
بمزار ذي الشرف السني الطاهر
روض المعارف زهرها الزاهي
ومن أوصافه أعيت ثنا الشاكر
ولواد آش فخار لم يزل
من كابن حزب الله نور الناظر
وافى يشرف رندة بقدومه
فغدت به أفقا لبدر زاهر
من روضة الأدباء أبدى زهرة
قد أينعت عن فكر حَبْر ماهر
جمع المآثر بالسناة وبالسنا
أعظم به من صانع لمآثر
ما زلت أسمع من ثناه مآثراً
كانت لسامعها معاً والذاكر
حتى رأى بصري حقائق وصفه
فتنعمت كالأقمار نواظري
لا زال محبواً بكل مسرة
تجري له بالحظ حكم مغادر
ثم خاطبه القاضي المنتشافري بعد انصرافه إلى وطنه بقوله:
أبى الدمع بعدك إلا انفجارا
لدهر ببعدك في الحكم جارا
أذاق اللقاء الحلو لو لم يصل
به للنوى جرعات مرارا
رعى الله لمح ذاك اللقاء
وإن يك أشواقنا قد أثارا
قصاراى شكواي طول النوى
وفقدي أناة وصل قصارا
سقتني القداح ومن بعده
فؤادي القريح قَدَ اْذْكَت أوارا
ألا يا صبا هب من أربعي
إلى وادِ آشٍ تُحَيِّي الديارا
ألا خص من ربعها منزلا
بأربابه الأكرمين استنارا
وهم إلى حزب الإله الألى
تساموا فخاراً وطابوا نجاراً
فأجابه بأبيات منها:
تألق برق العلا واستنارا
فأجج إذ لاح في القلب نارا
وذكرني وقت أنس مضى
برندة حيث الجلال استشارا
وكانت لنفسي سنا في حماها
طوالا فأصبحت لديها قصارا
فأجريت دمع العيون اشتياقاً
ففاضت لأجل فراقي بحارا
وقالت لي النفس من لم يجد
نصيراً سوى الدمع قلّ انتصارا
قطعت المنى عندها لمحة
وودعتها وامتطيت القفارا
وضيعت تلك المنى غفلة
ووافيت أبغي نابس ديارا
ومنها:
أرقت لذاك السنا ليلة
وما نومها ذقت إلا غرارا
وجسمي أجل الجسوم التهابا
وقلبي أشد القلوب انكسارا
إلى أن تجرعت كأس النوى
وقلت زماني على الشمل جارا
وصبرت نفسي لفقدانها
هنالك بالرغم ليس اختيارا
وقال من قصيدة:
حللت لبرق لاح من سرحتي نجد
حنين تِهامي تحِنُّ إلى نجد
وقلت لعل القلب تبرا كلومه
ومن ذا يصد النار عن شيمة الوقد
إن شاركتني في المحبة فرقة
فها أنا في وجدي وفي كلفي وجد
وهو إلى هذا العهد بالحال الموصوفة.
محمد بن إبراهيم
ابن عيسى بن داود الحميري؛ من أهل مالقة؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بابن عيسى.
حاله
كان أديباً، حسن الخط، جيد النظم، متظرفاً، لوذعياً، مطبوعاً، منحطاً في هواه، جامحاً في ميدان بطالته، معاقراً للنبيذ، على حفظ للرسم، واضطلاع بالخدمة، وإيثار للمروءة، ومعرفة بمقادير الأمور، وتشبث بأذيال الحظوة. كتب للرياسة السعيدية بمالقة، ونظر على ألقاب جبايتها، وانتفع الناس بجاهه وماله، ووقع الثناء على حسن وساطته. ثم سافر عنها، وقد سمت مجادة السلطان في غرض انتقالها إلى العدوة، معوضة بمدينة سلا من مالقة. وكان ما كان من معاجلة الأمر، والقبض على الريس، وقيام ولده بالأمر، فانبَتَّ المذكور بالعدوة، وكانت بها وفاته.
وجرى ذكره في الإكليل الزاهر بما نصه: [علَمٌ] من أعلام هذا الفن، ومشعشعي راح هذا الدَّن، بمجموع أدوات، وفارس يراعة ودواة، ظريف المنزع، أنيق المرآى والمسمع، اختص بالرياسة، وأدار فلك إمارتها، واتسم باسم كتابتها ووزارتها، ناهضاً بالأعباء، راقياً في درج التقريب والاجتباء، مصانعاً دهره في راح وراحة، آوياً إلى فضل وسماحة، وخصب ساحة، كلما فرغ من شأن خدمته، وانصرف عن رب نعمته، عقد شرباً، وأطفأ من الاهتمام بغير الأيام حرباً، وعكف على صوت يستعيده، وظرف يبديه ويعيده. فلما تقليت بالرياسة الحال، وقوضت منها الرحال، استقر بالمغرب غريباً، يقلب طرفاً مستريبا، ويلحظ الدنيا تبعة عليه وتثريباً، وإن كان لم يعدم من أمرايها حظوة وتقريباً، وما برح يبوح بشجنه، ويرتاح إلى عهود وطنه.
شعره وكتابته
مما كتبه، وبين فيه أدبه قوله:
يا نازحين ولم أفارق منهم
شوقاً تأجج في الضلوع ضرامه
غيبتم عن ناظري وشخصكم
حيث استقر من الضلوع مقامه
رمت النوى شملي فشتت نظمه
والبين رامٍ لا تطيش سهامه
وقد اعتدى فينا وجدَّ مبالغا
وجرت بمحكم جوره أحكامه
أترى الزمان مؤخراً في مدتي
حتى أراه قد انقضت أيامه
تحملها يا نسيم نجديه النفحات، وجدية اللفحات، [يؤدي عني نغمها إلى الأحبة سلاماً، ويورد عليهم] لفحها برداً وسلاماً، ولا تقل كيف تحملني ناراً، وترسل على الأحبة مني إعصارا. كلا إذا أهديتهم تحية إيناسي، وأنسوا من جانب هبوبك نار ضرام أنفاسي، وارتاحوا إلى هبوبك، واهتزوا في كف مسرى جنوبك، وتعللوا بها تعليلا، وأوسعوا آثار مهبك تقبيلا، أرسلها عليهم بليلا، وخاطبهم بلطافة تلطفك تعليلا. ألم تروني كيف جئتكم بما حملني عليلاً
كذاك تركته ملقى بأرض
له فيها التعلل بالرياح
إذا هبت إليه صبا إليها
وإن جاءته من كل النواح
تساعده الحمايم حين يبكي
فما ينفك موصول النياح
يخاطبن مهما طرن شوقاً
أما فيكن واهية الجناح
ولولا تعلله بالأماني، وتحدث نفسه بزمان التداني، لكان قد قضى نحبه، ولم أبلغكم إلا نعيه أو ندبه، لكنه يتعلل من الآمال بالوعد الممطول، ويتطارح باقتراحاته على الزمن المجهول، ويحدث نفسه، وقد قنعت من بروق بروق الآمال بالخلب، ووثقت بمواعيد الدهر القُلَّب؛ فيناجيها بوحي ضميره، وإيماء تصويره، كيف أجدك يوم الالتقاء بالأحباب؟ والتخلص من ربقة الاغتراب؟ أبائنة الحضور أم بادية الاضطراب؟ كأني بك وقد استفزك وله السرور، فصرفك عن مشاهدة الحضور، وعاقتك غشاوة الاستعبار للاستبشار، عن اجتلاء محيا ذلك النهار:
يوم يداوي زماناتي من أزماني
أزبر تنغيص أحياني فأحياني
جعلت لله نذراً صومه أبداً
أفي به وأوفي شرط إيماني
إذا ارتفعنا وزال البعد وانقطعت
أشطان دهر قد التفت بأشطاني
أعدده خير أعياد الزمان إذا
أوطأني السعد فيه ترب أوطاني
أرأيت كيف ارتياحي إلى التذكار، وانقيادي إلى معللات توهمات الأفكار؟ كأن البعد باستغراقها، قد طويت شقته، وذهبت عني مشقته، وكأني بالتخيل بين تلك الخمايل أتنسَّم صباها، وأتسَنَّم رباها، وأجتني أزهارها، وأجتلي أنوارها، وأجول في خمايلها. وأتنعم ببكرها وأصايلها، وأطوف بمعالمها، وأتنشق أزهار كمايمها، وأصيخ بإذن الشون إلى سجع حمايمها، وقد داخلتني الأفراح، ونالت مني نشوة الارتياح. ودنا السرور لتوسم ذهاب الأتراح.
فلما أفقت من غمرات سكري، ووثبت من هفوات فكري، وجددت مرارة ما شابه لبي في استغراق دهري، وكأني من حينئذ عالجت وقفة الفراق، وابتدأت منازعة الأشواق، وكأنما أغمضتني للنوم، وسمح لي بتلك الفكرة الحلم:
ذكر الديار فهاجه تذكاره
وسرت به من حينه أفكاره
فاحتل منها حيث كان حلوله
بالوهم فيها واستقر قراره
يا لقرب الآمال من هفواته
لو أنه قضت بها أوطاره
فإذا جيتها أيها القادم، والأصيل قد خلع عليها برداً مورساً، والربيع قد مد على القيعان منها سندساً، اتخذها فديتك مُعَرَّساً، واجرر ذيولك فيها تبختراً، وبث فيها من طيب نفحاتك عنبرا، وافتق عليها من نوافح أنفاسك أنفاسك مسكاً أذفراً، واعطف بعاطف بانها، وارقص قضب ريحانها، وصافح صفحات نهرها، ونَافِح نفحات زهرها. هذه كلها أمارات، وعن أسرار مقاصدي عبارات، هنالك تنتعش بها صبابات، تعالج صبابات، تتعلل بإقبالك، وتعكف على لثم أذيالك؛ وتبدو لك في صفة الفاني المتهالك، لاطفها بلطافة اعتلالك، وترفق بها ترفق أمثالك، فإذا أمالت بهم إلى هواك الأشواق، ولووا إليك الأرؤس والأعناق، وسألوك عن اضطرابي في الآفاق، وتقلبي بين الإشآم والإعراق، فقل لهم عرض له في أسفاره، ما يعرض للبدر في سراره، من سرّ السرار، وطاق المحاق، وقد تركته وهو يسامر الفرقدين، الفرقدين، ويساير النيرين، وينشد إذا راعه البين:
قد نكون وما يُخشى تفرقنا
واليوم نحن وما يُرجى تلاقينا
لم يفارق وعثاء الأسفار، ولا ألقى من يده عصا التسيار، يتهاداه للغور والنجد. ويتداوله الإرْقال والوَخْد، وقد لفحته الرمضاء، وسيّمه الإنضاء. فالجهات تلفظه، والآكام تبهظه، تحمل هومه الرواسم، [وتحفى به النواسم]:
لا يستقر بأرض حين يبلغها
ولا له غير حدو العيس إيناس
ثم إذا استوفوا سؤالك عن حالي، وتقلبي بين حالي حلي وترحالي، وبلغت القلوب منهم الحناجر، وملأت الدموع المحاجر، وابتلت ذيولك بمائها، لا بل تضرجت بدمائها، فحيهم عني تحية منفصل، وودعهم وداع مرتحل. ثم اعطف عليهم ركابك، ومهد لهم جنابك، [وقل لهم] إذا سألني عن المنازل بعد سكانها، والربوع بعد ظعن أظعانها، بماذا أجيبه، وبماذا يسكن وجيبه، فسيقولون لك هي البلاقع المقفرات التي أصبحت نكرات:
صُمَّ صداها وعفَّى رسمها
واستعجمت عن منطق السايل
قل لهم كيف الروض وآسه، وعمَّاذا تتأرج أنفاسه، عهدي به والحمام يردد أسجاعه، والذباب يغني به هزجاً، فيحك بذراعه ذراعه، وغصونه تعتنق، وأحشاء جداوله تصطفق، وأسحاره تتنسم، وآصاله تغتبق، كما كانت بقية نضرته، وكما عهدتها أنيقة خضرته، وكيف التفاتة عن أزرق نهره؟ وتأنقه في تكليل أكليله بيانع زهره؟ وهل رق نسيم آصاله؟ وصفت موارد جداوله؟ وكيف انفساح ساحاته؟ والتفاف دوحاته؟ وهل تمتد كما كانت مع العشي فينانة سرحاته؟ عهدي بها، المديدة الظلال، المزعفرة السربال، فلم تحدق الآن به عيون نرجسه، ولا سُدَّ بساط سندسه. وأين منه مجالس لذاتي؟ ومعاهد غدواتي وروحاتي؟ إذ أباري في المجون لمن أباري، وأسابق إلى اللذات كل من يُجاري. فسيقولون لك ذَوَتْ أفنانه، وانقصفت أغصانه، وتكدرت غدرانه، وتغير ريحه وريحانه، وأقفرت معالمه، وأخرست حمايمه، واستحالت به حلل خمايله، وتغيرت وجوه بكره وأصايله. فإن صَلْصَلَ حنين رعد، فعن قلبي لفراقه خفق، وإن تلألأ برق، فعن حر حشاي ائتلق، وإن سحت السحب فمساعدة لجفني، وإن طال بكاؤها فعني، حياها الله منازل لم تزل بمنظوم الشمل أواهل. وحين انتثر نثرت أزهارها أسفاً؛ ولم تثن الريح من أغصانها معطفاً، أعاد الله الشمل فيها إلى محكم نظامه، وجعل الدهر الذي فرقه يتأنق في أحكامه. وهو سبحانه يجبر الصدع، ويُعَجَّل الجمع، إنه بالإجابة جدير، وعلى ما يشاء قدير. إيه بُنَيَّ؛ كيف حال من استودعتهم أمانتك؟ وألزمتهم صونك وصيانتك؟ وألبستهم نسبك، ومهدت لهم حسبك؟ الله في حفظهم، فهو اللائق بفعالك، والمناسب لشرف خلالك، ارْعَ لهم الاغتراب لديك، والانقطاع إليك، فهم أمانة الله [تعالى] في يديك، وهو سبحانه يحفظك بحفظهم، ويوالي بلحظك أسباب لحظهم، وإن ذهبتم إلى معرفة الأحوال، فنعم الله ممتدة الظلال، وخيراته ضافية السربال، لولا الشوق الملازم، والوجد الذي سكن الحيازم.
ووقفت من شعره على قصيدة من جملة رسالة، أثبتها وهي:
ألِلْبَرق يبدو تسطير الجوانح
للورق تشدو وتستهل السوابح
وقلبي للبرق الخفوق مساعد
ووجدي للورق الثكالى مطارح
إذا البرق أورى في الظلام زنادي
فللوجد في زند الصبابة قادح
وكم وقفة لي حيث مال بيَ الهوى
أغاد بها شكوى الجوى وأراوح
تنازعني منها للشجون فأشتكي
ويكثر بثي عندها فأسامح
أبث شجوني والحمام يصيخ لي
ويسعدني فيما تبيح التبارح
وتطرب أغصان الأراك فتنثني
إلى صفحة النهر الثقيل تصافح
فتبتسم الأزهار منها تعجباً
فتهدي إليها عرفها وتنافح
كذلك حتى ماد عطف شغفي
وطرفيَ أبدى هزة وهو مارح
فلما التظى وجدي ترنم صاهلاً
فقلت أمثلي يشتكي الوجد نابح
صرفت عدو البيد أرخو عنانه
وقلت له شمر فإنني سابح
تهيأ لقطع البيد واعتسف السُّرَى
سيلقاك غيظان بها وممايح
فحمحم لو يستطيع نطقاً لقال له
بمثليَ تلقى هذه وتكافح
وحملته عزماً تعَوَّد مثله
فقام به مستقبلا من يناطح
ويممت بيداً لم أصاحب لجوها
سوى جَلَدٍ لا يُتَّقَى منه فاضح
وماضي الغرارين استجدت مضاه
إذا جردت يوم الجلاد الصفايح
ومندمج صدق الأنابيب نافذ به
عند كرّي في الحروب أفاتح
وسرت فلا ألقى سوى الوحش نافراً
وقد شردت في الظبا السوانح
تحدق نحوي أعيناً لم يلح لها
سناً لك أسنى ولا هو لايح
وقد زأرت أسد تقحمت غيلها
فقلت تعاوت إنها لنوايح
وكم طاف بي للخبر من طايف بها
فلم أصغ سمعاً نحوها وهو صايح
ويعرض لي وجهاً دميماً ومنظراً
شنيعاً له تبدو عليه القبايح
فما راعني منه تلون حاله
بَلَ أيقظ عزمي فانثنى وهو كالح
فلما اكتست شمس العشي شحوبها
ومالت إلى أفق الغروب تنازح
تسربلت للإدلاج جنح دُجْنَة
فها أنذا غرسي إلى القصد جانح
فخضت ظلام الليل والنجم شاخص
إليّ بلحظٍ طرفه لي لامح
يرده شزراً إلي كأنما
عليّ له حقد به لا يسامح
وراقب من شكلي السماك نظيره
خلا لزمكلي أعزل وهو رامح
يخطُّ وميض البرق لي منه أسطراً
على صفحة الظلماء فهي لوايح
إذا خطها ما بين عينيّ لم أزل
أكلف دمعي نحوها فهو طامح
وما زلت سراً في حشى النبل كامناً
إلى أن بدا من ناسم الصبح فاتح
وهب نسيم الصبح فانعطفت له
قدود غصون قد رقتها صوادح
تجاذب ذكرى أحاديث لم أزل
يرددها منِّي مجد ومازح
وملت إلى التعريس لما انقضى السُّرَى
أروض له نفسي وعزمي جامح
ومال الكرى بي ميلة سكنت لها
على نَصَبِ الوعثاء مني الجوارح
الجوارح
كمنأخذت منه الشمول بثارها
فبات يشقى وهو ريان طافح
وقربت الأحلام لي كل مأمَل
فأدْنَتْه مني وهو في الحق نازح
أرتني وجوهاً لو بذلت لقربها
حياتي لمن بالقرب منه يسامح
لقل لها عمري وما ملكت يدي
وحدثت نفسي أن تجري رابح
وما زلت أشكو بيننا غصص النوى
وما طوحت بي في الزمان الطوايح
فمنها ثغور للسرور بواسم
لقربه ومنها للفراق نوايح
تقربها الأحلام مني ودونها
مهامه فيها للهجير لوافح
وبحر طمت أمواجه وشآبيب
وقفر به للسالكين جوامح
قضيت حقوق الشوق في زورة الكرى
فإن زيارات الكرى لموانح
يقرن آمالا تباعد بينها
وتعبث فيها للنفوس الطوايح
فلما تولى عني النوم أعقبت
هموم أثارتها الشجون فوادح
وعدت إلى شكوى البلاء ولم أزل
أرددها والعذر مني واضح
وما بلغت عني مشافهة الكرى
تبلغها عني الرياح اللوافح
وحسبك قلب في أسار اشتياقة
وقد أسلمته في يديه الجوانح
وفاته
قال شيخنا أبو بكر بن شبرين: توفي بسجلماسة في صفر؛ عام ستة عشر وسبعماية.
محمد بن محمد
ابن عبد الله بن مقاتل؛ من أهل مالقة؛ يكنى أبا بكر.
حاله
من كتاب الإكليل: نابغة مالقية، وخلفٌ وبقية، ومغربي الوطن أخلاقه مشرقية. أزمع الرحيل إلى المشرق، مع اخضرار العود، وسواد المفرق، فلمّا توسطت السفينة اللّجج، وقارعت الثّبج، مال عليها البحر، فسقاها كأس الحِمام، وأولدها قبل التّمام، وكان فيمن اشتملت عليه أعوادها، وانضم على نوره سوادها، جملة من الطلبة والأدباء، وأبناء السّراة الحسباء، أصبح كل منهم مطيعاً لداعي الردى وسميعاً، وأحيوا فرادى وماتوا جميعاً، فأجروا الدموع حزناً، وأرسلوا العبرات عليهم مزنا. وكان البحر لما طمس سبل خلاصهم وسدها، وأحال هضبة سفينتهم وهدّها، غار على نفوسهم النفيسة واستردها. والفقيه أبو بكر، مع إكثاره، وانقياد نظامه، ونثاره، لم أظفر من أدبه إلاّ بالقليل التافه، بعد وداعه وانصرافه.
فمن ذلك قوله وقد أبصر فتى عاثراً:
ومهفهفٍ هافي المعاطف أحور
فضحت أشعة نوره الأقمارا
زلت له قدم فأصبح عاثراً
بين الأنام لَعاً لذاك عثارا
لو كنت أعلم ما يكون فرشت في
ذاك المكان الخد والأشفارا
وقال متغزلا:
أيا لبني الرفاء [تنضي ظباؤهم]
جفون ظُباهم والفؤاد كليم
لقد قطع الأحشاء منهم مهفهف
له التبر خد واللجين أديم
يسدد إذ يرمي قسي جواجب
وأسهمها من مقلتيه تسوم
وتسقمني عيناه وهي سقيمة
ومن عجب سقمٌ جناه سقيم
ويذبل جسمي في هواه صبابة
وفي وصله للعاشقين نعيم
وفاته
توفي في حدود أخريات عام تسعة وثلاثين وسبعماية غريقاً بأحواز الغِبْطة من ساحل ألمرية.
محمد بن أحمد
ابن أحمد بن صفوان القيسي؛ ولد الشيخ أبي الطاهر؛
من أهل مالقة.
من كتاب الإكليل: نبيل فطن، متحرك ذهن، كان أبوه رحمه الله، يتبرم بجداله، ويخشى مواقع رشق نباله، ويشيم بأرقَّ الاعتراض في سؤاله، فيشفق من اختلال خلاله، إذ طريقه إنما هي أذواق لا تشرح، وأسرار لا تفضح. وكان ممن اخترم، وجد حبل أمله وصرم، فأفل عقب أبيه، وكان له أدب يخوض فيه.
فمن ذلك، وقد أبصر فتى وسيما على ريحانه:
بدر تجلى على غصن من الآسي
يبري ويسقم فهو الممرض الآسي
عادى المنازل إلا القلب منزلة
فما له وجميع الناس من ناس
وقال:
يا عالما بالسر والجهر
وملجأي في العسر واليسر
جد لي بما أملته منك
يا مولاي واجبر بالرضا كَسْرِي
وفاته
في عام خمسة وسبعماية.
محمد بن محمد
ابن عبد الواحد بن محمد البلوي؛ من أهل ألمرية؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بنسبه؛ وقد مرّ ذكر أبيه في العمال.
حاله
هذا الرجل من أبناء النعم، وذوي البيوتات، كثير السكون والحياء، آل به ذلك أخيراً لِلُوثَة، لم يستفق منها لطف الله به. حسن الخط، مطبوع الأدب، سيال الطبع، معينه. وناب عن بعض القضاة، وهو الآن رهين ما ذكر، يتمنى أهله وفاته، والله ولي المعافاة، بفضله.
وجرى ذكره في الإكليل بما نصه: من أولي الخلال البارعة والخصال، خطا رايقا، ونظما بمثله لايقاً، ودعابة يسترها تجهم، وسكوتاً في طيه إدراك وتفهم. عُنِيَ بالرواية والتقيد، ومال في النظم إلى بعض التوليد، وله أصالة ثبتت في السرو عروقها، وتألقت في سماء المجادة بروقها، وتصرف بين النيابة في الأحكام الشرعية، وبين الشهادات العملية المرعية.
شعره
ومن شعره فيما خاطبني به، مهنئاً في إعذار أولادي أسعدهم الله، افتتح ذلك بأن قال:
قال، يعتذر عن خدمة الإعذار، ويصل المدح والثنا على بعد الدار، وذلك بتاريخ الوسط من شعبان؛ في عام تسعة وأربعين وسبعمائة:
لا عذر لي عن خدمة الإعذار
وإن نأى وطني وشط مزاري
أو عاقني عنه الزمان وصرفه
نقضُ الأمان عادة الأعصار
قد كنت أرغب أن أفوت بخدمتي
وأخطر حلِّي عند باب الدار
باب المسرة بالضبع وأهله
متشمراً فيه بفضل إزار
إزار
من شاء أن يلقى الزمان وأهله
ويرى جلا الإشعاع في الأفكار
الأفكار
فليأت حي ابن الخطيب ملبيا
فيفوز بالإعظام والإكبار
كم ضم من جيد كرام فضلهم
يسمو ويعلو في ذوي الأقدار
إذ حيث ناديه فقف عني وقُل
نلت المنى بتلطف ووقار
يا من له الشرف القديم ومن له ال
حسب الصميم العد يوم فخار
يهنيك ما قد نلت من أمل به
في الفرقدين النيرين يسار
يسار
نجلاك قطبا كل تجر باذخ
أملان مرجوان في الاعتبار
الاعتبار
عبد الإله وصنوه قمر العلا
فرعان من أصل زكا وبحار
ناهيك من قمرين في أفق العلا
ينمِّيهما نور من الأنوار
زاكي الأرومة مغرق في مجده
جم الفضايل طيب الأخبار
رقت طبايعه وراق جماله
فكأنما خلقا من الأزهار
وجلت شمايل حسنه فكأنما
خلعت عليه رقة الأسحار
فإذا تكلم قلت ظل ساقط
أو وقع در من نحور جوار
أو فت مسك الحبر في قرطاسه
بالروض غب الواكف المدرار
تتسم الأقلام بين بنانه
فيريك نظم الدر في الأسطار
الأسطار
فتخال من تلك البنان كأنما
نهلت تفتح ناضر النوار
تلقاه فياض الندى متهللا
يلقاك بالبشر والاستبشار
بحر البلاغة قسها وأيادها
سحبانها خبر من الأخبار
إن ناظر العلماء فهو إمامهم
شرف المعارف واحد النظار
أربى على العلماء بالصيت الذي
قد كان في الآفاق كل مطار
ما ضره إن لم يجئ متقدماً
السبق يعرف آخر المضمار
إن كان أخَّره الزمان لحكمة
ظهرت وما خفيت كضوء نهار
الشمس تحجب وهي أعظم تبر
وترى من الآفاق إثر درار
يا ابن الخطيب خطبتها لعلاكم
بكرا تزف لكم من الأفكار
جاءتك من خجل على قدم الحيا
قد طيبت بثنايك المعطار
وأنت تؤدي بعض حق واجب
عن نازح الإمكان والأفكار
مدت يد التطفيل نحو علاكم
فتوحشت من جودكم بنضار
فابذل لها في النقد صفحك إنها
شكوى التقصير في الأشعار
لا زلت في دعة وعز دايم
ومسرة تترى مع الأعصار
ومن السلطانيات قوله من قصيدة نسيبها:
تبسم ثغر الدهر في القضب الملد
فأذكى الحيا خجلة وجنة الورد
ونبه وقع الطلل ألحاظ نرجس
فمال إلى الوسنان وعاد إلى الشهد
وثمَّ سبر الروض في مسكة الدجى
نسيم شذا الخير كالمسك والند
وغطى ظلام الليل حمرة أفقه
كما دار مسود العذار على الخد
وباتت قلوب الشهب تخفق رقة
لما حل بالمشتاق من لوعة الوجد
وأهمى عليه الغيم أجفان مشفق
بذكره فاستمطر الدمع للخد
ومنها:
كأني لم أقف في الحي وفقة عاشق
غداة افترقنا والنوى رُنْدها يعد
وناديت حاديَ العيس عَرِّج لعلني
أبثك وجدي إن تمر على نجد
فقال اتَّيِد يا صاح مالك ملجأ
سوى الملك المنصور في الرفق والرفد
ومما خاطبني به قوله:
عللوني ولو بوعد محال
وحلوني ولو بطيف خيال
واعلموا أنني أسير هواكم
لست أنفك إلا عن عقال
فدموعي من بينكم في انسكاب
وفؤادي من سحركم في اشتغال
يا أهيل الحمى كفاني غرامي
حسبي بما قد جر...... ال
من مجيري من لحظ ريم ظلوم
حلل الهجر بعد طيب الوصال
ناعس الطرف أسمر الجفن مني
طال منه الجوى بطول الليال
بابلي اللحاظ أصمَى فؤاده
ورماه من غنجه بنبال
وكسا الجسم من هواه نحولا
قصده في النوى بذاك النحال
ما ابتدا في الوصال يوماً بعطف
مذ روى في الغرام باب اشتغال
ليس لي منه في الهوى من مخبر
غير تاج العلا وقطب الكمال
علم الدين عزه وسناه
ذروة المجد بدر أفق الجلال
هو غيث الندا وبحر العطايا
هو شمس الهدى فريد المعال
إن وشَى في الرقاع بالنقش قلنا
صفحة الطرس حليت باللآل
أو دجا الخطب فهو فيه شهاب
راية الصبح في ظلل الضلال
أوينا العضب فهو في الأمن ماض
صادق العزم ضيق المجال
لست تلقى مثاله في زمان
جل في الدهر يا أخي عن مثال
قد نأى حبي له عن دياري
لا لجدوى ولا لنيل نوال
لكن اشتقت أن أرى منه وجهاً
نوره فاضح لنور الهلال
وكما همت فيه ألثم كفّا
قد أتت بالنوال قبل السؤال
سألها ابن الخطيب عذراً أجابت
تلثم النعل قبل شسع النعال
وتوفي حق الوزارة عمن
هو ملك لها على كل حال
تذكير