محمد بن محمد
ابن الشُّديّدمن أهل مالقة؛ يكنى أبا عبد الله.
حاله
ذكر في الإكليل بما نصه: شاعر مُجيدٌ، حَوْكَ الكلام، ولا يقصر فيه عن درجة الأعلام. رحل إلى الحجاز لأول أمره، فطال بالبلاد المشرقية ثَواؤه. وعميت أنباؤه، وعلى هذا العهد وقَفْتُ له على قصيدة بخطه غرضها نبيل، ومرعاها غير وبيل، تدل على نَفْس ونَفَس، وإضاءة قبس. وهي:
لنا في كل مكرمة مَقام
ومن فوق النجوم لنا مُقام
روينا من مياه المجد لما
وردناها وقد كثر الزحام
ومنها:
فنحن هم وقل لي من سوانا
لنا التقديم قدماً والكلام
لنا الأيدي الطوال بكل ضرب
يهز به لدى الروع الحسام
ونحن اللاَّبِسون لكل درع
يصيب الشمس منهن انثلام
بأندلس لنا أيام حرب
مواقفهن في الدنيا عظام
ثوى منها قلوب الروم خوفاً
يخوف منه في المهد الغلام
حمينا جانب الدين احتسابا
فها هو لا يهان ولا يضام
وتحت الراية الحمراء منا
كتايب لا تطاق ولا ترام
بنو نصر وما أدراك ما هم
أسود الحرب والقوم الكرام
لهم في حربهم فتكات عمرو
فللأعمار عندهم انصرام
يقول عداتهم مهما ألمُّوا
أتونا ما من الموت اعتصام
إذا شرعوا الأسنة يوم حرب
فحقق أن ذاك هو الحمام
كأن رماحهم فيها نجوم
إذا ما أشبه الليل الغمام
أناس تخلف الأيام ميتاً
بحي منهم فلهم دوام
رأينا من أبي الحجاج شخصاً
على تلك الصفات له قيام
موقى العرض محمود السجايا
كريم الكف مقدام همام
يجول بذهنه في كل شيء
فيدركه وإن عز المرام
قويم الرأي في نوب الليالي
إذا ما الرأي فارقه القوام
له في كل معضلة مضاء
مضاء الكف ساعده الحسام
رؤوف قادر يغضي ويعفو
وإن عظم اجتناء واجترام
تطوف ببيت سؤدده القوافي
كما قد طاف بالبيت الأنام
وتسجد في مقام علاه شكرا
ونعم الركن ذلك والمقام
أفارسها إذا ما الحرب أخنت
على أبطالها ودنا الحمام
وممطرها إذا ما السحب كفّت
وكف أخي الندى أبداً غمام
لك الذكر الجميل بكل قطر
لك الشرف الأصيل المستدام
لقد جينا البلاد فحيث سرنا
رأينا أن ملكك لا يرام
فضلت ملوكها شرقاً وغرباً
وبت لملكها يقظاً ونام
فأنت لكل مَعْلُوَّةٍ مدار
وأنت لكل مكرمة إمام
جعلت بلاد أندلس إذا ما
ذكرت تغار مصر والشآم
مكان أنت فيه مكان عز
وأوطان حللت بها كرام
وهبتك من بنات الفكر بكرا
لها من حسن لقياك ابتسام
فنزه طرف مجدك في حلاها
فللمجد الأصيل بها اهتمام
محمد بن مسعود
ابن خالصة بن فرج بن مجاهد بن أبي الخصال الغافقي؛ الإمام
البليغ، المحدث الحجة؛ يكنى أبا عبد الله. أصله من فَرْغَليط من شُقُورة؛ من كورة جيان؛ وسكن قرطبة وغرناطة.
حاله
قال ابن الزبير عند ذكره: ذو الوزارتين، أبو عبد الله بن أبي الخصال، كان من أهل المعارف الجمة، والإتقان لصناعة الحديث، والمعرفة برجاله، والتقييد لغريبه، وإتقان ضبطه، والمعرفة بالعربية واللغة والأدب، والنسب والتاريخ، متقدماً في ذلك كله. وأما الكتابة والنظم؛ فهو إمامهما المتفق عليه، والمتحاكم فيهما إليه. ولما ذكره أبو القاسم الملاحي بنحو ذلك قال: لم يكن في عصره مثله، مع دين وفضل وورع. قال أبو عمرو بن الإمام الإستجي في سمط الجمان، لما ذكره: البحر الذي لا يماتح ولا يشاطر، والغيث الذي لا يساجل ولا يقاطر، والروض الذي لا يفاوح ولا يعاطر، والطود الذي لا يزاحم ولا يخاطر، الذي جمع أشتات المحاسن، على [ماء غير ملح] ولا آسن؛ وكثرت فواضله، فأمنت المماثل والمحاسن، الذي قصرت البلاغة على محتده، وألقيت أزمة الفصاحة في يده، وتشرفت الخطابة والكتابة باعتزائهما إليه، فنثل كنانتها، وأرسل كماينها، وأوضح أسرارها ودفاينها، فحسب الماهر النّحرير، [والجهبذ العلامة البصير] إذا أبدع في كلامه، وأينع في روض الإجادة نثاره ونظامه، [وطالت قنى الخطية الذبل أقلامه]، أن يستنير بأنواره، [ويقتضي بعض مناهجه وآثاره] وينثر على أثوابه مسك غباره، وليعلم كيف يتفاضل الخبر والإنشاء، ويتلو: ﴿ أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾. [وعضّه العَقُور أبو نصر] في قلائده؛ حيث قال: ((هو وإن كان خامل المنشأ نازله، لم ينزله المجد مناله، ولا فرع للعلاء هضابا، ولا ارتشف للسنا رضابا، فقد تميز بنفسه، وتحيز من أبناء جنسه، وظهر بذاته، وفخر بأدواته.
مشيخته
قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير، في الصلة: روى عن الغساني، والصدفي وأبي الحسن ابن الباذش، وأبي عمران بن تليد، وأبي بحر الأسدي، وأبي عبد الله النفزي، وجماعة غيرهم.
تواليفه
قال الأستاذ: وأما كتبه وشعره وتواليفه الأدبية؛ فكل ذلك مشهور، متداول بأيدي الناس، وقل من يُعلم بعده، أن يجتمع له مثله، رحمه الله.
من روى عنه
روى عنه ابن بشكوال، وابن حبيش، وابن مضاء، وغيرهم، وكل ذلك ذكره في رحاله، وهو أعرف بتقدمه في احتفاله.
شعره
وله شعر كثير. فمن إخوانياته ما خاطب به أبا إسحق ابن خفاجة:
هب النسيم هبوب ذي إشفاق
يذهبن الهوى بجناحه الخفاق
وكأنما صبح الغصون بنشوة
باحت لها سراير العشاق
وإذا تلاعبت الرياح ببانه
لعب الغرام بمهجة المشتاق
مه يا نسيم فقد كبرت عن الصبا
لم يبق من تلك الصبابة باق
إن كنت ذاك فلست ذاك ولا
أنا قد أذنتك مفارقي بفراق
ولقد عهدت سراك من عدد الهوى
والموت في نظري وفي استنشاق
أيام لو عن السلو لخاطري
قربته هدياً إلى أشواق
الهوى إلفي والبطالة مركبي
والأمن ظلي والشباب رواق
في حيث قسمت المدامة قسمة
ضيزى لأن السكر من أخلاق
لا ذنب للصهباء أني غاصب
ولذاك قام السكر باستحقاق
ولقد صددت الكأس فانقبضت بها
من بعدها انبسطت يمين الساق
وتركت في وسط الندامى خلة
هامت بها الوسطى من الأعلاق
فاستسرفوني مذكرين وعندهم
أنى أدين اللهو دين نفاق
وحبابها نفث الحباب وربما
سدكت يد الملسوع منه براق
وكأنه لما توقّر من فوقها
نور تجسم من ندى الأحداق
لو بارح نفح النوى في روضة
فأثارها وسرى عن الأحداق
ولقد جلوا والله يدرأ كيدهم
فتَّانةَ الأوْصاف والأعراق
أغوى بها إبليس قدْماً أدماً
وهي السر يرتمي في هواها الباق
تالله أصرف نحوها وجد الرضا
لو شعشعت برضا أبي إسحاق
ومن نسيبه:
وليلة عنبرية الأفق
رويت فيها السرور من طرق
وكنت حران فاقتدحت بها
ناراً من الراح بَرَّدَتْ حُرق
وافت بها عاطلا وقد لبست
غلالة فصلت من الحدق
فأجابها الدهر من بنيه دجى
لقيته كالإصباح في نسق
قامت لنا في المقام أوجههم
وراحهم بالنجوم والشفق
وأطلع البدر من ذرى غصن
تهفو عليه القلوب كالورق
من عبد شمس بدا سناه وهل
ذاك النور إلا لذاك الأفق
مد بحمراء من مدامته
بيضاء كف مسكية العبق
فخلتها وردة منعمة
تحمل من سوسن على طبق
نشرت في الراح حين نشرتها
ما غادرت مقلتاه من رمق
وقال:
يا حبذا ليلة لنا سلفت
أغرت بنفسي الهوى وما عرفت
دارت بظلمائها المدام فكم
نرجسة من بنفسج قطفت
وًّقال في مغن زار، بعده أغبَّ وشطَّ المزار:
وافى وقد عظمت عليّ ذنوبه
في غيبة قبحت بها آثاره
فمحا إساءته لنا إحسانه
واستغفرت لذنوبه أوتاره
وقال يعتذر عن استبطاء مكاتبة:
ألم تعلموا والقلب رهن لديكم
يخبركم عني بمضجره بعدي
فلو قلبتني الحادثات مكانكم
لأنهبتها وفري واودلاتها خدي
ألم تعلموا أني وأهلي وواحد
فدا ولا أرضى بتفدية وحدي
ومن قوله في غرض المدح يخاطب تاشفين بن علي، ويذكر الوقعة ب ((كركي))، يقول فيها:
الله أعطاك فتحاً غير مشترك
ورد عزمك عن فوت إلى درك
أرسل عنان جواد أنت راكبه
واضمم يديك ودعه في يد الملك
حتى يصير إلى الحسنى على ثقة
يهدي سبيلك هاد غير مؤتعك
قد كان بعدك للأعداء مملكة
حتى استدرَّت عليهم كورة الفلك
سارت بك الجرد أوطار القضا بها
والحين قد قيد الأعداء في شرك
فما تركت كميا غير منعفر
ولا تركت نجيعاً غير منسفك
ناموا وما نام موتور عل حنق
أسدى إذا فرصة من السلك
فصَبَّحَتْهُم جنود الله باطشة
والصبح من عبرات الفجر في مُسُك
من كل مبتدر كالنجم منكدر
تفيض أنفسهم غيظاً من المسك
فطاعنوكم بأرماح وما طعنت
وضاربوكم بأسياف ولم تحك
تعجل النحر فيهم قبل موسمه
وقَدَّمَ الهَدْيَ منهم كل ذي نسك
فالطير عاكفة والوحش واقفة
قد أثقلتها لحوم القوم عن حرك
عدت على كل عاد منهم أسَرٌ
بعثه في حنجر رحب وفي حنك
كلي هينئاً مريئا وًاشكري ملكاً
قرتك أسيافه في كل معترك
فلو تنضدت الهامات إذ نشرت
بالقاع للغيظان بالنبك
أبرح وطالب بباقي الدهر ماضيه
فيوم بدرٍ أقامه الفيئ في فدك
وكم مضى لك من يوم بنت له
في ماقط برماح الحظ مشتبك
بالنقع مرتكم بالموت ملتيم
بالبيض مشتمل بالشمر محتبك
فحص القباب إلى فحص الصعاب
إلى أريولة مداسات إلى السكك
وكم على حبر محمود وجارته
للروم من مرتكل غير مترك
وفيت للصفر حتى قيل قد غدروا
سموت تطلب نصر الله بالدرك
فأسلمتهم إلى الإسلام غدوتهم
وأذهب السيف ما بالدن من حنك
يا أيها الملك السامي بهمته
إلى رضى الله لا تعدم رضى الملك
ما زلت تسمعه بشرى وتطلعه
أخرى كدرّ على الأجياد منسلك
بيضت وجه أمير المؤمنين بها
والأرض من ظلمة الإلحاد في حلك
فاستشعر النصر واهتزت منابره
بذكر أروع للكفار محتنك
فأخلدك ولمن والاك طاعته
خلود بر بتقوى الله ممتسك
وافيت والغيث زاخر قد بكا طرباً
لما ظفرت وكم بلله من الضحك
وتمم الله ما أنشأت من حسن
بكل منسبك منه ومنتمك
وعن قريب تباهي الأرض من زهير
سماها بها غضة الحبك
فَعُدْ وقُدْ واعتمدْ وأحمدْ وسدْ وأبِدْ
وْقُل وْصِل واسْتَطِلْ واسْتَوْلِ وانْتَهِكْ
وحسبك الله فرداً لا نظير له
تغنيك نصرته عن كل مشترك
ومن قوله في غرض الرثاء، يرثي الفقيد أبا الحسن بن مغيث:
الدهر ليس على حر بمؤتمن
وأي علق تخطته يد الزمن
يأتي العفا على الدنيا وساكنها
كأن أدبر لم يسكن إلى سكن
يا باكيا فرقة الأحباب عن شحط
هلا بكيت فراق الروح للبدن
نورٌ تقيد في طين إلى أجل
وانحاز عنواً وخلى الطين في الكفن
كالطير في شرك يسمو إلى درك
حتى تخلص من سقم ومن درن
إن لم يكن في رضى الله التقاوهما
فيا لها صفقة بتِّت على دغن
يا شد ما افترقا من بعد ما اعتنقا
أظنها محرقة كانت على دخن
ورب سار إلى وجه يسر به
وافى وقد نبت المرعى على الدمن
أتى إلى الله لا سمعٌ ولا بصرٌ
يدعو إلى الرشد أو يهدي إلى السنن
في كل يوم فراق لا بقاء له
من صاحب كرم أو سيد قمن
أعيا أبا حسن فقد الذين مضوا
فمن لنا بالذي أعيا أبا حسن
كأن البقية في قوم قد انقرضوا
فهاج ما شاء ذاك القرن من شجن
يعد فداً وفي أثوابه رمز من
كل ذي خلق عمرو وذي فطن
وإنّ من أوجدتنا كل مفتقد
حياته لعزيز الفقد والظعن
من للملوك إذا خفت حلومهم
بما يقاوم ذاك الطيش من سكن
ومنها:
يا يونس لا تسر أصبحنا لوحشتنا
نشكو اغتراباً وما بنا عن الوطن
ويا مطاعا مطيعاً لا عناد له
في كل أمر على الإسلام مؤتمن
كم خطت كارتجاج البحر مبهمة
فرجتها بحسام سل من لسن
طود المهابة في الجلا وإن جذبت
عنانه خلوة هزت ذرى وتر
أكرم به سبباً تلقى الرسول به
لخمس واردة في الفرض والسنن
ناهيك من منهج سم القصور به
هوى فمن قدر عال إلى فدن
من كل وادي التُّقَى يسقى الغمام به
فيستهل شروق الضرع باللبن
تجملت بك في أحسابها مضر
وأصل مجدك في جرثومة اليمن
من دولة حولها الأنصار حاشدة
في طامح شامخ الأركان والقنن
من الذين هم رووا وهم نصروا
من عيسة الدين لا من جذوة الفتن
إن يبد مطلع منهم ومستمع
فارغب بنفسك عن لحظ وعن أذن
ما بعد منطقه وشي ولا زهر
ولا لأعلاق ذاك الدر من ثمن
أقول وفينا فضل سؤدده
استغفر الله ملء السر والعلن
محمد ومغيث نعم ذا عوضاً
هما سلالة ذاك العارض الهتن
تقيلا هديه في كل صالحة
نصر السوابق عن طبع وعن مرن
ما حل حبوته إلا وقد عقدا
حباً بما اختار من أيد ومن منن
غر الأحبة عند حسن عهدهما
وإن يونس في الأثواب والجنن
علماً وحلماً وترحيباً وتكرمة
للزايرين وإغضاء على زكن
يا وافد الغيث أوسع قبره نزلا
وروماً حول ذاك الديم من ثكن
وطبق الأرض وبلا في شفاعته
فنعم رايد ذاك الريف واليمن
وأنت يا أرض كوني مرة بأبي
مثوى كريم ليوم البعث مرتهن
وإن تردت بترب فيك أعظمه
فكم لها في جنان الخلد من ردن
ومن شعره؛ قوله مخمَّساً؛ [كتب بها]؛ وقد أقام بمراكش؛ يتشوق إلى قرطبة:
بدت لهم بالغور والشمل جامع
بروق بأعلام العذيب لوامع
فباحت بأسرار الضمير المدامع
ورب غرام لم تنله المسامع
أذاع بها من فيضها التصويب
ألا في سبيل الشوق قلب مؤثل
بركب إذا شاء والبروق تحمل
هو الموت إلاّ أنني أتحمل
إذا قلت هذا منهل عز منهل
وراية برق نحوها القلب يَجْنِبُ
أبى الله إما كل بعد فثابت
وإما دنو الدار منهم ففايت
ولا يلفت البين المصمم لافت
ويا رب حي البارق المتهافت
غراب بتفريق الأحبة يَنْعَبُ
خذوا بدمي ذاك الوسيق المضرجا
وروضاً بغيض العاشقين تأرجا
عفى الله عنه قاتلاً ما تحرجا
تمشَّى الردى في نشره وتدرجا
وفي كل شيء للمنية مَذْهَبُ
سقى الله عهداً قد تقلص ظله
حيا قطره يحيي الربا مستهله
وعى به شخصاً كريماً أُجِلُّهُ
يصح فؤادي تارة ويُعلُّه
ويلمه بالذكر طوراً ويُشْعبُ
رماني على قرب بشرخ ذكائه
فأعشت جفوني نظرة من ذكايه
وغصت بأدنى شعبة من سمايه
شعابي وجا البحر في غلوئه
فكل قرب ردع خديه يركب
ألم يأته أنَّى ركنت قعوداً
وأجمعت عن وفز الكلام قعودا
ولم أعتصر للذكر بعدك عودا
وأزهقني هذا الزمان صعودا
فربع الذي بين الجوانح سبسب
على تلك من حال دعوت سميعا
وذكرت روضاً بالعقاب مريعا
وتملأ الشعب المذحجي جميعاً
وسرباً بأكناف الرصافة ريعا
وأحداق عين بالحمام تقلب
ولم أنس ممشانا إلى القصر ذي النخل
بحيث تجافى الطود عن دمث سهل
وأشرف لا عن عظم قدر ولا فضل
ولكنه للملك قام على رجل
يقيه تباريح الشمال ويحجب
فكم توجّع ينتابه برسيسه
ويرتحل الفتى بأرجل عيسه
أبِقْ أمَّ عمرو في بقايا دريسه
كسحق اليماني معتليه نفيسه
فرقعته تسبي القلوب وتعجب
وبيضاء للبيض البهاليل تعتريه
وتعتز بالبان جلالا وتنتزي
سوى أنها بعد الصنيع المطرز
كساها البِلَى والثكل أثواب مُعْوِزِ
يبكي وتبكي للزايرين وتندب
وكم لك بالزهراء من متردد
ووقفة متسق المجامع مقصد
يسكن من خفق الجوانح باليد
ويهتك حجب الناصر بن محمد
ولا هيبة تُخْشَى هنالك وترهب
لنعم مقام الخاشع المتنسك
وكانت في محل العبشمين المملك
متى يورد النفس العزيزة يسفك
وإن يسم نحو الأبلق الفرد يملك
وأي مرام رامه يتصعب
قصور كان الماء يعشق مبناها
فطوراً يرى تاجاً بمفرق أعلاها
وطوراً يرى خلخال أسوق سفلاها
إذا زل وهناً عن ذوايب يهواها
يقول هوى بدراً أو انقَضَّ كوكب
أتاها على رغم الجبال الشواهق
وكل منيف للنجوم مراهق
وكم دفعت في الصدر منه بعانق
فأودع في أحشائها والمفارق
حساباً بأنفاس الرياح يَذْرَبُ
هي الخود من قرن إلى قدم حسناً
تناصف أقصاها جمالا مع الأدنى
ودرج كالأفلاك مبنى على مبنى
توافقن في الإتقان واختلف المعنى
وأسباب هذا الحسن قد تتشعب
فأين الشموس الكالفات بها ليلاً
وأين الغصون المائسات بها ميلا
وأين الظبا السابحات بها ذيلا
وأين الثرى رجلا وأين الحصا خيلا
فوا عجبا لو أن من يتعجب
كم احتضنت فيها القيان المزاهرا
وكم فاوحت فيها الرياض المجامرا
وكم ساهرت فيها الكواكب سامرا
وكم قد أجاب الطير فيها المزامرا
عظيم من الدنيا شعاع مطنب
كأن لم يكن يُقضى بها النهي والأمر
ويُجبى إلى خزائنها البر والبحر
ويسفر مخفوراً بذمتها الفخر
ويصبح مختوماً بطينتها الدهر
وأيامه تعزى إليها وتنسب
ومالك عن ذات القِسِيِّ النواضج
وناصحة تُعزى قديماً لناصح
وذي أثر على الدهر واضح
يخبر عهد هنالك صالح
ويعمر ذكر الذاهبين ويخرب
تلاقى عليه فيض نهر وجدول
تصعد من سِفْلٍ وأقبل من عَلٍ
فهذا جنوبىّ وذلك شمأل
وما اتفقا إلا على خير منزل
وإلا فإن الفضل منه مجرب
كأنهما في الطيب كانا تنافرا
فسارا إلى وصل القضاء وسافرا
ولما تلاقى السابقان تناظرا
فقال وليُّ الحق مهلاً تظافرا
فكلُّكما عذب المجاجة طيب
ألم يعلما أن اللجاج هو المقتُ
وأن الذي لا يقبل النصف مُنْبَتُّ
وما منكما إلا له عندنا وقت
فلما استبان الحق واتجه السمت
تقشع من نور المودة غيهب
وإن لها بالعامرية لمظهرا
ومستشرفاً يُلهي العيون ومنظراً
وروضنا على شطَّيْ خضارة أخضرا
وجوسق ملك قد علا وتجبرا
له ترة عند الكواكب تطلب
غيره في عنفوان الموارد
وأثبته في ملتقى كل وارد
وأبرزه للأريحي المجاهد
وكل فتى عن حرمة الدين زايد
حفيظته في صدره تتلهب
تقدم عن قصر الخلافة فرسخا
وأصحر بالأرض الفضاء ليصرخا
فحالته أرض الشرك فيها مُنوِّخا
كذلك من جاس الديار ودوَّخا
فردْعَتُه في القلب تسري وترهب
أولَيِكَ قوم قد مضوا وتصدعوا
قضوا ما قضوا من أمرهم ثم ودعوا
فهل لهم ركز يحس ويسمع
تأمل فهذا ظاهر الأرض بلقع
إلا أنهم في بطنها حيث غيب
ألست ترى أن المقام على شفا
وأن بياض الصبح ليس بذي خفا
وكم رسم دار للأجنة قد عفا
وكأن حديثاً للوفود معرفاً
فأصبح وحش المنتدى يُتجنب
والله في الدارات ذات المصانع
أخلاء صدق كالنجوم الطوالع
أشيع بينهم كل أبيض ناصع
وأرجع حتى لست يوماً براجع
فيا ليتني في قسمتي أتهيب
أقرطبة لم يثنني عنك سلوان
ولا بمثل إخواني بمغناك إخوان
وإني إذا لم أسق ماءك ظمآن
ولكن عداني عنك أمر له شان
وموطني آثار تُعدُّ وتكتب
لك الحق والفضل الذي ليس يدفع
وأنت لشمس الدين والعلم مطلع
ولولاك كان العلم يُطوى ويُرفع
وكل التقى والهدى والخير أجمع
إليك تناهى والحسود معذب
ألم تك خصت باختيار الخلايف
ودانت لهم فيها ملوك الطوايف
وعض ثقاف الملك كل مخالف
بكل حسام مرهف الحد راعف
به تحقن الآجال طوراً وتسكب
إلى ملكها انقاد الملوك وسلموا
وكعبتها ندا الوفود ويمموا
وفيها استفادوا شرحهم وتعلموا
وعاذوا بها من دهرهم وتحرموا
فنكب عنهم صرفه المتسحب
علوت فما في الحسن فوقك مرتقى
هواؤك مختار وتربك منتقى
وجسرك للدنيا وللدين مُلتقى
وبيتك مربوع القواعد بالتقى
إلى فضله لأكباب تنضى وتضرب
تولى خيار التابعين بقاءه
وخطوا بأطراف العوالي فناءه
ومدوا طويلا صيته وثناء
فلا زال مخلوع عليه سناه
ولا زال سعي الكايدين يخيب
وبالغ فيه كل أروع أصيد
طويل المعالي والمكارم واليد
وشادوا وجادوا سيداً بعد سيد
فبادوا جميعاً عن صنيع مخلد
يقوم عليه الثناء ويخطب
مصابيحه مثل النجوم الشوابك
تمزق أثواب النجوم الحوالك
وتحفظه من كل لاه وسالك
أجادل تنقض انقضاض النيازك
فإبشارهم بالطبطبية تنهب
أجدك لم تشهد بها ليلة القدر
وقد جاش بر الناس منه إلى بحر
وقد أسرجت فيه جبال من الزهر
فلو أن ذلك النور يقبس من فجر
لأوشك نور الفجر يفنى وينضب
كأن للثريَّاوات أطوادٌ من نرجس
ذوايبه تهفو بأدنى تنفس
وطيب دخان النِّد من كل معطس
وأنفاسه في كل جسم وملبس
وأذياله فوق الكواكب تسحب
إلى أن تبدت راية الفجر تزحف
وقد قضى الذي لا يسوف
تولوا وأزهار المصابيح تقطف
وأبصارها صوناً تغض وتطرف
كما تنصل الأرماح ثم تركب
سلام على غيابها وحضورها
سلام على أوطانها وقصورها
سلام على صحرايها وقبورها
ولا زال سورالله من دون سورها
فحسن دفاع الله أحمى وأرهب
وفي ظهرها المعشون كل مرفع
وفي بطنها الممشوق كل مشفع
متى تأته شكوى الظلامة ترفع
وكل بعيد المستغاث مدفع
من الله في تلك المواطن يقرب
وكم كربة ملء الجوانح والقلب
طرقت وقد نام المواسون من صحب
بروعتها قبر الولي لي وهب
وناديت في الترب المقدس يا رب
فأبت بما يهوى الفؤاد ويرغب
فيا صحبي حان قبلك مصرعي
وكنت على عهد الوفا والرضا معي
فحط بضاحي ذلك السُّرَى مضجعي
وذرني فجار القوم غير مروع
فعندهم للجار أهل ومرحب
رعى الله من يرعى العهود على النوى
ويظهر بالقول المحبر ما نوى
ولبيته من مستحكم الود والهوى
يرى كل واد غير واديه مجتوى
وأهدي سبيله الذي يتجنب
كتابته
وكتابة ذي الوزارتين رحمه الله كالشمس شهرة، والبحر والقطر كثرة؛ ونحن نثبت له شيئاً من ذلك ليلاً يخلو هذا الكتاب من شيء من بيانه. كتب يراجع الوزير أبا بكر بن عبد العزيز، من رسالة، كتب بها إليه مع حاج يضرب القرعة: ((أطال الله بقاء وليّي، وإمامي، الذي له إكباري وإعظامي، وفي سلكه اتسامى وانتظامي، [وإلى ملكه انتسابي واعتزايي، وبوُدّه افتخاري وانتزايي]، للفضايل مجيباً ومبدياً، وللمحامد مشتملاً ومرتدياً، وبالغرايب متحفاً ومهدياً، [ولا زال الرخاء وأزِل، وجدّ من المصافاة وهزل، وسحت من المراعاة وجزل].
وصل كتابه صحبة عرّاف اليمامة، وفخر نجد وتهامه، [يقرظه ويزكيه، ويصفه بالخب يفسره ويجليه]، ويجليه]، والخفيّ يظهره ويبديه، ولعله رائد، رائد، لابن أبي صايد، أو هاد للمسيح الدجال قايد. أشهد شهادة إنصاف؛ أن عنده لعضباً صاف، ولو كان هناك ناظر صادق طاف، ولله خفايا الألطاف، لقلت هو باد غير خاف، من بين كل ناعل وحاف.
وسأخبرك أيدك الله، بما اتفق، وكيف طار ونعق، وتوسد الكرامة، وارتفق، [طرق له وصفك ونعتك، وثقفه بريك ونحتك، ورفعه للعيون جدك وبختك]، وامتدت نحوه النواظر، واستشرفه الغايب والحاضر، وتسابق إليه النابه والخامل، وازدحم عليه العاطل والعامل؛ هذا يلتمس مزيداً، وذاك يبتغي حظاً جديداً، وهذا يطلب تقليداً، [وذلك يسل إلى مغاليقه إقليداً]. فكلما حزب، وغل وجلب، حلب واستدر، وتلقاه [وإن ساءه الغيب] بما سر.
وكنت واتغت جملة من الأعيان، ووافقت ثلة من جلة الإخوان، على تمشية أمره، وتوشية ذكره؛ فلما صدقت تلك الفرقة، واستوت بهم تلك الفرقة، أحضرناه لِلسَّبار، وأقعدناه للنقد والاختيار، وأردنا أن نقف على جلايا تلك الأخبار، فأحضرنا طحناً ونطعاً، وسرينا عنه من الوحشة قطعاً، وقلنا له خذ عفوك، ولا توردنا إلاّ صفوك، ولا تصانعنا في الكريهة التي نراها، والحادثة تستفظع ذكراها. فما عندنا جهل، وما منّا إلاّ محتنّك كهل، لا يتكاده حزن، ولا يستخفه سهل، فسكن جايش فوره، وضرب بلحيته على زوره، ثم صعَّد فينا النظر وصوب، واستهل صارخاً وثوَّب [وتحرج من الكذب وتحوب]، وقال لست للعشرة خابطاً، ولا للطرف غامضاً، ولا عن الصدق إذا صدع حايداً، ولا للغدر ممن وقع منه ذايداً، ولا بمعجزات النبوة لاعباً، ولا لصريح الجد مداعباً، ولا تطيبني مسألة ولا حلوان، ولا تستفزني نضايد كثيرة ولا ألوان. إنما هو رسم وخط، ورفع وحط، ونحس وسعد، ونقد ووعد، ويوم وغد.
فقلنا له: الآن صحت الوفادة [وأينعت الإرادة]. ثم نظر إلينا نظر المستقل واجتذب النطع اجتذاب المدل، ونثل الطجن وهاله، وأداره حتى [استدار هاله]، ثم قال يا أيها الملأ هذا المبتدأ، فأيكم يبدأ. فرمقني القوم بأبصارهم، وفغروا وكبروا، وليتهم [عند ذلك] صفروا.
فقلت يا قوم قد عضضت على ناجذي حلماً، [وقتلت شأني كله علماً]، [وعقدت بيني وبين وبين غد سلماً]، فكيف أستكشف عما أعرف؟ وأسبقهم وأسبقهم عما لا يستبهم؟ على الرحمن توكلت، وعلى الشيطان تركلت، ومن كسبي أكلت، [وفي مبرك السلامة بركت]، وجسيمات الأمور تركتني وتركت، والنفس المطمئنة رجوت، ولعلني قد نجوت، [وأصبت فيما نحوت]. فلحظتني عند هذه المقالة عينه، وطواني صدقه صدقه ومينه. [ثم صار القوم دوني أنجية، وأعد له كل تورية وتعمية. فقال قايل منهم، تعالوا نشترك في ضمير، ونَرْمِه بهذا الطَّاغية ابن رذمير]؛ ففي كل قلب منه ندب كبير، والسؤال عنه دين وأدب، فإن أصابه استرحنا من النصب والشخوص، وحرنا من العموم إلى الخصوص، وإن أخطأه فهو لما سواه أخطأ، ولما يدعيه ويريده منه أبطأ. فقالوا نعم ما عرضت، وأحسن بما رويت وفرضت.
فلما رأيناه يثقل التعريض، ويحكم التقرير والتعويض، قلنا له حقق ضميرك كل التحقيق، وضع مسبحتك في الدقيق. [فابتدر ما أمر] وحسر عن ذراعه وشمّر، ومرت أصبعه في خطه مرّ الذر المتهالك، ووقعت وقع القطر المتدارك، [لا تمس الطحن إلاّ تحليلا، وغمزاً كالوهم قليلا] فطوراً يستقيم سبيلا، وتارة يستدير يستدير إكليلا، وآونة يأتي بالسماء ونجومها قبيلاً. فكان هنالك لنعش من بنات، وللثريّا من أخوات، وطير قابضات، وصافات وأسراب ناشرات خافقات.
فلما استوفى عدده، وبلغ أمده، وختم طرائقه وقدده، وأعطى الأصول وفروعها، وتدبر تفاريقها وجموعها؛ فجمع وتقبض، وفتر ثم انتفض، [وصعد ذهنه وتسافه، وأخذ الطحن فسافه]، وزفر وشهق، وعشر ونهق، وألصق بظهره حشاه، وكتم الربو ثم أفشاه، وقال هذا الذي كنت أخشاه، عميتم الأثر، [وكتمتم حقيقة الخبر]، [وعثرتم خاطي فيما عثر، ونثرتم نظام الحدس فما انتثر]. سألتم عن روح شارد، وشيطان مارد، وصادر مع اللحظات وارد. لا يوطن داراً. ولا يأوي قراراً ولا يطعم النوم إلا غراراً. نعم أمره عندي مستقر. هو زنديق مستتر، وشهاب من شهب الكفر مستمر.
ثم رجَّع البصر واختصر، وعاد إلى الحساب يتقرّاه، والصواب يتحرّاه؛ وتتبَّع أديم الطّحن ففراه. وقال أعوذ بالله من شر ما أراه؛ إلى كم أرى في غلاء وبلاء؛ كأني لست ذا أمرار وأحلاء، تالله لو كانت قرعة رفعة وعلا؛ ما غاب عني اللّحياني ذو السَّبَلة، ولواجهنا البياض ذو الغرة المستقلة، مواجهة حسان لجبله؛ النَّحس على هذا الروح قد رُتَّب؛ وكتب عليه [من الشقاء] ما كتب، وأخرج النصرة الداخلة من العتب. ثم أشار إلى الحُمرة، وكأنما وضع يده على جَمْرة، وقال: كَوْسَجَ نَعِيّ، وسناط الوجه شقي، وثقاف وطريق، وجماعة وتفريق، وقبض خارج، ومنكوس مارج. ثم وضع عمامته، ولولب هامته، وأمال وجهه فجراً طلقاً، ثم عرضه مجناً مطرقاً، وعقد أنامله عضا، [وأدمى صدره دعاً ورضاً، وقطع بصره لمحاً وغضاً، وتكفأ وتقلع] وأدلع لسانه فاندلع. فقلنا شرٌّ تَأبّطَه، أو شيطان يتخبطه، أو قرين يستنزله ويختله أو رؤى في الذرة والغارب يفتله.
[ثم تجاحظ وتحاذر، وتضاءل وتنازر]، وقال: والذي أحيا عازِر، وأخرج إبراهيم من آزَرْ، وملك عنان الريح وأذعن له كل شيء بالسجود والتسبيح، إنه لمن عُبَّاد المسيح. هيهات هيهات، لا أضعضع بظن، ولا يقعقع لي بشن، ولا أنازع من هذه الفنون في فن؛ قد ركبت أثباج البحار، وقطعت نياط المفاوز والقفار، وشافهني الحرم والبيت، وصافحني الحجر الكميت، وأحرمت ولبيت، وطفت ووفيت، ورزت المصطفى صلى الله عليه وسلم وتحفيت؛ ثم ملت على عدن، وانحدرت عن اليمن، واستسقيت كل راعدة، وأتيت كل قاعدة؛ ورأيت صاحب الجمل قس بن ساعدة، ووردت عكاظ، وصدقت الحفاظ، وقدت العصية بنسع، ومسحت الشامات بأخمس وتسع، ووقفت حيث وقف الحكمان، وشهدت زحف التركمان، وكيف تصاولت القروم، وغُلِبت الرُّوم، [وهزم المدبر المقبل، واكتسحت الجِحاش الإبل].
فقلنا لله أنت، لقد جليت عن نفسك، وأربى يومك على أمسك، ولقد صدق مطريك، ووفت صحيفة تزَكَّيك، [وما كانت فراستنا لتخيب فيك]. فماذا تستقري من اللوح، وترى في ذلك الروح، بعيشك [ألا ما أمتعتنا] بالإفشاء والبوح. فرجع في البحث أدراجه، وطالع كواكبه وأبراجه، وظل على مادة الطحن، يرقم ويرمق، ويفتق ويرتق.
ثم جعل يبتسم، وقال: أحلف بالله وأقسم، لقد استقام النسم، وإنه لكما أرسم وأسم، وإني لا أجده إلا لاغباً مبهوراً، ومنكوداً مقهوراً؛ ولن يلبث إلا شهوراً، قد أفل طالع جده، وفل حده وأتي عليه نقي خده، وصيٌّ لم يملك أبوه وملك جده. فقلنا صرحت وأوضحت، وشهرت هذا المستور وفصحت وإن ساعدك قدر، وكان لك عن هذا الورود صدر، فحظك مبتدر؛ وخطك صاف لا يشوبه كدر؛ فقال هذا أمر قد آن أو كان، وسيأتيكم الخبر الآن؛ فانفصلنا وأصغينا الآذان، وجعلنا نتلقى الركبان، فلم يرعنا إلاّ النّعمى الناجمة، والبشرى الهاجمة بما بان، فأدهنا في شأنه، ولم يكن يعاوده خوف طغيانه، فإذا الخبر لم يخط صماخه، وكأنما كان عوداً وافى مناخه، أو طايراً أم أفراخه.
فلم ينشب أن أقبل يَصْمُد نحونا أي صمد، ويتعرضنا على عمد، تعرض الجوزاء للنجوم؛ [وينقض انقضاض نيازك النجوم]، وقال ألم يأن أن تدينوا لي بالإكبار، وتعلموا أني من الجهابذة الكبار، فقلنا منك الإسجاح، فقد ملكت ومنك ولك النجاح، أية سلكت. فأطرق زهواً، وأعرض عنا لهواً، وقال اعلموا أن القرعة لو طوت أسرارها، ومنعتني أخبارها، لمزقت صدراها، وذروت غبارها، ولكان لي عنها أوسع منتدح، وأنجد زناد يقدح، أين أنتم عن رصدي الأحلاك؟ وعلمي بالأفلاك؟ أنا في مرج الموج، وأوج الأوج، والمتفرد بعلم الفرد والزوج، ومسترط السرطان، ومستدير الدبران، وبايع المشتري بالميزان، والقابض بيوم الحساب والعمل، على روق الثور وذنب الحمل، [أعقد نصل العقرب]، وأقيد الأبعد والأقرب، لصيد أوابدها بالدَّقايق والدَّرَج، [حتى اضطر سارحها إلى الحرج، وأصبحها في أضيق منعرج]. [أنا استذكرت بالأنبار فرحة الإقبال وترحة الإدبار]، وطالعت إقليدس، فاستنبطته، وصارعت المجسطي فجسطنته، وارتمطت إلى الأرتماطيقي، [وأطقت الألوطيقي]، ولحظت التحليل بحل بحل ما عقده، وانتضيته ما مطل به الجهابذة، فنفذه. وعاينت زحل، حين استقل على بعيره ورحل، وضايقته في ساحته، وحصرته في مساحته، وحضرت قرانه، وشهدت تقدمه ومرانه، وشاهدته [شفراً بشفر]، وناجاني برقاً يعد في الكفر، وتخريبه لمُلْكِ الصُّفْر، [ وتفريقه لبلاد اللطينة] وإنجاز الوعد في فتح قسنطينة. أنا عقدت رشا الدلو، وذروت غبار الحوت للفلو. أنا اقتدحت [سقط الجَوْزَهَرْ]، فلاح بعد خفايه وظهر. أنا استشرت الهلال من مكامن سرره، [وأخذت عليه ثنايا ثنايا سفره]، وقددت قلامته من ظفره، ودللت طير الصَّاير على شجره، فجنيت المرّ من ثمره، أنا طرقت الزهرة في خدرها، وصافحتها من الفكرة بيد لم تدرها. تدرها. أنا أذكيت على ذكاء فظلت تلتهب؛ وأحرزتها من الوهم شطنا [أجذبها به فتنجذب]. أنا أنعى للمعتبرين حياتها، [فيشبهون الحسنة، ويتحرون أوقاتها، حتى تنتشر بعد الطيّ حياتها]، وتستقيل من العثار آياتها. أنا انتضيت للشباب شرخاً، وأضرمت للمريخ عقاراً ومرخاً، حتى أتغانى بملاحم حروبه، وحوادث طلوعه وغروبه، وتلمظه إلى النجيع، وولوغه في مهجة البطل السجيع. أنا أبرى من اللّمم، وأشفى من الصَّمم، وأنقل العطس إلى الشمم.
فقلنا: أما الأولى، فقد سلمنا لك جميعها، وأما هذه الثلاثة فلن تستطيعها. قال فلم تعجزون ولا تستخزون؟ فقلنا من كان له علاج فبنفسه يبدأ، ونَغَب بغيره. ولسنا نريدك، ولكن تهتزُّ يدُك. قال أما من بينهم رَوِي، وألقى في روعه ما ألقى في روعي، فمثله كالصَّارم، حسنه في فِرنْده، لا غمده، وجماله في حدّه لا في خدّه، والمرء كما قيل بأصغريه، لا بمنخريه، والشأن في الحيزوم، لا في الخيشوم، وفي الذّكرين، لا في الأنثيين، وبعد فهو كلام ظاهره إجمال، وباطنه احتمال، وسأنبئكم [بغزارة سيله، وفجر ليله]. أما الأفطس فيدلي الضغنة، ويتزوج في آل جفنه. فإن الله أتم، جاء الولد أتم، وإن نام عرق خاله، بقي الولد بحاله. وأما الأصم، فيخرج عن الغلام، وبلا فال، ويطلب في بني السميعة بركة الإسمية والفال، فإن الله أراد، ظفر بالمراد، وجاء ابنه (أسمع من قُرَادٍ).
فأحس من بعض الحاضرين تمريضاً، وعاين طرفاً غضيضاً، [فتعكر وتشذر]، وطوف وحذر. وقال صاحب الشريعة، سماهم بني السميعة، قوموا يا بني الّلكيعة، فقد قطعتم رزقي، وآذيتم طُرُقي، وأذللتم ضربي وطَرْقي، وسددتم طوقي، وأخذتم على أفقي غربي وشرقي. [ذروني لِلَّتي هي للبلية تجني، ثم الوجد يعني، لو شَرِب نواديه إثر تجني].
ثم نجا بعزمته سميلاً، وأرسل بنات نعش ذيلا، وقد أفاد بما استصحب من ميامنك ليلاً [كذبني أيدك الله عند نواه] ولم يطلعني طلع ما نواه؛ وما ذاك إلا لمطمع لواه، ومغنم هواه فرفعت لي بعد وداعه نجوة، ورمتني بشخصه فجوة [فقلت: ما أراك إلا غائل، أورثت عنك الحبائل]؛ فسراك سرى قَيْن، وحديثك مَيْن، ألم تعبر دُجَيْلا، ويممت سهيلا؟ فقال طربت إلى الأصفية الصغار، وشاقني الشوق بين الطواغيت والأصفار. فقلت له: هلم إلى خط نعيده، وحظ نستفيده. فقال لولا أن تقولوا الساعة متى، وتطالبوني بإحياء الموتى، لما أجمعت إلى الغرب غروباً، ولأريتكم من الحذق ضروباً. ثم قال: إن لي بالحضرة أفراخاً، وأما استصرخت عليها استصراخاً، وانسلخت منها انسلاخاً، وأعيا على أمره، فلم أعلم له ظعناً ولا مناخاً. فلبثت كذلك أياماً، قد اعتمّ عليّ أمره اعتياماً، ولم أعرف له إنجاداً ولا اهتماماً، فإذا به وقد اضمرت عنه بأساً، ولم أطمع فيه رأساً، قد أشب لي شباباً، ولمعت صلعته شهاباً، تكتنفه صرة، وبيُمْناه قوصرة. وتؤود يسراه جرّة.
فقلت له قاتلك الله. [ما أشدّ فقداتك، إلا فقدتك، وما أذكر وجداتك إلا وجدتك] أين أفراخك، والأم التي جذبها استصراخك. فقال الصعلوك: لو أعلم مذاهبه، تحرم مناهبه، وتحدم مراهبه. ذرني وعلاجي، أحاجي وأداجي، وأعاين وأناجي، وأتقلب في بركة دعاء الباجي. فقلت له: مالك وللميت، ورحم الله من سميت. قال: لما أذن الله فالتأمت الشيمة، وتمزقت عني المشيمة، هممت بالسَّرْق، ولففت في الخَرْق، [ وفارقت من الضيق منتداه]، وأفلتتني يداه؛ فحنكني السعد بتمر المدينة، وسقاني من ماء البلدة الأمينة، وعوذني بدعوات متينة، فها أنا كما ترى [أتهادى واجتذب] وأستحلي وأستعذب. فقلنا: لعمرك إنه لفضل عميم، لولا الصميم، [وإنها لمنقبة]؛ لولا العقبة [وأثرة ملتمسة، لولا العطسة]. فقال: دعنا من زخاريفك، وأغضض من عنان تصاريفك. البازل لا يكون إلا ذميما، والليث لا يوجد إلا شميما ثم [قام وحمل]، وابتدر وارتجل:
عيشنا كله خدَعْ * فاترك اللوم عنك ودَعْ
أنا كالليث والليو * ثِ بأرسانها تَرُعْ
ولها لأوجه السَّي * مه من يلقها يُرَعْ
أي حسن لمازن * بيد الدَّل يُخترعْ
أنا كالسيف حده * لا يبالي بما وقعْ
إنما الحسن للمها * ةِ وللظبي يا لَكِعْ
فقلت: تباً لك ساير اليوم، إنك لتريش وتبري، وتقد وتفري، وتحاسن وتقابح، وتُهارش وتنابح، [وتحب وتحب وتتأمل، وتحسن وتغلغل]، وتشاعر وتراجز، وتناطح وتناجز. وأنت على هذا كله مُصِرّ؛ ما جزاؤك إلا إلا ريح فيها صِرّ. فما هو إلا أن غفلت عنه لمحة طرف، أو نفحة عرف، ثم التفت، وإذا به قد أفلس، وكأنما كان برقاً خُلَّس، ولم أدر أقام أو جلس. ومحاسنه القَطْر الذي لا يعد، والأمر الذي يأخذه الحد. وكفى بهذه الرسالة دليلا على جلالة مقداره، وتدفق بحاره [وفخاره]؛ لما اشتملت عليه من بلاغة وبيان، وبساط حال أنت على خبره بعيان، وعلوم ذات افتنان، خلد الله عليه الرحمة، وضاعف له [المنة والنعمة].
[مولده
بأوايل ربيع الثاني؛ عام خمس وستين وأربعماية].
وفاته
من خط الحافظ المحدث أبي القاسم ابن بشكوال رحمه الله: كان ممن أصيب أيام الهرج بقرطبة، فعظم المصاب به، الشيخ الأجل، ذو الوزارتين، السيد الكامل [الشهير الأثير]، الأديب [اللّغوي السري] الكاتب البليغ، معجزة زمانه [وسابق أقرانه]، ذو المحاسن الجمة، [الجليلة الباهرة]، والأدوات الرفيعة الزكية، الطاهرة الكاملة، المجمع على تناهي نباهته، وحمد خصاله وفصاحته؛ [من لا يشق غباره، ولا تلحق تلحق آثاره، معجزة زمانه في صناعة النثر والنظم]، أبو عبد الله بن أبي الخصال [رحمه الله تعالى ورضي عنه] ونضر وجهه. أُلْفِيَ مقتولاً قرب [باب داره] بالمدينة، وقد وقد سلب ما كان عليه، بعد نهب داره، واستيصال حاله، وذهاب ماله. وذلك يوم السبت الثاني عشر من شهر ذي الحجة؛ من سنة أربعين وخمسماية. فاحتمل إلى الربض الشرقي بحومة الدرب؛ فغسل هنالك وكفن، وكفن، ودفن بمقبرة ابن عباس عصر يوم الأحد بعده، ونُعِيَ إلى النّاس وهم مشغولون بما كانوا بسبيله من الفتنة. فكثر التفجّع لفقده، والتأسّف على مصاب مثله، وأجمعوا على أنه كان آخر رجال الأندلس علماً وحلماً، وفهماً ومعرفة، وذكاء وحكمة ويقظة، وجلالة ونباهة، وتفنناً في العلوم. وكان له [رحمه الله] اهتمام بها، وتقدم في معرفتها وإتقانها. وكان رحمه الله، صاحب لغة وتاريخ وحديث، وخبر وسِيَر، [ومعرفة برجال الحديث، مضطلعاً بها]، ومعرفة [بوقائع العرب] وأيام الناس، وبالنثر والنظم. وكان جزل القول، عذب اللفظ، حلو الكلام، [عذب الفكاهة] فصيح اللسان، بارع الخط [حسنه ومتقنه]. كان في ذلك كله واحد عصره. ونسيج وحده، يسلم إليه في ذلك كله، مع جمال منظره، وحسن خلقه، وكرم فعاله، ومشاركته لإخوانه. وكان مع ذلك كله [جميل التواضع، حسن المعاشرة لأهل العلم] مسارعاً لمهماتهم، نهاضاً بتكاليفهم، حافظاً لعهدهم، مكرماً لنبهائهم، واسع الصدر، حسن المجالسة والمحادثة، كثير المذاكرة، جم الإفادة. له تصانيف جليلة نبيهة، ظهر ظهر فيها علمه وفهمه، أخذها الناس عنه مع ساير ما كان يحمله ويتقنه، عن أشياخه الذين أخذ عنهم، وسمع منهم، وقرأ عليهم.
وقال غيره: قتل بدرب الفرعوني بقرب رحبة أبان، بداخل مدينة قرطبة، قرب باب عبد الجبار يوم دخلها النصارى مع أميرهم ملك طليطلة؛ يوم قيام ابن حمدين، واقتتاله مع يحيى بن علي بن غانية المسوفي [الملثم المرابطي] يوم الأحد لثلاث عشرة مضت من ذي الحجة؛ عام أربعين وخمسمائة. قتله بربر المصامدة؛ رجالة أهل دولة اللثام؛ لحسن ملبسه، ولم يعرفوه، وقتلوا معه [ابن أخته] عبد الله بن عبد العزيز بن مسعود، وكان أنكحه إبنته، فقتلا معاً. وكان محمد خيرة الشيوخ، وعبد الله خيرة الأحداث، رحمهما الله تعالى.
محمد بن مُفَضَّل
ابن مُهيب اللخمي؛ يكنى أبا بكر؛ من أهل شِلب؛ من العَليا.
حاله
قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: كان منقبضاً عن الناس، أديباً، شاعراً، خمَّسَ عشرينيات الفازاري، رحمه الله تعالى. وذكره صاحب الذيل. وقال لي شيخنا أبو البركات، وهو جده، أبو أبيه، ما معناه: كان شريفاً عالي الهمة، عظيم الوقار، ألوفا، صموتا، نحيف الجسم، آدم اللون، خفيف العارض، مقطب الوجه، دايم العبوس، شامخ الأنف، إلا أنه كان رجلا عالما راسخا؛ عظيم النزاهة، حافظا للمروءة، شهير الذكر، خطيباً مصقعاً، مهيباً كشهرته، قديم الرياسة، يعضد حديثه قديمه. واستقر بألمرية، لما تغلب العدو على بلد سلفه. ولما توفي شيخ المشايخ، أبو إسحق بن الحجاج. تنافس الناس من البلدين، وغيرهم، في خطبة بنته. قال شيخنا أبو البركات؛ ومن خطّه نقلت، وكان ابن مهيب واحداً منهم في الإلحاح بالخطبة، متقدماً في حلبتهم، بجيوش الأشعار. ورام غلبته ذوو اليسار، من حيث كان بحمراء جيش الإعسار، فأذلهم بالمقابلة في عقر الدار، فلم يراجعوا من الغنيمة إلا بالفرار.
قلت: وجلب في هذا المعنى شعراً كثيراً، ناسب الغرض. ونال من المتغلب على ألمرية، على عهده، حظوة، فاستظهر به تارة على معقل مرشانة وتارة على الرسالة إلى الحضرة الحفصية بتونس. ولما آب من سفره إليها، سعى به لديه بما أوجب أن يحجر عليه التصرف، وسجنه بمنزله. فلما قصد ألمرية الغالب بالله، مستخلصا إياها من يد الرييس أبي عبد الله بن الرميمي؛ ونزل بمدينتها، وحاصر قصبتها، وقع اختيار الحاصر والمحصور على تعيين ابن مهيب، بمحاولة الأمر، وعقد الصلح، رضى بدينه وأمانته، فعقد الصلح بينهما على أن يسلم ابن الرميمي القصبة، ويعان على ركوب البحر بماله وأهله وولده، فتأتى ذلك واكتسب عند الغالب بالله، ما شاء من عزّة وتجلة.
وقفني شيخنا أبو البركات على ظهير سلطاني، صدر عن الأمير الغالب بالله، يدل على جلالة قدره؛ نصه: ((هذا ظهير كريم، أظهر العناية الحافلة لمستوحيها ومستحقها، وأجراه من الرعاية الكاملة على الحب طرقها. أمر بإحكام أحكامه، والتزام العمل بفصوله وأقسامه، الأمير عبد الله محمد بن يوسف بن نصر، نصر الله أعلامه، وأدام لإقامة قسط العدل أيامه، لوليه العلي المكانة، وصفيه المليء بأثرتَي المعرفة والديانة، الحري بما اختصه، أيده الله، من الحفظ لمرتبته السامية والصيانة. للشيخ الفقيه، الجليل، العالم، الأوحد، العلم، الأتقى الأزهر، الفاضل، الخطيب الأرفع، المحدث الثقة، الراوية، الصالح، السني، الحافظ، الحافل، الماجد، السري، الطاهر، المكرم، المبرور، الكامل، أبي بكر ابن الشيخ الوزير الأجل، الفقيه، الحسيب، الأصيل، الأمجد، المكرم، المبرور، الأفضل، المرحوم، أبي عمرو ابن مهيب، أدام الله عزة جانبه، ووصل بالعلم والعمل ارتقاء مراتبه، أقام به الشواهد على اعتقاده. أنه أخلص أوليائه وداً، وأفضلهم قصداً، وأكرمهم عهداً، حين ظهرت له. أيده الله، آثار آرايه الأصيلة، وبانت في الصلاح والإصلاح، ميامن مناقبه الجميلة، ووجب له من العناية والمزيات، أتم ما توجبه معارفه، وتقتضيه مجادته وزهادته، التي لا يفند في وصفها واصف. وأعلن، بأنه دام عزه، أحق من حفظت عليه، مرتبة صدور العلماء الراسخين في العلم، وأبقيت مزية ما تميز به من التقى والورع الكافي والحلم، وبرع بصلة العناية بجانبه، لما أهلته إليه معرفته من نفع المتعلمين، وإرشاد من يسترشده في مسايل الدين من المسلمين، وأفصح بأنه أولى مخصوص بالتجلة والتوقير، وأجدر منصوص على أن قدره لديه معتمد بالتكريم والتكبير. وأمر، أعلى الله أمره، أن يستمر له، ولزوجه الحرة الأصيلة الزكية، التقية الصالحة، المصونة المكرمة المبرورة، عائشة بنت الشيخ الفقيه الجليل العالم الصالح السني، الزاهد الفاضل، المرحوم المقدس الأرضى، أبي إسحق بن الحاج، ما اطردت به العادة لهما قديماً وحديثاً، وتضمنه الظهيران الكريمان؛ المؤرخ أحدهما بالعشر الأواخر لشوال؛ عام خمسة وثلاثين وستماية؛ من صرف النظر في أعشارهما وزكواتهما إليهما، ليضعا ذلك في أحق الوجوه، ويؤديا فيه حق لله تعالى، ما مثلهما علماً وديناً من يؤديه، موكولاً ذلك لله، إلى ما لديهما، من نشر الأمانة، مصروفاً إلى نظرهما الجاري، مع العلم والديانة، وتجديد أحكام ما بأيديهما من الظهاير والأوامر القديمة والحديثة، المتضمنة تسويغ الأملاك، على اختلافها، وتباين أجناسها وأوصافها، لهما ولأعقاب أعقابهما، على التأبيد والتخليد، والمحاشاة من اللوازم، والمعاوز والمغارم. وأن يطرد لشركائهما، وعمرة أملاكهما، ووكلايهما، وحواشيهما، ومن اتصل بهما، جميل العناية، وحفيل الرعاية، وموصول الحماية، الاستمرار الذي يطرد العمل به مدى الأيام، وتتوالى التمشية له، من غير انصرام على الدوام، مُوَفَّى بذلك، ما يحق لجانب الفقيه العالم، الأوحد الأسنى، أبي بكر، أدام الله عزته، من حظوظ الإجلال، منتهى فيه، إلى أبعد آماد العنايات الشريفة، الفسيحة المجال، مُقْضى على حق ما انفرد به من العلم، واتصف به من الديانة، اللذين أضفيا عليه ملابس البهاء والجلال. فمن وقف على هذا الظهير الكريم من الولاة والعمال، وساير ولاة الأشغال، وليتلقه بغاية الائتمار والامتثال، إن شاء الله. وكتب في الثاني عشر من ذي الحجة؛ عام ثلاثة وأربعين وستمائة)).
مشيخته
أخذ عن أبي العباس أحمد بن منذر الإشبيلي، تلا عليه بإشبيلية، وعلى عباس بن عطية أبي عمرو. وروى عن أبي محمد عبد الكبير الإشبيلي، وصحب أبا الحسن ابن زرقون، وتفقه عليه. وانتقل إلى ألمرية. فصحب أبا إسحق البليفيقي وأخذ عنه، وتزوج ابنته. وأجاز له أبو عبد الله ابن هشام الشواش، وغيره. ثم انتقل آخر عمره إلى سبتة.
شعره
نقلت من خط شيخنا أبي البركات قوله في غرض الوصية:
أليل النوى هل من سبيل إلى فجر
ويا قلب كم تأسى ويا دمع كم تجري
أبى القلب إلا أن يهيم بحبكم
وأن تبرحوا إلا القليل عن الفكر
رحلت عنكم لا بقلبي وإنما
تركت لديكم حين ودعتكم سري
أعود بدهر الوصل من حين هجركم
ورب وصال مستعاد من الهجر
للعباب نفسي لست أنفق قربكم
لزهدي فيكم بل حرصت على البر
تقطع أكباد عليكم صبابة
فاصبر إن الخير أجمع في الصبر
وبالقلب من لا يصلح الصبر عنهم
وإن كان خيرا فهو عنهم من الشر
فلولاهم ما كنت أحسب ساعة
فقدتكم فيها عياناً من العمر
ألا يا أخي فاسمع وصاتي فإنها
لبتك لعمري من أخ سالم الصدر
يحبك في ذات الإله ويبتغي
بحبك عند الله مدخر الأجر
ألا إنما التوفيق كنت منَ اْهله
مراعاة حق الله في السر والجهر
بتوحيده في ذاته وصفاته
وأفعاله أيضاً وفي الندى والأمر
فثابر على القرار والأثر الذي
يصح عن المختار والسادة الغر
وعد لك الخيرات عما سواها
وكن بها مستمسكا أبد الدهر
إذا يسلك الشيطان فجاً سوى الذي
سلكت ولا يلفي سبيلا إلى مكر
وفرق الأجناس حاشى تقيهم
فقد ظهر الإفساد في البر والبحر
ولا تنسني واذكر أخاك بدعوة
فإنك منه يا أخي لعلى ذكر
قال شيخنا أبو البركات، ومن شعره، ومن خطه نقلت:
للصالحين إلى الصلاح طريق
رحبت بهم وغدت عليك تضيق
صرفوا النفوس من الهوى عن صوبها
فغدت إلى طلب النجاة تتوق
منها بعد أبيات:
يا قرة العين استمع من ناصح
في صدره قلب عليك شفيق
أنت الشقيق ولادة ولذلك لي
روح لروحك في الخلوص شقيق
لا تخدعنك ترهات أحدثت
وخزعبلات للجهول تروق
واعكف على القرآن دهرك واجتمع
فالشغل عنك لغيره تفريق
إن الحديث وفقهه وعلومه
هذا الذي للمؤمنين يليق
واهجر بني الدنيا فإن بهجرهم
يتضاعف الإيمان والتصديق
والحق بقوم قد عنو بتجارة
نفقت لهم يوم القيامة سوق
واحفظ لسانك عن إذاية مسلم
فسبابه قال الرسول فسوق
لا تبك هم الرزق فهو مقدر
والعبد طول حياته مرزوق
ولترض بالرحمن رباً حاكماً
ودع الفضول فمنه ضل فريق
حلوا عقال عقولهم وتحكموا
إن التحكم بالعقول مروق
ولقد أتتك نصيحتي ولشمسها
في أفق حبك يا حبيب شروق
فكن القريب مكانه من نفعها
فمكان سدتها إليك سحيق
واصطد بباري العزم أطيار الرضا
فأخوك غاية بازه التحليق
ولتجعل التسبيح شأنك إنه
في الصعب ممن شأنه التصفيق
واقنع بعلم الوحي علماً ثم لا
يذهب بك التشقيق والتوفيق
لا ترض فيه بالدنية وَلْتَمُتْ
عطشاً إذا لم تسق منه رحيق
ما كل علم يهتدى بحصوله
منه الركيك نعم ومنه رقيق
كمدارك الأصوات منها طيب
تسلو النفوس به ومنه نهيق
وعليكم مني تحية من له
قلب إليكم أجمعه مشوق
وقال: ألفيت بخطه ما نصه، وكان بعض السفهاء قد كتب إلي بيتين من شعر؛ وهما:
إليك أبا بكر رفعت وسيلتي
ومثلك من تلقى إليه الوسائل
غرقت ببحر الذل يوما وليس لي
بأرضكم إلا اهتمامك ساحل
وأساء المحاولة في دفعها، فصرفته، ولم أقف عليهما، فضرب عليهما، وكتب في ظهرهما:
حللت أبا بكر بموطن عزة
فأنسيت ما قد كنت فيه من الذل
وأصلك من كبر وكن متكبراً
وكيف يطيب الفرع من ذلك الأصل
وكتبت إليه صحبة دراهم وجهت بها إليه:
جفوت وما زال الجفا سجية
لمثلك ما إن زال تبلى بها مثل
وما قلت في أصلي فكذبة فاجر
رأى الفرع محموداً فعاب على الأصل
وبالإفك ما عثرت لا بحقيقة
فما الكبر من شأني ولا كنت في ذل
وما زلت والله الحميد مكرماً
وفي نائبات الدهر للعقد والحل
ولو كنت من يتقي الله لم تكن
تمد متى تسخط وعند الرضا تحل
أما قلت أني ساحل لك عندما
غرقت ببحر الذل في زمن المحل
وكيف نسخت المدح بالذم قبل أن
تبث لي الشكوى وتدلي بما تدل
ولكن لؤم الطبع يحمل أهله
على الصعب من سب الكرام أوالنيل
إن كان بعض الكبر نقصا فإنه
عليك من الأوغاد يحسب في الفصل
وما الذل إلا ما أتى بك نحونا
فقيراً من التقوى سليباً من العقل
ومطلوبك الدنيا فخذها خسيسة
توافي خسيس النفس والقول والفعل
وما الجود إلا ما أصبت مكانه
ومهما فقدت الأصل لا عار في البخل
ومثلك من يُجفي ويقلب خاسئاً
فلست لإسداء الصنيعة بالأهل
ولكنني عودت نفسي عادة
من البذل لم أعدل بها قط عن نذل
فخذها لحاك الله غير مبارك
لسعيك فيها يا بن خانية النعل
ومثلي من يُوذَى فيحتمل الأذى
ولكنه قد يدر الجهل بالجهل
وقد قال من لا شك في قوله
من الحكما القتل أذهب للقتل
فإن زدتنا زدنا وإن كنت نادماً
قبلناك أخذاً في أمورك بالعدل
ففي كل شيء لست عنك مقصراً
بما شئت من قطع وما شئت من وصل
قال الشيخ: قول الهاجي، وأصلك من كبر؛ معناه التعريض؛ يكون سلف أبي بكر بن مهيب، علواً في أنفسهم وتكبروا، فثاروا بسبب ذلك بطبيرة وجهاتها، ثار منهم عبد الرحمن جد أبي بكر، ثم حسن، ثم عامر أخوه، وإلى هذا أشار أبو بكر بن مهيب بقوله في بعض شعره:
((إن لم أكن ملكاً فكنت ريِّساً))
وأنشد في الصلة الزبيرية؛ قوله رحمه الله:
أملي من الدنيا المباحة كسرة
أبقي بها رمقي ودار نابية
قد أضرب الزمان عن سكانها
فكأنها في القفر دار خالية
ومن شعره في المقطوعات:
ترحل صبري والولوع مقيم
وصح اشتياقي والسلو سقيم
فيا ليت شعري هل أفوز بعطف من
زينت خدي ورداً عليه أقوم
ويا جنة قد حيل بيني بينها
بقلبي من شوقي إليك جحيم
دخوله غرناطة
قال الشيخ: دخل غرناطة مرتين؛ أخبرني بذلك الشيخ القاضي أبو الحسن ابن عبيدة، وهو بصير بأخباره، إذ هو من أصحاب سلفه، وممن رافق جده في الكتب عن بعض الأمراء مدة، وفي الخطابة بألمرية أخرى.
وفاته
توفي: بسبتة؛ أول ليلة من جمادى الآخرة؛ عام خمسة وأربعين وستماية.
محمد بن عبد الله
ابن داود بن خطاب الغافقي
حاله
من صلة ابن الزبير: كان كاتباً بارعاً، شاعراً مجيداً، له مشاركة في أصول الفقه وعلم الكلام، وغير ذلك، مع نباهة وحسن فهم، [ذو فضل وتعقل] وحسن سمت. وورد على غرناطة، واستعمل في الكتابة السلطانية مدة، وكان معلوم القدر، معظماً عند الكافة. ثم إنه رجع إلى مرسية، وقد ساءت أحوالها، فأقام بها مدة، ثم انفصل عنها، [وقد اشتدت أحوالها]، واستقر بالعدوة بعد مكابدة.
قلت: أخبرني شيخنا أبو الحسن الجياب رحمه الله، قال: كان شَكِس الأخلاق، متقاطباً، زاهياً بنفسه. ابتدأ يوماً كتاباً مُصَدَّراً بخطبته، فقال فيه يصف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ((عفوة العفوة))، وتركه لأمر عرض له؛ فنظر إليه الفقيه عمر اللَّوشي؛ وهو كاتب المقام السلطاني؛ فظن لقصوره أنه وَهَمَ، وأراد ((الصفوة))؛ فأصلحه؛ فلما عاد ونظر إليه مزقه، وكسر الآلة، وقال: لا أقيم بموضع [بلغ فيه الجهل إلى هذا القدر]، ويُتَسَوَّر به الإصلاح، على قلم يطمع بعد في مقامه. وانصرف، واستقر بتلمسان، كاتباً عن سلطانها أبي يحيى يغمراسن بن زيان. وزعموا أن المستنصر أبا عبد الله ابن الأمير أبي زكريا، استقدمه على عادته في استدعاء الكتاب المشاهير، والعلماء؛ وبعث إليه ألف دينار من الذهب العين؛ فاعتذر ورد عليه المال. وكانت، أشقّ ما مرّ على المستنصر، [وظَهَرَ له عُلُوُّ شأنه]، وبعد همّته.
مشيخته
روى عن القاضيين: أبي عيسى بن أبي السداد، وأبي بكر بن مُحْرز، وعن الأستاذ أبي بكر محمد بن محمد المعروف بالقرشي، وقرأ وسمع على هؤلاء ببلده، [وأجاز له كتابة أبو الربيع بن سالم وغيره].
شعره
من ذلك قوله:
أقنع بما أوتيته تنل الغنى
وإذا دهتك ملمة فتصبر
واعلم بأن الرزق مقسوم فلو
رمنا زيادة ذرة لم نقدر
والله أرحم بالعباد فلا تسل
أحداً تعش عيش الكرام وتؤجر
وإذا سخطت لبؤس حالك مرة
ورأيت نفسك [قد غوت فلتبصر]
وانظر [إلى من كان دونك] تدّكر
لعظيم نعمته عليك وتشكر
[ومما قاله في صباه:
يا دعوة شاك
ما قد دهاه من لحاظ رشاك
ظبي تصدى للقلوب يصيدها
من ناظريه في سلاح شاك
ورمى وإن قالوا رنا عن فاتر
ساج عليه سيم النساك
قد كنت أحذر بطشه لو أنني
أبصرت منه مخايل الفتاك
أو ما عليه ولا عليه حاكم
يحمي ثغورك أو يحوط حماك
أو ما لجارك ذمة مرعية
أبذا يظل دم الغريب طلاك
إني استنمت إلى ظلالك ضلة
فإذا ظباؤك ماضيات ظباك
ما لي أخاطب بانة ما أن تعي
قولا ولا ترثي لدمعة باك
أكريمة الحيين هل لمتيم
رحمَى لديك فأرتجي رحماك
أصبتني بعد المشيب وليس من
عذر لمن لم يصبه ثراك
ولولا ما جذبت عناني لوعة
والله يشهد أنني لولاك
لما دعا داعي هواك أجبته
من لا يجيب إذا دعت عيناك
أصليتني نار الصدود وإنني
راض بأن أصلى ولا أسلاك
وأبحت ما منع التشرع من دمي
بالله من أفتاك قتل فتاك
وتركت قلبي طايراً متخبطا
شباك ختلك أو بطعن سباك
ومنعت أجفاني لذيذ منامها
كي لا يتيح لي الكرى لقياك
ولقد عجبت وأنت جد بخيلة
أن أعرت الشمس بعض حلاك
إني لأيأس من وصلك تارة
لكن أعلل مطمعي بعلاك
أسماك أنك قد خفضت مكانتي
هلا خلعت علي من سيماك
إني مُعنَّاك المتيم فليكن
حظي لديك مناسباً مغناك
تثني معاطفك الصبا خوطية
وكذا الصبا فصباك مثل حماك
أبعدتني منها بطعنة رامح
ألذاك سمَّتْك الورى بسماك
أأموت من عطش وثغرك مورد
فيه الحياة استودعتها فاك
هلا تني عن حلوة فلِعِلَّة
وضعت أداة النفي في اسم لماك
وقال يجيب أبا عبد الله بن خميس رحمه الله، عن قصيدة بعث بها إليه أولها:
رد في حدايق مايها مرتاد
قد لذ مورود وطاب مراد
زرق الأسنة دون زرق حمامها
وظبىً كما رنت العيون حداد
هذه الأبيات:
نعم المراد لمن غدى يرتاد
مرعى يرف نباته ومهاد
سالت على العافي جداوله كما
صالت على العادي بدا ناد
فشددت رحل مطيتي منه إلى
حيث السيادة تُبْتَنَى وتشاد
وركبت ناجية مبارية الصبا
خضراً فوق خضارة تعتاد
يغتادها سكانها قُلَّب على
من كان من سكانها استبداد
عجباً لهم أحلامهم عادية
تمضي عليهم حكمها أعواد
خبر تلمساناً بأنني جيتها
لما دعاني نحوها الرواد
وعاقتها سمعاً ولم أر حسنها
إلا أناساً حدثوا فأجاد
ولرب حسن لا ثواه ناظر
ويراه لا يخفى عليه فؤاد
ودخلتها فدخلت منها جنة
سكانها لا تخفى ولا حياد
ورأيت فضلا باهرا ومكارما
وعُلا تغاضر دونها التعداد
أهل الرواية والدراية والندا
في نورهم أبدا لنا استمداد
فهم إذا سُيِلوا بحار معارف
ولدى السكينة والنهى أطواد
درجاتها ينحط عنها غيرهم
ومن الورى قتر ومنه وهاد
فأجلهم وأحلهم من مهجتي
بمكانة ما فوقها مزداد
وأود حين أخط أطيب ذكرهم
لو أن أسود مقلتيّ مداد
وقال يخاطبه وقد وقف على بعض قصيدة:
رقت حواشي طبعك ابن خميس
فهفا قريضك بي وهاج رسيسى
ولمثله يصبو الحليم ويمتري
ما للشروق به وسير العيس
لك في البلاغة والبلاغة بعض ما
تحويه من أثر محل رييسي
نظم ونثر لا تُبارى فيهما
تمهدت ذاك وذا بعلم الطُّوس]
وقال عند وفاته وربما نسبت لغيره:
رب أنت الحليم فاغفر ذنوبي
ليس يغفو عن الذنوب سواكا
رب ثَبِّت عند السؤال لساني
وأقمني على طريق هداكا
رب كن إذا وقفت ذليلا
ناكسَ الرأي أستحي أن أراكا
رب من لي والنار قد قربت لي
[وأنا قد أبحت عهد حماكا]
رب مالي من عدة لمآلي
غير أني أعددت صدق رجاكا
رب أقررت أني عبد سوء
حلمك الجم غره فعصاكا
رب أنت الجواد بالخير دوماً
لم تزل راحماً فهب لي رضاكا
رب إن لم أكن لفضلك أهلاً
باجترايي فأنت أهل لذاكا
نثره
ومن نثره ما خاطب به صديقين له بمرسية؛ من مدينة إشبيلية: ((كتبته، كتب الله لكما فوزاً بالحسنى، وأجناكما من ثمرات إحسانه أكثر ما يجنى. من إشبيلية، وحالي بحمد الله حسنة، ونفسي بحب قربكما مرتهنة، وعليّ بما لديكما من السراوة التي جبلتما على فطرتها، [وامتزتما في الاجتلاء بغرَّتها]، علم لا يدخله الشك، ونسبتي إلى ودّكما الذي لبسته معلماً وتقلدته محرماً، لا يعبر عن معناها إلاّ بما لا يزال، ولا ينفك. فلنثن عنان القلم عن مداده، ونأخذ في حديث سواه. وصلنا إشبيلية ضحوة يوم الثلاثاء خامس ربيع الآخر، ولقينا الإفانت على ميلين، وفزنا بما ظهر من بشره واعتنايه بقرار الخاطر، وقرة العين، ونزلنا في الأخبية خارج البلد، موضعاً يعرف بالقنب، قد تفجر عيونا، وجمع ماؤه وهواؤه من المحاسن فنونا، وعرض علينا النزول في الديار داخل المدينة، فرأينا المقام فيه، أحد الأسباب المسعدة على حفظ الصحة المعينة، ورغبنا عن المدينة لحرّها الوهاج، وغبارها العجاج، ومايها الأجاج. ولما ثاب من النشاط البارح، واستقل من المطي الرازح، طفت في خارجها وداخلها، ووقفت على مبانيها المشيدة ومنازلها، ورأيت انسياب أراقشها؛ وتقصيت آثار طريانتها وبراقشها؛ فشاهدت من المباني العتيقة، والمنارة الأنيقة، ما يملا أعين النظار، وينفسح فيه مجال مجال الاعتبار. على أني ما رأيتها إلاّ بعد ما استولى عليها الخَسف. وبان عنها الظرف ونبا عنها الطرف، فلا ترى من مغانيها إلا طللا دارسا، ولا تلمح من بدايعها إلاّ محياً محياً عابسا، لكن الرائي إذا قدر وضعها الأول، وركب وهمه من مباينها ما تحلل، وتخيل في ذهنه حسنها وتمثل، تصور حسناً يدعو إلى المجون، ويُسلي عن الشجون [لولا أنها عرضت لأشمط راهب؛ لما دان إلا بدن، ولا تقرب بغير قارب] وحسبي أن أصفها بما يقيها من القبول، وأقول إنها في البلاد بمنزلة الربيع من الفصول، ولولا أن خاطري مقسم وفكري حدّه مثلم، لقضيت من الإطناب وطراً، ولم أدع من معاهدها عيناً إلاّ وصفتها ولا أثراً.
وفاته
توفي بتلمسان؛ يوم عاشوراء؛ سنة ست وثمانين وستماية.
محمد بن عبد الله
ابن محمد بن لب الأمي؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بابن الصايغ؛ بالصاد المهملة، والغين المعجمة؛ من أهل ألمرية.
حاله
من خط شيخنا أبي البركات في ((الكتاب المؤتمن على أنباء أبناء الزمن)): كان سهلا، سلس القياد، لذيذ العشرة، دمث الأخلاق، ميالا إلى الدّعة، نفورا عن النصب، يركن إلى فضل نباهة وذكاء، يحاسب بها عند التحصيل والدراسة، والدؤوب على الطلب، من رجل يجري من الألحان على مضمار لطيف، ولم يكن له صوت رخيم، يساوق انطباعه في التلحين، يخبر ذلك بالأوتار. وحاول من ذلك بيده مع أصحابه، ما لاذ به الظرفاء منهم. واستعمل بدار الأشراف بألمرية، فأحكم تلك الطريقة في أقرب زمان، وجاء زمامه يروق من ذلك العمل شأنه. ثم نهضت به همته إلى أرفع من ذلك، فسار إلى غرناطة، وقرأ بها العربية وغيرها، وانخرط في سلك نبهاء الطلبة لأدنى مدة، ثم رحل إلى بلاد المشرق في حدود العشرين وسبعمائة، فلم يتجاوز القاهرة لموافقة هواها علَّة؛ كان يشكوها، وأخذ في إقراء العربية بها، وعرف بها إلى أن صار يُدعى بأبي عبد الله النحوي. قال شيخنا المذكور، ورأى في صغره فارة أنثى، فقال هذه قُرَيْنَة، فَلُقَّبَ بذلك، وصار هذا اللقب أغلب من اسمه ومعرفته.
وجرى ذكره في التاج بما نصه: لجُّ معرفة لا يغيض، وصاحب فنون يأخذ فيها ويفيض. نشأ ببلده مشمراً عن ساعد اجتهاده، وشارك في قُنَنِ العلم ووهاده، حتى أينع روضه، وفهق حوضه. ثم أخذ في إراحة ذاته، وشام بإرقة لذاته، ثم سار في البطالة سير سير الجموح، وواصل الغبوق بالصبوح، حتى قضى وطره، وسيم بطره، وركب الفلك، وخاض اللجج الحلك، واستقر بمصر على النعمة العريضة، على شك في قضائه الحجة العريضة. وهو بمدرستها الصالحية، نبيه المكانة، معدود في أهل العلم والديانة.
مشيخته
قرأ بألمرية على المكثَّب أبي عبد الله المَيُرْقي، وأخذ عن شيخ الجماعة أبي الحسن بن أبي العيش، وقرأ بالحضرة على الخطيب أبي الحسن القيجاطي وغيره. وأخذ بالقاهرة عن الأستاذ أبي حيّان، وانتفع به وبجاهه.
شعره
قال شيخنا أبو البركات، وكان أخذ من قرض جيد الشعر بالحظ الوافر. فمن شعره ما نقله إلينا الحاج الحافظ المُكَثَّب أبو جعفر بن غصن، حسبما قيده عنه بمصر:
بعد المزار ولوعته أشواق
حكما بفيض مدامع الأماق
وخفوق نجدي النسيم إذا سرى
أذكى لهيب فؤاديَ الخفاق
أمعللي إن التواصل في غد
من ذا الذي لغد فديتك باق
إن الليالي سبق قد أقبلت
وإذا تولت لم تنل بلحاق
فصفحٌ تمدونه على الحمى سُقِيَ الحما
صوب الغمام الواكف الرقراق
فيه لذي القلب السليم وداده
قلب سليم يا له من راق
قلب غداة فراقهم فارقته
لا كان في الأيام يوم فراق
يا سارياً والليل ساج عاكف
يفتري للعلا بنجايب ونياق
عرج على مثوى النبي محمد
خير البرية ذي المنْخُل البراق
ورسول رب العالمين ومن له
حفظ العهود وصحة الميثاق
الظاهر الآيات قام دليلها
والطاهرالأخلاق والأعراق
بدر الهدى البادي آياته
وجبينه كالشمس في الإشراق
الشافع المقبول من عَمَّ الورى
بالجود والإرفاد والإرفاق
والصادق اٍلمأمون أكرم مرسل
سارت رسالته إلى الآفاق
أعلى الكرام نداً وأبسطهم يداً
قبضت عنان المجد باستحقاق
وأشد خلق الله إقداما إذا
حمي الوطيس وشمرت عن ساق
أمضاهم والخيل تعثر في القنا
وتجول سبحاً في الدم المهراق
من صير الأديان ديناً واحدا
من بعد إشراق مضى ونفاق
وأحَلَّنا من حرمة الإسلام في
ظل ظليل وارف الأوراق
لو أن للبدر المنير كماله
ما ناله كسف ونكس محاق
لو أن للبحرين جود يمينه
أمن السفين غوايل الإغراق
لو أن للآباء رحمة قلبه
ذابت نفوسهم من الإشفاق
ذو العلم والخفيّ المنجلي
والجاه والشرف القديم الباق
آياته شهب وغر بنانه
سحب النوال تدر بالأرزاق
فاحت فيوح الأرض وهو غياثها
وربت رُبَى الإيمان وهو الشاق
ذو رأفة بالمؤمنين ورحمة
وهُدًى وتأديب بحسن سياق
وخصال مجد أفردت بالخصل في
مرمى الفخار وغاية السباق
ذو المعجزات الغر والآي التي
كم آية فقدت وهُنَّ بواقي
ثنت المعارض خيراً لما حكت
فلق الصباح وكان ذا إفلاق
يقظ الفؤاد سرى وقد هجع الورى
لمقام صدق فوق ظهر براق
وسما وأملاك السما تحفه
حتى تجاوزهن سبع طباق
منها:
يا ذا الذي اتصل الرجا بحبله
وانبت من هذا للورى بطلاق
حبي إليك وسيلتي وذخيرتي
إني من الأعمال ذو إملاق
وإليك أعملت الرواحل ضمراً
تختال بين الوخد والإعناق
نُجُباً إذا نَشَرَتْ تلك الفلا
تطوي الفلا ممتدة الأعناق
يحدو بهن من النحيب مردد
وتقودهن أزمة الأشواق
غرض إليه فوقنا أسْهُماً
وهي القِسِيّ برين كالأفواق
وأنختها بفنايك الرحب الذي
وسع الورى بالنايل الدقاق
وقوّى مؤملك الشفاعة في غد
وكفى بها هبة من الرزاق
وعليك يا خير الأنام تحية
تحيي النفوس بنشرها الفتاق
تتأرج الأرجاء من لفحاتها
أرج الندى بمدحك المصداق
منها:
قسماً بطيب تراب طيبة إنه
مسك الأنوف وإثمد الأحداق
وأثبار مسجده الذي برحابه
لمعامل الرحمن أي نفاق
لأجود فيه بأدمع أسلاكها
منظومة بترايب وتراق
أغدو بتقبيل على حصبايه
وعلى كرام جدره بعناق
وعليك ذا النورين تسليم له
نور يلوح بصفحه المهراق
كفواً لنبي وكفوا على جنة
خيرت له بشهادة وصداق
وعلى أب السبطين من سبق الألى
سبقوا إلى الإسلام أي سباق
الطاهر الصهر ابن عم المصطفى
شرف على التعميم والإطلاق
مبدي القضا من وراء حجابها
ومفتح الأحكام عن إغلاق
يغزو العداة بغلظة فيعيدهم
بصوارمٍ تفري القفار رقاق
راياته لا شيء من عقيانها
بمطار يوم وغُى ولا بمطاق
وعلى كرام ستة عثرت بهم
عند النظام ليالي النساق
ما بين أروع ما جد نيرانه
جنح الظلام تشب للطراق
وأخي حروب صده رشف القنا
عما قدود مثلهن رقاق
ما غردت شجواً مطوقة وما
شقت كمام روض عن أطواق
وعلى القرابة والصحابة كلهم
والتابعين لهم ليوم تلاق
ولما سنّى الله في الروم الوقعة المبيرة والوقيعة الشهيرة، التي أجلت عن قتل مليكهم معركتها، وانتهت للفتح معركتها وحركتها، وعمت الإسلام بإتعاس فل الكفر بركتها، قدم مع الوفود من أهل بلده، وهنأ أمير المسلمين بفتحه ذلك، وطلوع ولده، فقال:
أمليك أم بدر الدجى الوضاح
وحسامه أم بارق لماح
أعلى المسالك ما بنته يد التقى
وعمادها الأعلام والأرماح
وأحق من يدعى خليفة ربه
ملك خلافته هدى ونجاح
كأمير أندلس وناصرها الذي
أفنى العداة حسامه السفاح
أسمى الملوك أبو الوليد المرتضى
وأعز من شرفت به الأمداح
هو دوحة الملك العلي فروعها
وبراحتيه ترزق الأدواج
وبمحو رسم عداته بلبّاته
نطق الكتاب وخطت الألواح
بدر الكمال لوَ اْنَّ بدراً مثله
لم يبد خشية نوره الإصباح
بحر النوال لوَ اْنَّ بدرا مثله
لارتاع خشية فيضه الملاح
ولمثله قاد الجياد عدوه
فخبا له قدح وخاب قداح
أهواه شيطان الهوى في لجة
إن الهوى بأليفه طماح
طمع الشقي أضله وأذله
كل المطامع للغبي فصاح
فأبادهم وملوكهم فتح بدا
وبسعد جدك ربنا فتاح
وفواصل تُبْرى بهن مفاصل
وصفاحٌ يُفْرى بهن صفاح
لم تُفن كلهم سيوف الهند بل
لسيوف جودك في النفوس جراح
ما زال حيُّ عداك يحسد ميتهم
ويحث فوتاً عاجلا فيراح
فاقتل كبيرهم وأحي صغيرهم
واسب النسا فما عليك جناح
تستبيح ما حاط العداة وما حموا
وحماك يا منصور ليس يباح
يا أمَّة الكفران تفنيداً وهل
لجفون أعمى ينجلي مصباح
أتركتم بطرو وحيدا مفرداً
يشدو عليه الطاير الصياح
وجوان يرتشف الندى فنديمه
غربانه ووساده الصِّفاح
وكذلك المطران جاد رسومه
قطر المنايا الصارم الطفاح
أروسٌ أم تبيض النعام بمرجنا
أصنافكم هذي أم الأشباح
ما للمطامير اشتكت من ضيقها
بالمال والأسرى وهن فساح
جارت بكم أبطالنا فكأنكم
كشح وجيش المسلمين وشاح
تباً لرومي يهيم براحة
أيرام عن خيل الإله براح
قُصَّت قوادمكم فما إقدامكم
ولليل جنح الكفر تغيض جناح
هذا فلا تستعجلوا ببلادكم
سترون كيف يكون الاستفتاح
قد إنثنت بطحاؤنا بحطامكم
ونباتها الريحان والتفاح
تالله ما كنتم بأول عسكر
أمل النجاح وحينه يجتاح
القس غركم ليهلك نسلكم
بسيوفنا إنْ إفكه لصراح
كم ذا يسخركم ويسخر منكم
غدراً ومكراً إنه لوقاح
منها:
وفوارس نشوا لنهب فراس
طلبوا انتشاو الدما للراح
أربوا على الأسد الهزبر بسالة
مع أنهم غر الوجوه صباح
خاضوا بحار الحرب يطمو بحرها
ووطيسها حامي الصِّلى لفاح
ما هم ببذل نفوسهم ونفيسهم
عن النوال والنزال سجاح
وإذا هم ذكروا بناد فانتشق
مسكا تضوع عرفه النفاح
فغدا وراح النصر يُقدم جمعهم
ويحفهم حيث اعتدوا أو راح
سناك مولانا بسعد مقبل
خلصاء قد عمتهم له أفراح
وبنجلك البدر الذي آفاقه
ملك وهالته هدى وصلاح
بدر البدور فلا بدار عليه
وبذا نارت أربع وبطاح
فلكم عدو أفّل بزوغه
خسفت به الأوجال والأتراح
وهنا ونالك بالأمير تجدد
كل بحبك نفسه ترتاح
قد جاء بعد العسر يسرٌ شامل
قد جاء بعد الشدة الإنجاح
فالحمد لله الذي قد خصنا
ولنا بحمدك بعده إفصاح
وعلى المقام المولوي تحية
كالزهر إذ تُهدي شذاه رياح
ما خط مدحك في الطروس محبر
ومحيي دجاجر الأصيل صباح
وقال يرثي الخطيب ببلده، الشهير الفاضل، أبا الحسن بن شعيب رحمه الله:
بوادي لقد حملت ما ليس لقواه
فراق ولى شرف الأرض تقواه
بليت بذا التفريق فاصبر فربما
بلغت بحسن الصبر ما تمناه
شجا كل نفس فقد أنفس جوهر
تعد ولا تحصى كرام سجاياه
بكى كلنا حزناً عليه كما بكى
لفرقته محرابه ومصلاه
فلله خطب جليل لقد رمى
أجل خطيب بالجلالة مصماه
فلولاكم يغلب تأسينا الأسى
ولم يشمل الشمل التفجع لولاه
فلم يبق إلا من جفا جفنه الكرى
ومن جانبت وصل المضاجع جنباه
وفاة لمريّ وفي فوفِّي أجره
وأصفَى بإصفاه الإله وصافاه
أبي الحسن العدل الرضا المحسن الذي
أتته بأضعاف الزيادة حسناه
خطيب جلا فصل الخطاب بيانه
وأعدل قاض فاضل في قضاياه
وجسم الهدى الرحب السبيل وروحه
ولفظ العلى الفخر الأصيل ومعناه
مطيع رفيع خاضع متواضع
كريم حليم طاهر القلب أواه
متى يمشي هوناً ليس إلا لمسجد
تميد خجلا أرض بها حط نعلاه
تكلمه عرف وذكر وحكمة
تلذ بها الأسماع ما كان أحلاه
كذا صمته خوف وفكر وخشية
فما زال يخشى الله والكل يخشاه
يصوم وقد طال النهار مهجراً
وتبحر بالليل للتغمض عيناه
فكم دارس أحياه من أربع التقا
وكم غاسق من حندس الليل أحياه
فيا طيبا أصلاً وذكراً وتربة
ومنه استفاد الطيب أطيب ريّاه
وفي حشرقة تحن ومرتجاً وباطنا
وأمن سنى شمس الضحى من محياه
محياً يروّي الناظرين تهللاً
فتعرفه في الصالحين بسيماه
بحبك هامت كل نفس منيبة
كذا من أحب الله حببه الله
فما أنعم الأرض التي بك قدست
وآثر ذياك الضريح وأنداه
بشراك إنا قد شغلنا بحزننا
ورضوان بشراه بذلك بشراه
عزاً لأهليه الأهلة أنهم
لهم يعتري من بعده العز والجاه
نال شعيب في الزمان بدوره
ولم تكن الشمس المنيرة إلاه
أعَزِّي أولي الإيمان كلا بفقده
نعم وأسنيه بحبه مأواه
سقى الله وَسْميَّ الحيا ذلك الثرى
وغاداه صوب الغاديات وميّاه
كما قد سقاه ليلة الدفن ربه
من الغيث وكاف السحاب وأسخاه
ترضوا عن القاضي الإمام خطيبكم
فقد رضي الرحمن عنه وأرضاه
وصلوا على هادي الأنام نبيكم
صلاة بها يمحو المسيء خطاياه
عليك سلام الله ما الروض فاح إن
سرت سحراً ريح الصبا بخزاماه
وفاته
توفي رحمه الله؛ في رمضان؛ تحقيقاً من سنة خمس على شك وسبعماية، أخبرني بذلك من يوثق به.
محمد بن عبد الله
ابن الحاج البضيعة؛ من أهل مالقة؛ وتردد كثيراً على الحضرة،
مسترفداً ومنشداً، وفي غير ذلك من الأغراض؛ يكنى أبا عبد الله.
حاله وشعره
من الإكليل: شاعر اتخذ النظم بضاعة، وما ترك السعي في مذاهبه ساعة، أجرى في الملا، لا في الخلا، وجعل ذكره دلوه في الدلا، وركض في حبلة النجبا النجايب، ورمى في الخواطي بسهم صايب، فخرج بهرجه ونفق، وارتفد بسببه وارتفق. وهو الآن قد سالمته السنون، وكأنما أمن المنون، من رجل مكفوف الأذى، حسن الحالة إلا إذا، هذا قلت، ثبت هذا والمذكور حيٌّ، وقد مات رحمه الله.
ومن شعره
رجاي في المولى العظيم عظيم
غنيت به حيث الغنى بمديم
وحسبي الرجا فيمن عليه معولي
حديث حديث لم يزل وخديم
وما عرفت نفسي سوى باب فضله
على ثقة أن الكريم كريم
فإن قيل عني مذنب قلت سيدٌ
كفيل بغفران الذنوب رحيم
وما اعتصم المملوك إلا بحبله
فجانبه نعمى لنا ونعيم
رضاه سبيل للنجاة وحبه
طريق لجنّات النّعيم قديم
وأنشد يوماً الأمير ثالث الأمراء من بني نصريهنيه بالملك ويعزيه:
على من تُنْشر اليوم البنود
وتحت لواء من تسري الجنود
وقال [على هذا الكذا، الذي بين يديك]؛ فخجل، وعظم استظراف الحاضرين لذلك.
توفي
في كذا وسبعمائة.
محمد بن عبد الله
ابن فُطيس؛ يكنى أبا عبد الله؛ من أهل مالقة. وقال الأستاذ من بيت فطيس الألبيريين.
حاله
قال: طبيب ماهر، وأديب شاعر؛ كان في أيام بني حسون، يخف عليهم، وله فيهم أمداح كثيرة. يذكر أنه دخل يوماً على القاضي أبي مروان بن حسون، بعد انقطاع عن زيارته، فعتبه القاضي، فاعتذر، ثم أنشد:
يا حاملاً من علاه تاجاً
ومن سنا وجهه سراجا
لو كان رودي عديل ودّي
لكنت من بابك الرتاجا
إن لم يعرج عليك شخصي
نفسي وروحي عليك عاجا
وذكره ابن عسكر في كتابه.
محمد بن عبد الرحمن
ابن إبراهيم بن يحيى بن محمد بن فتوح [بن محمد بن أيوب] ابن محمد بن الحكيم اللخمي؛ ذو الوزارتين، يكنى أبا عبد الله؛ رندي النشأة، إشبيلي الأصل.
يرجع بيته، وبيت بني حجاج، وبيت بني عباد، إلى جُرثومة واحدة، وانتقل سلفه إلى رندة [في دولة بني عباد، ويحيى جد والده هو المعروف بالحكيم لطبَّه. وقدم ذو الوزارتين على حضرة غرناطة أيام السلطان أبي عبد الله محمد بن محمد بن نصر؛ إثر قفوله من الحج في رحلته التي رافق فيها العلامة أبا عبد الله بن رُشَيْد الفهري؛ فألحقه السلطان بكتابه، وأقام يكتب له في ديوان الإنشاء، إلى أن توفي هذا السلطان، وتقلد الملك بعده ولي عهده أبو عبد الله المخلوع؛ فقلده الوزارة والكتابة، وأشرك معه في الوزارة، أبا سلطان عبد العزيز ابن سلطان الداني. فلما توفي أبو سلطان، أفرده السلطان بالوزارة، ولقبه ذا الوزارتين، وصار صاحب أمره، إلى أن توفي بحضرة غرناطة قتيلاً نفعه الله تعالى غدوة يوم الفطر، مستهل شوال؛ سنة ثمان وسبعمائة، وذلك لتاريخ خلع سلطانه، وخلافة أخيه أمير المسلمين، أبي الجيوش، مكانه].
حاله
[كان رحمه الله تعالى علماً في الفضيلة والسراوة، ومكارم الأخلاق؛ كريم النفس، واسع الإيثار، متين الحرمة، عالي الهمة، كاتباً بليغاً، أديباً، شاعراً، حسن الخط، يكتب خطوطاً على أنواع؛ كلها جميلة الانطباع. خطيباً، فصيح القلم، زاكي الشيم، مؤثراً لأهل العلم والأدب، برًاً بأهل الفضل والحسب، نفقت بمدته للفضائل أسواق، وأشرقت بإمداده للفضائل آفاق]. ومن عائد الصلة: كان رحمه الله فريد دهره سماحة، وبشاشة، ولوذعية، وانطباعاً. رقيق الحاشية، نافذ العَزْمة. مهتزاً للمديح، طلقاً لأمل، كهفاً للغريب، برمكي المائدة، مهلبي الحلوى. ريان من الأدب، مضطلعاً بالرواية، مستكثراً من الفائدة. يقوم على المسائل الفقهية، ويتقدم الناس في باب التحسين والتقبيح؛ ورفع راية الحديث والتحديث. نفَّق بضاعة الطلب، وأحيا معالم الأدب، وأكرم العلم والعلماء، ولم تشغله السياسة عن النظر، ولا عاقه تدبير الملك، عن المطالعة والسماع، والإفراط في اقتناء الكتب، حتى ضاقت قصوره عن خزائنها، وأثرت أنديته من ذخائرها. قام له الدهر على رجل، وأخدمه صدور البيوتات، وأعلام الرياسات، وخوطب من البلاد النازحة، وأمل من الآفاق النائية.
رحلته ونباهته
رحل إلى الحجاز الشريف من بلده، على فتاء سنة، أول عام ثلاث وثمانين وستمائة، فحج وزار، وتجول في في بلاد المشرق، منتجعاً عوالي الرواية في مظانها، ومنقراً عنها عند مُسِنَّي شيوخها، وقيد الأناشيد الغريبة، والأبيات المرقصة، وأقام بمكة شرفها الله، من شهر رمضان إلى انقضاء الموسم، فأخذ بها عن جماعة يأتي ذكرهم في مشيخته. وانصرف إلى المدينة المشرفة، ثم قفل مع الركب الشامي إلى دمشق، ثم كرّ إلى المغرب، لا يمر بمجلس علم أو تعلم إلا رَوَى أو رُوَّي؛ واحتل رُندة حرسها الله أواخر عام خمسة وثمانين وستمائة، وأقام بها عيناً في قرابته، وعلماً في أهله، معظماً عندهم، إلى أن أوقع السلطان بالوزراء من بني حبيب، الوقيعة البرمكية. وورد رُندة في أثر ذلك، [في شهر جمادى الآخرة؛ من عام ستة وثمانين وستماية] فتعرض إليه، ومدحه وهنأه بقصيدة طويلة؛ طويلة؛ من أوليات شعره، أولها:
هل إلى ردِّ عشيات الوصال
سبب أم ذاك من ضرب المحال
فلما أنشدها إياه، أعجب به، وبحسن خطه ونصاعة ظرفه، فأثنى عليه، واستدعاه إلى الوفادة على حضرته؛ [فوفد إليها في آخر العام المذكور]؛ فأثبته في خواص دولته، [وأحظاه لديه]؛ إلى أن رقاه إلى كتابة الإنشاء ببابه. واستمرت حاله، معظم القدر، مخصوصاً بالمزية، إلى أن توفي السلطان، ثاني الملوك من بني نصر، وتقلد الملك بعده، ولي عهده أبو عبد الله؛ فزاد في إحظائه وتقريبه، وجمع له بين الكتابة والوزارة، ولقبه بذي الوزارتين؛ وأعطاه العلامة، وقلده الأمر، فبعد الصيت وطاب الذكر؛ إلى أن كان من الأمر ما يأتي [به الذكر] قريباً إنشاء الله تعالى.
مشيخته
قرأ برُندة على الشيخ النحوي أبي الحسن علي بن يوسف العبدري السفاح القرآن العظيم بالروايات السبع، والعربية وغير ذلك. وعلى الخطيب بها أبي القاسم بن الأيْسَر، وأخذ عن والده جميع مروياته؛ واستجاز له في صغره أعلام ذلك الزمان، وأخذ في رحلته عن الجلة [من الجملة]؛ الذين يضيق عن أمثالهم الحصر. فمنهم أبو اليمن جار الله بن عساكر؛ لقيه بالحرم الشريف، وانتفع به، واستكثر من الرواية عنه. ومنهم الشيخ أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم الحراني المعروف بابن هبة الله الحراني. [ومنهم الشيخ الشريف أبو العباس أحمد بن عبد الله بن عمر بن معطي بن الإمام الجزائري؛ جزائر المغرب، نزيل بغداد. ومنهم الشيخ أبو الصفا خليل بن أبي بكر بن محمد المرادي الحنبلي؛ لقيه بالقاهرة. ومنهم الشيخ رضي الدين القسطميني أبو بكر. ومنهم الشيخ شرف الدين الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي؛ إمام الديار المصرية في الحديث، ومؤرخها وحافظها]. ومنهم عبد المنعم بن محمد بن يوسف بن أحمد الخيمي شهاب الدين أبو عبد الله؛ نزيل مشهد الحسين بن علي؛ قرأ عليه قصيدته البائية الفريدة التي أولها:
يا مطلباً ليس لي في غيره أرب
إليك آل التقصي وانتهى الطلب
ومنها البيت المشهور؛ الذي وقع النزاع فيه:
يا بارقاً بأعالي الرقمتين بدا
لقد حكيت ولكن فاتك السبب
ومنهم عبد المولى يحيى بن حماد البعلبكي؛ مولده سنة إحدى عشرة وستمائة. ومنهم محمد بن بكر بن خلف بن أبي القاسم الصفار. ومنهم الشيخ أبو الفضل الأديب جمال الدين بن أبي الخير بن علي بن عبد الله ابن رواحة. ومنهم محمد بن يحيى بن عبد الله القرشي جمال الدين أبو صادق؛ ومن تخريجه الأربعون المروية بالأسانيد المصرية. وسمع الحلبيات من ابن عماد الحراني، والشيخ أبي الفضل عبد الرحيم خطيب الجزيرة؛ ومولده سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. ومنهم الشيخ محمد بن عباس الأشعري تقي الدين الحافظ أبو القاسم. ومنهم الشيخ محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن عبد المجيد الأنماطي. ومنهم أبو البدر بن عبد الله بن أبي الزبير الكاتب المصري. ومنهم الشيخ عبد الرحيم بن عبد المنعم ابن خلف التدميري. ومن رؤساء شيوخه؛ الشيخ محيي الدين أبو الفضل. ومنهم زينب بنت الإمام أبي محمد عبد اللطيف بن يوسف [بن محمد بن علي] البغدادي؛ تكنى أم الفضل؛ وسمعت من أبيها. ومنهم محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد الخراساني أبو عبد الله موقر الدين؛ وألبسه خرقة التصوف. ومنهم الشيخ محمد بن يحيى بن هبيرة الشيباني شرف الدين. ومنهم الشيخ شهاب الدين أحمد بن عيسى بن عيسى بن يوسف بن إبراهيم بن إسماعيل السلفي. ومنهم الشيخ علي بن عبد الكريم بن عبد الله الدمشقي أبو الحسن؛ ولد سنة سبع وتسعين وخمسماية. ومنهم الشيخ غازي بن أبي الفضل بن عبد الوهاب الجلاوي. ومنهم الشيخ نور الدين علي بن محمد أبي البركات الأنصاري المقرئ بحرم الخليل؛ سمع من أبي الحسن علي بن شجاع. [ومنهم يوسف بن داود بن عيسى ابن أيوب الحنفي]. ومنهم الملك الأوحد يعقوب بن الملك الناصر صلاح الدين وداود بن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب. ومنهم عبد المنعم بن يحيى بن إبراهيم بن علي بن جعفر القرشي الزهري خطيب القدس. ومنهم الشيخ عبد الحفيظ بن بدران؛ ويدعى عليّ الدين؛ من أهل بانياس؛ سمع من ابن صيصرى. ومنهم الشيخ علي بن عبد الرحمن بن عبد المنعم المقدسي. ومنهم الشيخ محمد بن محمد بن سالم بن يوسف بن أسلم القرشي جمال الدين. ومنهم عبد الواسع ابن عبد الكافي شمس الدين. ومنهم الشيخ أحمد بن أحمد الزجاجي [البغدادي الإمام تقي الدين. ومنهم عبد الجميل بن أحمد بن الزجاج]. ومنهم فاطمة بنت إبراهيم ابن محمد بن محمود بن جوهر البعلبكي؛ الشيخة الكاتبة الخيرة أم الخير. ومنهم الشيخ يوسف بن أبي ناصر السفاوي. ومنهم الشيخ عبد السلام بن محمد [بن مزروع] أبو محمد عفيف الدين. ومنهم الشيخ أحمد بن عثمان بن محمد الشافعي البخاري شمس الدين. ومنهم الشيخ عبد الله بن خير بن أبي محمد بن خلف القرشي. ومنهم الشيخ محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عبد الله ابن عبد الباقي بن علي الصواف شرف الدين. ومنهم الشيخ علي بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن زريق الكاتب؛ لقيه بتونس. ومنهم الشيخ سليمان بن علي بن عبد الله الكاتب التلمساني عفيف الدين الصوفي؛ الأديب نزيل دمشق؛ ومولده بتلمسان. ومنهم الشيخ محمد بن علي بن أحمد بن علي بن محمد ابن الحسن بن عبد الله بن أحمد الميموني البستي القسطلاني قطب الدين؛ الإمام المفتي؛ شيخ دار الحديث الكاملية بالقاهرة المعزية. ومنهم الشيخ عبد الكريم بن علي بن جعفر القرشي جمال الدين. ومنهم الشيخ أحمد ابن محمد بن عبد الظاهر جمال الدين. ومنهم محمد بن محمد بن إبراهيم النجاشي. ومنهم الشيخ عبد الله بن محمد بن محمد بن أبي بكر الطبري؛ إمام الروضة النبوية ثم الصخرة القدسية. ومنهم الشيخ فخر الدين عثمان بن أبي محمد بن إسماعيل بن جندرة. ومنهم الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد العلي بن أنسكرت فخر الدين. ومنهم الشيخ ثابت بن علي بن عبد العزيز بن قاسم بن عبد الرازق؛ سمع على ابن المغير البغدادي. ومنهم الشيخ أمين الدين أبو الهامات جبريل بن إسماعيل ابن سيد الأهل الغساني. ومنهم الشيخ محمد بن أحمد ابن عبد الله؛ الأندلسي الأصل شرف الدين؛ سمع من علم الدين الشيخوني وغيره. ومنهم الشيخ محمد بن محمد الشامي الشافعي الدمشقي؛ إمام مسجد أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ يدعى شمس الدين؛ سمع من الزبيدي. ومنهم الشيخ يحيى بن الخضر بن حاتم الأنصاري؛ يعرف بابن عز الدولة. وأجاز له جماعة؛ منهم ابن عماد الحراني. ومنهم ابن يحيى بن محمد بن محمد الهَمْداني كمال الدين؛ وسمع من ابن الزجاج وابن رواح الحميري. ومنهم الشيخ عبد الملك أبو المعالي بن مفضل الواسطي؛ عرف بابن الجوزي؛ سمع على جماعة؛ منهم شعيب الزعفراني. ومنهم الشيخ محمد بن أحمد بن ياسر بن شاكر الحاكمي. ومنهم الإمام مفتي المسلمين رضي الله عنه. ومنهم أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن خليل العسقلاني المكي. ومنهم الخطيب أبو عبد الله محمد بن صالح بن أحمد بن محمد بن رحيمة الكناني خطيب بجاية. ومنهم قاضي القضاة ببلاد إفريقية أبو العباس بن الغماز البَلَتْسي؛ لقيه بتونس. ومنهم الفقيه العلامة الوزير أبو القاسم محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف بن جُزي الكلبي. ومنهم الشيخ أبو محمد عبد الله ابن يوسف الخلابي. ومنهم الشيخ المغربي أبو محمد الحجاج بن يوسف بن إبراهيم بن عتاب؛ لقيه بتونس. ومنهم الشيخ الفقيه أبو بكر بن محمد بن إبراهيم بن محمد ابن يربوع السبتي. ومنهم الإمام قدوة النحاة أبو الحسين عبيد الله بن أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن عبد الله ابن أبي الربيع القرشي. ومنهم الإمام أبو علي ناصر الدين منصور بن أحمد بن عبد الحق الزواوي المشدالي؛ من أهل بجاية. ومنهم الخطيب القاضي أبو عمرو إسحق بن أبي إسحق بن عبد الوهاب الرندي. إلى طائفة كبيرة من أهل المشرق والمغرب.
محنته
أغرى به الأمير ولي العهد، بسبب أمور اختلف فيها، منها أبيات في هجو الدولة النصرية، الله أعلم بصحة نسبتها إليه، فأوقع به [وناله بين يديه نكال كبير]؛ أفلت منه برفق؛ واختفى مدة في المآذن المقفلة، والأماكن الخفية؛ حتى أصحى له جو سخطه، [وقضى الله برد أمره إليه، واستيلايه على ما وراء بابه].
من روى عنه
أخذ عنه الخطيب الصالح أبو إسحق بن أبي العاصي، وتدبج معه رفيقه عبد الله بن رُشيد، وغير واحد. وكان ممدوحاً؛ وممن مدحه الرئيس أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي، والرئيس أبو الحسن بن الجيّاب؛ وناهيك بهما. ومن بديع مدح ابن الجياب له؛ قصيدة رائية رائقة؛ يهنيه فيها بعيد الفطر؛ منها في أولها:
يا قادماً عمت الدنيا بشائره
أهلا بمقدمك الميمون طائره
ومرحباً بك من عيد تحف به
من السعادة أجناد تظاهره
قدمت فالخلق في نعمى وفي جذل
أبدى بك البشر باديه وحاضره
والأرض قد لبست أثواب سندسها
والروض قد بسمت منه أزهره
حاكت يد الغيث في ساحاته حللا
لما ساقها دراكاً منك باكره
فلاح فيها من الأنوار باهرها
وفاح فيها من النوار عاطره
وقام فيها خطيب الطير مرتجلا
والزهر قد رصعت منه منابره
موشي ثوب طواه الدهر آونة
فها هو اليوم للأبصار ناشره
فالغصن من نشوة يثني معاطفه
والطير من طرب تشدو مزاهره
وللكمام انشقاق عن أزاهرها
كما بدت لك من خل ضمائره
لله يومك ما أذكى فضائله
قامت لدين الهوى فيه شعائره
فكم سريرة فضل فيك قد خبئت
وكم جمال بدا للناس ظاهره
فافخر بحق على الأيام قاطبة
فما لفضلك من ند يظاهره
فأنت في عصرنا كابن الحكيم إذا
قيست بفخر أولي العليا مفاخره
يلتاح منه بأفق الملك نور هدى
تضاءل الشمس مهما لاح زاهره
مجد صميم على عرش السماك سما
طالت مبانيه واستعلت مظاهره
وزارة الدين والعلم الذي رفعت
أعلامه والندى الفياض زاخره
وليس هذا ببدع من مكارمه
ساوت أوائله فيه أواخره
يلقى الأمور بصدر منه منشرح
بحر وآراؤه العظمى جواهره
راعى أمور الرعايا معملاً نظراً
كمثل علياه معدوماً نظائره
والملك سير في تدبيره حكماً
تنال ما عجزت عنه عساكره
سياسة الحكم لا بطش يكدرها
فهو المهيب وما تخشى بوادره
لا يصدر الملك إلا عن إشارته
فالرشد لا تتعداه مصائره
تجري الأمور على أقصى إرداته
كأنما دهره فيه يشاوره
وكم مقام له في كل مكرمة
أنست موارده فيها مصادره
ففضلها طبق الآفاق أجمعها
كأنه مثل قد سار سائره
فليس يجحده إلا أخو حسد
يرى الصباح فيعشى منه ناظره
لا ملك أكبر من ملك يدبره
لا ملك أسعد من ملك يؤازره
يا عز أمر به أشتدت مضاربه
يا حسن ملك به ازدانت محاضره
تُثنى البلاد وأهلوها بما عرفوا
ويشهد الدهر آتيه وعابره
بشرى لآمله الموصول مأمله
تعساً لحاسده المقطوع دابره
فالعلم قد أشرقت نوراً مطالعه
والجود قد أسبلت سحاً مواطره
والناس في بشر والملك في ظفر
عال على كل عالي القدر قاهره
والأرض قد ملئت أمناً جوانبها
بيمن من خلصت فيها سرائره
وإلى أياديه من مثنى وواحدة
تساجل البحر إن فاضت زواخره
فكل يوم تلقانا عوارفه
كساه أمواله الطولى دفاتره
فمن يؤدي لما أولاه من نعم
شكراً ولو أن سحباناً يُظاهره
يا أيها العبد بادر لثم راحته
فلثمها خير مأمول تبادره
وافخر بأن لقيت ابن الحكيم على
عصر يباريك أو دهر تفاخره
ولَّى الصيام وقد عظمت حرمته
فأجره لك وافيه ووافره
وأقبل العيد فاستقبل به جذلاً
واهنأ به قادماً عمت بشائره
ومن مدح الرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي له قوله:
تراءى سحيرا والنسيم عليل
وللنجم طرف بالصباح كليل
وللفجر نهر خاضه الليل فاعتلت
شوى أدهم الظلماء منه خجول
بريق بأعلى الرقمتين كأنه
طلائع شهب والسماء تجول
فمزق ساجي الليل منه شرارة
وخرق ستر الغيم منه نصول
تبسم ثغر الروض عند ابتسامه
وفاضت عيون للغمام همول
ومالت غصون البان نشوى كأنها
يدار عليها من صباه شمول
وغنت على تلك الغصون حمائم
لهن حفيف فوقها وهديل
إذا سجعت في لحنها ثم قرقرت
يطيح خفيف دونها وثقيل
سقى الله ربعاً لا يزال يشوقني
إليه رسوم دونها وطلول
وجاد رباه كلما ذر شارق
من الوَدْقِ هتان أجش هطول
ومالي أستسقي الغمام ومدمعي
سفوح على تلك العراص همول
وعاذلة باتت تلوم على السُّرَى
وتكثر من تعذالها وتطيل
تقول إلى كم ذا فراق وغربة
ونأي على ما خيلت ورحيل
ذريني أسعى للتي تكسب العلا
سناء وتبقى الذكر وهو جميل
فأما تريني من ممارسة الهوى
نحيلا فحد المشرفي نحيل
وفوق أنابيب اليراعة صفوة
تزين وفي قد القناة ذبول
ولولا السُّرَى لم يحتل البدر كاملا
ولا بات منه للسعود نزيل
ولولا اغتراب المرء في طلب العلا
لما كان نحو المجد منه وصول
ولولا نوال ابن الحكيم محمد
لأصبح ربع المجد وهو محيل
وزير سما فوق السماك جلالة
وليس له إلا نجوم قبيل
من القوم أما في النديّ فإنهم
هضاب وأما في الندَى فسيول
حووا شرف العلياء إرثا ومكسباً
وطابت فروع منهم وأصول
وما جونة هَطَّالة ذات هَيْدب
مرتها شمول مرجف وقبول
لها زجل من رعدها ولوامع
من البرق عنها للعيون كلول
كما هدرت وسط القلاص وأرسلت
شقاشقها عند الهياج فحول
بأجود من كفّ الوزير محمد
إذا ما توالت للسنين محول
ولا روضة بالحسن طيبة الشذا
ينُمُّ عليها أذخر وجليل
وقد أذكيت للزهر فيها مجامر
تعطر منها للنسيم ذيول
وفي مقل النَّوَّار للطَّلِّ عبرة
ترددها أجفانها وتحيل
بأطيب من أخلاقه الغرّ كلما
تفاقم خطب للزمان يهول
حويت أبا عبد الإله مناقباً
تفوت يَدَي من رامها وتطول
فغرناطة مصر وأنت خصيبها
ونائل يمناك الكريمة نيل
فداك رجال حاولوا درك العلا
ببخل وهل نال العلاء بخيل
تخيرك المولى وزيراً وناصحاً
فكان له مما أراد حصول
وألقى مقاليد الأمور مفوضا
إليك فلم يعدل يمينك سول
وقام بحفظ الملك منك مؤيد
نهوض بما أعيا سواك كفيل
وساس الرعايا منك أشوس باسل
مبيد العدا للمعتفين منيل
وأبلج وقّاد الجبين كأنما
على وجنتيه للنضار مسيل
تهيم به العلياء حتى كأنها
بثينة في الحب وهو جميل
له عزمات لو أعير مضاؤها
حسام لما نالت ظباه فلول
سرى ذكره في الخافقين فأصبحت
إليه قلوب العالمين تميل
وأغْدَى قريضي جوده وثناؤه
فأصبح في أقصى البلاد يجول
إليك أيا فخر الوزارة أرقلت
برحلي هوجاء الثجاء ذلول
فليت إلى لقياك ناصية الفلا
بأيدي ركاب سَيْرهنّ ذميل
تسددني سهماً لكل ثنية
ضوامر أشباها القِسِيِّ نحول
وقد لفظتني الأرض حتى رمت إلى
ذراك برحلي هوجل وهجول
فقيدت أفراسي به وركائبي
ولذَّ مقام لي به وحلول
وقد كنت ذا نفس عزوف وهمة
عليها لأحداث الزمان دَحُول
وتهوى العلا حظي وتُغْري بضده
لذاك اعترته رقة ونحول
وتأبى لي الأيام إلا إدالة
فصونك لي أن الزمان مديل
فكل خضوع في جنابك عزة
وكل اعتزاز قد عداك خمول
شعره
وبضاعته في الشعر مزجاة، وإن كان أعلم الناس بنقده، وأشدهم تيقظاً [لمواقعه الحسنة وأضدادها]. فمن ذلك قوله: ورفعه إلى السلطان ببلده رُندة، وهو إذا ذاك فتى يملأ العين أبهة، ويستميل القلوب لباقة، وهي، ومن خطه نقلت:
هل إلى رد عشيات الوصال
سبب أم ذاك من ضرب المحال
حالة يسري بها الوهم إلى
أنها تثبت براءاً باعتلال
وليالي ما تبقى بعدها
غير أشواقي إلى تلك الليال
إذ مجال الوصل فيها مسرحي
ونعيمي آمر فيها ووال
ولحالات التراضي جولة
مزجت بين قبول واقتبال
فبوادي الخيف خوفي مسعد
وبأكناف مُنَى أسنى نوال
لست أنسى الأنس فيها أبداً
لا ولا بالعذل في ذاك أبال
وغزال قد بدا لي وجهه
فرأيت البدر في حال الكمال
ما أمال التيه من أعطافه
لم يكن إلا على فضل اعتدال
خصَّ بالحسن فما أنت ترى
بعده للناس حظاً في الجمال
من تسلى عن هواه فأنا
بسواه عن هواه غير سال
فلئن أتعبني حبي له
فكم نلت به أنعم حال
إذ لآلئ حيده من قبلي
ووشاحاه يميني وشمال
خلف النوم لي السهد به
وترامى الشخص لا طيف الخيال
فيداوي بلِماه ظمئي
مزجك الصبهاء بالماء الزلال
أو أشادت ثنا المَلِك ال
أوحدِ الأسمى الهمام المتعال
ملك إن قلت فيه ملكاً
لم تكن إلا محقاً في المقال
أيد الإسلام بالعدل فما
أن ترى رسماً لأصحاب الضلال
ذو أياد شملت كل الورى
ومعال يا لها خير معال
همة هامت بأحوال التُّقى
وصفات بالجلالات حِوال
وقَّفَ النفس على إجهادها
بين صوم وصلاة ونوال
ومنها في ذكر القوم الموقع بهم:
وفريق من عتاة عاندوا
أمره فاستوجبوا سوء نكال
غرهم طول التجافي عنهم
مع شيطان لهم كان موال
فلقد كانت بهم رندة أو
أهلها في سوء تدبير وحال
ولقد كان النفاق مذهبا
فاشيا بين هاتيك التلال
ما يعود اليوم إلا بادروا
برواة ونكيرات ثقال
طوقوا النعمى فلما أنكروا
طوقوا العدل بذي البيض العوال
[ماطل الدهر بهم غريمه
فهو الآن وفي بعد المطال
ولقد كنت غريم الدهر إذ
شدني جورهم شد عقال
ولكم نافرته مجتهداً
عندما ضاق بهم صدر احتمال]
أعقبوا جزاء ما قد أسلفوا
في الدنا ويعقبوه في المآل
وهي طويلة ومنها:
أيها المولى الذي نعماؤه
أعجزت عن شكرها كنه المقال
ها أنا أنشدكم مهنئاً
من بديع النظم بالسحر الحلال
فأنا العبد الذي حُبُّكم
لم يزل والله في قلبي وبال
أورقت روضة آمالي لكم
وتولاها الكبير المتعال
واقتنيت الجاه من خدمتكم
فهو ما أذخره من كنز مال
ومنها:
يا أمير المسلمين هذه
خدمة تنبئ عن أصدق حال
هي بنت ساعة أو ليلة
سهلت بالحب في ذاك الجلال
ما عليها إذ أجادت مدحها
من بعيد الفهم يلغيها وقال
فهي في تأدية الشكر لكم
أبداً بين احتفاء واحتفال
وكتب رحمه الله يخاطب أهله من مدينة تونس:
حي حي بالله يا ريح نجد
وتحمل عظيم شوقي ووجدي
وإذا ما بثثت حالي فبلغ
من سلامي لهم على قدر ودي
ما تناسيتهم [وهل في مغيبي]
هم نسوني على تطاول بعدي
بي شوق إليهم ليس يُعزى
لجميل ولا لسكان نجد
يا نسيم الصبا إذا جئت قوماً
ملئت أرضهم بشيح ورند
[فتلطف عند المرور عليهم
وحقوقاً لهم علي فأدِّ
قل لهم قد غدوت من وجدهم في
حال شوق لكل رُند وزند]
وإن استفسروا حديثي فإني
باعتناء الإله بلغت قصدي
فله الحمد إذ حباني بلطف
عنده قل كل شكر وحمد
[قال شيخنا أبو بكر؛ ولده: وجدت بخطه رحمة الله عليه؛ رسالة خاطب بها أخاه أبا إسحاق إبراهيم؛ افتتحها بقصيدة أولها]:
ذكر اللوى شوقاً إلى أقماره
فقضى أسى أو كاد من تذكاره
وعلا زفير حريق نار ضلوعه
فرمى على وجناتنه بشراره
لو كنت تبصر خطه في خدّه
لقرأت سرّ الوجد من أسطاره
يا عاذليه أقصروا فلربما
أفضى عتابكم إلى إضراره
إن لم تعينوه عليّ برجائه
لا تنكروا بالله خلع عذاره
ما كان أكتمه لأسرار الهوى
لو أن جند الصبر من أنصاره
ما ذنبه والبين قطع قلبه
أسفاً وأذكى النار في أعشاره
بخل اللوى بالساكنيه وطيفهم
وحديثه ونسيمه ومزاره
يا برق خذ دمعي وعرج باللوى
فاسفحه في باناته وعراره
وإذا لقيت بها الذي بإخائه
ألقى خطوب الدهر أو بجواره
فاقرّ السّلام عليه قدر محبتي
فيه وترفيعي إلى مقداره
وَاْلْمُمْ بسائر أخوتي وقرابتي
من لم أكن لجوارهم بالكاره
ما منهم إلا أخ أو سيد
أبداً أرى دأبي على إكباره
فاثبت لذاك الحي أن أخاهم
في حفظ عهدهم على استبصاره
ما منزل اللذات في أوطانه
كلا ولا السلوان من أوطاره
وقال رحمه الله في غرض كلّفه سلطانه القول فيه:
ألا وأصِلْ مواصلة العقار
ودع عنك التخلق بالوقار
وقم واخلع عذارك في غزال
يحق لمثله خلع العذار
قضيب مائس من فوق دعص
تعمم بالدجى فوق النهار
ولاح بخده ألف ولام
فصار معرفاً بين الدراري
رماني قاسم والسين صاد
بأشفار تنوب عن الشفار
وقد قسمت محاسن وجنتيه
على ضدّين من ماء ونار
فذاك الماء من دمعي عليه
وتلك النار من فرط استعار
عجبت له أقام بربع قلبي
على ما شبّ فيه من الأوار
ألفت الحب حتى صار طبعاً
فما أحتاج فيه إلى ادكار
فمالي عن مذاهبه ذهاب
وهذا فيه أشعاري شعار
وقال العلامة ابنُ رُشَيْد في ((ملء العيبة)): لما قدمنا المدينة سنة 486 للهجرة؛ كان معي رفيقي الوزير أبو عبد الله بن أبي القاسم الحكيم، وكان أرْمَد، فلما دخلنا ذا الحليفة أو نحوها، نزلنا عن الأكوار، وقوي الشوق لقرب المزار، فنزل وبادر إلى المشي على قدميه احتساباً لتلك الآثار، وإعظاماً لمن حل في تلك الديار، فأحسّ بالشفاء؛ فأنشد لنفسه في وصف الحال قوله:
ولما رأينا من ربوع حبيبنا
بيثرب أعلاماً أثرن لنا الحبّا
وبالتّرب منها إذ كحلنا جفوننا
شفينا فلا بأساً نخاف ولا كربا
وحين تبدّى للعيون جمالها
ومن بعدها عنّا أديلت لنا قربا
نزلنا من الأكوار نمشي كرامة
لمن حل فيها أن نلم به ركبا
نُسحُّ سجال الدمع في عرصاتها
ونلثم من حبّ لواطئه التّربا
وإن بقائي دونه لخسارة
ولو أن كفي تملأ الشَّرق والغربا
فيا عجباً ممن يحبّ بزعمه
يقيم مع الدعوى ويستعمل الكتبا
وزلات مثلي لا تعد كثيرة
وبعدي عن المختار أعظمها ذنبا
ومن شعره قوله:
ما أحسن العقل وآثاره
لو لازم الإنسان إيثاره
يصون بالعقل الفتى نفسه
كما يصون الحر أسراره
لا سيما إن كان في غربة
يحتاج أن يعرف مقداره
وقوله رحمه الله:
إني لأعسر أحياناً فيلحقني
يسر من الله إن العسر قد زالا
يقول خير الورى في سنة ثبتت
(أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا)
وهو من أحسن ما قاله رحمه الله. ومن شعره قوله:
فقدت حياتي بالفراق ومن غدا
بحال نوى عمن يحب فقد فُقِدْ
ومن أجل بعدي من ديار ألفتها
جحيم فؤادي قد تلظى وقد وَقَدْ
وحكي أن ذا الوزارتين المترجم، لما اجتمع مع الفقيه الكاتب ابن أبي مدين؛ أنشده ابن أبي مدين:
عشقتكمو بالسمع قبل لقاكم
وسمع الفتى يهوى لعمرٍ كطرفه
وحببني ذكر الجليس إليكمُ
فلما التقينا كنتم فوق وصفه
فأنشده ذو الوزارتين ابن الحكيم قوله:
ما زلت أسمع عن عَلْياك كل سَنا
أبهى من الشمس أو أجلى من القمر
حتى رأى بصري فوق الذي سمعت
أذني فوفّق بين السمع والبصر
ومن نظمه مما يكتب على قوس:
أنا عدة للدين في يَدِ مَنْ غَدَا
لله منتصراً على أعدائه
أحكي الهلال وَأسْهُمِي في رَجْمِها
لمن اعتدى تحكي رجوم سمائه
قد جاء في القرآن أني عُدَّةٌ
إذْ نَصَّ خير الخلق محكم آيه
وإذا العدوّ أصابه سهمي فقد
سبق القضاء بهلكه وفنائه
ومن توقيعه ما نقلته من خط ولده أبي بكر؛ في كتابه المسمى بالموارد المستعذبة، وكان [بمدينة وادي آش] الفقيه [الكذا أبو عبد الله محمد بن غالب] الطريفي، فكتب يوماً إلى [الشيخ]؛ خاصة والدي [وخلاصته] أبي جعفر بن داود قصيدة [طويلة] على روي السين يشتكي يشتكي فيها من [جَوْر] مشرف بلدهم إذ ذاك أبي القاسم بن حسان؛ منها:
فيا صفيّ أبي العباس كيف ترى
وأنت كيِّس من فيها من أكياس
ولُّوه إن كان ممن ترتضون به
فقد دنا الفتح للأشراف في فاس
ومنها يستطر ذكر ذي الوزارتين [رحمه الله]:
للشرق فضل منه أشرقت شهب
من نورهم اقبسونا كل مقباس
فوقع عليها رحمة الله تعالى عليه [ورضوانه]:
إن أفرطت بابن حسان غوائله
فالأمر يكسوه ثوب الذل والياس
وإن تَزِلُّ به في جوره قدم
كان الجزاء له ضرباً على الراس
فقد أقامني المولى بنعمته
لبث أحكامه بالعدل في الناس
كتابته
وهي مرتفعة عن نمط شعره. فمن ذلك رسالة كتبها كتبها عن سلطانه في فتح مدينة قيجاطة: ((من الأمير فلان، أيده الله ونصره، [ووفقه لما يحب، حتى يكون ممن قام بفرض الجهاد ونشره]. إلى ابننا الذي نمنحه الحبّ الحبّ والرّضى، [ونسأل الله أن يهبه الخلال التي تستحسن]، والشيم التي ترتضى، الولد الأنجب، الأرضى، الأنجد، الأرشد، الأسعد، محمد، وإلى الله تعالى إسعاده، وتولى بالتوفيق والإرشاد سداده؛ وأطلع عليه من أنباء الفتوح المبشرة بالنصر الممنوح، ما يكمل من بغيته في نصر دين الإسلام [ويُسني] مراده.
أما بعد؛ حمد الله، الذي جعل الجهاد في سبيله أفضل الأعمال؛ [الذي يقربه إلى رضاه]، وندب إليه بما وعد من الثواب عليه، فقال: ﴿يَا أيُّهَا النَّبِيُّ حَرِضْ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ﴾؛ تنبيهاً على محل الثقة، بأن الفئة القليلة من أوليائه، تغلب الفئة الكثيرة من أعدائه، وتدارك دين الإسلام بإنجاز وعده في قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرَهُ﴾؛ على رغم أنف من ظن [أنه خاذله؛ تعالى الله عن خذلان جنده]، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله ومجتباه، لهداية الخلق لسلوك سبيل الحق، والعمل بمقتضاه. قال تعالى فيما أنزل: ﴿قَاتِلُوا الذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ﴾، تحريضاً على أن يمحوا ظلام ضلالهم بنور هداه. صلى الله عليه وسلم؛ وعلى آله الأبرار، وأصحابه الأشداء على الكفار، الذين جردوا في نصرة دينه صوارم العزم، وأمضوا ظباه، وفتحوا ما زوَّى له من مشارق الأرض ومغاربها، حتى عمَّ الإسلام حدّ المعمور ومنتهاه.
فإنا كتبنا لكم. كتب الله لكم من سماع البشائر ما يعود بتحويل الأحوال، وأطلع عليكم من أنباء الفتوح ما يلوح بآفاق الآمال، مبشراً باليمن والإقبال. من قيجاطة، وبركات ثقتنا بالله وحده، تظهر لنا عجائب مكنونات ألطافه، وتجنينا ثمار النصر في إبّان قطافه، وتسخر لنا ورْد مشرع الفتح فترد عذب نطافه، والحمد لله الذي هدانا لأن نتقلد نجادها، ونمتطي جوادها، ونستوري زنادها، ونستفتح بها مغالق المآرب، [ولطائف المطالب]؛ حتى دخلت الملة الحنيفية في هذه الجزيرة الأندلسية، أغوارها وأنجادها. وقد تقرر عند الخاص والعام من أهل الإسلام، واشتهر في جميع الأقطار اشتهار الصبح في سواد الظلام؛ أنا لم نزل نبذل جهدنا في أن تكون كلمة الله هي العليا، ونسمح في ذلك بالنفوس والأموال رجاء ثواب الله؛ لا لغرض دنيا. أنا ما قصرنا في الاستنصار والاستنفار [ولا قصرنا عن الاعتضاد لكل من أملنا معونته والاستظهار]، ولا اكتفينا بمطولات بمطولات الرسائل وبنات الأفكار، حتى اقتحمنا بنفوسنا لجج البحار، وسمحنا بالطارف من أموالنا والتلاد، وأعطينا رجاء [نصرة الإسلام] موفور الأموال والبلاد، واشترينا بما أنعم الله به علينا، ما فرض الله على كافة أهل الإسلام من الجهاد؛ فلم يكن بين تلبية المدعو وزهده، وبين قبوله ورده؛ إلا كما يحسو الطائر ماء الثماد، ويأبى الله أن يكل نصر هذه الجزيرة إلى سواه، وأن يجعل فيها سبباً إلاَّ لمن أخلص لوجهه الكريم علانيته ونجواه.
ولما أسلم الإسلام بهذه الجزيرة الغريبة إلى مثاويه، وبقي المسلمون يتوقعون حادثاً ساءت ظنونهم لمباديه؛ ألقينا إلى الثقة بالله تعالى [وحده] يد الاستسلام، وشمرنا عن ساعد الجد والاجتهاد في جهاد جهاد عبدة الأصنام، وأخذنا بمقتضى قوله التعالى: ﴿ وَأنْفِقُوا فِي سَبْيِلِ اللَّهِ﴾ أخذ الاعتزام، فأمدنا الله تعالى تعالى بتوالي البشائر، ونصرنا بألطاف أغنى فيها خلوص الضمائر عن قواد العساكر، ونقلنا على أيدي قوادنا ورجالنا من السبايا والغنائم، ما عُدَّ ذكره في الآفاق
كالمثل السائر: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾،
وكيف يحصيها المحصي أو يحصرها الحاصر. وحين أبدت لنا العناية الربانية وجوه الفتوح سافرة المحيا، وانتشقنا [ نسيم] النصر الممنوح عبق الريَّا، استخرنا الله تعالى في الغزو بأنفسنا، ونعم المستخار، وكتبنا إلى من قرب من عمّالنا بالحضّ على الجهاد والاستنفار.
وحين وافى من خف للجهاد من الأجناد والمطوعين، وغدوا بحكم رغبتهم في الثواب على طاعة الله مجتمعين، خرجنا بهم، ونصر الله تعالى أهدى دليل، وعناية الله بهذه الفئة المفردة من المسلمين، تقضي بتقريب البعيد من آمالنا، وتكثير القليل. ونحن نسأل الله تعالى أن يحملنا على جادة الرّضا والقبول، وأن يرشدنا إلى طريق يفضي إلى بلوغ الأمنية والمأمول؛ إلى أن حللنا عشية يوم الأحد ثاني يوم خروجنا بمقربة حصن اللقوة، اللقوة، فأدرنا به التدبير، واستشرنا من أوليائنا من تحققنا تحققنا نصحه فيما يشير، فاقتضى الرأي المقترن بالرشاد، المؤذن بالإسعاد، قصد قيجاطة؛ [لما رجى من] تيسير فتحها، وأملا في إضاءة فجر الأماني لديها، وبيان صبحها. فسرنا [نحوها] في جيش، يجر على المجرة ذيل النقع المثار، ويضيق عن كثرته واسع الأقطار، ويقر عين عين الإسلام، بما اشتمل عليه من الحماة والأنصار [تطير بهم نياتهم] بأجنحة العزم إلى قبض أرواح الكفار. فلما وصلنا إلى وادي يانه؛ على مقربة منها. نزلنا به نريح الجياد، ونكمل التأهب للقتال الاستعداد. وبات المسلمون ليلتهم يسألون الله تعالى بأن يمنحهم الإعانة بتأييده والإمداد.
وحين فجر الفجر وأنار النهار، وقدحت به الأصباح زند الأنوار، ركبنا إليها والعساكر قد انتظمت عقودها والسيوف قد كادت تلفظها غمودها، وبصاير الأولياء المجاهدين قد لاح من نصر الله تعالى معهودها. فلما وصلناها، وجدنا ناسنا قد سبقوا إليها بالبُوس، وهتكوا ستر عِصْمَتَها المحروس، [وأذن لها] بزوال النعم، وذهاب وذهاب النفوس، فعاجلها الأولياء بالقتال، وأهدوا إليها حمر المنايا من زرق النصال، [ورشقوا جنودها بالنبال، وجدوا بنات الآجال]، فلما رأوا ما لا طاقة لهم به، لاذوا لاذوا بالفرار من الأسوار، وولوا الأدبار، وودعوا الديار وما فيها من الآثار. وتسنّم المسلمون ذروة البلد الأول فملكوه، وخرقوا حجاب الستر المسدول عليه وهتكوه، وتسرعوا إلى البلد الثاني، [وقد ملأ النصارى أسواره] من حماة رجالهم، وانتقوهم من متخيري أبطالهم، ممن وثقوا بإقدامه في حماية ضلالهم، فحمل عليهم المسلمون حملة عرفوهم بها كيف يكون اللّقاء، [ وصرفوهم إلى ما تنصرف إليه أرواحهم من الشقاء]، وأظهروا لهم [من صدق العزايم] ما علموا به أن لدين الإسلام أنصاراً؛ لا يرغبون بأنفسهم عن الذب عنه وحماية راياته، ولا يصدرون إلاّ إلى طاعة الله ابتغاء مرضاته.
وبادر جماعة إلى إضرام باب المدينة بالنّيران، وعقدوا تحت سماء العجاج منها سماء الدخان، ورموا النصارى [من النبال] بشهب تتبع منهم كل شيطان. فهزم الله النّصارى؛ وولوا أدبارهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فأخلوا بروجهم وأسوارهم، وتسنّمها المسلمون معلنين شعار الإسلام، رافعين من الرايات الحمر كواكب في سماء السعادة تبشر بتيسير كل مرام، ودخلوا المدينة، فألفوا بها من القوت والعتاد، والمتاع الفاخر، الذي يربو على العتداد؛ [ما ملأ] كل يمين وشمال، وظهروا عليها بعد بلوغ الأماني على الكمال، [وقتلوا بها من الحماة أعداء؛ أبدوا في حماية ضلالهم ماضي الفنا والاعتزام] وأعملوا فيهم ماضي العوامل وشبا الإضرام. وارتفع النصارى إلى القصبة لائذين بامتناعها، معتصمين بعلوها وارتفاعها، متخيَّلين [لضلالهم، وعدم استبصارهم]؛ أن نور الهدى لا يحل بديارهم؛ فرأينا أن نُرقي الرجال إلى أبراج البلد وأسواره، وأمرناهم أن يبيتوا طول ليلتهم مضيقين على من اعتصم بالقصبة في حصاره، وعمدنا بالعسكر المظفر إلى موضع استيطانه من المحلة المنصورة واستقراره.
فلما بدا ضوء الصباح بنور الإشراق، ولاح وجه الغزالة طارحاً شعاعه على الآفاق، أمرنا بترتيب العساكر على القصبة للحصار، وعينا لكل جماعة مهنهم جهة يبادرون إلى منازلتها بالقتال أشد البدار، فانتهى المسلمون من ذلك [إلى غاية لم] تخطر للكافرين ببال، وجرعوهم كؤوس المنايا، وأداروا بها بنات الحنايا، [فأفضت السجال] وأظهر الكفار، مع وقوعهم في بحر الموت صبراً وطمعوا، أن يقيموا بذلك لصلبانهم عذراً.
فلما رأوا من عزمنا ما لم تتخيله ظنونهم وأوهامهم، وصابرهم المسلمون عند النزال مصابرة عظم فيها إقدامهم [وثبتت أقدامهم] ألقوا بأيديهم إلى التهلكة، إلقاء [من هاله لمعان الأسنة، واهتزاز رُدَيْنِيات القنا]، ولاذوا بطلب الأمان لياذ الغريق بالساحل، بعد ما أشرف على الفنا، وهبط زعيمهم، مقتحماً خطر تلك المسالك، متضرعاً تضرع من طمع في الحياة بعد ما أخذته أيدي المهالك، وشرط أن يملكنا القصبة. ويبقى خديماً لنا بما بيده من البلاد الكثيرة، [والكتيبة] المنتخبة، فلم نظهر له عند ذلك قبولاً، [ولم نجعل له] إلى تكميل ما رغب فيه سبلا، فقاده البأس الشديد إلى الإذعان، ورغب أن يكمل ما نريده على شرط الأمان؛ فأسعفنا رغبته على شروط، بَعُدَ عهدُ المسلمين بمثلها، [وهيئت الأسباب بما نعتمده] من الثقة بالله وحده في أمورنا كلها، وذلك على كذا وكذا.
وحين كملت الشروط حق التكميل، وظهرت لنا [منه] أمارات الوفاء الجميل، دخلنا القصبة حماها الله، وقد أغنى [يوم] النصر عن شهر السلاح، كما أغنى ضوء الصبح [عن نور المصباح]، ورفعت على أبراجها حمر الأعلام، ناطقة عن الإسلام، بالتعريف والإعلام. وفي الحين وجهنا من يقبض تلك الحصون، ويزيل ما بها من جرم الكفر المأفون أمناء رجالنا. فالحمد لله على هذه النعمة التي أحدثت للقلوب استبشارًاً، وخفضت [علم التثليث]، ورفعت للتوحيد مناراً، وأظهرت للملة الحنيفية على أعدائها اعتلاء واستكباراً.
وهذا القدر من الفتح؛ وإن كان سامي الفخر، باقي الذكر بقاء الدهر، فإننا لنرجو من فضل الله أن يُتْبِعه بما هو أعلى منه متانة، وأعظم في قلوب أهل الإيمان موقعاً موقعاً وأعز مكانة، وأن يرغم بما يظهر على أيدينا من عزّ الإسلام، أنف من أظهر له عناداً وخذلانا. فاستبشروا بهذا الفتح العظيم وبشروا، واشكروا الله عليه، فواجب أن تشكروا. وقد كتبنا هذا، ونحن على عزمنا في غزو بلاد الكفار، والسعي الحميد [إلى التنكيل بهم] والإضرار، والمسلمون أعزهم الله في أرضهم يشنون المغار، ويمتلكون الأنجاد منها والأغوار، ويكثرون القتل والأسار، ويُحَكَّمون أينما نزلوا السيف والنار. [والسلام])).
ومن نثر آخر إجازة ما صورته
[وها أنا أجري منه على حسن معتقده وأكله في هذا الغرض إلى ما رآه بمقتضى تودده، وأجيز له ولولديه، أقر الله بهما عينه، وجمع بينهما وبينه، رواية جميع ما نقلته وحملته، وحسن اطلاعه يفصل من ذلك ما أجملته، فقد أطلقت لهم الإذن في جميعه، وأبحت لهم الحمل عني، ولهم الاختيار في تنويعه. والله سبحانه وتعالى يخلص أعمالنا لذاته، ويجعلها في ابتغاء مرضاته. قال هذا محمد بن عبد الرحمن بن الحكيم حامداً لله عز وجل، ومصلياً ومسلماً].
وفاته
قُتل رحمه الله صبيحة عيد الفطر؛ من عام ثمانية وسبعمائة، وذلك لتاريخ خلع سلطانه. واستولت يد الغوغاء على منازله، شغلهم بها مدبر الفتنة، خيفة من أن يعاجلوه قبل تمام أمره. فضاع بها مال لا يكتب، وعروض لا يعلم لها قيمة من: الكتب، والذخيرة والفرش، والآنية، والسلاح، والمتاع، والخُرْثي؛ وأخفرت ذمته، وتُعُدَّي به عُدوة القتل إلى المُثْلة. وقانا الله مصارع السوء؛ فطيف بشلوه، وانتهب؛ فضاع [ولم يقبر]. وجرت فيه شناعة كبيرة، رحمه الله تعالى.
مولده
برُنْدة ظهر يوم الاثنين الحادي والعشرين من ربيع الأول المبارك؛ من عام ستين وستمائة. وممن رثاه شيخنا أبو بكر بن شبرين رحمه الله تعالى بقوله:
[سقى الله أشلاء كرُمْن على البلى
وما غض من مقدارها حادث البلا
ومما شجاني أن أهين مكانها
وأهمل قدر ما عهدناه مهملا
ألا اصنع بها يا دهر ما أنت صانع
فما كنت إلا عبدها المتذللا]
سفكت وما كان الرقوء نواله
لقد جئتها شنعاء فاضحة الملا
(يكفي سبنتي أزرق العين مطرق)
عدا فغدا في غيه متوغلا
لنعم قتيل القوم في يوم عيده
قتيل تبكيه المكارم والعلا
ألا إن يوم ابن الحكيم لمثكل
فؤادي فما ينفك ما عشت مثكلا
فقدناه في يوم أغر محجل
ففي الحشر نلقاه أغرّ محجلا
سمت نحوه الأيام وهو عميدها
فلم تشكر النعمى ولم تحفظ الولا
تعاورت الأسياف منه ممدحاً
كريما سما فوق السماكين منزلا
وخانته رجل في الطواف به سعت
فناء بصدر للعلوم تحملا
وجدل لم يحضره في الحي ناصر
فمن مبلغ الأحياء أن مهلهلا
يد الله في ذاك الأديم ممزقاً
تبارك ما هبت جنوباً وشمألا
ومِنْ حزني أنْ لست أعرف ملحداً
له فأرى للترب منه مقبلا
رويدك يا من قد غدا شامتاً به
فبالأمس ما كان العماد المؤملا
وكنا نغادي أو نراوح بابه
وقد ظل في أوج العلا متوقلا
ذكرناه يوماً فاستهلت جفوننا
بدمع إذا ما أمحل العام أخضلا
ومازَجَ منه الحزن طول اعتبارنا
ولم ندر ماذا منهما كان أطولا
وهاج لنا شجواً تذكر مجلس
له كان يُهدي الحي والملأ الألى
به كانت الدنيا تؤخر مدبراً
من الناس حتماً أو تقدم مقبلا
لتبك عيون الباكيات على فتى
كريم إذا ما أسبغ العرف أجزلا
على خادم الآثار تتلى صحائحا
على حامل القرآن يتلى مفصلا
على عضد الملك الذي قد تضوعت
مكارمه في الأرض مسكاً ومنْدَلا
على قاسم الأموال فينا على الذي
وضعنا لديه كل إصر على علا
وأنَّى لنا من بعده متعلل
وما كان في حاجاتنا متعللا
ألا يا قصير العمر يا كامل العلا
يميناً لقد غادرت حزناً مؤثلا
يسوء المصلى أن هلكت ولم تقم
عليك صلاة فيه يشهدها الملا
وذاك لأن الأمر فيه شهادة
وسنتها محفوظة لن تبدلا
فيا أيها الميت الكريم الذي قضى
سعيداً حميداً فاضلاً ومفضلا
لتنهل من رب السماء شهادة
تلاقي ببشرى وجهك المتهللا
رثيتك عن حب ثوى في جوانحي
فما ودع القلب العميد [وما قلا]
ويا رب من أوليته منك نعمة
وكنت له ذخراً عتيداً وموئلا
تناساك حتى ما تمر بباله
ولم يدَّكِر ذاك الندى والتفضلا
يرابض في مثواك كل عشية
صفيف شواء أو قديداً معجلا
لَحَى الله من ينسى الأذمة رافضاً
ويذهل مهما أصبح الأمر مشكلا
حمانيك يا بدر الهدى فلشد ما
تركت بدور الأفق بعد أُفَّلا
وكنت لآمالي حياة هنيئة
فغادرت مني اليوم قلباً مقتلا
فلا وأبيك الخير ما أنا بالذي
على البعد يثسي من ذمامك ما خلا
فأنت الذي آويتني متغرباً
وأنت الذي أكرمتني متطفلا
فإن لم أنل منك الذي كنت آملاً
فما كنت إلا المحسن المتفضلا
فآليت لا ينفك قلبي مكمداً
عليك ولا ينفك دمعي مسبلا
محمد بن عبد الرحمن
العقيلي الجراوي؛ من أهل وادي آش؛ وسكن غرناطة.
حاله
فقيه أديب متطبب، متفنن في علوم جمة، شاعر مطبوع؛ يكنى أبا بكر. مدح الأمير علي بن يوسف اللمتوني بقوله:
رحلوا الرّكايب موهناً
فأذاع عرفهم السّنا
والحَلْي قد أغرَى بهم
لما ترنّم معلنا
كم حفّ حول حماهم
من كل خطّار القنا
قال أبو جعفر بن الزبير: ينفك منها قصايد:
رحلوا الركاب موهناً ليكتموا
ظعن الحمول وهل توارى الأنجم
فأذاع سرهم السنا ورمى بهمَّ
فلُّ الذميل شذاهم المتنسم
كم حف حمل قبابهم وركابهم
من ليث غاب في براثنه الدم
من كل خطار القناة مموه
بين الرحيل نصبه يستسلم
وهي طويلة، خاطب بها أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين. وقال في وصف القصيدة:
أيا ملكاً يسمو بسعد مساعد
وقدْرٍ على علو الكواكب صاعد
نظمت قصيداً في علاك مضمناً
ثلاث قواف في ثلاث قصايد
إذا فصلت أغنى عن البعض بعضها
وإن وصلت كانت ككعب وساعد
فأجازه بظهير كريم؛ بتحرير ماله وتنويهه.
محمد بن عبد الرحمن
المُتأهل؛ من أهل وادي آش؛ يعرف بعمامتي.
حاله
من التاج: ناظم أبيات، وموضح غرر وشيات، وصاحب توقيعات رفيعات، وإشارات ذوات شارات، وكان شاعراً مكثاراً، وجواداً لا يخاف عثاراً. أدخل على أمير بلده المخلوع عن ملكه، بعد انتثار سلكه، وخروج الحضرة عن ملكه، واستقراره بوادي آش، مروع البال، معللا بالآمال، وقد بلغه دخول طبرنش في طاعته، فأنشده من ساعته:
خذها إليك طبرنشا
شفع بها وادي الأشا
والأم تتبع بنتها
والله يفعل ما يشا
ومن نوادره العذبة يطلب خطة الحسبة:
أنلنيّ يا خير البرية خطة
ترفعني قدراً وتكسبني عزاً
فأعتز في أهلي كما اعتزّ بيدق
على سفرة الشطرنج لما انثنى فرزاً
فوقع الأمر بظهر رقعته، ما ثبت في حرف النون عند ذكره؛ والاحتجاج بفضله.
وفاته
كان حياً بعد سنة سبع عشرة وسبعمائة. وفد على الحضرة مرات كثيرة.
محمد
ابن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طُفَيل القيسي؛
من أهل وادي آش، يكنى أبا بكر.
حاله
كان عالماً، صدراً، حكيماً، فيلسوفاً، عارفاً بالمقالات والآراء، كلفاً بالحكمة المشرقية، محققاً، متصوفاً، طبيباً ماهراً، فقيهاً بارع الأدب، ناظماً، ناثراً، مشاركاً في جملة من الفنون.
مشيخته
روى عن أبي محمد الرُّشاطي، وعبد الحق بن عطية، وغيرهما.
حُظْوته ودخوله غرناطة
اختص بالريس أبي جعفر، وأبي الحسن بن مَلْحان. قال ابن الأبار في تحفته: وكتب لوالي غرناطة وقتاً.
تواليفه
رسالة حيّ بن يقظان، والأرجوزة الطبيَّة المجهولة، وغير ذلك.
شعره
قال: وهو القايل من قصيدة في فتح قفصة سنة ست وتسعين؛ وأنفذت إلى البلاد:
ولما انقضى الفتح الذي كان يرتجى
وأصبح حزب الله أغلب غالب
وانجزنا وعد من الله صادق
كفيل بإبطال الظنون الكواذب
وساعدنا التوفيق حتى بينت
مقاصدنا مشروحة بالعواقب
وأذعن من عليا هلال بن عامر
أبي ولبّى الأمر كل مجانب
وهبوا إذا هب النسيم كما سرى
ولم يتركوا بالشرق علقة آيب
يغص بهم عرض الفلا وهو واسع
وقد زاحموا الآفاق من كل جانب
كأن بسيط الأرض حلقة خاتم
بهم وخضم البحر بعض المذانب
ومَدَّ على حكم الصغار لسلمنا
يديه عظيم الروم في حال راغب
يصرح بالرويا وبين ضلوعه
نفس مذعور ونفرة راهب
وعَيٌّ من لسان الحال أفصح خطبة
ما وضحت عنه فصاح القواضب
وأبصر مَتْن الأرض كفة حامل
عليه وإصراه في كف حالب
أشرنا بأعناق الجياد إليكم
وعجباً عليكم من صدور الركايب
إلى بقعة قد بين الله فضلها
بمن حل فيها من ولي وصاحب
على الصفوة الأدنين منا تحية
توافيهم بين الصبا والجنايب
وله أيضاً:
ألمت وقد نام الرقيب وهوَّما
وأسرت الوادي العقيق من الحما
وراح إلى نجد فرحت منجدا
ومرت بنعمان فأضحى مُنَعَّما
وجرت على ترب المخصّب ذيلها
فما زال ذاك الترب نهباً مقسما
تناقله أيدي التجار لطيمة
ويحمله الدارين أيان يمما
ولما رأت أن لا ظلام يجنها
وأن سراها فيه لن يتكتما
سرت عذبات الريط عن حر وجهها
فأبدت شعاعاً يرفع اليوم مظلما
فكان تجليها حجاب جمالها
كشمس الضحى يعشى بها الطرف كلما
ولما رأت زهر الكواكب أنها
هي النير الأسمى وإن كان باسما
بكت أسفاً أن لم تَفُزْ بجوارها
وأسعدها صوب الغمام فأسجما
فجلت يمج القطر ريان بردها
فتنفضه كالدر فذاً وتوأما
يضم علينا الماء فضل زكاتها
كما بل سقط الطل نوراً مكمماً
ويفتق نضح الغيث طيب عرفها
نسيم الصبا بين العرار منسما
وجلت عن ثناياها وأومض برقها
فلم أدر من شق الدجنة منهما
وساعدني جفن الغمام على البكا
فلم أدر وجداً أينا كان أسجما
ونظم سمطي ثغرها ووشاحها
فأبصرت در الثغر أحلى وأنظما
تقول وقد ألمَمَتْ أطراف كمها
يدي وقد أنعلتْ أخمصها الفما
نشدتك لا يذهب بك الشوق مذهباً
يُسَهِّلُ صعباً أو يُرخِّص مأثما
فأقصرت لا مستغنياً عن نوالها
ولكن رأيت الصبر أوفى وأكرما
وقال:
أتذكر إذ مسحت بفيك عيني
وقد حلَّ البكا فيها عقوده
ذكرت بأن ريقك ماء ورد
فقابلت الحرارة بالبرودة
وقال:
سألت من المليحة برء دايي
برشف برودها العذب المزاج
فما زالت تقبل في جفوني
وتبهرني بأصناف الحجاج
وقالت إن طرفك أصلاً لدايك
فليقدَّم في العلاج
وفاته
توفي: بمراكش سنة إحدى وثمانين وخمسماية. وحضر السلطان جنازته.
محمد بن عبد العزيز
ابن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عياش التجيبي البُرشاني، من أهل حصن برشانة المحسوب في هذه العمالة،
يكنى أبا عبد الله؛ كاتب الخلافة.
حاله
قال القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك: كان كاتباً بارعاً، فصيحاً، مشرفاً على علوم اللسان، حافظاً للغات والآداب، جزلاً، سري الهمة، كبير المقدار، حسن الخلق، كريم الطباع، نفاعاً بجاهه وماله، كثير الاعتناء بطلبة العلم، والسعي الجميل لهم، وإفاضة المعروف على قصاده، مستعيناً على ذلك بما نال من الثّروة والحظوة والجاه، عند الأمراء من بني عبد المؤمن؛ إذ كان صاحب القلم الأعلى، على عهد المنصور وابنه، رفيع المنزلة والمكانة لديهم، قاصداً الإعراب في كلامه، لا يخاطب أحداً في كلامه من الناس، على تفاريق أحوالهم، إلا بكلام معرب، وربما استعمله في مخاطبة قدمته وأمته، من حوشي الألفاظ، ما لا يكاد يستعمله، ولا يفهمه إلا حفاظ اللغة من أهل العلم، عادة ألفها واستمرت حاله عليها.
مشيخته
روى عن أبي عبد الله بن حميد، وابن أبي القاسم السُّهَيْلي، وابن حبيش، [وروى عنه بنوه: أبو جعفر، وأبو القاسم، و عبد الرحمن، وأبو جعفر بن عثمان، وأبو القاسم البلوي].
تواليفه
له اختصار حسن في إصلاح المنطق، ورسايل مشهورة، تناقلها الناس، وشعره يحسن في بعضه.
جاهه
حدث الشيخ أبو القاسم البلوي، قال: كنت أخِفُّ إليه، وأشفع عنده في كبار المسايل، فيسرع في قضايها. ولقد عرضت لبعض أصحابي من أهل بلاد الأندلس حاجة مهمة كبيرة، وجب علي السعي فيها، ورجوته من جميل أثره في تيسير أمرها، وكان قد أصابه حينئذ التياث لزم من أجله داره، ودخلت عليه عايداً، فأطال السؤال عن حالي، وتبسط معي في الكلام، مبالغة في تأنيسي، فأجّلت ذكر الحاجة، ورغبت منه في الشفاعة عند السلطان في شأنها، وكان مضطجعاً، فاستوى جالساً، وقال لي، جهل الناس قدري، وكررها ثلاثاً، في مثل هذا أشفع إلى أمير المؤمنين، هات الدواة والقرطاس، فناولته إياهما، فكتب برغبتي، ورفعه إلى السلطان، فصرف في الحين معلماً، فاستدعاني، ودفعه إلي، وقال: يا أبا القاسم، لا أرضى منك أن تحجم عني في التماس قضاء حاجة تعرضت لك خاصة، وإن كانت لأحد من معارفك عامة، كبرت أو صغرت؛ فألتزم قضاءها، وعلي الوفا، فإن لكل مكتسب زكاة، وزكاة الجاه بذله.
وحدثني شيخي أبو الحسن بن الجياب، عمن حدثه من أشياخه، قال: عرض أبو عبد الله بن عياش والكاتب ابن القالمي على المنصور كتابين، وهو في بعض الغزوات، في كلب البرد، وبين يديه كانون جمر. وكان ابن عياش بارع الخط، وابن القالمي ركيكه، ويفضله في البلاغة، أو بالعكس؛ الشكّ منّي. وقال المنصور: أي كتب لو كان بهذا الخط، وأي خط لو كان بهذا الكتب، فرضي ابن القالمي، وسخط ابن عياش. فانتزع الكتاب من يد المنصور، وطرحه في النّار، وانصرف. قال: فتغير وجه المنصور، وابتدر أحد الأشياخ؛ فقال: يا أمير المؤمنين، طَعَنْتُم له في الوسيلة التي عرفته ببابكم، فعظمت غيرته لمعرفته بقدر السبب الموصل إليكم. فسرى عن المنصور، وقال لأحد خدامه: إذهب إلى السبي، فاختر أجمل نساء الأبكار؛ وأتِ بابن عياش؛ فقل له: هذه تُطفي من خلقك. قال: ابن عياش يخاطب ولده، وقد حدّث الحديث: هي أمّك يا محمد أو فلان.
بعض أخباره مع المنصور
ومحاورته الدالة على جلالة قدره.
قال ابن خميس: حدثني خالي أبو عبد الله بن عسكر: أن الكاتب أبا عبد الله بن عياش، كتب يوماً كتاباً ليهودي؛ فكتب فيه: ويحمل على البرّ والكرامة. فقال له المنصور: من أين لك أن تقول في كافر: ويحمل على البرّ والكرامة؟ فقال: ففكرت ساعة؛ وقد علمت أن الاعتراض يلزمني. فقلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتاكم كريم قوم، فأكرموه))؛ وهذا عام في الكافر، وغيره. فقال نعم هذه الكرامة؛ فالمبرّة أين أخذتها؛ قال: فسكت ولم أجد جواباً؛ قال: فقرأ المنصور: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ
عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدَّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ، إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾.
قال: فشهدت بذلك؛ وشكرته.
شعره
من شعره:
بلنسية بيني عن العلياء سلوة
فإنك روض لا أحن لزهرك
وكيف يجب المرء داراً تقسمت
على صارمي جذع وفتنة مشرك
وذكره الأديب أبو بحر صفوان بن إدريس في زاد المسافر؛ عند اسم ابن عياش؛ قال: اجتمعنا في ليلة بمراكش، فقال أبو عبد الله بن عياش:
وليلة من ليالي الصفح قد جمعت
إخوان صدق ووصل للدهر غير مختلس
كانوا على سنة الأيام قد بعدوا
فألفت بينهم لو ساعد الغلس
وقال من قصيدة:
أشفارها أم صارم الحجاج
وجفونها أم فتنة الحلاج
فإذا نظرت لأرضها وسمائها
لم تلف غير أسنة وزجاج
وقال في المصحف (الإمام)، المنسوب إلى عثمان بن عفان، لما أمر المنصور بتحليته بنفيس الدُّرَّ من قصيدة:
ونقلت من كل ملك ذخيرة
كأنهم كانوا برسم مكاسبه
فإن ورث الأملاك شرقاً ومغرباً
فكم قد أخلوا جاهلين بواجبه
وألبسته الدّر والياقوت حلية
وغيرك قد رواه من دم صاحبه
كتابته
قال ابن سعيد في المرقصات والمطربات: أبو عبد الله بن عياش، كاتب الناصر وغيره، من بني عبد المؤمن وواسطة عقد ترسيله، قوله في رسالة كتبها في نزول الناصر على المهدية بحراً وبراً، واسترجاعها من أيدي الملثمين: ((ولما حللنا عرى السفر، بأن حللنا حمى المهدية، تفاءلنا بأن تكون لمن حل بساحتها هدية، فأحدقنا بها إحداق الهدب بالعين، وأطرنا لمختلس وصالها غربان البين؛ فبانت بليلة باسنيّة، وصابح يوماً صافحته فيه يد المنية. ولما اجتلينا منها عروساً، قد مدّ بين يديها بساط الماء، وتوجهت بالهلال، وقرطته بالثريا، ووشجت بنجوم السماء، والسحب تسحب عليها أردانها، فترتديها تارة متلثمة، وطوراً سافرة، وكأنما شرفاتها المشرفة أنامل مخضبة بالدياجي، مختتمة بالكواكب الزاهرة، تضحي عن شنب لا تزال تقبله أفواه المجانيق، وتمسي باسمة عن لعس، لا تبرح ترشفه شفاه سهام الحريق، خطبناها. فأرادت التنبيه على قدرها، والتوفير في إعلاء مهرها، ومن خطب الحسناء، لم يغله المهر، فتمنعت تمنع المقصورات في الخيام، وأطالت إعمال العامل في خدمتها، وتجريد الحسام، إلى أن تحققت عظم موقعها في النفوس، ورأت كثرة ما ألقي لها من نثار الرؤوس، جنحت إلى الإحصان بعد النشوز، ورأت اللجاج في الامتناع من قبول الإحسان لا يجوز، فأمكنت زمامها من يد خاطبها، بعد مطاولة خطبها وخطابها، وامتنعت على رغم رقيها بعناقها، ورشف رضابها، فبانت معرساً، حيث لا حجال إلا من البنود، ولا خلوق إلا من دماء أبطال الجنود، فأصبح وقد تلألأت بهذه البشاير وجوه الأفكار؛ وطارت بمسارها سوايح البراري، وسوانح البحار. فالحمد لله الذي أقر الحق في نصابه، واسترجعه من أيدي غصابه، حمداً يجمع شمل النعم، ويلقحها كما تلقح الرياح الديم فشنفوا الأسماع بهذه البشاير، واملئوا الصدور بما يرويه لكم من أحاديثها كل وارد وصادر، فهو الفتح الذي تفتحت له أبواب السماء [وعم الخير واليمن به] بسيطي الشرق والماء؛ فشكر الله عليه فرض، في كل قطر من أقطار الأرض.
دخل غرناطة
مرتاداً، ومتعلماً، ومجتازاً.
مولده
ببرشانة بلده، عام خمسين وخمسماية.
وفاته
توفي بمراكش؛ في شهر رجب الفرد؛ من عام ثمانية عشرة وستماية، رحمه الله.
محمد بن علي
ابن محمد بن إبراهيم بن محمد الهَمْداني؛ من أهل وادي آش؛ يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن البراق.
حاله
قال ابن عبد الملك: كان محدثاً حافظاً، راوية مكثراً، ثقة ضابطاً، شهر بحفظ كتب كثيرة، من الحديث، وغيره، ذا نظر صالح في الطلب، أديباً بارعاً، كاتباً بليغاً، مكثراً لجيده، سريع البديهة في النظم والنثر، والأدب أغلب عليه. قال أبو القاسم بن المواعيني: ما رأيت في عباد الله، أسرع ارتجالاً منه.
مشيخته
روى عن أبي بحر يوسف بن أحمد بن أبي عيشون، وأبي بكر بن زرقون، وابن قيد، وابن إبراهيم بن المل، وابن النعمة وصَحْبه، ولقيه بمراكش، ووليد بن موفق، وأبي عبد الله بن يوسف بن سعادة، ولازمه أزيد من ست سنين، وأكثر عنه، وابن العمرسي، وأبي العباس بن إدريس، والخروبي، وتلا عليه بالسبع، وأكثر عنه، وعرض عليه من حفظه كثيراً، وابن مضاء، وأبي علي ابن عرب، وأبي القاسم بن حبيش، وابن عبد الجبار، وأبي محمد بن سهل الضرير، وعاشر وقاسم بن دحمان، وأبي يوسف بن طلحة. وأجاز له أبو بكر بن العربي، وابن خير، وابن مندلة. وابن تمارة، وأبو الحسن شريح، شريح، وابن هذيل، ويونس بن مغيث، وأبو الجليل مفرج بن سلمة، وأبو عبد الله حفيد مكي، وأبو عبد الرحمن بن مساعد، وأبو عامر محمد بن أحمد السالمي، أبو القاسم ابن بشكوال، وأبو محمد بن عبيد الله، وأبو مروان البياضي، وابن قزمان، وأبو الوليد بن حجاج.
من روى عنه
روى عنه ابنه أبو القاسم، وأبو الحسن بن محمد بن بقي الغساني، وأبو عبد الله محمد بن يحيى السكري، وأبو العباس النباتي، وأبو عمرو بن عياد، وهو أسن منه وأبو الكرم جودى.
تواليفه
صنف في الأدب مصنفات منها: ((بهجة الأفكار وفرصة التذكار في مختار الأشعار))، و((مباشرة ليلة السفح))، و((مقاله في الإخوان))، خرجها من شواهد شواهد الحكم، و((مصنف في أخبار معاوية))، و((الدر المنظم في الإحسار المعظم))، و((مجموع في الألغاز))، و((رضة الحدائق في تأليف الكلام الرائق))، ((مجموع نظمه ونثره))، و((ملقى السبل في فضل رمضان))، و((قصيدته في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم))، و((خطرات الواجد في رثاء الواحد))، و((رجوم الإنذار بهجوم العذار))، إلى غير ذلك.
محنته
غربه الأمير ابن سعد من وطنه، وألزمه سكنى مرسية، ثم بلنسية. ولما مات ابن سعد؛ آخر يوم من رجب؛ سبع وستين وخمسماية، عاد إلى وطنه، واستقر واستقر به يفيده الديّة، إلى آخر عمره.
شعره
وشعره كثير. فمن ذلك القصيدة الشهيرة في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر صحابته:
بالهَضْبِ هَضْبِ زرودَ أو تلعاتها
ساقتك هاتفة على نغماتها
مصدورة تفتن في جيعها
فيبين نفث السحر في نفثاتها
إن راغها رأد الضحى أو راعها
جنح الدجا سيان في ذكراتها
هذا يمتعها وذاك يشوقها
والموت في يقظاتها وسناتها
ولولا التعلل بالكرى ينتابها
نضحت فزَوْر الطيف برح شكاتها
لكن بين جفونها وهنامها
خرزاً تثير النَّهْب في كراتها
ولئن نطقت لها به فتقول من
يَلْقى الرياح بملتقى هباتها
مطلولة الفرعين يلحفها الربى
كتفاً ويلثمها المنى زهراتها
وتسيغها ماء النخيلة جرعة
لغياضها من مجتنى نجلاتها
منها:
يا من تبلج نوره عن صادع
بالواضحات الغر من آياتها
يا شارعاً في أمة جعلت به
وسطاً فغالت مستدام حياتها
في دار خلد لا يشيب وليدها
حيث الشباب يرف في وجناتها
وتنسم الرضوان في أكنافها
وشيم الريحان من جنباتها
يا مصطفاها مرفع قدرها
بأكنفها يا منتهى علياتها
يا منتقاها من أرومة هاشم
يا هاشم الصلبان في نزواتها
يا خاضداً للشرك شوكة حزبه
قلت: نقل الشيخ أزيد من ذلك أو ضعفه أو نحوه. إلى أن قال: وهي طويلة، قلت: وثقيلة الروح. ولقد صدق في قوله. ومن شعره:
يا بدر تم طالعاً في الحشا
بَرَّح بي منك أوان المغيبْ
حظك من قلبي تعذيبه
وحظه منك الأسى والوجيبْ
فمن يكن يزهى بلبس المنى
فإن زَهوي بلحاس النَّحيب
في ساعة قصر أنيابها
غييته لي وحضور الرقيب
لعلّ من باعد ما بيننا
يفرج الكربة عما قريب
وقال:
رثوا القباب بأدمع مفضوضة
ذوى للفراق وأكبد تتصرم
فللنفس في تلك الربوع حبيبة
والقلب في إثر الوداع مقسم
هل لي بهاتيك الظبا إلماعة
أم هل لذاك السرب شمل ينظم
حقاً فقدت الذات عند فراقهم
فالشخص يوجد والحقيقة تعدم
وفاته
توفي ببلده؛ لثلاث بقين من رمضان؛ ست وتسعين وخمسماية. قال أبو القاسم المواعيني: عثر في مشيه فسقط؛ فكان سبب منيته، ودخل غرناطة، في غير ما وجهة منها، راويا عن أبي القاسم بن الفرس. ومع ذلك فهو من أحوازها وبنياتها.
محمد بن علي
ابن محمد بن علي بن محمد بن خاتمة الأنصاري؛
من أهل ألمرية، يكنى أبا عبد الله.
حاله
من كتاب الإكليل ما نصه: ممن ثكلته اليراعة، وفقدته البراعة، تأدّب بأخيه، وتهذّب؛ وأراه في النظم المذهّب، وكساه من التفهم والتعليم البُرْد المذهب، فاقتفى واقتدى، وراح في الحلبة واغتدى، حتى نبل وشدا. ولو أمهله الدهر لبلغ المدا. وأما خطه فقيد الأبصار، وطرفة من طرف الأمصار، واعْتُبط يانع الشبيبة، مخضر الكتيبة.
شعره
كفوا الملام فلا أصغي إلى العَذَل
عقلي وسمعي عن العذال في شغل
[يقول في هذه القصيدة:
هَزْلُ المحبَّة جدٌّ والهوان هوًى
والصبّ يتلف بين الجدّ والهزل
من مسعدي وفؤادي لا يساعدني
أو من شفيعي وذلي ليس يشفع لي
أعّلُل النّفْس بالآمالُ أطْمعها
حتى وقعت من التعليل في علل
لئن كنت تجهل ما في الحبّ من مِحَنٍ
أنا الخبير فغيري اليوم لا تسل
أنا الذي قد حَلَبْتُ الحبّ أشْطُرَهُ
فلم يفدني لا حولي ولا حيل
لا أشرب الرّاح كي أحلو براحَتِها
لكن لأدفع ما بالنفس من كسل
ولا أجول بطرفي في الرّياض سوَى
ذكري لأيامنا في ظلها الأول
أنا العهد مضى ما كان أعْذَبُه
لم يبق لي غير آيات من الخبل
كم فديتك يا قلبي وأنت على
تلك الغواية لم تبرح ولم تزل
فاختر لنفسك إما أن تُصاحِبَني
حلواً وإلاّ فدعني منك وارتحل
فقد تبعتك حتى سرت من شَغَفي
ولوعتي في الهوى أعجوبة المثل
ومن شعره:
ومَضَ البَرْقُ فثارَ القَلَقُ
ومضَى النَّومُ وحَلَّ الأرَقُ
وينعاني من غرامي قد شكا
ودموعي من ولوعي تَنْطِقُ
ودليلي في غليلي زفرتي
وعذابي بانتحابي أصدق
وحسودي من وقودي رق لي
ضَمَّنَا فيها الحِمَى والأيفق
وعشيات تقضت باللِّوى
في مَخْيَلي الدهر منها رَوْنَقُ
إذ شبابي والتَّصابي جُمِعا
ورِياضُ الأنْسِ غَضٌّ مُونَقُ
شتَّ يَومُ البَيْنِ شَمْلي ليت ما
خُلِقَ البَيْنُ لِقَلْبٍ يَعْشَقُ
آهِ من يومٍ قَضَى لي فُرقة
شاب منّي يوم حُلَّتْ مَفْرِقُ
ومن ذلك:
أيا جيرَةَ الحَيِّ المُمَنَّع جَارُهُ
سَقَى ريقُكُمْ دَمْعي إذا بَخَل الواُبْل
متَى غِبْتُمُ عَنِّي فأنتم بخاطري
وإن تقصدوا ذلِّي فقد لذَّني الذُّلُّ
عَذابُكُمُ قُرْبٌ وبُخْلُكُم نَدى
وإذلاكم عزٌّ وهجْرانُكُمْ وصْلُ
وأنتم نعيمي لا نَعِمْتُ بغريكم
ورَوْضِيَ لا ما أريد ولا ظل]
ومن ظريف نزعاته قوله:
الرَّفْعُ نَعْتُكُمُ لا خابكم أمل
والخفض شيمة شأني والهوى دول
هل منكم لي عطف بعد بعدكم
إذ ليس لي منكم يا سادتي بدل
وفاته
اعتبط في الطاعون؛ في أوايل ربيع الأول؛ عام خمسين وسبعماية. ورد إلى الحضرة غير ما مرة.
محمد بن عيسى
ابن عبد الملك بن قُزْمان الزُّهري؛ من أهل قرطبة؛ يكنى أبا بكر
حاله
نسيج وحده، أدباً وظرفاً ولوذعية وشهرة. قال ابن عبد الملك: كان أديباً بارعاً، محسناً، شاعراً حلو الكلام، مليح التندير، مبرزاً في نظم الطريقة الهزلية، بلسان عوام الأندلس، الملقب بالزجل. قلت وهذه الطريقة بديعة يتحكم فيها ألقاب البديع، وتنفسخ لكثير مما يضيق سلوكه على الشاعر. وبلغ فيها أبو بكر مبلغاً حجره الله عن سواه. فهو آيتها المعجزة، وحجتها البالغة، وفارسها العلم، والمبتدي فيها والمتمم، رحمه الله. وقال الفتح فيه: ((مُبَرَّزٌ في البيان، ومحرز السبق عند تسابق الأعيان، اشتمل عليه المتوكل على الله اشتمالاً رقاه إلى مجالس، وكساه ملابس، واقتطع أسمى الرتب وتبوأها، ونال أسنى الخطط وما تمالأها)).
شعره
قال الفتح: وقد أثبت له ما يعلم به رفيع رفيع قدره، ويعرف كيف أساء الزمن بغدره، قوله:
ركِبوا السُّيول من الخيول وركَّبوا
فوق العَوالي السُّمْرِ زُرْقَ قِطافِ
وتجلَّلُوا الغدران من ماذِيِّهِمْ
مُرتَجَّةً إلاّ على الأكْتاف
[وكتب إليه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن أبي الخصال يستدعيه إلى مجلس أنس:
أني أهزك هز الصارم الخذم
وبيننا كل ما تدريه من ذمم
ذاك شاك من قطع أنس أنت واصله
بما لديك من الآداب والحكم
وشت شمل كرام أنت ناظمه
ورد دعوة أهل المجد والكرم
ولو دعيتت إلى أمثالها لسعت
إليك سعي مشوق هائم قدم
وإن نشطت لتصريفي صرفت له
وجهي وكنت من الأعوان والخدم
وما أريد سوى عفو تجود به
وفي حديثك ما يشفي من الألم
أنت المقدم في فخر وفي أدب
فاطلع علينا طلوع السيد العمم
فأجابه رحمه الله:
أتى من المجد أمر لا مرد له
نمشي على الرأس فيه لا على القدم
لبيك لبيك أضعافاً مضاعفة
إني أجبت ولكن داعي الكرم
لي همة ولأهل العز مطمحها
لا زلت في كل مجد مطمح الهمم
وإن حقك معروف وملتزم
وكيف يوجد عندي غير ملتزم
زَفْنٌ ورقص وما أحببت من ملح
عندي وأكثر ما تدريه من شيم
حتى يكون كلام الحاضرين بها
عند الصباح وما بالعهد من قدم
يا ليلة السفح هلا عدت ثانية
سقى زمانك هطال من الديم]
وقال في غرض النسيب:
يا رُبَّ يوم زادني فيه مَنْ
أطلع من غربه كوكبا
ذو شفة لمياء معسولة
ينشع من خديه ماء الصبا
قلت له وهَبْ لي بها قبلة
فقال لي مبتسما مرحبا
فذقت شيئاً لم أذق مثله
لله ما أحلى وما أعذبا
أسعدني الله بإسعاده
يا شقوتي يا شقوتي لو أبى
وقال:
جئت لتوديعه وقد ذرفت
عيناي من حسرة وعيناه
في موكب البين باكين ولا
أصعب من موقف وقفناه
معانقاً جيده على حذر
فمن رآني مقبلاً فاه
نغص توديعه لعاشقه
ما كان من قبل قد تمناه
وقال يعتذر ارتجالاً وأحسن ما أراد:
يا أهل ذا المجلس السامي سراوته
ما ملت لكنني مالت بي الراح
وإن أكن مظعناً مصباح بيتكم
فكل من فيكم في البيت مصباح
وقال يهنئ بعرس:
صرفت إليك وجوهها الأفراح
وتكنفتك سعادة ونجاح
فاقض المآرب في زمان صالح
لا سد عنك من الزمان صلاح
إن كان كالشمس المنيرة حسنها
فالبدر أنت وما عليك جناح
لا فترق بينكما لرأي فاستوى
زي النساء قلادة ووشاح
هل يوقد المصباح عندكما مهجاً
وكلاكما ببهائه مصباح
[أحرزت يا عبد العزيز محاسنا
كثرت فلم تستوفها الأمداح
يا من له كفٌّ تجود وأضلعٌ
مَطْوِي على حِفْظِ الوِدادِ شجاح
ما ألقت الحاجات دوني قفلها
إلا ويمن يمينك المفتاح
في كل ما تنحو إليه ملاحة
وكذاك أفعال المليح ملاح]
ومن الحكمة قوله:
كثير المال تبذله فيبقى
ولا يبقى مع البخل القليل
ومن غرست يداه ثمار جود
ففي ظل الثناء له مقيل
وقال رحمه الله:
وعهدي بالشَّباب وحُسْن قدِّي
حكىَ أِلفَ ابْنِ مُقْلَةَ في الكتاب
فصرت اليوم منحنياً كأني
أفتِّش في التُّراب على الشباب
وقال رحمه الله:
يُمْسِكُ الفارسُ رُمْحاً
وأنا أمْسكُ فيها قَصَبَهْ
وكِلاناَ بَطٌل في حَرْبِهِ
إنْ الاَقْلام رماحُ الكَتَبَهْ
قال ابن عبد الملك: أنشدت على شيخنا أبي الحسن الرُّعَيْني، قال: أخبرنا الراوية أبو القاسم بن الطَّيْلسان؛ قال سألته؛ يعني أبا القاسم أحمد بن أبي بكر هذا، أن ينشد شيئاً من شعر أبيه المُغْرب، فأخرج لي قطعة بخط أبيه وأنشده. وقال: أنشدني أبي رحمه الله لنفسه:
أحسن ما نيط في الدعا لمن
رتب في خطة من الخطط
خَلَّصَكَ اللهُ من عوايقها
ودمت في عصمة من الغلط
مقرباً منك ما تُسَرُّ به
وكل مكروهة على شحط
الكل بالعدل منك مغتبط
وليس في الناس غير مغتبط
وليس يخليك من أنا لَكَهَا
من عمل بالنجاة مرتبط
فانفذ بعون الله مجتهدا
بقلبٍ [صَفِيٍّ بالضَّمير] مرتبط
يا صاحب الأمر والذي يده
نايلها للعفاة غير بط
رفعتم يا بني رفاعة ما
كان من المُعلُوّات [في هبط]
ومنبر الحق من سواه بكم
فها هو الآن غير مختلط
وانضبط الأمر واستقام لكم
ولم يكن من قبل ذا بمنضبط
أتيت في كل ما أتيت به
فالغيث بعد الرجا والقنط
جللت عمن سواك منزلة
فلست ممن سواك في نمط
أنت من المجد والعلا طرف
وكلهم في العلا من الوسط
كتابته
وقفت من ذلك على أفانين. منها في استهلال شهر رمضان قوله: ((سلام على أُنْسِ المجتهدين، وراحة المُتَهجدين، وقرّة أعين المهتدين، والذي زين الله به الدّنيا، وأعز به الدّين. شرّف الله به الإسلام، وجعل أيّامه رقوماً في عواتق الأيام وشهوره غرراً في جباه الأعلام، وحلّ به عن رقاب الأمّة قلايد الآثام، ونزّه فيه الأسماع عن المكاره، وصان الأفواه من رفث الكلام. أشهد أنّ اللَّه أثنى عليك، وأدخل من شاء الجنّة على يديك، وخصّك من الفضايل بما يمشي فيه التّفسير حتّى يكل، ويسأم ذلك اللّسان ويمل، وأبادت ذنوب الأمة بمثل ما أبادت الشمس الظل، ذلك الذي يتهلل للسّماء هلاله، ويهتزّ العرش لجلاله، وترتج الملايكة في حين إقباله، وتدخل الحُور العين في زينتها تكريماً، وتلتزم إجلاله وتعظيماً، ويهتدي فيه الناس إلى دينهم صراطاً مستقيماً، وتغل الشياطين على ما خليت، وتذوق وبال ما كادت به وتخيلت، ويشمّر التقيّ لعبادة ربه ذيلاً، وتهبط الملايكة إلى سماء الدنيا ليلاً، وينتظم المتقون في ديوانه انتظام السلك، ويكون خلوف فم الصّايم عند الله أطيب من ريح المسك، وتفتح الجنة أبواباً، ويغفر لمن
صامه إيماناً واحتساباً: ﴿ جَزاءً مِنْ رَبَّكَ عَطَاءً حِسَاباً ﴾،
وبما فضلك الله على سائر الشهور، وقضى لك بالشرف والفضل المشهور؛ فرضك في كتابه، ومدحك في
خطابه، حيث قال: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ، وَبَيَّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ﴾. يعني تكبير
الناس عليك، وتقليب أحداقهم بالنظر إليك؛ حين لثمت بالسحاب، ونظرت من تحت ذلك النقاب، وقد يمتاز الشيب وإن استتر بالخضاب. حتى إذا وقف الأيمة منك على الصحيح، وصرحوا برؤيتك كل التصريح، نظرت كل جماعة في اجتماعها، وتأهبت القراء لإشفاعها، واندفعت الأصوات باختلاف أنواعها، وتضرعت الألباب، وطلبت المواقف أواخر العشار والأحزاب، وابْتُدِيَتْ: ﴿ألم ذَلِكَ الكِتَابُ ﴾، عندما أوقدت قناديل كأنّما قد بدت من الصّباح، ورقصت رقص النواهد عند
هبوب الرّياح: (وَاللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، مَثَلُ نُورِهِ
كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ). فأملك المسلمون في سرّ وجهر، وحطت أثقال السيئات عن كل ظهر، والتمست الليلة التي هي خير من ألف شهر، فنشط الصالحون بك صوماً، وهجر المتهجدون في ليلك نوماً، وأكملناك إن أذن الله ثلاثين يوماً. فيا أيها الذي رحل، رحل بعد مقامة، وقام للسّفر من مقامه، ورأى من قضى حقه، ومن قصر في صيامه، فمشى الناس إلى تشييعه، وبكوا لفراقه وتوديعه، وندم المضيع على ما كان من تضييعه، ولم يثق بدوام العيش إلى وقت رجوعه، فعضّ على كفّه ندماً، وبكت عينه ماء وكبده دماً؛ رويداً حتى أمرح في ميدان فراتك، وأتضرع إلى حنانك وإشفاقك، وأتشفى من تقبيلك وعناقك، وأسل منك حاجة إن أراد الله قضاها، وشاء نفوذها وإمضاها، إذا أنت وقفت لربّ العالمين، فقبلك من قوم، وردك في وجوه آخرين. إن تثني جميلاً، فعسى يصفح لعهده وإن أسا، فعلم الله أني نويت التوبة أولاً وآخراً، وأملْت الأداء باطناً وظاهراً، وكنت على ذلك لو هدى الله قادراً، وإنّما علم، من تقصير الإنسان ما علم، وللمرء ما قضي عليه به وحكم، و﴿إنَّ النَّفْسَ
لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلاَّ مَنْ رَحِمَ، فإن ﴾؛ فإن غفر فبطوله
وإحسانه، وإن عاقب فيما قدمت يد العبد من عصيانه، فيا وحشة لهذه الفرقة، ويا أسفاً على بعد الشقة، ويا شدّ ما خلفته لنا بفراقك من الجهد والمشقة، ولطالما هجر الإنسان بك ذنبه، وراقب إعظاماً لكربه، وشرحت إلى أعمال البر قلبه. ومع هذا أتراك ترجع وترى، أم تضم علينا دونك أطباق الثرى. فيا ويلتا إن حل الأجل، ولم أقض دينك، ورجعت وقد حال الموت بيني وبينك. فأغرب، لا جعله الله آخر التوديع، وأي قلب يستطيع. وقال في استهلال شوال: ((ولكل مقام مقال. الله أكبر؛ هذا هلال شوال قد طلع، وكرّ في منازله وقطع، وغاب أحد عشر شهراً، ثم رجع؛ مالي أراه رقيق الاستهلال، خفي الهلال، وروحاً تردد في مثل انملال؟ ما باله أمسى الله رسمه، وصحح جسمه، ورفع في شهور العام اسمه، على وجهه صفرة بينة، ونار إشراقه لينة، وأرى السحاب تعتمده وتقف، وتغشاه سويعة وتنصرف، ما أراه إلاّ بطول ذلك المقام، وتوالي الأهوال العظام. أصابه مرض في فصل من فصول العام، فعادته كما يعاد المريض، وبكته الأيام الغرّ والليالي البيض، وقلن كلأك الله وكفاك، وحاطك وشفاك. وقُلْ: كيف نجدك؟ لا فضّ فاك. هذا على الظن؛ لا على التّحقيق، ومجاز لا يحكم التصديق. وإنه ليبعد مثل هذا المقدار، أن يقدح فيه طول الغيب، وتواتر الأسفار. أليس هو قد ألِفَ مجالي الرياح، وصحب برد الصباح، وشاهد الأهوية مع الغدو والرواح، وطواها بتجربته طي الوشاح. ما ذاك إلاّ أنه رأى الشمس في بعض الأيام ماشية، والحسن يأخذ منها وسطاً وحاشية، ودلائل شبابها ظاهرة فاشية، فوقع منها في نفسه ما وقع، وثبت على قلبه من النظر ما زرع، ووقع في شركها، وحق له أن يقع. فرثت هي لحاله وأشفقت، ونهجت بوصالها وتأنقت، وقطعت من معدن نيلها وأنفقت، ورأت أنّها له شاكلة يبلغ أملها، وتبلغ مأمله، ولذلك ما مدت لذيذ السماح، فتعرضت بالعشي، وارتصدها في الصباح، مع ما أيقنا به من الانقطاع، ويمسنا من الاجتماع، كما نَفِدَ القدر، وصدر الخبر. وقال
تعالى: ﴿لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾، فوجد
لذلك وجداً شديداً، وأذاقه مع الساعات شوقاً جديداً، وأصبح بها دنفاً، وأمسى عميداً، حتى سلب ذلك بهاه، وأذهب سناه، ورده النّحول كما شاه، ولقي منها مثل ما لقي غيلان من ميَّته، وجميل من بثينته، وحنّ إليها حنين عروة إلى عفراء، وموعدهما يوم وهبّ ناقته الصفراء. على رسلك أني وهمت، وحسبت ذلك حقاً وتوهمت. والآن وقد فطنت، وأصبت الفَصَّ فيما ظننت؛ إنه لقي رمضان في إقباله، وضمه نقصان هلاله، وصامه فجأة ولم يك في باله، فأثر ذلك في وجهه الطلق، وأضعفه كما فعل بساير الخلق. وها هو قد أقبل من سفره البعيد، فقل هو هلال الفطر أو قل هو هلال العيد؛ فَلَقَه صباح مشى الناس فيه مَشْيَ الحباب، ولبسوا أفضل الثياب، وبرزوا إلى مصلاّهم من كل باب. فارتفعت همّة الإسلام، وشرفت أمة محمد عليه السلام، وخطب بالناس ودعا للإمام، عندما طلعت الشمس بوجه كَدَوْر المرآة، ولون كصفا المهراة؛ وخرج لا ينسيها ريم الفلاة؛ وقضوا السنة، وبذلوا الجهد في ذلك والمنة، وسألوا من الله أن يدخلهم الجنّة، ثم خطبوا حمداً لله وشكراً، وذكروه كذكرهم آبائهم أو أشد ذكراً، ثم انصرفوا راشدين، وافترقوا حامدين. وشبك الشيخ بيديه، ونظر الشاب في كفيه؛ ورجعوا على غير الطريق الذي أتوا عليه، فلقد استشفى من الرؤية ذو عينين، وتذكر العاشق موقف البين، وشق المتنزه بين الصفين، فنقل عينيه من الوشي إلى الديباج، ووجوه كضوء السّراج، وعيون أقتل من سيف الحجاج، ونظرات لا يدفع داؤها بالعلاج، وقد زينت العيون بالتكحيل، والشعور بالترجيل، وَكُرَّر السّواك على مواضع التقبيل، وطوقت الأعناق بالعقود، وضرب الفكر في صفحات الخدود، ومدّ بالغالية على مواضع السجود، وأقبلت صنعاء بأوشيتها، وعنت بأرديتها، ودخلت العروس في حليتها، ورقمت الكفوف بالحناء، وأثني على الحسن وهو أحق بالثناء، وطلقت التوبة ثلاثاً بعد البناء، وغصّ الذراع بالسوار، وتختم في اليمين واليسار، وأمسكت الثياب بأيدي الأبكار، ومشت الإماء أمام الأحرار، وتقدمت الدايات بالأطفال الصغار، وامتلأت الدنيا سرراً، وانقلب الكل إلى أهله مسروراً. وبينما كانت الحال كما نصصت، والحكاية كما قصصت، إذ تلألأت الدنيا برقاً، وامتد مع الأفقين غرباً وشرقاً، ورد لمعانه عيون الناظرين زرقاً، ولولا أنه جرب حتى يدرى؛ لقيل قد طلعت مع الشمس شمس أخرى؛ حتى أقبل من شَرُفَت العرب بنسبه، وفَخر الإسلام بسببه، من انتسب إلى زَهْرَةٍ وقُصَيْ، وازدانت به آل غَالِبٍ وآلي لُؤي، من إذا ذكر المجد فهو ممسك بنده، أو الفضل فهو لابس برده، أو الفخر فهو واسطة عقده، أو الحسن فهو نسيج وحده، الذي رفع لواء العليا، وعارضت مكارمه صوب الحيا، وحكت محاسنه زهرة الحياة الدنيا. فأما وجهه فكما شَرَقَت الشمس وأشْرَقَت، وغربت كواكب سمايها وشرقت، وتفتحت أطواق اللّيل عن غرر مجده وتشققت. ولولا حياً يغلب عليه، وخَفَرٌ يصحبه إذا نظرت إليه، لاستحال النهار، وغارت لنوره كواكب الأسحار، ولكاد: ﴿ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ﴾، لا يحفل بالصبح إذا انفلق، ولا بالفجر إذا عم آفاق الدجا وطبق، ولو بدا للمسافر في ليله لطرق، قد عجم الأبنوس على العاج، وأدار جفناً كما عطف على أطفالها النعاج، يضرب بها ضرب السيف، ويلم بالفؤاد إلمام الطيف، ويتلقاها السحر تلقي الكريم للضيف؛ لو جردها على الرّيم لوقف، أو على فرعون ما صرف من سحره ما صرف، أو على بسطام بن قيس لألقى سلاحه وانصرف. وأما أدواته فكما انشقت الأرض عن نباتها، وأخذت زخرفها في إنباتها، ونفخ عرف النسيم في جنباتها، يتفنن أفانين الزهر، ويتقلب تقلب الدّهر، وتطلع له نوادر كالنجوم الزّهر، لو أبصره مطرف ما شهر بخطه، ولا جرّ من العجب ذيل مرطه، ولا كان المخبر معه من شرطه. وأما أنه لو قري على سحبان كتابه، وانحدر على نهره عبابه، وملأت مسامعه أطنابه وأسبابه؛ ما قام في بيانه ولا قعد، ولنزل عن مقامه الذي إليه صعد، ولا خلف من بلاغته ما وعد. لعمرك ما كان بشر بن المعتمر بتفنن للبلاغة فنوناً، ولا يتقبلها بطوناً ومتوناً، ولا أبو العتاهية ليشرطها كلاماً موزوناً، ولا نَمَّقَ الحسن بن سهل الألفاظ، ولا رفع قس بن ساعدة صوته بعكاظ، ولا أغاظ زيدُ بن علي، هشاماً بما أغاظ. وأما مكارمه فكما انسكب الغيث عن ظلاله وخرج الودق من غلاله، فتدارك النعمة عن فوتها، وأحيا الأرض بعد موتها. ذلك الشريف الأجل، الوزير الأفضل، أبو طالب بن القرشي الزهري، أدام الله اعتزازه، كما رقم في حلل الفخر طرازه، فاجتمعت به السيادة بعد افتراقها. وأشرق وجه الأرض لإشراقها، والتفت الثياب بالثياب، وضم الركاب بالركاب، ولا عهد كأيام الشباب، فوصل القريب البعيد، وهنوه كما جرت العادة بالعيد، فوقف مع ركابه وسلمت، وجرت كلاماً وبه تكلمت. فقلت تقبل الله سعيك، وزكى عملك، وبلغك فيما توده أملك، ولا تأملت وجهاً من السرور إلا تأملك، ونفعك بما أوليت، وأجزل حظك على ما صمت وصليت، ووافقتك لعل وساعدتك لَيْت، وهناك عيد الفطر وهنأته، وبداك بالمسرات وبدأته، وتبرأ لك الدهر مما تحسد وبرأته. وهكذا بحول الله أعياد واعتياد، وعمر في دوام، وعز في ازدياد، والسنة تفصح بفضلك إفصاح الخطباء من إياد، وأقرأ عليك سلام الله ما أشرق الضحا، ودام الفطر والأضحى.
دخوله غرناطة
دخل غرناطة، وتردد إليها غير ما مرة، وأقام بها؛ وامتدح ابن أضحى، وابن هاني، وابن سعيد، وغيرهم من أهلها. قال ابن سعيد في طالعه، وقد وصف وصول ابن قزمان إلى غرناطة، واجتماعه بجنته بقرية الزاوية من خارجها، بنزهون القليعية الأديبة، وما جرى بينهما، وأنها قالت له بعقب ارتجال بديع، وكان لبس غفاره صفراء: أحسنت يا بقرة بني إسرائيل، إلاّ أنك لا تسر الناظرين، فقال لها: إن لم أسر الناظرين، فأنا أسر السامعين، وإنما يطلب سرور الناظرين منك، يا فاعلة يا صانعة. وتمكن السكر من ابن قزمان، وآل الأمر إلى أن تدافعوا معه حتى رموه في البركة، فما خرج منها إلا وثيابه تقطر؛ وقد شرب كثيراً من الماء، فقال: إسمع يا وزير ثم أنشد:
إيهٍ أبا بكر ولا حَوْلَ لي
بِدَفْعِ أعْيانٍ وَأِنْذال
وذات جرح واسع دافق
بالماء يحكي حال أذيال
غرقتني في الماء يا سيدي
كَفِّرْهُ بالتغريق في المال
فأمر بتجريده، وخلع عليه ما يليق به [ولم يمر] لهم بعد عهدهم بمثله. ولم ينتقل ابن قزمان من غرناطة، إلاّ بعد ما أجزل له من الإحسان، ومدحه بما هو في ديوان أزجاله.
محنته
جرت عليه بابن حمدين محنة كبيرة، عظم لها نكاله، بسبب شكاسة أخلاق كان موصوفاً بها، وحدة شقي بسببها. وقد ألمّ الفتح في قلايده بذلك، واختلت حاله بآخرة، واحتاج بعد انفصال أمر مخدومه الذي نوّه به.
وفاته
توفي: بقرطبة؛ لليلة بقيت من رمضان؛ سنة خمس وخمسين وخمسماية، والأمير ابن سعد يحاصر قرطبة. رحمه الله.
محمد بن غالب
الرصافي يكنى أبا عبد الله؛ بلنسي الأصل؛
سكن غرناطة مدة، ثم مالقة.
حاله
قال الأستاذ: كان فحلاً من فحول الشعراء، ورئيساً في الأدباء، عفيفاً، ساكناً، وقوراً، ذا سمت وعقل. وقال القاضي: كان شاعراً مجيداً، رقيق الغزل، سلس الطبع، بارع التشبيهات، بديع الاستعارات، نبيل المقاصد والأغراض، كاتباً بليغاً، دَيَّناً، وقوراً، عفيفاً، متفقهاً، عالي الهمة، حسن الخَلْق والخُلُق والسّمت، تام العقل، مقبلاً على ما يعنيه من التعيش بصناعة الرَّفي التي كان يعالجها بيده؛ لم يَبْتَذل نفسه في خدمة، ولا تعرض لانتجاع بقافية، خلا وقت سكناه بغرناطة، فإنه امتدح واليها حينئذ، ثم نزع عن ذلك، راضياً بالخمول حالاً، والقناعة مالاً، على شدة الرغبة فيه، واغتنام ما يصدر عنه.
أخبار عقله وسكونه
قال الفقيه أبو الحسن شاكر بن الفخار المالقي: وكان خبيراً بأحواله: ما رأيت عمري رجلاً أحسن سمتاً، وأطول صمتاً، من أبي عبد الله الرصافي. وقال غيره من أصحابه: كان رفاءً؛ فما سمع له أحد من جيرانه كلمة في أحد. وقال أبو عمرو بن سالم: كان صاحباً لأبي، ولقيته غير ما مرة، وكان له موضع يخرج إليه في فصل العصير، فكنت أجتاز عليه مع أبي فألثم يده، فربما قبل رأسي، ودعا لي، وكان أبي يسأله الدعاء؛ فيخجل، ويقول أنا والله أصغر من ذلك. قال، وكان بإزايه أبو جعفر البلنسي. وكان متوقد الخاطر، فربما تكلم مع أحد التجار؛ فكان منه هفوة، فيقول له جلساؤه، شتان والله بينك وبين أبي عبيد الله في العقل والصَّمْت؛ فربما طالبه بأشياء ليجاوبه عليها، فما يزيد على التبسم. فلما كان أحد الأيام، جاء البلنسي ليفتح دكانه. فتعمَّد إلقاء الغِلْق من يده؛ فوقع على رأس أبي عبد الله. وهو مقبل على شغله؛ فسال دمه؛ فما زاد على أن قام، ومسح الدّم، ثم ربط رأسه، وعاد إلى شغله. فلمّا رأى ذلك منه أبو جعفر ترامى عليه، وجعل يقبل يديه، ويقول: والله ما سمعت برجل أصبر منك، ولا أعقل.
شعره
وشعره لا نهاية فوقه رونقاً ومائية، وحلاوة وطلاوة، ورقة ديباجة، وتمكن ألفاظ، وتأصل معنى. وكان رحمه الله، قد خرج صغيراً من وطنه، فكان أبداً يكثر الحنين إليه، ويقصر أكثر منظومه عليه. ومحاسنه كثيرة فيه، فمن ذلك قوله:
خليلي ما للبيد قد عبقت نشرا
وما لرؤوس الركب قد رجحت سكرا
هل المسك مفتوتاً بمدرجة الصبا
أم القوم أجروا من بلنسية ذكرا
خليليّ عُوجا بي قليلاً فإنه
حديث كبرد الماء في الكبد الحَرّى
قفا غير مأمورين ولْتتصدّيا
على ثقة للمزن فاستسقيا القطرا
بجسر معان والرصافة أنه
على القطر أن يسقي الرصافة والجسرا
بلادي التي ريشت قويدمتى بها
فريخاً وأورثتني قرارتها وكرا
فبادي أنيق العيش في رَيَّقِ الصبا
أبى الله أن أنسى اغتراري بها غُرّا
لبسنا بها ثوب الشباب لباسها
ولكن عرينا من حلاه ولم تعرا
أمنزلنا عصر الشبيبة ما الذي
طوى دوننا تلك الشبيبة والعصرا
محل أغر العهد لم نبد ذكره
على كبد إلا امترى أدمعاً حمرا
أكل مكان كان في الأرض مسقطاً
لرأس الفتى يهواه ما عاش مضطرا
ولا مثل مدحُوّ من المسك تربة
تملي الصَّبا فيه حيقتها عطرا
نبات كأن الخد يحمل نوره
تخال لجيناً في أعاليه أو تبرا
وما كترصيع المجرة جللت
نواصيه الأزهار واشتبكت زهرا
أنيق كريان الحياة التي خلت
طليق كريعان الشباب الذي مرا
وقالوا هل الفردوس ما قد وَصَفْتَه
فقلت وما الفردوس في الجنة الأخرى
بلنسية تلك الزمردة التي
تسيل عليها كل لؤلؤة نهرا
كأن عروساً أبدع الله حسنها
فصير من شرخ الشباب لها عمرا
يويد منها شعشعانية الضحى
مضاحكة الشمس البحيرة والبحرا
تراجم أنفاس الرياح بزهرها
نجوماً فلا شيطان يغربها ذعرا
وإن كان قد مدت يد البين بيننا
من الأرض ما يهوى المجِدُّ به شهرا
هي الدرة البيضاء من حيث جدتها
أضاءت ومن للدر أن يشبه الدّرا
خليلي أن أصدر لها فإنها
هي الوطن المحبوب أوْكَله الصدرا
لم أطو عنها الخطو هجراً لها إذاً
فلا لثمت نعلي مساكنها الخضرا
ولكن إجلالاً لتربتها التي
تضم فتاها الندب أو كهلها الحرّى
أكارم عاث الدهر ما شاء فيهم
فبادت لياليهم فهل أشتكي الدهرا
هجوع ببطن وأرض قد ضرب الردى
عليهم قبيبات فويق الثرى غبرا
تقضوا فمن نجم سالك ساقط
أبى الله أن يرعى السماك أو والنشرا
ومن سابق هذا إذا شاء غاية
وغير محمود جياد العلى خضرا
أناس إذا لاقيت من شيت منهم
تلقوك لا غث الحديث ولا غمرا
وقد درجت أعمارهم فتطلعوا
هلال ثلاث لو شفا رق أو بدرا
ثلاثة أمجاد من النفر الألى
زكوا خبراً بين الورى وزكوا خبرا
ثكلتهم ثكلاً دهى العين والحشا
فعجَّر ذا أمًّا وسجَّر ذا جمرا
كفى حزناً أني تباعدت عنهم
فلم ألق من سُرِّي منها ولا سُرّا
وإلى متى أسل بهم كل راكب
ليظهر لي خيراً تأبط لي شرا
أباحثه عن صالحات عهدتها
هناك فيسبني بما يقصم الظهرا
محياً خليل غاض ماء حياته
وساكن قصر أضر مسكنه القبرا
وأزهر كالإصباح قد كنت أجتلي
سناء كما يستقبل الأرِقُ الفجرا
فتًى لم يكن خِلْوُ الصِّفات من النَّدى
ولم يتناس الجود أصرم أم أثرا
يصرف ما بين اليراعة والقنا
أنامله لا بل هواطله الغرا
طويل نجاد السيف لان كأنما
تخطَّى به في البرد خطيَّة سمرا
سقته على ما فيك من أريحية
خلايق هن الخمر أو تشبه الخمرا
ونشر محيا للمكارم لو سرت
حُميَّاه في وجه الأصيل لما اصفرَّا
[هل السعد إلا حيث حط صعيده
لمن بل في شفري ضريح له شفرا
طوين الليالي طيهن وإنما
طوين عني التجلد والصبرا
فلا حرمت سقياه أدمع مزنة
ترى مبسم النوار عنبر معترّا
وما دعوتي للمزن عذراً لدعوتي
إذا ما جعلت البعد عن قربه عذرا]
وقال يرثي أبا محمد ابن أبي العباس بمالقة:
أبنى البلاغة فيم حفل النادي
هبها عكاظ فأين قس أياد
أما البيان فقد أجرَّ لسانه
فيكم بفتكته الحمام العاد
عرشت سما علايكم ما أنتم
من بعد ذلكم الشهاب الهادي
حطوا على عمد الطريق فقد خبت
لآلي ذاك الكوكب الوقاد
ما فل لهزمه الصقيل وإنما
نثرت كعوب قناكم المنآد
إيه عميد الحي غير مدافع
إيه فدى لك غابر الأمجاد
ما عذر سلك كنت عقد نظامه
إن لم يصر برداً إلى الآباد
حيث الزمان عليك ثكلا أن يرى
من طول ليل في قميص حداد
يومي بأنجمه لما قلدته
من در ألفاظ وبيض أياد
كثف الحجاب فما ترى متفضلا
في ساعة تصغي به وتنادي
ألمم بربعك غير مأمور فقد
غص الفنا بأرجل القصاد
خبراً يبلغه غير مأمور فقد
غصَّ الفناء بأرجل القصاد
خبراً يبلغه إليك ودونه
أمن العداة وراحة الحساد
قد طأطأ الجبل المنيف قذاله
للجار بعدك واقشعر الوادي
أعد التفاتك نحونا وأظنه
مثل الحديث لديك غير معاد
وامسح لنا عن مقلتيك من الكرى
نوماً تكابد من بكى وسهاد
هذا الصباح ولا تهب إلى متى
طال الرقاد ولات حين رقاد
وكأنما قال الردى نَمْ وادعاً
سبقت إلى البشرى بحسن معاد
أموسداً تلك الرخام بمرقد
أخشن به من مرقد ووساد
خصبت بقدرك حفرة فكأنها
من جوفها في مثل حرف الصاد
وثر لجنبك من أثاث مخيم
ترب ند وصفايح أنضاد
يا ظاعناً ركب السرى في ليلة
طار الدليل بها وحاد الحادي
أعزز علينا إن حططت بمنزل
تبلى عن الزوار والعواد
جار الأفراد هنالك جيرة
سقياً لتلك الجيرة الأفراد
الساكنين إلى المعاد قبابهم
منشورة الأطناب والأغماد
من كل ملقية الجراب بمضرب
ناب البلى فيه عن الأوتاد
بمعرس السفر الألى ركبوا السرى
مجهولة الغايات والآماد
سيان فيهم ليلة ونهارها
ما أشبه التأويب بالإسناد
لحق البطون من اللعب على الطوى
وعلى الرواحل عنفوان الزاد
الله هم فلشد ما نفضوا من اْمْ
تعة الحياة في حقايب الأجساد
ياليت شعري والمنا لك جنة
والحال مؤذنة بطول بعاد
هل للعلا بك بعدها من نهضة
أم لانقضاء نواك من ميعاد
بأبي وقد ساروا بنعشك صارم
كثرت حمايله على الأكتاد
ذلت عواتق حامليك فإنهم
شاموك في غمد بغير نجاد
نعم الذماء البر ما قد غوروا
جثمانه بالأبرق المنقاد
علياء خص بها الضريح وإنما
نعم الغوير بأبؤس الأنجاد
أبني العباس أي حلاحل
سلبتكم الدنيا وأي مصاد
هل كان إلا العين وافق سهمها
قدراً فأقصد أيما إقصاد
أخلل بمجد لا يسد مكانه
بالإخوة النجباء والأولاد
ولكم يرى بك من هضاب لم يكن
لولاك غير دكادك ووهاد
ما زلت تنعشها بسيبك قابضاً
منها على الأضباع والأعضاد
حتى أراك أبا محمد الردى
كيف انهداد بواذخ الأطواد
يا حرها من جمرة مشبوبة
يلقى لها الأيدي على الأكتاد
كيف العزاء وإنها لرزية
خرج الأسى فيها عن المعتاد
صدع النعاة بها فقلت لمدمعي
كيف انسكابك يا أبا الجواد
لك من دمي ما شيت غير مُنَهْنَه
صبْ كيف شيت معصفر الأبراد
بقصير مجتهد وحسبك غاية
لو قد بلغت بها كبير مراد
أما الدموع فهي أضعف ناصر
لكنهن كثيرة التعداد
ثم السلام ولا أغب قراره
وأرتك صوب روايح وغواد
تسقيك ما سفحت عليك يراعة
في خد قرطاس دموع مداد
ومن غرامياته وإخوانياته قوله من قصيدة:
عاد الحديث إلى ما جر أطيبه
والشيء يبعث ذكر الشيء عن سبب
إيه عن الكدية البيضاء إن لها
هوى يغلب أخيك الواله الوصب
راوح بها السهل من أكنافها وأرح
ركابنا ليلنا هذا من التعب
وانضح نواحيها من مقلتيك وسل
من الكثيب الكريم العهد في الكتب
وقل لسرحته يا سرحة كرمت
على أبي عامر عزي عن السحب
يا عذبة الماء والظل اْنعَمي طَفَلاً
حييت ممسية ميادة الغضب
ماذا على ظلك الألمى وقد قلصت
أفياؤه لو ضفا شياً لمغترب
أهكذا تنقضي نفسي لديك ظما
الله في رمق من جارك الجنب
لولاك يا سرح لم يبق الفلا عطلا
من السرى والدجا خفاقة الطنب
ولم نبت نتقاضى من مدامعنا
ديناً لتربك من رقراقها السَّرِب
إنا إذا ما تصدى من هوى طلل
عجنا عليه فحييناه عن كثب
مستعطفين سخيات الشئون له
حتى يحاك عليه مموق العشب
سلي خميلتك الريا بأية ما
كانت ترف بها ريحانة الأدب
عن فتية نزلوا على سرارتها
عفت محاسنهم إلا من الكتب
محافظين على العليا وربتما
هزوا السجايا قليلاً بابنة العنب
حتى إذا ما قضوا من كأسها وطراً
وضاحكوها لدى جد من طرب
راحوا رواحاً وقد زيدت عمايمهم
حلماً ودارت على أسفى من السبب
لا يظهر الشكر حالاً في ذوايبهم
إلا التفات الصبا في ألسن العذب
المنزلين القوافي من معاقلها
والخاضدين لديها شوكة العرب
ومن مقطوعاته قوله:
دعاك خليل والأصيل كأنه
عليل يقضي مدة الزمن الباقي
إلى شط منساب كأنك ماؤه
صفاً ضميراً وعذوبة أخلاق
ومهوى جناح للصبا يمسح الربى
خفي الخوافي والقوادم خفاق
وفتيان صدقك كالنجوم تألفوا
على النأي من شتى بروج وآفاق
على حين راح البرق في الجو مغمداً
ظباه ودمع المزن في جفنه راق
وجالت بعيني في الرياض التفاتة
حبست بها كأسي قليلاً عن الساقي
على سطر خيري ذكرتك فانثنى
يميل بأعناق ويرنو بأحداق
وقف وقفة المحبوب منه فإنها
شمايل مشغوف بمرآك مشتاق
وصل زهرات منه صفر كأنها
وقد خضلت قطراً محاجر عشاق
وقال وكلفها في حايك [وهو بديع]:
قالوا وقد أكثروا في حبه عذل
لو لم تهم بمزال القدر مبتذل
فقلت لو أن أمري في الصبابة لي
لاخترت ذاك ولكن ليس ذلك لِي
في كل قلب عزيزات مذللة
للحسن والحسن ملك حيث جِل ولي
علقته حبيبي الثغر عاطره
درِّي لون المحيا أحور المقل
إذا تأملته أعطاك ملتفتاً
ما شيت من لحظات الشادن الوجل
هيهات أبغي به من غيره بدلا
أخرى الليالي وهل في الغير من بدل
غزيل لم تزل في الغزل جايلة
بنانه جولان الفكر في الغزل
جذلان تلعب بالمحراك أنمله
على السّدى لعب الأيام بالأمل
ما أن يَنِي تعب الأطراف مشتغلا
أفديه من تعب الأطراف مشتغل
ضرباً بكفيه أو فحصاُ بأخمصه
تخبط الظبي في أشراك محتبل
وقال:
ومهفهف كالغصن إلا أنه
سلب التثني النوم عن أثنايه
أضحى ينام وقد تخدّد خده
عرقاً فقلت الورد رُشَّ بمايه
وقال:
أدرها فالغمامة قد أجالت
سيوف البرق في لمم البطاح
وراق الروض طاووساً بهياً
تهب عليه أنفاس الرياح
تقول وقد ثنى قزح عليه
ثياب الغيم معلمة النواح
خذوا للصحو أهبتكم فإني
أعرت المزن قادمتي جناح
وقال:
أدرها على أمر فما ثم من بأس
وإن جددت آذانها ورق الآس
وما هي إلا ضاحكات غمايم
لواعب من ومض البروق بمقياس
ووفد رياح زعزع النهر مدة
كما وطيت درعاً سنابك أفراس
وقال في وصف مغنٍ محسن:
ومطارح مما تحس بنانه
صوتاً أفاض عليه ماء وقاره
يثني الحمام فلا يروح لوكره
طرباً ورزق بنيه في منقاره
وقال يصف جدول ماء عليه سَرْحة، ولها حكاية معروفة:
ومُهَدَّل الشطين تحسب أنه
متسيل من درة لصفايه
فاءت عليه مع العشية سرحة
صدئت لفيئتها صفيحة مايه
فتراه أزرق في غلالة سمرة
كالدارع استلقى بظل لوايه
نثره
قال من مقامة يصف القلم:
قصير كالأنابيب لكنه
يطول مضاء طوال الرماح
إذا عبّ للنفس في دامس
ودب من الطرس فوق الصفاح
تجلت به مشكلات الأمور
ولان له الصعب بعد الجماح
فلولا هو لغدت أغصان الاكتساب ذاوية، وبيوت الأموال خاوية، وأسرعت إليها البوسى، وأصبحت كفؤاد أم موسى، فهو لا محالة تَجْرُها الأربح، وميزانها الأرجح. به تدر ألبانها، وتثمر أفنانها، وتستمر أفضالها وإحسانها، وهو رأس مالها، وقطب عمالها وأعمالها. وصاحب القلم قد حوى الملكة بأسرها، وتحكم في طيها ونشرها، وهو قطب مدارها، وجهينة أخبارها، وسر اختيارها واختبارها، ومظهر مجدها وفخارها، يعقد الرايات لكل والٍ، ويمنحهم من المبرة كل صافية المقيل، ضافية السربال، يطفي جمرة [الحرب] العوان، ويكايد العدو بلا صارم ولا سنان، يقد المفاصل، ويتخلل الأباطح والمعاقل، ويقمع الحواسد والعواذل.
وفاته
توفي بمالقة؛ يوم الثلاثاء لإحدى عشرة بقيت من رمضان؛ سنة اثنين وسبعين وخمسماية؛ وقبره مشهور بها.
محمد بن قاسم
ابن أبي بكر القرشي المالقي؛ من أهل مالقة، وسكن غرناطة، وتردد إليها
حاله
كان لبيباً لوذعياً، جامعاً لخصال؛ من خط بارع وكتابة، ونظم، وشطرنج، إلى نادر حار، وخاطر ذكي، وجرأة. توجه إلى العدوة، وارتسم بها طبيباً، وتولى النظر على المارستان بفاس في ربيع الثاني؛ من عام أربعة وخمسين وسبعمائة.
شعره
أنشدني بمدينة فاس عام ستة وخمسين، في وجهتي رسولا إلى المغرب، قوله في رجل يقطع في الكاغد:
أبا علي حسينا أين الوفا منك أينا
قد بين الدمع وجدي وأنت تزداد بينا
بلت لحاظك قلبي تالله ما قلت مينا
قط المقص لهذا سبب الصب مينا
بقيت تفتر حسنا ودمت تزداد زينا
وقال أيضاً:
فضل التجارات باد في الصناعات
لولا الذي هو فيها هاجر عات
حاز الجمال فأعياني وأعجزني
وإن دعيت بوصاف ونعات
وكان شديد المغالطة، ذاهباً أقصى مذاهب القحة، يحرك من لا يتحرك، ويغضب من لا يغضب. عتب يوماً جدته على طعام طبخته له، ولم يستطبه، وكان بين يديه القط يصدعه بصياج طلبه، فقال له ضجراً، خمسمائة سوط، فقالت له جدته لم تعط هذه السياط للقط، إنما عنيتني بها، وأعطيتها باسم القط، فقال لها حاش لله يا مولاتي، وبهذا البخل تدريني أو الزحام عليها، بل ذلك للقط حلالاً طيباً، ولك أنت ألف من طيبة قلب، فأرسلها مثلاً، وما زلنا نتفكه بذلك، وكان في هذا الباب لا يشق غباره.
مولده
بمالقة؛ عام ثلاثة وسبعماية.
وفاته
بعث إليّ الفقيه أبو عبد الله الشديد، يعرفني أنه توفي في أواسط عام سبعة وخمسين وسبعمائة.
محمد بن سليمان
ابن القصيرة؛ أبو بكر؛ كاتب الدولة اللمتونية، وعلم وقته.
حاله
قال ابن الصيرفي: الوزير الكاتب، الناظم، الناثر، القايم بعمود الكتابة، والحامل للواء والبلاغة، والسابق الذي لا يشق غباره، ولا تخمد أبداً أنواره. اجتمع له براعة النثر، وجزالة النظم، رقيق النسيج، حصيف المتن، رقعته ماشيت في العين واليد. قال ابن عبد الملك: وكان كاتباً مجيداً، بارع الخط، كتب عن يوسف بن تاشفين.
مشيخته
روى عن أبي الحجاج الأعلم، وأبي الحسن بن شريح، وروى عنه أبو الوليد هشام بن يوسف بن الملجوم، لقيه بمراكش.
شعره
وهو عندي في نمط دون ما وصف به. فمن ذلك قوله من قصيدة أنحى فيها على ابن ذي النون، ومدح ابن عباد، عند خلع ابن جهور، أبي الوليد، وتصيير قرطبة إليه:
فسل عنه أحشاء ابن ذي النون هل سرى
إليها سكون منذ زلزلها الذعر
وهل قدرت مذ أوحشته طلايع ال
ظهور عليه أن تؤنسه الخمر
[ألم يجن يحيى من تعاطيك ظله
سجا لك هيهات السهى منك يا بدر
لجاراك واستوفيت أبعد غاية
وآخره عن شأوك الكف والعثر
فأحرزت فضل السبق عفواً وكفه
على رغمه مما توهمه صفر
ويا شد ما أغرته قرطبة وقد
أبشرتها خيلنا فكان لك الدر]
ومنها:
[أتتك وقد أزرى ببهجة حسنها
ولا لأنها من جور مالكها طمر
فألبستها من سابغ العدل حلة
زهاها بها تيه وغازلها كبر
وجاءتك متفالا فضمخ حيها
وازدانها من ذكرك المعتلي عطر
وأجريت ماء الجود في عرصاتها
فروَّض حتى كاد أن يورق الصخر
وطاب هوا أفقها فكأنها
تهب نسيماً فيه أخلاقك الزهر
وما أدركتهم في هواك هوادة
وما أئتمروا إلا لما أمر البر
وما قلدوك لأمر إلا لواجب
جئته فيه المجرب والغمر
وبوّأهم في ذروة المجد معقلا
حرام على الأيام إلمامه حجر
وأوردهم من فضل سيبك مورداً
على كثرة الوارد مشرعه غمر
فلولاك لم تفصل عرى الإصر عنهم
ولا انفك من ربق الأذى لهم أسر
أعدت نهار ليلهم ولطالما
أراهم نجوم الليل في أفقه الظهر
ولا زلت تؤويهم إلى ظل دوحة
من العز في أرحابها النعم لخضر]
كتابته
وهي من قلة التصنع والإخشوشان، بحيث لا يخفى غرضها. ولكل زمان رجاله. وهي مع ذلك تزينها السذاجة، وتشفع لها الغضاضة. كتب عن الأمير يوسف ابن تاشفين ولاية عهده لولده: ((هذا كتاب تولية عظيم جسيم، وتوصية حميم كريم، مهدت على الرضا قواعده، وأكدت بيد التقوى [مواعده] ومعاقده، وسددت إلى الحسنى مقاصده، وأبعدت عن [الهوادة والهوى] مصادره وموارده. أنفذه أمير المسلمين، وناصر الدين، أبو يعقوب يوسف بن تاشفين، أدام الله أمره، وأعز نصره، وأطال فيما يرضيه منه، ويرضى به عنه عمره، غير محاب، ولا تارك في النصيحة لله ولرسوله والمسلمين، وموضع ارتياب لمرتاب، للأمير الأجل أبي الحسن علي ابنه، المتقبل هممه وشيمه، المتأثل حلمه وتحلمه، الناشئ في حجر تقويمه وتأديبه، المتصرف بين يدي تخريجه، وتدريبه، أدام الله عزه وتوفيقه، ونهج إلى كل صالح من الأعمال طريقه. وقد تهمم بمن تحت عصاه من المسلمين، وهدى في انتقاء من يخلفه هدى [المتقين، ولم ير أن يتركهم بعد سدى غير مدينين] واعتام في النصاب الرفيع، واختار واستنصح أولي الرأي والدين؛ واستشار فلم يوقع بعد طول تأمل؛ وتراخي مدة؛ وتمثل اخياره، واختبار من فاوضه في ذلك من أولي التقوى والحنكة واستشارة الأعلية ولا صار بدونهم الارتياد والاجتهاد إلاّ إليه؛ ولا التقى روّاد الرَّأي والتشاور إلاَّ لديه؛ فولاه عن استحكام بصيرة، وبعد طول مشورة، عهده، وأفضى إليه الأمر والنهي، والقبض والبسط عنده بعده، وجعله خليفته الساد في رعاياه مسده، وأووطأ عقبه جماهير الرجال، وناط به مهمات الأمور والأعمال، وعهد إليه أن يتقي الله ما استطاع، ولا يعدل عن سمت العدل وحكم الكتاب والسنة، في أحد عصا أو أطاع، ولا ينام عن حماه الحيف والخوف بالاضطجاع، ولا يتلين دون معلن شكوى، ولا يتصام عن مستصرخ لذي بلوى، وأن ينظم أقصى البلاد وأدناها في سلك تدبيره، ولا يكون بين القريب والبعيد بون في إحصائه وتقديره. ثم دعا أدام الله تأييده، لمبايعته، أدام الله عزه ونصره، من حضر ودنا من المسلمين، فلبوا مسرعين، وأتوا مهطعين، وأعطوا صفقة إيمانهم متبرعين متطوعين، وبايعوه على السمع والطاعة، والتزام سنن الجماعة، وبذل النصيحة جهد الاستطاعة، ومناصفة من ناصفه، ومحاربة من حاربه، ومكايدة من كايده، ومعاندة من عانده، لا يدخرون في ذلك على حال المنشط مقدرة، ولا يحتجون في حالتي الرضا والسخط إلى معذرة. ثم أمر بمخاطبة ساير أهل البلاد لمبايعته، كل طائفة منهم في بلدها، وتعطيه كما أعطاه من حضر، وصفقة يدها، حتى ينتظم في التزام طاعته القريب والبعيد، ويجتمع على الاعتصام بحبل دعوته، الغايب والشهيد، وتطمين من أعلام الناس وخيارهم نفوس قلقة، وتنام عيون لم تزل مخافة إقذئها مورقة، ويشمل الناس كافة السرور والاستبشار، وتتمكن لديهم الدعة، ويتمهد القرار، وتنشأ لهم في الصلاح آمال، ويستقبلهم جد صالح وإقبال. والله يبارك لهم بيعة رضوان، وصفقة رجحان، ودعوة يمن وأمان، إنه على ما يشاء قدير، لا إله إلا هو، نعم المولى ونعم النصير. شهد على إشهاد أمير المسلمين بكل ما ذكر عنه فوق هذا من بيعته، ولقيه حَمْلة عنه ممن التزم البيعة المنصوصة قبل، وأعطى صفقته طائعاً متبرعاً بها. وبالله التوفيق. وكتب بحضرة قرطبة؛ في ذي الحجة؛ سنة ست وتسعين وأربعمائة.
دخل غرناطة
غير ما مرة، وحده، وفي ركاب أميره.
وفاته
توفي في جمادى الآخرة؛ من عام ثمانية وخمسمائة.
محمد بن يوسف
ابن عبد الله بن إبراهيم التميمي المازني؛ من أهل سرقسطة؛
ودخل غرناطة؛ وروى عن أبي الحسن بن الباذش بها؛
يكنى أبا الطاهر،؛ وله المقامات اللزوميات العروفة.
حاله
كان كاتباً لغوياً شاعراً، معتمداً في الأدب، فرداً، متقدماً في ذلك في وقته، وله المقامات المعروفة، وشعره كثير مدون.
مشيخته
روى عن أبي علي الصدفي، وأبى محمد بن السيد، وأبي الحسن بن الأخضر، وأبي عبد الله بن سليمان المعروف بابن أخت غانم، وأبي محمد بن عتاب، وأبي الحسن بن الباذش. وأبي محمد عبد الله بن محمد التجيبي الدكلي، وأبي القاسم بن صوابه، وأبي عمران بن أبي تليد، وغيرهم. أخذ عنه القاضي أبو العباس بن مضاء، أخذ عنه الكامل للمبرد؛ قال: وعليه اعتمد في تقييده. وروى عنه المقري المسن، الخطيب أبو جعفر بن يحيى الكتامي، وذكره هو وابن مضاء.
توفي بقرطبة
ظهر يوم الثلاثاء، الحادي والعشرين من
جمادى الأولى؛ سنة ثمان وثلاثين وخمسماية،
بزمانة لازمته نحوا من ثلاثة أعوام، نفعه الله.
شعره
أيا قمر أتطلع من وشاح
على غض فاخر من كل راح
أدار السحر من عينيه خمراً
معتقة فأسكر كل صاح
وأهدى إذ تهادى كل طيب
كخوط البان في أيدي الرياح
وأحيا حين حيا نفس صب
غدت في قبضة الحب المتاح
وسوغ منه عتبي بعد عتب
وعللني براح فوق راح
وأجناني الأماني في أمان
وجنح الليل مسدول الجناح
وقال أيضاً:
ومنعم الأعطاف معسول اللَّمَى
ما شيت من بدع المحاسن فيه
لما ظفرت بليلة من وصله
والصب غير الوصل لا يشفيه
أنضحت وردة خده بنفسي
وظللت أشرب ماءها من فيه
وقال أيضاً:
حكت السلاف صفاته بحبابها
من ثغره ومذاقها من رشفه
وتوردت فحكت شقايق خده
وتأرجت فيسيمها من عرفه
وصفت فوق أديمها فكأنها
من حسن رونق وجنتيه ولطفه
لعبت بألباب الرجال وغادرت
أجسامهم صرعى كفعلة طرفه
ومن الغرباء في هذا الحرف
محمد بن حسن
العُمراني الشريف؛ من أهل فاس
حاله
كان جهوياً ساذجاً، خشن البزة، غير مرهف التجند، ينظم الشعر، ويذكر كثيراً من مسائل الفروع، ومعانات الفرائض، يجعجع بها في مجالس الدروس، تشقى به المدرسون، على وتيرة من صحة السجية وحسن العهد، وقلة التصنع.
وجرى ذكره في الإكليل: كريم الانتماء، مستظل بأغصان الشجرة الشماء، من رجل، سليم الضمير، ذي باطن أصفى من الماء النمير، له في الشعر طبع يشهد بعروبية أصوله، ومضاء نصوله. فمن ذلك؛ قوله يخاطب السلطان أمير المسلمين؛ وقد أمر له بكسوة:
منحت منحت النضر والعز والرضا
ولا زلت بالإحسان له مقرضاً
ولا زلت للعليا جنًى مكارماً
وللإمر الملك العزيز مقيضا
ولا زالت الأملاك باسمك تُتَّقَى
وجيشك وفراً يملأ الأرض والفضا
ولا زلت ميمون النقيبة ظافراً
مهيباً ووهاباً وسيفك منتضا
تقر به الدين الحنيف وأهله
وتقمع جباراً وتهلك مبغضا
وصلت شريف البيت من آل هاشم
وخولته أسنى مراد ومقتضا
وجدت بإعطاء اللجين وكسوة
سَتُكْسَى ثوباً من النور أبيضا
وما زالت الأنصار تفعل هكذا
نال علي في الزمان الذي مضا
هم نصروا الهادي وآووا وجَدَّلوا
بحد ذباب السيف من كان معرضا
فخذ ذا أبا الحجاج من خير مادح
لخير مليك في البرية مرتضا
فقد كان قبل اليوم غاض قريضه
فلما رأى الإحسان منك تفيضا
ونظم الفتى يسمو على قدر ما يرى
من الجود مهما ينقضي نيله انقضى
ومن حكم القول اللُّهى متح اللُّهى
ومن مدح الأملاك يرجو التعرضا
فلا زال يهديك الشريف قصادا
ينال بها منك المودة والرضا
وقال يخاطب من أخلفته بوارق الأمل فيه، وخابت لديه وسائل قوافيه:
الشعر أسنى كلام خص بالعرب
والجود في كل صنف خير مكتسب
وأفضل الشعر أبيات يقدمها
في صدر حاجته من كان ذا أدب
فما يوفي كريم حق مادحه
لو كان أولاه ما يحويه من نشب
المال يفنى إذا طال الثواء به
والمدح يبقى مدى الأزمان والحقب
وقد مدحت لأقوام ذوي حسب
فيما ظننت وليسوا من ذوي حسب
مدحتهم بكلام لو مدحت به
دهري أمنت من الإملاق والنصب
فعاد مدحي لهم هجواً يصدقه
من لؤمهم عودتي عنهم بلا أرب
فكان ما قلت من مدحهم كذباً
أستغفر الله من زور ومن كذب
وقال في غرض يظهر من الأبيات، يخاطب السلطان:
مالي أرى تاج الملوك وحوله
عبدان لا حلم ولا آداب
فكأنه البازي الصيود وحوله
نغر يقلب ريشه وغراب
يا أيها الملك الكرام جدوده
أسنى المحافل غيرها أتراب
أبدلهما من بالبيض من صفيهما
إن العبيد محلها الأبواب
وفاته
توفي في حدود ثمانية وأربعين وسبعمائة، أو بعد ذلك.
محمد بن محمد
ابن إبراهيم بن المرادي بن العشاب قرطبي الأصل؛ تونسي
الولادة والمنشأ؛ ابن نعمة وغذى جاه وحرمة.
حاله
كان حيياً فاضلاً كريماً، سخياً. ورد على الأندلس، مفلتاً من نكبة أبيه، وقد عركته عرك الرحى لثقالها، على سنن من الوقار والديانة والحما، يقوم على بعض الأعمال النبيهة.
وجرى ذكره في الإكليل بما نصه: جواد لا يتعاطى طلقه، وصبح فضل لا يماثل فلقه. كانت لوالده رحمه الله، من الدول الحفصية منزلة لطيفة المحل، ومفاوضة في العقد والحل، ولم يزل يسمو به قدم النجابة، من العمل إلى الحجابة. ونشأ ابنه هذا، مقضي الديون، مفدى بالأنفس والعيون. والدهر ذو ألوان، ومارق حرب عوان، والأيام كرات تتلقف، وأهوال لا تتوقف، فألوى بهم الدهر وأنحى، وأغام جوهم بعقب ما أضحى، فشملهم الاعتقال؛ وتعاورتهم النُّوَب الثقال، واستقرت بالمشرق ركابه، وحطت به أقتابه؛ فحج واعتمر، واستوطن تلك المعاهد وعمّر، وعكف على كتاب الله؛ فجوَّد الحروف، الحروف، وأحكم الخلف المعروف وقيد وأسند، وتكرر إلى دور الحديث وتردد، وقدم على هذا الوطن قدوم النسيم البليل على كبد العليل. ولما استقر به قراره، واشتمل على جفنه غراره، بادرت الى مؤانسه، وثابرت على مجالسته. فاجتليت للسَّرْو شخصاً، وطالعت ديوان الوفا مستقصا.
شعره
وشعره ليس بحايد عن الإحسان، ولا غفل من النكت الحسان. فمن ذلك ما خاطبني به:
بِيُمْن أبي عبد الله محمد
يُمَن هدأ القُطْر وانسجم القَطْرُ
أفاض علينا من جزيل عطايه
بحور الديم المدَّ ليس لها جزر
وأنسنا لما عدمنا مغانياً
إذا ذكرت في القلب من ذكرها عبر
هنيياً بعيد الفطر يا خير ماجد
كريم به تسمو السيادة والفخر
ودمت مدى الأيام في ظل نعمة
تطيع لك الدنيا ويعنو لك الدهر
ومما خاطب به سلطانه في حال الاعتقال:
لعل عفوك بعد السخط يغشاني
يوماً فينعش قلب الوالد العان
مولاي رحماك إني قد عهدتك ذا
حلم وعفو وإشفاق وتحنان
فاصرف حنانك واعطف علي وجد
برحمة منك تحيي جسمي الفان
فقد تناهى الأسى عندي وعذبني
وشرد النوم عن عيني وأعيان
وحق ألايك الحسنى وما لك من
طول وفضل وإنعام وإحسان
إني ولو حلت البلوى على كبدي
وأسبكت فوق خد دمعي القان
لواثق بحنان منك يطرقني
عما قريب وعفو عاجل دان
دامت سعودك في الدنيا مضاعفة
تذل طوعاً كل سلطان
محمد بن محمد
ابن عبد الملك بن محمد بن سعيد الأنصاري الأوسي؛
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن عبد الملك؛ من أهل مراكش، وسكن غرناطة.
حاله
من عايد الصلة: كان رحمه الله غريب المنزع، شديد الانقباض، محجوب المحاسن، تنبو العين عنه جهامة، وغرابة شكل، ووحشة ظاهر، في طيّ ذلك أدب غضّ، ونفس حرة، وحديث ممتع، وأبوة كريمة، أحد الصابرين على الجهد، المتمسكين بأسباب الحشمة، الراضين بالخصاصة. وأبوه قاضي القضاة، نسيج وحده، الإمام العالم، التاريخي، المتبحر في الأدب، تقلبت به أيدي الدّهْر بعد وفاته لتبعة سلطت على نسبه، فاستقر بمالقة، متحارفاً مقدوراً عليه، لا يهتدي لمكان فضله، إلا من عثر عليه جزافا.
شعره
من لم يصن في أمل وجهه
عنك فصن وجهك عن رده
واعرف له الفضل وعرف به
حيث أحل النفس من قصده
ومما خاطبني به قوله:
وليت ولاية أحسنت فيها
ليعلم أنها شرفت بقدرك
وكم وٍال أساء فقيل فيه
دني القدر ليس لها بمدرك
وأنشدني في ذلك أيضاً؛ رحمة الله عليه:
وليت فقيل أحس خيرٍ وال
فعاق مدى مداركها بفضله
وكمٍ وال أساء فقيل
دنا فمحا محاسنها بفعله
ومما خاطب به السلطان يستعديه على من مطله من العمال، وعذر عليه واجبه من الطعام والمال:
مولاي نصيراً فكم يضام من ما له غيرك اعتصام
أمرت لي بالخلاص فمر لي عنده المال والطعام
فقال ما اعتاده جواباً وحسبي الله والإمام
هذا مقام ولا فعال بغير مولاي والسلام
وفاته
فقد في وقيعة على المسلمين من جيش مالقة بأحواز إستبّة؛ في ذي قعدة؛ من عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة.
محمد بن خميس
ابن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن خميس الحَجْري حَجْرُ ذي رُعين التَّلمساني؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بابن خميس.
حاله
من عايد الصلة: كان رحمه الله نسيج وحده زهداً وانقباضاً، وأدباً وهمة، حسن الشيبة، جميل الهيئة، سليم الصدر، قليل التصنع، بعيد عن الرَّيا والهوادة عاملاً على السياحة والعزلة، عالما بالمعارف القديمة. مضطلعاً بتفاريق النحل، قايماً على صناعة العربية والأصلين، طبقة الوقت في الشعر، وفحل الأوان في النظم المطول، أقدر الناس على اجتلاب الغريب، ومزج الجزالة بالسلاسة، ووضع الألفاظ البيانية مواضعها. شديد الانتقا وإلإرجا، خامد نار الروية، منافساً في الطريقة منافسة كبيرة. كتب بتلمسان عن ملوكها من بني زيان، ثم فرّ عنهم، وقد أوجس منهم خيفة. لبعض ما يجري بأبواب الملوك. وبعد ذلك بمدة، قدم غرناطة، فاهتز الوزير ابن الحكيم لتلقيه، ومتَّ إليه بالوسيلة العلمية، واجتذبه بخطبة التلميذ، واستفزه بتأنيسه وبره، وأقعده للإقراء بجواره. وكان يروم الرحلة، وينوي السفر، والقضاء يثبطه. حدثني شيخنا الرئيس أبو الحسن بن الجياب، قال: بلغ الوزير أبا عبد الله الحكيم أنه يروم السفر؛ فشق ذلك عليه، وكلفنا تحريك الحديث بحضرته. وجرى ذلك. فقال الشيخ أنا كالدم بطبعي، أتحرك في كل ربيع.
شعره
وشعره بديع. فمن ذلك قوله يمدح أبا سعيد ابن عامر، ويذكر الوحشة الواقعة بينه وبين أبي بكر بن خَطَّاب:
مَشُوقٌ زارَ رَبْعَكَ يا إماما
محا آثارَ دِمْنَتَها التثاما
تَتَبَّعَ ريقَةَ الطَّلِّ ارتشافاً
فما نَفَعَتْ ولا نَقَعَتُ أْوَاما
وَقَبَّل خَدَّ وَرْدَتها جِهاراً
وما راِعَى لضُرَّتِها ذِماما
ومِا لحَريمِ بَيْتِك أن يدانَى
ولا لعُلاَ قَدْرك أنْ يُساما
ولكن عاش في رسم مغنًى
تجشمه سلاماً واستلاماً
تنفس روضة المطول وهنا
فحن وشمّ ريّاه فهاما
تلقَّى طيبَ ب.... ته حديثا
روت مسنداً عنه النّعاما
فيا نفس الصبا إن جيت ساحا
ولم تعرف لساكنها مقاما
وأخطأت الطريق إلى حماها
فردتك العرادة والخزآما
فلا تبصر بسرحتها قضيباً
ولا تذعر بمسرحها سواما
وعانق قربانتها اراتباطاً
وصافح كف سوسهنها التزاما
ونافح عرف زهرتها كباً
تعاطك ماء ريقتها مداما
ويا برقاً أضاء على أوال
يمانياً متى جيت الشآما
أثغر إمامة أنت ابتساماً
أم الدر الأوامى انتظاما
خفقت ببطن واديها لواً
ولحت على ثنيتها حساما
أمشبه قلبي المضنى احتداما
على مَ ذدت عن عيني المناما
ولمَ [أسهرتني وطردت] عني
خيالاً كان يأتيني لماما
وأبلغ منه تأريقاً لجفني
كلام أثخن الأحشا كلاما
تعرض لي فأيقظت القوافي
ولو ترك القطا يوماً لناما
وقيل وما أرى يومي كأمسي
جدعت رواطبا وقلبت هاما
وجرعت العدو سماً زعافاً
فكان لحسد موتاً زواما
دعوت زعيمهم ذاك ابتياسا
ورعت خميسهم ذاك اللماما
نزعت شواه كبشهم نطاحا
ولم أترك لقرمهم سناما
أضام وفي يدي قلبي لماذا
أضام أبا سعيد أو علاما
به وبما أذلق من لساني
أفل الصارم العضب انهزاما
وغرام الوزير أبي سعيد
أصرفه إذا شيت انتقاما
به وبنجله البر انتصاري
لما أكلوه من لحمي حراما
أعثمان بن عامر لا تكلني
لدهر علم الشح الغمام
وردت فلم أرد إلا سرابا
وشمت فلم أشم إلا جهاما
قطعت الأرض طولاً ثم عرضاً
أزور بني ممالكها الكراما
وجا جانبي على كرم نداهم
وأعجلت الخوافي والقداما
وذللت المطامع من إبايي
وقبلت البراجم والسلاما
ومن أدبي نصبت لهم حبالا
أصيد بها النعام ولا النعاما
فلم أر مثل ربعي دار أنس
ولم أر مثل عثمان إماما
ولا كأبيه أو كنى أبيه
أبي يحيى غيوثاً أو رهاما
كفاني بابن عامر خفض عيش
ورفع مكاتبي إلا أضاما
وإني من ولايك في يفاع
أقابل منهم بدرهم التمام
ومن شعره رحمه الله قوله:
تُراجِعُ من دُنْياكَ ما أنْتَ تاركُ
وتَسَلْها العُتْبَي وها هي فارِكُ
تؤمل بعد الترك رجع ودادها
وشر وداد ما تود الترائك
حلالك منها ما خلا لك في الصِّبا
فأنت على حلوايه متهالك
تظاهر بالسلوان عنها تجمُّلاً
فقلبك محزون وثغرك ضاحك
تنزهت عنها نخوة لا زَهادَةً
وشعر عذاري أسود اللون حالك
ليالي تغري بي وإن هي أعْرَضَت
زنانب من ضواتها وعواتك
غصون قدود في حقاف رَوادِفٍ
تمايل من ثقل بين الأرايك
تطاعنني منهنَّ فيّ كل مَلْعبٍ
ثُدِيٌّ كأسنان الرماح فواتك
وكم كلة فيها هتكت ودونها
صدور العوالي والسيوف البواتك
ولا خدن إلا ما أعدت ردينه
لطالبها أو ما تحير هالك
تضل فواد المرء عن قصد رشده
فواتر ألحاظ للظبا الفواتك
وفي كل سن لابن آدم وإن تطل
سنوه طباع جمة وعوايك
وإلا فمالي بعد ما شاب مَفْرِقي
وأعجز رأيي عجز من الركارك
أجوب إليها كل بيداء ممْلقٍ
ترافقني فيها الرجال الحواتك
واسترشد الشهب الشوابك جار
إذا اشتبهت فيها عليّ المسالك
نهازز أمثال الجياد توودة
أغوارب أمثال الهضاب توامك
ظما وما غير السماوة مورد
وينحى وما دون الصواة مبارك
ذواهل عن عض الرجال ظهورها
إذا ما اشتكت عض السروج الموارك
إذا ما نبا عن سنبك الأرض سنباك
هلعن فلانت تحتهن السنابك
تقد بنا في كل قاع وفدِفَدٍ
بوايكها والمنغيات الدراهك
فأمامها ري كالسحاِب مَوالع
وأمامها ركاً كالرياح بواشك
قلاص بأطواف الجديل بَوِالع
وجرد لأوساط الشكيم عوالك
ترامى بها ليد النوق كل مُرْتَمى
فهن نواح للردى أو هوالك
وكم منزل خليته لطلابها
تعفيه تعدي السافيات السواهك
يمر به زواره وعفاته
وما إن به إلا لصوق الحبايك
وآثارتنا تقادم عهدهم
وهن عليه جاثيات بوارك
لوارب أفراس ونؤى حذاة
ثلاث أثاف كالحمام سوادك
تمر عليه نسمة الفجر مثلما
تمر على طيب العروس المداوك
وأركب كالشهد ينفح برده
لمجهول حسي ماله للدهر مبانك
يطلبها مني غريم مماحك
ويمطلني منها عديم مماعك
أحاول منها لما تعذر في الصبا
ومن دونه وقع الحمام المواشك
يسلي الفتى منها وإن راق حسنها
حسايف لا تحصى ومبارك
فمنها ملال دايم لا تملَّه
وتزور إفك عن رضى الحق آفك
تهاون بالإفك الرجال جهالة
وما أهلك الأحياء إلا الأفايك
تزن طول تسهادي وقدري تَمَلْملي
طوال الليالي والنجوم النوابك
تغير على الدهر منه جحافل
كأن مدوّم الرجم فيها نيازك
فليت الذي سودت فيها معوض
بما بيضت مني دجاها الحوالك
ألا لا تذكِّريني تلمسان والهوى
وما دهكت منا الخطوب الدواهك
فإن ادكار ما مضى من زمانها
لجسمي وللصبر الجميل لناهك
ولا تصفن أمواهها لي فإنها
لنيران أشواقي إليها محارك
ومن حال عن عهد أو أخفر ذمة
فإني على تلك العهود لرامك
سقى منزلي فيها وإن مح رسمه
عهاد الغوادي والدموع السوافك
وجادت ثرى قبر بمسجد صالح
رواعدها والمدخمات الحواشك
ولا أقلعت عن دار يونس مزنة
يروي صداه لقطرها المتدارك
إلى أن يروق الناظرين رواؤها
ويرضي الرعاوى نبتها المتلاحك
ويصبح من حول الحيا في عراصها
زُرّاق تحكي بسطها ودرانك
ولا برحت منه ملايكة الرضى
تصلي على ذاك الصدى وتبارك
وطوبى لمن روى منازله الحيا
وبشرى لمن صلت عليه الملايك
ألا ليت شعري هل تقضى لبانتي
إذا ما انقضت عشر عليها دكادك
وهل تمكن الطيف المغب زيارة
فيرقب أو تلقى إليه الروامك
وهل تغفل الأيام عنها بقدر ما
تودي إليها بالعتاب الحالك
ويا ليت شعري أرض تقلني
إذا كل عن رحلي الجلال اللكالك
وأي غرار من صفاها يحثني
إذا فقدتني مسها والدكادك
إذا جهل الناس الزمان فإنني
بدونهم دون الأنام لحاتك
تثبت إذا ما قمت تعمل خطوة
فإن بقاع الأرض طراً شوائك
ولا تبذل وجهاً لصاحب نعمة
فما مثل بذل الوجه للستر هاتك
تَجَشَّمْ ما استطعت واحذر أذاهم
ولا تلقهم إلا وهرك شانك
فكل على ما أنعم الله حاسد
وكل إذا لم يعصم الله حاسك
ولا تأنس ريبة الزمان فإنه
بمن فات منا لا محالة فاتك
تمنى مصاب بربر وأعاره
وترضى ذكامي فارس والهنادك
وبَدَّرْت الليالي الجون حوضي لجاجها
وتعرف إقدامي عليها المهالك
فما أذعنت إلا إلي عُشار
ولا أصفقت إلا علي الشكاشك
ولا قصدت إلا فنايي وقودها
ولن أملت إلا قتامي الضرارك
به شرفت أذواوها وملوكها
كما شرفت بالنويهار البرامك
فلا تدعون غيري لدفع ملمة
إذا ما دهى من حادث الدهر داهك
فما إن لذاك الصوت غيري سامع
وما إن لبيت المجد بعدي سامك
يَغَصُّ وَيَشْجَى نَهْشٌلَ وَمُجاشِعٌ
بما أوْرَثْتَني حِمْيَرٌ وَالسَّكاسِكُ
تفارقني روحي التي لست غيرها
وطيب ثنايي لاصق بي صايك
وماذا عسى ترجو لداتي وأرتجي
وقد شَمِطَت منا اللِّحا والأفانك
يعود لنا شرخ الشاب الذي مضى
إذا عاد للدنيا عقيل ومالك
ومن شعره أيضاً قوله:
سحت بساحك يا محل الأدمع
وتصرمت سفاً عليك الأضلع
ولطالما جادت ثرى الأمال من
جاوي مؤملك الغيوث الهمع
لله أيام بها قضيتها
قد كنت أعلم أنها لا ترجع
فلقد رشفت بها رضاب مُدامةٍ
بنسيم أنفاس البديع تشعشع
في روضة يرضيك منها أنها
مرعى لأفكار النِّدام ومشرع
تجري بها فقر سكنت رهانها
أجدى بميدان الكلام وأسرع
فقر كريعان الشباب وعهدنا
بجنابها وهو الجناب الأمنع
نفاثة الأنواء في عقد الثرى
والنفث في عقد الثرى لا يمنع
حتى إذا حاك الربيع برودها
وكسا رباها وشيه المتنوع
بدأت كمايم زهرها تبدي بها
بدعاً تفرق تارة وتجمع
قد صمّ منها ما تجمع مغلق
إذ بت منها ما تفرق مصقع
وكلاهما مهما أردت مسالم
ومحارب ومؤمن ومروع
كل له شرع البيان محلل
المنكر في مثل هذا مدفع
حيث ازدهت أنوار كل حديقة
أدباً ينظم تارة ويسجع
فمرجل من رقمها ومهلل
ومسمط من نظمها ومصرع
أبدى البديع بها بدايع صنعه
فمجنس ومبدل ومرصع
وموشح ومرشح ومصدر
ومكرر ومفرع ومتبع
كل يروق بها بحسن روايه
وإذا تزين به كلامك تبرع
ولقد غدوت بها وفي وكناتها
طير لها فوق الغصون ترجع
بمطهم الفكر الذي ما إن له
إلا بمستن الأدلة مرتع
قيد المطالب لا يزال نحبه
بين الجياد لعتقه أو يوضع
أرمى به الأمد البعيد وإنه
حمل يضل به الدليل الأصمع
من بعد ما عفت السواري سُبْلُهُ
ومحت معالمه الرياح الأربع
لكنني جددت داثر رسمه
فطريقه من بعد ذلك مهيع
أوضحت فهم حدوده وضُرُوبه
والكل في كل المسالك ينفع
حتى وردت من السماع موارداً
فيها لظمآن المباحث مكرع
مع كل مصقول الذكاء فحدسه
لذكاء أسرار الطبايع مطلع
يرتاد من نجع العناصر نجعة
فيها مصيف للعقول ومربع
لا شيء أبدع من تجاورها وما
يبتدى بها ذاك التجاور أبدع
فإذا تشعشع مزجها أورى بها
نار الحباحب مرجها المتشعشع
فمكين سر حياته بحبابها
من بعد قدح زنادها مستودع
وهنا تفاض عليه صورته التي
لبهائها شم الطبايع تخضع
من واهب الصور التي قد خصها
ببديع حكمته الحكيم المبدع
رب له في كل شيء حكمة
يقضي بها البَدْعِيّ والمتشرع
وحللت من أرض الرياضة أربعاً
نفسي الفداء لها وهذي الأربع
قامت زواياها فما أوتادها
إلا تقوم ما تقيم الأضلع
وتناسب أقدارها نسباً لها
لو كنت تبصرها فروع فرع
فأجل ما قد سمته بحلولها
من بارق لجناب رشدي يلمع
لا شك أن وراءه مطراً له
في كل ضرب من قياسي موقع
بحر روي مترع ملاحه
من فيضه هذا الروي المترع
لم لا أضيع بها عهاد مدامعي
إني إذاً لعهوها لمضيع
خِلَّيَّ لو لم تسعداني في البكا
لقطعت من حبليكما ما يقطع
أرأيتما نفساً تفارق جسمها
وبه تنعمها ولا تتوجع
عظمت رزيتها وأي رزية
ظلت لها أكبادنا تتصدع
هذي حمامك يا علي سواجع
وأخالها أسفاً عليها تسجع
إن طارحتني ورقها فبأضلعي
شوق يطارحه ادكار موجع
آه على جسمي الذي فارقته
لا كنت ممن جسمه لا يرجع
ومن العجاب رجوع ما أودى به
دهر بتشتت الأحبة مولع
الجور منه إذا استمر طبيعة
والعدل منه إذا استقام تطبع
هذي عقوبة زلة سلفت بها
من أكل طعمته التي لا تشبع
قد كنت أمنع رسخ نفسي قبلها
واليوم أوجب أنه لا يمنع
لم لا وقد أصبحت بعد محلة
فيها السحايب بالرغايب تهمع
دار يدر الرزق من أخلاقها
ولكم دعا داع بها من يوضع
وكأن مجلسها البهي بصدرها
ملك بأعلى دسته متربع
وكأن مجمر عنبر بفنايها
يذكي ما قد سيف منه يسطع
وكأنها المتوكلية بهجة
وعلي بن الجهم فيها يبدع
في حجر ضب خافض بجواره
من كان قبل له العوامل ترفع
يا نفثة المصدور كم لك قبلها
من زفرة بين الجوانح تسفع
وعساك تنقع غلة بك إنها
بجحيم ما أسبلته لا تنقع
لله أنت مذاعة أودعتها
من كل سر بالضمائر يودع
بدوية في لفظها ونظامها
حضرية فيما به يترجع
لم لا تشفع في الذي أشكو بها
ومثالها في مثله يتشفع
كملت وما افترعت فأي خريدة
لو كان يفرعها همام أروع
بارت علي فأصبحت لحيائها
مني بضافي مرطها تتلفع
ومن شعره قوله يمدح ذا الوزارتين أبا عبد الله بن الحكيم، وهي من مشاهير أمداحه:
سل الريح إن لم تسعد السفن أنواء
فعند صباها من تلمسان أنباء
وفي خفقان البرق منها إشارة
إليك بما تنمي إليها وإيماء
تمر الليالي ليلة بعد ليلة
وللأذن إصغاء وللعين إكلاء
وإني لأصبو للصبا كلما سرت
وللنجم مهما كان للنجم أصباء
وأهدي إليها كل حين تحية
وفي رد إهداء التحية إهداء
واستجلب النوم الغرار ومضجعي
قتاد كما شاءت نواها وسلاء
لعل خيالاً من لدنها يمر بي
ففي مره بي من جوى الشرق إبراء
وكيف خلوص الطيف منها وحولها
عيون لها في كل طالعة راء
وإني لمشتاق إليها ومنبئ
ببعض اشتياقي لو تمكن إنباء
وكم قايل تفنى غراماً بحبها
وقد أخلقت منها ملاء وإملاء
لعشرة أعوام عليها تجرمت
إذا مضى قيظ بها جاء إهراء
يطنب فيها عابثون وحزب
ويرحل عنها قاطنون وأحياء
كأن رماح الذاهبين لملكها
قداح وأموال المنازل أبداء
فلا تبغين فيها مناخاً لراكب
فقد قلصت منها ظلال وأفياء
ومن عجبي أن طال سقمي ونزعها
وقسم إضناء علينا وإطناء
وكم أرجفوا غيظاً بها ثم أرجأوا
فيكذب إرجاف ويصدق إرجاء
يرددها عياً بها الدهر مثلما
يردد حرف الفاء في النطق فأفاء
فيا منزلاً نال الردى منه ما اشتهى
ترى وهل لعمر الأنس بعدك إنساء
وهل للَظَى الحرب التي فيك تلتظي
إذا ما انقضت أيام بوسك إطفاء
وهل لي زمان أرتجي فيه عودة
إليك ووجه البشر أزهر وضاء
فواسيئي حالي إن هلكت ولم أقل
لصحبي بها الغر الكرام ألا هاؤا
ولم أطرق الدير الذي كنت طارقاً
كعادي وبدر الأفق أسلغ مسناء
أطيف به حتى تهر كلابه
وقد نام عساس وهوم سباء
ولا صاحب الأحسام ولهذم
وطرف لخد الليل مذ كان وطاء
وأسحم قاري كشعري حلكة
تلألأ فيه من سنى الصبح أضواء
فما لشرابي في سواك مرارة
ولا لطعامي دون بابك إمراء
وباداري الأولى بدربٍ حلاوة
وقد جد عيث في بلاها وإرداء
أما آن أن يحمى حماك كعهده
وتجتاز أحماش عليك وأحماء
أما آن أن يعشو لنارك طارق
جنيب له رفع إليك ودأداء
يرجي نوالا أو يؤمل دعوة
فما زال قار في ذراك وقراء
أحن لها ما أطَّتِ النِّيبُ حولها
وما عاقها عن مورد الماء إظاء
فما فاتها مني نزاع على النَّوَى
ولا فاتني منها على القرب إجشاء
كذلك جدي في صحابي وأسرتي
ومن لي به من أهل ودي إن فاؤوا
ولولا جوار ابن الحكيم محمد
لما فات نفسي من بني الدهر إقماء
حماني فلم تنتب محلي نوايب
بسوء ولم ترزأ فؤادي أرزاء
وأكفاء بيتي في كفالة جاهه
فصاروا عبيداً لي وهم لي أكفاء
يؤمون قصدي طاعة ومحبة
فما عفته عافوا وما شئته شاء
دعاني إلى المجد الذي كنت آملا
فلم يك لي عن دعوة المجد إبطاء
وبوأني من هضبة العز تلعة
يناجي السها منه صعود وطأطاءُ
يشايعني فيها إذا سرت حافظ
ويكلأني منها إذا نمت كلاّء
ولا مثل نومي في كفالة غيره
وللذيب إلمام وللصل إلماء
بغيضة ليث أو بمرقب خالب
تَندُّ كِساً فيه وتقطع أكساء
إذا كان لي من نايب الملك كافل
ففي حيثما هومت كِنّ وإدفاء
وإخوان صدق من صنايع جاهه
يبادرني منهم قيام وإيلاء
سراع لما يرجى من الخير عندهم
ومن كل ما يُخْشَى من الشَّرِّ إبراء
إليك أبا عبد الإله صنعتها
لزومية فيها لوجدي إفشاء
مبراة مما يعيب لزومها
إذا عاب إكفاء سواها وإيطاء
أذعت بها السر الذي كان قبلها
عليه لأحناء الجوانح إضناء
وإن لم يكمن كل الذي كنت آماً
واعوز إكلاء فما عاز إكماء
ومن يتكلف مفحما شكر منة
فما لي إلى ذاك التكلف إلجاء
إذا منشد لم يكن عنك ومنشئ
فلا كان إنشاد ولا كان إنشاء
ومن شعره قوله:
أطار فؤادي برق ألاحا
قِمٌ ضم بعد لو كر جناحا
كأن تألقه في الدجى
حسام جبان يهاب الكفاحا
أضاء وللعين إغفاءة
تلذ إذا ما سنى الفجر لاحا
كمعنًى خفي بدا بعضه
وزيد بيانا فزاد اتضاحا
كأن النجوم وقد غربت
نواهل ماء صدرن قُماحا
لواغب باتت تجد السرى
فأدركها الصبح روحي طلاحا
وقد لبس الليل أسماله
فمحت عليه بلاً وانصياحا
وأيقظ روض الربا زهره
فحيا نسيم صباه الصباحا
كأن النهار وقد غالها
مبيت مال حواه اجتياحا
أتى يستفيض دموعي امتياحا
ويلهب نار ضلوعي اقتداحا
فلم يلق دجن انتحابي شحيحا
ولم يلف زند اشتياقي شحاحا
ولولا توقد نار الحشا
لانفدت ماء جفوني امتياحا
ومما يشرد عني الكرى
هديل حمام إذا نمت صاحا
ينوح علي وأبكي له
فأقطع ليلي بكاً أو نياحا
أعين أريحي أطلت الأسى
عليك وما زدت إلا انتزاحا
دعيني أرد ماء دمعي فلم
أرد بعد مايك ماء قراحا
أحن إليك إذا سفت ريحا
وأبكي عليك إذا ذقت راحا
وأفنى التياحا إليك وكم
أشحت بوجهي عنك اتشاحا
ولولا سخايم قوم أبوا
إيابي ركبت إليك الرياحا
أباحوا حماي وكم مرة
حميت حمى عرضهم أن يباحا
ودافعت عنهم بشعري انتصارا
فكان الجزاء جلاي المتاحا
أباعوا ودادي بخسا فسل
أكان سماحهم بي رباحا
وأغروا بنفسي طلابها
سراراً فجاءوا لقتلي صراحا
وآلو يمينا على أن ما
توهمت لم يك إلا مزاحا
فشاورت نفسي في ذا فما
رأت لي بغير الفلاة فلاحا
فبت أناغي نجوم الدُّجى
نجاء فلم ألق إلا نجاحا
أجوب الدياجير وحدي ولا
مؤانس إلا القطا والسِّراحا
وإلا الثعالب تحتس في
مبيتي فتملأ سمعي ضُباحا
أجوز الأفاحيص فيحاً قفارا
وأعرو الأداحيَّ غبرا فساحا
فأعي شوارد هذي عداء
وأعلو لواغي تلك صياحا
وجواب بدو إذا استنبحوا
أجابوا عواء وأموا النباحا
يرون قتالي في الحجر حلاً
وإذهاب نفسي فيه مباحا
قصدت هناهم فلم أخطهم
أعاجم شوس العيون قباحا
فسل كيف كان خلاصي من
أسارهم أسرى أم سراحا
ولا مثل بيت تيممته
فلم ألف إلا الغنا والسماحا
عياباً ملاء ونيباً سماناً
وغيداً خدالا وعوداً أقاحا
وإلا أعاريب شم الأنوف
كرام الجدود فصاحاً صباحا
وإلا يعافير سود العيون
يرين فساد المحب صلاحا
يرددن فينا لحاظاً مراضا
يمرضن منا القلوب الصحاحا
وتحت الوجاج طلاً ربرب
لَوَ اْنَّ القيان رفعن الوجاحا
أراني محاسن منه فلم
أطق عن حماه بقلبي براحا
محياً وسيماً وفرعاً أثيثا
وقداً قويماً وردفاً رداحا
وأبدى لعيني بدايع لم
يدع لي عقلاً بها حين راحا
إذا لم يرد غير سفك دمي
فَحِلٌ وَبِلٌ له ما استباحا
وما زلت سمحاً بنفسي كذا
متى ما رأيت الوجوه الملاحا
وبابن رشيد تعوذت من
هواه فقد زدت فيه افتضاحا
وقد ضاق صدري عن كتمه
وأودعته جفن عيني فباحا
وبابن رشيد تعوذت من
خطوب أجلن علي القداحا
ألح الزمان بأحداثه
فألقيت طوعاً إليه السلاحا
أعاد شبابي مشيباً كما
سمعت وصير نسكي طَلاحا
وفرق بيني وبين الأهيل
ولم ير ذا عليه جناحا
أخي وسميى أصخ مسعداً
لشجو حزين إليك استراحا
فقد جَبَّ ظهري على ضعفه
كُداماً وأدْهَى شواتي نطاحا
وطوَّح بي عن تلمسان ما
ظننت فراقي لها أن يتاحا
وأعجل سيري عنه ولم
يدعني أودع تلك البطاحا
نأى بصديقك عن ربعه
فكان له النأي موتاً صراحا
وكان عزيزاً على قومه
إذا هاج خاضوا إليه الرماحا
فها هو إن قال لم يلتفت
إليه امتهاناً له واطراحا
عجبت لدهري هذا وما
ألاقي مساء به وصباحا
لقد هد مني ركناً شديداً
وذلل مني حياء لقاحا
وُقيتُ الرَّدَى من أخٍ مخلصٍ
لو استطعت طرت إليه ارتياحا
وإني على فيح ما بيننا
لأتبع ذاك الشذا حيث فاحا
أحن إليه حنين الفحول
ونوح الحمام إذا هو ناحا
وأسأل عنه هبوب النسيم
وخفق الوميض إذا ما ألاحا
إن شيت عرفان حالي وما
يعانيه جسمي ضنى أو صحاحا
فقلب يذوب إليك اشتياقا
وصدر يفاح إليك انشراحا
وغرس وداد أصاب فضاء
ندياً وصادف أرضاً براحا
كراسخ مجد تأثلته
فلم تخش بعد عليه امتصاحا
وعلياء بوئتها لو بَغَى
سمواً إليها السماك لطاحا
مكارم جمعت أفذاذها
فكانت لعطف علاك وشاحا
ودرس علوم تهيم بها
عمرت الغدو به والرواحا
نشأت عن الخير واعتدته
فلم تدر إلا التقى والصلاحا
وقمت لها أيما رحلة
كسحت المعارف فيها اكتساحا
بهرت رجال الحديث اقتداء
وفت رجال الكمال اقتراحا
فما [إن جليس] إذا قلت قال
أوَ اْنَّ الخطيب إذا لحت لاحا
ولو لم تحج بها مكة
لحج الملايك عنك صراحا
وأما أنا بعد نهي النهى
فما زادني الطبع إلا جماحا
أدير كؤوس هواي اغتباقا
وأشرب ماء دموعي اصطباحا
فبرد جواي برد جواب
توبخ فيه مشي الوقاحا
وهن بنيات فكري وقد
أتينك فاخفض لهن الجناحا
ومن شعره رحمه الله قوله يمدح ذا الوزارتين المتقدم ذكره، ويذكر غفارة وجهها له مع هدية:
كبت العدى إنعامك البغت
فلي الهنا وللعدى الكبت
يا من إلى جدوى أنامله
يزجى للسفين وتزجر البُخْتُ
لولاك لم يوصل بناحية
وخد ولم يقطع بها دَشْتُ
لولاك لم يطلع بها نشر
منه ولم يهبط بها خبت
خولتني ما لم تسعه يدي
فأصابني من كثره غَمْتُ
شتى أياد كلما عظمت
عندي تلكأ خاطري الْهَتُّ
يعيا لساني عن إذاعتها
ويضيق عن شكري لها الوقت
وطأت لي الدنيا فلا عوج
فيما أرى منها ولا أمت
أمكنتني منها فما ليدي
ردء ولا لمقالتي عت
بالغت في بري ولا نسب
أدلي إليك به ولا حسب
لكن حسبي إن متت به
يوما إليك ودادي البحت
بوركت من رجل برؤيته
يُوسَى الضَّنا وِيُعالجُ الغَتُّ
لو سار في بهماء مقفرة
في حيث لا ماء ولا نبت
لتفجر الماء النمير بها
ولأعشبت أرجاؤها المرت
لا تحسبن البخت نيل غنًى
نيل الرضا منه هو البخت
آلت جلالته وحق لها
أن لا يحيط بكنهها نعت
أظهرت دين الله في زمن
ما زال يغلب حقه البهت
شيدته وهددت ممتعضاً
لضياعه ما شيد الجِبْتُ
أمنت أرض المسلمين فلا
ذئب يخاف بهِا ولا لصْتُ
وحفظتها من كل نايبة
تخشى فأنت حفيظها الثبت
ونهجت سبيل المكرمات فما
لمؤمل عن غايه ألْتُ
لم تبق غفلاً من متالعها
إلا وفيه لحاير بُرْتُ
هادن ظغاة الكفر ما هدأت
حتى يجيء نهارها المَحْتُ
دعها تودع في معاقلها
ما لم تعد جفاتها العَفْتُ
كم ذدتها عنا وقد هبرت
لهراشنا أشداقها الهَرْتُ
بوقوف طرفك عند شدته
يبأى ويفخر ملكها الرَّتُّ
ويشكر ما أظهرت من كرم
في ذاك تفصح عجمها المَرْتُ
لك من ممالكها وإن رغمت
ما جال فيه جوادك الحَتُّ
ولكل أصيد من بطارقها
في كلِّ أري له دَعْتُ
لولا لباك البيض ما أرقت
للقايها أفراسنا الكمت
عنده لمن ينتابه مَقَّة
ولمن ينيب لغيره مقت
وَلَوَ اْنَّ بيضك لم تسل لما
ذلت أنوف طغاتها السلت
يا ابن الحكيم أمنت صرف ردى
أبداً له في أثلتي نَحْتُ
وبيمنه أنست من أملي
ما لم يكن يوماً له عَرْتُ
مثنَى الوزارة موئلي وله
ما دمت أملك قدرتي أقْتُ
وببأسه أطفي شرارة من
يعثو وأقدح أنف من يَعْتُ
عم الورى جوداً وفضل غنًى
حتى تساوى العَدُّ والغَلْتُ
وهمّى على عال ومنخفض
لم يبق فوق لا ولا تحت
ظل إذا نصطاف معتدل
عطر الشذا وحياً إذا نَشْتُ
يتضاءل الصبح المنير إذا
لاقى سناه جبينك الصلت
حتى كأن شمس الضحى قمر
وكأن ضوء شعاعها فَخْتُ
وغريبة في لطف صنعتها
يمضي الزمان وما لها أخت
ينأى الندى بها إذا لبست
ويتيه إن طويت بها التخت
زنجية لكن لمحتدها
في الروم يعنو القس والشنت
مثل العروس على منصتها
من شأنها التزيين والزَّتُّ
لأكون أنحل ما أكون هدى
فيها فيعبل جسمي الشخت
وبمثل شيبي فوق حلكتها
يبدو الوقار ويحفظ السمت
تظهريني بلباسها وبه
عندي لها الإيثار ما عشت
لا زلت تؤثرني بها أبداً
ولا تف من يشقَى بذا السلت
وبقيت تدرك ما تريد وما
تهوى بقاء ما له فت
ومن شعره أيضاً في المدح؛ قوله رحمه الله من قصيدة ثبتت في ديوان مجموع من أمداحه منها قوله:
طرقتك وهناً أخت آل علاج
والركب بين دكادك وحراج
في ليلة ليلاء لم ينبح بها
كلب ولم يصرخ أذين دجاج
أنى اهتدت لمضللين توهنوا
منها لهتك دياجر ودياج
متسربلي برد الظلام كأنهم
فيه قداح في رماية ساج
وثقوا بمحمود السرى وتسلموا
لمخارم مجهولة وفجاج
ومنازل درس الرسوم بلاقع
أخوين من هيج ومن هجهاج
محت معالمهن غير مثلم
كسوار تاج أو كدملج عاج
ومواثل مثل الحمام جواثم
ورق وأسمج دائم التشحاج
ومشجج ما زال منهل الحيا
يبكي صداه بدمعه الثجاج
حتى أعاد لعوده أوراقه
خضر الظلال ذكية الآراج
وكسا عراة عراصه من وشيه
حللا تبور صنعة الديباج
لا مثل ليلات [مضين سريعة]
بردت حرارة قلبي المهتاج
أدركت منها في صباي مطالبي
وقضيت منها في شبابي حاج
كم ليلة مرت ولم يشعر بها
غيري وغير منادمي وسراج
بتنا ندير إلى انبلاج صباحها
كأس الهوى صرفاً بغير مزاج
وتدير أعيننا حديث غرامنا
بمرامز من فضها وأحاج
بمآرج النفحات من دارين أو
بمدارج النسمات من دراج
وخلوص ود في نقاء سريرة
كسلاف راح في صفاء زجاج
أمحضته حظي من الزمن الذي
أعيى مراسي أهله وعلاج
واخترت قرب جواره لخلوصه
وتركت كل مماذق مراج
ما في زمانك غيره فاخلص له
غيباً وداهن من أردت وداج
لا تحلفن بغيره واستعفين
بوقاره عن كل غمر ماج
أترك بني الدنيا وأعرض عنهم
فعساك تطعم لذة الإثلاج
نزهت نفسي عنهم بنواله
وحفظتها من جاهه بسياج
أصبحت من آلايه وولايه
في عزة ضحيا وعز داج
ولَوَ اْنَّني عجت الركاب ميمما
أحداً سواه ما حمدت معاج
طلق إذا احتلك الزمان أنار في
ظلمائه كالكوكب الوهاج
طود الرصانة والرزانة والحجا
بحر الندى المتلاطم الأمواج
وغمامه الهامي على آماله
من غير إرعاد ولا إرعاج
وهزبر آجام القنى الضاري إذا
سقطت عواتمها على الأزجاج
ضمن الإله له على أعدايه
ما شاء من ظفر ومن إفلاج
أبقى أبو عبد الإله محمد
ما شاد والده أبو الحجاج
وبنى أبو إسحاق قبل وصنوه
ركنا الضعيف ومعدنا المحتاج
وجرى على آثار أسلاف لهم
درجوا وكلهم على منهاج
ما منهم إلا أعز مبارك
مصباح ليل أو صباح عجاج
بيت بنوه من سراوة حمير
في الذروة العلياء من صنهاج
كم كان في الماضين من أسلافهم
من رب إكليل وصاحب تاج
أساس كل رياسة ورؤس كل
ل سياسة وليوث كل هياج
أعيت نجوم الليل من سهر وما
أعيا أبو موسى من الإدلاج
حتى أصارته لرحمة ربه
يوم العقاب وقيعة الأعلاج
وأقيم نجل أخيه بعد مقامه
فيهم يطاعن مثله ويواج
فردا يلف كتايباً بكتايب
ويكب أفواجا على أفواج
حتى تجلى دجن كل عجاجة
عنهم وأمسك رعد كل ضجاج
من مثل يوسف في قراع كتايب
ولقاء أعداء وخوض لجاج
أو من يشق من الأنام غباره
في رد آراء ونقض حجاج
إن خاض يوماً في بيان حقيقة
أنهى عن الثوري والحلاج
وإذا تكلم في الغريب وضبطه
لم يعبأ بالعتبي والزجاج
أنست قصائد جرول أشعاره
وأرازج العجلي والعجاج
جمع الفصاحة والصباحة والتقى
والجود في وجد وفي إحراج
تخشاه أسد الغاب في أجماتها
والروم في الأسوار والأبراج
إنا بني قحطان لم نخلق لغي
ر غياث ملهوف ومنعة لاج
نُبْري طُلَى ا في وفي الل
أواء سوف نماري الأعراج
بسيوفنا البيض اليمانية التي
طبعت لحز غلاصم ووداج
تأبى لنا الإحجام عن أعداينا
يوم اللقاء طهارة الأمشاج
أنصار [خير العالمين] وحزبه
وحماته في الجحفل الرجراج
وفداته بنفوسهم ونفيسهم
من غدر مغتال وسبة هاج
هم صفوة الخلق التي اختيرت له
وسواهم همج من الأهماج
إلا الألى سبقوا بباهر فضلهم
من ساير الأصحاب والأزواج
وكفى بحكمتنا إقامة حجة
وبركننا من كعبة الحجاج
ولنا مفاخر في القديم شهيرة
كالصبح في وضح وفي إبلاج
منا التبابعة الذين ببابهم
كانت تنيخ جباة كل خراج
ولأمرهم كانت تدين ممالك ال
دنيا بلا قهر ولا إحراج
من يقتدح زنداً فإن زنادهم
في الجود وارية بلا إخراج
أبوابهم مفتوحة لضيوفهم
أبداً بلا قفل ولا مزلاج
ومما اشتهر من شعره قوله:
أرَقَّ عَيْني بارِقٌ مِنْ أَثْاَل
كَأنَّهُ في جُنْحِ لَيْلي ذُبَاْل
أثار شوقاً في ضمير الحشا
وعبرتي في صحن خدي أسال
حكى فؤادي قلقاً واشتعال
وجفن عيني أرقاً وانهمال
[جوانح تلفح نيرانها
وأدمع تنهل مثل العَزال]
قولوا وشاة الحب ما شئتم
ما لذة الحب سوى أن يقال
عِذراً للُوَّامِي ولا عذر لي
فزلة العالم ما إن تقال
قم نطرد الهم بمشمولة
تقصر الليل إذا الليل طال
وعاطها صفراء ذمية
تمنعها الذمة من أن تنال
كالمسك ريحاً واللما مطعما
والتبر لوناً والهوا في اعتدال
عتقها في الدن خمارها
والبكر لا تعرف غير الحجال
لا تُثْقِبِ الْمِصْباحَ لا واسقني
على سنى البرق وضوء الهلال
فالعيش نوم والردى يقظة
والمرء ما بينهما كالخيال
خذها على تَنْغيم مِسْطارها
بين خوابيها وبين الدوال
في روضة باكر وسميها
أخمل دارين وأنسى أوال
كأن فار المسك مَغْبوقَةٌ
فيها إذا هبت صباً أو شمال
من كل ساجي الطرف ألحاظه
مفوقات أبداً للنضال
من عاذري والكل لي عاذل
من حسن الوجه قبيح الفعال
من خلي الوعد كذابه
ليان لا يعرف غير المطال
كأنه الدهر وأي امرئ
يبقى على حال إذا الدهر حال
أما تراني آخذاً ناقضاً
عليه ما سوغني من محال
ولم أكن قط له عائباً
كمثل ما عابته قبلي رجال
يأبى ثراء المال علمي وهل
يجتمع الضدان علم ومال
وتأنف الأرض مقامي بها
حتى تهاداني ظهور الرجال
لولا بنو زيان مَا لَذِ لَّي ال
عَيْش ولا هانت عليّ الليال
هم خوفوا الدهر وهم خففوا
على بني الدَّهر خطاه الثقال
ورثت من عامرهم سيداً
غَمْرَ رداء الحَمْدِ عَمْر النوال
وكعبة للجود منصوبة
يسعى إليها الناس من كل حال
خذها أبا زيان من شاعر
مستملح النزعة عذب المقال
يلتفظ الألفاظ لفظ النَّوَى
وينظم الآلاء نظم اللآل
مجارياً مهيار في قوله
(ما كت لولا طمعي في الخيال)
ومما قال أيضاً، واشتمل ذلك على شيء من نظمه ونثره؛ وهذا الرجل مغرب النزعة، في شفوف نظمه على نثره:
عجباً لها أيذوق طعم وصالها
من ليس يطمأن يمر ببالها
وأنا الفقير إلى تعلة ساعة
منها وتمنعني زكاة جمالها
كم ذا وعن عيني الكرى متأنِّف
يبدو ويخفى في خفي مطالها
يسمو لها بدر الدجا متضايلاً
كتضاءل الحسناء في أسمالها
وابن السبيل يجيء يقبس نارها
ليلاً فتمنحه عقيلة مالها
يعتادني في النوم طيف خيالها
فتصيبني ألحاظها بنبالها
كم ليلة جادت به فكأنما
زُفَّتْ عليّ ذُكاء وقت زوالها
أسْرى فَعِطْرُهَا وَعَطْلُ شُهْبِهَا
يَأْبَى شذا المعطار من معطالها
وسواد طرته كجنح ظلامها
وبياض غرته كضوء هلالها
دعني أشم بالوهم أدنى لمحة
من ثغرها وأشم مسكة خالها
ما راد طرفي في حديقة خدها
إلا لفتنته بحسن دلالها
أنسيب شعري رق مثل نسيمها
فشمول راحك مثل ريح شمالها
وانقل أحاديث الهوى وأشرح غري
بَ لغاتها وأذكر ثقات رجالها
وإذا مررت برامة فتوق من
أطلايها وتمش في أطلالها
وانصب لمغزلها حبالة قانص
ودع الكرى شركا للصيد غزالها
وأسل جداولها بفيض دموعها
وانضح جوانحها بفضل سجالها
أنا من بقية معشر عَرَكَتْهُمُ
هذي النَّوَى عَرْكَ الرَّحَى بثقالها
أكرم بها فئة أريق نجيعها
بغياً فراق العين حسن جمالها
حلت مدامة وصلها وحلت لهم
فإن انتشوا فبحلوها وحلالها
بلغت بهرمس غاية ما نالها
أحد وناء بها لبعد منالها
وَعَدَتْ على سُقْرَاطَ صورة كأسها
فهريق ما في الدن من جريالها
وسَرَتْ إلى فارابَ منها نفحة
قدسية جاءت بنخبةِ آلها
ليصوغ من ألحانه في حانها
ما سوغ القسيس من أرمالها
وتعلقت في سَهْرَوَرْدَ فأسْهَرَتْ
عَيناً يُؤرِّقُهَا طروقُ خيالها
فخبا شهاب الدين لما أشرقت
وخبا فلم يثبت لنور جلالها
ما جن مثل جنونه أحد ولا
سمحت يد بيضاء بمثل نوالها
وبدت على الشُّوذِيِّ منها نفحة
ما لاح منها غير لمعة آلها
بطلت حقيقته وحالت حاله
فيما يعبر عن حقيقته حالها
هذي صبابتهم ترق صبابة
فيروق شاربها صفاء زلالها
إعلم أبا الفضل بن يحيى أنني
من بعدها أجري على آسالها
فإذا رأيت مُوَلِّهاً مثلي فخذ
في عذله إن كنت من عذالها
لا تعجبن لما ترى من شأنها
في حلها إن كان أو ترحالها
فصلاحها بفسادها ونعيمها
بعذابها ورشادها بضلالها
ومن العجايب أن أقيم ببلدة
يوماً وأسلم من أذى جهالها
شغلوا بدنياهم أما شغلتهم
عني فكم ضيعت من أشغالها
حجبوا بجهلهم فإن لاحت لهم
شمس الهدى عشوا بضوء ذبالها
وإن انتسبت فإنني من دوحة
تتقيل الأقيال برد ظلالها
من حِمْيَرٍ من ذي رُعَين من ذُرَى
حَجْرٍ من العظماء من أقيالها
وإذا رجعت لطينتي معنى فما
سَلْسالُهُمْ بأرق من صلصالها
لله درك أي نجل كريمة
ولدته فاس منك بعد حبالها
ولأنت لا عدمتك والد فخرها
وسماك سؤددها وبدر كمالها
أغلظ على من عاث من أنذالها
واخشع لمن تلقاه من أبدالها
والبس بما أوليتها من نعمة
حلل الثناء وجر من أذيالها
خذها أبا الفضل بن يحيى تحفة
جاءتك لم ينسج على منوالها
ما جال في مضمارها شعر ولا
سمحت قريحة شاعر بمثالها
واتل أبا البركات من بركاتها
وادفع محال شكوكه بمحالها
هذه أمتع الله ببقايك، وأسعد بلقايك. وأراها بما تؤمله من شريف اعتنايك، وترجوه من جميل احتفايك، ما تعرف به من احتذايك، وتعترف له ببركة اعتفايك، كريمة الأحياء، وعقيلة الأموات والأحياء، بنت الأذواء والأقيال، ومقصورة الأسرة والحجال؛ بل أسيرة الأساوير والأحجال. على أنها حليفة آلام وأوصاب، وأليفة أشجان وأطراب، صبابة أغراب وصُيَّابة أعراب، جاورت سيف ابن ذي يزن في رأس غُمدان، وجاوزت مسلمة بن مخلد يوم جابية الجولان، وذلقت لسان ابن أخته حسان، فتضاءلت لرقة حده جسوم بني عبد المُدان، وقربه وماشيم من غمده قيد ابن الإطنابة بين يدي النعمان، قربت ببني جفنة مزار جلق، وسعرت لبني تميم نار محلق؛ ومرت على معتاد غالب، فما أنست ناره، وطافت ببيت عبد الله بن دارم، فلم ترض جواره، ولو حلت بفناية، واستحلت ما أحل لها من مبذول حبائه، لاغتفر لها ما جنته ببطن أواره، ولحلت لها حبوتاً مجاشع وزرارة، مزقت على مزيقيا حللاً، وأذهبت يوم حليمة مثلا، وأركبت عنزاً شر يومها يجدع جملا، وناطت بأذن مارية قرطها، وجرت على أثر الكندي مرطها، وقفها بين الدخول فحومل فوقفت، وأنفها يوم دارة جلجل فأنفت منه ومنا ألفت، عقر ناقته وانتهس عبيطها، ودخل خدر عنيزة وأمال غبيطها، وأغرت أبا قابوس بزياد، واسرجت للزبيدي فرس أبي داود، ونافرت بحاتم طيّ كعب إياد، وساورت للمساور بمثل جوده الساير. ولئن بلت الجعفري لبيدا، فلقد استعبدت الأسدي عبيداً، وقطعت به في أثر سليماه الأسدية بيداً، أرته المنية على حربة هندها الملحوب، وما حال قريضه دون جريضه، وأقفر من أهله ملحوب، وما زالت تخبط في شعاب الأنساب، فترشد، وتنشد ضالتها اليمانية، فتنشد:
إن كنت من سيف بن ذي يزن
فانزل بسيف البحر من عدن
وذر الشآم وما بناه به الر
رومي من قصر ومن فدن
تعلف سيل العرم، وترد غسان، وتمهد لها أهضام تبالة، فتقول (مَرْعًى ولا كالسَّعْدان)، تساجل عن سميحة بابن خرام، وتناضل بسمير يوم خزام، وتنسى قاتل ستة آلاف، وكاسي بيت الله الحرام ثلاثة الأفواف، فلو ساجلت بنبعها أبا كرب، وأرته ضراعة خدها الترب، لساجلت به أخضر الجلدة في بيت العرب، ماجداً يملا الدلو إلى عقد الكرب، بل لو حطت بفناء بيتها الحجري رحلها، وساجلت بفناء حدها ذي رعين، لاستوفت سجلها. كم عاذت بسيفها اليزني، فأدركت ذحلها، ولاذت بركنها اليمني فأجزل محلها. ولو استسقت بأوديتها، لأذهبت محلها. كافحت عن دينها الحنيفي، فما كهم حسامها، ونافحت عن نبيها الأمي، فأيدت بروح القدس سهامها. سدت باب الدرب دون بني الأصفر، وشدت لموته ثوب موت أحمر، وما شغلها كسر تاج كسرى عن قرع هامة قيصر. ولقد حلت من سنام نسبها اليعربي باسمك ذروة، وتعلقت من ذمام نبيها العربي بأوثق عروة. تفرد صاحب تيماء بأبلقه الفرد فعز، وتمرد ربُّ دومة الجندل لما كان من مارد في حرز، فما ظنك، أعزك الله، بمن حل من قدسي عقله، بمعقل قدس، يطار إليه فلا يطار، وراد من فردوس أدبه، في جنة لا يضام رايدها ولا يضار. زها بمجاورة الملك فازدهى رؤساء الممالك، وشغف بمجاورة الملك، فاشتغل عن مطالعة المسالك، أيشق غباره، وعلى جبين المرزم مثاره، أو ينتهك ذماره، وقلب الأسد بيته، ودار أخيه أسامة زاره. ولما قضت من أنديتها العربية أوطارها، واستوفت على أشرف منازعها الأدبية أطوارها، وعطرت بنوافح أنفاسها الذكية آثارها، وأطلعت في ظلم أنفاسها الدجوجية كواكبها النيرة وأقمارها، عطفت على معقلتها الشاذليلة فحلت عقالها، وأمر لها فراق الوطن. فلما استمر لها حلالها، استودعت بطنان تبالة آلها، وتركت أهضامها المخصبة وحلالها. أطلت على دارات العرب فحيت أطلالها، ودعت لزيارة أختها اليونانية، أذواء حمير وأقيالها. أطمعتها بلمعية ألمعيتها الأعجمية، ومثلها يطمع، وجاء بها من قدماء الحكماء كل أوحدي الأحوذية، فباتت تخب إليه وتوضع، باحثة عن مركز دارتهم الفيثاغورية؛ آخذة في إصلاح هيئتهم الإنكساغورية، مؤثرة لما تدل عليه دقائق حقائق بقايا علوم مقايسهم البراهانية، وتشير إليه رموز كنوز وصايا علماء نواميسهم الكلدانية، من مأثور تأثير لاهوتية قواهم السيماوية، راغبة فيما يفاض على مادتها الجسمانية، ويطرأ على عاقليتها الهيولانية، من علويات آثار مواهبها الربانية، موافقة لمثلهم المفارقة أفضل موافقة، موافقة لما وافق من شوارد آرايهم الموفقة أحسن موافقة. وتحت هذه الأستار محذرات أسرار أضرَّ بها الإسرار، وطالما نكر معارفها الإنكار، ونقلت من صدور أولئك الصدور، إلى بطون هذه الأوراق، في ظهور فوق دفاتر فلسفيات معاني علومهم الرقاق. وفي تلك المغاني، أبكار معاني، سكن الجوانح والصدور، بدل الأرايك والخدور، ولحن في دياجي ظلم هذه الأحاجي، كأقمار في أطمار، بهرن وما ظهرن، وسطعن وما لمعن، فعشقن وما رمقن، واستملحن وما ملحن. أدرن خمور أجفانهن على ما خوريات ألحانهن، فهيجت البلابل نغم هذه البلابل، واستفرغته الأكياس، مترعات تلك الأكواس. ما سحر بابل، كخمر بابل، ولا منتقى أغانيهن الأوايل، كحمايمكم الهوادل، إن وصلت هديلها بحفيف، وصلن ثقيلهن بخفيف. إيه أيها الشمري المشمعل، دعنا من حديثك المضمحل، سر بنا أيها الفارس النَّدْس، من حظيرة النفس، إلى حضرة القدس، صرح بإطلاق الجمال، وجل من عالميتك الملكوتية في أفسح مجال، تمش بين مقاصر قصورها، ومعاصر خمورها، رخي البال، مرخي السربال، فما ينسج لك على منوال، نادم عليها من شغف دن سقراط، إن استحسنت لها حسان، فما يصلح لك، صالح بن علاط. بت صريع محياها، فقد أوصت بمعالجة عقير معاقرة عقارها بقراط، لا تخش صاحب شرطتها، فلا شرط له عليك ولا اشتراط، مالك غير مبديك الأول، من قال امتثل الأمر، وما عليك من أمر وال. على رسلك ما هذا العجل، لا خطأ تتوقعه ولا خطل، أمكره أنت في هذه الكريهة، أم بطل. لو علم أنك ضبارية هذا الخميس، وخبعثة ذلك الخميس، لما عانى اليمُّ رسيس، شوقاً إليك محمد بن خميس، على أن لا غالب اليوم لأني غالب، ولا طالب يدرك شأو هذا الطالب، فقه بلا تفهيق، وحذق في تحذلق. أقسم أبا الفضل بمالك على أبي البركات من الفضل، ذلك العراقي الأرومة، لا هذا الفارس الجرثومة، وإن يك ذلك، إسرايلي الأصل، وهذا إسمعيلي الجنس، علوي الفضل. فلتلك الذات، شرف تلك الأدوات. قدم لي غالبنا المذكور، من بأسه الغر لأرفع، وأسمى من مقعد، وقوطيهم المشهور، من إغرناطة الحمراء، ومن متبوأ أبي أميتهم المرحوم، من جنات جزيرتهم الخضراء، فيما لنت أبا الفضل من هذه العربجة، وألوك. أرأيت في عمرك، مثل هذا الصعلوك، لا والله ما على ظهر هذه الغبراء، من يتظاهر بمثل هذه المعرفة في بني غبرا. فأي شيء هذا المنزع إيش، لا حال لنا معك ولا عيش، من يضحك على هذا الطيش. ما هذا الخبل، أخمار بك أم ثمل، إرجع إلى ما كنت بصدده، وقيت الزلل، خذ في الجد فما يليق بك الهزل. رق عن ذلك فحك لنا منه أرق غزل، ماذا أقول، وأي عقل يطاوعني على هذا المعقول. أفحمتني والله عن مكالمتكم هذه المحن، ومنعتني من طلب مسالمتكم، ما لكم علي في دنياكم هذه من الإحن. إن تكلمت كلمت، وإذا استعجمت عجمت. أما لهذه العلة آس، أم على هذه الفيلة مواس؛ ما حيلتي في طبع بلدكم الجاسي. أما يلين لضعفي أما يرق قلب زمانكم القاسي. ما هذه الدّمن يا بني خضروات الدّمن، أظهرتم المحن، فقلب لكم ظهر المِجَن. إن مر بكم الولي حمّقتموه، وإن زجركم العالم فجرتم عليه ففسقتموه، وإذا نجم فيكم الحكيم، غصصتم به، فكفرتموه وزندقتموه، كونوا فوضى، فما لكم اليوم مَسْراً سِواه واذهبوا من مراعيكم المستوبلة، حيث شئتم، فقد أهملكم الرعاة. ضيعتم النص والشرائع، وأظهرتم في بدعكم العجايب والبدايع. نفقتم النفاق، وأقمتم سوق الفسوق على ساق. استصغرتم الكباير، وأبحتم الصغاير. أين غنيكم الشاكر، يتفقد فقيركم الصابر، أين عالمكم الماهر، يرشد متعلمكم الحاير. مات العلم بموت العلماء، وحكم الجهل بقطع دابر الحكماء. جرد لنا شريعتك يا أفضل الشارعين. أتم فيها موعظتك يا أفصح التابعين. لا والله [ما يوقظكم] من هذا الوسن، وعظ الحسن، ولا ينقذكم من فتن هذا الزمن، إلا سيف معلمه أبي الحسن والسلام.
قدم غرناطة
في أواخر عام ثلاثة وسبعماية.
وتوفي
في يوم مقتل صاحبه الوزير أبي عبد الله بن الحكيم، فرّ من دهليز جاره فيمن كان بها من الأعلام، بعد أن نهبت ثيابه، حسبما جرى على غيره من الحاضرين، وهو يقول، هكذا تقوم الساعة بغتة. ولقيه بعض قرابة السلطان، ممن كان الوزير قد وتره، فشرع الرمح إليه، فتوسل إليه برسول الله، فلم يقبل منه، وطعنه، فقتله يوم عيد الفطر؛ عام ثمانية وسبعماية، وآخر العهد به، مطرحاً بالعراء، خارج باب الفخارين، لا يعلم قبره، لمكان الهرج في تلك الأيام. نسل الله جميل ستره. وساء بأثر قتله إياه حال [ذلك الرجل] وفسد فكره، وشرد نومه وأصابته علة ردية، فكان يثب المرة بعد الأخرى، يقول: ابن خميس يقتلني، حتى مات لأيام من مقتل المذكور.
محمد بن عمر
ابن علي بن إبراهيم المليكشي؛ يكنى أبا عبد الله.
حاله
كان فاضلا، متخلقاً، أديباً، شاعراً، صوفياً، جميل العشرة، حسن الخلق كريم العهد، طيب النفس. كتب عن الأمراء بإفريقية، ونال حظوة، ثم شرق وحج، ولقي جلة، ووصل الأندلس عام ثمانية عشر وسبعماية، فلقي بغرناطة حفاية، وانسحبت بها عليه جراية، ثم انصرف إلى وطنه، وناله به اعتقال، ثم تخلص من النكبة، وأقام به، يزجى وقته إلى آخر عمره.
وجرى ذكره في الإكليل الزاهر: كاتب الخلافة، ومشعشع الأدب المزري بالسلافة، كان يرحمه الله، بطل مجال، ورب روية وارتجال، قدم على هذه البلاد، وقد نبا به وطنه، وضاق ببعض الحوادث عطنه، فتلوم بها تلوم النسيم بين الخمايل، وحل بها محل الطيف من الوشاح الجايل، ولبث مدة إقامته تحت جراية واسعة، ومبرة يانعة. ثم آثر قطره، فولي وجهه شطره، واستقبله دهره بالإنابة، وقدله خطة الكتابة، واستقامت حاله، وحطت رحاله، وله شعر أنيق، وتصوف وتحقيق، ورحلته إلى الحجاز، سببها في الخبر وثيق، ونسبتها في الصالحات عريق.
شعره
نقلت من خط الوزير أبي بكر بن ذي الوزارتين، مما قيد عنه، وكان خبيراً بحاله:
رضًى نِلتِ من كلِّ ما يَهوَى
فلا توقفني موقف الذل والشكوى
وصفحاُ عن الجاني المسيء لنفسه
كفاه الذي يلقاه من شدة البلوى
بما بيننا من خلوة معنوية
أرق من النجوى وأحلى من السلوى
قفي أتشكى لوعة البين ساعة
ولا يك هذا آخر العهد بالنجوى
قفي [ساعة في] عرصة الدار وانظري
إلى عاشق لا يستفيق من البلوى
وكم قد سألت الريح شوقاً إليكم
فما حنَّ مسراها إليّ ولا ألوى
فيا ريح حتى أنت ممن يغار بي
ويا نجد حتى أنت تهوى الذي أهوى
خلقت ولي قلب جليد على النَّوى
ولكن على فقد الأحبة لا يقوى
وحدث بعض من عُنِيَ بأخباره أيام مقامه بمالقة واستقراره؛ أنه لقي ليلة بباب الملعب في أبوابها ظبية من ظبيات الأنس، [وفتنة من فتن] هذا الجنس؛ فخطب وصالها، واتقى بفؤاده نصالها، حتى همت بالانقياد، وانعطفت انعطاف الغصن المياد، فأبقى على نفسه، وأمسك، وأنف من خلع العذار، بعد ما تنسك، وقال:
لم أنس وقفتنا بباب الملعب
بين الرجا واليأس من متجنب
وعدت فكنت مراقباً لحديثها
يا ذل وقفة خايف مترقب
وتذلَّلَت فذللت بعد تعزُّز
يأتي الغرام بكل أمر معجب
بدوية أبدى الجمال بوجهها
ما شيت من خَدّ شريق مذهب
تدنو وتبعد نفرة وتجنباً
فتكاد تحسبها مهاة الرَّبْرَب
ورنت بلحظ فاتر لك فاتن
أنضى وأمضى من حسام المضرب
وأرتك بابل سحرها بجفونها
فسبت وحق لمثلها أن تستب
وتضاحكت فحكت بنيِّر ثغرها
لمعات نور ضياء برق خُلَّب
بمنظم في عقد سمطي جوهر
عن شبه ثور الأقحوان الأشنب
وتمايلت كالغصن أخضله النَّدَى
ريان من ماء الشبيبة مخصب
تثنيه أرياح الصبابة والصِّبا
فتراه بين مشرق ومغرب
أبت الروادف أن تميل بميله
فرست وجال كأنه في لولب
متتوجاً بهلال وجه لاح في
خلل السجوف لحاجب ومحجب
يا من رأى فيها محباً مغرماً
لم ينقلب إلا بقلب قلب
ما زال مذ ولى يحاول حيلة
تدنية من نيل المنى والمطلب
فأجال نار الفكر حتى أوقدت
في القلب نار تشوق وتلهب
فتلاقت الأرواح قبل جسومها
وكذا البسيط يكون قبل مركب
ومن مقطوعاته البديعة، مما سمع منه بغرناطة، حرسها الله، أيام مقامه بها قوله:
أرى لك يا قلبي بقلبي محبَّة
بعثت بها سرّي إليك رسولا
فقابله بالبشر واقبل عشيَّة
فقد هبَّ مِسْكي للنسيم عليلا
ولا تعتذر بالقطر أو بلل النَّدَى
فأحسن ما يأتي النسيم بليلا
ونقلت من خط الفقيه القاضي أبي جعفر الرعيني، مما أملاه علي بمنزله بغرناطة. قال وحضرت في عام ثلاثة عشر وسبعماية، يوم إحرام الكعبة العلية، وذلك في شهر ذي القعدة على اصطلاحهم في ذلك، وصفته أن يتزين سدنة البيت من شيبة بأحسن زي، ويعمدوا إلى كرسي، يصل فيه صاعده، إلى ثلث الكسوة، ويقطعها من هنالك، ويبقى الثلثان إلى الموسم، وهو يوم مشهود عند سكان الحرم، يحتفل له، ويقوم المنشدون أدراج الكعبة ينشدون. فقلت في ذلك:
ألم ترها قد شمرت تطلب الجدا
وتخبر أن الأمر قد بلغ الحدا
فجد كما جدت إليها وشَمِّرْ
عن الساعد الأقوى تنل عندها سعدا
طوت بردها طي السجل كناية
لأمر خفي سره طوت البردا
وأندت محياها فحيا جماله
وقبل على صون المقلة ذلك الخدا
فكم سترت سود البرود جمالها
وغطته لكن عن سنها الرمدا
وكم خال ذاك الخال عما مقصر
عن العلم بالأنساب لا يعرف الحدا
لقد سفرت عن وجهها الكعبة التي
لها المسنِيُّ في حسنها المبدا
وقالت ألا أين مكللي قصدوا إلى
جمالي فقد أبدى الحجاب الذي أبدا
فلبت لها العشاق من كل جانب
يومونها يستقربون لها البعدا
فمن ندف أشفى على تلف ومن
محب على قرب يهيم بها وجدا
ومن ساهر على النجوم ولم يذق
بعينيه طعم النور أو يبلغ القصدا
يسائل عن بدر وبدر تجاهه
كذلك اشتراك اللفظ قد ينغص الخدا
ومن مستهام لا يقر قراره
كأن به من حر أشواقه وقدا
يقلب قلباً بين جنبيه موريا
أوار الأسى فيه فتحسبه زندا
إذا ما حدى حادي الركاب ركابه
كأن قلوب الراكبين له نجدا
أحاد بها إن أنت جئت بها منى
ونلت المنى والأمن فانزل ورُدْ وردا
ولا خوف هذا الخيف والتربة التي
سرت قد عين المصطفى عدا
وفي عرفات فاعترف وانصرف إلى
مشاعر فيها يرحم المالك العبدا
وإن كنت من أوفى العبيد جرايما
فحسن نبيل العقد من ربك العقدا
لين صدقت فيك الوعيد جرايم
فعفواً لجميل الصفح يصدقك الوعدا
وعد مفضياً للبيت طف واستلم وقم
بها للمقام الرحب واسجد وكن عبدا
ورد في الثنا والحمد والشكر واجتهد
فمن عرف الإحسان زادته حمدا
وعج نحو فرض الحب وأقض حقوقه
وزر قبر من أولاك من هديه رشدا
قال، وكنت في زمن الحداثة، أفضل الأصيل على السحر، وأقول فيه رقة المودع ورقة المعتذر. فلما كان أوان الأسفار، واتصلت ليالي السير، إلى أوقات الأسحار، رأيت أفق الشرق أشرق، ووجدت القايل يفضل السحر أصدق، فابتدأت راكباً، فلما جيت لذكر الجناب العلي النبوي، أتممت ماشياً، وأنا في رملة بين مصر وعقبة إيله، وقلت:
ما أحسن الأفق الشرقي إسفارا
فكم هذا في دجى الإدلاج أسفارا
إذا بدا سارت الأظعان هادية
له وصارت به الظلماء أنوارا
يجلو غياهب ليل طالما سدلت
على المحبين في الظلماء أستار
ونمَّ منه نسيم ثم ذا بعد
على أحاديث كانت ثم أسرارا
سرت سحيراً فبرَّت سرّ ذي سحر
أهدت له ريح من يهواه معطارا
سرت ببانات أكناف اللِّوى فغدت
كأن دارين قد أصبحت دارا
طابت بطيبة أرواح معطرة
بها فأصبح أفق الشوق عطارا
كأنما فلق الإصباح حين بدا
خدر بهجة حسن الشمس قد وارا
حقي بدت وتبدت حسن صورتها
فعممته الأرض أنجاداً وأغوارا
كأنه دعوة المختار حين بدت
دانت لها الخلق إعلاناً وإصرارا
من نوره كل نور أنت تبصره
ونوره زاد الأبصار إبصارا
هدا به الله أقواماً به سعداء
لولاه كانوا مع الكفر كفارا
هو الشفيع الذي قالت شفاعته
للموبقين ألا لا تدخلوا النارا
هو العَفُوُّ عن الجاني وإن عظمت
من المسيء ذنوب كان غفارا
هو الكريم الذي ما ردّ سائله
يوما ولو كرر التسآل تكرارا
هو الحبيب الذي ألقى محبته
في كل قلب فقلبي نحوه طارا
أحبه كل مخلوق وهام به
حتى الجمادات أحجاراً وأشجاراً
وانشق بدر الدجا من نور غرته
وانهلت السحب من كفيه أنهارا
ومن مقطوعاته، قال: ومما نظمته في ليل السرى، وتخيل طيف الكرى، مبدأ قصيد قصدته أي معنى أردته، أشغل عنه ما بي منه:
منع الهجر من سليمى هجوعا
فانثنى طبعها يريد الرجوعا
بعثته ليلا يعلل قلباً
مستهاماً بها محباً ولوعا
لم يجد غير طرف جفن قريح
شاخصا نحوها يذر الدموعا
وكتب إلى صديقه شيخنا أبي بكر بن شبرين من بجاية، وهو معتقل بقصبتها، وقد امتحنه بذلك أبو عبد الله بن سيد الناس:
شرح حالي لمن يريد سؤالي
إنني في اعتقال مولى الموال
مطلق الحمد والثناء عليه
وهو للعطف والجميل مُوال
لا أرى للولاة فيّ احتكاما
ووليٌّ مال على كل وال
أرتجي بالمصاب تكفير ذنبي
حسبما جاء في الصحاح العوال
لا تدوم الدُّنَا ولا الخير فيها
وكذا الشر ذا وذا للزوال
فاغتنم ساعة الوصال وكم من
محنة وهي منحة من نوال
فإذا غبت عنك فاحضر تجدها
للجواب المفيد عن السؤال
فهي نور للنهار والنور منها
وهي الأنس في الليالي الطوال
فاستدمها تدم ولا تضج منها
وأدرها على اليمين ووال
فإن الكأس مجراها على اليمين، ومسراها لفي الصبح المبين، تغني عن الإصباح والمصباح، وتدني لهم معنى النور المشرق في الوجوه الصَّباح، وتجري في الأشباح، فتسري في الأرواح. وهذه الرسالة طويلة، فيها كل بديع من نظم ونثر. فأجابه رحمه الله:
أرغمنّ هذه القيود الثقال
رب ودّ مصيره للتغال
طال صبري على الجديدين حتى
كدت مما لقيت أن يشفقا ل
إن بعض الرضا لديه فسيح
أيّ مدد به وأيّ ابتقال
حاش لله أن أكون لشيء
شاده الصانع القديم بغال
إن عندي من الثناء عليه
لأماني لم يملهنَّ القال
يا إمامي الذي بودي لو أم
كن نصي إليه أوار قال
أرجُ دنياك وأرج مولاك واعلم
أن راجي سواه غير مقال
وابتغاء الثواب من ربك اعمل
فهو يجزي الأعمال بالمثقال
واغتنم غيبة الرقيب ففيها
لقلوب الرجال أي صقال
وأحل في الوجود فكر غَنيّ
عن ضروب الإنعام والأحقال
وإذا الوقت ضاق وسعه بالصب
ر ولا تنس من شهير المقال
ربما تكره النفوس من الأم
ر له فرحة كحل العقال
لا غرو أن وقع توان، أو تلوم دهر ذو ألوان، فالأمر بين الكاف والنون، ومن صبر، لم يبوء بصفقة المغبون. وللسعداء تخصيص، ومع التقريب تمحيص، وما عن القضاء محيص، والمتصرف في ماله غير معتوب، وقديم الحقيقة إلى الحيف ليس بمنسوب. وقد ورد خطاب عمادي أطاب الله محضره، وسدد إلى المرامي العلية نظره، ناطقاً بلسان التفويض، سارحا من الرضا في الفضاء العريض، لايذاً بالانقياد والتسليم، قايماً على أسْكُفَّة باب الأدب، لمثابة حكم الحكيم. ومنها: والوقايع عافاكم الله وعاظ ونحن هجود. وفي الحي إيقاظ، وما كل المعاني تؤديها الألفاظ. وهذا الفناء الذي نشأ عن الوقت، هو إن شاء الله عين البقيا. وإذا أحب الله عبداً حماه الدنيا، وما هي إلا فنون، وجنون فنون، وحديث كله مجون. وقد يجمع الله الشتيتين، ولن يغلب عسر يسرين ولا بأس، ويا خطب لا مساس وأبعد الله اليأس، وإنما يوفي الأجر
الصابرون: و﴿لاَ يَيْأسْ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ﴾.
وهي طويله بديعة. أسمع بحضرة غرناطة لما قدم عليها، وارتسم في جملة الكتاب بها، وحدث عن رضي الدين أبى أحمد إبراهيم الطهري، بسماعه من الشريف يونس ابن يحيى الهاشمي، وبسماعه من أبي الوقت طرّاد. وعن الإمام سراج الدين أبي حفص عمر ابن طرّاد المعري القاضي بالحرم الشريف، وعن شرف الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الحميد الهَمَداني، وعن الإمام بهاء الدين الخميري عن أبى الطاهر السلفي، وعن جماعة غيرهم. وكان وروده على الأندلس في أوايل عام خمسة عشر وسبعماية، وحضر بها غزوات، ولقي من كان بها من الأعلام. ثم انصرف عنها في أوايل عام ثمانية عشر، وأحل بسبتة، فأكرم رييسها أبو عمر يحيى بن أبي طالب العزفي قدومه، وأنزله بدار جليلة، كان بها علو مطل على البحر، لم يتمكن من مفتاحه، لأمر اقتضى ذلك، فكتب إليه:
يا صاحب البلد المليح المشرق
ما مثله في مغرب أو مشرق
ومنها:
وخَفَضْتَ عيشي فيه فارفعْ منزلي
حتى أرى الدنيا بطرف مطرق
وتجول في البلاد، ولقي من بها، واتصل بالأمير أبي علي بسجلماسة. ومدحه بقصيدة حفظ له منها:
فيا يوسفيّ الحسن والصفح والرضا
تصدق على الدنيا بسلطانك العدل
ثم اتصل بوطنه.
وفاته
نقلت من خط شيخنا أبي بكر المذكور: وفي عام أربعين وسبعماية، توفي بتونس صاحبنا الحاج الفاضل المتصوف، الكاتب أبو عبد الله محمد بن علي المليكشي؛ الشهير بابن عمر، صدر في الطلبة والكتاب، شهير ذو تواضع وإيثار، وقبول حسن، رحمه الله.
محمد بن علي
ابن الحسن بن راجح الحسني من أهل تونس؛ يكنى أبا عبد الله.
حاله
هذا الرجل الفاضل، صاحب رواء وأبهة، نظيف البزة، فاره المركب، صدوف عن الملة، مقيم للرسم، مطفف في مكيال الإطراء، جموح في إيجاب الحقوق، مترام إلى أقصى آماد التوغل، سخي اللسان بالثناء ثرثاره، فكه مطبوع، حسن الخلق، عذب الفكاهة، مخصوص حيث حل من الملوك والأمراء بالأثرة، وممن دونهم بالمداخلة والصحبة، ينظم الشعر، ويحاضر بالأبيات، ويتقدم في باب التحسين والتقبيح، ويقوم على تاريخ بلده، ويثابر على لقاء أهل المعرفة، والأخذ عن أولي الرواية. قدم على الأندلس في إحدى جمادين، عام خمسين وسبعماية، مفلتاً من الوقيعة بالسلطان أبي الحسن بالجهات الشرقية، بأيدي بني زيان وأحلافهم، فمهد له سلطانها، رحمه الله، كنف بره، وأواه إلى سعة رعيه، وتأكدت بيني وبينه صحبة.
شعره
كتبت إليه لأول قدومه بما نصه؛ أحذو حذو أبيات، ذكر أن شيخنا أبا محمد الحضرمي خاطبه بها:
أمن جانب الغربي نفحة بارح
سرت منه أرواح الجوى في الجوانح
قدحت بها زند الغرام وإنما
تجافيت في دين السلو لقادح
وما هي إلا نسمة حاجرية
رمى الشوق منها كل قلب بقادح
رجحنا لها من غير شك كأنها
شمايل أخلاق الشريف ابن راجح
فتى هاشم سبقاً إلى كل عليَّة
وصبراً معار الحبل في كل فادح
أصيل العلا جم السيادة ذكره
طراز نضار في برود المدايح
وفرقان مجد يصدع الشك نوره
حبا الله منه كل صدر بشارح
وفارس ميدان البيان إذا انتضى
صحايفه أنست مضاء الصفايح
رقيق كما راقتك نغمة ساجع
وجزل كما راعتك صولة جارح
إذا ما احتبى مستحفزاً في بلاغة
وخيض خضم القول منه بسابح
وقد شرعت في مجمع الحفل نحوه
أسنة حرب للعيون اللوامح
فما ضعضعت منه لصولة صادح
ولا ذهبت منه بحكمة ناصح
تذكرت قساً قايماً في عكاظه
وقد غص بالشم الأنوف الجحاجح
ليهنك شمس الدين ما حزت من علا
خواتمها موصولة بالفواتح
رعى الله ركباً أطلع الصبح مسفراً
لمرآك من فوق الربى والأباطح
ومنها:
أقول لقومي عندما حط كورها
وساعدها السعدان وسط المسارح
ذروها وأرض الله تعرضوا
بمعرض سوء فهي ناقة صالح
إذا ما أردنا القول فيها فمن لنا
بطوع القوافي وانبعاث القرايح
بقيت منى نفس وتحفة رايد
ومورد ظمآن وكعبة مادح
الرحب والبر حيثما
أرحت السرى من كل غاد ورايح
فأجابني بما نصه:
أمن مطلع لأنوار لمحة لامح
[تعار لمفقود] عن الحي نازح
وهل بالمنى من مورد الوصل يرتوي
غليل عليل للتواصل جانح
فيا فيض عين الدمع مالك والحمى
ورند الحمى والشيح شيح المشايح
مرابع آرامي ومورد ناقتي
فسقياً لها سقياً لناقة صالح
سقى الله ذاك الحي ودقاً فإنه
حمى لمحات العين عن لمح سامح
وأبدى لنا حور الخيام تزف في
حلى الحسن والحسنى وحلي الملامح
ترى حي تلك الحور للحور مهيع
يدل وهل حسم لداء التبارح
ويا دوحة الرُّويحان هل لي عودة
لعقر عقار الأنس بين الأباطح
وهل أنت إلا طُلَّةٌ حاتمية
تغص نواديها بغاد ورايح
أقام بها الفخر ابن الخطيب منابراً
لترتيل آيات الندى والمنايح
وشفع بالإنجيل حمد مديحه
وأوتر بالتَّوْراة شفع المدايح
وفرق بالفرقان كل فريقة
نأت عن رشاد فيه معنى النصايح
وهل هو إلا للبرية مرشد
لكل هدى هاد لأرجح راجح
[فبشراك شمس الدين] ساد بك الورى
وأورى الهدى للرشد أوضح واضح
متى قلت لم تترك مقالا لقايل
فإن لم تقل لم يُغْن حمد لمادح
فمن حام بالحي الذي أنت أهله
وعام ببحر من عطايك طافح
يحق له أن يشفع الحمد بالثنا
ويغدو بذاك البحر أسبح سابح
ويا فوز ملك دمت صدر صدوره
وبشرى له قد راح أربح رابح
بآرايك التي تدل على الهدى
وتبدي لمن خصصت سيل المناجح
ملكت خصال السبق في كل غاية
وملكت من ملكت يا بان الجحاجح
مطامح آمال لأشرف همة
أقل مراميها أجل المطامح
فدونكها يا مهدي المدح مدحة
أجبت بها عن مدح أشرف مادح
يهنيك بالعام الذي عمّ حمده
مواهب هاتيك البحار الطوافح
فخذها سَمِيَّ الفخر يا خير مسبل
على الخلق أغضا ستور التسامح
ودم خاطب العليا لها خير خاطب
وأتْوَق توَّاق وأطمح طامح
وتلقاني بمالقة عند قدومي من الرسالة إلى المغرب، في محرم عام ستة وخمسين وسبعماية، ونظم لي هذه الأبيات، ولا حول ولا قوة إلا بالله:
قدومك ذا أبدى لذي الراية الحمرا
ثغور الرضا تعبر عن شنب البشرا
وأينع فجر الرشد من فلق الهدى
وكونه نهرا وفجره فجرا
سرينا له كي يحمد السير والسرى
ونرقب شمش الدين من فرعك الفجرا
ونصبح في أحيان المن نستلم
مواطنكم شفعاً وآثاركم وترا
ونخطب ما يا ابن الخطيب تشا من
كرايم ذاك الحي إذ نهزُّ الشعرا
فقابلت بالإقبال والبر والرضى
وأقريت من يقرا وأقررت من قرّا
فأبنّا قدس الحمد حضرة قدسنا
وأقدامنا تملا وأمداحكم تقرا
هنيا لنا نلنا ونلنا ولم نزل
ننال ولكن هذه المنة الكبرا
رأينا وزير المَلْد والملك واللِّوى
وحزب اللوى كل يشد به أزرا
سجدنا وكبرنا وقلنا رسولنا
أتى بالذي يرضي بشرى لنا بشرا
ويُهني الورى هذا الإياب فإنّ في
نتايجه للدهر ما يسهر الدهرا
أرانا سنا ذا اليوم أجمل منظر
وجلى لنا من وجهك الشمس والبدرا
أما والذي أوليت من نعمة غدت
تعلمنا للمنعم الحمد والشكرا
لأنت لسان الدين للدين حجة
تؤيده سراً وتعضده جهرا
بقيت لنا كتفاً منيعاً مشرفاً
ودمت له عضداً ودمت له نصرا
ودمنا بكم في كل أمن ومنة
ندير المنى خمرا أو نصلي العدا جمرا
ومن أمثل ما مدح به السلطان لأول قدومه بالنسبة إلى غير ذلك من شعره:
أما والعيون النجل ترمق عن سحر
وورد رياض الخد والكأس والخمر
وريحانه والراح والطل والطلا
ونرجسه والزهر والنور والنهر
ونور جبين الشمس في رونق الضحى
وهالة بدر التم منتصف الشهر
لقد قلدت آراء يوسف ملكه
قلايد نصر لن تبيد مع الدهر
وقد أيده الإسلام منه بناصر
نصير وخير النصر نصر بني نصر
هم القوم أنصار النبي محمد وح
زبه وعصبة الأعلام في اليسر والعسر
وحسبك من قوم حموا سيد الورى
وقاموا بنصر الحق في السر والجهر
سقى شرعة الإسلام ودق سيوفهم
رحيق الأماني طيب العرف والنشر
فأصبح روض الرشد يعبق طيبه
ودوح الهدى بالزهر أزهاره تزري
فيا سايلي عنه وعن سطواته
إذ لاح محفوفاً براياته الحمر
وجُزَّ مع الإقدام جيشاً عرمرما
وشرد بالتأييد شرذمة الكفر
لخليلة تنبيك عما وراءها
ولا غرو فالإفصاح يعرف بالعجز
فيا فوز من أدناه بالغنم والغنى
ويا ويل من أقصاه للقفر والفقر
يميناً بما اختارت يداك وأحرزت
من الملك والتأييد والنهي والأمر
لقد أصعدت مجدي مدائحك التي
ومجدك والعليا مدحت بها شعر
وحق لمثلي يشفع الحمد بالثنا
ويتلو معانيه مع الشفع والوتر
فاجني ثمار الأنس من روضة المنى
وأقطف زهير الحمد من شجر الشكر
وأشرب ماء الفوز عذباً ختامه
رحيق براح السمح في أكوس البشر
ولا برحت أمداحكم تعجز النهى
وإلا فكم تنجني من العسر لليسر
ولا زالت الأقدار تخدم رأيكم
وراياتكم ما دام نجم للسرا يسر
وكتب إلي في غرض يظهر منه نص المراجعة، وحسبنا الله:
أما والذي لي في حلاك من الحمد
وما لك ملاكي عليّ من الرِّفْد
لقد أشعرتني النفس أنك معرض
عن المسرف [اللايي لفطرك يستجد]
فإن زلة بدت لك جهرة
فصفحاً فما والله إذ كنت عن عمد
فراجعته بقولي:
أجلك عن عتب يغض من الود
وأكرم وجه العذر منك عن الرد
ولكنني أهدي إليك نصيحتي
وإن كنت قد أهديتها ثم لم تجد
إذا مقول الإنسان جاوز حده
تحولت الأغراض منه إلى الضد
فأصبح منه الجد هزلاً مذمماً
وأصبح منه الهزل في معرض الجد
فما استطعت فيضاً للعنان فإنه
أحق السجايا بالعلا والمجد
وفاته
توفي يوم الخميس الثالث لشعبان عام خمسة وستين وسبعماية، وقد ناهز السبعين سنة، ودفن بروضتنا بباب إلبيرة، وأعفي شارب الشعر من نابي مقصه. وغير هذه الدعوى قرارها تجاوز القضية.
محمد بن علي
ابن عمر العبدري؛ من أهل تونس؛ شاطبي الأصل؛
يكنى أبا عبد الله؛ صاحبنا.
حاله
كان فاضلا من أبناء النعم، وأخلاف العافية، ولي أبوه الحجابة بتونس عن سلطانها برهة، ثم عدا عليه الدهر، واضطر ولده هذا إلى اللحاق بالمشرق، فاتصل به سكناه وحج، وآب إلى هذه البلاد. ظريف النزعة حلو الضريبة، كثير الانطباع، يكتب ويشعر، ويكلف بالأدب، ثم انصرف إلى وطنه. وخاطبني إلى هذا العهد، يعرفني بتقلده خطة العلامة، والحمد لله.
وجرى ذكره في كتاب الإكليل بما نصه: غذيُّ نعمة هامية، وقريع رتبة سامية، صرفت إلى سلفه الوجوه، ولم يبق بإفريقية إلا من يخافه ويرجوه، وبلغ هو مدة ذلك الشرف، الغاية من الترف. ثم قلب الدهر له ظهر المجن، واشتدَّ به الخُمار عند فراغ الدَّنّ، ولحق صاحبنا هذا بالمشرق، بعد خطوب مبيرة، وشدة كبيرة، فامتزج بسكانه وقطانه، ونال من اللذات ما لم ينله في أوطانه؛ واكتسب الشمايل العذاب، وكان كابن الجهم، بعث إلى الرصافة، ليرق فذاب، ثم حوم على وطنه تحويم الطائر، وألم بهذه المدينة إلمام الخيال الزاير، فاغتنمت صفقة ودّه، لحين وروده، وخطبت موالاته على انقباضه وشروده، فحصلت منه على درة تقتنى، وحديقة طيبة الجنى.
شعره
أنشدني في أصحاب له بمصر قاموا ببرّه:
لكل أناس مذهب وسجية
ومذهب أولاد النظام المكارم
إذا كنت فيهم ثاوياً كنت سيداً
وإن غبت عنهم لم تنلك المظالم
أولئك صحبي لا عدمت حياتهم
ولا عدموا السعد الذي هو دايم
أغَنّي بذكراهم وطيب حديثهم
كما غردت فوق الغصون الحمايم
ومن شعره يتشوق إلى تلك الديار، ويتعلل بالتذكار؛ قوله:
أحبتنا بمصر لو رأيتم
بكائي عند أطراف النهار
لكنتم تشفقون لفرط وجدي
وما ألقاه من بعد المزار
ومن شعره:
تَغَنَّى حمام الأيك يوماً بذكرهم
فأطرب حتى كدت من ذكرهم أفنا
فقلت حمام الأيك لا تبك جيرة
ناءوا وانقضت وصلهم عنا
فقال ولم يردد جواباً لسايل
ألا ليتنا كنا جميعاً بذا ألحقنا
ومن جيد شعره الذي أجهد فيه قريحته، قوله يمدح السلطان المعظم أبا الحسن؛ في ميلاد عام سبعة وأربعين وسبعماية:
تقر ملوك الأرض أنك مولاها
وأن الدنا وقف عليك قضاياها
ومنها:
طلعت بأفق الأرض شمساً منيرة
أنار على كل البلاد محياها
حكيت لنا للفاروق حتى كأننا
بعين لا نكذب رؤياها
وسرت على آثاره خير سيرة
قطعنا بأن الله ربك يرضاها
إذا ذكرت سير الملوك بمحفل
ونادى بها النادي وحسن دنياها
فجودك رواها وملكك زانها
وعدلك زاها وذكرك حلاها
وأنت لها كهف حصين ومعقل
تلوذ بها أولى الأمور وأخراها
ومنها بعد كثير:
ومنكم ذوو التيجان والهمم التي
أناف على أعلى السماكين أدناها
إذا غاب منهم مالك قام مالك
مجدد للبيت المقدس علياها
بناها على التقوى وأسس بيتها
أبو يوسف الزاكي وسير مبناها
وأورثها عثمان خير خليفة
وأحلم من ساس الأنام وأنداها
وقام عليّ بعده خير مالك
وخير إمام في الورى راقب الله
علي بن عمر بن يعقوب ذو العلا
مذيق الأعادي حيثما سار بلواها
أدام الله وأعطى الخلافة وقتها
ونور أحلاك الخطوب وجلاها
ووصلني كتاب منه مؤرخ في التاسع عشر من شهر شعبان المكرم؛ من عام أربعة وستين وسبعماية؛ جدد عهدي من شعره بما نصه:
رحلنا فشرقنا وراحوا فغربوا
ففاضت لروعات الفراق عيون
فيا أدمعي منهلة إثر بينهم
كأن جفوني بالدموع عيون
فيا معهداً قد بنت عنه مكلفا
بديلي منه أنة وحنين
سقتك غوادي المزن كرَّ عشية
ودادك محلول النطاق هتون
فإن تكن الأيام لم تقض بيننا
بوصل فما يُقضى فسوف يكون
يعز علينا أن نفارق ربعكم
وأنا على أيدي الخطوب نهون
ولو بلغتني العير عنكم رسالة
وساعد دهر باللقاء ضنين
لكنا على ما تعلمون من الهوى
ولكن لأحداث الزمان فنون
محمد بن يحيى
ابن عبد الله بن محمد بن أحمد العَزَفي من أهل سَبْتة،
أبو القاسم بن أبي زكريا بن أبي طالب
حاله
من أهل الظرف والبراعة، والطبع المعين، والذكاء، رييس سبتة، [وابن رؤسائها] وانتقل إلى غرناطة عند خلعه، وانصرافه عن بلده. أقام بها. تحت رَعْيٍ حسن الرُّوا، مألفاً للظرفاء، وأشتهر بها أدبه، ونظر في الطب، ودون فيه، وبرع في التوشيح. ثم انتقل إلى العدوة، انتقال غبطة وأثَرَة، فاستعمل بها في [خطط نبيهة]، وكتب عن ملوكها. وهو الآن بالحالة الموصوفة.
وجرى ذكره في " الإكليل " بما نصه: فرع تأوّد من الرياسة في دوحة. وتردد بين غدوة في المجد وروحة؛ نشأ والرياسة العزفية، تعله وتنهله؛ والدهر يسير أمله الأقصى ويسهله. حتى اتسقت أسباب سعده، وانتهت إليه رياسة سلفه من بعده. فألقت إليه رحالها وحطت، ومتعته بقربها بعدما شطت. ثم كلح له الدهر بعد ما تبسم، وعاد زعزعاً نسيمه الذي كان يتنسم، وعاق هلاله عن تِمَّه؛ ما كان من تغلب ابن عمه، واستقر بهذه البلاد؛ نائي الدار بحكم الأقدار؛ وإن كان نبيه المكان والمقدار. وجرت عليه جراية واسعة، ورعاية متتابعة؛ وله أدب كالروض باكرته الغمايم، والزهر تفتحت عنه الكمايم، رفع منه راية خافقة، وأقام له سوقاً نافقة. وعلى تدفق أنهاره، وكثرة نظمه واشتهاره؛ فلم أظفر منه إلاّ باليسير التافه بعد انصرافه.
شعره
قال:
أفديك يا ريح الصبا عوجي على تلك الربا
واحد النعامى سحرا ترسل غماما صبا
على ربى غرناطة لكي تقضي ما ربا
ثم اْبْلغي يا ريح عن صب سلاماً طيباً
ومن منظومة أيضاً في بعض القضاة الفاسيَّين؛ وهو من البديع؛ وورَّى فيه ببابين من أبواب المدينة:
[وُلِّيت بفاس أمور القضاءِ
فأحدثت فيها أموراً شنيعة]
فتحت لنفسك باب الفتوح
وعلقت للناس باب الشريعة
فبادر مولى الورى فارس
بعزلك عنها قُبيل الذَّريعة
وقال:
دع عنك قول عواذل ووشاة
وأدر كؤوسك يا أخا اللذات
واخلع عذارك لاهياً في شربها
واقطع زمانك بين هاك وهات
خذها إليك بكف ساقٍ أغيد
لين المعاطف فاتر الحركات
قد قام من ألحاظه إنسانها
مثبتا في فترة اللحظات
يسقيكها حمراء يسطع نورها
في الكأس كالمصباح في المشكات
رقت وراقت في الزجاجة منظراً
لما عدت تجلي على الرحات
لا تمزجنها في الأبارق إنها
تبدو محاسنها لدى الكاسات
عجباً لها كالشمس تغرب في فم
لكن مطالعها من الوجنات
نلنا بها ما نشتهيه من المنى
في جنة تزهى على الجنات
رفت عليها كل طل سجسج
من كل غض يانع الثمرات
ما بين خضر حدايق وخمايل
وجداول تفضي إلى دوحات
سرى النسيم بها يصافح زهره
فيهب وهو مورج النفحات
وشدا لنا فيها مغن شادن
حاز المدا سبقاً إلى الغايات
طربت له القضب اللدن وبادرت
رجعا له تختال في الحبرات
مرت عليه ركعاً لكنها
جعلت تحيتها لدى الركعات
قصرت صلاة الخوف منه فقربت
قربانها وحفته بالزهرات
والعود مثناه يطابق زيها
في ردانات على رنات
إن جس مُثَلِّثُه بان بغنة
في اليَمِّ من ثقيلة النغمات
فكان ما عنت عليه الورق من
ألحانها ألقاه للقينات
عكفت على ألحانها تشدو لنا
خلف الستاير باختلاف لغات
فكأنها عجم تورات بالحجاب
وردَّدت سوراً من التورات
نطقت بأفصح نغمة في شدوها
تتلو علينا هذه الآيات
ومما أنشده ليلة ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إذا لم أطق نحو نجد وصولاً
بعثت الفؤاد إليها رسولاً
وكم حل قلبي رهيناً بها
غداة نوى الركب فيها النزولا
محل بها في الحلال التي
ضحى أصبح القوم فيها حلولا
وكم بت فيها غداة النوى
أسح من العين دمعاً همولا
على شمس حسن سما ناظري
ليها وعني توارت أفولا
وقفت بوادي الغضا ساعة
لعلي أندب فيها الطلولا
وفي البان من أيكه ساجع
يرجع بالقضب منها الهديلا
بحق الهوى يا حمام الحمى
ترفق بقلبي المعنى قليلا
فقد هجت تالله أشواقه
بذكرك إلفاً ثاني أو خليلا
ألم تدر أن ادكاري الهوى
يذيب ويعنى الفؤاد العليلا
رعى الله تلك المطايا التي
إلى الحج وخداً سرت أو ذميلا
ويا عجبا كيف خفت بهم
وحملت القلب حملاً ثقيلاً
وودعني الصبر إذ ودعوا
فما أن وجدت إليه سبيلا
وآثرت يا ويح نفسي المقام
وآثر أهل الوداد الرحيلا
وجادوا رجا الرضى بالنفوس
وكنت بنفسي ضنيناً بخيلاً
ندمت على السير إذ فاتني
ولازمت حزني دهرا طويلا
وفاز المخفون إذا يمموا
منازل آثارها لن تزولا
وحجوا وزاروا نبي الهدى
محمداً الهاشمي الرسولا
وفازوا بإدراك ما أملوا
ونالوا لديه الرضى والقبولا
ولو كنت في عزمهم مثلهم
إذا لانصرفت إليه عجولا
ولكنني أثقلتني الذنوب
وما كنت للثقل منها حمولاً
ركبت مطية جهل الصبا
وكانت أوان التصابي ذلولا
ومالت بي النفس نحو الهوى
وقد وجدتني غراً جهولاً
فطربى لمن حل في طيبةً
وعرس بالسفح منها الحمولا
ونال المنى في منى عندما
نوى بالمنازل منها نزولا
وأصفى الضماير نحو الصفا
يؤمل للوصل فيه الوصولا
وجاء إلى البيت مستبشراً
ليطهر بالأمن فيه دخولا
وطاف ولبى بذاك الحمى
ونال من الحجر قصداً وسولا
بلاد بها حل خير الورى
فطوبى لمن مال فيها الحلولا
نبيّ كريمٌ سما رفعة
وقدراً جليلاً ومجداً أصيلا
وكان لأمته رحمة
بفضل الشفاعة فيهم كفيلا
وكان رؤوفاً رحيماً لهم
عطوفاً شفيعاً عليهم وصولاً
له يفزعون إذا ما رأوا
لدى الحشر خسفاً وأمراً مهولا
وإن جاء في ذنبهم شافعاً
بدا الرحب من ربه والقبولا
له معجزات إذا عدِّدَتْ
تفوت النُّهى وتُكِلُّ العقولا
ولن يبلغ القول معشارها
وإن كان الوصف فيها مطيلا
وقس البيان وسحبانه
يرى ذهنه في مداها كليلا
تخيره الله في خلقه
فكان الخطير لديه المثيلا
ولم ير في الناس ندًّا له
ولا في الخلايق منه بديلا
وأبقى له الحكم في أرضه
فكان الأمين عليها الوكيلا
وكلَّ ظلام وظلم بها
على الفور لمَّا أتى قد أزيلا
وكانت كنار لظى فتنة
فعادت من الأمن ظليلاً
وقد زان حسن الدجا جيله
إذا ذكر الدهر جيلاً فجيلاً
وأيامه غرر قد بدت
بوجه الدنا والليالي حجولاً
رسول كريم إذا جيته
ويممت مغناه تلقى القبولا
بمولده في زمان الربيع
ربيع أتانا يجر الذيولا
فأهلا به الآن من زاير
أتانا بفضل يفوق الفضولا
وقام الإمام به المرتضى
فنال ثواباً وأجراً جزيلا
هو المستعين أبو سالم
مليك ترفع قدراً جليلاً
وحاز من الصيت ذكراً أثيراً
ومن كرم الخيم مجداً أثيلا
سليل عليّ غمام الندى
ألا أيد الله ذاك السليلا
فتًى أوسع الناس من جوده
عطاً جزيلاً وبراً حفيلاً
حلاه الوقار ولاقيه
إذا ارتاح للجود يلفى عجولاً
وقد شاع عنه جميل الثنا
وعم البسيطة عرضاً وطولا
وما مَنَّ بالوعد إلا وَفَى
فلم يك بالوعد يوماً مطولا
ولا في علاه مٍغال لمن
يكثر في الملك قالاً وقيلا
تفرد بالفضل في عصره
وكان بعرف الأيادي كفيلا
أطاعت له حين وافى البلاد
رضى عندما حل فيها حلولا
وجا لطاعته أهلها
سراعاً يرومون فيها الدخولا
فَنَبَّهَ قَدْرَ المُوالي بها
وأكسف فيها المعادي خمولاً
ومهد بالأمن أفكارها
وأمن بالعدل فيها السبيلا
وكف أكف التعدي بها
فلا يظلم الناس فيها فتيلا
وعصر الكروب الذي قد مضى
زمان المسرات منه أديلا
أنانا إلى الغرب في شوكةٍ
بها عاد جمع الأعادي قليلاً
وفوق رؤوس الطغاة انتضى
حساماً ليسمع فيها صليلاً
وجرد من عزمه مرهفاً
لحسم أمور المناوي صقيلا
وكل كفور معاد له
سيأخذه الله أخذاً وبيلا
أعز الخلايق لماِ وَلي
ونوه من كان منهم ذليلا
وراعى لمن جاءه داخلاً
حماه من القاصدين الدخيلا
فكان بأفعاله قصده
إلى منهج الفضل قصداً جميلا
وصح انتعاش المعالي به
وقد كان شخص المعالي عليلاً
وشيد مبنى العلا بالندى
ووثقه خشية أن يميلا
ينيل ويعطي جزيل العطا
فما زال أخرى الليالي منيلا
ودام مدى الدهر في رفعة
تثير من الحاسدين الغليلا
ولا برح السعد في بابه
يُؤمُّ به مربعاً أو مقيلا
محمد المكودي
من أهل فاس؛ يكنى أبا عبد الله
حاله
من " الإكليل ": شاعر لا يتعاطى ميدانه، مرعى بيان وَرِفَ عضله، وأينع سعدانه؛ يدعو الكلام فيهطع لداعيه، ويسعى في اجتلاب المعاني فتنجح مساعيه. غير أنه أفرط في الانهماك، وهوى إلى السَّمكة من أوج السَّماك. وقدم على هذه البلاد مفلتاً من رهق تلمسان؛ حين الحصار؛ صفر اليمين، واليسار من اليسار؛ ملىء هوى أنحى على طريفه وتلاده، وأخرجه من بلاده. ولمّا [جدّ به] البين، وحل هذه البلاد [بحال تقبحها العين] والسيف بهزته، لا بحسن بزتة، دعوته إلى مجلس، أعاره البدر هالته، وخلع عليه الأصيل غلالته، وروض تفتح كمامه، وهمى عليه غمامه، وكأس أنس تدور، فتتلقى نجومها البدور. فلما ذهبت المؤانسة بخجله، وتذكر هواه، ويوم نواه، حتى خفنا حلول أجله، جذبنا للمؤانسة زمامه، واستقينا منها غمامه، فأمتع وأحسب، ونظر ونسب، وتلكم في المسائل، وحضر بِطُرَف الأبيات، وعيون الرسايل؛ حتى نشر الصباح رايته، واطلع النهار آيته. ومما أنشدنا ونسب لنفسه:
غرامي فيك جل عن القياس
وقد أسقيتنيه بكل كاس
ولا أنسى هواك ولو جفاني
عليك أقاربي طرا وناسي
ولا أدري لنفسي من كمال
سوى أنى لعهدك غير ناسِ
وقال في غرض معروف:
بعثت بخمرٍ فيه ماء وإنما
بعثت بما فيه رايحة الخمر
فقل عليه الشكر إذ قل سكرنا
فنحن بلا سكر وأنت بلا شكر
ومما خاطبني به:
رحماك بي فلقد خلدت في خلدي
هوى أكابد منه حرة الكبد
حللت عقد سلوي في فؤادي إذ
حللت منه محل الروح في جسد
مرآك بدري وذكراك التذاذ فمي
ودين حبك أضماري ومعتقدي
ومن جمالك نور لاح في بصري
ومن ودادك، روح حل في خلدي
لا تحسبن فؤادي عنك مصطبر
فقبل حبك كان الصبر طوع يدي
وهاك جسمي قد أودى النحول به
فلو طلبت وجودا منه لم تجد
بما بطرفك من غنج ومن حورٍ
وما بثغرك من در ومن برد
كن بين طرفي وقلبي منصفا فلقد
حابيت بعضهما فاعدل ولا تحد
فقال لي قد جعلت القلب لي وطنا
وقد قضيت على الأجفان بالسهد
وكيف تطلب عدلا والهوى حكم
وحكمه قط لم يعدل على أحد
من لي بأغيد لا يرثي إلى شجن
وليس يعرف ما يلقاه ذو كمد
ما كانت من قبل إذعاني لصولته
إخال أن الرشا يسطو على الأسد
إن جاد بالوعد لم تصدق مواعده
فإن قنعت بزور الوعد لم يعد
شكوته علتي منه فقال الأ
مر للطبيب فما برء الضنى بيدي
فقلت إن شئت برئي أو شفا ألمي
فبارتشاف لماك الكوثري جد
وإن بخلت فلي مولى يجود على
ضعفي ويبرى ما أضنيت من جسد
وخرج إلى المدح فأطال.
المقرئون والعلماء الأصليون منهم
محمد بن أحمد
ابن محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف ابن جزي الكلبي يكنى أبا القاسم من أهل غرناطة وذوي الأصالة والنباهة فيها؛ شيخنا رحمة الله عليه.
أوليته
أصل سلفه من ولمة من حصون البراجلة، نزل بها أولهم عند الفتح صحبة قريبهم أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي، وعند خلع دعوة المرابطين، وكانت لجدهم بجيان رياسة وانفراد بالتدبير.
حاله
كان رحمه الله، على طريقة مثلى من العكوف على العلم. والاقتصاد على الاقتيات من حرّ النَّشب، والاشتغال بالنظر، والتقييد والتدوين فقيها حافظاً، قايماً على التدريس، مشاركاً في فنون من العربية والفقه، والأصول، والقراءات، والحديث، والأدب، حفظةً للتفسير مستوعباً للأقوال، جماعة للكتب، ملوكي الخزانة. حسن المجلس، ممتع المحاضرة، قريب الغور، صحيح الباطن. تقدم خطيباً بالمسجد الأعظم من بلده على حداثة سنة، فاتفق على فضله، وجرى على سنن أصالته.
مشيخته
قرأ على الإستاذ أبى جعفر بن الزبير، وأخذ عنه العربية والفقه والحديث والقرآن. وروى أبي الحسن بن مستقور. وقرأ القرآن على الأستاذ المقري الراوية المكثر أبي عبد الله بن الكماد، ولازم الخطيب أبا عبد الله بن رشيد، وسمع على الشيخ الوزير أبى محمد عبد الله بن أحمد بن المؤذن، وعلى الراوية المسن أبى الوليد الحضرمي. يروي عن سهل بن مالك وطبقته. وروى عن الشيخ الراوية أبى زكريا البرشاني، وعن الراوية الخطيب أبى عبد الله محمد بن محمد بن علي الأنصاري، والقاضي أبى المجد بن أبى علي بن أبى الأحوض، والقاضي أبى عبد الله بن برطال، والشيخ الوزير ابن أبى عامر بن ربيع، والخطيب الولي أبى عبد الله الطنجالي، والأستاذ النظار المتفنن أبى القاسم قاسم بن عبد الله بن الشاط. وألف الكثير في فنون شتى.
تواليفه
منها: كتاب ((وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم))، وكتاب ((الأنوار السنية في الكلمات السُّنية))، وكتاب ((الدعوات والأذكار المخرجة من صحيح الأخبار))، وكتاب ((القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية))، و((التنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية))، وكتاب ((تقريب الوصول إلى علم الأصول))، وكتاب ((النور المبين في قواعد عقايد الدين ))، وكتاب ((المختصر البارع في قراءة نافع))، وكتاب ((أصول القراء الستة غير نافع))، وكتاب ((الفوايد العامة في لحن العامة))، إلى غير ذلك مما قيده في التفسير والقراءات وغير ذلك. وله فهرسة كبيرة. اشتملت على جملة من أهل المشرق والمغرب.
شعره
قال في الأبيات الغينية ذاهباً مذهب الجماعة كأبي العلاء المعري. والرييس أبي المظفر، وأبي الطاهر السلفي، وأبي الحجاج بن الشيخ، وأبي الربيع بن سالم، وأبي علي بن أبي الأحوص، وغيرهم، كلهم نظم في ذلك:
لكل بني الدنيا مراد ومقصد
وإن مرادي صحة وفراغ
لأبلغ في علم الشريعة مبلغاً
يكون به لي للجنان بلاغ
وفي مثل هذا فلينافس أولو النهى
وحسبي من الدنيا الغرور بلاغ
فما الفوز إلا في نعيم مؤبد
به العيش رغد والشراب يساغ
وقال في الجناب النبوي:
أروم امتداح المصطفى ويردني
قصوري عن إدراك تلك المناقب
ومن لي بحصر البحر والبحر زاخر
ومن لي بإحصا الحصى والكواكب
ولو أن إعضائي غدت ألسنا إذا
لما بلغت في المدح بعض مآرب
ولو أن كل العالمين تألفوا
على مدحه لم يبلغوا بعض واجب
فأمسكت عنه هيبة وتأدباً
وخوفاً وإعظاماً لأرفع جانب
ورب سكوت كان فيه بلاغه
ورب كلام فيه عتب لعاتب
وقال رحمه الله مشفقاً من ذنبه:
يا رب إن ذنوبي اليوم قد كثرت
فما أطيق لها حصراً ولا عدداً
وليس لي بعذاب النار من قبل
ولا أطيق لها صبراً ولا جلداً
فانظر إلهي إلى ضعفي ومسكنتي
لا تذيقني حر الجحيم غدا
وقال في مذهب الفخر:
وكم من صفحة كالشمس تبدو
فيسلي حسنها قلب الحزين
غضضت الطرف عن نظري إليها
محافظة على عرضي وديني
وفاته
فقد وهو يشحذ الناس ويحرضهم، ويثبت بصايرهم، يوم الكاينة بطريف، ضحوة يوم الإثنين السابع لجمادى لجمادى الأولى عام أحد وأربعين وسبعماية، تقبل الله شهادته. وعقبه ظاهر بين القضاء والكتابة.
محمد بن أحمد
ابن فتّوح بن شُقْرال اللخمي
شرقي الأصل؛ من سكان غرناطة؛ يكنى أبا عبد الله؛
ويعرف بالطُّرسونى.
حاله
نقلت من خط شيخنا أبي البركات بن الحاج، أمتع الله به كنى نفسه أبا عبد الرحمن، ودعي بها وقتاً، وكوتب بها. وكان له ابن سماه عبد الرحيم، فقلنا له سمه عبد الرحمن؛ ليعضد لك الكنية التي اخترت؛ فأبى. كان هذا الرجل قيماً على النحو والقراءات واللغة، مجيداً في ذلك، محكماً لما يأخذ فيه منه، وكانت لديه مشاركة في الأصلين والمنطق، طمح إليهما بفض نباهته وذكايه، وشعوره بمراتب العلوم، دون شيخ أرشده إلى ذلك. يجمع إلى ما ذكر خطا بارعاً، وظرفاً وفكاهة، وسخا نفس، وجميل مشاركة لأصحابه. بأقصى ما يستطيع. وكان صناع اليدين يرسم بالذهب، ويسفر ويحكم عمل التراكيب الطيبة. وعلى الجملة؛ فالرجل من أجلّ نبلاء عصره، الذين قلّ أمثالهم.
مشيخته
أخذ القراءات عن الشيخ الأستاذ [أبي الحسن] بن أبي العيش، وبه تفقه ببلده ألمراية. وقرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، والخطيب أبي جعفر بن الزيات، والراوية أبي الحسن بن مستقور، والولي أبي عبد الله الطنجالي، وصهره الخطيب أبي تمام غالب بن حسن بن سيدبونه، والخطيب أبي الحسن القيجاطي، والخطيب المحدث أبي عبد الله بن رشيد، وغيرهم.
شعره
من شعره قوله:
إذا قذفت بي حيثما شاءت النوى
ففي كل شعب لي إليك طريق
وإن أنا لم أبصر محياك باسماً
فإنسان عيني في الدموع غريق
فإن لم تصل كفي بكفك وافياً
[فأسمال أحبابي لدي فتوق]
محنته
أحظاه وزير الدولة أبو عبد الله بن المحروق، واختصه، ورتب له بالحمراء جراية، وقلد نظره خزانة الكتب السلطانية. ثم فسد ما بينهما، فاتهمه ببراءات كانت تطرح بمذامه بمسجد البيازين، وترصد ما فيها، فزعم أنه هو الذي طرحها بمحراب المسجد، فقبض عليه واعتقل ثم جلاه إلى إفريقية.
وفاته
ولما بلغته بإفريقية وفاة مُخيفه، كرَّ راجعاً إلى الأندلس؛ فتوفي في طريقه ببونة؛ من بلاد العناب أو بأحوازها في أواخر عام ثلاثين، أو أقرب من الأواخر وسبعماية.
محمد بن جابر
ابن يحيى بن محمد بن ذي النون التغلبي ويعرف بابن الرمالية؛ من أهل غرناطة؛ ويعرف خلفه الآن ببني مرزبة؛
ولهم أصالة وقدم وجدة.
حاله
فقيه، نبيه، نبيل، ذكي، عنده معرفة بالفقه والأدب والعربية، حسن المشاركة والمحاضرة، حاضر الذهن، ذاكر لما قرأه.
مشيخته
روى عن الإمام أبي بكر بن العربي. قال أبو القاسم الملاحي، وحدثني سنة أربع وستماية؛ قال: حدثني الإمام أبو بكر بن العربي رضي الله عنه؛ قال: حدثني محمد بن عبد الملك السبتي؛ قال: خرجت مع أبي الفضل الجزيري؛ مشيعين لقافلة الحاج من بغداد، ومودعين لها من الغد؛ وحين أصبحنا؛ أثيرت الجمال، وفرض الناس الرّحال، ونحن بموضع يعرف بجب عميرة؛ إذا بفتى شاحب اللون، حسن الوجه، يشيع الرواحل؛ راحلة بعد أخرى؛ حتى فنيت، ومشى الحاج؛ وهو يقول في أثناء تردده ونظره إليها:
أحجاج بيت الله في أي هودج
وفي أي بيت من بيوتكم حبي
أأبقى رهين القلب في أرض غربة
وحاديكم يحدو فؤادي مع الركب
فوا أسفا لًم أقض منكم لبانتي
ولم أتمتع بالسلام وبالقرب
وفرق بيني بالرحيل وبينكم
فها أنذا أقضي على إثركم نحبي
يقولون هذا آخر العهد منكم
فقلت وهذا آخر العهد من قلب
قال: فلما كمل الحج المشي؛ وانقطع رجاؤه؛ وجعل يخطو هايماً؛ وهو ينشد؛ ثم رمى بنفسه إلى الأرض وقال:
خل دمع العين ينهمل
بان من تهواه وارتحل
أي دمع صانه كلف
فهو يوم البين ينهمل
قال: ثم مال على الأرض؛ فبادرنا إليه؛ فوجدناه ميتاً؛ فحفرنا له لحداً، وغسَّلناه وكفَّنَّاه في رداء وصلينا عليه. ودفنَّاه.
وفاته
وفاة المترجم به سنة خمسين وستماية.
محمد بن محمد
ابن يبش العبدري من أهل غرناطة؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بابن بيبش.
حاله
كان خيراً، منقبضاً، عفاً، متصاوناً، مشتغلاً بما يعنيه. مضطلعاً بالعربية، عاكفاً عمره على تحقيق اللغة، مشاركاً في الطَّب. متعيشاً من التجارة في الكتب. أثرى منها، وحسنت حاله. وانتقل إلى سكنى سبتة؛ إلى أن حططت بها رسولاً في عام اثنتين وخمسين وسبعماية. فاستدعيته ونقلته إلى بلده؛ فقعد للاقراء به إلى أن توفي.
وجرى ذكره في بعض الموضوعات الأدبية بما نصه: معلم مدرب، مسهل مقرب، له في صنعة العربية باع مديد، وفي هدفها سهم سديد، ومشاركة في الأدب، لا يفارقها تسديد، خاصيُّ المنازع، مختصرها، مرتب الأحوال، مقررها، تميز لأول وقته بالتجارة في الكتب، فسلُّطت عليها منه أرَضَة آكِلة، وسهم أصاب من رَمْيتها شاكلة، أترب بسببها وأثرى، وأغنى جهة، وأفقر أخرى. وانتقل لهذا العهد الأخير إلى سكنى غرناطة؛ مسقط رأسه، ومنبت غرسه؛ وجرت عليه جراية من أحباسها، ووقع عليه قبول من ناسها، وبها تلاحق به الحمام؛ فكان من ترابها البداية وإليه التمام. وله شعر لم يقصر فيه عن المدا، وأدب توشح بالإجادة وارتدى.
مشيخته
قرأ على شيخ الجماعة ببلده أبي جعفر بن الزبير، وعلى الخطيب أبي عبد الله بن رشيد، والوزير أبي محمد بن المؤذن المرادي، والأستاذ عبد الله بن الكماد. وسمع على الوزير المسن أبي محمد عبد المنعم بن سِماك. وقرأ بسبتة على الأستاذ أبي إسحاق الغافقي.
شعره
أنشدني بدار الصناعة السلطانية من سبتة تاسع جمادى الأولى من عام اثنين وخمسين المذكور؛ عند توجهي في غرض الرسالة إلى السلطان ملك المغرب؛ قوله يجيب عن الأبيات المشهورة؛ التي أكثر فيها الناس وهي:
يا ساكنا قلبيَ المُعَنَّى
وليس فيه سواك ثان
لأيِّ مَعْنًى كَسَرْتَ قَلْبي
وما الْتَقَى فيه ساكنان
فقال:
نحلتني طايعاً فؤاداً
فصار إذ حزته مكان
لاغرو إذ كان لي مضافاً
إني على الكسر فيه بان
وقال يخاطب أبا العباس عميد سبتة، أعزه الله؛ وهي مما أنشدنيه في التاريخ المذكور؛ وقد أهدى إليه أقلاماً:
أنا ملك الغر التي سيب جودها
يفيض كفيض المزن بالصيب القطر
أتتني منها تحفة مثل عدها
إذا انتضيت كانت كمرهفة السمر
هي الصفر لكن تعلم البيض أنها
محكمة فيها على النفع والضّر
مهذبة الأوصال ممشوقة كما
تصاغُ سهام الرمي من خالص التِّبر
فقبلتها عشراً ومثلث أنَّني
ظفرت بلثم في أناملك العشر
وأنشدني في التاريخ المذكور؛ في ترتيب حروف الصحاح قوله:
أساجعة بالواديين تَبَوَّئي
ثماراً جنتها حاليات خواضب
دَعي ذكر روضٍ زاره سقي شربه
صباحَ ضُحًى[طيرٌ طما] عصايب
غرام فؤادي قاذف كل ليلة
متى ما نأى وهنا هواه يراقب
ومن مطولاته ما رفعه على يدي السلطان وهو قوله:
ديار خطها مجد قديم
وشاد بناءها شرف صميم
وحل جنابها الأعلى علاً
يقصر عنه رضوى أو شميم
سقى نجداً بها وهضاب نجد
عمادُ ثَرَّةٍ وحياً تميم
ولا عدمت رباه رباب مزن
يغادي روضهن ويستديم
فيصبح زهرها يحكي شذاه
فتيت المسك يذكيه النسيم
وتنثره الصبا فتريك دراً
نثيراً خانه عقد نظيم
وظلت في ظلال الأيك تشدو
مطوقة لها صوت رخيم
ترجع في الغصون فنون سجع
بألحان لها يصبو الحليم
أهيم بملتقى الوادي تجد
وليس سواه في واد أهيم
وكنت صرفت عنه النفس كرها
وما برحت على نجد تحوم
وما ينفك لي ولها نزاع
إلى مغنى به ملك كريم
له بيت سما فوق الثريا
وعز لا يخيم ولا يريم
تبوأ من بني نصر علاها
وأنصِار للنَّبيّ له أروم
أفاض على الوررى نيلاً وعدلاً
سواء فيه مثرٍ أو عديم
ملاذ للملوك إذا ألمت
صروف الدهر أو خطب جسيم
تؤمله فتامن في ذراه
وتدنو من علاه فيستقيم
ويبدو في نَديِّ المُلْكِ بدراً
تحفُّ به الملوك وهم نجوم
بوجه يوسفي الحسن طلق
يضيء بنوره الليل البهيم
وتلقاه للعافاة له ابتسام
ومنه للعدى أخذ للييم
فيا شرف الملوك لك انقطاعي
وإني في محلكم خديم
وآمالي أملت لمليك حتى
وردن على نداك وهن هيم
فللظما ورودك خير ورد
نميرماؤه عذب جميم
ولا أضحى وفي مغناك ظل
ظليل حين تحتدم السموم
ركبت البحر نحوك والمطايا
تسير لها ذميل أو رسيم
وإن علاك إن عطفت بلحظ
عليّ فذلك العز المقيم
فوا أسفي على عمر تقضي
بدارٍ ليس لي فيه حميم
سوى ثمر للفؤاد ذهبت عنه
وبين جوانحي منه كلوم
ودون لقايها عرض الفيافي
ونجدٌ موجه طود عظيم
لعل الله ينعم باجتماع
وينظم شلنا البر الرحيم
بقيت بغبطة وقرار عين
بملك سعده أبدا يدوم
كما دامت حلى الأنصار تتلى
يشيد بذكرها الذكر الحكيم
عليك تحية عطر شذاها
تُعَرِّفُ الرَّوض جادته الغيوم
مولده
بغرناطة في رجب ثمانين وستماية.
وفاته
وتوفي عام ثلاثة وخمسين وسبعماية، ودفن بباب إلبيرة؛ وتبعه من الناس ثناءُ حسن. رحمه الله.
محمد بن محمد
النمري الضرير؛ من أهل غرناطة؛ يكنى أبا عبد الله؛
ويعرف بنسبه
حاله
من عايد الصلة: كان حافظاً للقرآن، طيب النغمة به، طرفاً في ذلك من أهل المشاركة في العلم، واعظاً بليغاً، أستاذا يقوم على العربية قيام تحقيق، ويستحضر الشواهد من كتاب الله، وخطب العرب وأشعارها، بعيد القرين في ذلك، آخذاً في الأدب، حفظة للأناشيد والمطولات، بقية حسنة ممتعة.
مشيخته
قرأ على الأستاذ أبي عبد الله بن الفخار الأركشى وبه تأدب، ولازمه كثيراً، فانتفع به.
شعره
مما صدر به رسالة لزوجه وهو نازح عنها ببعض البلاد. فقال:
سلام كرشف الطل في ميسم الورد
وسيل نسيم الريح بالقضب الملد
سلام كما ارتاح المشوق مبشراً
برويا من يهواه من دون ما وعد
سلام كما يرضي المحب حبيبه
من الجد في الإخلاص والصدق في الوعد
سلام وتكريم وبر ورحمة
بقدر مزيد الشوق أو منتهى الود
على ظبية في الأنس مرتعها الحشا
فتأوى إليه لا لشيح ولا رند
ومن أطلع البدر التمام جبينها
يُرى تحت ليلٍ من دُجَى الشعر مسود
وثغر أقاحٍ زانه سمط لؤلؤ
يجب به المررجان في أحكم النضد
يجول به سلسال راحٍ معتق
حمته ظبا الألحاظ صوناً عن الورد
فلله عينا من رأى بدر أسعد
وروضة أزهار علت غصن القد
وبشرى لصب فاز منها بلمحة
من القرب بشراه بمستكمل السعد
وأضحى هواها كامناً بين أضلعي
كمزن خفي النار في باطن الزند
وراحت فراح الروح إثر رحلها
وودعت صبري حين ودعها كبد
وصارت لي الأيام تبدو ليالياً
وقد كان ليل الوصل صبحاً بها يُبْدِ
فساعاتها كالدهر طولاً وطالما
حكى الدهر ساعات بها قصراً عندي
ومنها:
ترى قلبها هل هام مني بمثل ما
بقلبي من الحب الملازم والوجد
وهل ترعى ذمتي ومودتي
كما أنا أرعاها على القرب والبعد
إليك خطابي والحديث لغايب
كنيت بلفظي عن مغيبك بالعمد
عليك سلامي إنني متشوق
للقياك لي أو من جوابك بالرد
وفاته
توفي بغرناطة تحت جراية من أُمَرايها؛ لاختصاصه بقراءة القرآن على قبورهم؛ في التاسع عشر من شعبان؛ عام ستة وثلاثين وسبعماية.
محمد بن عبد الولي
الرُعيني من أهل غرناطة؛ يكنى أبا عبد الله؛
ويعرف بالعواد
حاله
من " عايد الصلة ": الشيخ المكتب، والأستاذ الصالح سابق الميدان وعلم أعلام القرآن، في إتقان تجويده والمعرفة بطرق روايته، والاضطلاع بفنونه، لا يشق غباره، ولا يتعاطى طلقه، ولا تأتي الأيتام بمثله. تستقصر بين يديه مدارك الأعلام، وتظهر سقطات الأيمة. مهتدياً إلى مكان الحجج على المسايل. مصروف عنان الأشغال إليه، مستنداً إلى نغمةٍ رخيمة، وإتقان غير متكلف، وحفظ غزير. وطلب إلى التصدر للإقراء؛ فأبى لشدة انقباضه. فنبَّهتُ بالباب السلطاني على وجوب نصبه للناس؛ فكان ذلك في شهر شعبان من عام وفاته؛ فانتفع به. وكان أَدْأَبُ الناس على سُنَّة، والزمهم لميقات وِرْد. يجعل جيرانه حركته إلى ذلك ليلاً. ميقاتاً لا يختلف ولا يكذب، في ترحيل الليل. " شديد الطرب " مليح الترتيب، لا تمر به ساعة ضياعاً، إلاّ وقد عمرها بشأن ديني، أو دنياوي، ضروي مما يسوغه الورع، يلازم المكتب، ناصح التعليم، مسوياً بين أبناء النعم وحلفاء الحاجة، شامخ الأنف على أهل الدنيا، تغص السكك عند ترنمه بالقرآن، مساوقاً لتلاوة التجويد، ومباشراً أيام الأخمسة والأثانين العمل في مَوْيل كان له، على طريقة القدماء من الإخشيشان عند المهن ونقل آلة الخدمة، غير مفارق للظرف والخصوصية. ويقرأ أيام الجمعات، كتب الوعظ والرقايق على أهله؛ فيصغي إليه الجيران، عداة لا تختلف. وكان له لكل عمل ثوب، ولكل مهنة زي، ما رأيت أحسن ترتيباً منه. وهو أستاذي وجاري الألصق. لم أتعلم الكتاب العزيز إلاَّ في مكتبه. رحمة الله عليه.
مشيخته
قرأ على بقية المقريين الأستاذ أبى جعر بن الزبير، ولازمه وانتفع به، وعلى الأستاذ أبى جعفر الجزيري الضرير؛ وأخذ عن الخطيب المحدث أبى عبد الله بن رشيد.
مولده
في حدود عام ثمانين وستماية.
وفاته
توفي رحمة الله عليه في.… الموفي ثلاثين لذي قعدة من عام خمسين وسبعماية.
محمد بن علي
ابن أحمد الخولاني؛ يكنى أبا عبد الله؛ أصله من مجلقر؛ ويعرف بابن الفخار وبالبيري؛ شيخنا رحمه الله.
حاله
من "عايد الصلة": أستاذ الجماعة، وعلم الصناعة، وسيبويه العصر، وآخر الطبقة من أهل هذا الفن. كان رحمه الله فاضلاً، تقياً منقبضاً. عاكفاً على العلم، ملازماً للتدريس، إمام الأيمة من غير مدافع مبرزاً أمام أعلام البصريين من النحاة، منتشر الذكر، بعيد الصيت عظيم الشهرة، مستبحر الحفظ، يتفجر بالعربية تفجر البحر، ويسترسل استرسال القَطْر، قد خالطت دمه ولحمه، لا يشكل عليه منها مشكل، ولا يعوزه توجيه، ولا تشذ عنه حجة. جدد بالأندلس ما كان قد درس من لسان العرب، من لدن وفاة أبي علي الشلوبين، مقيم السوق على عهده. وكانت له مشاركة في غير صناعة العربية من قراءات وفقه وعروض، وتفسير. وتقدم خطيباً بالجامع الأعظم، وقعد للتدريس بالمدرسة النصرية، وقل في الأندلس من لم يأخذ عنه من الطلبة. واستعمل في السفارة إلى العدوة، مع مثله من الفقهاء فكانت له حيث حل الشهرة وعليه الازدحام والغاشية، وخرج، ودرب، وأقرأ، وأجاز، لا يأخذ على ذلك أجراً؛ وخصوصاً فيما [دون] البداية إلا الجراية المعروفة، مقتصداً في أحواله، وقوراً، مفرط الطول، نحيفاً، سريع الخطو، قليل الالتفات والتعريج، متوسط الزيّ، متبذلاً في معالجة ما يتملكه بخارج البلد، قليل الدهاء والتصنع، غريب النزعة، جامعاً بين الحرص والقناعة.
مشيخته
قرأ بسبتة على الشيخ الإمام أبي إسحاق الغافقي، ولازمه كثيراً، وأخذ عنه، وأكثر عليه. وقرأ على الإمام الصالح أبي عبد الله بن حريث، والمقري الشريف الفاضل أبي العباس الحسني، والشيخ الأستاذ النظار أبي القاسم بن الشاط. وأخذ عن الخطيب المحدث أبي عبد الله بن رشيد، والقاضي أبي عبد الله بن القرطبي وغيرهم. وهو أستاذي، قرأت عليه القرآن، وكتابي الجمل والإيضاح، وحضرت عليه دولاً من الكتاب، ولازمته مدة، وعاشرته، وتوجه صحبتي في الرسالة إلى المغرب.
وفاته
توفي بغرناطة ليلة الإثنين الثاني عشر من رجب عام أربعة وخمسين وسبعماية. وكانت جنازته حالفة. وخمدت قرايح الآخذين عنه، ممن يدلي دلو أدب. فيأتي بماء أو حَمْأة، على كثرتهم، تقصيراً عن الحق، وقدحاً في نسب الوفاء؛ إلاّ ما كان من بعض من تأخر أخذه عنه. وهو محمد بن عبد الله اللوشي؛ فإنه قال: وعين هذه الأبيات قرارها:
ويوم نعى الناعي شهاب المحامد
تغيرت الدنيا لمصرع واحد
فلا عذر للعينين إن لم تُسايحا
بدمع يحاكي الوبل يشفي لواجد
مضى من بني الفخار أفضل ماجد
جميل المساعي للعلا جد شاهد
طواه الردى ما كل حي يهابه
وما ورده عاراً يشين لوارد
لقد غيبت منه المكارم في الثرى
غداة نوى وانسد باب الفوايد
فيا حاملي أعواده ما علمتم
بسؤدده الجم الكريم المحاتد
ويا حفرة خُطَّتْ له اليوم مضجعاً
سقتك الغوادي الصادقات الرواعد
إلا يا حمام الأيك ساعدني بالبكا
على علم الدنيا وزين المشاهد
على أني لو استطعت الفدا فديته
بأنفس آل من طريف وتالد
محمد ما للنعمى لموتك غضة
توقف ولا ماء الحياة ببارد
وكيف وباب العلم بعدك مغلق
ومورده المتروك بين الموارد
أأستاذنا كنت الرجا لآمل
فأصبحت مهجور الفنا لقاصد
فلا تبعدن شيخ المعارف والحجا
ليس الذي تحت التراب بباعد
لتبك العلوم بعدك شجوها
ويقفر لها ربع العلا والمعاهد
ليبك عليك الجود والدين والتقى
وحسب البكا أن صرت ملحود لاحد
أمولاي من للمشكلات يبينها
فيجلي عمى كل القلوب الشواهد
ومن ذا يحل المقفلات صعابها
ومن ذا الذي يهدي السبيل لحايد
فيا راحلا عنا فزعنا لفقده
لقد أونست منك القبور بوافد
ويا كوكبا غال النهار ضياءه
وشيكاً وهل هذا الزمان بخالد
سأبكيك ما لاحت بروق لشايم
وأرعاك ما كان الغمام بعابد
عليك سلام الله ما دامت الصبا
بغصنٍ في الأراكة مايد
[قلت: العجب من الشيخ ابن الخطيب. كيف قال، وخَمَدَتْ قرايح الآخذين عنه، وهو من أجَلَّ من أخذ عنه، حسبما قرَّره آنفاً؛ بل أخَصُّ من ذلك المعاشرة والسفارة للعدوة. وهو مع ذلك أقدرهم على هذا الشأن، وأسخاهم قريحة في هذا الميدان؛ وإن أتى غيره بماء أو حمأة؛ أتى هو بالبحر الذي لا ساحل له. ولعمري لو قام هو بما يجب من ذلك؛ لزال القدح في نسب وفاء الغير؛ فعين ما نسبه من التقصير عن الحق في ذلك، متوجه عليه، ولاحق له، ولا يبعد عنده أن يكون وقع بينهما ما أوجب إعراضه؛ مما يقع في الأزمان؛ ولا سيما بين أهل هذا الشأن؛ فيكون ذلك سبباً في إعراض الغير مشياً في غرضه، ومساعدة له. والله أعلم بحقيقة ذلك كله.]
محمد بن علي
ابن محمد البلنسي؛ من أهل غرناطة؛ يكنى أبا عبد الله
حاله
طالب هش، حسن اللقاء عفيف النشأة، مكب على العلم، حريص على استفادته، مع زمانةٍ أصابت يمنى يديه؛ نفعه الله. قيد بأختها وانتسخ، قايم على العربية والبيان، ذاكر الكثير من المسائل، حافظ متقن، على نزعة عربية، من التجاذع في المشي، وقلة الالتفات إلا بجملته، وجَهْوَرِيَّة الصَّوت، متحل بسذاجة، حسن الإلقاء والتقرير، متَّ للمتغلب على الدولة بضنّ، أفاده جاها واستعمالاً في خطة السوق، ثم اصطناعاً في الرسالة إلى ملك المغرب، جرّ عليه آخراً النكبة، وقاد المحنة، فأرصد له السلطان أبو عبد الله في أخرياتها، رجالاً بعثهم في رُنْدة، فأسروه في طريقه، وقدموا به سليباً؛ قدوم الشهرة والمثلة، موقناً بالقتل. ثم عطف عليه حنيناً إلى حسن تلاوته في محبسه ليلاً، فانتاشه لذلك من هفوة بعيدة ونكبة مبيرة. ولما عاد لمكله، أعاده للإقراء.
مشيخته
جل انتفاعه بشيخ الجماعة أبي عبد الله بن الفخار؛ لازمه وانتفع به، وأعاد دول تدريسه، وقرأ على غيره. وألف كتاباً في تفسير القرآن، متعدد الأسفار، واستدرك على السهيلي في أعلام القرآن كتاباً نبيلاً، رفعه على يَدِيّ للسلطان. وهو من فضلاء جنسه، أعانه الله وسدده.
محمد بن سعد
ابن محمد بن لُب بن حسن بن حسن بن عبد الرحمن بن بقيَّ؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف باسم جَدّه
أوليته
كان القاضي العدل أبو عبد الله بن هشام، قاضي الجماعة بالأندلس يجلُّ سلفه، وبنسبه إلى بَقيَّ بن مخلد، قاضي بالخلافة بقرطبة. وابن هشام ممن يحتج به.
حاله
هذا الرجل فاضل، حسن الخلق، جميل العشرة كريم الصحبة، مبذول المشاركة، معروف الذكاء والعفة، مبسوط الكنف، مع الانقباض، فكه مع الحشمة، تسع الطوائف أكناف خلفه، ويعم المتضادين رحب ذرعه. طالب محصل. حصيف العقل، حسن المشاركة في فنون، من فقه وقراءات ونحو وغير ذلك. تلكم للناس بجامع الرَّبض ثم بمسجد البكري المجاور للزاوية والتربة اللَّتَيْن أقمتهما بأخشارش من داخل الحضرة وحلق به لتعليم العلم، فأنثال عليه المتعلم والمستفيد والسامع، لإجادة بيانه، وحسن تفهيمه.
مشيخته
قرأ القرآن بحرْف نافع، على أبيه، وعلى الشيخ الخطيب المكتب أبي عبد الله بن طرفة، والخطيب أبي عبد الله بن عامور. وقرأ العربية على إمام الجماعة الأستاذ أبي عبد الله بن الفخار، وجوَّد عليه القرآن، بالقراءات السبع، وقرأ على الأستاذ أبي سعيد بن لب.
شعره
أنشدني من ذلك قوله بعد الانصراف من مواراة جنازة:
كم أرى مدمن لهو ودعه
لست أخلي ساعة من تبعه
كان لي عذر لدى عهد الصبا
وأنا آمل في العمر سعه
أو ما يوقظنا من كلنا
أنفاً لقبره قد شيعه
سيما وقد بدا في مفرقي
ما إخال الموت قد جاء معه
فدعوني ساعة أبكي على
عمر أمسيت ممن ضيعه
ومن شعره في النوم؛ وهو كثير ما يطرقه:
أباد البين أجناد التلاقي
وحالت بيننا خيل الفراق
فجودوا وارحموا وارثوا ورقوا
على من جفنه سكب المآقي
ومن ذلك ما أنشد في النوم على لسان رجل من أصحابه:
يا صاحبيّ قفا المطايا
واشفقاً فالعبيد عبده
إذا انتهى وانقضى زمان
[هل يرسل] الله من يرده
مولده
في الثاني عشر لصفر من عام اثنين وعشرين وسبعماية.
محمد بن سعيد
ابن علي بن يوسف الأنصاري من أهل غرناطة؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بالطراز
حاله
من صلة ابن الزبير: كان رحمه الله مقرياً جليلاً، ومحدثاً حافلاً، به ختم بالمغرب هذا الباب البتة. وكان ضابطاً متقناً، ومقيداً حافلاً، بارع الخط، حسن الوراقة، عارفاً بالأسانيد والطرق والرجال، وطبقاتهم، مقرياً عارفاً بالأسانيد والقراءات، ماهراً في صناعة التجويد، مشاركاً في علم العربية والفقه والأصول وغير ذلك، كاتباً نبيلاً، مجموعاً فاضلاً متخلقاً، ثقة فيما روى، عدلاً ممن يرجع إليه فيما قيد وضبط، لإتقانه وحذقه. كتب بخطه كثيراً، وترك أمهات حديثية، اعتمدها الناس بعده، وعولوا عليها. وتجرد آخر عمره، إلى كتاب ((مشارق الأنوار)) تأليف القاضي أبي الفضل عياض، وكان قد تركه في مبيضة، في أنهى درجات النسخ والإدماج والإشكال، وإهمال الحروف حتى اخترمت منفعتها، حتى استوفى ما نقل منه المؤلف، وجمع عليها أصولاً حافلة، وأمهات جامعة، من الأغربة وكتب اللغة، فتخلص الكتاب على أتم وجه وأحسنه، وكمل من غير أن يسقط منه حرف ولا كلمة. والكتاب في ذاته لم يؤلف مثله.
مشيخته
روى عن القاضي أبي القاسم بن سمحون والقاضي ابن الطباع، [وعن أبي جعفر شراحيل وأبي عبد الله بن صاحب الأحكام والمتكلم، وأبي محمد بن عبد الصمد بن أبي رجا]، وأبي القاسم الملاحى، وأبي محمد الكواب وغيرهم، [أخذ عن هؤلاء كلهم ببلده]، وبقرطبة عن جماعة، وبمالقة كذلك، وبسبتة. وبإشبيلية عن أبي بالحسن بن زرقون، وابن عبد النور. وبفاس، وبمرسية عن جماعة.
قلت: هذه الترجمعة في الأصل المختصر منه هذا طويله، واختصرتها لطولها.
وفاته
توفي بغرناطة ثالث شوال عام خمسة وأربعين وستماية، وكانت جنازته من أحفل جنازة، إذ كان الله قد وضع له ودا في قلوب المؤمنين.
محمد بن يوسف
ابن علي بن يوسف بن حيان النفزي من أهل غرناطة؛
يكنى أبا حيان؛ ويلقب من الألقاب المشرقية بأثير الدين
حاله
كان نسيج وحده في ثقوب الذهن، وصحة الإدراك والحفظ والاضطلاع بعلم العربية، والتفسير وطريق الرواية، إمام النحاة في زمانه غير مدافع نشأ ببلده غرناطة، مشاراً إليه في التبريز بميدان الإدراك، وتغيير السوابق في مضمار التحصيل. ونالته نَبْوَة لحق بسببها بالمشرق، واستقر بمصر، فنال ما شاء من عز وشهرة، وتأثلٍ وبرّ وحظوة، وأضحى لمن حل بساحته من المغاربة، ملجأً وعدة. وكان شديد البسط، مهيباً، جهورياً، مع الدعابة والغزل، وطرح السمت، شاعراً مكثراً، مليح الحديث، لا يمل وإن أطال، وأسَنَّ جداً، وانتفع به. قال بعض أصحابنا، دخلت عليه، وهو يتوضأ وقد استقر على إحدى رجليه لغسل الأخرى، كما تفعل البرك والأوز؛ فقال لو كنت اليوم جار شُلَيْر ما تركني لهذا العمل في هذا السَّنَّ.
مشيخته
قرأ ببلده على الأستاذ حايز الرياسة أبي جعفر بن الزبير ولازمه، وانتسب إليه، وانتفع به، وشاد له بالمشرق ذكراً كبيراً. ويقال إنه نادى في الناس عندما بلغه نعيه، وصلى عليه بالقاهرة، وله إليه مخاطبات أدبية اختصرتها، وعلى الأستاذ الخطيب أبي جعفر علي بن محمد الرعيني الطباع، والخطيب الصالح ولي الله أبي الحسن فضل بن محمد بن علي بن إبراهيم بن فضيلة المعافري. وروى عن القاضي المحدث أبي علي الحسين بن عبد العزيز بن أبي الأحواض الفهري، والمكتب أبي سهل اليسر بن عبد الله ابن محمد بن خلف بن اليسر القشيري، والأستاذ أبي الحسن بن الصايغ، والأديب الكاتب أبي محمد عبد الله ابن هارون الطائي بتونس، وعلى المسند صفي الدين أبي محمد عبد الوهاب بن حسن بن إسماعيل بن مظفر بن الفرات الحسني بالإسكندرية، والمسند الأصولي وجيه الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عمران الأنصاري بالثغر، والمحدث نجيب الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن المؤيد الهمداني بالقاهرة، وغيرهم ممن يشق إحصارهم: كالإمام بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر بن النحاس الشافعي. قرأ عليه جميع كتاب سيبويه في سنة ثمان وثمانين وستماية، وقال له عند ختمه، لم يقرأه على أحد غيره.
تواليفه
وتواليفه كثيرة، منها شرحه كتاب "تسهيل الفوايد لابن مالك؛ وهو بديع، وقد وقفت على بعضه بغرناطة في عام سبعة وخمسين وسبعماية. وكتابه في تفسير الكتاب العزيز، وهو المسمى ب"البحر المحيط" تسمية زعموا موافقة للغرض. وألف كتاباً في نحو اللَّسان التُّرْكي، حدثنا عنه الجملة الكثيرة من أصحابنا، كالحاج أبي يزيد خالد ابن عيسى، والمقري الخطيب أبي جعفر الشقوري، والشريف أبي عبد الله بن راجح، وشيخنا الخطيب أبي عبد بن مرزوق. وقال حدثنا شيخنا أثير الدين في الجملة سنة خمس وثلاثين وسبعمائة بالمدرسة الصالحية بين القصرين بمنزله منها: قال حدثنا الأستاذ العلامة المتفنن أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير، سماعاً من لفظه، وكتباً من خطه بغرناطة، عن الكاتب أبي إسحاق ابن عامر الهمداني الطوسي بفتح الطاء، حدثنا أبو عبد الله بن محمد العنسي القرطبي، وهو آخر من حدث عنه، أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد الحافظ الجياني؛ نا حكم بن محمد، (أنا) أبو بكر بن المهندس، (نا) عبد الله ابن محمد، (نا) طالوت بن عياد بن بصال بن جعفر: سمعت أبا إمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أكفلوا لي [بيت أهل] لكم في في الجنة، إذا حدث أحدكم بلا كذب، وإذا ايتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف. غضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم)). وقال: أنشدنا الخطيب أبو أبو جعفر الطبَّاع. قال: أنشدنا ابن خلفون. قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن سعيد. قال: أنشدنا أبو عمران موسى بن أبي تليد لنفسه:
حالي مع الدهر في تقلبه
كطاير ضمّ رجله الشرك
فهمه في خلاص مهجته
يروم تخليصها فيشتبك
ومن مُلَحِه: قال: قدم علينا الشيخ المحدث أبو العلاء محمد بن أبي بكر البخاري الفرضي بالقاهرة في طلب الحديث. وكان رجلاً حسناً طيب الأخلاق، لطيف المزاج، فكُنَّا نسايره في طلب الحديث، فإذا رأى صورة حسنة، قال هذا حديث على شرط البخاري؛ فنظمت هذه الأبيات:
بدا كهلال العيد وقت طلوعه
وماس كغصن الخيزران المنعم
غزال رخيم الدَّلِّ وافى مواصلا
موافقة منه على رغم لوم
مليح غريب الحسن أصبح معلماً
بخمرة خد بالمحاسن معلم
وقالوا على شرط البخاري قد أتى
فقلنا على شرط البخاري ومسلم
فقال مولاي أنا البخاري فمن مسلِم
فقلت له أنت البخاري وأنا مسلم
محنته
حملته حدة الشبيبة على [التعريض للأستاذ] أبي جعفر الطباع، وقد وقعت بينه وبين أستاذه ابن الزبير الوحشة فنال منه، وتصدى للتأليف في الرد عليه، وتكذيب روايته، فرفع أمره إلى السلطان، فامتعض له، ونفذ الأمر بتنكيله، فاختفى، ثم أجاز البحر مختفياً، ولحق بالمشرق يلتفت خلفه.
شعره
وشعره كثير بحيث يتصف بالإجادة وضدها. فمن مطولاته رحمه الله قوله:
لا تعذلاه فما ذو الحب معذول
العقل مختبل والقلب متبول
هزت له أسمراً من خوط قامتها
فما انثنى للصب إلا وهو مقتول
جميلة فصل الحسن البيديع لها
فكم لها جمل منه وتفصيل
فالنحر مرمره والنشر عنبره
والثغر جوهره والريق معسول
والطرف ذو غنجٍ والعرف ذو أرج
والخصر مختطف والعنق مجدول
هيفاء ينبس في الخصر الوشاح لها
ردماً تخرس في الساق الخلاخيل
من اللواتي غذاهن النعيم فما
يشقين آباؤها الصِّيد البهاليل
نزر الكلام غميات الجواب إذا
يسلن بعد الصحا حصر مكاسيل
من حليها وسناها مونس وهدى
فليس يلحقها ذعر وتضليل
حلت بمنعقد الزوراء زارة
شوسا غيارى فعقد الصبر محلول
فعد عن ذكر ليلى إن ذكرها
على التنايي لتعذيب وتعليل
أتاك منك نذير فأنذرن به
وبادر التوب إن التوب مقبول
وآمل العفر واسلك مهمها
قدفا إلى رضى الله إن العفو مأمول
إن الجهاد وحج البيت مختتما
بزورة المصطفى للعفو تأميل
فشق حيزوم هذا الليل ممتطياً
أخا خرام به قد يبلغ السؤل
أقب أعوج يعزى للوجيه له
وجه أغر وفي الرجلين تحجيل
جفْرٌ حوافره معْرٌ قوايمه
ضمر أياطله وللذيل عُثْكول
إذا توجه أصغى وهو ملتفت
ساعر اعتقا فيهن تأليل
إن تعارض به هوجا هاج له
جَرْيٌ يرى البرق عنه وهو مخذول
يحمي حوزة الإسلام ملتقياً
كتايبا غص منها العرض والطول
كتايباً قد عموا عن كل واضحةٍ
من الكتاب وغرتهم أباطيل
في رماقط ضرب الموت الزؤام به
سرادقاً فعليهم منه تخييل
هيجا يشرف فيها المشرفي على
هام العدو ويصحب النقع تظليل
تدير كاس شَعُوب في شعوبهم
فكلهم منهل بالموت معلول
إذا قضيت غزاة فالتفت عملا
للحج فالحج للإسلام تكميل
واصل بسرّ يابن أندلس
والطرف أدهم بالأشطان مغلول
يلاطم الريح منه أبيض نفق له
من السحب المزبد إكليل
يعلو حضارة منه شامخ جلل
سام طفا وهو بالنكباء محمول
كأنما هو في طخيا لجته أيم
يعرو أديم السيل شمليل
مازالت الموج تعليه وتخفضه
حتى بدا من منار الثغر قنديل
وكبر الناس أعلاه الرنيم
وكلهم طرفه بالشهد مكحول
وصافحوا البيد بعد اليم وابتدروا
سبلا بها لجناب الله توصيل
على نجائب تتلوه أجنابها
خيل بها الخير معقود ومعقول
في موكب تزحف الأرض الفضاء به
أضحت وموحشها بالناس مأمول
يطارد الوحش منه فيلق لجب
حتى لقد ذعرت في بيدها الغول
سيوفهم طرب نحو الحجاز فهم
ذوو ارتياح على أوكارها ميل
شعث رؤوسهم يبس شفاههم
خوص عيونهم غرب مهازيل
حتى إذا لاح من بيت الإله لهم
نور إذا هم على الغبرا أراحيل
يعفرون وجوها طالما سمت
باكين حتى أديم الأرض مبلول
حفوا بكعبة مولاهم فكعبهم
عال بها لهم طوف وتقبيل
وبالصفا وقتهم صاف بسعيهم
وفي منى لمناهم كان تنويل
تعرفوا عرفات واقفين بها
لهم إلى الله تكبير وتهليل
لما قضينا من الغراء منسكنا
ثرنا وكل بنار الشوق مشمول
شدنا على الشد قميات التي سكنت
أبدانهن وأفناهن تنقيل
إلى الرسول تزجى كل تعلمة
أجل من نجوة تجزي المراسيل
من أنزلت فيه آيات مطهرة
وأورثت فيه تورته وإنجيل
وعطرت من شذاه كل ناحية
كأنما المسك في الأرجاء محلول
سر من العالم العلوي ضمنه
جسم من الجوهرالأرضي محمول
نور تمثل في أبصارنا بشرا
على الملائك من سمياه تمثيل
لقد تسامى وجبريل مصاميه
إلى مقام راخى فيه جبريل
أوحى إليه الذي أوحاه من كثب
فالقلب واع بسر الله مشغول
يتلو كتابا من الرحمن جاء به
مطهرا ظاهر منه وتأويل
جار على منهج الأعراب أعجزهم
باق مع الدهر لا يأتيه تبديل
بلاغة عندها كعَّ البليغ فلم
ينطق وفي هديه صاحت أضاليل
ومنها:
وطولبوا أن يجيبوا حين رابهم
بسورة مثله فاستعجز القيل
لاذوا بذوبان خَطِّيِّ وبترُ ظبا
يوم الوغا واعتراهم منه تنكيل
فمونف في جبال الوهد منحدر
وموثق في حبال الغد مكبول
مازال بالعضب هتاكاً سوابغهم
حتى انثنى العصب منهم وهو مفلول
وقد تحطم في نحر العدا قصد
أصم الوشج وخانتها العواميل
من لايعدّله القرآن كان له
من الصفاد وبيض البتر تعديل
وكم له معجزاً غير القرآن أتى
فيه من الحق منقول ومعقول
فللرسول انشقاق البدر نشهده
كما لموسى انفلاق البحر منقول
ونبع ماء فرات من أنامله
كالعين ثرت فجا الهتان ماء النيل
رووا الخميس وهم زهاء سبع ميٍّ
مع الركاب فمشروب ومحمول
وميُّ عين بكف جاء يحملها
قتادة وله شكوى وتعويل
فكانت أحسن عينيه ولا عجب
مست أناميل فيها اليمن مجعول
والجذع حنّ إليه حين فارقه
حنين ولهى لها للروم مثكول
وأشيع الكثر من قل الطعام ولم
يكن ليعوزه بالكثر تقليل
وفي جراب لي هن عجائب كم
يمتار منه فمبذول ومأكول
وفي ارتواء لي ذر بزمزم ما
يكفي تبدن منه وهو مهزول
والعنكبوت بباب الغار قد نسجت
حتى كأن رداءً منه مسدول
وفرخت في حماه الورق ساجعة
تبكي وما دمعها في الخد مطول
هذا وكم معجزات للرسول أتت
لها من الله أمداد وتأصيل
غدت من الكثر أعداد النجوم فما
يحصي لها عدداً كتب ولاقيل
قد انقضت معجزات الرسل منذ قضوا
نحباً وأعجم منها ذلك الجيل
ومعجزات رسول الله باقية
محفوظة مالها في الدهر تحويل
تكفل الله هذا الذكر يحفظه
وهل يضيع الذي بالله مكفول
هذي المفاخر لايحظى الملوك بها
الملك منقطع والوحي موصول
ومن مطولاته في غرض يظهر منها:
هو العلم لا كالعلم شىء تراوده
لقد فاز باغيه وأنجح قاصده
وما فضل الإنسان إلا بعلمه
وما امتاز إلا ثاقب الذهن واقده
وقد قصرت أعمارنا وعلومنا
يطول علينا حصرها ونكابده
وفي كلها خير ولكن أصلها
هو النحو فاحذر من جهول يعانده
به يعرف القرآن والسنة التي
هما أصل دين الله ذو أنت عابده
وناهيك من علم علي مشيد
مبانيه أعزز بالذي هو شايده
لقد حاز في الدنيا فخاراً وسؤدداً
أبو الأسود الديلي فللجر سانده
هو استنبط العلم الذي جل قدره
وطار به للعرب ذكر نعاوده
وساد عطا نجله ابن هرمز
ويحيى ونصر ثم ميمون ماهده
وعنبسة قد كان أبرع صحبه
فقد قلدت جيد المعالي قلائده
ومازال هذا العلم تنميه سادة
جهابذة تبلى به وتعاضده
إلى أن أتى الدهر العقيم بواحد
من الأزد تنميه إليه فرايده
إمام الورى ذاك الخليل بن أحمد
أقر له بالسبق في العلم حاسده
وبالبصرة الغرا قد لاح فجره
فنارت أدانيه وضاءت أباعده
يا ذكي الورى ذهناً وأصدق لهجة
إذا ظن أمراً قلت ما هو شاهده
وما أن يروي بل جميع علومه
بداية أعيت كل حبرٍ تجالده
هو الواضع الثاني الذي فاق أولا
ولا ثالث في الناس تصمى قواصده
فقد كان ربانيَّ أهل زمانه
صُوَّمٌ قُوَّمٌ راكع الليل ساجده
يقيم منه دهره في مثوبة
وثوقاً بأن الله حقاً مواعده
فعام إلى حج وعام لغزوة
فيعرفه البيت العتيق ووافده
ولم يثنه يوماً عن العلم والتقى
كواعب حسن تنثني ونواهده
وأكثر سكناه بقفر بحيث لا
تناغيه إلا عفره وأوابده
وما قوته إلا شعير يسيغه
بماء قراح ليس تغشى موارده
عزوباً عن الدنيا وعن زهراتها
وشوقاً إلى المولى وما هو واعده
ولما رأى من سيبويه نجابة
وأيقن أن الحين أدناه باعده
تخيره إذ كان وارث علمه
ولا طفه حتى كأن هو والده
وعلمه شيئاً فشيئاً علومه
إلى أن بدت سيماه واشتد ساعده
فإذ ذاك وافاه من الله وعده
وراح وحيد العصر اذ جاء واحده
أتى سيبويه ناشراً لعلومه
فلولاه أضحى للنحو عطلاً شواهده
وأبدى كتاباً كان فخراً وجوده
لقحطان إذ كعب بن عمرو محاتده
وجمع فيه ما تفرق في الورى
فطارفه يعزى إليه وتالده
بعمرو بن عثمان بن قنبر الرضا
أطاعت عواصيه وتابت شوارده
عليك قرآن النحو نحو ابن قنبر
فآياته مشهودة وشواهده
كتاب [أبي بشر] فلا تك قارياً
سواه فكل ذاهب الحسن فاقده
هم خلج بالعمل مدت فعندما
تناءت غدت تزهى وليست تشاهده
ولا تعد عما حازه إنه الفرا
وفي جوفه كل الذي أنت صائده
إذا كنت يوماً محكماً في كتابه
فإنك فينا نابه القدر ماجده
ولست تبالي إن فككت رموزه
أعضك دهر أم عرتك ثرائده
هو العضب إن تلق الهياج شهرته
وإن لا تصب حرباً فإنك غامده
تلقاه كل بالقبول وبالرضى
فذوا الفهم من تبدو إليه مقاصده
ولم يعترض فيه سوى ابن طراوة
وكان طرياً لم تقادم معاهده
وجَسَّرَهُ طعن المُيَرَّد قبله
وإنَّ الثَّمالي بارد الذهن خامده
هما ما هما صارا مدى الدهر ضِحكة
يزيف ما قالا وتبدو مفاسده
تكون صحيح العقل حتى إذا ترى
تباري أبا بشرٍ، إذا أنت فاسده
يقول امرؤ قد خامر الكبر رأسه
وقد ظن أن النحو سهل مقاصده
ولم يشتغل إلا بنزر مسائل
من الفقه وفي أوراقه هو راصده
وقد نال بين الناس جاهاً ورتبه
وألهاك عن نيل المعالي ولابده
وما ذاق للآداب طعماً ولم يبت
يعنى بمنظوم ونثر يجاوده
فينكح أبكار المعاني ويبتغي
لها الكفو من لفظ بها هو عاقده
رأى سيبويه فيه بعض نكادة
وعجمة لفظ لا تحل معاقده
فقلت أتيت ما أنت أهل لفهمه
وما أنت إلا غائض الفكر راكده
لعمرك ماذو لحية وتسمت
وإطراق رأس والجهات تساعده
فيمشي على الأرض الهوينا كأنما
إلى الملإ الأعلى تناهت مراصده
وإيهامك الجهال أنك عالم
وأنك فرد في الوجود وزاهده
بأجلب للنحو الذي أنت هاجر
من الدرس بالليل الذي أنت هاجده
أصاح تجنب من غوي مخذل
وخذ في طريق النحو أنك راشده
لك الخير فادأب ساهراً في علومه
[فلم تُشِمْ] إلاَّ ساهر الطرف ساهده
ولا ترج في الدنيا ثواباً فإنما
لدى الله حقاً أنت لاشك واجده
ذوو النحو في الدنيا قليل حظوظهم
وذو الجهل فيها وافر الحظ زايده
لهم أسوة فيها على لغدٍ مضى
ولم يلق في الدنيا صديقاً يساعده
مضى بعده عنها الخليل فلم ينل
كفافاً ولم يعدم حسوداً يناكده
ولاقى أبا بشرٍ سفيهها
غداة تمالت في ضلال يمادده
أتى نحو هارون يناظر شيخه
فنفحة حتى تبدت مناكده
فأطرق شيئاً ثم أبدى دوابه
بحق ولا كن أنكرالحق جاحده
وكاد علي عمراً إذا صار حاكماً
وقد ما علي كان عمرو يكايده
سقاه بكأس لم يفق من خمارها
وأورده الأمر الذي هو وارده
ولابن زياد شركة في مراده
ولابن رُشَيْد بشرك للقلب رايده
هما جرعا إلى علي وقنبر
أفاويق سم لم تنجد أساوده
أبكي على عمرو ولا عمر مثله
إذا مشكل أعيا وأعوز ناقده
قضى نحبه شرخ الشبيبة لم يرع
بشيب ولم تعلق بذام معاقده
لقد كان للناس اعتناء بعلمه
بشرقٍ وغربٍ تستنار فوائده
والآن فلا شخص على الأرض قارئ
كتاب أبي بشرٍ ولا هو رائده
سوى معشر بالغرب فيهم تلفت
إليه وشوق ليس يخبو مواقده
وما زال منا أهل أندلس له
جهابذ تبدي فضله وتناجده
وإني في مصرعلى ضعف ناصري
لناصره ما دمت حياً وعاضده
أثار أثير الغرب للنحو كامناً
وعالجه حتى تبدت قواعده
وأحيا أبو حيان ميت علومه
فأصبح علم النحو ينفق كاسده
إذا مغربي حط بالثغر رحله
تيقن أن النحو أخفاه لاحده
منينا بقوم صدروا في مجالس
لإقراء علم ضل عنهم مراشده
لقد أخر التصدير عن مستحقه
وقدم غمر خامد الذهن جامده
وسوف يلاقي من سَعَى في جلوسهم
عقبى ما أكنت عقائده
علا عقله فيهم هواه فما درى
بأن هوى الإنسان للنار قائده
أقمنا بمصر عشرين حجة
يشاهدنا ذو أمرهم ونشاهده
فلَمَّا نَنَل منهم مدى الدهر طائلا
ولمَّا نجد فيهم صديقاً نوادده
لنا سلوة فيمن سردنا حديثهم
وقد يتسلى بالذي قال سارده
أخي إن تصل يوماً وبلغت سالماً
لغرناطة فانفذ لما أنا عاهده
وقبل ثرى أرض بها حل ملكنا
وسلطاننا الشهم الجميل عوايده
مبيد العدا قتلاً وقد عَمَر شرهم
ومحي الندا فضلاً وقد رم هامده
أفاض على الإسلام جوداً ونجدةً
فعز مواليه وذل معانده
وعم بها إخواننا بتحية
وخص بها الأستاذ لاعاش كائده
جزى الله عنا شيخنا وإمامنا
وأستاذنا الحبر الذي عم فايده
لقد أطلعت جيان أوحد عصره
فللغرب فخر أعجز الشرق خالده
مؤرخة نحوية وإمامة
محدثة جلت وصحت مسانده
جاه عظيم من ثقيف وإنما
به استوثقت منه العرى ومساعده
وما أنس لا أنسى سهادي ببابه
بسبق وغيري نائم الليل راقده
فيجلو بنور العلم ظلمة جهلنا
ويفتح علماً مغلقاتٍ رصايده
وإني وإن شطت بنا غربة النوى
لشاكر له في كل وقت وحامده
بغرناطة روحي وفي مصر جثتي
ترى هل يثني الفرد من هو فارده
أبا جعفر خذها قوافي من فتى
تتيه على غر القوافي قصائده
يسير بلا إذن إلى الأذن حسنها
فيرتاح سماع لها ومناشده
غريبة شكل كم حوت من غرائب
مجيدة أصل أنتجتها أماجده
فلولاك يا مولاى ما فاه مقولي
بمصر ولا حبرت ما أنا قاصده
لهذبتني حتى أحوك مفوقاً
من النظم لا يبلى مدى الدهر آبده
وأذكيت فكري بعد ما كان خامداً
وقيد شعري بعد ما ند شارده
جعلت ختاماً فيه ذكرك إنه
هو المسك بل أعلى وإن عز ناشده
ومما دَوَّنَ المطولات قوله رحمه الله:
تَفَرَّدْت لمَّا أن جُمِعْتُ بذات
وأسكنت لما أن بدت حركات
فلم أر في الأكوان غيراً لأنني
أزحت عن الأغيار روح حيات
وقدستها عن رتبة لو تعينت
لها دائماً دامت لها حسرات
فها أنا قد أصعدتها عن حضيضها
إلى رتبة تقضي لها بثبات
تشاهد معنى روضة أذهب العنا
وأيقظني للحق بعد سِنَات
أقامت زماناً في حجاب فعندما
تزحزح عنها رامت الخلوات
لنقضي بها ما فات من طيب أنسنا
بها وننال الجمع بعد شتات
ومن النسيب قوله:
كتم اللسان ومدمعي قد باحا
وثوى الأسى عندي وأسًى راحا
إنُي أحِبُّ طَيَّ ما نشر الهوى
نشراً وما زال الهوى إفصاحا
ومهجتي من لا أصرح باسمه
ومن الإشارة ما يكون صراحا
ريم أروم حُنُوَّه وجنوحه
ويروم عني جفوة وجماحا
أبدى لنا من شعره وجبينه
ضدين ذا ليلاً وذاك صباحا
عجباً له يأسو الجسوم بطبه
ولكم بأرواحٍ أثار جراحاً
فبلقطه بُرْءُ اُلأخَيْذِ ولحظه
أخذ البريِّ فما يطيق براحاً
ناديته في ليلة لا ثالث
إلاّ أخوه البدر عَارِفٌ لاحا
يا حسنها من ليلة لو أنها
دامت ومدت لتوصال جناحاً
وقال:
نورٌ بخدِّك أمْ تَوَقُّدُ نارِ
وضنًى بجفنك أم فتور عُقارِ
وشذاً بريقك أم تأرج مسكة
وسنًى بثغرك أم شعاع درارِ
جمعت معاني الحسن فيك فقد غدت
قيد القلوب وفتنة الأبصارِ
مُتَصاوِنٌ خَفِرٌ إذا ناطقته
أغْضَى حياً في سكون وقارِ
في وجهه زهرات لفظ تُجْتَلَى
من نرجس مع وردة وبهارِ
خاف اقتطاف الورد من جنباتها
فأدار من أسرٍ سياج عذارِ
وتسللت نمل العذار بخدهِ
ليَرِدْنَ شَهْدَةَ ريقه المعطارِ
وبخدّه وَرْدٌ حمتها وِرْدُها
فوقفن بين الوِرْدِ والإصْدارِ
كم ذا أواري في هواه محبتى
ولقد وشَى بي فيه فَرْطُ أوارِ
ومن نظمه من المقطوعات في شتى الأغراض قوله رحمه الله:
أزحت نفسي من الإيناس بالناس
لما غنيت عن الأكياس بالياس
وصرت في البيت وحدي لا أرى أحداً
بناتُ فكري وكُتْبي هُنَّ جُلاَّسِي
وقال:
وزهدني في جَمْعِيَ المُال أنَّه
إذا ما انتهى عند الفتى فارق العمرا
فلا روحه يوماً أراح من العنا
ولم يكتسب حمداً ولم يدخر أجراً
وقال:
سَعَتْ حَيَّة من شعره نحو صدغه
وما انفصلتْ من خدِّه إنَّ ذا عَجَبْ
وأعجبُ مِنْ ذا أنَّ سلسال ريقه
برودٌ ولكن شَبَّ في قلبي اللَّهَبْ
وقال:
راض حبيبي عارضٌ قد بدا
يا حسنه من عارض رابض
وظن قوم أن قلبي سلا
والأصل لا يعتد بالعارض
وقال:
سال في الخد للحبيب عذار
وهو لا شك سائل مرحوم
وسألت التثامه فتجنَّى
فأنا اليوم سائل محروم
وقال:
جننت بها سوداء لون وناظر
ويا طالما كان الجنون بسوداء
وجدت بها برد النعيم وإنَّ
فؤادي منها في جحيم ولأواء
وقال في فتى يسمى مظلوم:
وما كنت أدري أن مالك مهجتي
يتسمى بمظلوم وظُلْمٌ جفاؤه
إلى أن دعاني للصبا فأجبته
ومن يك مظلوماً أجيب دعاؤه
وقال:
جُنَّ غيري بعارض فترجَّى
أهله أن يفيق عما قريبْ
وفؤادي بعارضين مصاب
فهو داءٌ أعيا دواء الطبيبْ
وقال:
شكا الخصر منه ما يلاقي بردفه
وأضعف غصن البان جَرُّ كثيب
إذا كان منه البعض يظلم بعضه
فما حال [شط المزار] غريب
وقال:
وذو شفةٍ لميا زينت بشامة
من المسك في رشافها يذهب النُّسْكُ
ظميت إليها ريقةً كوثرية
بمثل لقايي ثغرها ينظم السِّلكُ
تعل بمعسول كأن رضابه
مدام من [الفرد وسرُّ] خاتمه مسك
وقال:
أجل شفيعٍ ليس يمكن رده
دراهم بيضٌ للجروح مراهمُ
تُصَيِّرُ صعب الأمر أسهل ما ترى
ويقضي [لباناتٍ للفتى] وهو نائمُ
وقال:
نعيدُ وُدَّ قريبٍ ضَلَّ
كبيرَ عَتْبٍ قليَل عُتْباً
كالشمس ظرفاً كالمسك عرفاً
كالخشف طرفاً كالصخر قلباً
وقال:
عُداتي لهم فضل عليّ ومنةٌ
فلا أذهب الرحمن عنِّي الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها
وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
مولده
ولد بغرناطة عام اثنين وخمسين وستماية.
وفاته
أخبرني الحاج الخطيب الفاضل أبو جعفر الشَّقوري رحمه الله. قال: توفي عام خمسة وأربعين وسبعمائة بمصر ودفن بالقرافة. وكانت جنازته حافلة.
ومن الطاريين عليها في هذا الحرف
محمد بن أحمد
ابن داود بن موسى بن مالك اللَّخمي اليكَّي؛ من أهل بلش؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بابن الكمَّاد
حاله
من "عايد الصلة": كان من جلة صدور [الفقهاء] الفضلاء زهداً وقناعة وانقباضاً، إلى دماثة الخلق ولين الجانب [وحسن اللَّقاء] والسذاجة المموهة بالغفلة، والعمل على التقشف والعزلة، قديم السماع والرحلة، إماما مشهوراً في القراءات، يرحل إليه، ويعول عليه، إتقاناً ومعرفة منها بالأصول، كثير المحافظة والضبط، محدثاً ثبتاً، بليغ التحرز، شديد الثقة، فقيهاً متصرفاً في المسائل، أعرف الناس بعقد الشروط، ذا حظ من العربية واللغة والأدب. رحل إلى العدوة، وتجول في بلاد الأندلس، فأخذ عن كثير من الأعلام، وروى وقيد وصنف وأفاد، وتصدر للإقراء بغرناطة وبلش وغيرهما، وتخرج بين يديه جملة وافرة من العلماء والطلبة، وانتفعوا به.
مشيخته
قرأ ببلده مرسية على الأستاذ أبى الحسن علي بن محمد بن لب بن أحمد بن أبي بكر الرقوطي، والمقري أبى الحسن بن خلف الرشاطي، والمحدث الجليل أبى عمرو محمد بن علي بن عيشون اللخمي، وعلى الشيخ الفقيه الكاتب أبي محمد بن عبد الله بن داود بن خطاب الغافقي المرسي. وممن أجازه الفقيه أبو عثمان سعيد بن عمرو البَطِرني، والقاضي أبو علي بن أبي الأحوص، لقيه ببلش مالقة وبسطة، فروى عنه الكثير، والأستاذ أبو القاسم بن الأصهر الحارثي لقيه بألمرية. ولقي بغرناطة الأستاذ أبا جعفر الطبَّاع، والوزير الراوية أبا القاسم محمد بن يحيى ابن عبد الرحمن بن جزيّ الكلبي، روى عنه وأجازه. وكتب له بالإجازة جماعة كبيرة من أهل المشرق والمغرب، حسبما تضمنه برنامجه.
تواليفه
اختصر كتاب " المقنع " في القراءات اختصاراً بديعاً وسماه كتاب " الممتع في تهذيب المقنع " وغير ذلك.
شعره
من ذلك وقد وقف على أبيات أبي القاسم بن الصَّقر في فضل الحديث:
لقد حاز أصحاب الحديث وأهله
شأواً وتوتيراً ومجداً مخلداً
وصحت لهم بين الأنام مزيةٌ
أبانت لهم عزاً ومجداً وسؤدداً
بدعوة خير الخلق أفضل مرسل
محمد المبعوث بالنور والهدى
فهم دَوَّنوا علم الحديث وأتقنوا
ونصوا بتبيين صحيحاً ومسندا
وجاءوا بأخبار الرسول وصحبه
على وجهها لفظاً ورسماً مقيدا
وهم نقلوا الآثار والسنن التي
من اْصبح ذا أخذ بها فقد اهتدى
وما قصروا فيها بفقهٍ ولا ونُوا
بل التزموا حداً وحزماً مؤكداً
وهم أوضحوا من بعدهم باجتهادهم
وتَبْيِينهم سُبْلَ الهدى لمن اقتدى
جزاهم إله العرش عنا بنصحهم
بأحسن ما جازى نصيحاً ومرشداً
ونسله سبحانه نهج هديهم
وسعياً إلى التقوى سبيلاً ومقصداً
ومن شعره رحمه الله قوله:
عليك بالصبر وكن راضياً
بما قضاه الله تلقى النجاحْ
واسلك طريق المجد والْهَجْ به
فهو الذي يرضاه أهل الصلاحْ
وقد ألف شيخنا أبو البركات بن الحاج، جزءاً سماه "شعر من لا شعر له "؛ فيه من شعر هذا الرجل الفاضل، ومثله كثير.
مولده
قبل الأربعين وستماية.
وفاته
وتوفي ثاني شهر الله المحرم عام اثني عشر
وسبعماية.
((انتهى ما اختصر من السفر السابع من كتاب الإحاطة في تاريخ غرناطة؛ يتلوه السفر الثامن بعده إن شاء الله))
[يليه]
ومن السفر الثامن
من ترجمة المقريين والعلماء
محمد بن أحمد
ابن محمد بن علي الغساني؛ من أهل مالقه؛ يكنى أبا القاسم؛ ويعرف بابن حفيد الأمين.
حاله
كان من أهل العلم والفضل والدين المتين، والدُّؤوب على تدريس كتب الفقه. استظهر كتاب "الجواهر" لابن شاس، واضطلع بها، فكان مجلسه من مجالس الحفاظ، حفاظ المذهب، وانتفع به الناس، وكان معظماً فيهم، متبركاً به، على سنن الصالحين، من الزهد، والانقباض، وعدم المبالاة بالملبس والمطعم. وقال صاحبنا الفقيه أبو الحسن النباهي في تذييله لتاريخ مالقة: كان رجلا ساذجاً، مخشوشناً، سني المنازع، شديد الإنكار على أهل البدع. جلس للتحليق العام بالمسجد الجامع، وأقرأ به الفقه والعربية والفرائض.
مشيخته
قال: منهم أبو علي بن أبي الأحوص، وأبو جعفر ابن الزبيز، وأبو محمد بن أبي السداد، والقاضي أبو القاسم بن السَّكوت. قال: وأنشد للزاهد أبى اسحاق بن قشوم، قوله:
يروقك يوم العيد حسن ملابس
ونعمة أجسام ولين قدودِ
أْجِل لحظات الفكر منك فلا ترَى
سِوَى خِرَقٍ تُبْلَى وطعمة دودِ
وأنشد لأبي عمرو الزاهد:
تختبرالدنير في ميذق
والدرهم الزائف إذ يبهم
والمرء إن رمت اختباراً له
مَيْذِقْهُ الدُّنَيْر والدرهم
من عفَّ عن هذا وهذا معا
فهو التقي الورع المسلم
تواليفه
له تقييد حسن في الفرائض، وجزء في تفضيل التين على التمر، وكلام على نوازل الفقه.
وفاته
وتوفي في الكائنة العظمى بطريف.
محمد بن أحمد
ابن علي بن قاسم المذحجي من أهل ملتماس؛ يكنى أبا عبد الله
حاله
من العايد: كان رحمه الله من سراة بلده وأعيانهم، أستاذا متفنناً مقرئاً لكتاب الله، كاتباً بليغاً، شديد العناية بالكتب، كثير المغالاة في قيمها وأثمانها، حتى صار له من أعلاقها وذخائرها، ما عجز عن تحصيله كثير من أهل بلده. كتب بخطه، وقيد كثيراً من كتب العلم. وكان مقرئاً مجوداً، عارفاً بالقراءات، بصيراً بالعربية، ثقة ضابطاً، مبرزاً في العدالة، حريصاً على العلم استفادة ثم إفادة، لا يأنف من حمله عن أقرانه، وانتفع به أهل بلده، والغرباء أكثر.
مشيخته
أخذ عن طائفة من أهل العلم. منهم الشيخان الرحلتان، أبو عبد الله بن الكماد، وأبو جعفر بن الزيات عظيما بلده، والخطيب ولي الله أبو عبد الله الطنجالي، والقاضي أبو عبد الله بن بكر. وروى عن الشيخ الوزير أبي عبد الله بن ربيع، وابنه الراوية أبي عامر، والخطيب الصالح أبي إسحاق بن أبي العاصي. وروى عن الشيخ الراوية الرحال أبي عبد الله بن عامر الوادي أشى وغيرهم. ودخل غرناطة.
مولده
ولد ببلش عام ثمانية وثمانين وستماية.
وفاته
توفي ببلش عاشر شهر شعبان من عام أربعة وثلاثين وسبعماية.
محمد بن أحمد
ابن محمد بن علي الغساني من أهل مالقة؛ يكنى أبا الحكم؛ ويعرف بابن حفيد الأمين.
حاله
من العايد: كان هذا الشيخ من أهل العلم والدين المتين، والجري على سنن الفقهاء والمتقدمين، عقد الشروط بمالقة مدة طويلة، في العدول المبرزين، وجلس للتحليق في المسجد الأعظم من مالقة، بعد فقد أخيه أبى القاسم، وخطب بمسجد مالقة الأعظم ثم أُخَّرَ عن الخطبة لمشاحنة وقعت بينه وبين بعض الولاة، أثمرت في إحنته. ولم يزل على ما كان عليه من الاجتهاد في العبادة، والتقييد للعلم، والاشتغال به، والعناية بأهله، إلى أن توفي على خير عمل.
مشيخته
قرأ على الأستاذ الخطيب أبى محمد الباهلي، وروى عن جلة من الشيوخ مثل صهره الخطيب الوالي أبي عبد الله الطنجالي، وشاركه في أكثر شيوخه، والأديب الحاج الصالح أبي القاسم القبتوري، وغيرهم.
مولده
ولد بمالقة عام ثلاثة وسبعين وستماية.
وفاته
توفي بمالقة يوم الأربعاء الثامن عشر لذي حجة من عام تسعة وأربعين وسبعماية. ودخل غرناطة غير ما مرة مع الوفود من أهل بلده، وفي أغراضه الخاصة.
محمد بن أحمد
الرقوطي المرسي؛ يكنى أبا بكر.
حاله
كان طرفاً في المعرفة بالفنون القديمة: المنطق والهندسة والعدد والموسيقا والطب، فيلوسفاً، طبيباً ماهراً، آية الله في المعرفة بالألسن. يقرئ الأمم بألسنتهم، فنونهم التي يرغبون في تعلمها، شديد البأو، مترفعاً. متعاطياً. عرف طاغية الروم حقه؛ لما تغلب على مرسية؛ فبنى له مدرسة يقرئ فيها المسلمين والنصارى واليهود، ولم يزل معظماً عنده. ومما يحكى من ملحه معه؛ أنه قال له يوماً؛ وقد أدنى منزلته، وأشاد بفضله: لو تنصرت وحصَّلت الكمال، كان عندي لك كذا وكذا، وكنت كذا، فأجابه بما أقنعه. ولما خرج من عنده؛ قال لأصحابه: أنا الآن أعبد واحداً، وقد عجزت عما يجب له. فيكف حالي لو كنت أعبد ثلاثة؛ كما أراد مني. وطلبه سلطان المسلمين؛ ثاني الملوك من بني نصر؛ واستقدمه، وتلمذ له، وأسكنه في أعدل البقع من حضرته. وكان الطلبة يغشون منزله المعروف له؛ وهو بيدي الآن. فَتُعُلَّمَ عليه الطب والتعاليم وغيرها، إذ كان لا يجارى في ذلك. وكان قويّ العارضة، مضطلعاً بالجدل، وكان السلطان يجمع بينه وبين منتابي حضرته، ممن يقدم منتحلا صناعة أو علماً، فيظهر عليهم؛ لتمكنه ودالته؛ حسبما يأتي في اسم أبي الحسن الأبدي، وأبي القاسم بن خلصون إن شاء الله. وكان يركب إلى باب السلطان، عظيم التُّؤدة، مُعار البَغْلة، رايق البزة، رفيق المشي، إلى أن توفي بها. سمح الله له.
محمد بن ابراهيم
ابن المفرج الأوسي؛ المعروف بابن الدباغ الإشبيلي.
حاله
كان واحد عصره في حفظ مذهب مالك، وفي عقد الوثائق، ومعرفة عللها، عارفاً بالنحو واللغة والأدب والكتابة والشعر والتاريخ. وكان كثير البشاشة عظيم الانقباض، طيب النفس، جميل المعاشرة، كثير المشاركة، شديد التواضع، صبوراً على المطالعة، سهل الألفاظ في تعليمه وإقرائه. أقرأ بجامع غرناطة لأكابر علمائها، الفقه وأصوله، وأقرأ به الفروع والعقائد للعامة مدة. وأقرأ بجامع باب الفخارين، وبمسجد ابن عزرة وغيره.
مشيخته
قرأ على والده الأستاذ أبي إسحاق إبراهيم، وعلى الأستاذ أبي الحسن الدباج، وعلى القاضي أبي الوليد محمد بن الحاج التجييي القرطبي، وعلى القاضي أبي عبد الله بن عياض.
وفاته
توفي برندة يوم الجمعة أول يوم من شوال عند انصراف الناس من صلاة الجمعة من عام ثمانية وستين وستماية.
محمد بن إبراهيم
ابن محمد الأوسي من أهل مرسية، نزيل غرناطة؛
يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بابن الرقام؛ الشيخ الأستاذ المتفنن.
حاله
كان نسيج وحده، وفريد دهره، علماً بالحساب والهندسة والطب والهيئة، وغير ذلك مديد الباع. أصيل المعرفة. مضطلعاً متبحراً لا يشق غبارة. أقرأ التعاليم والطب والأصول بغرناطة لما استقدمه السلطان ثاني الملوك من بني نصر من مدينة بجاية، فانتفع الناس به، وأوضح المشكلات، وَسُيِلَ من الأقطار النازحة في الأوهام العارضة، ودَوَّن في هذه الفنون كلها، ولخص، ولم يفتر من تقييد وشرح وتلخيص وتدوين.
تواليفه
وتواليفه كثيرة، منها كتابه الكبير على طريقة كتاب "الشفا" والزيج القويم الغريب المرصد، المبنية رسايله على جداول ابن إسحق، وعدل مناخ الأهلة وعليه كان العمل. وقيد أبكار الأفكار في الأصول، ولخص المباحث، كتاب الحيوان والخواص. ومقالاته كثيرة جداً، ودواوينه عديدة.
وفاته
توفي عن سن عالية بغرناطة في الحادي والعشرين لصفر من عام خمسة عشر وسبع مائة.
محمد بن جعفر
ابن أحمد بن خلف بن حُميد بن مأمون الأنصاري؛
ونسبه أبو محمد القرطبي؛ أموياً من صريحهم؛ بلنسيّ الأصل؛ يكنى أبا عبد الله.
حاله
كان صدراً في متقني القرآن العظيم، وأيمة تجويده مبرزاً في النحو، إماماً معتمداً عليه، بارع الأدب، وافر الحظ من البلاغة، والتصرف البديع في الكتابة طيب الإمتاع بما يورده من الفنون كريم الأخلاق، حسن السمت، كثير البشر، وقوراً، ديناً عارفاً، ورعاً، وافر الحظ من رواية الحديث.
مشيخته
روى عن: أبي إسحاق بن صالح، وأبي بكر بن أبي ركب، وأبي جعفر بن ثعبان، وأبي الحجاج القفال، وأبي الحسن شريح، وأبي محمد عبد الحق بن عطية، وأبي الحسن بن ثابت، وأبي الحسن بن هذيل؛ وتلا عليه بالسبع، وأبو عبد الله بن عبد الرحمن المذحجي الغرناطي، وبن فرح القيسي، وأبي القاسم خلف بن فرتون. ولم يذكر أنهم أجازوا له. وكتب له: أبو بكر عبد العزيز بن سُدَير، وابن العزفي، وابن قندلة، فأبو الحسن طارق بن موسى، وابن موهب، ويونس بن مغيث، وأبو جعفر بن أيوب، وأبو الحكم عبد الرحمن ابن غشيان، وأبو عبد الله الجياني المعروف بالبغدادي. وذكر أبو عبد الله بن يربوع أن له راوية عن أبي الحسن ابن الطراوة.
من روى عنه
روى عنه أبو بحر صفوان بن إدريس، وأبو بكر بن عتيق الأزدى وابن قترال، وأبو جعفر الجيَّار، والذهبي، والذهبي، وابن عميرة الشهيد، وأبو الحسن بن عزمون، عزمون، وابن عبد الرزق، وأبو الحسن عبيد الله بن بن عاصم الدَّاري، وأبو الربيع بن سالم، وأبو زكريا الجعفري، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو عبد الله الأندرشي، وابن الحسين بن محبر، وابن إبراهيم الريسي، وابن صلتان، وابن عبد الحق التلمسيني، وابن يربوع، وأبو العباس العزفي، وأبو عثمان سعد الحفَّار، وأبو علي عمر بن جميع، وأبو عمران بن إسحق، وأبو القاسم الطيب بن هرقال، وعبد الرحيم بن إبراهيم بن قريش الملاحي، وأبو محمد ابن دُلف بن اليُسر، وأبو وأبو الوليد بن الحجاج.
تواليفه
له شرح على " إيضاح الفارسي، وآخر على "جمل الزجاجي".
مولده
ببلنسية سنة ثلاث عشرة وخمسماية.
وفاته
توفي بمرسية؛ إثر صدوره عن غرناطة؛ عشي يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى؛ سنة ست ست وثمانين وخمسماية.
محمد بن حَكَم
ابن محمد بن أحمد بن باق الجذامي من أهل سرقسطة؛
سكن غرناطة ثم فاس؛ يكنى أبا جعفر
حاله
كان مقرئاً مجوداً محققاً بعلم الكلام وأصول الفقه، محصلاً لهما، متقدماً في النحو، حافظاً للغة، حاضر الذكر لأقوال تلك العلوم، جيد النظر، متوقد الذهن، ذكي القلب. فصيح اللسان. ولي أحكام فاس وأفتى فيها، ودرس بها العربية، كتاب سيبويه وغير ذلك.
مشيخته
روى عن أبي الأصبغ بن سهل، وأبوي الحسن الحضرمي، وابن سابق، وأبي جعفر بن جراح، وأبي طالب السرقسطي الأديبين، وأبوي عبد الله بن نصر، وابن يحيى بن هشام المحدث، وأبي العباس الدلائي، وأبي عبيد الله البكري، وأبي عُمر أحمد بن مروان القيرواني، وأبي محمد بن قورش، وأبي مروان بن سراج. وأجاز له أبو الوليد الباجي؛ رحمه الله.
من روى عنه
روى عنه أبو إسحاق بن قرقول، وأبو الحسن صالح ابن خلف، وأبو عبد الله بن حسن السبتي، وأبو الحسن الأبَّدي، وتوفي قبله، وابن خلف بن الأيسر، والنميري، وأبو العباس بن عبد الرحمن بن الصقر، وأبو علي حسن ابن الجزار، وأبو الفضل بن هرون الأزدي، وأبو محمد عبد الحق ابن بونه، وقاسم بن دحمان، وأبو مروان بن الصقيل الوقشي.
تواليفه
شرح "إيضاح الفارسي"، وكان قيماً على كتابه، وصنف في الجدل مصنفين: كبيراً، وصغيراً. وله عقيدة جيدة.
وفاته
توفي بفاس، وقيل بتلمسان سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
محمد بن حسن
ابن محمد بن عبد الله بن خلف بن يوسف بن خلف الأنصاري؛ من أهل مالقة؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بابن الحاج،
وبابن صاحب الصلاة.
حاله
كان مقرياً صدراً في أئمة التجويد، محدثاً متقناً ضابطاً، نبيل الخط والتقييد، ديناً، فاضلا. وصنف في الحديث، وخطب بجامع بلده. وأم في الفريضة زماناً، واستمرت حاله كذلك، من نشر العلم وبثه إلى أن كرمه الله بالشهادة في وقيعة العقاب.
دخوله غرناطة
راوياً عن ابن الفرس، وابن عروس، وغيرهما.
مشيخته
روى بالأندلس عن الحجاج بن الشيخ، وأبي الحسن ابن كوثر، وأبي خالد يزيد بن رفاعة؛ وأكثر عنه، وأبوي عبد الله بن عروس، وابن الفخار، وأبي محمد بن حوط الله، وعبد الحق بن بونه، وعبد الصمد بن يعيش، وعبد المنعم بن الفرس، وأجازوا له. وتلا القرآن على أبي عبد الله الإستجي. وروى الحديث عن أبي جعفر الحصار. وحج في نحو سنة ثمانين وخمسماية. وأخذ عن جماعة من أهل المشرق، كأبي الطاهر الخشوعي، وغيره.
وفاته
توفي شهيداً محرضاً صابراً يوم الاثنين منتصف صفر؛ عام تسعة وستماية.
محمد بن محمد
ابن أحمد بن علي الأنصاري؛ يكنى أبا عبد الله؛
ويعرف بابن قرال؛ من أهل مالقة.
حاله
طالب عفيف مجتهد خير. قرأ بغرناطة، وقام على فن العربية قياماً بالغاً، وشارك في غيره، وانتسخ الكثير من الدواوين بخط بالغ أقصى مبالغ الإجادة والحسن، وانتقل إلى مالقة؛ فأقرأ بها العربية، واقتدى بصهره الصالح أبي عبد الله القطان؛ فكان من أهل الصلاح والفضل. وتوفي في محرم عام خمسين وسبعماية.
محمد بن محمد
ابن إدريس بن مالك بن عبد الواحد بن عبد الملك بن محمد ابن سعيد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الله القضاعي؛ من أهل إسطبونة؛ يكنى أبا بكر، ويعرف بالقللوسى.
حاله
كان رحمه الله إماماً في العربية والعروض والقوافي، موصوفاً بذلك، منسوباً إليه، يحفظ الكثير من كتاب سيبويه، ولا يفارقه بياض يومه، شديد التعصب له، مع خفة وطيش يحمله على التوغل في ذلك. حدثني شيخنا أبو الحسن بن الجياب رحمه الله؛ قال: وقف أبو بكر القللوسى يوماً على القاضي أبي عمرو بن الرندون؛ وكان شديد الوقار، مهيباً، وتكلم في مسألة من العربية؛ نقلها عن سيبويه؛ فقال القاضي أبو عمرو: أخطأ سيبويه. فأصاب أبا بكر القللوسي قلق؛ كاد يلبط به الأرض، ولم يقدر على جوابه بما يشفي به صدره؛ لمكان رتبته. قال: فكان يدور بالمسجد؛ والدموع تنحدر على وجهه؛ وهو يقول أخطأ من خطأه، يكررها؛ والقاضي أبو عمرو يتغافل عنه، ويزري عليه. وكان مع ذلك؛ مشاركاً في فنون؛ من: فقه، وقراءات، وفرائض؛ من أعلام الحفاظ للغة؛ حجة في العروض والقوافي؛ يخطط بالقافية عند ذكره في الكتب. وله في ذلك تواليف بديعة وولي الخطابة في بلده مدة؛ وقعد للتدريس به؛ وانثال عليه الناس، وأخذوا عنه. ونسخ بيده الكثير وقيد؛ وكان بقطره علماً من أعلام الفضل والإيثار والمشاركة.
تواليفه
نظم رجزاً شهيراً في الفرائض علماً وعملاً، ونظم في العروض والقوافي، وألف كتاب "الدرة المكنونة في محاسن إسطبونة"، وألف تأليفاً حسناً في ترحيل الشمس، وسوسطات الفجر، ومعرفة الأوقات ونظم أرجوزة في شرح ملاحن ابن دريد، وأرجوزة في شرح كتاب "الفصيح ". ورفع للوزير ابن الحكيم كتاباً في الخواص وصنعة الأمدّة والتطبع الشاب؛ غريباً في معناه.
مشيخته
قرأ على الأستاذ أبي الحسن بن أبي الربيع، ولازمه، وأخذ عنه. وعن أبي القاسم بن الحصار الضرير السبتي، وعلى الأستاذ أبي جعفر بن الزبير بغرناطة، وغيرهم.
شعره
من شعره قوله من قصيدة يمدح ابن الحكيم:
علاه رياض أورقت بمحامد
تنور بالجدوى وتثمر بالأمل
تسح عليها من نداه غمامة
تروي ثرى المعروف بالعل والنيل
وهل هو إلا الشمس نفساً ورفعة
فيغرب بالجدوى ويبعد بالأمل
تعم أياديه البرية كلها
فدان وقاصٍ جود كفيه قد شمل
وهي طويلة. ونقلت من خط صاحبنا أبي الحسن النباهي؛ قال يمدح أبا عبد الله الرنداحي:
أطلع بأفق الراح كاس الراح
وصل الزمان مساءه بصباح
خذها على رغم العذول مدامة
تنفي الهموم وتأت بالأفراح
والأرض قد لبست برود أزاهر
وتمنطقت من نهرها بوشاح
والجو إذ يبكي بدمع غمامة
ضحك الربيع له بثغر أقاح
والروض مرقوم بوشي أزاهر
والطير يفصح أيما إفصاح
والغصن من طرب يميل كأنما
سقيت بكف الريح كأس الراح
والورد منتظم على أغصانه
يبدو فتحسبه خدود ملاح
وكأن عرف الريح من زهر الربى
عرف امتداح القائد الرنداح
وفاته
ببلده عصر يوم الجمعة الثامن عشر لرجب الفرد سنة سبع وسبعماية.
محمد بن محمد
ابن محارب الصّريحي؛ من أهل مالقة؛ يكنى أبا عبد الله؛
ويعرف بابن أبي الجيش.
حاله وأوليته
أصل سلفه من حصن يسر من عمل مرسية، من بيت حسب وأصالة، ولخؤولته بالجهة التاكرونية ثورة.
وقلت فيه في عائد الصلة: كان من صدور المقريين، وأعلام المتصدرين تفنناً واضطلاعاً، وإدراكاً، ونظراً. إماماً في الفرائض والحساب قائماً على العربية، مشاركاً في الفقه والأصول، وكثير من العلوم العقلية. قعد للإقراء بمالقة، وخطب بجامع الربض.
مشيخته
قرأ على الأستاذ القاضي المتفنن أبي عبد الله بن بكر، ولازمه ثم ساء ما بينهما في مسألة وقعت بمالقة، وهي تجويز الخُلْفِ في وعد الله؛ شنع فيها على شيخنا المذكور، ونَسَبه إلى أن قال، وعْدُ الله ليس بلازم الصدق؛ بل يجوز فيه الخُلْف؛ إذ الأشياء في حقه متساوية؛ وكتب في ذلك أسئلة للعلماء بالمغرب؛ فقاطعه وهجره. ولما ولي القاضي أبو عبد الله بن بكر القضاء؛ خافه؛ فوجَّه عنه إثر ولايته؛ فلم يشك في الشر؛ فلما دخل عليه؛ رحب به، وأظهر له القبول عليه، والعفو عنه، واستأنف مودَّته؛ فكانت تعدُّ في مآثر القاضي رحمه الله. ورحل المذكور إلى سبتة؛ فقرأ بها على الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، ومن عاصره، ثم عاد إلى مالقة؛ فالتزم التدريس بها إلى حين وفاته.
دخوله غرناطة
دخل غرناطة مرات، متعلماً، وطالب حاج. ودعي إلى الإقراء بمدارستها النصرية، عام تسعة وأربعين وسبعماية؛ فقدم على الباب السلطاني، واعتذر بما قبل فيه عذره. وكان قد شرع في تقييد مفيد على كتاب التسهيل لابن مالك؛ في غاية النبل والاستيفاء والحصر والتوجيه؛ عاقته المنية عن إتمامه.
وفاته
توفي بمالقة؛ في كائنة الطاعون الأعظم؛ في أخريات ربيع الآخر من عام خمسين وسبعماية، بعد أن تصدق بمال كثير وعهد بريع مجد لطلبة العلم، وحبس عليهم كتبه.
محمد بن محمد
ابن لب الكناني؛ من أهل مالقة؛ يكنى أبا عبد الله،
ويعرف بابن لب.
حاله
كان ذاكراً للعلوم القديمة. معتنياً بها. عاكفاً عليها، متقدماً في علمها على أهل وقته، لم يكن يشاركه أحد في معرفتها، من الرياضيات والطبيعيات والإلآلهيات، ذاكراً لمذاهب القدماء، ومآخذهم في ذلك حافظاً جداً، ذاكراً لمذاهب المتكلمين، من الأشعرية وغيرهم، إلا أنه يوثر ما غلب عليه من مآخذ خصومهم، وكان نفوذه في فهمه، دون نفوذه في حفظه، فكان معتمده على حفظه في إيراده ومناظرته، وكان ذاكراً مع ذلك لأصول الفقه وفروعه، عجباً في ذلك، إذا وردت مسألة، أورد ما للناس فيها من المذاهب. وعزم عليه آخر عمره فقعد بجامع مالقة، يتكلم على الموطَّأ، وما كان من قبل تهيأ لذلك، إلا أنه ستر عليه حفظه، وتعظيم أهل بلده له. قال ابن الزبير: وكانت فيه لوثة، واخشيشان، وكان له أرب في التطواف، وخصوصاً بأرض النصارى، يتكلم مع الأساقفة في الدين، فيظهر عليهم، وكانت أموره غريبة، من امتزاج اليقظة بالغفلة، وخلط السذاجة بالدعابة. يحكى عنه أنه كانت له شجرة تين بداره بمالقة، فباع ما عليها من أحد أهل السوق، فلما هم بجمعها، ذهب ليمهد للتين بالورق في الوعاء، فمنعه من ذلك، وقال له إنما اشتريت التين، ولم تدخل الورق في البيع، فتعب ذلك المشتري ما شاء الله، وجلب ورقاً من غيرها، حتى انقضى الأمر، وعزم على معاملته في السنة الثانية، فأول ما اشترط الورق، فلما فرغ من الغلة، دعاه فقال له احمل ورقك، فإنه يوذيني، فأصابه من المشقة في جمعه من أطراف الغصون ما لم يكن يحستب، ولم تأت السنة الثالثة، إلا والرجل فقيه، اشترط مقدار الكفاية من الورق، فسامحه ورفق به. دخل غرناطة وغيرها، وأخباره عجيبة. قال أبو جعفر بن الزبير: عرض لي بمالقة مسائل، يرجع بعضها إلى الطريقة البيانية، والمآخذ الأدبية، وضحت ضرورة إلى الأخذ معه فيها، وفي آيات من الكتاب العزيز، فاستدعيته إلى منزلي، وكان فيه تخلق، وحسن ملاقاة. مع خفته الطبيعية وتشتت منازعه، فأجاب؛ وأخذت معه في ذلك؛ فألفيته صائماً عن ذلك جملة.
وصمته
قال: وكان القاضي الجليل أبو القاسم بن ربيع، وأخوه أبو الحسن ينافرانه على الإطلاق، ويحذران منه، وهو كان الظاهر من حاله. قال: واستدعاني في مرض اشتد به، قبل خروجي من مالقة على انفراد، فتنصل لي مما كان يُذَنُّ به، وأكثر البكاء، حتى رثيت له.
وفاته
توفي بمالقة، ووصى قبل موته بوصايا من ماله. في صدقات وأشباهها، وحبس داره وطائفة من كتبه على الجامع الكبير بمالقة.
محمد بن محمد
البدوي؛ الخطيب بالربض؛ من بلش؛ يكنى أبا عبد الله.
حاله
من العائد: كان رحمه الله حسن التلاوة لكتاب الله، ذا قدمٍ في الفقه، له معرفة بالأصلين، شاعراً مجيداً، بصيراً، بليغاً في خطبته، حسن الوعظ، سريع الدمعة. حج ولقي جلة. وأقرأ ببلش زماناً، وانتفع به، ولقي شدائد، أصلها الحسد.
مشيخته
قرأ العلم على الشيخين المقريين، الحجتين، أبي جعفر بن الزيات، وأبي عبد الله بن الكماد، وقرأ العربية والأصلين على الأستاذ أبي عمرو بن منظور، ولازمه وانتفع به، وقرأ الفقه على الشيخ القاضي أبي عبد الله ابن عبد السلام بمدينة تونس.
شعره
من شعره قوله في غرض النسيب:
خال على خدّك أم عنبر
ولؤلؤ ثغرك أم جوهر
أوريت نار الوجد طي الحشا
فصارت النار به تسعر
لو جدت لي منك برشف اللما
لقلت خمر عسٌل سكر
دعني في الحب أذب حسرة
سفك دم العاشق لا ينكر
وقال:
عيناي تفهم من عينيك أسرارا
وورد خدك يذكي في الحشا نارا
ملكت قلب محب فيك مكتئب
قد أثرالدمع في خديه آثارا
رضاب ثغرك يروي حر غلته
يا ليت نفسي تقضي منه أوطارا
أنعم بطيف خيال منك ألمحه
ماذا عليك بطيف منك لو زارا
نفسي فداؤك من ظبي به كلفٌ
يصبو له القلب مضطراً ومختارا
وقال:
أيها الظبي ترفق بكييب قد هلك
ألذنب تتجنى أم لشيء يوصلك
إن روحي لك ملك وكذا قلبي لك
إنما أنت هلال فلك القلب فلك
ومن مجموع نظمه ونثره ما خاطبني به، وقد طلبت من أدبه لبعض ما صدر عني من المجموعات: يا سيدي أبقاك الله بهجة للأعيان الفضلاء، وحجة لأعلام العلاء، ولا زلت تسير فوق النسر، وتجري في الفضائل على كرم النجر. ذكر لي فلان أنكم أردتم أن يرد على كمالكم، بعض الهذيان، الصادر عن معظم جلالكم، فأكبرت ذلك، ورأيتني لست هنالك، وعجبت أن ينظم مع الدُّرّ السبج، أو يضارع العمش الدعج، بيد أن لنَظْمِ الدُّرّ صُنّاعَ، والحديث قد يذاع، ولا يضاع، وحين اعتذرت له فلم يعذرني، وانتظرته فلم ينظرني، بعد أن استعفيته فأبى، واستنهضت جواد الإجابة فكبى، وسلك غير طريقي، ولم يبلغني ريقي، وفيت الغرض، وقضيت من إجابته الحق المفترض، ورددت عن تعذاله النصيح، وأثبت هنا ما معناه صحيح ولفظه غير فصيح:
بريت من حولي ومن قوتي
بحول من لا حول إلا له
وثقت بالخالق فهو الذي
يدبر العبد وأفعاله
وقلت بالحرم عند الملتزم؛ من المنظوم في مثل ذلك:
أمولاي بالباب ذو فاقة
وهذا يحط خطايا الأمم
فجد لي بعفوك عن زلتي
يجود الكريم بقدر الكرم
ومما أعددته للوفادة على خير من عقدت عليه ألويه السيادة:
حمدت إليك مع الصباح سراها
وأتتك تطلب من نداك قراها
وسرت إليك مع النسيم يمينها
شوقاً يسابق في السرى يسراها
لولا العجر لوصلت، والعذر لأطلت، لاكن ثنيت عناني لثنايك، لحسن اعتنايك، وقلت معتذراً من الصورة لمجدكم، وتالياً سورة حمدكم:
المجد يخبر عن صدق مآثره
وناظم المجد في العلياء ناثره
والجود إن جد جد المرء ينجده
وقلما ثم في الأيام ذاكره
من نال ما نلت من مجد ومن شرف
فليس في الناس شخص يناظره
يا سيداً طاب في العلياء محتده
ماجداً رسخت فيه أواصره
سَرَيْتَ في الفضل مستًناً على
سنن في الفضل مآربه حقاً وسامره
ورثته عن كبير أوحد علم
كذاك يحمله أيضاً أكابره
مبارك الوجه وضاح الجبين له
نور ينير أغر النور باهره
موفق بكفيل من عنايته
مرفع العذر سامي الذكر طاهره
رعيت في الفضل حق الفضل مجتهداً
مفهوم مجدك هذا الحكم ظاهره
علوت كالشمس إشراقاً ومنزلة
فأنت كالغيث يحيي الأرض ماطره
ينم بالفضل منك الفضل مشتهرا
كما ينم بزهر الروض عاطره
دم وابق للمجد كهفاً والعلا وزراً
فإنما المجد شخص أنت ناظره
مؤملاً منك خيراً أنت صانعه
وصانع الخير عند الله شاكره
وما وليت وما أوليت من حسن
فللناس والعالم العلوي ذاكره
بقيت تكسب من والاك مكرمة
وناصراً أبداً من قل ناصره
عذراً لك الفضل عما جيت من خطإ
أن يخط مثلي يوماً أنت عاذره
ثم السلام على علياك من رجل
تهدي الذي تُخفى ضمائره
دخوله غرناطة
دخلها غير ما مرة، ولقيته بها لتقضّي بعض أغراض بباب السلطان، مما يليق بمثله.
مولده
وفاته
توفي ببلش في أخريات عام خمسين وسبعماية.
محمد بن عبد الله
ابن مَيْمون بن إدريس بن محمد بن عبد الله العبدري قرطبي؛ استوطن مدينة مراكش؛ يكنى أبا بكر.
حاله
كان عالماً بالقراءات، ذاكراً للتفسير، حافظاً للفقه واللغات والأدب، شاعراً محسناً، كاتباً بليغاً، مبرزاً في النحو، جميل العشرة، حسن الخلق، متواضعاً، فكه المحاضرة، مليح المداعبة. وصنف في غير ما فن من العلم وكلامه كثير مدون، نظماً ونثراً.
مشيخته
روى عن: أبي بكر بن العربي، وأبي الحسن شريح وعبد الرحمن بن بقي، وابن الباذش، ويونس بن مغيث، وأبي عبد الله بن الحاج، وأبي محمد بن عتَّاب، وأبي الوليد بن رشد، ولازمه عشرين سنة. قرأ عليهم وسمع، وأجازوا له، وسمع أبا بحر الأسدي، وأبوي بكر عياش ابن عبد الملك، وابن أبي ركب، وأبا جعفر بن سانجة، وأبا الحسن عبد الجليل، وأبا عبد الله بن خلف الأيْسَري، وابن المناصف، وابن أخت غانم؛ ولم يذكر أنهم أجازوا له، وروى أيضاً عن أبوي عبد الله مكي، وابن المعمر، وأبي الوليد بن طريف.
من روى عنه
روى عنه: أبو البقاء يعيش بن القديم، وأبو الحسن ابن مؤمن، وأبو زكريا المرجيعي، وأبو يحيى أبو بكر الضرير؛ واختص به.
تواليفه
من مصنفاته: ((مشاحذ الأفكار في مآخذ النظار))؛ و((شرحاه الكبير والصغير على جمل الزجاجي))، و((شرح أبيات الإيضاح العضدي))، و((مقامات الحريري))، و((شرح معشراته الغزلية))، و((مكفراته الزهدية))، إلى غير ذلك؛ وهما مما أبان عن وفور علمه، وغزارة مادته، واتساع معارفه، وحسن تصرفه. دخل غرناطة راوياً عن الحسن بن الباذش ومثله.
محنته
كان يحضر مجلس عبد المؤمن مع أكابر من يحضره من العلماء، فيشف على أكثرهم بما كان لديه من التحقيق بالمعارف، إلى أن أنشد أبا محمد عبد المؤمن أبياتاً كان نظمها في أبي القاسم عبد المنعم بن محمد بن تست وهي:
أبا قاسم والهوى جِنَّةٌ
وها أنا من مسها لم أفق
تقحمت جامح نار الضلوع
كما خضت بحر دموع الحدق
أكنت الخليل أكنت الكليم
أمنت الحريق أمنت الغرق
فهجره عبد المؤمن، ومنعه من الحضور بمجلسه، وصرف بنيه عن القراءة عليه، وسرى ذلك في أكثر من كان يقرأ عليه، ويتردد إليه. على أنه كان في الطبقة العليا من الطهارة والعفاف.
شعره
قال في أبي القاسم المذكور، وكان أزرق؛ وقد دخل عليه ومعه أبو عبد الله محمد بن أحمد الشاطبي، وأبو عثمان سعيد بن قوسرة. فقال: ابن قوسرة:
عابوه بالزرق الذي يجفونه
والماء أزرق والعينان كذلكا
فقال أبو عبد الله الشاطبي:
الماء يهدي للنفوس حياتها
والرمح يشرع للمنون مسالكا
فقال أبو بكر بن ميمون المترجم به:
وكذلك في أجفانه سبب الردى
ولكن أرى طيب الحياة هنالكا
ومما استفاض من شعره؛ قوله في زمن الصبا عفا الله عنه:
لا تكثرت بفراق أوطان الصبا
فعسى تنال بغيرهن سعودا
والدر ينظم عند فقد بحاره
بجميل أجياد الحسان عقودا
ومن مشهور شعره:
توسلت يا ربي بأنيَ مؤمن
وما قلت أني سامع ومطيع
أيصلى بحر النار عاص موحد
وأنت كريم والرسول شفيع
وقال في مرضه:
أيرتجي العيش من عليه
دلائل للردى جلية
أولها مخبر بثان
ذاك أمان وذا منية
وفاته
توفي بمراكش يوم الثلاثاء اثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة سبع وستين وخمسماية، ودفن بمقبرة تاغزوت داخل مراكش، وقد قارب السبعين سنة.
محمد بن عبد الله
ابن عبد العظيم بن أرقم النميري؛ من أهل وادي آش؛ يكنى أبا عامر.
حاله
كان أحد شيوخ بلده وطلبته، مشاركاً في فنون من فقه وأدب وعربية، وهي أغلب الفنون عليه، مطرح السمت، مخشوشن الزي، قليل المبالاة بنفسه مختصراً في كافة شئونه، مليح الدعابة، شديد الحمل، كثير التواضع، وبيته معمور بالعلماء أولي الأصالة والتعين؛ تصدر ببلده للفتيا والتدريس والإسماع.
مشيخته
قرأ على: الأستاذ القاضي أبي خالد بن أرقم، والأستاذ أبي العباس بن عبد النور. وروى عن أبيه مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الوزير العالم أبي عبد الله بن ربيع، والقاضي أبي جعفر بن مسعدة، والأستاذ أبي جعفر ابن الزبير، وولي الله الحسن بن فضيلة. ورحل إلى العدوة، فأخذ بسبتة عن الأستاذ أبي بكر بن عبيدة، والإمام الزاهد أبي عبد الله بن حريث، وأبي عبد الله بن الخضار، وأبي القاسم بن الشاط، وغيرهم.
شعره
وهو من الجزء المسمى ب ((شعر من لا شعر له)). والحمد لله. فمن ذلك قوله يمدح أبا زكريا العزفي بسبتة، ويذكر ظفره بالأسطول من قصيدة أولها:
أما الوصال فإنه كالعيد
عذر المتيم واضح في الغيد
وفاته
توفي ببلده عام أربعين وسبعماية. ودخل غرناطة، راوياً ومتعلماً، وغير ذلك.
محمد بن عبد الله
ابن يحيى بن عبد الله بن فرج بن الجَدّ الفهري؛ الحافظ الجليل؛ يكنى أبا بكر؛ جليل إشبيلية، وزعيم وقته في الحفظ. لَبْلي الأصل، إشبيلي. استدعاه السيد أبو سعيد والي غرناطة،
فأقام بها عنده، في جملة من الفضلاء مثله سنين.
ذكر ذلك صاحب كتاب" ثورة المريدين. "
حاله
كان في حفظ الفقه بحراً يغرف من محيط. يقال إنه ما طالع شيئاً من الكتب فَنَسِيَهُ، إلى الجلالة والأصالة، وبعد الصيت، واشتهار المحل. وكان مع هذا يتكلم عند الملوك، ويخطب بين يديها، ويأتي بعجاب، وفي كتاب "الإعلام" شيء من خبره، قال ابن الزبير.
مشيخته
روى عن: أبي الحسن بن الأخضر، أخذ عنه كتاب سيبويه وغيره ذلك، وعن أبي محمد بن عتَّاب، وسمع عليه بعض الموطأ، وعن أبي بحر الأسدي، وأبي الوليد ابن طريف، وأبي القاسم بن منظور القاضي، وسمع عليه صحيح البخاري كله، وشريح بن محمد، وأبي الوليد بن رشد، وناوله كتاب "البيان والتحصيل". وكتاب اًلمقدمات.ً لقي هؤلاء كلهم، وأجازوا له عامة. وأخذ أيضاً عن مالك بن وهيب.
من حدث عنه
أبو الحسن بن زرقون، وأبو محمد القرطبي الحافظ، وإبنا حوط الله، وغيرهم. وعليه من ختمت به المائة السادسة ك: أبي محمد بن جمهور، وأبي العباس بن خليل وإخوته الثلاثة أبي محمد عبد الله، وأبي زيد عبد الرحمن، وأبي محمد عبد الحق. قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: حدثني عنه ابن خليل، وأبو القاسم الجياني، وأبو الحسن بن السراج.
مولده
[بلبلة] في ربيع الأول سنة ست وتسعين وأربعمائة.
وفاته
وتوفي بإشبيلية في شوال سنة ست وثمانين وخمسماية؛ ذكره: ابن الملجوم، وأبو الربيع بن سالم، وابن فرتون.
محمد بن عبد الرحمن
ابن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن الفَخَّار الجذامي؛
يكنى أبا بكر؛ أركشي المولد المنشأ، مالقي الاستيطان،
شريشي التدرب والقراءة.
حاله
من"عايد الصلة": كان رحمه الله خيراً صالحاً، شديد الانقباض، مغرقاً في باب الورع، سليم الباطن، كثير العكوف على العلم والملازمة، قليل الرياء والتصنع. خرج من بلده أركش؛ عند استيلاء العدو على قصبتها، وكان يصفها، وينشد فيها من شعر أستاذه الأديب أبي الحسن الكرماني:
أكرم بأركش دارا تاهت على البدر قدرا
يخاطب المجد عنها لقلبٍ تدنى شكرا
واستوطن مدينة شريش، وقرأ بها، وروى بها عن علمائها، واقرأ بها. ولما استولى العدو عليها لحق بالجزيرة الخضراء؛ فدرس بها، ثم عبر البحر إلى سبتة؛ فقرأ بها، وروى. ثم كرَّ إلى الأندلس؛ فقصد غرناطة، وأخذ عن أهلها. ثم استوطن مالقة، وتصدر للإقراء بها، مفيد التعليم، متفننه، من: فقه وعربية وقراءات وأدب وحديث؛ عظيم الصبر، مستغرق الوقت، يدرس من لَدُن صلاة الصبح إلى الزوال. ثم يسند ظهره إلى طاق المسجد بعد ذلك، فيقرئ، وتأتيه النساء من خلفه للفتيا، فيفتيهن على حال سؤالاتهن إلى نصف ما بين العصر والعشاء الأولى. ثم يأتي المسجد الأعظم بعد الغروب، فيقعد للفتيا إلى العشاء الآخرة، من غير أن يقبل من أحد شيئاً. ومن أخذ منه بعد تحكيم الورع، أثابه بمثله. ما رأي في وقته أورع منه. وكان يتخذ رومية مملوكة، لا يشتمل منزله على سواها؛ فإذا أنس منها الضجر للحصر، وتمادى الحجاب، أعتقها، وأصحبها إلى أرضها. ونشأت بينه وبين فقهاء بلده خصومة في أمور عدّوها عليه، مما ارتكبها لاجتهاده في مناط الفتوى، وعقد لهم أمير المسلمين بالأندلس، مجلساً أجلى عن ظهوره فيه، وبقاء رسمه؛ فكانت محنة وخلصه الله منها. وبلغ من تعظيم النّاس إياه، وانحياشهم إليه مبلغاً لم ينله مثله، وانتفع بتعليمه، واستفيد منه الأدب، على نسكه وسذاجته.
مشيخته
قرأ ببلده شريش على المكتب الحاج أبي محمد عبد الله بن أبي بكر بن داود القيسي، وعلى الأستاذ أبي بكر محمد بن الرباح، وعلى الأستاذ أبي الحسن علي بن إبراهيم بن حكيم السكوني الكرماني. أخذ عنه العربية والأدب، وعلى: الحافظ أبي الحسن علي بن عيسى المعروف بابن متيوان، وعلى الأصولي الكاتب أبي الحسن هلال بن أبي سنان الأزدي المراكشي، وعلى الخطيب أبي العرب إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري، وعلى الفقيه أبي عبد الله الجنيدي المعروف بالغراق، وعلى الفقيه العددي أبي عبد الله محمد بن علي بن يوسف المعروف بابن الكاتب المكناسي. وقرأ بالجزيرة الخضراء على الخطيب الصالح أبي محمد الركبي، وروى عنه، وقرأ بها على: الخطيب أبي عبيد الله بن خميس، وعلى الأصولي أبي أمية. وقرأ بسبتة على الأستاذ الفرضي إمام النحاة أبي الحسن بن أبي الربيع، وعلى أبي يعقوب المحبساني، وعلى المحدث أبي عمرو عثمان بن عبد الله العبدري، وعلى الفقيه المالكي الحافظ أبي الحسن المتيوي، والأصولي أبي الحسن البصري، والفقيه المعمر الراوية أبي عبد الله محمد الأزدي، والمحدث الحافظ أبي محمد بن الكماد، وعلى الأستاذ العروضي الكفيف أبي الحسن بن الخضار التلمساني. ولقي بغرناطة قاضي الجماعة أبا القاسم بن أبي عامر بن ربيع، والأستاذ أبا جعفر الطباع، وأبا الوليد إسمعيل بن عيسى بن أبي الوليد الأزدي، والأستاذ أبا الحسن بن الصايغ. ولقي بمالقة الخطيب الصالح أبا محمد عبد العظيم بن الشيخ، والراوية أبا عبد الله محمد بن علي بن الحسن الجذامي السهيلي. وسمع على الراوية أبي عمرو بن حوط الله، وعلى الأستاذ أبي عبد الله بن عباس القرطبي.
تواليفه
كان رحمه الله مغرى بالتأليف، فألّف نحو الثلاثين تأليفاً في فنون مختلفة، منها: كتاب ((تَحْبير نظم الجمان في تفسير أم القرآن))، و((انتفاع الطلبة النبهاء في اجتماع السبعة القراء)). و((الأحاديث الأربعون بما ينتفع به القارئون والسامعون))، وكتاب ((منظوم الدرر في شرح كتاب المختصر))، وكتاب ((نصح المقالة في شرح الرسالة))، وكتاب ((الجواب المختصر المروم في تحريم سكنى المسلمين ببلاد الروم))، وكتاب ((استواء النهج في تحريم اللعب بالشطرنج))، وكتاب ((الفيصل المنتضى المهزوز في الرد على من أنكر صيام يوم النيروز))، وكتاب ((جواب البيان على مصارمة أهل الزمان))، وكتاب ((تفضيل صلاة الصبح للجماعة في آخر الوقت المختار على صلاة الصبح للمنفرد في أول وقتها بالابتدار))، وكتاب ((إرشاد السالك في بيان إسناد زياد عن مالك))، وكتاب ((الجوابات المجتمعة عن السؤالات المنوعة))، وكتاب ((إملاء فوائد الدول في ابتداء مقاصد الجمل))، وكتاب ((أجوبة الإقناع والإحساب في مشكلات مسائل الكتاب))، وكتاب ((منهج الضوابط المقسمة في شرح قوانين المقدمة))، وكتاب ((التوجيه الأوضح الأسمى في حذف التنوين من حديث أسما))، وكتاب ((التكملة والتبرية في إعراب البسملة والتصلية))، وكتاب ((سَحُّ مزنة الانتخاب في شرح خطبة الكتاب)). ومنها ((اللايح المعتمد عليه في الرد على من رفع الخبر بلا إلى سيبويه))، وغير ذلك من مجيد ومقصر.
شعره
وشعره كثير، غريب النزعة، دال على السذاجة، وعدم الاسترابة والشعور، والغفلة المعربة عن السلامة، من ارتكاب الحوشي، واقتحام الضرار، واسعمال الألفاظ المشتركة التي تتشبث بها أطراف الملاحين والمعاريض، ولع كثير من أهل زمانه بالرد عليه، والتملح بما يصدر عنه، منهم القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك.
ومن منتخب شعره قوله:
أنظر إلى ورد الرياض كأنه
ديباج خد في بنان زبرجد
قد فتحته نضارة فبدا له
في القلب رونق صفرةٍ كالعسجد
حكت الجوانب خد حبّ ناعم
والقلب يحكي خدّ صب مكمد
حدث الفقيه العدل أبو جعفر أحمد بن مفضل المالقي، قال: قال لي يوماً الشيخ الأستاذ أبو بكر ابن الفخار، خرجت ذات يوم وأنا شاب من حلقة الأستاذ بشريش، أعادها الله للإسلام، في جملة من الطلبة، وكان يقابل باب المسجد حانوت سراج، وإذا فتى وسيم في الحانوت؛ يرقم جلداً كان في يده، فقالوا لي: لا تجاوز هذا الباب حتى تصنع لنا شعراً في هذا الفتى. فقلت:
ورب معذر للحب داع
يروق بهاء منظره البهيج
وشى في وجنتيه وشياً
كوشي يديه في أدم السروج
مولده
بحصن أركش؛ بلده؛ وكان لا يخبر به، في ما بين الثلاثين والأربعين وستمائة.
وفاته
توفي بمالقة في عام ثلاثة وعشرين وسبعماية وكانت جنازته بمالقة مشهورة.
محمد بن علي
ابن عمر بن يحيى بن العربي الغساني؛ من أهل الحَمَّة
من عمل المرية؛ يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن العربي، وينتمي في بني أسود من أعيانها.
حاله
من العايد: كان رحمه الله من أهل العلم والدين والفضل، طلق الوجه، حسن السير، كثير الحياء، كأنك إذا كلمته تخاطب البكر العذراء، لا تلقاه إلا مبتسماً، في حسن سمت، وفضل هوىً، وجميل وقار، كثير الخشوع، وخصوصاً عند الدخول في الصلاة، تلوح عليه بذلك، عند تلاوته سيما الحضور، وحلاوة الإقبال. وكان له تحقق بضبط القراءات، والقيام عليها، وعناية بعلم العربية، مع مشاركة في غير ذلك من الفنون السنية، والعلوم الدينية. انتصب للإقراء والتدريس بالحمّة المذكورة، فقرب النجعة على أهل الحصون والقرى الشرقية، فصار مجتمعاً لأرباب الطلب من أهل تلك الجهات ومرتفقاتهم. وكان رجلاً صالحاً، مبارك النية، حسن التعليم، نفع الله به من هنالك، وتخرج على يديه جمع وافر من الطلبة، عمرت بهم ساير الحصون. وكان له منزل رحب للقاصدين، ومنتدى عذب للواردين. تجول في آخرة بالأندلس والعدوة، وأخذ عمن لقي بها من العلماء، وأقام مدة بسبتة، مكباً على قراءة القرآن والعربية. وبعد عوده من تجواله لزم التصدر للإقراء بحيث ذكر، وقد كانت الحواضر فقيرة لمثله، غير أنه آثر الوطن، واختار الاقتصاد.
مشيخته
أخذ بالمرية عن شيخها أبى الحسن بن أبى العيش، وبغرناطة عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، والعدل أبي الحسن بن مستقور، وببلش عن الأستاذ أبي عبد الله بن الكماد، والخطيب أبي جعفر بن الزيات، وبمالقة عن الأستاذ أبي عبد الله بن الفخار، والشيخ أبي عبد الله محمد بن يحيى بن ربيع الأشعري، وبالجزيرة عن خطيبها أبي العباس بن خميس، وبسبتة عن الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، والخطيب أبي عبد الله بن رشيد، والإمام الصالح أبي عبد الله محمد بن محمد بن حريث، والقاضي أبي عبد الله القرطبي، والزاهد أبي عبد الله بن معلى، الشيخ الخطيب أبي عبد الله الغماري، وبمكناسة من القاضي وارياش، وبفاس من الحاج الخطيب أبي الربيع سليمان بن مفتاح اللجاي، والأستاذ أبي الحسن بن سليمان، والأستاذ أبي عبد الله بن أجروم الصنهاجي، والحاج أبي القاسم بن رجا بن محمد بن علي وغيرهم، وكل من ذكر أجاز له عامة، إلا قاضي مكناسة أبي عبد الله محمد بن علي الكلبي الشهير بوارياش.
مولده
في أول عام اثنين وثمانين وستمائة.
وفاته
توفي بالحمّة؛ ليلة الإثنين الثامن عشر لشهر محرم عام ثمانية وأربعين وسبعمائة.
محمد بن علي
ابن محمد العبدري؛ من أهل مالقة؛ يكنى أبا عبد الله،
ويعرف باليتيم.
حاله
كان رحمه الله أحد الظرفاء من أهل بلده، مليح الشكل، حسن الشيبة، لوْذعياً في وقار، رشيق النظم والنثر، غزلا مع الصون، كثير الدعابة من غير إفحاش، غزير الأدب، حسن الصوت، رائق الخط بديع الوراقة، معسول الألفاظ، ممتع المجالسة، طيب العشرة. أدب الصبيان مدة، وعقد الشروط أخرى، وكان يقرأ كتب الحديث والتفسير والرقائق للعامة بالمسجد الأعظم، بأعذب نغمة، وأمثل طريقة، مذ أزيد من ثلاثين سنة، لم يخل منها وقتاً إلا ليلتين، إحداهما بسبب امتساكنا به في نزهة برياض بعض الطلبة. لم يخلف مثله بعده. وخطب بقصبه مالقة، ومال أخيراً إلى نظر الطب، فكان الناس يميلون اليه، وينتفعون به لسياغ مشاركته، وعموم انقياده، وبره وعمله على التودد والتجمل.
وجرى ذكره في "التاج المحلى" بما نصه: مجموع أدوات حسان، من خط ونغمة ولسان، أوراقه روض تتضوع نسماته، وبشره صبح تتألق قسماته، ولا يخفى سماته. يقرطس أغراض الدعابة ويصميها، ويفوق سهام الفكاهة إلى مراميها، فكلما صدرت في عصره قصيدة هازلة، أو أبيات منحطة عن الإجادة نازلة، خمس أبياتها وذيَّلها، وصرف معانيها وسهلها، وتركها سمر الندمان، وأضحوكة الزمان. وهو الآن خطيب المسجد الأعلى من مالقة، متحل بوقار وسكينة، حال من أهلها بمكانةٍ مكينة، لسهولة جانبه، واتضاح مقاصده في الخير ومذاهبه. واشتغل لأول أمره بالتعليم والتكتيب، وبلغ الغاية في الوقار والترتيب، وللشباب لم ينصل خضابه، ولا شلت للمشيب عضابه، ونفسه بالمحاسن كلفة؛ وشأنه كله هوى ومحبة، ولذلك ما خاطبه به بعض أودَّايه، وكلاهما رمى أهله بدايه، حسبما يأتي خلال هذا المقول وفي أثنائه بحول الله.
شعره
كتبت إليه أسأل منه ما أثبت في كتاب "التاج " من شعره؛ فكتب إليّ:
أما الغرام فلم أخلل بمذهبه
فلم حرمت فؤادي نيل مطلبه
يا معرضاً عن فؤادٍ لم يزل كلفاً
بحبه ذا حذار من تجنبه
قطعت عنه الذي عودته فغدا
وحظه من رضاه برق خلَّبِه
أيام وصلك مبذول وبرك بي
مجدد قد صفا لي عذب مشربه
وسمع ودك عن إفك العواذل في
شغلٍ وبدر الدجى ناسٍ لمغربه
ألأنت تمنعني نيل الرضا كرماً
ولا فؤادي بوانٍ في تطلبه
لله عرفك ما أذكى تنسمه
لو كنت تمنحني استشاق طيبّه
أنت الحبيب الذي لم أتخذ بدلاً
منه وحاش لقلبي من تقلبه
يا ابن الخطيب الذي قد فقت كل سناً
أزال عن ناظري إظلام غيهبه
محمد الحسن في خلقٍ وفي خلق
كَمُلَت باسمك معنى الحسن فازْهَ به
نأيت أو غبت مالي عن هواك غنى
لا ينقص البدر حسناً في تغيبه
سيان حال التداني والبعاد وهل
لمبصر البدر نيل في ترقبه
يا من أحسن ظني في رضاه وما
ينفك يبدى قبيحاً من تغضبه
إن كان ذنبي الهوى فالقلب مني لا
يصغي لسمع ملامٍ من مؤنبه
فأجبته بهذه الرسالة، وهي ظريفة في معناها: ((يا سيدي، الذي إذا رفعت راية ثنائه تلقيتها باليدين، وإذا قسمت سهام وداده على ذوي اعتقاده، كنت صاحب الفريضة والدَّيْن، دام بقاؤك لِطُرْفَةٍ تبديها، وغريبةٍ تردفها، بأخرى تليها، وعقيلة بيان تجليها ونفس أخذ الحزن بكظمها، وكلف الدهر بشت نظمها، تؤنسها وتسليها، لم أزل أعزك الله، أشد على بدائعها يَدَ الضَّنين، وأقتني درر كلامك، ونفثات أقلامك، اقتناء الدر الثمين، والأيام بلقياك تعد ولا تسعد، وفي هذه الأيام انثالت علي سماوك بعد قحط، وتوالت علي آلاوك على شحط، وزارتني من عقائل بيانك كل فاتنة الطرف، عاطرة العرف، رافلةٍ في حلل البيان والظرف، لو ضربت بيوتها بالحجاز، لأقرت لنا العرب العاربة بالإعجاز، ماشيت من رصف المبنى، ومطاوعة اللفظ لغرض المعنى، وطيب الأسلوب، والتشبث بالقلوب. غير أن سيدي أفرط في التنزل، وخلط المخاطبة بالتغزل، وراجع الالتفات، ورام استدراك ما فات. يرحم الله شاعر المعرة، فلقد أجاد في قوله، وأنكر [مناجاةً للشوق]، بعد انصرام حوله فقال:
أبعد حولٍ تناجي للشوق ناجية
هلا ونحن على عشر من العشر
وقد تَجاوَزْتَ في الأمل، وأنسيت أخبار صاحبك صاحبك عبد الصمد، فأقسم بألفات القدود، وهمزات الجفون السود، وحاملي الأرواح مع الألواح، بالغدو والرواح، لولا بعد مزارك، ما أمنت غايلة ما تحت إزارك ثم إني حققت الغرض، وبحثت عن المشكل الذي عرض، فقلت للخواطر انتقال، ولكل مقام مقال، وتختلف الحوائج باختلاف الأوقات، ثم رفع اللبس خبر الثقات.
ومنها: وتعرفت ما كان من مراجعة سيدي لحرفة التكتيب والتعليم، والحنين إلى العهد القديم، فسررت باستقامة حاله، وفضل ماله، وإن لاحظ الملاحظ ما قال الجاحظ، فاعتراض لا يرد، وقياس لا يضطرد، حبذا والله عيش [أهل] التأديب، فلا بالضنك ولا بالجديب، بالجديب، معاهدة الإحسان، ومشاهدة الصور الحسان، يميناً إن المعلمين لسادة المسلمين، وإني لأنظر منهم، كلما خطرت على المكاتب، أمراً فوق المراتب، من كل مسيطر الدرة، متقطب الأسرة، متنمر للوارد تنمر الهرة، يغدو إلى مكتبه والأمير في موكبه، حتى إذا استقل في فرشه، واستولى على عرشه، وترنم بتلاوة قانونه وورشه، أظهر للخلق احتقاراً، وأندى بالجبال وقاراً، ورفعت إليه الخصوم، ووقف بين يديه الظالم والظلوم، فتقول: كسرى في إيوانه، والرشيد في زمانه، والحجاج بين أعوانه. وإذا استولى على البدر السرار، وتبين للشهر الغرار، تحرّك إلى الخَرْج، تحرُّك القرد إلى الفَرْج. أستغفر الله مما يشق على سيدي سماعه، وتشمئز من ذِكْراه طباعه، شيم اللسان، خلط الإساءة بالإحسان، والغفلة من صفات الإنسان. فأي عيش هذا العيش، وكيف حال أمير هذا الجيش، طاعة معروفة، ووجوه إليه مصروفة، فإن أشار بالإنصات، تتحقق الغُصَّات، فكأنما طمس الأفواه، ولأم بين الشفاه. وإن أمر بالإفصاح، وتلاوة الألواح، علا الضجيج والعجيج، وحف به كما حف بالبيت الحجيج. وكم بين ذلك من رشوة تدس، وغمزة لا تحس، ووعد يستنجز، وحاجةٍ تستعجل وتحفز. هنأ الله سيدي ما خوله، وأنساه بطيب آخره أوله. وقد بعثت بدعابتي هذه مع إجلال قدره، والثقة بسعة صدره، فليتلقها بيمينه، ويفسح لها في المرتبة بينه وبين خدينه، ويفرغ لمراجعتها وقتاً من أوقاته بمقتضى دينه، وفضل يقينه، والسلام)).
ومن شعره ما كتب به إلى:
آيات حسنك حجة للقال
في الحب قائمة على العذال
يا من سبا طوعاً عقول ذوي النهى
ببلاغةٍ قد أيدت بجمال
يستعبد الأبصار والأسماع ما
يجلو ويتلو من سنيّ مقال
وعليك أهواء النفوس بأسرها
وقفت فطيرك لا يمر ببال
رفعت لريُّه في البلاغة راية
لما احتللت بها وحيد كمال
وغدت تباهي منك بالبدر الذي
تعنو البدور لنوره المتلالي
ماذا ترى يا ابن الخطيب لخاطب
وداً ينافس فيك كل مقال
جذبته نحو هواك غر محاسن
مشفوعة أفرادها بمعال
وشمايل رقت لرقة طبعها
فزلالها يزري بكل زلال
وحلي آداب بمثل نفيسها
تزهو الحلا ويحل قدر الحال
يستخدم الياقوت عند نظامها
فمقصر من قاسها بلآل
سبق الأخيرالأولين بفضلها
فغدا المقدم تابعاً للتالي
شغفي بدكرِ من عقايلها إذا
تبدو تصان من الحجا بحجال
فابعث بها نِلْتَ المنا ممهورة
طيب الثناء لنقدها والكال
لا زلت شمساً في الفضايل يهتدى
بسناك في الأفعال والأقوال
ثم السلام عليك يترى ما تلت
بكرالزمان روادف الآصال
ومن الدعابة، وقد وقعت إليها الإشارة من قبل، ما كتب به إليه صديقه الملاطف أبو علي ابن عبد السلام:
أبا عبد الله نداء خل
وفي جاء يمنحك النصيحه
إلى كم تألف الشبان غياً
وخذلانا أما تخشى الفضيحه
فأجابه رحمه الله:
فديتك صاحب السمة المليحة
ومن طابت أرومته الصريحه
ومن قلبي وضعت له محلاً
فما عنه يحل بأن أزيحه
نأيت فدمع عيني في انسكاب
وأكباد لفرقتكم قريحه
وطرفي لا يتاح له رقاد
وهل نوم لأجفان جريحه
وزاد تشوقي أبيات شعر
أتت منكم بألفاظ فصيحه
ولم تقصد بها جداً ولكن
قصدت بها مداعبة قبيحه
فقلت أتألف الشبان غيا
وخذلانا أما تخشى الفضيحه
وفيهم حرفتي وقوام عيشي
وأحوالي بخلطتهم نجيحه
وأمري فيهم أمر مطاع
وأوجههم مصابيح صبيحه
وتعلم أنني رجل حصور
وتعرف ذاك معرفة صحيحه
قال في "التاج: ولما اشتهر المشيب بعارضه ولمته، وخفر الدهر لعمود صباه وأذمته، أقلع واسترجع، وتألم لما فرط وتوجع، وهو الآن من جلة الخطباء، طاهر العرض والثوب، خالص من الشوب، باد عليه قبول قابل التوب.
وفاته رحمه الله
في آخر صفر من عام خمسين وسبعماية في وقيعة الطاعون العام، ودخل غرناطة.
من الغرباء في هذا الباب
محمد بن أحمد
ابن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي؛
من أهل تلمسان؛ يكنى أبا عبد الله، ويلقب من الألقاب المشرقية بشمس الدين.
حاله
هذا الرجل من طُرَفِ دَهِرِه ظرفاً وخصوصية ولطافة، مليح التوسل حسن اللقاء، مبذول البشر، كثير التودد، نظيف البزة، لطيف التَّأتَّي، خَيَّرُ البيت، طلق الوجه، خلوب اللسان، طيب الحديث، مقدر الألفاظ، عارف بالأبواب، درب على صحبة الملوك والأشراف، متقاض لإيثار السلاطين والأمراء يسحرهم بخلابة لفظه، ويفتلهم في الذروة والغارب بتنزله، ويهتدي إلى أغراضهم الكمينة بحذقه، ويصنع غاشيتهم بتلطفه، ممزوج الدعابة بالوقار، والفكاهة بالنسك، والحشمة بالبسط، عظيم المشاركة لأهل وده، والتعصب لإخوانه، إلف مألوف، كثير الأتباع والعُلَق، مسخر الرقاع في سبيل الوساطة، مجدي الجاه، غاص المنزل بالطلبة، منقاد الدعوة، بارع الخط، أنيقه، عذب التلاوة، متسع الرواية، مشارك في فنون، من أصول وفروع وتفسير، يكتب ويشعر ويقيد ويؤلف، فلا يعدو السداد في ذلك، فارس منبر غير جزوع ولا هيابة. رحل إلى المشرق في كنف حشمة نم جناب والده رحمه الله، فحج وجاور، ولقي الجلة، ثم فارقة، وقد عرف بالمشرق حقه، وصرف وجهه إلى المغرب، فاشتمل عليه السلطان أبو الحسن أميره، اشتمالاً خلطه بنفسه، وجعله مفضى سره، وإمام جمعته وخطيب منبره، وأمين رسالته، فقدم في غرضها على الأندلس في أواخر عام ثمانية وأربعين وسبعماية، واجذبه سلطانها رحمه الله، وأجراه على تلك الوتيرة، فقلده الخطبة بمسجده في السادس لصفر عام ثلاثة وخمسين وسبعماية، وأقعده للإقراء بالمدرسة من حضرته. وفي أخريات عام أربعة وخمسين بعده أطرف عنه حفن بره، في أسلوب طماح ودالَّة، وسبيل هوى وقحة، فاغتنم العبرة، وانتهز الفرصة، وأنفذ في الرحيل العزمة، وانصرف عزيز الرحلة، مغبوط المنقلب، في أوادئل شعبان عام أربعة وخمسين وسبعماية، فاستقر فاستقر بباب ملك المغرب، أمير المؤمنين أبي عنان فارس في محل تجلة، وبساط قرب، مشترك الجاه، مجدي التوسط، ناجع الشفاعة، والله يتولاه ويزيده من فضله.
مشيخته
[من كتابه المسمى ((عجالة المتسوفز المستجاز في ذكر من سمع من المشايخ دون من أجاز، من أئمة المغرب والشام والحجاز)). فممن لقيه بالمدينة المشرفة على ساكنها الصلاة والسلام، الإمام العلامة عز الدين محمد أبو الحسن ابن علي بن إسماعيل الواسطي صاحب خطتي الإمامة والخطابة بالمسجد النبوي الكريم، وأفرد جزءاً في مناقبه. ومنهم الشيخ الإمام جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خلف بن عيسى الخزرجي السعدي العبادي، تحمل عن عفيف الدين أبي محمد عبد السلام بن مزروع، وأبي اليمن، وغيره. والشيخ الإمام خادم الوقت بالمسجد الكريم ونائب الإمامة والخطابة به، ومنشد الأمداح النبوية هنالك]. وبمكة شرفها الله، الشيخ المعمر الثقة شرف الدين أبو عبد الله عيسى بن عبد الله الحجي المكي. والشيخ الصالح شرف الدين خضر بن عبد الرحمن العجمي. والشيخ مقري الحرم برهان الدين إبراهيم بن مسعود بن إبراهيم الآبلي المصري. والشيخ الإمام الصالح أبو محمد عبد الله بن أسعد الشافعي الحجة، انتهت إليه الرياسة العلمية والخطط الشرعية بالحرم. والشيخ قاضي القضاة وخطيب الخطباء عز الدين أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن جماعة الكناني قاضي القضاة بمصر. وبمصر الشيخ علاء الدين القونوي. والتقي السعدي، وقاضي القضاة القزويني، والشرف أقضى القضاة الإخميمي، وكثيرون غيرهم. وسمع من عدد عديد آخر من أعلام القضاة والحفاظ والعلماء بتونس، وبجابه، والزاب، وتلمسان.
محنته
اقتضى الخوض الواقع بين يدي تاميل الأمير أبي الحسن رحمه الله، وتوقُّع عودة الأمر إليه، وقد ألقاه اليم بالساحل بمدينة الجزاير، أن قبض عليه بتلمسان، أمراؤها المتوثبون عليها في هذه الفترة، من بني زيان، إرضاء لقبيلهم، المتهم بمداخلته، وقد رحل عنهم دسيساً من أميرهم عثمان بن يحيى بن عبد الرحمن بن يغمراسن؛ فصرف مأخوذاً عليه طريقه، منتهباً رحله، منتهكة حرمته، وأسكن قرارة مطبق عميق القعر، مقفل المسلك، حريز القفل، ثاني اثنين. ولأيام قتل ثانيه ذبحاً بمقربة من شفى تلك الركية، وانقطع لشدة الثقاف أثره، وأيقن الناس بفوات الأمر فيه.
ولزمان من محنته ظهرت عله بركة سلفه، في خبر ينظر بطرقه إلى الكرامة، فنجا ولا تسل كيف، وخلصه الله خلاصاً جميلاً، وقدم على الأندلس، والله ينفعه بمحنته.
شعره
وما وقع من المكاتبة بيني وبينه
ركب مع السلطان خارج الحمراء، أيام ضربت اللوز قبابها البيض، وزينت الفحص العريض، والروض الأريض، فارتجل في ذلك:
[أنظر إلى النوار في أغصانه
يحكي النجوم إذا تبدت في الحلك]
حيا أمير المسلمين وقال قد
عميت بصيرة من بغيرك مَثَّلَكْ
يا يوسفاً حزت الجمال بأسره
فمحاسن الأيام تومي هيت لك
أنت الذي صعدت به أوصافه
فيقال فيه ذا مليك أو ملك
ولما قدمت على مدينة فاس في غرض الرسالة، خاطبني بمنزل الشاطبي على مرحلة منها بما نصه:
يا قادماً وافى بكل نجاج
أبشر بما تلقاه من أفراح
هذي ذرى ملك الملوك فلذ بها
تنل المنى وتفز بكل سماح
معنى الإمام أبي عنان يممن
تظفر ببحر في العلى طفاح
من قاس جود أبي عنان ذي الندى
بسواه قاس البحر بالضحضاح
ملك يفيض على العفاة نواله
قبل السؤال وقبل بسطة راح
فلجود كعب وابن سعدى في الندى
ذكر محاه من نداه ماح
ما أن رأيت ولا سمعت بمثله
من أريحي للندى مرتاح
بسط الأمان على الأنام فأصبحوا
قد ألحفوا منه بظل جناح
وهمى على العافين سيب نواله
حتى حكى سح الغمام الساح
فنواله وجلاله وفعاله
فاقت وأعيت ألسن المداح
وبه الدنا أضحت تروق وأصبحت
كل المنى تنقاد بعد جماح
من كان ذا ترح فرؤية وجهه
متلافة الأحزان والأتراح
فانهض أبا عبد الإله تفز بما
تبغيه من أمل ونيل نجاح
لا زلت ترتشف الأماني راحة
من راحة المولى بكل صباح
والحمد لله يا سيدي وأخي على نعمه التي لا تحصى حمداً يؤم به جميعنا المقصد الأسنى، فيبلغ الأمد الأقصى، فطالما كان معظم سيدي للأسى في خبال، وللأسف بين اشتغال بال، واشتغال بلبال، ولقدومكم على هذا المقام العلي في ارتقاب، ولمواعدكم بذلك في تحقق وقوعه من غير شك ولا ارتياب، فها أنت تجتلي، من هذا المقام العلي، لِتُشَيَّعَك وجوه المسرات صباحاً، وتتلقى أحاديث مكارمه ومواهبه مسندة صحاحاً بحول الله. ولسيدي الفضل في قبول مركوبه الواصل إليه بسرجه ولجامه، فهو من بعض ما لدى المحب من إحسان مولاي وإنعامه. ولعمري لقد كان وافداً على سيدي في مستقره مع غيره. فالحمد لله الذي يسر في إيصاله على أفضل أحواله. فراجعته بقولي:
راحت تذكرني كؤوس الراح
والقرب يخفض للجنوح جناح
وسرت تدل على القبول كأنما
دل النسيم على انبلاج صباح
حسناء قد غنيت بحسن صفاتها
عن دملج وقلادة ووشاح
أمست تحض على اللياذ بمن جرت
بسعوده الأقلام في الأفراح
بخليفة الله المؤيد فارس
شمس المعالي الأزهر الوضاح
ما شيت من هِمَمٍ ومن شيم غدت
كالزهر أو كالزهر في الأدواح
فضل الملوك فليس يدرك شأوه
أنى يقاس الغمر بالضحضاح
أسنى بني عباسهم بلوائه ال
منصور أو بحسامه السفاح
وغدت مغاني الملك لما حلها
تزهى ببدر هدى وبحر سماح
وحياة من أهداك تحفة قادم
في العرف منها راحة الأرواح
ما زلت أجعل ذكره وثناءه
روحي وريحاني الأريج وراح
ولقد تمازج حبه بجوارحي
كتمازج الأجسام بالأرواح
ولو أنني أبصرت يوماً في يدي
أمري لطرت إليه دون جناح
فالآن ساعدني الزمان وأيقنت
من قربه نفسي بفوز قداح
إيه أبا عبد الإله وإنه
لنداء ود في علاك صراح
أما إذا استنجدتني من بعد ما
ركدت لما خبت الخطوب رياح
فأليكها مهزولة وأنا امرؤ
قررت عجزي وأطرحت سلاح
سيدي: أبقاك الله لعهد تحفظه، وولى بعين الولاء تلحظه. وصلتني رقعتك التي ابْتَدَعْتَ، وبالحق من مدح المولى الخليفة صدعت، وألفتني وقد سطت بي الأوحال، حتى كادت تتلف الرحال، والحاجة إلى الغذاء، قد شمرت كشح البطين، وثانية العجماوين قد توقع فوات وقتها، وإن كانت صلاتها صلاة الطين، والفكر قد غاض معينه، وضعف وعلى الله جزاء المولى الذي يعينه، فغزتني بكتيبة بيان أسدها هصور، وعلمها منصور، وألفاظها ليس فيها قصور، ومعانيها عليها الحسن مقصور، واعتراف مثلي بالعجز في المضايق حول ومنة، وقول لا أدري للعالم فكيف لغيره جنة. لاكنها بشرتني بما يقل لمهديه بذل النفوس وإن جلت، وأطلعتني من السراء على وجه تحسده الشمس إذا تجلت، بما أعلمت به من جميل اعتقاد مولانا أمير المؤمنين أيده الله، في عبده، وصدق المخيلة في كرم مجده. وهذا هو الجود المحض، والفضل الذي شكره هو الفرض. تلك الخلافة المولوية تتصف بصفة من يبدأ بالنوال، من قبل الضراعة والسؤال من غير اعتبار للأسباب، ولا مجازاة للأعمال. نسأل الله أن يبقي منها على الإسلام أوفى الظلال، ويبلغها من فضله أقصى الآمال. ووصل ما بعثه سيدي صحبتها من الهدية، والتحفة الودية، [وقبلتها امتثالاً]، واستجليت منها عتقاً وجمالاً. وسيدي في الوقت أنسب إلى اتخاذ ذلك الجنس، وأقدر على الاستكثار من إناث البهم والإنس. وأنا ضعيف القدرة، غير مستطيع لذلك إلا في الندرة، فلو رأى سيدي، ورأيه سداد، وقصده فضل ووداد، أن ينقل القضية [إلى باب العارية من باب الهبة] مع وجوب الحقوق المترتبة، لبسط خاطري وجمعه، وعمل في رفع المؤنة على شاكلة حالي معه؛ وقد استصحبت مركوباً يشق علي هجره، ويناسب مقامي شكله ونجره، وسيدي في الإسعاف على الله أجره وهذا أمر عرض، وفرض فرض، وعلى نظره المعول، واعتماد إغضائه هو المعقول الأول. والسلام على سيدي من معظم قدره، وملتزم بره، ابن الخطيب، في ليلة الأحد السابع والعشرين لذي قعدة سنة خمسة وخمسين وسبعماية، والسماء قد جادت بمطر سهرت منه الأجفان، وظن أنه طوفان، واللحاق في غد بالباب المولوي، مؤمل بحول الله. ومن الشعر المنسوب إلى محاسنه، ما أنشد عنه، وبين يديه، في ليلة الميلاد المعظم، من عام ثلاثة وستين وسبعماية بمدينة فاس المحروسة:
[أيا نسيم] السحر بالله بلغ خبر
إن أنت يوماً بالحمى جررت فضل المئزر
ثم حثثت الخطو من فوق الكثيب الأعفر
مستقرياً في عشبه خفيَّ وطء المطر
تروي عن الضحاك في الر وضِ حديث الزهر
مخلق الأذيال بال عبير أو بالعنبر
وصف لجيران الحمى وجدي بهم وسهري
وحقهم ما غيرت ودي صروف الغير
لله عهد فيه قَضَّ يْت حميد الأثر
أيامه هي التي أحسبها من عمري
وباليل فيه ما عيب بغير القصر
العمر فينان ووج ه الدهر طلق الغرر
والشمل بالأحباب من ظوم كنظم الدرر
صفو من العيش بلا شائبة من كدر
ما بين أهل تقطف ال أنس جني الثمر
وبين آمال تبي ح القرب صافي الغدر
يا شجرات الحي حيَّ اك الحيا من شجر
إذا أجال الشوق في تلك المغاني فكري
خرجت من خدي حدي ث الدمع فوق الطرر
وقلت يا خَدُّ اْرْوِ مِنْ دمعي صحاح الجوهري
عهدي بحادي الركب كال ورقاء عند السحر
والعيس تجتاب الفلا واليَعْمَلاتُ تَنْبَري
تخبط بالأخفاف مظ لوم البَرَى وهو بَرِي
قد عطفت عن مَيَدٍ والتفَّت عن حور
قِسِيُّ سَيْرٍ ما سوى ال عزم لها من وتر
حتى إذا الأعلام حلْ لَت لحفي البشر
واسبتشر النازح بال قرب ونيل الوطر
وعين الميقات للسَّ فْرِ نجاح السفر
والناس بين محرم بالحج أو معتمر
لبيك لبيك إل ه الخلق باري
ولاحت الكعبة بي ت الله ذات الأثر
مقام إبراهيم والم أمن عند الذعر
واغتنم القوم طوا ف القادم المبتدر
وأعقبوا ركعتي السّ عي استلام الحجر
وعرفوا في عرفا ت كل عرف أذفر
ثم أفاض الناس سعياً في غد للمشعر
فوقفوا وكبروا قبل الصباح المسفر
وفي منى نالوا المنى وأيقنوا بالظفر
وبعد رمي الجمرا ت كان حلق الشعر
أكرم بذاك الصحب وال له وذاك النَّفَر
يا فوزه من موقف يا ربحه من متجر
حتى إذا كان الودا ع وطواف الصدر
فأي صبر لم يخن أو جلد لم يغدر
وأي وجد لم يصل وسلوة لم تهجر
ما أفجع البين لقل ب الواله المستغفر
ثم ثنوا نحو رسو لِ الله سير الضمر
فعاينوا في طيبة لألاء نور نير
زاروا رسول الله واس تشفعوا بلثم الجدر
نالوا به ما أملوا وعرجوا في الأثر
على الضجيعين أبى بكر الرضا وعمر
زيارة الهادي الشفي ع جُنَّة في المحشر
فأحسن الله عزا ءَ قاصد لم يزر
ربع ترى مستنزل ال آيِ به والسور
وملتقى جبريل بال هادي الزكي العنصر
وروضة الجنة ب ين روضة ومنبر
منتخب الله ومخ تار الورى من مضر
والمنتقى والكون من ملابس الخلق عري
إذ لم يكن في أفق من زحل أو مُشْتَرِ
ذو المعجزات الغرّ أم ثال النجوم الزهر
يشهد بالصدق له منها انشقاق القمر
والضبّ والظبي إلى نطق الحصى والشجر
من أطعم الألف بصا ع في صحيح الخبر
والجيش رواه بما ءِ الراحة المنهمر
يا نكتة الكون التي فاتت منال الفِكَر
يا حجة الله على ال رائح والمبتكر
يا أكرم الرسل على ال له وخير البشر
يا من له التقدم ال حق على التأخر
يا من لدى مولده المقدس المطهر
إيوان كسرى ارتج إذ ضاقت قصور قيصر
وموقد النار طفا كأنها لم تسعر
يا عمدتي يا ملجئي يا مفزعي يا وزري
يا من له اللواء وال حوض وورد الكوثر
يا منقذ الغرقى وهم رهن العذاب الأكبر
إن لم تحقق أملي بُؤْتُ بسعي المخسر
صلى عليك الله يا نور الدجا المعتكر
يا ويح نفسي كم أرى من غفلتي في غمر
واحسرو من قلتي ال زَّاد وبعد السفر
يحجني والله بال برهان وعظ المنبر
يا حسنها من خطب لو حركت من نَظَرِ
يا حسنها من شجر لو أورقت من ثمر
أومل الأوبة وال أمر بكف القدر
أسَوِّفُ العزم بها من شهر لشهر
من صفر لرجب من رجب لصفر
ضيعت في الكبرة ما أعددته في صغري
وليس مَا مَرَّ من ال أيام بالمنتظر
وقّل ما أن حمدت سلامة في غرر
ولي غريم لا يني عن طلب المنكسر
يا نفس جدي قد بدا ال صبح ألا فاعتبري
واتعظي بمن مضى وارتدعي وازدجري
ما بعد شيب الفود من مرتقب فشمري
أنت وإن طال المدى في قلعة أو سفر
وليس من عذر يقي م حجة المعتذر
يا ليت شعري والمنى تسرق طيب العمر
هل ارتجي من عودة أو رجعة أو صدر
فأبرد الغلة من ذاك الزلال الخَصِر
مقتدياً بمن مضى من سلف ومعشر
نالوا جوار الله وه و الفخر للمفتخر
أرجو بإبراهيم مو لانا بلوغ الوطر
فوعده لا يمتري في الصدق منه الممتر
فهو الإمام المرتضى والخيّر ابن الخيّر
أكرم من نال المنى بالمرهفات البتر
ممهد الملك وسي ف الحق والليث الجري
خليفة الله الذي فاق بحسن السير
وكان منه الخُبْرُ في ال علياء وفق الخبر
فصدق التصديق من مرآه للتصور
ومستعين الله في ورد له وصدر
فاق الملوك الصيد بال مجد الرفيع الخطر
فأصبحت ألقابهم منسية لم تذكر
وحاز منهم أوحد وصف العديد الأكثر
برأيه المأمون أو عسكره المظفر
بسيفه السفاح أو بعزمه المقتدر
بالعلم المنصور أو بالذابل المستنصر
بابن الإمام الط اهر البر الزكي السير
مدحك قد علم نظ م الشعر من لم يشعر
جهد المقل اليوم من مثلي كوسع المكثر
فإن يقصر ظاهري فلم يقصر مُضْمِري
ووردت على باب السلطان الكبير العالم أبي عنان، فبلوت من مشاركته. وحميد سعيه، ما يليق بمثله. ولما نكبه لم أقصر عن ممكن حيلة في أمره ولما هلك السلطان أبو عنان رحمه الله، وصار الأمر لأخيه [المتلاحق من الأندلس أبي سالم بعد الولد المسمى بالسعيد] كان ممن دمث له الطاعة، وأناخ راحلة الملك، الملك، وحلب ضرع الدعوة، وخطب عروس الموهبة، الموهبة، فأنشب ظفره في متات معقود من لدن الأب، مشدود من لدن القربة، فاستحكم عن قرب، واستغلظ عن كثب، فاستولى على أمره، وخلطه بنفسه، ولم يستأثر عنه ببثة، ولا انفرد بما سوى بضع أهله. بحيث لا يقطع في شيء إلا عن رأيه، ولا يمحو ويثبت إلا واقفاً عند حده، فغشيت بابه الوفود، وصرفت إليه الوجوه، ووقفت عليه الآمال، وخدمته الأشراف، وجلبت إلى سدته بضايع العقول والأموال، وهادته الملوك فلا تحدو الحداة إلا إليه ولا تحط الرحال إلا لديه. إن حضر أجرى الرسم، وأنفذ الأمر والنهي لحظاً أو سراراً أو مكاتبة، وإن غاب، ترددت الرقاع، واختلفت الرسل. ثم انفرد أخيراً ببيت الخلوة، ومنتبذ المناجاة، من دونه مصطف الوزراء، وغايات الحجاب، فإذا انصرف تبعته الدنيا، وسارت بين يديه الوزراء، ووقفت ببابه الأمراء، قد وسع الكل لحظه، وشملهم بحسب الرتب والأموال رعيه، ووسم أفذادهم تسويده وعقدت ببنان عليتهم بنانه. لكن رضى الناس غاية لا تدرك، والحقد بين بني آدم قديم، وقبيل الملك مباين لمثله، فطويت الجوانح منه على سَل، وحنيت الضلوع على بث، [وأغمضت الجفون على قذى] إلى أن كان من نكبته ما هو معروف جعلها الله له طهوراً. ولما جرت الحادثة على السلطان [بالأندلس]، وكان لحاق جميعنا بالمغرب، جنيت ثمرة ما أسلفته في وده، فوفَّى كَيْلَ الوفا، وأشرك في الجاه، وأدر الرزق، ورفع المجلس [بعد التسبيب في الخلاص] والسعي في الجبر، جبره الله [تعالى وكان له] أحوج ما يكون إلى
ذلك: ﴿ يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إلاَّ مَنْ أتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾.
ولما انقضى أمر سلطانه رحمه الله، وقذف به بحرالتمحيص إلى شطه، وأضحى جو النكبة بعد انطباقه، آثر التشريق بأهله وجملته، واستقر بتونس، خطيب الخلافة، مقيماً على رسمه من التجلة، ذايع الفضل هنالك والمشاركة، وهو بحاله الموصوفة إلى الآن كان الله له.
وكنت أحسست منه في بعض الكتب الواردة، صاغية إلى الدنيا، وحنيناً لما فارق من غرورها، فحملني فحملني الطور الذي ارتكبته في هذه الأيام بتوفيق الله، على أن خاطبته بهذه الرسالة وحقها أن يجعلها خدمة الملوك ممن ينسب إلى نبل، أو يُلمّ بمعرفة، مصحفاً يدرسه، وشعاراً يلتزمه، وهي: سيدي، الذي يده البيضاء لم تذهب بشهرتها المكافاة، ولم تختلف في مدحها الأفعال، ولا تغايرت في حمدها الصفات، ولا تزال تعترف بها العظام الرفات أطلقك الله من أسر الكون، كما أطلقك من أسر بعضه، ورشَّدك في سمايه العالية وأرضه، وحقر الحظ في عين بصيرتك بما يحملك على رفضه. اتصل بي الخبر السار من تركك لشانك، وإجناء الله إياك ثمرة إحسانك، وإنجياب ظلام الشدة الحالك، عن أفق حالك. فكبرت لانتشاق عفو الله العاطر، واستعبرت لتضاؤل الشدة بين يدي الفرج، لا بسوى ذلك من رضى مخلوق يومر فيأتمر، ويدعوه القضاء فيبتدر، إنما هو فيء وظل ليس له من الأمر شيء، ونسأله جل وتعالى أن يجعلها آخر عهدك بالدنيا وبنيها، وأول معارج نفسك، التي تقربها من الحق وتدنيها، وكأنني والله أحس بثقل هذه الدعوة على سمعك، ومضادتها ولا حول ولا قوة إلا بالله لطبعك، وأنا أنافرك إلى العقل الذي هو قسطاس الله في عالم الإنسان، والآلة لبث العدل والإحسان، والملك الذي يبين عنه ترجمان اللسان.
فأقول: ليت شعري ما الذي غبط سيدي بالدنيا. وإن بلغ من زبرجها الرتبة العليا، وأفرض المثال لحالة إقبالها، ووصل حبالها، وضراعة سبالها، وخشوع وخشوع جبالها. التوقع المكروه صباح مسا، وارتقاب الحوالة التي تديل من النعيم البأسا، ولزوم المنافسة التي تعادي الأشراف والرؤسا. ألترتب العتب، حتى على التقصير في الكتب، وظعينة جار الجنب، وولوع الصديق بإحصاء الذنب. ألنسبة وقائع الدولة إليك وأنت بري، وتطويقك الموبقات وأنت منها عري. ألاستهدافك للمضار التي تنتجها غيرة الفروج، والأحقاد التي تضطبنها ركبة السروج وسرحة المروج، ونجوم السماء ذات البروج. ألتقليدك التقصير فيما ضاقت عنه طاقتك، وصحت إليه فاقتك، من حاجة لا يقتضي قضاها الوجود، ولا يُكَيَّفُها الرُّكوع للملك والسجود. ألقطع الزمان بين سلطان يعبد، وسهام للغيوب تكبد، وعجاجة شر تلبد، وأقبوحة تخلد تخلد وتوبد ألوزير يصانع ويدارى، وذي حجة صحيحة يجادل في مرضاة السلطان ويمارى، وعورة لا توارى. ألمباكرة كل عائب حاسد، وعدو ومستأسد، وسوق للإنصاف والشفقة كاسد، وحال فاسد، ألِلْوُفود تتزاحم بسدتك، مكلفة لك غير ما في طوقك، فإن لم تنل أغراضها، قلبت عليك السماء من فوقك. ألجلساء ببابك، ببابك، لا يقطعون زمن رجوعك وإيابك، إلا بقبيح اغتيابك فالتصرفات تمقت والقواطع النجوميات توقت، والألاقيُّ تبث، والسعايات تحث، والسماجد يُشْتَكَى فيها البث، يعتقدون أن السلطان في يدك، بمنزلة الحمار المدبور، واليتيم المحجور، والأسير المأمور، ليس له شهوة ولا غضب. ولا أمل في الملك ولا أرب، ولا موجدةٌ لأحد كامنة وللشر ضامنة، وليس في نفسه عن رأي نفرة، ولا بإزاء ما لا يقبله نزوة وطفرة، إنما هو جارحة لصيدك، وعان في قيدك، وآلة لتصرف كيدك، وأنك علة حيفه، ومسلط سيفه الشرار يسملون عيون الناس باسمك، ثم يمزقون بالغيبة مزق جسمك، قد تنخلهم الوجود أخبث ما فيه، واختارهم السفيه فالسفيه، إذا الخير يُسرُّه الله عن الدُّول ويُخْفيه، ويُقْنِعُه بالقليل فيكفيه؛ فهم يمتاحون بك، ويولونك الملامة، ويقتحمون عليك أبواب القول، ويسدون طرق السلامة، وليس لك في أثناء هذه إلا ما يعوزك مع ارتفاعه، ولا يفوتك مع انقشاعه، وذهاب صداعه، من غذاء يشبع، وثوب يقنع، وفراش ينيم، وخديم يقعد ويقيم. وما الفايدة في فرش تحتها جمر الغضا، ومال من ورايه سوء القضا، وجاه يحلق عليه سيف منتضا، وإذا بلغت النفس إلى الالتذاذ بما لا تملك، واللجاج حول المسقط الذي تعلم أنها فيه تَمْلك، فكيف يُنْسب إلى نبل أو يُسَر مع السعادة في سبل، وإن وجدت في القعود بمجلس التحية بعض الأريحية، فليت شعري أي شيء زادها، أو معنى أفادها، إلا مباكرة وجه الحاسد، وذي القلب الفاسد، ومواجهة العدو المستأسد. أو شعرت ببعض الإيناس في الركوب بين الناس، هل الْتَذَّت إلا بحلم كاذب، أو جذبها غير الغرور مجاذب. إنما الحلية وافتك من يحدق إلى البزَّة، ويستطيل ويستطيل مدة العِزَّة، ويرتاب إذا حُدَّث بخبرك، ويتبع بالنقد والتجسس مواقع نظرك ويمنعك من شارة أنْسِك، ويحتال على فراغ كيسك، ويضمر الشَّرّ لك ولرَسْيك وأي راحة لمن لا يباشر قصده، ويسير متى شاء وحده، ولو صح في هذه الحال لله حظ، وهبه زهيداً، أو عين للرشد عملاً حميداً، لساغ الصاب، وخفت الأوصاب، الأوصاب، وسهل المصاب. لاكن الوقت أشغل والفكر أوغل، والزمن قد غمرته الحصص الوهمية، واستنفدت منه الكمية؛ أما ليله ففكر أو نوم، وعتب يجر الضراس ولوم، وأما يومه فتدبير، وقبيل ودبير، وأمور يعيا بها ثبير، وبلاء مبير، ولغط لا يدخل فيه حكيم كبير، وأنا بمثل ذلك خبير. ووالله يا سيدي، ومن فلق الحب وأخرج الأبَّ، وذرأ من مَشى وما دبَّ، وسمى نفسه الربَّ، لو لو تعلق المال الذي يجده هذا الكَدْح ويورى سقيطه هذا القدح، بأذيال الكواكب، وزاحمت البدر بدره بالمناكب، لا ورثه عقب، ولا خلص به محتقب، ولا فاز به سافر ولا منتقب. والشاهد الدول والمشايم الأول. فأين الرباع المقتناة، وأين الديار المبتداة، وأين الحدايق المغترسات، وأين الذخائر المختلسات، وأين الودائع المؤملة، وأين الأمانات المحملة، تأذن الله بتتبيرها، [وإدناء وتار التيّار] من دنانيرها، فقفلما تلقى أعقابهم [إلاَّ أعرباً للطمور]، مترمقين بجرايات الشهور، متعللين بالهباء المنثور، يطردون من الأبواب التي حجب عندها آباؤهم وعرف منها إباؤهم، وشم من مقاصيرها عنبرهم وكباؤهم، لم تسامحهم الأيام إلا في إرث محررٍ، أو حلال مقرر، وربما محقة الحرام، وتعذر منه المرام.
هذه أعزك الله حال قبولها مالها مع الترفيه، وعلى وعلى فرض أن يستوفي العمر في العز مستوفيه. وأما ضده من عدو يتحكم وينتقم، وحوت بغي يبتلع ويلتقم، وطبق يحجب الهواء ويطيل في التراب الثوا، وثعبان قميد يعض الساق، وشوبوب عذاب يمزق الأبشار الرقاق، وغيلة يهديها الواقب الغاسق، ويجرعها العدو العدو الفاسق، [فصرف السوق، وسلعته المعتادة الطروق] مع الأفول والشروق، فهل في شيء من هذا مغتبط لنفس حرة، أو ما يساوى جرعة حالٍ مرة. واحسرتاه للأحلام ضلت، وللأقدام زلت، ويالها مصيبة جلت، ولسيدي أن يقول حكمت علي باستثقال الموعظة واستجفائها، ومراودة الدنيا بين خلانها وأكفائها وتناسي عدم وفائها، فأقول الطبيب بالعلل أدرى والشفيق بسوء الظن مغرى. وكيف لا وأنا أقف على السحاآت، بخط يد سيدي، من مطارح الاعتقال، ومثاقف النوب الثقال، وخلوات الاستعداد للقاء الخطوب الشداد، ونَوْش الأسنة الحداد، وحيث يجمل بمثله إلا يصرف في غير الخضوع لله بناناً، ولا يثني لمخلوق عناناً. وأتعرف أنها قد ملأت الجو الدوّ، وقصدت الجماد والبوّ، تقتحم أكف أولى الشمات، وحفظة المذمات، وأعوان النوب الملمات، زيادة في الشقاء، وقصد بريا من الاختيار والانتقاء، مشتملة من التجاوز على إغرب من العنقاء، ومن النقاق على أشهر من البلقاء. فهذا يوصف بالإمامة، [وهذا ينسب في الجود إلى كعب بن مامة]، وهذا يجعل من أهل الكرامة، هذا يكلف الدعاء وليس من أهله، وهذا يطلب منه لقاء الصالحين وليسوا من شكله، إلى ما أحفظني والله من البحث عن السموم، وكتب النجوم، والمذموم من المعلوم، هلا كان من ينظر في ذلك قد قوطع بتاتاً، وأعتقد أن الله جعل لزمن الخير والشر ميقاتاً، وأنّا لا نملك موتاً ولا نشوراً ولا حياتاً، وأن اللوح قد حصر الأشياء محوراً وإثباتاً، فكيف نرجو لما منع منالاً أو نستطيع مما قدر إفلاتاً. أفيدونا ما يرجح العقيدة المقررة، نتحول إليه، وبينوا لنا الحق، نعول عليه. الله الله ياسيدي في النفس المرشحة، وللذات المحلات بالفضائل الموشحة، والسلف الشهير الخير، والعمر المشرف على الرحلة بعد حث السير، ودع الدنيا لأهلها، فما أوكس حطوظهم، وأخس لحوظهم، وأقل متاعهم، وأعجل إسراعهم، وأكثر عناءهم، وأقصر آناءهم:
ما ثمَّ إلا ما رأي ت وربما تُعيي السلامهْ
والناس إما جائر أو حائر يشكو ظُلامهْ
والله ما احتقب الحري صُ سوى الذنوب أو الملامهْ
هل ثم شك في المعا د الحق أو يوم القيامهْ
قولوا لنا ما عندكم أهل الخطابة والإمامهْ
وإن رميت بأحجاري، وأوحرت المر من أشجاري، فو الله ما تلبست منها لليوم بشيء قديم ولا حديث ولا استأثرت بطيب فضلاً عن خبيث. وما أنا إلا عابر سبيل، وهاجر مرعى وبيل، ومرتقب وعد قدر فيه الإنجاز، وعاكف على حقيقة لا تعرف المجاز قد فررت من الدنيا كما يفر من الأسد، وحاولت المقاطعة، حتى بين روحي والجسد، وغسل الله قلبي، وله الحمد، من الطمع والحسد، فلم أبق عادة إلا قطعتها، ولا جنة للصبر إلا أدرعتها. أما اللباس فالصوف، وأما الزهد فيما في أيدي الناس فمعروف، وأما المال الغبيط فعلى الصدقة مصروف. ووالله لو علمت أن حالي هذه تتصل، وعُراها لا تنفصل، وأن ترتيبي هذا يدوم، ولا يجيزني الوعد المحتوم، والوقت المعلوم، لمت أسفاً وحسبي الله وكفا ومع هذا يا سيدي، فالموعظة تتلقى من لسان الوجود، ((والحكمة ضالة المؤمن)) يطلبها ببذل المجهود، ويأخذها من غير اعتبار بمحلها المذموم أو المحمود. ولقد أعملت نظري فيما يكافئ عني بعض يدك، أو ينتمي في الفضل الفضل إلى أمدك، فلم أر لك الدنيا كفاء. هذا لو كنت صاحب دنيا، وألفيت بذل النفس قليلاً لك من غير شرطٍ ولا ثُنْيا، فلما ألهمني الله لمخاطبتك بهذه النصيحة المفرغة المفرغة في قالب الجفا، لمن لا يثبت عين الصفا، ولا يشيم بارقة الوَفا، ولا يعرف قاذورة الدنيا معرفة مثلي من المتدنسين بها المنهمكين، وينظر عُوّراها الفادح بعين اليقين، يعلم أنها المومسة التي حسنها زور، وعاشقها مغرور، وسرورها شرور.
تبين لي أنّي قد كافَيْتُ صنيعتك المتقدمة، وخرجت عن عهدتك الملتزمة، ومحضت لله النصح الذي الذي يُقِرُّ بِعِزَّ الله ذاتك، ويطيب حياتك، ويحي مواتك، ويريح جوارحك من الوصب وقلبك من النَّصَب، ويحقر الدنيا وأهلها في عينك إذا اعتبرت، ويلاشي عظائمها لديك إذا اختبرت، [كل من تقع عليه عينك حقير] قليل وفقير ذليل، لا يفضلك بشي إلا باقتفاء رشد أو ترك غيَ، أثوابه النبيهة يجردها الغاسل، وعروة غيره يفصلها الفاصل وماله الحاضر الحاصل، يعيث فيه الحسام الفاصل، والله ما تعين للخلف إلا ما تعين للسلف، ولا مصير المجموع إلا إلى التلف، ولا صح من الهياط والمياط والصياح والعياط، وجمع القيراط إلى القيراط، والاستظهار بالوزعة والأشراط، والخبط والخباط، والاستكثار والاغتباط، الغلو والاشتطاط، وبنا الصرح وعمل الساباط، ورفع العماد وإدارة الفسطاط إلا إلا ألَمٌ يذهب القوة، وينسي الآمال المرجوة، ثم نفس يصعد، وسكرات تتردد، وحسرات لفراق الدنيا تتجدد، ولسان يثقل، عين تبصر الفراق الحق وتمقل. ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ
عَظِيمٌ * أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾. ثم القبر وما بعده،
والله منجز وعيده ووعده. فالإضراب الإضراب، والتراب التراب، وإن اعتذر سيدي بقلة الجلد، لكثرة الولد، فهو ابن مرزوق، لا ابن رزاق، وبيده من التسبب، ما يتكفل بإمساك أرماق.
أين النسخ الذي يتبلغ الإنسان بأجرته، في كِنَّ حجرته، لا بل السؤال الذي لا عار عند الحاجة بمعرته، السؤال والله أقوم طريقاً، وأكرم فريقاً، من يد تمتد إلى حرام، لا يقوم بمرام، ولا يومن من ضرام أحرقت فيه الحلل، وقلبت الأديان والملل، وضربت الأبشار، ونحرت العشار، ولم يصل منه على يدي واسطة السوء المعشار. ثم طلب عند الشدة ففضح، وبان سومه ووضح، اللهم طهر منا أيدينا وقلوبنا، وبلغنا من الانصراف إليك مطلوبنا، وعرفنا بمن لا يعرف غيرك، ولا يسترفد إلا خبرك يا الله. وحقيق على الفضلاء إن جنح سيدي منها إلى إشارة، أو أعمل في احتلابها إضبارة. أو لبس منها شارة، أو تشوف إلى خدمة إمارة، ألا يحسنوا ظنونهم بعدها بابن ناس، ولا يغتروا بسَمْتٍ ولا خلقٍ ولا لباس، فما عدا عما بدا.
تَقَضَّى العُمر في سجن وقيد، وعمرو وزيد، وضر وكيد، وطراد صيد، وسعد وسعيد، وعبد وعبيد، فمتى تظهر الأفكار، ويقر القرار، وتلازم الأدكار، وتشام الأنوار، وتتجلى الأسرار، ثم يقع الشهود الذي تذهب معه الأفكار، ثم يحق الوصول الذي إليه من كل ما سواه الفرار، وعليه المدار. وحق الحق، الذي ما سواه فباطل، والفيض الرحماني، الذي رَبابُه [لا بد] هاطل ما شاب مخاطبتي لك شايبة بِريب، ولقد محضت لك ما يمحضه الحبيب إلى الحبيب، فيحمل جفاء في الذي حملت عليه الغيرة، ولا تظن بي غيره. وإن أقدر قدري في مكاشفة سيادتك بهذا بهذا البث، في الأسلوب الرث، فالحق أقدم، وبناؤه لا يهدم، وشأني معروف في مواجهة الجبابرة، على حين يدي إلى رفدهم ممدودة، ونفس في النفوس المتهافتة عليهم معدودة، وشبابي فاحم، وعلى الشهوات مزاحم، فكيف بي اليوم مع الشيب، ونصح الجيب، واستكشاف العيب، إنما أنا اليوم على كل من عرفني كل ثقيل، وسيف العذل في كفي صقيل، أعذل أهل الهوى، وليست النفوس في القبول سوا، لا لكل من ضَرَّ دوا، وقد شفيت صدري، وإن جهلت قدري، فاحملني حملك الله على الجادة الواضحة، وسحب عليك ستر الأبوة الصالحة، والسلام)).
ولما شرح كتاب الشفا للقاضي أبي الفضل عياض ابن موسى بن عياض رحمه الله، واستبحر فيه، طلب أهل العدوتين بنظم مقطوعات تتضمن الثناء على الكتاب المذكور، وإطراء مؤلفه؛ فانثال عليه من ذلك الطم والرم، بما تعددت منه الأوراق، واختلفت في الإجادة وغيرها الأرزاق، إيثاراً لغرضه، ومبادرة من أهل الجهات لإسعاف أربه، وطلب مني أن ألم في ذلك بشيء، فكتبت في ذلك:
شفا عياض للصدور شفاء
وليس بفض قد حواه خفاء
هدية بر لم يكن لجزيلها
سوى الأجر والذكرالجميل كفاء
وفى لنبي الله حق وفائه
وأكرم أوصاف الكرام وفاء
وجاء به بحراً يقول بفضله
على البحر طعم طيب وصفاء
وحق رسول الله بعد وفاته
رعاه وإغفال الحقوق جفاء
هو الذخر يغني في الحياة عتاده
ويترك منه اليقين رفاء
هو الأثر المحمود ليس يناله
دثور ولا يخشى عليه عفاء
حرصت على الإطناب في نشر فضله
وتمجيده لو ساعدتني فاء
واستزاد من هذا الغرض، الذي لم يقنع منه بالقليل، فبعثت إليه من محل انتقالي بمدينة سلا حرسها الله:
أأزاهير رياض أم شفاء لعياض
جدل الباطل للحق بأسياف مواض
وجلا الأنوار برها نا بحق وافتراض
وشفى من يشتكي الغُلَّ ة في زُرْق الحياض
أيُّ بنيان معار آمنٍ فوق انقضاض
أيُّ عهد ليس يرمى بانتكاث وانتقاض
ومعان في سطور كأسود في غياض
وشفاء لصدور من ضنى الجهل مراض
حرر القصد فما شي ين بنقد واعتراض
يا أبا الفضل أْدْرِ بأنَّ الله عن سعيك راض
فاز عبد أقرض الل ه برجحان القراض
وجبت عزّ المزايا من طوال وعراض
لك يا أصدق راو لك يا أعدل قاض
لرسول الله وفي ت بجدّ وانتهاض
خير خلق الله في حا لِ وفي آت وماض
سدد الله ابن مرزو قٍ إلى تلك المراضي
زبدة العرفان معنى كل نسك وارتياض
فتولى بسط ما أج ملت من غير انقباض
ساهر لم يدر في استخ لاصه طعم اغتماض
إن يكن دنيا على الأي ام قد حان التقاض
دام في علو ومن عا داه يهوي في انخفاض
ما وشى الصبح الدياجي في سواد ببياض
ثم نظمت له أيضا في الغرض المذكور، والإكثار من هذا النمط فهذا الموضع، ليس على سبيل التبجح بغرابته وإجادته، ولاكن على سبيل الإشادة بالشرح المشار إليه، إليه، فهو بالغٌ غاية الاستبحار:
حييت يا مختط سبت بن نوح
بكل مزن يغتدي أو يروح
وحمل الريحان ريح الصبا
[أمانة فيك إلى كل روح]
دار أبي الفضل عياض الذي
أضحت برياه رياضا تفوح
يا ناقل الآثار يعنى بها
وواصلا في العلم جري الجموح
طرفك في الفخر بعيد المدى
طرفك للمجد شديد الطموح
كفاك إعجازا كتاب الشفا
والصبح لا ينكر عند الوضوح
لله ما أجزلت فينا به من
منحة تقصر عنها المنوح
روض من العلم همى فوقه
من صيب الفكر الغمام السفوح
فمن بيان الحق زهرُ ند
ومن لسان الصدق طير صدوح
تأرج العرف وطاب الجنى
وكيف لا يثمر أو لا يفوح
وحلة من طيب خيرالورى
في الجيب والأعطاف منها نضوح
ومعلم للدين شيدته
فهذه الأعلام منه تلوح
فقل لهامان كذا أو فلا
يا من أضل الرشد تبنى الصروح
في أحسن التقويم أنشأته
خلقاً جديداً بين جسم وروح
فعمره المكتوب لا ينقضي
إذا تقضى عمر سام ونوح
كأنه في الحفل ريح الصبا
وكل عطف فهو غضّ مروح
ما عذر مشغوف بخير الورى
إن هاج منه الذكر أن لا يبوح
عجبت من أكباد أهل الهوى
وقد سطا البعد وطال النزوح
إن ذكر المحبوب سالت دما
ما هن أكباد ولكن جروح
يا سيد الأوضاع يا من له
بسيد الإرسال فضل الرجوع
يا من له الفخر على غيره
والشهب تخفى عند إشراق يوح
ياخير مشروح وفى واكتفى
منه ابن مرزوق بخر الشروح
فتح من الله حباه به
ومن جناب الله تأتي الفتوح
مولده
بتلمسان عام أحد عشر وسبعماية.
محمد بن عبد الرحمن
ابن سعد التميمي التسلي الكرسوطي؛ من أهل فاس؛
نزيل مالقة؛ يكنى أبا عبد الله.
حاله
الشيخ الفقيه المتكلم أبو عبد الله، غزير الحفظ، متبحر الذكر، عديم القرين، عظيم الاطلاع، عارف بأسماء الأوضاع، ينثال منه على المسائل كثيب مهيل، ينقل الفقه منسوباً إلى أمانة، ومنوطاً برجاله، والحديث بأسانيده ومتونه، خوار العنان، وساع الخطو، بعيد الشأو، يفيض من حديث إلى فقه، ومن أدب إلى حكاية، ويتعدى ذلك إلى غرائب المنظومات، مما يختص بنظمه أولو الشطارة والحرفة من المغاربة، ويستظهر مطولات القصاص، وطوابير الوعاظ، ومساطير أهل الكدية، في أسلوب وقاحٍ يفضحه الإعراب، حسن الخلق جم الاحتمال. مطرح الوقار، رافض التصنع، متبذل اللبسة، رحيب أكناف المرارة لأهل الولايات يلقي بمعاطنهم البرك، وينوط بهم الوسائل، كثير المشاركة لوصلايه، مخصب على أهل بيته، حدب على بنيه. قدم على الأندلس عام اثنين وعشرين وسبعمائة، فأقام بالجزيرة مقرياً بمسجد الصواع منها ومسجد الرايات. ثم قدم على مالقة وأقرأ بها، ثم قدم على غرناطة عام خمسة وعشرين وسبعمائة فتعرف على أرباب الأمر، بما نجحت حيلته، وخف به موقعه، فلم يعدم صلة، ولا فقد مرفقة، حتى ارتاش وتأثل بمحل سكناه من مالقة، مدرة مغلة، وعقارا مفيدا. وطال قعوده لسرد الفقه بمسجدها الجامع، نمير في الركب، مهجور الحلقة حملا من الخاصة والعامة، لتلبسه بالعرض الأدنى. وهو الآن خطيب مسجد القصبة بها، ومحله من الشهرة، بالحفظ والاستظهار لفروع الفقه كبير.
مشيخته
قرأ القرآن على الجماعة بالمغرب والأندلس، منهم أبوه، والأستاذ أبو الحسن القيجاطي البلوي، وأبو إسحاق الحريري، وأبو الحسن بن سليمان، وأبو عبد الله بن أجروم. وقرأ الفقه على أبي زيد الجزولي، وعبد الرحمن ابن عفان، وأبي الحسن الصغير، وعبد المؤمن الجاناتي، وقرأ الكتاب بين يديه مدة، ثم عزله، ولذلك حكاية. حدثني الشيخ أبو عبد الله الكرسوطي، المترجم به، قال قرأت بين يديه، في قول أبي سعيد في التهذيب، والدجاج والأوز المخلات، فقال أنظر هل يقال الدجاج أو الجدّاد، لغة القرآن أفصح، قال الله تعالى: و{جُدَدٌ بِيضٌ
[وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوَانُهَا] وَغَرَابِيبُ سُودٌ}. فأرزى به،
ونقل إليه إزاره، فعزله وقعد بعد ذلك للاقتراء بفاس، كذا حدث. وأخذ عن أبي إسحق الزناتي، وعن خلف الله المجاصي، وأبي عبد الله بن عبد الرحمن الجزولي، وأبي الحسين المزدغي، وأبي الفضل ابنه وأبي العباس بن راشد العمراني، وأبي عبد الله بن رشيد. وروى الحديث بسبتة عن أبي عبد الله الغماري، وأبي عبد الله بن هاني، وذاكر أبا الحسن بن وشاش، وبمالقة عن الخطيب الصالح الطنجالي، وأبي عمرو بن منظور. وبغرناطة عن أبي الحسن القيجاطي، وأبي إسحاق بن أبي العاص. وببلش عن أبي جعفر الزيات.
تواليفه
منها ((الغرر في تكميل الطرر))، طرر أبي إبراهيم الأعرج. ثم ((الدرر في اختصار الطرر)) المذكور. وتقييدان على الرسالة؛ كبير وصغير، ولخص التهذيب لابن بشير، وحذف أسانيد المصنفات الثلاثة [البخاري، والترمذي، ومسلم]، والتزم إسقاط التكرار، واستدراك الصحاح الواقعة في التهذيب على مسلم والبخاري. وقيد على مختصر الطليطلي، وشرع في تقييد على قواعد الإمام أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض؛ برسم ولدي أسعده الله.
شعره
أنشدني، وأنا أحاول بمالقة لَوْثَ العمامة، وأستعين بالغير على إصلاح العمل، وإحكام اللَّياثة:
أمعمما قمرا تكامل حسنه
أربى على الشمس المنيرة في البها
لا تلتمس ممن لديك زيادة
فالبدر لا يمتار من نور السها
ويصدر منه الشعر مصدراً، لا تكنفه العناية.
محنته
أسر ببحر الزقاق، قادماً على الأندلس، في جملة من الفضلاء، منهم والده. واستقر بطريف عام ستة وعشرين وسبعماية، لقي بها شدة ونكالاً، ثم سرح والده، لمحاولة فكاك نفسه، وفك ابنه، ويسر الله عليه، فتخلصا من تلك المحنة في سبيل كدية، وأفلت من بين أنياب مشقة.
بعض أخباره
قال: لقيت الشيخ ولي الله أبا يعقوب بساحل بادس، قاصداً الأخذ عنه، والتبرك به، ولم يكن رآني قط، وألفيت بين يديه عند دخولي عليه، رجلاً يقرأ عليه القرآن. فلما فرغ، أراد أن يقرأ عليه أسطراً من الرسالة، فقال له، اقرأها على هذا الفقيه، وأشار إلي ورأيت في عرصةٍ له أصول خص، فتمنيت الأكل منها، وكان رباعها غير حاضر، فقام عن سرعة، واقتلع منها أصولاً ثلاثة، ودفعها إلي، وقال كل. فقلت في نفسي، تصرف في الخضرة قبل حضور رباعها، فقال لي إذا أردت الأكل من هذه الخضرة، فكل من هذا القسم فإنه لي. قلت، وخبرت من اضطلاع هذا المترجم به بعبارة الرؤيا، ما قضيت منه العجب في غير ما شيء جربته. وهو الآن بحاله الموصوفة. وأصابه لهذا العهد جلاء عن وطنه، لتوفر الحمل عليه من الخاص والعام، بما طال به نكده. ثم آلت حاله إلى بعض صلاح والله يتولاه.
مولده
بمدينة فاس عام تسعين وستماية.
محمد بن عبد المنعم
الصنهاجي الحميري؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بابن عبد المنعم؛ من أهل سبتة؛ الأستاذ الحافظ.
حاله
من العايد: كان رحمه الله رجل صدق، طيب اللهجة، سليم الصدر تام الرجولة، صالحاً، عابداً، كثير القرب والأوراد في آخر حاله، صادق اللسان. قرأ كثيراً، وسنه تنيف على سبع وعشرين، ففات أهل الدؤب والسابقة، وكان من صدور الحفاظ، لم يستظهر أحد في زمانه من اللغة ما استظهره فكاد يستظهر كتاب التاج للجوهري وغيره، آية تتلى، ومثلاً يضرب، قائماً على كتاب سيبويه، يسرده بلفظه. اختبره الفاسيون في ذلك غير ما مرة. طبقة في الشطرنج، يلعبها محجوباً، مشاركاً في الأصول آخذاً في العلوم العقلية. مع الملازمة للسنة، يعرب أبداً كلامه ويزينه.
مشيخته
أخذ ببلده عن الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، ولازم أبا القاسم بن الشاط، وانتفع به وبغيره من العلماء.
دخوله غرناطة
قدم غرناطة مع الوفد من أهل بلده، عندما صارت إلى إيالة الملوك من بني نصر لما وصلوا بالبيعة.
وفاته
كان من الوفد الذين استأصلهم الموتان عند منصرفهم عن باب السلطان؛ ملك المغرب، بأحواز تيزي، حسبما وقع التنبيه على بعضهم.
محمد بن عمر
ابن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس بن سعيد بن مسعود بن حسن بن محمد بن عمر بن رشيد الفهرى؛ من أهل سبتة؛ يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن رشيد.
حاله
من عايد الصلة: الخطيب المحدث، المتبحر في علوم الرواية والإسناد. كان رحمه الله فريد دهره عدالة وجلالة، وحفظاً وأدباً، وسمتاً وهديا، واسع الأسمعة، عالي الإسناد، صحيح النقل، أصيل الضبط، تام العناية بصناعة الحديث، قيماً عليها بصيراً بها، محققا فيها، ذاكراً فيها الرجال، جماعة للكتب، محافظاً على الطريقة، مضطلعاً بغيرها، من العربية واللغة والعروض، فقيهاً أصيل النظر، ذاكراً للتفسير، ريان من الأدب، حافظاً للأخبار والتواريخ، مشاركاً في الأصلين، عارفاً بالقراءات، عظيم الوقار والسكينة، بارع الخط، حسن الخلق، كثير التواضع، رقيق الوجه، متجملاً كلف الخاصة والعامة، مبذول الجاه والشفاعة. كهفاً لأصناف الطلبة. قدم على غرناطة في وزارة صديقه، ورفيق طريقه في حجه وتشريقه، أبى عبد الله بن الحكيم فلقي براً، وتقدم للخطابة بالمسجد الأعظم، ونفع الله لديه بشفاعته المبذولة، طائفة من خلقه، وانصرف إثر مقتله إلى العدوة، فاستقر بمدينة فاس، معظماً عند الملوك والخاصة، معروف القدر عندهم.
مشيخته
[قرأ ببلده سبتة على الأستاذ إمام النحاة أبي الحسن ابن أبي الربيع كتاب سيبويه، وقيد على ذلك تقييداً مفيداً، وأخذ عنه القراءات. وأخذ أيضاً عن الأستاذ أبي الحسن بن الخطار. ورحل من بلده سبتة؛ لأداء الفريضة. حج ولقي المشائخ عام ثمانية وثمانين وستماية، فوافى في طريقه الحاج المحدث الراوية، ذا الوزارتين بعد، أبا عبد الله الحكيم، وأخذ عن الجلة الذين يشق إحصاؤهم. فممن لقي بإفريقية الراوية العدل أبا محمد عبد الله بن هارون؛ يروي عن ابن بقي، والأديب المتبحر أبا الحسن حازم بن محمد القرطاجنِي. وروى بالمشرق عن العدد الكثير كالإمام جار الله أبي اليمن بن عساكر، لقيه بباب الصفا تجاه الكعبة المعظمة، وهو موضع جلوسه للسماع، غرة شوال عام أربعة وثمانين وستماية، وعن غيره، كأبي العز عبد الرحمن بن عبد المنعم بن علي بن نصر بن منظور بن هبة الله، وغيرهم ممن ثبت في اسم مرافقة في السماع والرحلة أبي عبد الله بالحكيم رحمه الله، فلينظر هنالك.]
تواليفه
ألف فوائد رحلته في كتاب سماه ((ملْءُ العَيْبَة فيما جمع بطول الغيبة في الوجهتين الكريمتين إلى مكة وطيبة)). قال شيخنا أبو بكر بن شبرين، وقفت على مسودته، ورأيت فيه فنوناً وضروباً من الفوايد العلمية والتاريخ، وطرفاً من الأخبار الحسان. والمسندات العوالي والأناشيد. وهو ديوان كبير، ولم يسبق إلى مثله. قلت ورأيت شيئاً من مختصره بسبتة.
دخوله غرناطة
ورد على الأندلس في عام اثنين وتسعين وستماية. فعقد مجالس للخاص والعام، يقري بها فنوناً من العلم. وتقدم خطيباً وإماماً بالمسجد الأعظم منها. حدثني بعض شيوخنا، قال، قعد يوماً على المنبر، وظن أن المؤذن الثالث قد فرغ؛ فقام يخطب والمؤذن قد رفع صوته بآذانه، فاستعظم ذلك بعض الحاضرين، وهم آخر بإشعاره وتنبيهه. وكلمه آخر، فلم يثنه ذلك عما شرع فيه، وقال بديهة، أيها الناس، رحمكم الله، إن الواجب لا يبطله المندوب، وأن الآذان الذي بعد الأول غير مشروع الوجوب، فتأهبوا لطلب العلم، وانتبهوا، وتذكروا قوله
عز وجل: ﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
فَانْتَهُوا﴾، وقد روينا عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((من قال لأخيه والإمام يخطب، أصمت، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له)). جعلنا الله وإياكم ممن علم فعمل وعمل فقبل، وأخلص فتخلص. وكان ذلك مما استدل به على قوة جنانه، وانقياد لسانه لبيانه.
شعره
وله شعر يتكلفه إذ كان لا يزن أعاريضه إلاّ بميزان العروض فمن ذلك ما حدث به؛ قال: لما حللت بدمشق، ودخلت دار الحديث الأشرفية، برسم رؤية النعل الكريمة، نعل المصطفى صلوات الله عليه، ولثمتها، حضرتني هذه الأبيات:
هنيئاً لعيني أن رأت نعل أحمد
فيا سعد جدي قد ظفرت بأسعد
وقبلتها أشفي الغليل فزادني
فيا عجباً زاد الظما عند مورد
فلله ذاك اللثم فهو ألذ من
لما شفة لميا وخد مورد
ولله ذاك اليوم عيداً ومعلماً
بتاريخه أرخت مولد أسعد
عليه صلاة نشرها طيب كما
يحب ويرضى ربنا لمحمد
وقال: وقلت في موسم عام ستة وثمانين وستماية، بثغر سبتة حرسها الله تعالى:
أقول إذا هب النسيم المعطر
لعل بشيراً باللقاء يبشر
وعالي الصبا مرت على ربع جيرتي
فعن طيبهم عرف النسيم يعبر
وأذكر أوقاتي بسلمى وبالحمى
فتذكو لظى في أضلعي حين أذكر
ربوع يود المسك طيب ترابها
ويهوى حصى فيها عقيق وجوهر
بها جيرة لا يخفرون بذمة
هم لمواليهم جمال ومفخر
إذا ما اجتلت زهر النجوم جمالهم
تغار لباهي نورهم فتغور
ومن جود جدواهم يرى الليث يعمر
ومن خوف عدواهم يذعر
ومن سيب يمناهم يرى الروض يزهر
ومن فيض نعماهم يرى البحر يزخر
رعى الله عهداً بالمصلى عهدته
وروض المنى غض يرق وينضر
زماناً نعمنا فيه والظل وارف
بجنات عدن تحتها العذب يخضر
ولله أيام المصلى وطيبها
وأنفسنا بالقرب والأنس تجبر
بحيث يرى بدر الكمال وشمسه
وروضته فردوس وحوض ومنبر
أروم دنواً من بهاء جمالها
ولثماً فتأبى هيبة وتوقر
خضعت وذلي للحبيب تعزز
فطرفي مغضوض وخدي معفر
ووجه سروري سافر متهلل
وحالي بهم حُلٌلَ وعيشي أخضر
فطوبى لمن أضحى بطيبة ثاوياً
يجر أذيال الفخار وينشر
وإذ فات عيني أن تراهم فرددوا
على مسمعي ذكر المصلى وكرروا
وردت فيا طيب الورود بطيبة
صدرت فوا حزني فلا كان مصدر
رماني زماني بالفراق فغرني
على مثل من فارقت عز التصبر
وأضمرت أشجاني ودمعي مظهر
وأسررت هجراني وحالي تخبر
فمن أدمعي ماء يفيض ويهمر
ومن أضلعي نار تفور وتسعر
فجسمي مصفر وفودي أبيض
وعيشي مغبر ودمعي أحمر
وحين دن التوديع ممن أحبه
وحان الذي ما زلت منه أحذر
ونادى صحابي بالرحيل وأزمعوا
وسارت مطاياهم وظلت أقهقر
وألوى إليه الجيد حتى وجعته
وظل فؤادي لوعة يتفطر
وقفت لأقضي زفرة وصبابة
ولا أنثني فالموت أجدى وأجدر
ولو أنني بعت الحياة بنظرة
لأبت وحظي فيه أوفى وأوفر
وما باختياري إنما قدر جرى
رضيت بما يقضي الإله ويقدر
حنيني إلى مغنى الجمال مواصل
وشوقي إلى معنى الجمال موفر
وغير جميل أن يرى عن جمالها
فؤادي صبوراً والمسير ميسر
أيصبر ظمآن يغال بغُلَّة
وفي روضة الرضوان شهد وكوثر
فيا عينها الزرقاء إن عيونها
من الحزن فيض بالنجيع تفجر
سأقطع ليلى بالسرى أو أزورها
وأحمي الكرى عيناً لبعدك يظهر
وأنضي المطايا أو أوافي ربعها
فتنجدني طوراً وطوراً تغور
حظرت على نفسي الحذار من الردى
أتحذر نفس الحبيب تسير
أينكر تغرير المشوق بنفسه
وقد علموا أن المحب مغرر
وقفت على فتوى المحبين كلهم
فلم أجد التغرير في الوصل ينكر
وإني إذا ما خطرت خطرت قضت
بهمي وعزمي همة لا تؤطر
أقيم فألفي بين عَيْنَيَّ همتي
وسيريَ في سُبْل العلا ليس ينكر
إذا ما بدت للعين أعلام طيبة
ولاحت قباب كالكواكب تزهر
وللقبة الزهراء سمك سما علا
وراق سنى كالشمس بل هو أزهر
لها منظر قيد النواظر والنُّهًى
لها ساكن من نوره البدر يبدر
فعرجوا عِلى كَمَل الكمال وسلموا
سلمتم وبلغتم مناكم فأبشرو
بنفسي لا بالمال أرضى بشارة
إذا لاح نور في سناها مبشر
وما قدر نفسي أن تكون كفا
ولكنها جهد المقل فأعذر
أقول إذا أوفيت أكرم مرسل
قراي عليكم أن ذنبي يغفر
وأحظى بتقريب الجوار مكرماً
وأصفح عن جور البعاد وأعذر
وأرتع في ظل الجنان منعماً
وأمني بقرب من حماك وأجبر
هناك هناك القرب فانعم بنيله
بحيث ثوى جسم كريم مطهر
ودع عنك تطواف البلاد وخَيْمِنْ
بطيبة طابت فهي مسك وعنبر
فخرت بمدحي للنبي محمد
ومن مدحه المداح يزهى ويفخر
أطلت وإني في المديح مقصر
فكل طويل في معاليك يقصر
ما بلغت كف أمري متناول
بها المجد إلا والذي نلت أكبر
وما بلغ المهدون في القول مدحة
وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفخر
عليك صلاة الله ما مر سبق
إليك وما هب النسيم المعطر
وقال يرثي ابنا نجيباً ثكله بغرناطة:
شباب ثوى شابت عليه المفارق
وغصن ذوى تاقت إليه الحدايق
على حين راق الناظرين بسوقه
رمته سهام للعيون رواشق
فما أخطأت منه الفؤاد بعمدها
فلا أبصرت تلك العيون الروانق
وحين تدانى للكمال هلاله
ألم به نقص وجدت مواحق
إلى الله أشكو فهو يشكى نوازعاً
عظاماً سطاها للعظام عوارق
ولا مثل فقدان البني فجيعة
وإن طال ما لجت وجالت بوايق
محمد إن الصبر صبر وعلقم
على أنه حلو المثوبة سابق
فإن جزعا فالله للعبد عاذر
وإن جلداً فالوعد لله صادق
وتالله ما لي بعد عيشك لذة
ولا راقني مرأى لعيني رايق
فأني به والمذكرات عديدة
فنبل وهم للعوايد خارق
فأين التفت فالشخص للعين ماثل
وإن أستمع فالصوت للأذن طارق
وإن أدع شخصاً باسمه لضرورة
فإن اسمك المحبوب للنطق سابق
وإن تقرع الأبواب راحة قارع
يطير عندها قلب لذكرك خافق
وكل كتاب قد حويت فمذكر
وآثاره كل إليك توايق
سبقت كهولة في الطفولة لا تني
وأرهقت أشياخاً وأنت مراهق
فلو لم يغلك الموت دمت مجلياً
وأقبل سكيتاً وجيية ولاحق
على مهل أحرزت ما شيت ثانياً
عنانك لا تجهد وأنت مسابق
رأتك المنايا سابقاً فأغرتها
فجد طلاباً إنهن لواحق
لين سلبت مني نفيس ذخائر
فإني بمذخور الأجور لواثق
وقد كان ظني أنني لك سابق
فقد صار علمي أنني بك لاحق
غريبين كنا فرق البين بيننا
فأبرح ما يلقى الغريب المفارق
فبين وبعد بالغريب توكلاً
قد رعى بما حملت والله ضايق
عسى وطن يدنو فتدنو منى
وأيُّ الأماني والخطوب عوايق
فلولا الأسى ذاب الفؤاد من الأسى
ولولا البكا لم يحمل الحزن طائق
فخط الأسى خطا تروق سطوره
وتمحو البكا فالدمع ماح وساحق
فيا واحداً قد كان للعين نورهاُ
اتل ضياً بعد بعدك غاسق
عليك سلام الله ما جن ساجع
وما طلعت شمس وما ذر شارق
وما همعت سحب غواد روايح
وما لمعت تحدو الرعود بوارق
وجاد على مثواك غيث مروض
عباد لرضوان الإله موافق
محنته
تعرض إليه قوم، يوم قتل صديقه أبي عبد الله الحكيم بإذاءة قبيحة، وأسمع كل شارق من القول على ألسنة زعانفة فجر وترهم القتيل، فتخلص؛ ولا تسل كيف، وأزمع الرحيل فلم يلبث بعد ذلك.
وفاته
كانت وفاته بمدينة فاس، في اليوم الثامن من شهر المحرم مفتتح عام أحد وعشرين وسبعماية. ودفن في الجبانة التي بخارج باب الفتوح بالروضة المعروفة بمطرح الجنة، التي اشتملت على العلماء والصلحاء والفضلاء، من الغرباء الواردين مدينة فاس.
مولده
وكان مولده بسبتة عام سبع وخمسين وستماية.
محمد بن علي
ابن هاني [اللخمي] السبتي؛ يكنى أبا عبد الله،
ويعرف باسم جدّه؛ أصلهم من إشبيلية.
حاله
كان رحمه الله فريد دهره في سمو الهمة، وإيثار الاقتصاد والتحلي بالقناعة، وشموخ الأنف على أهل الرياسة، مقتصراً على فائدة ربع له ببلده، يتبلغ مع الاستقامة، مع الصبر والعمل على حفظ المروءة، وصون ماء الوجه، إماماً في علم العربية، مبرزاً متقدماً فيه، حافظاً للأقوال، مستوعباً لطريق الخلاف، مستحضراً لحجج التوجيه، لا يشق في ذلك غباره، ريان من الأدب، بارع الخط، سهل مقادة الكلام، مشاركاً في الأصلين، قائماً على القراءات، حسن المجلس، رائق البزة، بارع المحاضرة، فائق الترسل، متوسط النظم، كثيرالاجتهاد والعكوف، مليح الخلق، ظاهر الخشوع، قريب الدمعة، بيته شهير الحسب والجلالة.
وجرى ذكره في [الإكليل الزاهر] بما نصه: علم تشير إليه الأكف ويعمل إلى لقائة الحافر والخف، رفع للعربية ببلده راية لا تتأخر، ومرج منها لجة تزخر، فانفسخ مجال درسه، وأثمرت أدواح غرسه، فركض بما شاء وبرح، ودون وشرح، إلى شمايل تملك الظرف زمامها، ودعابة راشت الحلاوة سهامها. ولما أخذ المسلمون في منازلة الجبل وحصاره، وأصابوا الكفر منه بجارحة أبصاره، ورموا بالثكل فيه نازح أمصاره، كان ممن انتدب وتطوع، وسمع النداء، فأهطع، فلازمه إلى أن نفد لأهله لأهله القوت، وبلغ من فسحة الأجل الموقوت، فأقام الصلاة بمحرابه، وقد غير محياه طول اغترابه، وبادره الطاغية قبل أن يستقر نصل الإسلام في قرابه، أو يعلق أصل الدين في ترابه. وانتدب إلى الحصار به وتبرع، ودعاه أجله فلبى وأسرع. ولما هدر عليه الفنيق، [ وركعت إلى قبلته المجانيق]، أصيب بحجر دوم عليه كالجارح المحلق، وانقض إليه انقضاض البارق المتألق، فاقتنصه، واختطفه، وعمد إلى زهره فقطفه فمضى إلى الله طوع نيته، وصحبته غرابة المنازع حتى في منيته.
مشيخته
قرأ على الأستاذ العلامة أبي إسحق الغافقي، وعلى الأستاذ النحوي أبي بكر بن عبيدة، واعتمد عليه، وقرأ على الإمام الصالح أبي عبد الله بن حريث.
تواليفه
ألف كتباً، منها: ((كتاب شرح التسهيل لابن مالك))؛ وهو أجل كتبه، أبدع فيه، وتنافس [الناس] فيه. ومنها ((الغُرَّةُ الطالعة في شعراء المائة السابعة))، ومنها ((إنشاد الضَّوَّال وإرشاد السَّوَّال في لحن العامة))؛ وهو كتاب مفيد، و((قوت المُقيم)). ودَوَّنَ تَرَسُل رييس الكتاب أبي المُطَرَّف بن عميرة وضمّه في سفرين. وله رجز في الفرايض مفيد.
شعره
حدثنا شيخنا القاضي الشريف، نسيج وحده، أبو القاسم الحسني، قال: خاطبت الأستاذ أبا عبد الله بن هاني رحمه الله بقصيدة من نظمي أولها:
(هلَّت اْلحديث عن الكَرب الذي شخصا).
فأجابني عن ذلك بقصيدة في رويها:
لولا مشيب بِفَوْدي للفؤاد عصى
نَضَيتُ في مهمه التشبيب لي قلصا
واستوقفت عبراتي وهي جارية
وكفاء توهم ربعا لًلحبيب قصا
مسايلاً عن لياليه التي انتهزت
أيدي الأماني بها ما شيته فرصا
وكنت جاريت فيها من جرى طلقا
من الإجادة لم يحجم ولا نكصا
أصاب شاكلة المرمي حين رمى
من الشوارد ما لولاه ما اقتنصا
ومن أعد مكان النبل نبل حجاً
لم يرض إلا بأبكارالنهي قنصا
ثم انثنى ثانياً عطف النسيب إلى
مدح به قد غلا ما كان قد رخصا
فظلت أرفل فيها لبسة شرفت
ذاتاً ومنتسباً أعزز به قمصا
يقول فيها وقد خولت منحتها
وجرع الكاشح المغرى بها غصصا
هذي عقايل وافت منك ذا شرف
لولا أياديه بيع الحمد مرتخصا
فقلت هلا عكست القول منك له
ولم يكن قابلاً من مدحه الرخصا
وقلت ذي بكر فكر من أخي شرف
يردي ويرضي بها الحساد والخلصا
لها حلًى حسنيات على حلل
حسنية تستبي من حل أو شخصا
خولتها وقد اعتزت ملابسها
بالبخت ينقاد للإنسان ما عوصا
خذها أبا قاسم مني نتيجة ذي
وُدٍّ إذا شيت وداً للورى خلصا
جاءت تجاوب عما قد بعثت به
إن كنت تأخذ من دُرِّ النحور حصا
وهي طويلة. ومما ينسب إليه، وهو مليح في معناه:
ما للنوى مدت لغير ضرورة
ولقبل ما عهدي بها مقصوره
إن الخليل وإن دعته ضرورة
لم يرض[ذاك] فكيف دون ضروره
وقال: مضمَّناً:
لا يلمني عاذلي حتى يرى
وجه من أهوى فلومي مستحيل
لو رأى وجه حبيبي عاذلي
لتفارقنا على وجه جميل
وقال في الفخر:
قل للموالي عش بغبطة حامد
وللمعادي بت بضغنة حاسد
المزن كفي والثريا همتي
وذكا ذكري والسعود مقاصد
وقال في غير ذلك:
غنيت بي دون غيري الدهر عن مثل
بعضي لبعضي أضحى يضرب المثلا
ظهري انحنى لمشيب لاح واعجبا
غض إذا أينعت أزهاره ذبلا
أذلك أم زهر لاحت تخبر أن
يوم الصبا والتصابي آنس الطفلا
ومما جمع فيه بين نظمه ونثره، ما راجع به شيخنا القاضي الشريف أبا القاسم الحسنى، عن القصيدة الهمزية التي ثبتت في اسمه:
يا أوحد الأدباء أو يا أوحد ال
فضلا أو يا أوحد الشرفاءِ
من ذا تراه أحق منك إذا التوت
طرق الحجاج بأن يجيب نداءِ
أدب أرق من الهواء وإن تشا
فمن الهوى والماء والصهباءِ
وألذ من ظَلْم الحبيب وظلمه
بالظاء مفتوحاً وضم الظاء
ما السحر إلا ما تصوغ بنانه
ولسانه من حلية الإنشاء
[والفضل ما حليته وحبيته
وحبوتني منه بخير حباء
أبكار فكرك قد زففت بمدحتي
تمشي روايعها على استحياء
لا من قصور بل لتقصيها
من حيث لم يظفرن بالإرفاء
لكن جبرن وقد جبلن على الرضا
فالجبر للأبكار للآباء
هذا إلى الشرف الذي قد فزت
من عليائه بالعزة القعساء
شرف السيل من الرسول وسيلة
قامت بابن سناً وابن سناء
حسن وأبو حسن وفاطمة ابنة ال
هادي البرية خاتم النبلاء
شرف على شرف إلى شرفين
[من ذا حاز] ما حزت من علياء
هذي ثلاث أنت واحد فخرها
فاشمخ لها شرفاً بأنف علاء
من رام رتبتك السنية فليقف
دون المرام مواقف الإقصاء
هذي مآثر قد شأوت بصيتها
من كان من آب لها أو شاء
والليث يرهب زأره في موطن
ما كان من نقد به أو شاء
يكفيك من نكد المعاند أن يرى
متقلد الأعضاء بالبغضاء
السن يفنى بالأنامل قرعه
أو عضه متوقد الأحشاء
أتحفتنى بقصيدة همزية
مقصورة ممدودة الآراء
كم بين تلك وهذه لكنها
غطى على هذي ذهاب فتاء
ذو الشيب يعذره الشباب فما لهم
بذكا نبل أو بنبل ذكاء
من قارب الخمسين خطواً سنه
فمحاله مستوجب الإبطاء
أبني إنك أنت أسدى من به
يتعاظم الآباء بالأبناء]
لله نفثة سحر ما قد شدت لي
من نفث سحرك في مشاد ثناء
عارضت صفواناً بها فأريت ما
يستعظم الراوي له والراء
لو راء لؤلؤك المنظم لم يفز
في نظم لؤلؤه بغير عناء
بوأتنى منها أجل مبوإ
فلأخمصي مستوطن الجوزاء
وسمى بها أسمي ساير فَأَنَا بما
أسديت ذو الأسماء في الأسماء
وأشدت ذكري في البلاد فلي بها
طول الثناء وإن أطلت ثواء
ولقومي الفخر المشيد بنيته
بأحسن تشييد وحسن وبناء
فليهن هانيهم يد بيضاء ما
أن مثلها لك من يد بيضاء
حليت أبياتا لهم لخمية
بحلا علاً مضرية غراء
فليشمخوا أنفا بما أوليتهم
يا محرزا لآلاء بالإيلاء
هذا، بُنيَّ، وصل الله لك ولي بك علو المقدار، وأجرى وفق أو فوق إرادتك أو إرادتي لك جاريات الأقدار، ما سمح به الذهن الكليل واللسان الفليل في مراجعة قصيدتك الغراء، الجالية للسَّراء، الآخذة بمجامع القلوب، الآتية بجوامع المطلوب، الحسنة المهيع والأسلوب، المتحلية بالحلى الحسنية، العريقة المنتسب في العلى الحسنية، الجالية صدأ قلوب ران عليها الكسل، وخانها المسعدان، السؤل والأمل، فمتى حامت المعاني حولها، ولو أقامت حولها، شكت ويلها وعولها، وحرمت من فريضة الفضيلة عولها، وعهدي بها، والزمان زمان، وأحكامه الماضية أماني مقضية وأمان، تتوارد ألآفها، ويجمع إجماعها وخلافها، ويساعدها من الألفاظ كل سهل ممتع، مفترق مُجمعٍ، مستأنس غريب، بعيد الغور قريب، فاضح الحلا، واضح العلا، وضاح الغرة والجبين، رافع عمود الصبح المبين، أيد من الفصاحة بإياد، فلم يحفل بًّصاحبي طي وإياد، وكسي بضاعة البلاغة، فلم يعباً بهمام وابن المراغة. شفاء المحزون، وعلم السَّرّ الخزون، ما بين منثوره والموزون. والآن لا ملهج ولا مبهج [ولا مرشد ولا منهج] عكست القضايا فلم تنتج، فتبلد القلب الذكي، [ولم يرشح القليب البكي] وعم الإفحام وغم الإحجام، وتمكن الإكداء والإجبال، (وكورت الشمس، وسيرت الجبال)، وعلت سآمة وغلبت ندامة، وارتفعت ملامة، وقامت لنوعي الأدب قيامة. حتى إذا ورد ذلك المهرق، وفرع غصنه المورق، تغَنَّى به الحمام الأورق، وأحاط بعداد عداته الغصص والشرق، وأمن من الغصب والسرق وأقبل الأمن، وذهب بإقباله الفرق نفخ في صور أهل المنظوم
والمنثور: و﴿بُعْثِرَ مَا فِي القُبُورِ * وَحُصَّلَ مَا فِي
الصُّدُورِ﴾، وتراءت للأدب صور، وعمرت للبلاغة كور، وهمت لليراعة درر، ونظمت للبراعة درر، وعندها يَتَبَيَّنُ أنك واحد حلبة البيان، والسابق في ذلك الميدان، يوم الرهان، فكان لك القدم، وأقر لك مع التأخر السابق الأقدم فوحق نصاعة ألفاظ أجدتها، حين أوردتها، وأسلتها حين أرسلتها، وأزنتها حين وزنتها، وبراعة معان سلكتها حين ملكتها، وأرويتها حين روأتها وأرويتها وأصلتها حين فصلتها ووصلتها، ونظام جعلته لجسد البيان قلبا، والمعصمة قلماً، وهصرت حدايقه غلبا، وارتكبت روية صعباً، ونثاراً أتبعته له خديماً، وصيرته وصيرته لمدير كأسه نديماً، ولحفظ ذمامه المدامي، أو مدامه الذمامي مديماً، لقد فتنتني حين أتتني، وسبتني حين نصبتني، فذهبت خفتها بوقاري، ولم يرعها بعد شيب عذاري، بل دعت للتصابي فقلت مرحباً، وحللت لفتنتها الحبا، ولم أحفل بشيب، وألفيت مارد نصابي نصيب، وإن كنا فرسي رهان، وسابقي حلبة ميدان، غير غير أن الجلدة بيضاء، والمرجو الإغضاء، بل الإرضاء. بني كيف رأيت للبيان هذا الطوع، والخروج فيه من نوع إلى نوع. أين صفوان بن إدريس، ومحل دعواه بين رحلة رحلة وتعريس، كم بين ثغاء بقر هذا الفلا، وبين زئير زئير ليث العريس، كما أني أقطع علمًا، وأعلم قطعاً، قطعاً، وأحكم مضاء، وأمضى حكماً، أنه لو نظر إلى قصيدتك الرائقة، وفريدتك الحالية الفايقة، المعارضة بها قصيدته، المنتسخة بها فريدته لذهب عرضاً وطولاً، ثم اعتقد لك اليد الطولى، وأقرَّ بارتفاع النزاع، وذهبت له تلك العلالات والأطماع، ونسي كلمته اللؤلؤية، ورجع عن دعواه الأدبية، واستغفر الله ربه من تلك الإلهية. بني وهذا من ذلك، من الجري في تلك المسالك، والتبسط في تلك المآخذ والمتارك، أينزع غيرى هذا المنزع، أم المرء بشعره وابنه مولع. حياً الله الأدب وبنيه، وأعاد علينا من أيامه وسنيه، ما أعلى منازعه، وأكبا منازعه، وأجل مآخذه، وأجهل تاركه، وأعلم آخذه، وأرق طباعه، وأحق أشياعه وأتباعه، وأبعد طريقه، وأسعد فريقه، وأقوم نهجه، وأوثق نسجه، وأسمح الفاظه، وأفصح عكاظه، وأصدق معانيه وألفاظه، وأحمد نظامه ونثاره، وأغنى [شعاره ودثاره]. فعايبه مطرود، وعاتبه مصفود، وجاهله محصود، وعالمه محسود. غير أن الإحسان فيه قليل، ولطريق الإصابة فيه علم ودليل، من ظفر بهما وصل، وعلى الغاية القصوى منهما حصل، ومن نكب عن الطريق، لم يعد من ذلك الفريق، فليهنك أيها الإبن الذكي، البر الزكي، الحبيب الحفي، الصفي الوفي، أنك حامل رايته، وواصل غايته، ليس أولوه وآخروه لذلك بمنكرين، ولا تجد أكثرهم شاكرين. ولولا أن يطول الكتاب، وينحرف الشعراء والكتاب، لفاضت ينابيع هذا الفصل فيضاً، وخرجت إلى نوع آخر من البلاغة أيضاً، قرت عيون أودّايك، وملئت غيظاً صدور أعدايك، ورقيت درج الآمال، ووقيت عين الكمال، وحفظ منصبك العالي، بفضل ربك الكبير المتعال. والسلام الأتم الأكمل الأعم يخصك به، من طال في مدحه إرقالك وإغذاذك، وراد روض حمده طلك ورذاذك وغدت مصالح سعيه في سعي مصالحك، وسينفعك بحول الله وقوته، وفضله ومنته معاذك ووسمت نفسك بتلميذه، فسمت نفسه بأنه أستاذك، ابن هاني ورحمة الله وبركاته.
دخوله غرناطة
دخل غرناطة مع الوفد من أهل بلده عند تصيرها إلى الإيالة النصرية؛ حسبما ثبت في موضعه.
وفاته.
توفي بجبل الفتح والعدو يحاصره. أصابه حجر المنجنيق في رأسه؛ فذهب به، تقبل الله شهادته ونفعه في أواخر ذي قعدة من عام ثلاثة وثلاثين وسبعماية.
وممن رثاه قاضي الجماعة شيخنا القاضي أبو القاسم الحسني، وهي القصيدة التي أولها:
سقى الله بالخضراء أشلاء سؤدد
تضمنهن الترب صوب الغمايم
وقد ثبت في ((جهد المقل)) في اسم الذكور فلينظر هنالك.
وممن رثاه شيخنا القاضي أبو بكر بن شبرين رحمه الله بقوله:
قد كان ما قال اليزيد
فاصبر فحزنك لا يفيد
أودى ابن هانيء الوضا
فاعتادني للثكل عيد
بحر العلوم وصدرها
وعميدها إذ لا عميد
قد كان زيناً للوجو
دِ ففيه قد فجع الوجود
العلم والتحقيق والت
وفيق والحسب التليد
تندى خلايقه فقل
فيها هي الروض المجود
مغض عن الإخوان لا
جهم اللقاء ولا كنود
أودى شهيداً باذلاً
مجهوده نعم الشهيد
لم أنسه حين المعا
رف باسمه فينا تشيد
وله صبوب في طلا
ب العلم يتلوه صعود
لله وقت كان ين
ظمنا كما نظم الفريد
أيام نغدو أو نرو
ح وسعينا السعي الحميد
وإذا المشيخة جثم
هضبات حلم لا تبيد
ومرادنا جم النبا
ت وعيشنا خَضِرُ الْبُرود
لهفي على الإخوان وال
أتراب كلهم فقيد
لو جيت أوطاني لأن
كرني التهايم والنجود
ولراع نفسي شيب من
غادرته وهو الوليد
ولطفت ما بين اللحو
د وقد تكاثرت اللحود
سرعان ما عاث الحما
م ونحن إيقاظ هجود
كم رمت إعمال المس
ير فقيدت عزمي قيود
والآن أخلفت الوعو
د وأخلقت تلك البرود
ما للفتى ما يبتغي
والله يفعل ما يريد
أعلى القديم الملك يا
ويلاه يعترض العبيد
يا بَيْنُ قد طال المدى
أرعد وأبرق يا يزيد
ولكل شيء غاية
ولربما لان الحديد
إيه أبا عبد الإل
ه ودوننا مرمى بعيد
أين الرسايل منك تأ
تينا كما نُظِم العقود
أين الرسوم الصالحا
ت تصرمت أين العهود
أنعم مساء لا تخطت
ك البشاير والسعود
وأقدم على دار الرضا
حيث الإقامة والخلود
والق الأحبة حيث دا
رُ الملك والقصر المشيد
حتى الشهادة لم تفت
ك فنجمك النجم السعيد
لا تبعدن وعد لَوَ اْن
الميت في الدنيا يعود
ولئن بليت فإن ذكر
ك في الدنا غض جديد
تالله لا تنساك أن
دية العلى ما اخضر عود
وإذا تسومح في الحقو
قِ فحقك الحق الأكيد
جادت صداك غمامة
يُرْوَى بها ذاك الصّعيد
وتعهدتك من المهي
من رحمة أبداً وجود
محمد بن يحيى
العبدري؛ من أهل فاس؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بالصدفي.
حاله
قال الأستاذ في صلته: إمام في العربية، ذاكر للغات والآداب، متكلم، أصولي مفيد، متفنن، حافظ، ماهر، عالم، زاهد، ورع، فاضل. أخذ علم العربية والآداب عن النحوي أبي الحسن بن خروف، وعن النحوي الأديب الضابط أبي ذر الخشني، وأكثر عنهما، وأكمل الكتاب على ابن خروف، تفقهاً وتقييدًا وضبطاً. وكان حسن الإقراء، جيد العبارة، متين المعارف والدين، شديد الورع، متواضعاً جليلاً، عالماً عاملا، من أجل من لقيته، وأجمعهم لفنون المعارف، وضروب الأعمال، وكان الحفظ أغلب عليه، وكان سريع القلم إذا كتب أو قيد، وسمعته يقول، ما سمعت شيئاً من أحد من أشياخي، من نكت العلم، وتفسير مشكلٍ، وما يرجع إلى ذلك، إلا وقيدته، ولا قيدت بخطي شيئاً إلا حفظته، ولا حفظت شيئاً فنسيته. هذا ما سمعت منه.
مشيخته
أخذ العربية عن الأستاذ أبي الحسن بن خروف، وعن النحوي الأديب الضابط أبي ذر الخشني. وأكثر عنه، وأخذ معهما عن أبي محمد بن زيدان، ولازم ثلاثتهم، وسمع وقرأ على الفقيه الصالح أبي محمد صالح، وأخذ عن غير من ذكر.
دخوله غرناطة
قال: دخل الأندلس مراراً بيسير بضاعة كانت لديه يتجر فيها، ودخل إشبيلية. وتردد آخر عمره إلى غرناطة ومالقة؛ إلى حين وفاته.
وفاته
توفي رحمه الله شهيداً بمرسى جبل الفتح. دخل عليهم العدو فيه. فقاتل حين قتل؛ وذلك سنة أحد وخمسين وستماية؛ وسمعته يتوسل إلى الله، ويسأله الشهادة.
المحدثون والفقهاء والطلبة النجباء وأولا الأصليون
محمد بن أحمد
ابن إبراهيم بن الزبير من أهل غرناطة؛ ولد الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزبير؛ يكنى أبا عمرو.
حاله
هذا الشيخ سكيت حلبة، ولد أبيه في علو النباهة إلا أنه لوذعي فكه، حسن الحديث، رافض للتصنع ركض طرف الشبيبة في ميدان الراحة، منكباً عن سنن أبيه وقومه، مع شغوف إدراك، وجودة حفظ، كانا يطمعان والده في نجابته، فلم يعدم قادحاً. ورحل إلى العدوة، وشرَق ونال حظوة، وجرت عليه خطوب. ثم عاد إلى الأندلس على معروف رسمه يتكور بها، وهو الآن قد نال منه الكبر. يزجي الوقت بمالقة، متعللاً بوقف من بعض الخدم المخزنية، لطف الله به.
مشيخته
استجاز له والده الطّم والرّم، من أهل المغرب والمشرق، ووقف عليه منهم في الصَّغَر وقفاً لم يغتبط به عمره، وادَّكره الآن بعد أمةٍ، عندما نقر عنه لديه، فأثرت به يده من علو رواية، وتوفر سبب مبرة، وداعيةٍ إلى إقالة عثرة، وستر هيبة شيبةٍ. فمن ذلك الشيخ الإمام أبو علي ناصر الدين منصور بن أحمد المشدالي، إجازة ثم لقاء وسماعاً، والشيخ الخطيب الراوية أبو عبد الله بن غريون. وأجازه الأستاذ أبو إسحق الغافقي، وأبو القاسم ابن الشاط، والشريف أبو العباس أحمد الحسني، والأستاذ الإمام أبو الحسين عبد الله بن أبي الربيع القرشي نزيل سبتة. ومحمد بن صالح بن أحمد بن محمد الكتاني الشاطبي ببجاية، والإمام أبو اليمن بن عساكر بالمسجد الحرام، وابن دقيق العيد وغيرهم. ومن أهل الأندلس أبو محمد بن أبي السداد، وأبو جعفر بن الزيات، وأبو عبد الله بن الكماد، وأبو عبد الله بن ربيع الأشعري، وأبو عبد الله بن برطال، وأبو محمد عبد المنعم بن سماك، والعدل أبو الحسن بن مستقور. وأجازه من أهل المشرق والمغرب، عالم كبير.
شعره
وبضاعته فيه مزجاة، فمن ذلك ما خاطبني به عند إيابي من العدوة في غرض الرسالة عن السلطان:
نوالي الشكر للرحمن فرضاً
علم نعم كست طولاً وعرضاً
وكم لله من لطيف خفي
لنا منه الذي يشاء.... وأمضى
بمقدمك السعيد أتت سعود
تنال بها نعيم الدهر محضاً
فيا بشرى لأندلسٍ بما قد
به والاك بارينا وأرضى
ويا لله من سفر سعيد
قدَ اْقرضت المهيمن فيه قرضاً
نهضت بنيةٍ أخلصت فيها
فأتت بكل ما يبغي ويرضى
وثبت لنصرة الإسلام لما
علمت بأن الأمر إليك أفضى
لقد أحييت بالتقوى رسوماً
كما أرضيت بالتمهيد أرضا
وقمت بسنة المختار فينا
تمهد سنة وتقيم فرضا
ورضت من العلوم الصعب حتى
جنيت ثمارها رطباً وغضا
فرأيك ناجح فيما تراه
وعزمك من مواضي الهند أمضى
تدبر أمر مولانا فيلقى
المسيء لديك إشفاقاً وإغضا
فأعقبنا شفاً وانبساطاً
وقد كانت قلوب الناس مرضى
ومن أضحى على ظمإ وأمسى
يرد إن شاء من نعماك خوضا
أبا عبد الآله إليك أشكو
حين نابُ الفقر عضا
ومن نعماك استجدي لباساً
يفيض به على الجاه فيضا
بقيت مؤملاً ترجى وتخشى
ومثلك من إذا ما جاد أرضا
وفاته
توفي في التاسع لمحرم من عام خمسة وستين وسبعماية.
محمد بن أحمد
ابن خلف بن عبد الملك بن غالب الغساني؛
من أهل غرناطة؛ يكنى أبا أبكر؛ ويعرف بالقليعي.
أوليته
قد جرى من ذكره، وذكر بيته في الطبقات ما فيه كفاية.
حاله
كان نبيه البيت، رفيع والدين، وأجمع على استقضائه أهل بلده بعد أبي محمد بن سمحون؛ سنة ثمان وخمسماية.
وفاته
توفي بغرناطة، أوايل صفر عشرة وخمسماية. ودفن في روضة أبيه ذكره ابن الصيرفي وأطنب.
محمد بن أحمد
ابن محمد الدوسي؛ من أهل غرناطة؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بابن قطبة.
حاله
من عايد الصلة: كان رحمه الله شيخ الفقهاء والموثقين، صدر أرباب الشورى، نسيج وحده في الفضل، والتخلق والعدالة، طرفاً في الخير، محبباً إلى الكافة، مجبولاً على المشاركة، مطبوعاً على الفضيلة، كهفاً للغرباء والقادمين، مألفاً للمتعلمين، ثِمالاً للأسرى والعانين، تخلص منهم على يديه أمم، لقصد الناس إياه بالصدقة، مقصوداً في الشفاعات، معتمداً بالأمانات، لا يسدل دونه ستر، ولا تحجب عنه حرمة، فقيها حافظاً، إخبارياً محدثاً ممتعاً، متقدماً في صناعة التوثيق، حسن المشاركة في غيرها، كثير الحض على الصدقة في المحول والأزمات، يقوم في ذلك مقامات حميدة، ينفع الله بها الضعفاء، وينقاد الناس لموعظته، ويؤثر في القلوب بصدقه. فقد بفقدانه رسم من رسوم البر والصدقة.
مشيخته
قرأ على الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزبير، والخطيب ولي الله أبى الحسن بن فضيلة، وروى عن الشيخ الوزير المسن المحدث أبي محمد عبد المنعم بن سماك، وأبي القاسم بن السكوت المالقي، والخطيب أبي عبد الله بن رُشيد، والقاضي أبي يحيى بن مسعود، والعدل أبي علي البجلي، وأبي محمد عبد المؤمن الخولاني، وأجازه جماعة من أهل المشرق والمغرب، وناب عن بعض القضاة بغرناطة. ولد عام تسعة وستين وستماية، وتوفي في الثالث لربيع الأول من عام ثمانية وثلاثين وسبعماية. وكانت جنازته مشهودة.
محمد بن إبراهيم
ابن عبد الله بن أحمد بن محمد بن يوسف بن روبيل الأنصاري؛ من أهل غرناطة؛ ويكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن السراج؛
طليطلي الأصل؛ طبيب الدار السلطانية.
حاله
من العايد: كان رحمه الله من أهل التفنن والمعرفة متناهي الأبهة والحظوة، جميل الصورة، مليح المجالسة، كثير الدعابة والمؤانسة، ذاكراً للأخبار والطرف، صاحب حظ من العربية والأدب والتفسير، قارضاً للشعر، حسن الخط، ظريف الوراقة، طرفاً في المعرفة بالعشب، وتمييز أعيان النبات، سنياً، محافظاً، محبا في الصالحين، ملازماً لهم، معتنياً بأخبارهم، متلمذاً لهم. انحاش إلى الولي أبي عبد الله التونسي، وانقطع إليه مدة حياته، ودون أحواله وكراماته. وعين ريع ما يستفيده في الطب صدقة على يديه، أجرى ذلك بعد موته لبنيه. ونال حظاً عريضاً من جاه السلطان، فاطرح حظ نفسه مع المساكين والمحتاجين، فكان على بأوه على أهل الدنيا، يوثر ذوي الحاجة، ويخف إلى زيارتهم، ويرفدهم، ويعينهم على معالجة عللهم.
مشيخته
قرأ الطب على الشيخ الطبيب نسيج وحده أبي جعفر الكزني، رييس الصناعة في وقته، ولقي فيه الأستاذ إمام التعاليم والمعارف أبا عبد الله الرَّقوطي المرسي وغيره؛ وقرأ القرآن على المقري الشهير أبي جعفر الطباع بالروايات السبع، والعربية على الأستاذ أبي الحسن ابن الصايغ الإشبيلي، وأكثر القراءة على شيخ الجماعة العلامة أبي جعفر بن الزبير.
تواليفه
ألف كتباً كثيرة؛ منها في النبات والرؤيا، ومنها كتاب سماه ((السَّرُّ المُذاع في تفضيل غرناطة على كثير من البقاع)).
شعره
من ذلك قوله ملغزاً في المطر:
وما زاير مهما أتى ابتهجت به
نفوس وعم الخلق جوداً وإحسانا
يقيم فيشكو الخلق منه مقامه
ويكربهم طرا إذا عنهم بانا
يسر إذا وافى ويكرب إن نأى
ويكره منه الوصل إن زار أحياناً
وأعجب شيء هجر حب مواصل
به حين يطل هواه إن لم يطل خانا
محنته
ذكر أنه لما توفي السلطان ثاني الملوك من بني نصر فجأة، وهو يصلي المغرب، وباكر الطبيب بابه غداة ليلة موته. سأل عن الطعام القريب عهد موته بتناوله، فأخبر أنه تناول كعكاً وصلته من ولي عهده، فقال كلاماً أوجب نكبته، فامتحن بالسجن الطويل، والتمست الأسباب الموصلة إلى هلاكه، ثم أجلي إلى العدوة. ثم دالت الأيام، فعاد إلى وطنه؛ مستآنفاً ما عهده من البر وفقده من التجلة.
ميلاده
بغرناطة عام أربعة وخمسين وستماية.
وفاته
ليلة الخميس التاسع من شهر ربيع الأول من عام ثلاثين
وسبعماية.
محمد بن ابراهيم
ابن عبد الله بن أبي زمنين المري؛ يكنى أبا عبد الله؛ وبيته معلوم.
حاله
كان من أهل المعرفة والنبل والذكاء
مشيخته
قرأ القرآن على أبي بكر بن النفيس، وأبي عبد الله ابن شهيد المرّي المقري بطخشارش من غرناطة. ودرس الفقه عند المشاور أبي عبد الله بن ملك المقري، وأبي الحسن علي بن عمر بن أضحى، وعلى غيرهما من شيوخ غرناطة.
وفاته
توفي سنة أربعين وخمسماية.
قلت: وإنما ذكرت هذا المترجم به مع كوني اشترطت صدر خطبته، ألا أذكر هذا النمط لمكان مصاهرتي في هذا البيت. ولعل حافد هذا المترجم به من ولدي، يطلع على تعدادهم وذكرهم في هذا التأليف وتردادهم؛ فيكون ذلك محرضاً له على النجابة. محرضاً للإجابة، جعلنا الله ممن انتمى للعلم وأهله، واقتفى من سننه واضح سبله.
محمد بن جابر
ابن محمد بن قاسم بن أحمد بن إبراهيم بن حسان القيسي الواد آشي الأصل والمعرفة؛ التونسي الاستيطان؛
يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بابن جابر.
حاله
من عايد الصلة: نشأ بتونس، وجال في البلاد المشرقية والمغربية، واستكثر من الرواية ونقب عن المشايخ، وقيد الكثير، حتى أصبح جماعة المغرب، وراوية الوقت. ثم قدم الأندلس ظريف النزعة، عظيم الوقار، قويم السمت، يأوي في فضل التعيش إلى فضل ما كان بيده، يصرفه في مصارف التجارة. وقعد للإسماع والرواية، وانتقل إلى بلش، فقرأ بها القرآن العظيم والروايات السبع، على الخطيب أبي جعفر بن الزيات. ثم رحل إلى المغرب، ثم أعاد الرحلة الحجازية، وأعرق، فلقي أمة من العلماء والمحدثين، وأصبح بهم شيخ وحده، انفساح رواية، وعلو إسناد.
مشيخته
من شيوخه: قاضي الجماعة بتونس أبو العباس بن الغماز الخزرجى البلنسي، وقاضي الجماعة بها أبو إسحق ابن عبد الرفيع، وقاضي قضاة الديار المصرية بدر الدين ابن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة ابن صخر الكناني. وقاضي الجماعة ببجاية أبو العباس الغبريني، وسراج الدين أبو جعفر عمر بن الخضر بن طاهر بن طراد بن إبراهيم بن محمد بن منصور الأصبحي، وأبو محمد عبد الغفار بن محمد السعدي المصري، ورضي الدين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الخليلي الجعفري. وشرف الدين أبو عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي. وأبو الفضل أبو القاسم بن حماد بن أبي بكر بن عبد الواحد الحضرمي اللبيد. وعبد الله بن يوسف بن موسى الخلاسي. وعبد الله بن محمد بن هرون، وإبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحاج التجيبي، وأحمد ابن يوسف بن يعقوب بن علي الفهرى اللبلي، وولده جابر بن محمد بن قاسم معين الدين، وعز الدين أبو القاسم بن محمد بن الخطيب، وجمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن الصفار، وأبو بكر بن عبد الكريم ابن صدقة العزفي، ومحمد بن إبراهيم بن أحمد التجيبي، وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن إبراهيم بن عقاب الجذامي الشاطبي، وعبد الرحمن بن محمد بن علي بن عبد الله الأنصاري الأسدي القيرواني، وأبو القاسم خلف بن عبد العزيز القبتوري، وعلي بن محمد بن أبي القاسم بن رزين التجيبي، وأحمد بن موسى ابن عيسى البطرني، وغير القضاة فخر الدين أبو محمد عبد الواحد بن منصور بن محمد بن المنير، وتقي الدين محمد بن أحمد بن عبد الخالق المصري، وصدر النحاة أبو حيان، وظهير الدين أبو محمد بن عبد الخالق المخزومي المقدسي الدلاصي، ورضي الدين بن إبراهيم بن أبي بكر الطبري، والمعمر بهاء الدين أبو محمد القاسم بن مظفر بن محمود بن هبة الله بن عساكر الدمشقي. وأما من كتب إليه فنحو ماية وثمانين من أهل المشرق والمغرب.
قدم غرناطة في أول عام ستة وعشرين وسبعماية، فهو باعتبار أصله أصلي، وباعتبار قدومه طارئ وغريب.
تواليفه
له تواليف حديثية جملة، منها ((أربعون حديثاً))؛ أغرب فيها بما دل على سعة خطوه وانفساح رحله.
وفاته
كان حيا سنة أربعين وسبعماية، وبلغنى أنه توفي عام سبعة بعدها.
محمد بن خلف
ابن موسى الأنصاري الأوسي؛ من أهل إلبيرة؛
يكنى أبا عبد الله.
حاله
كان متكلماً، واقفاً على مذاهب المتكلمين، متحققاً برأي الأشعرية، ذاكراً لكتب الأصول والاعتقادات، مشاركاً في الأدب، مقدماً في الطب.
مشيخته
روى عن: أبي جعفر بن محمد بن حكم بن باق، وأبي جعفر بن خلف بن الهيثم، وأبوي الحسن بن خلف العنسي، وابن محمد بن عبد العزيز بن أحمد بن حمدين، وأبوي عبد الله بن عبد العزيز الموري، وابن فرج مولى الطلاع، وأبي العباس بن محمد الجذامي، وأبي علي الغساني، وأبي عمرو زياد بن الصفار، وأبي القاسم أحمد بن عمر. وأخذ علم الكلام عن أبي بكر بن الحسن المرادي، وأبي جعفر بن محمد بن باق، وأبي الحجاج بن موسى الكلبي. وتأدب في بعض مسائل النحو بأبي القاسم ابن خلف بن يوسف بن فرتون بن الأبرش.
من روى عنه
روى عنه: أبو إسحق بن قرقول، وأبو خالد المرواني، وأبو زيد بن نزار، وأبو عبد الله بن الصيقل المرسي، وأبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن سمعان، وأبو الوليد بن خيرة.
تواليفه
من تواليفه: ((النكت والأمالي في الرَّد على الغزالي))، و((الإيضاح والبيان في الكلام على القرآن))، و((الوصول إلى معرفة الله ونبوة الرسول))، و((رسالة الاقتصار على مذاهب الأيمة الأخيار))، و((رسالة البيان في حقيقة الإيمان))، و((الرد على أبي الوليد بن رشد في مسألة الاستواء)) الواقعة له في الجزء الأول من مقدماته، و((شرح مشكل ما وقع في الموطإ وصحيح البخاري))، وقد كان شرع في تصنيفه عام ثمانية عشر وستماية في شوال منه، وبلغ في الكلام فيه إلى النكتة الرابعة والخمسين، وقطعت به قواطع المرض، وشرع في معالجة العين لرؤيا رآها، يقال له: ((ألفت في نور البصيرة، فألف في نور البصر تنفع وتنتفع))، فأقبل على تأليفه في مداواة العين، وهو كتاب جم الإفادة، ثم أكمل النكت.
شعره
وكان له حظ من قرض الشعر، فمن ذلك ما مدح به إمام الحرمين أبا المعالي الجويني:
حب حبر يكنى أبا المعالي
هو ديني ففيه لا تعذلوني
أناو الله مغرم في هواه
عللوني بذكره عللوني
مولده
ولد يوم الثلاثاء لإثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة سبع وخمسين وخمسماية.
محمد بن محمد
ابن إبراهيم بن محمد بن عبد الله الخولاني؛ غرناطي؛
يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بالشريشي.
حاله
من أهل التصاون والحشمة والوقار، معرق في بيت الخيرية والعفة، وكان والده صاحبنا رحمه الله آية في الدؤوب والصبر على انتساخ الدواوين العلمية والأجزاء، بحيث لا مظنة معرفة أو حجرة طلب تخلو عن شيء من خطه إلا ما يقل، على سكون وعدالة وانقباض وصبر وقناعة. وأكتب للصبيان في بعض أطواره. ونشأ ابنه المذكور، ظاهر النبل والخصوصية مشاركاً في فنون، من عربية وأدب وحساب وفريضة، وتصرف في الشهادة المخزنية برهة، ثم نزع عنها انقيادا لداعي النزاهة، وهو الآن بحاله الموصوفة.
شعره
وشعره من نمط الإجادة، فمن ذلك قوله:
بي شادن أهيف مهمى انثنى
يحكي تثنيه القضيب الرطيب
ذو غرة كالبدر قد أطلعت
فوق قضيب نابت في كثيب
خضت حشا الظلماء من حبه
أختلس الوصل حذار الرقيب
فبت وللوصل لنا ثالث
يضمنا ثوب عفاف قشيب
حتى إذا ما الليل ولى وقد
مالت نجوم الأفق نحو الغروب
ودعته والقلب ذو لوعة
أسيل من ماء جفوني غروب
فلست أدري حين أودعته
قلب بأضلاعي غدا أم قليب
ومن ذلك في النسيب:
يا أجمل الناس ويا من غدت
غرته تمحو سنا الشمس
أنعم على عبدك يا مالكي
دون اشتراء ومنى نفسي
بأن ترى وسطى لعقدي وأن
تعيد ربعي كامل الأنس
فإن تفضلت بما ارتجي
ابقيتني في عالم الإنس
وإن تكن ترجعني خايباً
فإنني أدرج في رمس
وقال في فضل العلم:
يا طالب العلم اجتهد إنه
خير من التالد والطارف
فالعلم يذكو قدر إنفاقه
والمال إذا أنفقته تالف
وتراقَّى إلى هذا العهد بإشارتي إلى التي لا فوقها من تعليم ولد السلطان، والرياسة القرآنية بباب الإمارة، والإمامة بالمسجد الجامع من القلعة حميد الطريقة في ذلك كله، معروف الحق، تولاه الله.
مولده
عام ثمانية عشر وسبعماية.
محمد بن محمد
ابن علي بن سُودة المُرّي؛ يكنى أبا القاسم
أوليته
من نبهاء بيوتات الأندلس وأعيانها، سكن سلفه البشارة، بشارة بني حسان، وولى جده الأشغال، حميد السيرة، معروف الإدانة.
حاله
هذا الفتى من أهل الخصوصية والسكون والحياء، المانع عن كثير من الأغراض. مال إلى العلوم العقلية، فاستظهر على المُماسَّة في بعض أغراضها بالدُّؤوب والعكوف، والمورَّيْن تأثير حبل الرَّكيَّة في جحرها، فتصدر للعلاج، وعانى الشعر، وأُرْسم في الكتابة، وعد من الفضلاء، وظهرت على عباراته اصطلاحات الحكماء، وتشوف إلى العهد للرحلة الحجازية، والله ييسر قصده.
مشيخته
قرأ الطب والتعديل على الحبر طبيب الدار السلطانية، فارس ذينك الفنين، إبراهيم بن زرزار اليهودى؛ ورحل إلى العدوة، فقرأ على الشريف العالم الشهير، رحلة الوقت في المغرب أبي عبد الله العلوى، وبلقيايه نجح.
شعره
أنشد السلطان قوله:
جاد الحمى صوب الغمام هتونه
تزجي البروق سحابه فتعينه
وسقى ديار العامرية بعدما
وافى الجرعا الكثيب معينه
يندى بأفنان الأراك كأنه
عقد تناثر بالعقيق ثمينه
ومحى الكثيب سكوبه فكأنه
خط تطلس ميمه أو نونه
حتى إذا الأرواح هبت بالضحى
مسحت عليه بالجناح تبينه
وكأنه والرعد يحدو خلفه
صب يطول إلى اللقاء حنينه
أو سح دمعي فوق أكناف اللوى
جادت بلؤلؤة النفيس عيونه
والبرق في حلل السحاب كأنه
مكنون سر قد أذيع مضمونه
أو ثوب ضافية الملابس كاعب
عمدت بحاشية النضار تزينه
هن الديار برامة لا دهرها
سلس القياد ولا العتاب يلينه
ولقد وقفت برسمها فكأنني
من ناحل الأطلال فيه أكونه
قلبي بذاك اللوى خلفته
ألوى بمزدلف الرفاق ظعينه
لا تسل العذال عني فالهوى
ذا يخامر بالضلوع دفينه
إن يخف عن شرحي حديث زميرتي
فعلى الفنون فريضة تبينيه
عجباً لدمعي لا يكف كأنما
جدوى أبي عبد الاله هتونه
محي المكارم بعد ما أودى بها
زمن تقلب بالكرام خؤونه
مولى الملوك عميد كل فضيلة
علق الزمان ثمينه ومكينه
يضفي إلى داعي الندى فيهزه
وبملتقى الجمعين طال سكونه
من ذا يسابق فضله لوجوده
ويلج فيض البحر فاض يمينه
إن تلقه تلق الجمال وقاره
والحلم طبع والسماحة دينه
غمر الأنام نواله ومحا الضلا
ل رشاده وجلا الظلام جبينه
أحيا رسوم الدين وهي دوارس
ولطالما صدع الشكوك يقينه
شمس الهدى حتف العدا محي الندا
بحر الجدا طول المدى تمكينه
ليث الشرى غوث الورى قمر السُّرى
سن القِرَى عَمَّ القُرَى تأمينه
فلبأسه يوم الوغى ولعزمه
جاش الهزبرإذا الهزبر يخونه
لا تسل الهيجاء عنه إنه
يصل المراد كما تحب ظنونه
لو كان يشغله المنام عن العلا
هجر المنام وباعدته جفونه
وإذا تطاولت الملوك بماجد
بمحمد دون الأنام يكونه
يا ابن الألى نصروا الرسول ومن بهم
نطق الكتاب فصيحه ومبينه
خصوا ببيعته وحاموا دونه
نهج الرضا حتى تقاوم دينه
أمعاضد الإسلام أنت عميده
وخليفة الرحمن أنت أمينه
لم يبق إلا من بسيفك طايع
وألفنش في أقصى البلاد رهينه
وبجيشك المنصور لو لاقيته
أدرى بمشتجر الرماح طعينه
ولو اصطنعت إلى العدو إدالة
طاعت إليك بلاده وحصونه
خذها إليك قصيدة من شاعر
حلو الكلام مهذب تبيينه
جعل القوافي للمعالي سلماً
فجنى القريض كما اقتضته فنونه
غطى هواه عقله واقتاده
يحصي النجوم جهالة تزيينه
ولو أخذته أيدي التحرير والنقد، لرجي أن يكون شاعراً، وبالجملة فالرجل معدود من السراة بيتاً وتخصصاً.
محمد بن عبد العزيز
ابن سالم بن خلف القيسي؛ منكبي الأصل؛ يكنى أبا عبد الله، طبيب الدار السلطانية.
حاله
من عايد الصلة: كان رحمه الله فذا في الانطباع واللوذعية، حين المشاركة في الطب، مليح المحاضرة، حفظة، طلعة، مستحضراً للأدب، ذاكراً لصناعة الطب، أخذها عن إمام وقته، أبي جعفر الكزني، وانتصب للعلاج، ثم انتقل إلى الخدمة بصناعته بالباب السلطاني، وولي الحسبة، ومن شعره يخاطب السلطان على ألسنة أصحابنا الأطباء الذين جمعتهم الخدمة ببابه يومئذ، وهم: أبو الأصبغ بن سعادة، وأبو تمام غالب الشقوري:
قد جمعنا بابكم سطر علم
لبلوغ المنى ونيل الإرادة
ومِنَ اْسمائنا لكم حسن فال
غالب ثم سالم وسعادة
وفاته
توفي في شهر رجب من عام سبعة عشر وسبعماية.
محمد بن عبد الله
ابن أبي زمنين؛ من أهل إلبيرة؛ يكنى أبا عبد الله.
حاله
من الملاحي: قال ولي الأحكام، وكان فقيها نبيها.
وفاته
توفي بغرناطة في عشر الستين وأربعمائة. قلت: قد تقدم اعتذاري عن إثبات مثله في هذا المختصر؛ فلينظر هناك إن شاء الله.
محمد بن عبد الله
ابن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي زمنين عدنان بن بشير بن كثير المري.
حاله
كان من كبار المحدثين والعلماء الراسخين، وأجل وقته قدراً في العلم والرواية والحفظ للرأي والتمييز للحديث، والمعرفة باختلاف العلماء متفنناً في العلم، مضطلعاً بالأدب، قارضاً للشعر، متصرفاً في حفظ المعاني والأخبار، مع النسك والزهد، والأخذ بسنن الصالحين، والتخلق بأخلاقهم. لم يزل أمة في الخير، قانتاً لله، منيباً له، عالماً زاهدا صالحاً خيراً متقشفاً، كثير التبتل والتزلف بالخيرات، مسارعاً إلى الصالحات، دايم الصلاة والبكاء، واعظاً، مذكراً بالله، داعياً إليه، ورعاً ملبي الصدقة، معيناً على النايبة، مواسياً بجاهه وماله، ذا لسانٍ وببان، تصغي إليه الافئدة، فصيحاً، بهياً، عربيا شريفاً، أبي النفس، عالي الهمة، طيب المجالسة، أنيس المشاهدة، ذكياً، راسخاً في كل جم من العلوم، صيرفياً جهبذاً، ما رؤي قبله ولا بعده، مثله.
مشيخته
سكن قرطبة، وسمع بها من: أحمد بن مطرف، ووهب بن مسرة الحجاري، وعن أبان بن عيسى بن محمد ابن دنير، وعن والده عبيد الله بن عيسى.
من روى عنه
روى عنه الزاهد أبو اسحق إبراهيم بن مسعود الإلبيري، وغيره.
تواليفه
ألف ((كتاب المُغْرب في اختصار المدونة))؛ ثلاثين جزءاً؛ ليس في المختصرات مثله بإجماع، و((المهذب في تفسير الموطأ))، و((المشتل في أصول الوثايق))، و((حياة القلوب))، و((أنس الفريد))، و((منتخب الأحكام))، ((والنصائح المنظومة))، و((تفسير القرآن)).
مولده
في المحرم سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
وفاته
توفي في شهر ربيع الثاني عام ثمانية وتسعين وثلاثمائة؛ بحاضرة إلبيرة، رحمه الله ونفع به.
محمد بن عبد الرحمن
ابن الحسن بن قاسم بن مشرف بن قاسم بن محمد بن هاني
اللخمي القايصي؛ يكنى أبا الحسن.
حاله
كان وزيراً جليلاً، فقيهاً رفيعاً، جوادا، أديباً، جيد الشعر، عارفاً بصناعة النحو والعروض، واللغة والأدب والطب، من أهل الرواية والدراية.
مشيخته
روى عن الحافظ أبي بكر بن عطية، وأبي محمد بن عتاب، وأبي الوليد بن رشد القاضي الإمام، والقاضي أبي محمد عبد الله بن علي بن سمجون.
شعره
من شعره قوله:
يا حرقة البين كويت الحشا
حتى أذبت القلب في أضلعه
أذكيت فيه النار حتى غدا
ينساب ذاك الذوب من مدمعه
يا سؤل هذا القلب حتى متى
يوسى برشف الريق من منبعه
فإن في الشهد شفا للورى
لا سيما إن يصر من مكرعه
والله يدني منكم عاجلاً
ويبلغ القلب إلى مطمعه
مولده
ولد في الثلث الأخير من ليلة الجمعة لثلاث بقين لذي حجة سنة ثمان وتسعين وأربعمائة.
وفاته
توفي في آخر جمادى الأخرى سنة ست وتسعين وخمسمائة.
محمد بن عبد الرحمن
ابن عبد السلام بن أحمد بن يوسف بن أحمد الغساني؛
من أهل غرناطة؛ يكنى أبا عبد الله.
حاله
كان محدثًا نبيلاً حاذقاً ذكياً، وله شرح جليل على كتاب الشهاب، واختصار حسن في اقتباس الأنوار للرشاطي. وكان كاتباً وافر الحظ من الأدب، يقرض شعراً لا بآس به.
من شعره في ذكر أنساب طبقات العرب:
الشعب ثم قبيلة وعمارة
بطن وفخذ والفصيلة تابعة
فالشعب يجمع للقبائل كلها
ثم القبيلة للعمارة جامعة
والبطن تجمعه العمار فاعلمن
والفخذ بجمعه البطون الواسعة
والفخذ يجمع للفصايل كلها
جاءت على نسق لها متتابعة
فخزيمة شعب وإن كنانة
لقبيلة عنها الفصايل شاسعة
وقريشها تسمو العبارة يا فتى
وقصي بطن الأعادي قامعة
ذا ما ثم فخذ وذا عباسها
الاَّ الفصيلة لا تناط بسايعة
مولده
ولد بغرناطة سنة ثمان وستين وخمسماية.
وفاته
بمرسية في رمضان تسع عشرة وستماية.
محمد بن عبد الواحد
ابن إبراهيم بن مفرج بن أحمد بن عبد الواحد بن حريث بن جعفر ابن سعيد بن محمد بن حقل الغافقي؛ من ولد مروان بن حقل النازل بقرية الملاحة من قنب قيس؛ من عمل إلبيرة؛
يكنى أبا القاسم؛ ويعرف بالملاحي؛ وقد نقلنا عنه الكثير؛
وهو من المفاخر الغرناطية.
حاله
كان محدثا راوية معتنيا، أديباً، مؤرخاً، فاضلاً جليلاً. قال الأستاذ في الصلة: كان من أفضل الناس، وأحسنهم عشرة، وألينهم كلمة، وأكثرهم مروءة، وأحسنهم خلقاً وخلقاً. ما رأيت مثله؛ قدس الله تربته. وذكره صاحب الذيل، الأستاذ أبو عبد الله بن عبد الملك، وأطنب فيه، وذكره المحدث أبو عبد الله الطنجالي، وذكره ابن عساكر في تاريخه.
مشيخته
روى عن أبيه أبي محمد، وأبي القاسم بن بشكوال، وأبي العباس بن اليتيم، وعالم كثير من غير بلده، ومن أهل بلده سوى أبيه، وعن أبي سليمان داود بن يزيد بن عبد الله السعدي القلعي، لازمه مدة، وعن أبي خالد بن رفاعة اللخمي، وأبي محمد عبد الحق بن يزيد العبدري، وأبي جعفر عبد الرحمن بن الحسن بن القصير، وأبي بكر ابن طلحة بن أحمد بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي، وأبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم، وأبي جعفر بن حكم الحصار، وأبي عبد الله بن عروس، وأبي الحسن ابن كوثر، وأبي بكر الكتندي، وأبي إسحق بن الجلا، وأبي بكر ابن زمنين، وأبي القاسم بن سمجون، وأبي محمد بن عبد الصمد بن محمد بن يعيش الغساني. وكان من المكثرين في باب الرواية، أهل الضبط والتقييد والإتقان، بارع الخط، حسن الوراقة، أديباً بارعاً ذاكراً للتاريخ والرجال، عارفاً بالأنساب، نقاداً حافظاً للأسانيد، ثقة عدلاً، مشاركاً في فنون، سياسياً. وروى عنه الأستاذ، واعتنى بالرواية عنه وقال الأستاذ، حدثني عنه من شيوخي جماعة، منهم القاضي العدل أبو بكر بن المرابط.
تواليفه
ألف كتابه في تاريخ علماء إلبيرة، واحتفل فيه. وألف ((كتاب الشجرة في الأنساب))، وكتاب ((الأربعين حديثاً))، و((كتاب فضايل القرآن))، وبرنامج روايته، وغير ذلك.
مولده
سنة تسع وأربعين وخمسماية.
وفاته
توفي في شعبان سنة تسع عشرة وستماية ببلده.
محمد بن علي
ابن عبد الله اللخمي؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بالشقوري؛
منسوباً إلى مدينة شقورة ومنها أهله؛ صاحبنا طبيب دار الإمارة؛ حفظه الله.
حاله
هذا الرجل طرف في الخير والأمانة، فذ في حسن المشاركة، نقيٌّ في حب الصالحين، كثير الهوى إلى أهل التقوى، حذر من التفريط، حريص على التعلق بجناب الله. نشأ سابغ رداء العفة، كثيف جلباب الصيانة، متصدراً للعلاج في زمن المراهقة، معماً، مخولاً في الصناعة بادي الوقار في سن الحشمة. ثم نظر واجتهد، فأحرز الشهرة بدينه، ويمن نقيبته، وكثرة حيطته، ولطيف علاجه، ونجح تجربته. ثم كلف بصحبة الصالحين، وخاض في السلوك، وأخذ نفسه بالارتياض والمجاهدة، حتى ظهرت عليه آثار ذلك. واستدعاه السلطان لعلاج نفسه، فاغتبط به، وشد اليد عليه، وظهر له فضله، وهو لهذا العهد ببابه، حميد السيرة، قويم الطريقة، صحيح العقد، حسن التدبير، عظيم المشاركة للناس، أشد الخلق حرصاً على سعادة من صحبه، وأكثرهم ثناء عليه، وأصرحهم نصيحة له، نبيل الأغراض، فطن المقاصد، قايم على الصنعة، مبين العبارة، معتدل في البحث والمذاكرة، متكلم في طريقة الصوفية، عديم النظير في الفضل، وكرم النفس.
شيوخه
قرأ على جده للأب، وعلى الحكيم الوزير خالد بن خالد من شيوخ غرناطة، وعلى شيخنا الحكيم الفاضل أبي زكريا بن هذيل ولازمه، وانتفع به، وسلك بالشيخ الصوفي أبي مهذب عيسى الزيات، ث بأخيه الصالح الفاضل أبي جعفر الزيات، والتزم طريقته، وظهرت عليه بركته.
تواليفه
ألف كتباً نبيلة، منها: ((تحفة المتوسل في صنعة الطب))، وكتاباً أسماه ((الجهاد الأكبر))، وآخر سماه ((قمع اليهودي عن تعدي الحدود))؛ أحسن فيه ما شاء.
شعره
أنشدني بعد ممانعة واعتذار، إذ هذا الغرض ليس من شأنه:
سألت ركاب العز أين ركابي
فابدي عنادا ثم رد جوابي
ركابك مع سيري يسير بسيره
بغير حول مذ حللت جنابي
فلا تلتفت سيراً لذاتك إنما
تسير بها سيراً لغير ذهاب
وهي متعددة.
مولده
ولد في عام سبعة وعشرين وسبعماية.
محمد بن علي
ابن فرج القربلياني يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بالشفرة
حاله
كان رجلاً ساذجاً، مشتغلا بصناعة الطب، عاكفا عليها عمره محققاً لكثير من أعيان النبات، كلفاً به، متعيشاً من عشبه أول أمره، وارتاد المنابت، وسرح بالجبال، ثم تصدر للعلاج، ورأس به، وحفظ الكثير من أقوال أهله، ونسخ جملة من كنانيشه على ركاكة خطه، وعالج السلطان نصر؛ المستقر بوادي آش؛ وقد طرق من بها مرض وافد [حمل علاجه المشاقحة لأجله، وعظم الهلاك فيمن اختص بتدبيره، فطوف القلب المبارك بمبراه. ثم رحل إلى العدوة، وأقام بمراكش سنين عدة، ثم كرّ إلى غرناطة في عام أحد وستين، وبها هلك على أثر وصوله.
مشيخته
زعم أنه قرأ على أبيه ببلده من قربليان بلد الدجن؛ وأخذ الجراحة عن فوج من محسني صناعة عمل اليد من الرُّوح. وقرأ على الطبيب عبد الله بن سراج وغيره.
تواليفه
ألف كتاباً في النبات.
وفاته
في السابع عشر لربيع الأول عام أحد وستين وسبعماية.]
محمد بن علي
ابن يوسف بن محمد السكوني؛ يكنى أبا عبد الله
ويعرف بابن اللؤلؤة؛ أصله من جهة قمارش.
حاله
رحل في فتايه، بعد أن شدا شيئاً من الطلب، وكلف بالرواية والتقيد؛ فلقي مشيخة، وأخذ عن جلة، وقدم على بلده حسن الحالة، مستقيم الطريقة، ظاهر الانقباض والعفة، وأدخل الأندلس فوايد وقصايد، وكان ممن ينتفع به؛ لو أمهلته المنية.
شعره
مما نسبه إلى نفسه من الشعر قوله:
يا من عليه اعتمادي في قل أمري وكثره
سهل علي ارتحالي إلى النبي وقبره
فذاك أقصى مرادي من الوجود بأسره
وليس ذا بعزيز عليك فامنن بيسره
ومن ذلك:
أمن بعد ما لاح المشيب بمفرقي
أميل لزور بالغرور مصاغ
وأرتاح للذات والشيب منذر
بما ليس عنه للأنام مراغ
ومن يمت قبل المشيب فإنه
يراع بهول بعده ويراغ
فيا رب وفقني إلى ما يكون لي
به للذي أرجوه منك بلاغ
وفاته
توفي معتبطاً في وقيعة الطاعون عام خمسين وسبعماية، خطيباً بحصن قمارش.
محمد بن سودة
ابن إبراهيم بن سودة المري؛ أصله من بشرة غرناطة؛
يكنى أبا عبد الله.
حاله
من بعض التواريخ المتأخرة: كان شيخاً جليلاً، كاتباً مجيداً، بارع الأدب، رايق الشعر، سيال القريحة، سريع البديهة، عارفاً بالنحو واللغة والتاريخ، ذاكراً لأيام السلف، طيب المحاضرة، مليح الشيبة، حسن الهيئة، مع الدين والفضل، والطهارة والوقار والصمت.
مشيخته
قرأ بغرناطة على الحافظ أبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم بن الفرس، وغيره من شيوخ غرناطة؛ وبمالقة على الأستاذ أبي القاسم السهيلي؛ وبجيان على ابن يربوع؛ وبإشبيلية على الحسن بن زرقون، وغيره من نظرائه.
أدبه
قال الغافقي: كانت بينه وبين الشيخ الفقيه واحد عصره أبي الحسن سهل بن مالك مكاتبات ومراجعات، ظهرت فيها براعته، وشهدت له بالتقدم يراعته.
محنته
أصابته في آخر عمره نكبة ثقيلة؛ أسر هو وأولاده، فكانت وفاته أسفاً لما جرى عليهم نفعه الله.
وفاته
توفي في حدود سبعة وثلاثين وستماية.
محمد [بن يزيد]
ابن رفاعة الأموي البيري؛ أصله من قرية طرش
حاله
طلب العلم وعنَى بسمعه، ونسخ أكثر كتبه بخطه، وكان لغوياً شاعراً، من الفقهاء المشاورين الموثقين، وولي الصلاة بالحاضرة، وعزل وسَرَد الصَّوْم عن نَذْرٍ لَزِمه عُمْره.
مشيخته
سمع من شيوخ إلبيرة: محمد بن فطيس، وابن عمريل، وهاشم بن خالد، وعثمان بن جهير، وحفص ابن نجيح؛ وبقرطبة من عبيد الله بن يحيى بن يحيى، وغيره.
من حكاياته
قال المؤرخ: من غريب ما جرى لأبي علي البغدادي، في مقدمه إلى قرطبة، أن الخليفة الحكم؛ أمر ابن الرماحس عامله على كورتي: إلبيرة وبجانة؛ أن يجيء مع أبي علي في وفد من وجوه رعيته؛ وكانوا يتذاكرون الأدب في طريقهم؛ إلى أن تجاروا يوماً وهم سايرون؛ أدب عبد الملك بن مروان، ومساءلته جلساءه عن أفضل المناديل، وإنشاده بيت عَبْدَة بن الطبيب:
ثمت قمنا إلى جرد مسومة
أعْرقُهُنَّ لأيدينا مناديل
وكان الذاكر للحكاية أبو علي؛ فأنشد الكلمة في البيت أعْرَاقُهَا، فلوى ابن رفاعة عنانه منصرفاً، وقال: مع هذا يوفد على أمير المؤمنين، وتتجشم الرحلة العظيمة، وهو لا يقيم وزن بيت مشهور في الناس، لا يغلط فيه الصبيان، والله لا تبعته خطوة، وانصرف عن الجماعة، وندبه أميره ابن الرماحس، ورامه بأن لا يفعل؛ فلم يجد فيه حيلة؛ فكتب إلى الخليفة يعرفه بابن رفاعة، ويصف ما جرى معه؛ فأجابه الحكم على ظهر كتابه: الحمد لله الذي جعل في بادية من بوادينا من يخطَّئ وفد أهل العراق؛ وابن رفاعة بالرضا أولى منه بالسخط؛ فدعه لشأنه؛ وأقدم بالرجل غير منتقص من تكريمه؛ فسوف يعليه الاختبار أو يحطه.
وفاته
توفي سنة ثلاث أو أربع وأربعمائة.
محمد بن أحمد
ابن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي بكر بن خميس الأنصاري؛ من أهل الجزيرة الخضراء.
حاله
كان فاضلاً وقوراً، مشاركاً، خطيباً، فقيهاً، مجوداً للقرآن، قديم الطلب، شهير البيت، معروف التعين، نبيه السلف في القضاء، والخطابة والإقراء، مضى عمره خطيباً بمسجد بلده الجزيرة الخضراء، إلى أن تغلب العدو عليها، وباشر الحصار بها عشرين شهراً، نفعه الله ثم انتقل إلى مدينة سبتة، فاستقر خطيباً بها إلى حين وفاته.
مشيخته
قرأ على والده رحمه الله، وعلى شيخه، وشيخ أبيه أبي عمر، وعباس بن الطفيل؛ الشهير بابن عظيمة، وعلى الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، والخطيب أبي عبد الله بن رشيد بغرناطة عند قدومه عليها، والقاضي أبي المجد بن أبي الأحوص قاضي بلده؛ وكتب له بالإجازة الوزير أبو عبد الله بن أبي عامر بن ربيع، وأجازه الخطباء الثلاثة: أبو عبد الله الطنجالي، وأبو محمد الباهلي، وأبو عثمان بن سعيد؛ وأخذ عن القاضي بسبتة أبي عبد الله الحضرمي، والإمام الصالح أبي عبد الله بن حريث، والمحدث أبي القاسم التجيبي، والأستاذ أبي عبد الله بن عبد المنعم، والأخوين أبي عبد الله وأبي إبراهيم؛ ابني يربوع. قال: وكلهم لقيته وسمعت منه. وأجاز لي إجازة عامة؛ ما عدا الإمام ابن حريث فإنه أجاز لي، ولقيته ولم أسمع عليه شيئاً؛ وأجاز لي غيرهم كناصر الدين الشدالي، والخطيب ابن عزمون، وغيرهما؛ ممن تضمنه برنامجه.
تواليفه
قال: وكان أحد بلغاء عصره، وله مصنفات منها: ((النفحة الأرجية في الغزوة المرجية)). ودخل غرناطة مع مثله من مشيخته بلده في البيعات؛ أظن ذلك.
وفاته
توفي في الطاعون بسبتة؛ أخر جمادى الآخرة من عام خمسين وسبعماية.
محمد بن أحمد
ابن عبد الله العطار من أهل ألمرية. حاله من بعض التقييدات، كان فتى وسيماً وقوراً، صيباً، متعففاً، نجيباً، ذكياً. كتب عن شيخنا أبي البركات ابن الحاج، وناب عنه في القضاء، وانتقل بانتقاله إلى غرناطة؛ فكتب بها. وكان ينظم نظماً مترفعاً عن الوسط. وجرى ذكره في الإكليل بما نصه: ممن نبغ ونجب، وخلق له البر بذاته ووجب، تحلى بوقار، وشعشع للأدب كأس عقار، إلاّ أنه اخترم في اقتبال وأصيب الأجل بنبال.
من شعره
قوله من قصيدة:
دعاني على طول البعاد هواها
وقد سد أبواب اللقا نواها
وقد شمت برقا للقا مبشراً
وقد نفحت ريح الصبا بشذاها
وجن دجى ليل بخيل بصبحه
كما بخلت ليلى بطيف سراها
وقاد زمان قايد الحب قاصدا
ربوعا ثوت ليلى بطول قناها
وناديت والأشواق بالوجد برحت
ودمعي أجرى سابغً للقاها
أبا كعبة الحسن التي للنفس ترتجي
رضاها وحاشى أن يخيب رجاها
أحبك يا ليلى على البعد والنوى
وبي منك أشوقا تشب لظاها
لين حجبت ليلى عن العين إنني
بعين فؤادي لا أزال أراها
إلى أن بدا الصبح المشتت شملنا
وما بلغت نفسي المشوق مناها
فمدت يميناً للوداع ودمعها
يكفكفه خوف الرقيب سراها
وقالت وداعاً لا وداع تفرق
لعل الليالي أن تديل نواها
تذكرنا ليلى معاهد باللوى
رعى الله ليلات اللوى ورعاها
وفاته
توفي في الطاعون الأعظم؛ عام خمسين وسبعمائة.
محمد بن أحمد
ابن المراكشي؛ من أهل ألمرية؛ يكنى أبا عبد الله؛
ويعرف بالمراكشي
حاله
كان فتى جميل الرؤيا، سكوتاً، مطبوعاً على المغافصة والغمز، مهتدياً إلى خفي الحيلة، قادراً على المباحثة، ذكياً، متسوراً على الكلام في الصنايع والألقاب، من غير تدرب ولا حنكة، دمث الأخلاق، لين العريكة، انتحل الطب، وتصدر للعلاج والمداواة، واضطبن أغلوطة صارت له بها شهرة، وهي رق يشتمل على أعداد وخطوط وزايرجة، وجداول غريبة الأشكال، تحتها علامات فيها اصطلاحات الصنايع والعلوم، ويتصل بها قصيدة رويها لأم الألف أولها، وهي منسوبة لأبي العباس السبتي.
يقول سبتي ويحمد ربه
مصل على هاد إلى الناس أرسلا
وأنها مدخل للزيرجة؛ ذكر أنه عثر عليها في مظنة غريبة، وظفر برسالة العمل بها، وتحرى بالإعلام بالكنايات، [والإخبار بالخفي] وتقدمة المعرفة، والإنذار بالوقايع، حتى استهوى بذلك جماعة من المشيخة، ممن كان يركن إلى رجحان نظره، وسلامة فطرته، واستغلت الشهادة له بالإصابة، سجية النفوس في حرصها على إثبات دعاوى المتحرفين، أخبرني بعهم أنه خبأ له عظماً صغيراً، يكون في أطراف أجنحة الطير، أخذه من جناح ديك، وزعم أرباب الخواص أنه يزيل الإعياء إذا علق، فتصرف على عاداته [من الدخول] في تلك الجداول، وأخذ الأعداد الكثير، يضربها آونة، ويقسمها أخرى، ويستخرج من تلك الجداول جيوباً وسهاماً، ويأخذ جذوراً، وينتج له العمل آخراً حروفاً مقطعة، يبقيها الطرح، يولف منها كلاماً، تقتنص منه الفائدة؛ فكان في ذلك بيت شعر:
وفي يدكم عظم صغير مدور
يزيل به الإعيا من كان في السفر
وأخبرني آخرون أنه سؤل في نازلة فقهية لم يلق فيها نص، فأخبر أن النص فيها موجود بمالقة، فكان كذلك. وعارض ذلك كله جلة من أشياخنا، فذكرني الشيخ نسيج وحده، أبو الحسن بن الجياب: أن سامره يخرج خبيئته سواد ليلة، فتأمل ما يصنعه؛ فلم يأت بشيء، ولا ذهب إلى عمل يتعقل، وظاهر الأمر أن تلك الحال كانت مبنية على تخيل وتخمين، وتختلف فيه الإصابة وضدها؛ بحسب الحالة والقايل؛ لتصرف الحيلة فيه؛ فاقتضى ذلك تأميل طائفة من أهل الدول إياه، وانتسخوا نظاير من تلك الزيرجة المموهة، ممطولين منه بطريق التصرف فيها إلى اليوم، واتصل بالسلطان؛ فأرسم ببابه، وتعدى الإنس إلى طب الجن، فافتضح أمره، وهم به، فنجا مفلتاً. ولم تزل حاله مضطربة؛ إلى أن دعي من العدوة وسلطانها، منازل مدينة تلمسان، ووصلت الكتب عنه؛ فتوجه في جفن هيئ له، ولم ينشب أن توفي بالمحلة في أوايل عام سبعة وثلاثين وسبعماية.
محمد بن بكرون
ابن حزب الله؛ من أهل مالقة؛ يكنى أبا عبد الله.
حاله
من أهل الخصوصية والفضل، ظاهر الاقتصاد، كثير التخلق، حسن اللقاء، دايم الطريقة، مختصر الملبس والمأكل، على سنن الفضلاء وأخلاق الجلة. انتظم لهذا العهد في نمط من يستجاز ويجيز. وكان غفلاً فأقام رسماً محموداً، ولم يقصر عن غاية الاستعداد.
مشيخته
منهم الأستاذ مولى النعمة على أهل بلده؛ أبو محمد عبد الواحد بن أبي السداد الباهلي؛ قرأ عليه القرآن العظيم أربعة عشر ختمة قراءة تجويد وإتقان بالأحرف السبعة، وسمع عليه كتباً كثيرة، وقال عند ذكره في بعض الاستدعاءات: ولازمته رضي الله عنه وأرضاه إلى حين وفاته ونلت من عظيم بركاته، وخالص دعواته، ما هو عندي من أجل الوسايل، وأعظم الذخيرة، وأفضل ما أعددته لهذه الدار والدار الآخرة. وكان في صدر هذا الشيخ الفاضل كثير من علم اليقين. وهو علم يجعله الله في قلب العبد إذا أحبه، لأنه يؤول بأهله إلى احتمال المكروه، والتزام الصبر، ومجاهدة الهوى، ومحاسبة النفس، ومراعاة خواطر القلب، والمراقبة لله، والحياء من الله، وصحة المعاملة له، ودوام الإقبال عليه، وصحة النية، واستشعار الخشية. قال الله تعالى: ﴿ إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ﴾. فكفى بخشية الله علماً، وبالإقبال عليه عزاً. قلت: وإنما نقلت هذا؛ لأن مثله لا يصدر إلاّ عن ذي حركة، ومضطبن بركة، ومنهم الشيخ الخطيب الفاضل ولي الله، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الطنجالي.
دخل غرناطة راوياً، وفي غير ذلك في شئونه. وهو الآن ببلده مالقة؛ يخطب ببعض المساجد الجامعة بها على الحال الموصوفة.
محمد بن الحسن
ابن أحمد بن يحيى الأنصاري الخزرجي الميورقي الأصل؛
سكن غرناطة.
حاله
كان محدثاً عالي الرواية، عارفاً بالحديث وعلله، وأسماء رجاله، مشهوراً بالإتقان والضبط؛ ثقة فيما نقل وروى، ديناً، زكياً، متحاملاً، فاضلاً، خيراً، متقللاً من الدنيا، ظاهري المذهب داوديه، يغلب عليه الزهد والفضل.
مشيخته
روى بالأندلس عن: أبي بكر بن عبد الباقي بن محمد بن الحجاري، وأبي علي الصدفي الغساني، وأبي مروان الباجي؛ ورحل إلى المشرق وحج؛ وأخذ بمكة كرمها الله عن: أبي ثابت، وأبي الفتح عبد الله بن محمد البيضاوي، وأبي نصر عبد الملك بن أبي مسلم العمراني. قلت: وغيرهم؛ اختصرتهم لطولهم. وقفل إلى الأندلس؛ فحدث بغير بلده منها، لتجواله فيها.
ومن روى عنه
روى عنه: أبو بكر بن رزق، وأبو جعفر بن الغاسل، وغيرهم.
محنته
امتحن من قبل علي بن يوسف بن تاشفين؛ فحمل إليه صحبة أبي الحكم بن يوجان، وأبي العباس بن العريف؛، وضرب بالسوط عن أمره، وسجنه وقتاً، ثم سرحه وعاد إلى الأندلس، وأقام بها يسيراً، ثم انصرف إلى المشرق، فتوقف بالجزاير؛ وتوفي بها في شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وخمسماية.
محمد بن محمد
ابن عبد الرحمن بن إبراهيم الأنصاري الساحلي؛
يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف ببلده مالقة بالمُعَمّم
حاله
كان طبقة من طبقات الكفاة، ظرفاً ورواءً وعارضةً وترتيباً، تجلل بفضل شهرة أبيه، وجعل بعض المترفين من وزراء الدول بالمغرب أيام وجهته إليه، وصحبة الشيخ الصالح أبيه في غرض السفارة، مالاً عريضاً لينفقه في سبيل البر؛ فبنى المدرسة غربي المسجد الأعظم، ووقف عليها الرباع، وابتنى غيرها من المساجد؛ فحصلت الشهرة، ونبه الذكر، وتطور، ورام العروج في مدارج السلوك، وانقطع إلى الخلوة، فنصلت الصبغة، وغلبت الطبيعة، وتأثل له مال جم، اختلف في سبب اقتنايه، [وأظهر] التجر المرهف الجوانب بالجاه العريض، والحرص الشديد، والمسامحة في باب الورع، فتبنك به نعيماً من ملبس ومطعم وطيب وترفه، وطارد به اللذة ما شاء في باب النكاح استمتاعاً وذواقاً يتبع رايد الطرف، ويقلد شاهد السمع، حتى نعي عليه. وولي الخطابة بالمسجد الأعظم بعد أبيه، فأقام الرسم، وأوسع المنبر ما شاء من جهورية وعارضة، وتسور على أعراض، وألفاظ في أسلوب ناب عن الخشوع، عريق في نسب القحة. ثم رحل إلى المشرق مرة ثانية، وكر إلى بلده، مليح الشيبة بادي الوقار، نبيه الرتبة، فتولى الخطابة إلى حين وفاته.
مشيخته
حسبما قيدته من خط ولده أبي الحسن، وارثه في كثير من خلاله، وأغلبها الكفاية. فمنهم والده رحمه الله. قرأ عليه وتأدب به، ودون في طريقه، حسبما يتقرر ذلك، ومنهم الأستاذ أبو محمد بن أبي السداد الباهلي، ومنهم الشيخ الراوية أبو عبد الله بن عياش، والخطيب الصالح أبو عبد الله الطنجالي، والخطيب الصالح أبو جعفر بن الزيات، والأستاذ ابن الفخار الأركشي، والقاضي أبو عمرو بن منظور، والأستاذ ابن الزبير وغيرهم، كابن رشيد، وابن خميس، وابن برطال، وابن مسعدة، وابن ربيع، وبالمشرق جماعة اختصرتهم لطولهم.
تواليفه
وتسور على التأليف، بفرط كفايته، فمما ينسب إليه: ((كتاب التجر الربيح في شرح الجامع الصحيح))؛ قال: منه ما جرده من المبيضة؛ ومنه ما لم يسمح الدّهر بإتمامه، و((كتاب بهجة الأنوار))، ((وكتاب الأسرار))، و((كتاب إرشاد السايل لنهج الوسايل))، و((كتاب بغية السالك في أشرف المسالك))؛ في التصوف، و((كتاب أشعة الأنوار في الكشف عن ثمرات الأذكار))، و((كتاب النفحة القدسية))، و((كتاب غنية الخطيب بالاختصار والتقريب في خطب الجمع والأعياد))، و((كتاب غرايب النجب في رغايب الشعب))؛ شعب الإيمان، و((كتاب في مناسك الحج))، و((كتاب نظم سلك الجواهر في جيد المعارف الصدور والأكابر))؛ فهرسة تحتوي على فوايد من العلم وما يتعلق بالرواية، وتسوية الشيوخ وتحرير الأسانيد.
دخوله غرناطة
دخلها مرات تشذ عن الإحصاء.
مولده
ولد عام ثمانية وسبعين وستماية.
وفاته
وتوفي بمالقة في صبيحة ليلة النصف من شعبان عام أربعة وخمسين وسبعماية.
محمد بن محمد
ابن يوسف بن عمر الهاشمي؛ يكنى أبا بكر؛ ويعرف بالطنجالي؛ ولد الشيخ الولي أبي عبد الله.
حاله
من ذيل تاريخ مالقة للقاضي أبي الحسن بن الحسن. قال: كان هذا العالم الفاضل ممن جمع بين الدراية والرواية، والتراث والاكتساب. وعلو الانتساب، وهو من القوم الذين وصلوا الأصالة بالصول، وطول الألسنة بالطول، وهدوا إلى الطيب من القول، أثر الشموخ يبرق من أنفه، ونسيم الرسوخ يعبق من عرفه. وزاجر الصلاح يومي بطرفه، فتخاله من خوف الله ذا لمم، وفي خلقه دمائة، وفي عرنينه شمم. ووصفه بكثير من هذا النمط. ومن العايد: كان من أهل العلم والتفنن في المعارف والتهمم بطلبها، جمع بين الرواية والدراية الصلاح. وكانت فيه خفة، لفرط صحة وسذاجة وفضل رجولة به، بارع الخط، حسن التقييد، مهيباً جزلاً، مع ما كان عليه من التواضع، يحبه الناس ويعظمونه، خطب بالمسجد الأعظم من مالقة، وأقرأ به العلم.
مشيخته
قرأ على الأستاذ أبي محمد الباهلي، وأبيه الولي الخطيب رحمه الله. وروى عن جده أبي جعفر، وعن الراوية الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزبير، والراوية أبي عبد الله بن عياش، والقاضي أبي القاسم بن السكوت، وغيرهم ممن يطول ذكره؛ من أهل المشرق والمغرب.
وفاته
توفي بمالقة في أول صفر من عام ثلاثة وثلاثين وسبعماية؛ [وكان عمره] نحواً من تسع وخمسين سنة.
محمد بن محمد
ابن ميمون الخزرجي؛ يكنى أبا عبد الله؛ ويعرف بلا أسلم؛ لكثرة صدور هذه اللفظة عنه؛ مرسي الأصل،
وسكن غرناطة ووادي آش وألمرية.
حاله
من كتاب المؤتمن: كان دمث الأخلاق، قبل أن يحرجه شيء من [مضيقات الصدور] يشارك في العربية، والشعر نازل عن الدرجة الوسطى، لا يخلو بعضه عن لحن. وكان يتعيش من صناعة الطب. وجرت له شهرة بالمعرفة [نرفع به بتلك الصناعة على حد شهرةٍ ترك النصيحة فيها، فكانت شهرته بالمعرفة ترفع به]. وشهرته بترك النصيحة تنزله، فيمر بين الحالتين بشظف العيش، ومقت الكافة إياه.
قلت: كان لا أسلم، طرفاً في المعرفة بطرق العلاج، فسيح التجربة، يشارك في فنون، على حال غريبة من قلة الظرف، وجفاء الآلات، وخشن الظاهر، والإزراء بنفسه وبالناس، متقدم في المعرفة بالخصوم، يقصد في ذلك. وله في الحرب والحيل حكايات، قال صاحبنا أبو الحسن ابن الحسن: كانت للحكيم لا أسلم خمر مخبأ، في كرم كان له بألمرية عثر عليها بعض الدعرة، فسرقها له. قال: فعمد إلى جرة وملأها بخمر أخرى، ودفنها بالجهة، وجعل فيها شيئاً من العقاقير المسهلات، وأشاع أن الخمر العتيقة التي كانت له لم تسرف، وإنما باقية، بموضع كذا، فعمد إليها أولئك الدعرة، وأخذوا في استعمالها، فعادت عليهم بالاستطلاق القبيح المهلك، فقصدوا الحكيم المذكور، وعرضوا عليه ما أصابهم، فقال لهم إيه، أدوا إلى ثمن الشريبة؛ وحينئذ أشرع لكم في الدواء، ويقع الشفا بحول الله؛ فجمعوا له أضعاف ما كان يساويه خمره، وعالجهم حتى شفوا بعد مشقة. وأخباره كثيرة.
وفاته
توفي عقب إقلاع الطاغية ملك برجلونة عن ألمرية عام تسعة.... وسبعماية. وخلفه ابن كان له يسمى إبراهيم، ويعرف بالحكيم، وجرى له من الشهرة ما جرى لأبيه. مرت عليه ببخت وقبول، وتوفي بعد عام خمسين وسبعماية.
محمد بن قاسم
ابن أحمد بن إبراهيم الأنصاري؛ جياني الأصل مالقيه؛
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالشُّدَيْد على بِنْيَةِ التَّصْغير؛
وهو كثير التردد والمقام بحضرة غرناطة.
حاله
من أهل الطلب والذكاء والظرف والخصوصية، مجموع خلال من خط حسن واضطلاع بحمل كتاب الله. بلبل دوح السبع المثاني، وماشطة عروس أبي الفرج الجوزى، وآية صقعه في بالصوت، وطيب النغمة، اقتحم لذلك دسوت الملوك وتوصل إلى صحبة الأشراف، وجر أذيال الشهرة. قرأ القرآن والعشر بين يدى السلطان، أمير المسلمين بالعدوة، ودنا منه محله، لولا إيثار مسقط رأسه. وتقرب بمثل ذلك إلى ملوك وطنه، وصلى التراويح بمسجد قصر الحمراء، غريب المنزع، عذب الفكاهة، ظريف المجالسة، قادر على الحكايات، مستور حمى الوقار ، ملب داعي الانبساط، على استراجاع واستقامة، مبرور الوفادة، منوه الإنزال، قلد شهادة الديوان بمالقة، معولاً عليه في ذلك، فكان مغار جبل الأمانة، صليب العود، شامخاً، صادق النزاهة، لوحاً للألقاب، محرزاً للعمل. وولي الحسبة بمالقة حرسها الله تعالى، فخاطبته في ذلك أداعبه، وأشير إلى قوم من أجداده، وأولي الحمل عليه بما نصه:
يا أيها المحتسب الجزل
ومن لديه الجد والهزل
تهنيك والشكر لمولى الورى
ولاية ليس لها عزل
كتبت أيها المحتسب، المنتمى إلى النزاهة المنتسب، وأهنيك ببلوغ تمنيك، و أحذرك من طمع نفس بالغرور تمنيك، فكأني وقد طافت بركابك الساعة، ولزم لأمرك السمع والطاعة، وارتفعت في مصانعتك الطماعة، وأخذت أهل الريب بغتة كما تقوم الساعة، ونهضت تقعد وتقيم، وسكوتك الريح العقيم، وبين يديك القسطاس المستقيم، ولا بد من شرك ينصب، وجماعة على ذي جاه تتعصب، وحالة كيتٍ بها الجناب الأخصب، فإن غضضت طرفك، أمنت عن الولاية صرفك، وإن مَلأْتَ ظَرْفَكَ، رحلت عنها حرفك، وإن كففت فيها كفك، حفك العز فيمن حفك. فكن لقالي المجبنة قالياً، ولحوت السلة سالياً؛ وأبْدِ لدقيق الحُوّارَى زهد حواري، وازهد فيما بأيدي الناس من العواري. وسر في اجتناب الحلو على السبيل السوا، وارفض في الشوا دواعي الأهوا، وكن على الهراس، وصاحب فريد الرأس، شديد المراس، وثب على بايع طبيخ الأعراس، ليثاً مرهوب الافتراس، وأدب أطفال السوق في السوق، سيما من كان قبل البلوغ والسبوق، وصمم في استخراج الحقوق، والناس أصناف؛ فمنهم خسيس يطمع منك في أكلة، ومستعد عليك بوكزة أو ركلة؛ وحاسد في مطية تركب، وعطية تسكب، فاخفض للحاسد جناحك، وسدد إلى حربه رماحك، وأشبع الخسيس منهم مرقة دسمة فإنه حنق، ودس له فيها عظماً لعله يختنق، واحفر لشريرهم حفرة عميقة، فإنه العدو حقيقة؛ حتى إذا حصل، وعلمت أن وقت الانتصار قد وصل، فأوقع وأوجع، ولا ترجع، وأولياه من [حزب] الشيطان فأفجع، والحق
أقوى، ﴿وَإنْ تَعْفُو أقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. سددك الله تعالى
إلى غرض التوفيق وأعلقنا من الحق بالسبب الوثيق، وجعل قدومك مقروناً برخص اللحم والزيت والدقيق. بمنه وفضله.
مشيخته
قرأ القرآن على والده المكتب النصوح رحمه الله، وحفظ كتباً: كرسالة أبي محمد بن زيد، وشهاب القضاعي، وفصيح ثعلب، وعرض الرسالة على ولي الله أبي عبد الله الطنجالي، وأجازه. ثم على ولده الخطيب أبي بكر، وقرأ عليه من القرآن، وجود بحرف نافع على شيخنا أبي البركات. وتلا على شيخنا أبي القاسم بن جزي. ثم رحل إلى المغرب، فلقي الشيخ الأستاذ الأوحد في التلاوة، أبا جعفر الدراج، وأخذ عن الشريف المقري أبي العباس الحسني بسبتة، وأدرك أبا القاسم التجيبي، وتلا على الأستاذ أبي عبد الله بن عبد المنعم ولازمه، واختص بالأستاذ ابن هاني السبتي، ولقي بفاس جماعة: كالفقيه أبي زيد الجزولي، وخلف الله المجاصي، والشيخ أبا العباس المكناسي، والشيخ البقية أبا عبد الله بن عبد الرازق، وقرأ على المقري الفذ الشهير في الترنم بألحان القرآن أبي العباس الزواوي سبع ختمات، وجمع عليه السبع، والمقري أبي العباس بن حزب الله، واختص بالشيخ الرييس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي.
شعره
من شعره ما كتب به إلى وزير الدولة المغربية في غرض الاستلطاف:
يا من به أبدا عرفت ومن أنا
لولاه لي دامت علاه وداما
لا تأخذنك في الشديد لومة
فشخيص نشأته بفضلك قاماً
ربيته علمته أدبته
قدمته للفرض منك إماماً
فجزاك رب الخلق خير جزاية
عني وبوأك الجنان مقاماً
وهو الآن بالحالة الموصوفة، مستوطناً حضرة غرناطة، وتالياً الأعشار القرآنية، بين يدي السلطان أعزه الله، مرفع الجانب، معزز الجراية بولايته أحباس المدرسة، أطروفة عصره، لولا طرش نقص الأنس به، نفعه الله. ولد بمالقة في عاشر ربيع الأول من عام عشرة وسبعماية.
ومن الغُرباء في هذا الاسم
محمد بن أحمد
ابن إبراهيم بن محمد التلمساني الأنصاري السبتي الدار
الغرناطي الاستيطان؛ يكنى أبا الحسين؛
ويعرف بالتلمساني
حاله
طرف في الخير والسلامة، معرق في بيت الصون والفضيلة، معمٌّ تخول في العدالة، قديم الطلب والاستعمال، معروف الحق، مليح البسط، حلو الفكاهة، خفيف إلى هيعة الدعابة، على سمت ووقار، غزل، لوذعي، مع استرجاع وامتساك، مترف، عريق في الحضارة، مؤثر للراحة، قليل التجلد، نافر عن الكد، متصل الاستعمال، عريض السعادة في باب الولاية، محمول على كتد المبرة، جار على سنن شيوخ الطلبة والمقتاتين من الأرزاق المقدرة، أولي الخصوصية والضبط، من التظاهر بالجاه على الكفاية. قدم على الأندلس ثمانية عشر وسبعماية؛ فمهد كنف القبول والاستعمال، فولي الحسبة بغرناطة، ثم قلد تنفيذ الأرزاق، وهي الخطة الشرعية، والولاية المجدية، فاتصلت بها ولايته. وناب عني في العرض والجواب بمجلس السلطان حميد المنأى في ذلك كله؛ يقوم على كتاب الله حفظاً وتجويداً، طيب النغمة، راوياً محدثاً، إخبارياً، مرتاحاً للأدب، ضارباً فيه بسهم، يقوم على كتب السيرة النبوية، فذاً في ذلك. قرأه بالمسجد الجامع للجمهور، عند لحاقه بغرناطة؛ معرباً به عن نفسه، منبهاً على مكانه، فزعموا أن رجلاً فاضت نفسه وجداً لشجو نغمته، وحسن إلقايه. وقرأ التراويح بمسجد قصر السلطان إماماً به، واتسم بمجلسه بالسلامة والخير، فلم تؤثر عنه في أحد وقيعة، ولا بدرت له في الحمل على أحد بنت شفه.
مشيخته
منهم الشريف أبو علي الحسن بن الشريف أبي التقا طاهر بن أبي الشرف ربيع بن علي بن أحمد بن علي بن أبي طاهر بن حسن بن موهوب بن أحمد بن محمد بن طاهر بن أبي الشرف الحسن بن علي بن محمد بن علي ابن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي ابن الحسن بن علي بن أبي طالب. ومنهم والده المترجم به، ومنهم أبوه وجده، ومنهم الأمير الصالح أبو حاتم أحمد بن الأمير أبي القاسم محمد بن أبي العباس أحمد ابن محمد العزفي، والمقري أبو القاسم بن الطيب، وإمام الفريضة أبو عبد الله محمد بن محمد بن حريث، والأستاذ ملحق الأبناء بالآباء أبو إسحق الغافقي، والكاتب الناسك أبو القاسم خلف بن عبد العزيز القبتوري، والأستاذ المعمر أبو عبد الله بن الخضار، والخطيب المحدث أبو عبد الله بن رشيد، والخطيب الأديب أبو عبد الله الغماري، والأستاذ أبو البركات الفضل بن أحمد القنطري، والوزير العابد أبو القاسم محمد بن محمد بن سهل بن مالك، والولي الصالح أبو عبد الله الطنجالي، والخطيب الصالح أبو جعفر بن الزيات، والقاضي الأعدل أبو عبد الله بن برطال، والشيخ الوزير المعمر أبو عبد الله بن ربيع، والصوفي الفاضل أبو عبد الله بن قطرال، والأستاذ الحسابي أبو إسحق البرغواطي. هؤلاء لقيهم وقرأ وسمع عليهم. وممن كتب له بالإجازة؛ وهم خلق كثير؛ كخال أبيه، الشيخ الأديب أبي الحكم مالك بن المرحل، والخطيب أبي الحسن فضل بن فضيلة، والأستاذ الخاتمة أبي جعفر بن الزبير، والعدل أبي الحسن بن مستقور، والوزير المعمر أبي محمد بن سماك، والخطيب أبي محمد مولى الرييس أبي عثمان بن حكم، والشيخ الصالح أبي محمد الحلاسي، والقاضي أبي العباس بن الغماز، والشيخ أبي القاسم الحضرمي اللبيدي، والعدل المعمر الراوية أبي عبد الله بن هرون، والمحدث الراوية أبي الحسن القرافي، وأبي إسحق إبراهيم بن أحمد بن عبد المحسن بن هبة الله ابن أبي المنصور، والإمام شرف الدين أبي محمد الدمياطي، وبهاء الدين بن النحاس، وقاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد، وضياء الدين أبي مهدي عيسى بن يحيى بن أحمد، وكتب في الإجازة له:
ولدت لعام من ثلاث وعشرة
وست مئين هجرة لمحمد
تطوفت قدماً بالحجاز وإنني
بمصر هو المربلي وسبتة مولد
إلى عالم كثير من أهل المشرق؛ يشق إحصاؤهم. قد ثبت معظمهم في اسم صاحبه أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي رحمه الله.
محنته
نالته محنة بِجَرْي الأمور الاشتغالية وتبعاتها قال الله فيها لعثرته لغاً؛ فاستقل من النكبة، وعاد إلى الرتبة. ثم عفت عليه بآخرة، فهلك تحت بركها بعد مناهزة التسعين سنة، نفعه الله.
مولده
ولد عام ستة وسبعين وستماية.
وفاته
وتوفي في شهر محرم من أربعة وستين وسبعماية.
محمد بن علي
ابن محمد بن علي بن محمد بن يوسف بن قطرال الأنصاري؛ من أهل مراكش؛ يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن قطرال.
حاله
من العايد: كان رحمه الله فاضلاً صوفياً، عارفاً، متحدثاً، فقيهاً، زاهداً، تجرد عن ثروة معروفة، واقتصر على الزهد والتخلي، وملازمة العبادة، والغروب عن الدنيا. وله نظم رايق، وخط بارع، ونثر بليغ، وكلام على طريقة القوم، رفيع الدرجة، عالي القدر. شرح قصيدة الإسراييلي؛ بما يشهد برسوخ قدمه، وتجول في لقاء الأكابر على حال جميلة من إيثار الصمت والانقباض والحشمة. ثم رحل إلى المشرق حاجاً صدر سنة ثلاث وسبعماية.
مشيخته
من شيوخه: القاضي العالم أبو عد الله محمد بن علي، والحافظ أبو بكر بن محمد المرادي، والفقيه أبو فارس الجروي، والعلامة أبو الحسين بن أبي الربيع، والعدل أبو محمد بن عبيد الله، والحاج أبو عبد الله بن الخضار، وأبو إسحق التلمساني، وأبو عبد الله بن خميس، وأبو القاسم بن السكوت. وأبو عبد الله بن عياش. وأبو الحسن بن فضيلة، وأبو جعفر بن الزبير، وأبو القاسم بن خير. هؤلاء كلهم لقيهم؛ وأخذ عنهم؛ وكتب له بالإجازة جملة: كالقاضي أبي علي بن الأحوص، وأبي القاسم العزفي، وأبي جعفر الطنجالي، وصالح بن شريف، وأبي عمرو الداري، وأبي محمد بن الحجام، وأبي بكر بن حبيش، وأبي يعقوب بن عقاب، وعز الدين الجداي، وفخر الدين بن البخاري، وابن طرخان، وابن البواب، وأمين الدين بن عساكر، وقطب الدين بن القسطلاني؛ وغيرهم.
شعره
وأما شعره فكثير بديع. قال شيخنا القاضي أبو بكر ابن شبرين: كتبت إليه:
يا معمل السير أي إعمال
سلم على الفاضل ابن قطرال
من أبيات راجعني عنها بأبيات؛ منها:
زارت فأزرت بمسك دارين
تفتن للحسن في أفانين
ومثلها في شتى محاسنها
ليست ببدع من ابن شبرين
وفاته
توفي بحرم الله عاكفاً على الخير وصالح الأعمال، معرضاً عن زهرة الحياة الدنيا، إلى أن اتصل خبر وفاته؛ وفيه حكاية؛ عام تسعة وسبعماية. ودخل غرناطة برسم لقاء الخطيب الصالح أبي الحسن بن فضيلة، وغير ذلك.
العمال في هذا الاسم وأولا الأصليون
محمد بن أحمد
ابن محمد بن الأكحل؛ يكنى أبا يحيى.
حاله
شيخ حسن الشيبة، شامل البياض، بعيد مدى الذقن، خدوع الظاهر، خلوب اللفظ، شديد الهوى إلى الصوفية، والكلف بإطراء الخيرية، سيما عند فقدان شكر الولاية، وجماح الحظوة، من بيت صون وحشمة، مبين عن نفسه في الأغراض، متقدم في معرفة الأمور العملية، خايض مع الخايضين في غمار طريق التصوف، وانتحال كيمياء السعادة، راكب متن دعوى عريضة في مقام التوحيد، تكذبها أحواله الراهنة جملة، ولا تسلم له منها نبذة، لمعاصاة خلقه على الرياضة واستيلاء الشره، وغلب سلطان الشهوة، فلم يجن من جعجاعه المبرم فيها إلا استغرق الوقت في القواطع عن الحق، والأسف على ما رزته الأيام من متاع الزور، وقنية الغرور، والمشاحة أيام الولاية، والشباب الشاهد بالشره، والحلف المتصل بياض اليوم، في ثمن الخردلة باليمين التي تجر فساد الأنكحة، والغضب الذي يقلب العين، والبذا الذي يصاحب الشين، مغلوب عليه في ذلك، ناله بسببه ضيق واعتقال، وتفويت جدة، وإطباق روع، وقيد للعذاب، فألقيت عليه ردايي، ونفس الله عنه بسببي، محواً للسيئة بالحسنة، وتوسلاً إلى الله بترك الحظوظ، والمنة لله جل جلاله على ذلك.
شعره
خاطبني بين يدي نكبته أو خلفها بما نصه؛ ولم أكن أظن الشعر مما تلوكه جحفلته، ولكن الرجل من أهل الكفاية:
راجوتك بعد الله يا خير منجد
وأكرم مأمول وأعظم مرفد
وأفضل من أملت للحادث الذي
فقدت به صبري وما ملكت يد
وحاشا وكلا أن يخيب مأملي
وقد علقت بابن الخطيب محمد
وما أنا إلا عبد أنعمه التي
عهدت بها يمني وإنجاح مقصد
وأشرف من حض الملوك على التقى
وأبدى لهم نصحاً وصية مرشد
وساس الرعايا الآن خير سياسة
مباركة في كل غيب ومشهد
وأعرض عن دنياه زهداً وإنها
لمظهرة طوعاً له عن تودد
وما هو إلا الليث والغيث إن أتى
له خايف أو جاء مغناه مجتد
وبحر علوم دره كلماته
إذا رددت في الحفل أي تردد
صقيل مرأى الفكر رب لطايف
محاسنها تجلى بحسن تعبد
بديع عروج النفس للملإ الذي
تجلت به الأسرار في كل مصعد
شفيق رقيق دايم الحلم راحم
وأي جميل للجميل معود
صفوح عن الجاني على حين قدرة
يواصل تقوى الله في اليوم والغد
أيا سيدي يا عمدتي عند شدتي
ويا شربي متى ظميت وموردي
حنانيك والطف بي وكن لي راحماً
ورفقاً على شيخ ضعيف منكد
رجاك رجا الذي أنت أهله
ووافاك يهدي الثنا المجدد
وأمك مضطراً لرحماك شاكياً
بحال كحر الجمر حين توقد
وعندي افتقار لأنوال مواصلاً
لأكرم مولى حاز أجراً وسيد
ترفق بأولاد صغار بكاؤهم
يزيد لوقع الحادث المتزيد
وليس لهم إلا إليك تطلع
إذا مسهم ضر أليم التعهد
أنلهم أيا مولاي نظرة مشفق
وجد بالرضا وانظر لشمل مبدد
وقابل أخا الكره الشديد برحمة
وأسعف بغفران الذنوب وأبعد
ولا تنظرن إلا لفضلك لا إلى
جريمة شيخ عن محلك مبعد
وإن كنت قد أذنبت إني تايب
فعاود لي الفعل الجميل وجدد
بقيت بخير لأنوال وعزة
وعيش هنيء كيف شيت وأسعد
وسخرك الرحمن للعبد إنه
لمتن وداع للمحل المجدد
وقد ولي خططاً نبيهة، منها خطة الاشتغال على عهد الغادر المكايد للدولة؛ إذ كان من أولياء شيطانه وممديه في غيه، وسماسير شعوذته، فلم يزل من مسيطري ديوان الأعمال، على تهور واقتحام كبرة، وخط لا غاية وراءه في الركاكة، كما قال المعري:
تمشت فوقه حمر المنايا
ولكن بعد ما مسخت نمالا
استحضرته يوماً بين يدي السلطان، وهو غفل لفك ما أشكل من معمياته في الأعمال عند المطالعة؛ فوصل بحال سيئة، ولما أعتب بسببه، ونعيت عليه هجنته، أحسن الصدر عن ذلك الورد، ونذر في نفسه، وقال حيا الله رداءة الخط، إذا كانت ذريعة إلى دخول هذا المجلس الكريم؛ فاستحسن ذلك، لطف الله بنا أجمعين.
وفاته
توفي عام سبعة وستين وسبعماية.
محمد بن الحسن
ابن زيد بن أيوب بن حامد الغافقي؛ يكنى أبا الوليد.
أوليته
أصله من طليطلة، انتقل منها جد أبيه، وسكنوا غرناطة، وعدوا في أهلها.
حاله
كان أبو الوليد طالباً نبيلاً، نبيهاً، سرياً، ذكياً، ذا خط بارع، ومعرفة بالأدب والحساب، ونزع إلى العمل فكان محمود السيرة، مشكور الفعل. وولي الإشراف في غير ما موضع. قلت: وآثاره في الأملاك المنسوبة إليه، التي من جملة المستخلص السلطاني بغرناطة وغيرها؛ مما يدل على قدم، وتَعِمّةَ أصيلة.
وفاته
توفي بمدينة إشبيلية سنة ثمان وثمانين وخمسماية؛ وسنة دون الخمسين.
محمد بن محمد
ابن حسان الغافقي؛ إشبيلي الأصل؛ غرناطي المنشأ؛
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن حسان.
حاله
من العايد: كان من أهل السرو والظرف والمروءة، وحسن الخلق. تولى الإشراف بغرناطة، وخطة الأشغال، فحسن الثناء عليه. وله أدب ومشاركة. حدثني بعض أشياخنا؛ قال: كنت على مائدة الوزير ابن الحكيم؛ وقد تحدث بصرف ابن حسان عن عمل كان بيده؛ وإذا رقعة قد انتهت إليه أحفظ منها:
لكم أياد لكم أياد
كررتها إنها كثيرة
فإن عزمتم على انتقالي
ريَّة أبغي أو الجزيرة
وإن أبيتم إلا مقامي
فنعمة منكم كبيرة
وقال لي بعضهم: جرى بين ابن حسان هذا، وبين أحد بني علاق، وهم أعيان كلام وملاحة فقال ابن حسان، إنما كان جدكم مولى بني أضحى، وجد بني مشرف؛ فاستعدى عليه، ورفعه إلى الوزير ابن الحكيم؛ فيما أظن. فلما استفهمه عن قوله؛ قال: أعزك الله؛ كنت بالكتبيين، وعُرِض عليّ كتاب قديم؛ في ظهره أبيات حفظتها وهي:
أضحى الزمان بأضحى وهو مبتسم
لنوره في سماء المجد إشراق
فلم يزل ينتمي للمجد كل فتى
تطيب منه مواليد وأعراق
فإن ترد شرفاً يمم مشرفه
وإن ترد علق مجد فهو علاق
فعلم الوزير أن ذلك من نظمه، ونتيجة بديهته؛ فعجب من كفايته، وترضى خصمه؛ وصرفهما بخير.
وفاته
وتوفي في شهر رجب ثلاثة عشر وسبعماية.
محمد بن عبد الله
ابن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن إبراهيم ابن عبد العزيز بن إسحق بن أحمد بن أسد بن قاسم النميري؛ المدعو بابن الحاج؛ يكنى أبا عمرو؛ وقد مرَّ ذكر أخيه.
حاله
تولى خطة الإشراف بلوشة وأندرش ومالقة وولي النظر في مختص ألمرية، والأعشار الرومية بغرناطة. وكان له خط حسن، وجودة كاملة، وحسن خلق، ووطأة أكناف، تشهد له بجلالة قدره، ورفيع خطره. وصاهر في أعيان كالوزير أبي عبد الله بن أبي الحسن؛ [فاضل، سرى، مخلق، حسن الضريبة، متميز بخصال متعددة، من خط بديع، ونظم، ومشاركة في فنون، من طب وتعديل، وارتياض سماع، وذكر التاريخ. حج وجال في البلاد؛ ولقي جلة، وتولى بالمغرب خططاً نبيهة] علية. ثم كر إلى الأندلس عام ستين وسبعماية؛ فأجرى من الاستعمال على رسمه. ثم اقتضت له العناية السلطانية بإشارتي أن يوجه في غرض الرسالة إلى تونس وصاحب مصر؛ لما تقدم من مرانه على تلك البلاد، وجولاته في أقطارها، وتعرفه بملوكها والجلة من أهلها؛ فآب بعد أعوام، مشكور التصرفات جارياً على سنن الفضلاء، مضطلعاً بالأحوال التي أسندت إليه من ذلك. فلم يزل معتنى به، مرشحاً إلى الخطط التي تطمح إليها نفس مثله، مسندا النظر في زمام العسكر الغربي إلى ولده؛ الذي يخلفه عند رحلته نايبا عنه، معززاً ذلك بالمرتبات والإحسان، تولاه الله وأعانه.
شعره
مدح السلطان، وأنشد له في المواليد النبوية؛ ورفع إلى السلطان بحضرتي هذه الأبيات:
مولاي يا خير أعلام السلاطين
ومن له الفضل في الدنيا وفي الدين
ومن له سير ناهيك من سير
وافت بأكرم تحسين وتحصين
شرفت عبدك تشريفاً له رتب
فوق النجوم التي فوق الأفق تعلين
وكان لي موعد مولاي أنجزه
وزاد في العز بعد الرتبة الدون
والله ما الشكر مني قاضياً وطري
ولو أتيت به حيناً على حين
ولا الثناء موف حق أنعمه
ولو ملأت به كل الدواوين
لكن دعايي وحبي قد رضيتهما
كفا أفعاله الغر الميامين
وعند عبدك إخلاص يواصله
في خدمة لم يزل للخير تدنين
وسوف أنصح كل النصح مغتنما
رضى إمام له فضل يرجين
جوزيت عني أميرالمسلمين بما
ترضاه للملك من نصر وتمكين
وأنت أكرم من ساس الأنام ومن
عمَّ البلاد بتسكين وتهدين
ومن كمثل أبي عبد الآله إذا
أضحى الفخار لنا رحب الميادين
محمد بن أبي الحجاج خيرة من
أهدي إليه مدحاً بالسعد يحظين
وجه جميل وأفعال تناسبه
ودولة دولة المأمون تنسين
لا زال في السعد والإسعاد ما سجعت
ورق الحمام على قضب البساتين]
محمد بن عبد الرحمن
الكاتب؛ يكنى أبا عبد الله؛ من أهل غرناطة؛ أصله من وادي آش.
حاله
كان طالباً نبيهاً كاتباً جليلاً، جيد الكتابة. كتب عن بعض أبناء الخليفة أبي يعقوب، واختص بالسيد أبي زيد بغرناطة، وبشرق الأندلس، وكان أثيراً عنده مكرماً. وكان رحمه الله شاعراً، مطبوعاً، ذا معرفة جيدة بالعدد والمساحة، ثم نزع عن الكتابة، واشتغل بالعمل، فراش فيه، وولي إشراف بنيات غرناطة. ثم ولي إشراف غرناطة، فكف يده، وظهرت نصيحته. ثم نقل إلى حضرة مراكش، فولي إشرافها مدة، ثم صرف عنها إلى غرناطة، وقدم على النظر في المستخلص إلى أن توفي.
مناقبه
أشهد لما قربت وفاته، أنه كان قد أخرج في صحته وجوازه، أربعة آلاف دنير من صميم ماله؛ لتتميم القنطرة التي بنيت على وادي شنجيل بخارج غرناطة. وكان قبل ذلك قد بنى مسجد دار القضاء من ماله، وتأنق في بنائه، وأصلح مساجد عدة، وفعل خيراً، نفعه الله.
شعره
من شعره ما كتب به إلى الشيخ أبي يحيى ابن أبي عمران وزير الخلافة، وهو بحال شكاية أصابته:
[شكوت فأضنى المجد برح شكاته
وفارق وجه الشمس حسن أياته
وعادت بعديك الزمان زمانة
تعدت إلى عواد وأساته
وغيض ما للبشر لما تبسطت
يد للسقم في ساحات كافي كفاته
فكيف بمقصوص وصلت جناحه
وأدهم قد سربلته بشاته
وممتحن لولاك أذعن خبرة
وهان على الأيام غمز قناته
أمعلق آمالي ومطمح همتي
وواهب نفسي في عداد مباته
سأستقبل النعمى ببرك غضة
ويصغر ذنب الدهر في حسناته
وتسطو عين الحق منك بمرهف
تراع الخطوب الجور من فتكاته
وتطلع في أفق الخلافة نيراً
تطالعنا الأقمار من قسماته
حرام على الشكوى اعتياد مطهر
حياة الدنا والدين طي حياته
فما عرضت في قصده بمساءة
ولكن ترجت أن ترى في عفاته]
مشيخته
قال الغافقي: قرأ بمالقة على الأستاذ أبي زيد السهيلي رحمه الله.
وفاته
وتوفي بغرناطة سنة سبع وستماية؛ ودفن بداره بجهة قنطرة القاضي منها على ضفة الوادي.
محمد بن عبد الملك
ابن سعيد بن خلف بن سعيد بن الحسن بن عثمان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عمار بن ياسر.
أوليته
قد وقع التنبيه عليها ويقع بحول الله.
حاله
كان وزيراً جليلاً بعيد الصيت عالي الذكر رفيع الهمة، كثير الأمل.
نباهته
ذكره ابن صاحب الصلاة؛ في تاريخه في الموحدين، فنبه على مكانة محمد بن عبد الملك منهم في الرأي والحظوة، والأخذ عنه في أمور الأندلس، وأثنى عليه. وذكره أبو زيد السهيلي في شرح السيرة الكريمة؛ حتى انتهى إلى حديث كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الموجه إلى هرقل، وأن محمد بن عبد الملك عاينه عند أذفونش، مكرماً، مفتخراً به. والقضية مشهورة. وأما محله من أمداح الشعراء، فهو الذي مدحه الأديب أبو عبد الله الرصافي بقوله:
أبداً تفيض وخاطراً متوقداً
دعها تبت قبساً على علم الندا
وفيه يقول أبو عبد الله بن شرف؛ من قصيدة:
يا رحمة الله للراجي ونقمته
لكل باغ طغا عن خيرة الرسل
لم تبق منهم كفوراً دون مرقبة
مطالعاً منك حتفاً غير منفصل
كما بزاتك لم تترك بأرضهم
وحشا يفر ولا طيرا بلا وجل
وكان كثير الصيد، ومتردد الغارات.
مناقبه في الدين
قالوا: لما أنشده أبو عبد الله الرصافي في القصيدة التي مطلعها:
لمَحَلِّكَ التَّرْفيعُ والتَّعْظيمُ
وَلِوَجْهِكَ التَّقْدِيسُ وَالتَّكْرِيمُ
حلف ألا يسمعها؛ وقال: عليَّ جايزتك؛ لكن طباعي لا تحتمل مثل هذا. فقال الرّصافي: ومن مثلك، ومن يستحق ذلك في الوقت غيرك. فقال له: دعني من خداعك. أنا وما أعلمه عن نفسي.
شعره
أنشده صاحب الطالع، ولا يذكر له غيره:
فلا تظهرن ما كان في الصدر كامناً
ولا تركبن بالغيظ في مركب وعر
ولا تبحثن في عذر من جاء تايباً
فليس كريماً من يباحث في عذر
وولي من الأعمال للموحدين كثيراً، كمختص حضرة مراكش، ودار السلاح، وسلا، وإشبيلية، وغرناطة. واتصلت ولايته على أعمال غرناطة؛ وكان من شيوخها وأعيانها.
محنته
وعمل فيه عقد بأن بداره من أصناف الحلى، ما لا يكون إلا عند الملوك، وأنه إذا ركب في صلاة الصبح، من دار الرخام التي يجري الماء فيها، في اثني عشر مكاناً، شوش الناس في الصلاة، دوي الجلاجل بالبزاة، ومناداة الصيادين، ونباح الكلاب؛ فأمر المنصور بالقبض عليه، وعلى ابن عمه صاحب أعمال إفريقية أبي الحسين؛ في سنة ثلاث وسبعين وخمسماية. ثم رضي عنهما، وأمر محمد بن عبد الملك أن يكتب بخطه كل ما أخذ له، فصرفه عليه، ولم ينقصه منه شيء، وغرم ما فات له.
مولده
ولد سنة أربع عشر وخمسماية.
وفاته
وتوفي بغرناطة سنة تسع وثمانين وخمسماية.
محمد بن سعيد
ابن خلف بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن عثمان ابن محمد بن عبدالله بن عمار بن ياسر العنسي؛ يكنى أبا بكر؛ وقد تقدم التعريف بأوليته.
حاله
قال في الطالع ساد في دولة الملثمين، وولوه بغرناطة الأعمال، وكانت له دار الرخام المشهورة بإزاء الجامع الأعظم بغرناطة. قال الغافقي فيه: شيخ جليل، فقيه نبيه من أهل قلعة يحصب. كان في عداد الفقهاء، ثم نزع إلى العمل، وولي إشراف غرناطة في إمارة أبي سعيد الميمون بن بدر اللمتوني. وقال صاحب المسهب: وحَسْبُ القلعة كون هذا الفضل الكامل منها، وقد رَقَمَ بُرْدَ مَجْدِهِ بالأدب، ونال منه بالاجتهاد والسجية القابلة، أعلى سبب، وله من المكارم ما يغير في وجه كعب وحاتم، لذلك ما قصدته الأدباء، وتهافتت في مدحه الشعراء، وفيه أقول:
وكان أبو بكر من الكفر عصمة
ورد به الله الغواة إلى الحق
وقام بأمرالله حافظ أهله
بلين وسبط في المبرة والخلق
وهذا أبو بكر سليل ابن ياسر
بغرناطة ناغاه في الرأي والصدق
فهذا لنا بالغرب يجنى معالماً
تباهى الذي أحيا الديانة بالشرق
وقد جرى من ذكره عند ذكر أبي بكر بن قزمان، ويجري عند ذكر نزهون بنت القلاعي ما فيه كفاية، إذ كان مفتوناً بها، وبحمدة وزينب بنتي زياد المؤدب؛ من أهل وادي آش، وفيهما يقول:
ما بين زينب عمري
أحث كأسي وحمده
وكل نظم ونثر
وحكمة مستجده
وليس إلا عفاف
يبلغ المرء قصده
ولذلك ما سعى به المخزومي الأعمى، وقد سها عن رسم تفقده، فكتب إلى علي بن يوسف في شأنه بما كان سبب عزله ونكبته:
إليك أمير المؤمنين نصيحة
يجوز بها البحرالمجعجع شاعر
بغرناطة وليت في الناس عاملاً
ولكن بما تحويه منه المآزر
وأنت ما تخفي عليك خفية
فسل أهلها فالأمر للناس ظاهر
وما لإلآه العرش تفنيه حمدة
وزينب والكأس الذي هو داير
شعره
من ذلك قوله:
يا هذه لا ترومي
خداع من ضاق ذرعه
تبكي وقد قتلتني
كالسيف يقطر دمعه
وقال عفى الله عنه:
لقد صدعت قلبي حمامة أيكة
أثارت غراماً ما أجل وأكرما
ورق نسيم الريح من نحو أرضكم
ولطف حتى كاد أن يتكلما
وقال في مذهب الفخر:
فخرنا بالحديث بعد القديم
من معال توارثت كالنجوم
نحن في الحرب أجبل راسيات
ولنا في الندي لطف النسيم
مولده
ولد في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.
وفاته
وتوفي سنة تسع وثلاثين وخمسماية.
ومن الطارئين في هذا الاسم من العمال
محمد بن أحمد
ابن المتأهل العبدري؛ من أهل وادي آش؛ يكنى أبا عبد الله.
حاله
كان رجلاً شديد الأدمة، أعين، كث اللحية طرفاً في الأمانة، شديد الاسترابة بجليسه، مخيناً لرفيقه، سيئ الظن بصديقه، قليل المداخلة، كثير الانقباض، مختصر الملبس والمطعم، عظيم المحافظة على النفير والقطمير، مستوعب للحصر والتقييد، أسير محيي وعابد زمام، وجنيب أمانة وحلس سقيفة، ورقيب مشرف، لا يقبل هوادة، ولا يلابس رشوة، كثير الالتفات، متفقداً للآلة، متمماً للعمل.
جرى ذكره في بعض الموضوعات الأدبية بسبب شعر خامل نسب إليه بما نصه: رجل غليظ الحاشية معدود في جنس السايمة والماشية، تليت على العمال به سورة الغاشية، ولي الأشغال السلطانية، فذعرت الجباة لولايته، وأيقنوا بقيام قيامتهم لطلوع آيته، وقنطوا كل القنوط، وقالوا جاءت الدابة تكلمنا، وهي إحدى الشروط، من رجل صايم الحسوة، بعيد عن المصانعة والرشوة، يتجنب الناس، ويقول عند المخالطة لهم لا مساس، عهدي به في الأعمال يخبط ويتبر، وهو يهلل ويكبر، ويحسن ويقبح، وهو يسبح، انتهى. قلت: وولي الأشغال السلطانية، فضم النشر، وأوصد باب الحيلة، وبث أسباب الضياع، وترصد ليلاً وأصيب بجراحة أخطأته، ثم عاجلته الوفاة، فنفس عن أقتاله المخنق.
شعره
قال يخاطب بعض أثراء الدولة قبل نباهته:
عمادي ملاذي مويلي ومؤملي
ألا أنعم بما ترضاه للمتأهل
وحقق بنيل القصد منك رجاءه
على نحو ما يرضيك يا ذا التفضل
فأنت الذي في العلم يعرف قدره
بخير زمان منه لا زلت فيه تعتل
فهنيت يا مَغْنَى الكمال برتبة
تقر لكم بالسبق في كل محفل
وفاته
توفي عام ثلاثة وأربعين؛ بغرناطة أو قبل ذلك بيسير، وله خط حسن، وممارسة في الطلب، وقد توسط المعترك.
محمد بن محمد
ابن محمد بن عبد الواحد البلوي؛ من أهل ألمرية؛ يكنى أبا بكر.
أوليته
من كتاب المؤتمن قال: يشهر بنسبه وأصل سلفه من جهة إما من بجانة، وإما من البريج، واستوعب بيرة سبب انتقالهم.
حاله
من عايد الصلة، كان أحد الشيوخ من طبقته، وصدر الوزراء من نمطه ببلده، سراوة وسماحة، ومبرة وأدباً ولوذعية ودعابة، رافع راية الانطباع، وحايز قصب قصب السبق في ميدان التخلق، مبذول البر، شايع المشاركة.
وقال في المؤتمن: كان رجلاً عاقلاً، عارفاً بأقوال الناس، حافظاً لمراتبهم، منزلاً لهم منازلهم، ساعياً في حوايجهم، لا يصدرون عنه إلا عن رضى بجميل مداراته. التفت إلى نفسه، فلم ينس نصيبه من الذل، ولا أغفل من كان يألفه في المنزل الخشن، واصلاً لرحمه، حاملاً لوطأة من يجفوه منهم، في ماله حظ للمساكين وفي جاهه رفد للمضطرين، شيخاً ذكي المجالسة تستطيب معاملته، على يقين أنه يخفي خلاف ما يظهر، من الرجال الذين يصلحون الدنيا، ولا يعلق بهم أهل الآخرة، لعروه عن النخوة والبطر، رحمه الله. تكررت له الولاية بالديوان غير ما مرة، وورد على غرناطة، وافداً ومادحاً ومعزياً.
مشيخته [وما صدر منه]
قرأ على ابن عبد النور، وتأدب به، وتلا
على القاضي أبي علي بن أبي الأحوص أيام
قضايه ببسطة، ونظم رجزاً في الفرايض.
شعره
قال الشيخ في المؤتمن: كانت له مشاركة في نظم الشعر الوسط، وكان شعر تلك الحلبة الآخذة عن ابن عبد النور، كأنه مصوغ من شعره شيخهم المذكور، ومحذو عليه، في ضعف المعاني، ومهنة الألفاظ. تنظر إلى شعره، وشعر عبد الله بن الصايغ، وشعر ابن شعبة، وابن رشيد، وابن عبيد؛ فتقول ذرية بعضها من بعض.
فمن ذلك ما نظمه في ليلة سماع واجتماع بسبب قدوم أخيه أبي الحسن من الحجاز:
إلهي أجرني إنني لك تايب
وإني من ذنبي إليك لهارب
عصيتك جهلاً ثم جئتك نادماً
مقراً وقد سدت علي المذاهب
مضى زمن بي في البطالة لاهياً
شبابي قد ولى وعمري ذاهب
فخذ بيدي واقبل بفضلك توبتي
وحقق رجائي في الذي أنا راغب
أخاف على نفسي ذنوباً جنيتها
وحاشاك أن أشقى وأنت المحاسب
وإني لأخشى في القيامة موقفاً
ويوماً عظيماً أنت فيه المطالب
وقد وضع الميزان بالقسط حاكما
وجاء شهيد عند ذاك وكاتب
وطاشت عقول الخلق واشتد خوفهم
وفرّ عن الإنسان خل وصاحب
فما ثم من يرجى سواك تفضلاً
وإن الذي يرجو سواك لخايب
ومن ذا الذي يعطي إذا أنت لم تجد
ومن هو ذو منع إذا أنت واهب
عبيدك يا مولاي يدعوك رغبة
وما زلت غفاراً لمن هو تايب
دعوتك مضطراً وعفوك واسع
فأنت المجازي لي وأنت المعاقب
فهب لي من رحماك ما قد رجوته
وبالجود يا مولاي ترجى المواهب
توسلت بالمختار من آل هاشم
ومن نحوه قصداً تحث الركايب
شفيع الورى يوم القيامة جاهه
ومنقذ من في النار والحق واجب
ومما بلغ فيه أقصى مبالغ الإجادة، قوله من قصيدة هنأ فيها سلطاننا أبا الحجاج بن نصر، لما وفد وهو وجملة أعيان البلاد أولها:
يهني الخلافة فتحت لك بابها
فادخل على اسم الله يمنا غابها
منها وهو بديع، استظرف يومئذ:
يا يوسفياً باسمه وبوجهه
اصعد لمنبرها وصن محرابها
في الأرض مكنك الإله كيوسف
ولتملكن بربها أربابها
بلغت بكم آرابها من بعد ما
قالت لذلك نسوة ما رابها
كانت تراود كفوها حتى إذا
ظفرت بيوسف غلقت أبوابها
[قلت: ما ذكره المؤلف ابن الخطيب رحمه الله، في هذا المترجم به، من أنه ينظم الشعر الوسط، ظهر خلافه، إذا أثبت له هذه المقطوعة الأخيرة. ولقد أبدع فيها وأتى بأقصى مبالغ الإجادة كما قال: وحاز بها نمطاً أعلى مما وصفه به. وأما القصيدة الأولى فلا خفاء أنها سهل المأخذ، قريبة المنزع، بعيدة من الجزالة، ولعل ذلك كان مقصوداً من ناظمها رحمه الله].
وفاته
توفي ببلده عن سن عالية؛ في شهر ربيع الآخر عام ثمانية وثلاثين وسبعماية.
ورثاه شيخنا أبو بكر بن شبرين رحمه الله بقوله:
يا عين سحي بدمع واكف سرب
لحامل الفضل والأخلاق والأدب
بكيت إذ ذكرت الموتى على رجل
إلى بلي من الأحياء منتسب
على الفقيه أبي بكر تضمنه
رمس وأعمل سيرا ثم لم يؤب
قد كان بي منه ود طاب مشرعه
ما كان عن رغب كلاً ولا رهب
لكن ولا على الرحمن محتسباً
في طاعة الله لم يمذق ولم يشب
فاليوم أصبح في الأجداث مرتهنا
ما ضرت الريح أملودا من الغضب
إنا إلى الله من فقد الأحبة ما
أشد لذعاً لقلب الثاكل الوصب
من للفضائل يسديها ويلحمها
من للعلى بين موروث ومكتسب
قل فيه أما تصف ركناً لمنتبذ
روض لمنتجع أنس لمغترب
باق على العهد لا تثنيه ثانية
عن المكارم في ورد ولا قرب
سهل الخليقة بادي البشر منبسط
يلقى الغريب بوجه الوالد الحدب
كم غير الدهر من حال فقلبها
وحال إخلاصه ممتدة الطنب
سامي المكانة معروف تقدمه
وقدره في ذوي الأقدار والرتب
أكرم به من سجايا كان يحملها
وكلها حسن تنبيك عن حسب
ما كان إلا من الناس الإلى درجوا
عقلاً وحلماً وجوداً هامي السحب
أمسى ضجيع الثرى في جنب بقلعة
لكن محامده تبقى على الحقب
ليست صبابة نفسي بعده عجباً
وإنما صبرها من أعجب العجب
أجاب دمعي إذ نادى النعي به
لو غير منعاه نادى الدمع لم يجب
ما أغفل المرء عما قد أريد به
في كل يوم تناديه الردى اقترب
يا ويح نفسي الأنفاس مضت هدراً
بين البطالة والتسويف واللعب
ظننت أني بالأيام ذو هزء
غلطت بل كانت الأيام تهزأ بي
أشكو إلى الله فقري من معاملة
الله أنجو بها في موقف العطب
ما المال إلا من الله قوى فأفلح من
جاء القيامة ذا مال وذا نشب
أبا بكر الأرضي نداء أخ
باك عليك مدى الأيام مكتئب
أهلاً بقدمتك الميمون ظاهرها
على محل الرضى والسهل والرحب
نم في الكرامة فالأسباب وافرة
وربما نيلت الحسنى بلا سبب
لله لله والآجال قاطعة
ما بيننا من خطابات ومن خطب
ومن فرايد آداب يحبرها
فيودع الشهب أفلاكاً من الكتب
أما الحياة فقد مليت مدتها
فعوض الله منها خير منقلب
لولا قواطع لي أشراكها نصبت
لزرت قبرك لا أشكو من النصب
وقل ما تتشفيت نفس بزورة مَنْ
حل البقيع ولكن جهد ذي أرب
يا نخبة ضمها ترب ولا عجب
إن التراب قديماً مدفن النخب
كيف السبيل إلى اللقيا وقد ضربوا
بيني وبينك ما بقي من الحجب
عليك مني سلام الله يتبعه
حسن الثنا وما حييت من كثب
محمد بن محمد
ابن شعبة الغساني؛ من أهل ألمرية؛ يكنى أبا عبد الله.
حاله
قال شيخنا أبو البركات في الكتاب المؤتمن: من أهل ألمرية ووجوهها؛ لا حظ له في الأدب، وبضاعته في الطلب مزجاة. قطع عمره في الأشغال المخزنية، وهو على ذلك حتى الآن. قلت: هذا الرجل أحد فرسان الطريقة العملية، ماض على لين، متحرك في سكون، كاسد سوق المروءة، ضان بما يملك من جدة، منحط في هوة اللذة، غير معرج على ربع الهمة، لطيف التأني، متنزل في المعاملة، دمث الأخلاق، مليح العمل، صحيح الحساب، منجب الولد.
مشيخته
قرأ على ابن عبد النور، والقدر الذي يحس
به عنه أخذه.
شعره
من شعره يخاطب أبا الحسن بن كماشة:
وافى البشير فوافى الأنس والجذل
وأقبل السعد والتوفيق والأمل
وراقت الأرض حسناً زاهراً وسنى
واخضرت منها الربى والسهل والجبل
ولاح وجه علي بعد ذا فغدا
له شعاع كضوء الشمس متصل
مذ غاب أظلمت الدنيا لنا وغدت
أحشاؤنا بلهيب الشوق تشتعل
وحين أشرقت الدنيابغرته
عاد الظلام ضياء وانتفى الخبل
إيه أبا حسن أنت الرجاء لنا
مهمى اعترت شدة أو ضاقت الحيل
وأنت كهف منيع من نحاك فقد
نال المنى وبدا عيش له خضل
يا سيداً قد غدا في المجد ذا رتب
مشيدة قد بنتها السادة الأول
بنو كماشة أهل الفضل قد شهروا
باهت بهم في قديم الأعصر الدول
السالكون هدى السابقون مدى
والباذلون ندى والناس قد بخلوا
أنت الأخير زماناً والقديم علاً
والسيد المرتجى والفارس البطل
إن كنت جئت أخيراً فلقد
أضحى بجود يديك يضرب المثل
حزت المآثر لا تحصى لكثرتها
من رام إحصاءها سدت له السبل
جزت البدور سنى والفرقدين علا
وأنت تجر الندى والوابل الهطل
من جاء يطلب منك السلم قابله
وجه طليق ولفظ كله عسل
ومن يرد غير ذا تباً له وردى
لقد ترفع في برج له زحل
هناك ربك ما أولاك من نعم
وعشت في عزة تترى وتتصل
ولا عدمت مدى الأيام منزلة
من دونها رفعة في الأبرج الحمل
وخذه بعد سلاماً عاطراً أرجاً
يدوم ما دامت الأسحار والأصل
من خادم لعلاكم مخلص لكم
من حبكم لا يرى ما عاش ينتقل
تقبيل كفك أعلى ما يؤمله
فجد به فشفا الهايم القبل
وفاته
في أول عام أربعة وستين وسبعماية.
محمد بن محمد
ابن العراقي؛ وادي آشى؛ يكنى أبا عبد الله.
حاله
فاضل الأبوة، معروف الصون والعفة، بادي الاستقامة، دمث الأخلاق، حسن الأدوات، ينظم وينثر، ويجيد الخط، تولى أعمالاً نبيهة، ثم علقت به الحرفة؛ فلقي ضغطاً، وفقد نشباً، واضطر إلى التحول عن وطنه إلى بر العدوة عام ستة وخمسين وسبعماية، وتعرف لهذا العهد أنه تولى الأشغال بقسنطينة الهواء من عمل إفريقية.
شعره
كتب إليّ وقد أبى عملاً عرض عليه:
أأصمت أنفاً ثم أنطق بالخلف
وأفقد إلفاً ثم آنس بالجلف
وأمسك دهري ثم أنطق علقماً
ويمحق بدري ثم ألحق بالخسف
وعزكم لا كنت بالذل عاملاً
ولو أن ضعفي ينتمي إلى حتف
فإن تعملوني في تصرف عزة
وعدل وإلا فاحسموا علة الصرف
بقيت وسحب العطف منكم تظلني
وعطف ثناتي دائماً ثاني العطف
محمد بن عبد الله
ابن محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن فُرتون الأنصاري؛ من أهل مالقة؛ يكنى أبا القاسم، ويعرف بالهنا.
أوليته
ينسب إلى القاضي ببطليوس، قاضي القضاة رحمه الله. وبمالقة دور تنسب إلى سلفه تدل على نباهة، وقد قيل غير ذلك. والنص الجلي أولى من القياس.
حاله
من عايد الصلة: الشيخ الحاج المحدث صاحب الأشغال بالدار السلطانية. صدر نمطه، وفريد فنه، رجولة وجزالة واضطلاعاً وإدراكاً وتجلداً وصبراً. نشأ بمالقة، معدوداً في أهل الطلب والخصوصية، ورحل إلى الحجاز الشريف في فتايه، فاستكثر من الرواية، وأخذ عن أكابر من أهل المشرق والمغرب؛ حسبما يشهد بذلك برنامجه. وكان على سنن من السرو والحشمة، فذا في الكفاية، جرياً مقداماً مهيباً، ظريف الشارة، فاره المركب، مليح الشيبة، حسن الحديث، وقاد الذهن، صابراً على الوظايف، يخلط الخوض في الأمور الدنيوية، بعبادة باهظة، وأوراد ثقيلة، ويجمع ضحك الفاتك، وبكاء الناسك، في حالة واحدة، هشاً، مفرط الحدة، يشرد عليه مجل لسانه في المجالس السلطانية بما تعروه المندمة بسببه، قايماً على حفظ القرآن وتجويده وتلاوته، ذا خصال حميدة، صناع اليد، مقتدراً على العمليات من نسخ ومقابلة وحساب، معدوداً من صدور الوقت وأعلام القطر، ورجال الكمال.
مشيخته
أخذ عن الجلة من أهل بلده كالأستاذ أبي محمد بن أبي السداد الباهلي؛ لازمه وانتفع به والخطيب أبي عثمان بن عيسى؛ أخذ عنه، والولي أبي عبد الله الطنجالي، وغيرهم مما يطول ذكرهم من العدوة والأندلس والمشارقة.
محنته
لقي نصباً في الخدمة السلطانية، وغضاً من الدهر لبأوه، بتعنته وعدم مبالاته مرات؛ ضيق لها سجنه، وعرض عليه النكال، ونيل منه بالإهانة كل منال، وأغرم مالا أجحف بمحتجنه، وعرض للأيدي نفايس كتبه، وعلى ذلك فلم يذعر سربه، ولا أضعفت النكبة جأشه.
مولده
ولد عام ثلاثة وسبعين وستماية.
وفاته
ومات ميتة حسنة. صلى الجمعة ظهراً؛ وقد لزم الفراش، ونفث دم الطاعون؛ ومات مستقبل القبلة؛ على أتم وجوه التأهب؛ سابع شوال من عام خمسين وسبعماية.
محمد بن عبد الله
ابن محمد بن مقاتل؛ من أهل مالقة؛ يكنى أبا القاسم؛
أزدي النسب، إشبيلي الأصل، من بيت نزاهة ونباهة.
حاله
كان فاضلاً وقوراً سمحاً، مليح الدعابة، عذب الفكاهة، حلو النادرة، يكتب ويشعر، طرفاً في الانطباع واللوذعية، آية في خلط الجد بالهزل. ولي الإشراف بمدينة مالقة، وتقلب في الشهادة المخزنية عمره.
شعره
من شعره يخاطب ذا الوزارتين أبا عبد الله بن الحكيم رحمه الله:
فؤادي من خطب الزمان سقيم
وفيه لسهم الحادثات كلوم
ولم أشك دايي في البرية لامرئ
أأشكو به وابن الحكيم حكيم
وفاته
توفي بمالقة يوم الخميس عاشر شهر رمضان من عام تسعة وثلاثين وسبعماية.
محمد بن علي
ابن عبد ربه التجيبي؛ من أهل مالقة؛ يكنى أبا عمرو.
حاله
كان راوية ثقة، بارع الأدب، بليغ الكتابة، طيب النفس، كامل المروءة، حسن الخلق، جميل العشرة، تلبس بالأعمال السلطانية دهراً، وولي إشراف غرناطة وغيرها، إلى أن قعد لشكاية منعته من القيام والتصرف فعكف على النظر، فانتفع به.
مشيخته
كانت له رحلة سمع فيها بالأسكندرية على أبي عبد الله بن منصور وغيره، وروى عنه الأخوان: سالم وعبد الرحمن ابنا صالح بن سالم.
تواليفه
له اختصار حسن في أغاني الإصبهاني، ورد جيد على ابن غرسية في رسالته الشعوبية؛ لم يقصر فيها عن إجادة.
وفاته
وتوفي لسبع خلون من محرم من عام اثنين وستماية.
الزهاد والصلحاء والصوفية والفقراء وأولا الأصليون
محمد بن إبراهيم
ابن محمد بن محمد الأنصاري؛ من أهل غرناطة؛
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالصناع.
حاله
من عايد الصلة: الشيخ الصوفي، الكثير الأتباع، الفذ الطريقة المحبب إلى أهل الثغور من البادية. كان رحمه الله شيخاً حسن السمت كثير الذكر والمداومة، يقود من المخشوشنين عدد ربيعة ومضر، يعمل الرحلة إلى حصونهم، فيتألفون عليه، تألف النحل على أمرايها ويعاسيبها، معلنين بالذكر، مهرولين، يغشون مثواه، بأقواتهم على حالها، ويتناغون في التماس القرب منه، ويباشرون العمل في فلاحة كانت له بما يعود عليه بوفر وإعانة. وكان من الصالحين، وعلى سنن الخيار الفضلاء من المسلمين، وله حظ من الطلب ومشاركة، يقوم على ما يحتاج إليه من وظائف دينه، ويتكلم في طريق المتصوفة على مذهب أبي عبد الله الساحلي شيخه، كلاماً جهورياً، قريب الغمر وكان له طمع في صناعة الكيمياء تهافت على دفاتيرها، وأهل منتحليها، ليستعين بها بزعم على آماله الخيرية؛ فلم يحل بطايل.
مشيخته
قرأ على أستاذ الجماعة أبي جعفر بن الزبير، وكانت له في حاله فراسة. حدثني بذلك شيخنا أبو عبد الله بن عبد الولي رحمه الله. وسلك على الشيخ الصالح أبي عبد الله الساحلي.
وفاته
وتوفي ليلة الاثنين السابع من شهر شوال عام تسعة وأربعين وسبعماية، وكانت جنازته آخذة في الاحتفال، قدم لها العهد، ونفر لها الناس من كل أوب، وجيء بسريره، تلوح عليه العناية، وتحفه الأتباع المقتاتون من حل أموالهم وأيديهم من شيوخ البادية، فتولوا مواراته، تعلو الأصوات حوله، ببعض أذكاره.
محمد بن أحمد
الأنصاري؛ من أهل غرناطة؛ يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالموَّاق.
حاله
كان معلماً لكتاب الله تعالى، خطيباً بمسجد ربض الفخارين، طرفاً في الخير ولين العريكة، والسذاجة المشفوعة بالاختصار، وإيثار الخمول، مستقيماً في طريقته، خافتاً في خطبته، عاكفاً على وظيفته، مقصوداً بالتماس الدعاء، مظنة الصلاح والبركة.
وفاته
توفي بغرناطة قبل سنة خمسين وسبعماية بيسير، وكلف الناس بقبره بعد موته، فأولوا حجارته من التعظيم، وجلب أواني المياه للمداواة ما لم يولوه معشاره أيام حياته.
محمد بن حسنون
الحميري؛ من أهل غرناطة؛ يكنى أبا عبد الله
حاله
كان فاضلاً صالحاً، مشهور الولاية والكرامة يقصده الناس في الشدايد، فيسألون بركة دعايه. ومن إملاء الشيخ أبي بكر بن عتيق بن مقدم؛ قال: أصله من بياسة، وكان عمه من المقرئين المحدثين بها، وسكن هو مرسية، ونشأ بها، وقرأ على أشياخها، وحفظ كتاب التحبير في علم أسماء الله الحسنى للإمام أبي القاسم القشيري، ثم انتقل إلى غرناطة، فسكن فيها بالقصبة القديمة، وأم الناس في المسجد المنسوب إليه الآن. وكان يعمل بيده في الحلفا، ويتقوت من ذلك.
وفاته
توفي عام خمسة وسبعماية بغرناطة؛ وهو من عدد الزهاد.
ومن مناقبه
ذكروا أنه سمع يوماً بعض الصبيان يقول لصبي آخر: مر للحبس؛ فقال أنا المخاطب بهذا؛ فانصرف إلى السجن، فدخله، وقعد مع أهله، وبلغ ذلك السلطان؛ فوجه وزيره، فأخرجه، وأخرج معه أهل السجن كلهم، وكانت من كراماته.
محمد بن محمد
البكري؛ من أهل غرناطة؛ يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الحاج.
كان رحمه الله شيخاً صالحاً جهورياً، بعيداً عن المصانعة، متساوي الظاهر والباطن، مغلظاً لأهل الدنيا، شديداً عليهم، غير مبال في الله بغيره، يلبس خرقة الصوفية من غير التزام لاصطلاح، ولا منقاد لرقو، ولا مؤثر لسماع. مشاركاً للناس، ناصحاً لهم، ساعياً في حوايجهم. خدم الصالح الكبير أبا العباس بن مكنون، وسلك به، وكان من بيت القيادة والتجند، فرفض زيه، ولبس المسوح والأسمال. وكان ذا حظ من المعرفة، يتكلم للناس. قال شيخنا أبو الحسن بن الجياب، سمعته ينشد في بعض مجالسه:
يا غادياً في غفلة ورايحاً
إلى متى تستحسن القبايحا
وكم إلى كم لا تخاف موقفاً
يستنطق الله به الجوارحا
يا عجباً منك وأنت مبصر
كيف تجتنب الطريق الواضحا
كيف تكون حين تقرأ في غد
صحيفة قد مليت فضائحا
أم كيف ترضى أن تكون خاسراً
يوم يفوز من يكون رابحا
ولما حاصر الطاغية مدينة ألمرية، وأشرفت على التلف، تبرع بالخروج منها ولحاقه بباب السلطان، لبث حالها، واستنفار المسلمين إلى نصرها؛ فيسر له من ستر غرضه، وتسهيل قصده، ما يشهد بولايته.
وفاته
توفي بألمرية محل سكناه؛ في حدود عام خمسة عشر وسبعماية.
محمد بن محمد
ابن أحمد الأنصاري؛ غرناطي، قيجاطي الأصل؛ يعرف بالسواس.
قال في المؤتمن في حاله: رجل متطبب، سهل الخلق، حسن اللقاء. رحل من بلده، وحج، وفاوض بالمشرق الأطباء في طريقته، وعاد فتصدر للطب، ثم عاد إلى بلاد المشرق. قلت: وعظم صيته، وشهر فضله، وقدم أمينا على أحباس مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة الطاهرة وصدقاته، وذكر عنه أنه اضطره أمر إلى أن خصي نفسه، وسقطت لذلك لحيته.
قال شيخنا أبو البركات: أنشدنا بدكانه برحبة المسجد الأعظم، من حضرة غرناطة؛ قال: أنشدنا أبو عبد الله المراكشي بالإسكندرية؛ قال: أنشدنا مالك بن المرحل لنفسه:
أرى الكلاب بشتم الناس قد ظلمت
والكلب أحفظ مخلوق لإحسان
فإن غضبت على شخص لتشتمه
فقل له أنت إنسان ابن إنسان
وفاته
كان حياً عام خمسين وسبعماية فيما أظن.
ومن الطارئين عليها في هذا الاسم
محمد بن أحمد
ابن جعفر بن عبد الحق بن محمد بن جعفر بن محمد بن أحمد ابن مروان بن الحسن بن نصر بن نزار بن عمرو بن زيد بن عامر ابن نصر بن حقاف السلمي؛ يكنى أبا عبد الله،
ويعرف بابن جعفر، ويشهر في الأخير بالقونجي؛
منسوباً إلى قرية بالإقليم؛ وكان من أهل غرناطة.
حاله
من خط شيخنا أبي البركات بن الحاج: كان هذا الرجل، رجلاً صالحاً فاضلا متخلقاً، سمحاً، جميل اللقاء على قدم الإيثار على رقة حاله، ممن وضع الله له القبول في قلوب عباده؛ فكانت الخاصة تبره ولا تنتقده، والعامة توده وتعتقده، وتترادف على زيارته، فئة بعد فئة، فلا تنقلب عنه إلا راضية، وكان جارياً على طريقة الشيخ أبي الحسن الشاذلي [إذ كان قد لقي بالمشرق الشيخ الإمام تاج الدين بن عطاء الله، ولازمه وانتفع به، كما لقي ولازم تاج الدين أبا العباس المرسي، كما لازم أبو العباس أبا الحسن الشاذلي]. قال: ولقيه بعد هذا الشيخ أبي عبد الله جماعات في أقطار شتى، ينسبون إليه، ويجرون من ملازمته الأذكار في أوقات معينة على طريقته، وله رسايل منه إليهم طوال وقصار، يوصيهم فيها بمكارم الأخلاق، وملازمة الوظايف، وخرج عنه إليهم على طريقة التدوين، كتاب سماه ب((الأنوار في المخاطبات والأسرار))؛ مضمنه جملة من كلام شيخهم تاج الدين، وكلام أبي الحسن الشاذلي، ومخاطبات خوطب بها في سره، وكلام صاحبه أبي بكر الرندي، وحقايق الطريق، وبعض كرامات غير من ذكر من الأولياء، وذكر الموت، وبعض فضايل القرآن.
مشيخته
قرأ على الأستاذ أبي الحسن البلوطي وأجازه، وعلى أبي الحسن بن فضيلة وأجازه كذلك، وعلى أبي جعفر بن الزبير وأجازه، ثم رحل؛ فحج ودخل الشام، وعاش مدة من حراسة البساتين، واعتنى بلقاء المعروفين بالزهد والعبادة، وكان ملياً بأخبار من لقي منهم، فمنهم الشيخ أبو الفضل تاج الدين بن عطاء الله، وصاحبه أبو بكر بن محمد الرندي.
مناقبه
قال: دخلت معه إلى من خفَّ على قلبي الوصول إلى منزله لما قدم ألمرية، وهو رجل يعرف بالحاج رحيب، كان من أهل العافية، ورقت حاله، ولم يكن ذلك يظهر عليه، لمحافظته على ستر ذلك لعلو همته، ولم يكن أيضاً أثر ذلك يظهر على منزله، بل أثاث العافية باق فيه من فرش وماعون. فساعة وصول هذا الشيخ، قال: الله يجبر حالك، فحسبتها فراسة من هذا الشيخ. قال: وخاطبته عند لقائي إياه بهذه الأبيات:
أشكو إليك بقلب لست أملكه
ما لم يرد من سبيل فهو يسلكه
له تعاقب أهواء فيقلقه
هذا ويأخذه هذا ويتركه
طوراً يؤمنه طورا يخوفه
طورا ييقنه طورا يشككه
حيناً يوحشه حينا يونسه
حينا يسكنه حينا يحركه
عسى الذي يمسك السبع الطباق على
يديك يا مطلع الأنوار يمسكه
فيه سقام من الدنيا وزخرفها
مهما أبيضه بالذكر تشركه
عسى الذي شأنه الست الجميل كما
غطى عليه زماناً ليس يهتكه
فلما قرأ منها: ((فيه سقام من الدنيا وزخرفها))؛ قال: هذه علتي.
مولده
سألته عنه فقال لي عام ثمانية وستين بقرية الجيط من قرى الإقليم.
وفاته
بقرية قنجة خطيباً بها، يوم الاثنين عشرين من شهر شعبان المكرم عام خمسين وسبعماية، في الوباء العام، ودفن بقرية قنجة، رحمة الله عليه ورضوانه.
محمد بن أحمد
ابن حسين بن يحيى بن الحسين بن محمد بن أحمد بن صفوان
القيسي؛ وبيته شهير بمالقة؛ يكنى أبا الطاهر،
ويعرف بابن صفوان.
حاله
كان مفتوحاً عليه في طريق القوم، ملهماً لرموزهم، مصنوعاً له في ذلك، مع المحافظة على السنة، والعمل بها. آخر الرعيل، وكوكب السحر، وفذلكة الحساب ببلده، اقتداء وتخلقاً وخشوعاً وصلاحاً وعبادة ونصحاً. رحل فحج، وقفل إلى بلده، مؤثراً الاقتصار على ما لديه، فإذا تكلم في شيء من تلك النحلة، يأتي بالعجايب، ويفك كل غامض من الإشارات. وعُني بالجزء المنسوب إلى شيخ الإسلام أبي إسمعيل الروبي المسمى ب((منازل الساري إلى الله))؛ فقام على تدريسه، واضطلع بأعبايه، وقيد عليه ما لا يدركه إلا أولوا العناية، ولازمه الجملة من أولى الفضل والصلاح، فانتفعوا به، وكانوا في الناس قدوة. وولي الخطابة بالمسجد الجامع من الربض الشرقي، وبه كان يقعد، فيقصده الناس، ويتبركون به، وكان له مشاركة في الفقه، وقيام على كتاب الله.
تواليفه
ألف بإشارة السلطان على عهده، أمير المسلمين أبي الحجاج رحمه الله، كتاباً في التصوف والكلام على اصطلاح القوم، كتب عليه شيخنا أبو الحسن بن الجياب بظهره؛ لما وقع عليه؛ هذه الأبيات:
[أيام مولاي الخليفة يوسف
جاءت بهذا العالم المتصوف
فكفى بما أسدى من الحكم التي
أبدين من سر الطريقة ما خف
وحقايق رفع الحجاب بهن عن
نور الجمال فلاح غير مكيف]
كالشمس لكن هذه أبدي سناً
للحسن والمعنى لعين المنصف
فيه حياة قلوبنا ودواؤها
فمن استغاث بجرعة منها شف
إن ابن صفوان إمام هداية
صافي فصوفي فهو صوفي صف
وإن اختبرت فإنه صفو ابن صف
وٍ ظاهر في طيه صفو خف
علم توارثه وحال قد خلت
ذوقاً فنعم المقتدى والمقتف
فليهنك المولى سعود إيالة
فيها سراج نوره لا ينطف
جلَّى وجوه شريعة وحقيقة
صبحاً سناه باهر لا يختف
لا زلت تسلك كل نهج واضح
منها وتحيي كل سعي مزلف
من تواليفه
((جَرُّ الحرَّ))؛ في التوحيد، وعلق على الجزء المنسوب لأبي إسماعيل الهروي.
من أخذ عنه
أخذ عنه ببلده، وتبرَّك به جُلَّة، وكان يحضر مجلسه عالم، منهم: شيخ الشيوخ الأعلام أبو القاسم الكسكلان، وأبو الحسين الكوّاب، والأستاذ الصالح أبو عبد الله القطان، وصهره الأستاذ أبو عبد الله بن قوال، والعاقد الناسك أبو الحسين الأحمر، وغيرهم.
شعره
رأيت من الشعر المنسوب إليه، وقد رواه عنه جماعة من أصحابنا، يُذَيَّل قول أبي زيد رضي الله عنه:
رأيتك تدنيني إليك تباعدني
فأبعدت نفسي [الابتغاء التقرب]
فقال:
هويت بدمنى إليه فلم يكن
بي البعد بعدي فصح به قرب
فكان به سمعي كما بصري به
وكان به لأئ لساني مع القلب
فقربي به قرب بغير تباعد
وقربي في بعدي فلا شيء من قرب
وفاته
سافر من بلده إلى غرناطة في بعض وجهاته إليها، وذهب سحراً يرتاد ماء لوضويه. فتردى في حفرة تردياً أوهن قواه، وذلك بخارج بلش؛ فرد إلى مالقة؛ فكانت بها وفاته قبل الفجر من ليلة يوم الجمعة الرابع عشر لشعبان عام تسعة وأربعين وسبعماية.
محمد بن أحمد
ابن عبد الرحمن بن إبراهيم الأنصاري؛ يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالساحلي.
حاله
من عايد الصلة: المثل الساير في عمران أوقاته كلها بالعبادة، وصبره على المجاهدة. قطع عمره في التبتل والتهجد لا يفتر لسانه عن ذكر الله، والصلاة على نبيه، صلى الله عليه وسلم. خرج عن متروك والده، واقتصر على التمعش من حرفة الخياطة. ثم تعداها إلى النسخ والتعليم، وسلك على الشيخ أبي القاسم المريد، نفع الله به، حتى ظهرت عليه سيما الصالحين، وأقام عمره مستوعباً ضروب الخير، وأنواع القرب من صوم وأذان وذكر، ونسخ وقراءة، وملازمة خلوة. ذا حظ من الفصاحة. وجرأة على الوعظ، في صوت جهير، وعارضة صليبة. اقتدى به طوايف من أصناف الناس على تباعد الديار، وألزمهم الأذكار، وحولهم للسلوك، فأصبح كثير الأتباع، بعيد الصيت. وولي الخطابة بالمسجد الجامع من بلده، ونقل إلى الخطابة، بجامع غرناطة في نبوة عرضت له بسبب ذنابى ذرية طرقوا الكدر إلى سربه، ثم عاد إلى بلده متين ظهر الحظوة، وثيق أساس المبرة.
مشيخته
قرأ ببلده مالقة على الخطيب أبي محمد بن عبد العظيم بن الشيخ، وأبي عبد الله بن لب، وأبي جعفر الحرار، وأبي عبد الله بن الحلو، الخطيب أبي عبد الله ابن الأعور.
محنته
ابتلي بعد السبعين من عمره بفقد بصره؛ فظهر منه من الصبر والشكر والرضا بقضاء الله، ما يظهر من مثله. وأخبرني بعض أصحابه أنه كان يقول: سألت الله أن يكف بصري خوفاً من الفتنة. وفي هذا الخبر نظر لمكان المعارضة في أمره صلى الله عليه وسلم بسؤال العافية، والإمتاع بالإسماع والإبصار.
شهرته
وجعل الله له في قلوب كثير من الخلق، الملوك فمن دونهم، من تعظيمه ما لا شيء فوقه، حتى أن الشيخ المعمر الحجة الرحلة أبا علي ناصر الدين المشدالي؛ كتب
إليه من بجاية بما نصه: ﴿يَا أيُّهَا العَزِيزُ مَسَّنَا وَأهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إنَّ اللَّهَ
يَجْزِي المُتَصَدَّقِينَ﴾. وبعده: من العبد الأصغر والمحب الأكبر فلان، إلى سيد العارفين، وإمام المحققين، في ألفاظ تناسب هذا المعنى.
حدثني شيخنا أبو الحسن بن الجياب؛ وكان من أعلام تلاميذه، وصدور السالكين على يديه؛ قال: قصدت منه خلوة، فقلت: يا سيدي، أصحابنا يزعمون أنك ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فاخبرني واشف صدري؛ هل هذه الرؤيا عينية أو قلبية؟ قال: فأَفْكَر ساعة، ثم قال: عندي شك في رؤية ابن الجياب الساعة ومحادثته؛ فقلت: لا؛ فقال: كذلك الحال؛ قلت: وهذا أمر غريب؛ ولا يصح إلا رؤية القلب، ولكن غلبت عليه حتى تخيل في الحس الصورة الكريمة؛ إذ وجود جوهر واحد في محلين اثنين محال.
شعره
نظم الكثير من شعر منحط؛ لا يصلح للكتب ولا للرواية؛ ابتلي به رحمه الله، فمن لبابه قوله؛ وهو من الوسط:
إن كنت تأمل أن تنال وصالهم
فامح الهوى في القيل والأفعال
واصبر على مر الدواء فإنه
ياتيك بعد بخالص السلسال
تواليفه
ألف كتاباً سماه ((إعلان الحجة في بيان رسوم المحجة)). توفي يوم الجمعة الرابع والعشرين لشوال عام خمسة وثلاثين وسبعماية، وكانت جنازته مشهودة، تزاحم الناس على نعشه، وتناولوه تمزيقاً على عادتهم من ارتكاب القحة الباردة في مسلاخ حسن الظن.
محمد بن أحمد
ابن قاسم الأمي؛ من أهل مالقة؛ يكنى أبا عبد الله،
ويعرف بالقطان؛ الفقيه الأواب المتكلم المجتهد.
حاله
من العايد: كان هذا الرجل غريب المنزع عجيب التصوف. قرأ وعقد الشروط، وتصدر للعدالة، ثم تجرد، وصدق في معاملته لله، وعول عليه، واضطلع بشروط التوبة، فتحلل من أهل بلده، واستفاد واسترحم، واستغفر، ونفض يديه من الدنيا، والتزم عبادة كبيرة، فأصبح يشار إليه في الزهد والورع، لا تراه إلا متبسماً، ملازماً لذكر الله، متواضعاً لأصاغر عباده، محبا في الضعفاء والمساكين، جميل التخلق، مغضياً عن الهنات، صابراً على الإفادة. وجلس للجمهور بمجلس مالقة، يتكلم في فنون من العلم، يعظ الناس، ويرشدهم، ويزهدهم، ويحملهم على الإيثار، في أسلوب من الاستنفار والاسترسال، والدلالة، والفصاحة والحفظ كثير التأثير في القلوب، يخبر بإلهام وإعانة. فمال الخلق إليه، وتزاحموا على مجلسه، وأعلنوا بالتوبة، وبادر مترفوهم إلى الإقلاع عن إجابة الشهوات، والاستقالة من الزلات. ودهم الوباء، فبذلوا من الأموال في أبواب البر والصدقة، ما لا يأخذه الحصر ولا يدركه الإحصاء ولو لا أن الأجل طرقه، لعظم صيته، وانتشر نفعه.
وفاته
توفي شهيد الطاعون عصر يوم الأربعاء الرابع لصفر من عام خمسين وسبعماية، ودفن بجبانة جبل فاره، ضحى يوم الخميس الثاني من يوم وفاته. وصلى عليه خارج باب قِنتنالة، وألحده في قبره الخطيب القاضي الصالح أبو عبد الله الطنجالي، رحم الله جميعهم.
وممن رثاه الشيخ الأديب أبو الحسن الورَّاد فقال:
[أبعد ولي الله دمعي يسجم
وغمار قلبي من كلوم تترجم
فؤادي مكلوم بحزني لفقده
لذاك جفوني دمعها كله دم]
وماذا عسى يغني التفجع والبكا
وماذا عسى يجدي الأسى والتبرم
سأصبر للبلوى وإن جل خطبها
فصبر الفتى عند الشدايد يعلم
كذا العلم بالسيف الصقيل لدى الوغى
فويق الذي من حسنه يوسم
على قدر صبر المرء تصغر عنده
خطوب من الدنيا على الناس تعظم
ألا إنها الدنيا تعلة باطل
ومخمضة أحلام لمن بات يحلم
تجنبها أهل العقول فأقصروا
وأغرق فيها الجاهلون وأشأم
أعد نظراً فيها تجبك براحة
وانس بما تقضي عليك وتحكم
أعد لها درياق صبرك إنها
من البؤس والتلوين والله أرقم
تلفت إلى تعذيبها لمحبها
ومإذا بها يلقى كثيب ومغرم
يظن بها ريحانة وهي سدرة
ولا منتهى إلا الردى والتندم
عجبت لها تخفي علينا عيوبها
وذاك لأنا في الحقيقة نوم
أليس عجيباً أن يعول عاقل
على عاجل من وصلها يتصرم
وما وصلها معشار عشر صدورها
ولكنه صرف للدهر أدوم
إذا ابتسمت يوماً ترقب عبوسها
فما إن لنا منها يدوم التبسم
ضحى كان وجه الدهر سبر بشره
فلم يمس حتى بان منه التجهم
ذرينا بعقد من ولي مكانه
مكين لدي العلياء سام معظم
هوى مثل هوى من الأفق كوكب
فجللنا ليل من الخطب مظلم
تساوى لديه صيدها وعبيدها
وعالمها النحرير والمتعلم
هو الموت لا ينفك للخلق طالباً
يروح ويغدو كل حين عليهم
وما هو إلا الداء عز دواؤه
فليس لشيء في البسيطة يحسم
دها كل مخلوق فما منه سيد
له الجاه عند الله ينجو فسلم
ولو كان ذا كان النبي محمد
تجنبه صلوا عليه وسلم
تعنى به موسى ويوسف قبله
ونوح وإدريس وشيث وآدم
به باد بهرام وتبر بهرم
وكسر من كسرى سوار ومعصم
وكم من عظيم الشأن حل بربعه
فإن تختبره فهو رب وأعظم
ولكننا ننسى ونأبى حديثه
وننجد في الإعراض عنه ونتهم
فحتى إذا حل ساحة ماجد
نطل بها من حسرة نتكلم
نسينا حديث الموت جهلاً بغدره
فألهمنا إذ هزنا منه ملهم
وفاة ورمي في التراب موسد
وآثاره فوق السماك تخيم
خبا ضوء نادي أقفر ربعه
من العلم والتعليم ربع ومعلم
تردى فأردى فقده أهل رية
فما منهم إلا كئيب ومغرم
غدا أهلها من فجعة بمصابه
وعيشهم صاب قطيع وعلقم
وهل كان إلا والد مات عنهم
فيا من لقوم يتموا حين أو يتم
قضى نحبه الأستاذ واحد عصره
فكاد الأسى يقضي إلى الكل منهم
قضى نحبه القطان فالحزن قاطن
مقيم بأحناء الضلوع محكم
وهل كان إلا روضة رف ظلها
أتيح له قيظ من الجون صيلم
وهل كان إلا رحمة عاد فقدها
علامة فقد العلم والله أعلم
سل التائبين العاكفين على الهدى
لكم منة أسدى وأهدى إليهم
أفادهم من كل علم لبابة
وفهمهم أسراره فتفهم
جزى الله رب الناس خير جزائه
دليلا بهم نحو الهدى حيث يمم
أبان لهم طرق الرشاد فأقدموا
وحذرهم عن كل غي فأحجم
وجاء من التعليم للخير كله
بأبين من يأتي به من يعلم
فصاحة ألفاظ وحسن عبارة
مضي كما يمضي الحسام المصمم
يصيب فلا يخطي إذا مقصدا
ولمن يجيب فلا يبطي ولا يتلعثم
يحدث في الآفاق شرقاً ومغرباً
فأخباره أضحت تخط وترسم
سرى في الورى ذكر له ومدايح
يكاد بها طير العلى يترنم
لعمرك ما يأتي الزمان بمثله
وما ضرني لو كنت بالله أقسم
فقيه نزيه زاهد متواضع
رؤوف عطوف مشفق مترحم
يود لو أن الناس أثرى جميعهم
فلم يبق مسكين ولم يبق معدم
يود لو أن الله تاب على الورى
فتابوا فما يبقى من الكل مجرم
عليه من الرحمن أوسع رحمة
فقد كان فينا الدهر يحنو ويرح
محمد بن أحمد
ابن يوسف بن أحمد بن عمر بن يوسف بن علي بن خالد ابن عبد الرحمن بن حميد الهاشمي الطنجالي؛ لوشي الأصل؛
مالقي النشأة والاستيطان.
أوليته
[بيتهم نبيه إلى هاشمية النبه] وهم ببلدنا لوشة أشراف، وكانت لهم فيها ثروة وثورة؛ اجتثها الدهر ببعض طوارقه، في أبواب المغالبات. ويمت سلفنا إليهم بصحبة ومصاهرة في حديث يستدعي طولاً؛ وانتقل خلفهم إلى مالقة.
حاله
من عايد الصلة: كان هذا الولي الفاضل المجمع على ولايته وفضله سهل اللقاء، رفيقاً بالخلق، عطوفاً على الضعفاء، سالكاً سنن الصالح من السلف، سمتاً وهدياً، بصره مغضوض، ولسانه صامت، [إلا من ذكر الله، وعلمه نافع] وثوبه خشن، وطعمته قد نفدها الورع الشديد، حتى اصطفاها مختاره، إذا أبصرت بها العين، سبقتها العبرة. بلغ من الخلق، الملوك فمن دونهم الغاية، فكان يلجأ إليه المضطر، وتمد إلى عنايته الأيدي، وتحط بفنايه الوسايل، فلا يرتفع عن كلف الناس ولا حوايجهم، ولا ينقبض عن الشفاعة لهم، وإصلاح ذات بينهم. له في ذلك كله أخبار طريفة. واستعمل في السفارة بين ملكي العدوة والأندلس، في أحوال المسلمين؛ فما فارق هيئته، وركوب حماره واستصحاب زاده، ولبس الخشن من ثوبه. وكان له حظ رغيب من فقه وحديث، وتفسير، وفريضة. ولي الخطابة ببلده مالقة، واستسقى في المحول، فسقي الناس.
حدثني بعض أشياخنا؛ قال: حضرت مقامه مستسقياً، وقد امتنع الغيث، وقحط الناس، فما زاد عند قيامنا أن قال: أستغفر الله؛ فضج الخلق بالبكاء والعجيج، ولم يبرحوا حتى سقوا. وكراماته كثيرة، ذايعة من غير خلاف ولا نزاع.
حدث بعض أشياخنا عن الخطيب الصالح أبي جعفر الزيات؛ قال: رأيت في النوم قايلاً يقول: فقد الليلة من يعمر بيت الإخلاص بالأندلس؛ فما انتصف النهار من تلك الليلة؛ حتى ورد الخبر بموته.
مشيخته
من شيوخه الذين قرأ عليهم، وأسند إليهم الرواية والده رحمه الله، وأبو عمرو بن حوط الله، والخطيب ابن أبي ريحانة المربلي، والقاضي أبو علي بن أبي الأحوص، والراوية أبو الوليد بن العطار، والراوية المحدث أبو بكر بن مشليون، والمقري أبو عبد الله بن مستقور الطايي، والأستاذ أبو جعفر الطباع، وأبو الحسين بن أبي الربيع، والمحدث أبو عبد الله بن عياش، والأستاذ أبو الحسن السفاج الرندي، والخطيب بألمرية أبو الحسن الغزال. وقرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير. وأجازه من أهل المشرق جماعة منهم: أبو عبد الله بن رزيق الشافعي، والعباس أحمد بن عبد الله بن محمد الطبري، وأبو اليمن عبد الصمد بن أبي الحسن عبد الوهاب بن أبي البركات المعروف بالنجام، والحسن بن هبة الله بن عساكر، وإبراهيم بن محمد الطبري إمام الخليل، ومحمد بن محمد ابن أحمد بن عبد ربه الطبري، ومحمد بن علي بن وهب ابن مطيع القشيري، وأبو الفتح تقي الدين بن أبي الحسن فخر الدين، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر الطبري المكي الشافعي وغيرهم.
ميلاده
بمالقة في رجب سنة أربعين وستماية.
وفاته
بمالقة في يوم الخميس الثامن لجمادى الأولى من عام أربعة وعشرين وسبعماية. وقد ناهز الثمانين سنة، لم ينتقص شيء من أعماله المقربة إلى الله، من الصوم والصلاة، وحضور الجماعات، وملازمة الإقراء والرواية، والصبر على الإفادة.
حدث من يوثق به، أن ولده الفقيه أبا بكر دخل عليه، وهو في حال النزع، والمنية تحشرج في صدره؛ فقال يا والدي أوصني؛ فقال وعيناه تدمعان: يا ولدي اتق الله حيث كنت، [واتبع السيئة بالحسنة تمحها]، وخالق الناس بخلق حسن.
محمد بن إبراهيم
ابن محمد بن إبراهيم البلفيقي ابن الحاج؛ والد شيخنا أبي
البركات. وقد مرّ في ذكر النسب المتصل بعباس بن مرداس،
والأولية النبيهة ما يغني عن الإعادة.
حاله
من خط ولده شيخنا على الاختصار؛ قال: يخاطبني في بعض ما كتب به إلي: ذكر أبي، وهو ممن طلبتم ذكره إلي في أخباره جزءاً من نحو سبعين ورقة في المقسوم، لخصت لك من مبيضته ما يذكر: نشأ رحمه الله بسبتة على طهارة تامة، وعفة بالغة، وصون ظاهر، كان بذلك علماً لشبان مكتبه. قرأ القرآن بالقراءات السبع، وحفظ ما يذكر من المبادي، واتسم بالطلب. ثم تاقت نفسه إلى الاعتلاق بالعروة الوثقى، التي اعتلق بها سلفه، فنبذ الدنيا، وأقبل على الآخرة، وجرى على سنن المتقين، أخذاً بالأشد من ذلك والأقوى، طامحاً بهمته إلى أقصى ما يؤمله السالكون. فرفض زي الطلبة، ولبس الخشنية، وترك ملابسة الخلق بالجملة، وبالغ في الانقباض عنهم، وانقطع إلى الله برباطات سبتة وجبالها، وخصوصاً بمينايها، وعكف على ذلك سنين؛ ثم سافر إلى المغرب، سايحاً في الأرض، على زي الفقهاء للقاء العباد وأهل العلم، فأحرز من ذلك ما شاء. ثم أجاز البحر إلى جزيرة الأندلس، وورد ألمرية، مستقر سلفه، وأخذ في إيثار بقايا أملاك بقيت لأسلافه بها، على ما كان عليه من التبتل والإخبات. وكان على ما تلقينا من أصحابه وخدانه، صواماً، قواماً، خاشعاً ذاكراً، تالياً، قوالاً للحق، وإن كان مراً كبيراً في إسقاط التصنع والمباهاة، لا يضاهى في ذلك، ولا يشق غباره. وقدم على غرناطة، ودخل على أمير المسلمين، وقال له الوزير، يقول لك السلطان ما حاجتك، فقال: بهذا الرسم رحلت، ثم ظهر لي أن أنزل حاجتي بالله، فعار على من انتسب إليه، أن يقصد غيره. ثم أجاز البحر وقد اشتدت أحوال أهل الأندلس؛ بسبب عدوهم، وقدم على مَلِكه، ووعظه موعظة، أعنف عليه فيها؛ فانفعل لموعظته، وأجاز البحر بسببه إلى جزيرة الأندلس، وغزا بها، وأقام بها ما شاء الله، [وتأدب الروم لو تم المراد]؛ قال، وأخبره السلطان أبو يوسف ملك المغرب؛ قا: ل كل رجل صالح دخل علي كانت يده ترعد في يدي؛ إلاّ هذا الرجل، فإن يدي كانت ترعد في يده عند مصافحته.
كراماته
وجلب له كرامات عدة، فقال في بعضها، ومن ذلك ما حدثني الشيخ المسلم الثقة أبو محمد قاسم الحصار؛ وكان من الملازمين له، المنقطعين إلى خدمته، والسفر معه إلى البادية؛ فقال: إني لأحفظ لأبيك أشياء من الأحوال العظيمة، منها ما أذكره، ومنها ما لا أستطيع ذكره. ثم قال: حدثني أهل وادي الزرجون، وهو حش من أعمال سبتة، قالوا: انصرف السيد أبو عبد الله من هنا؛ هذا لفظه؛ فلما استقر في رأس العقبة، المشرفة على الوادي؛ صاح عليه أهل القرى؛ إذ كانوا قد رأوا أسداً كبيراً جداً؛ قد تعرض في الطريق، ما نجا قط من صادفه مثله؛ فلما سمع الصياح؛ قال ما هذا، فقيل له أهل القرى يصيحون عليه خيفة من السبع؛ قال: فأعرض عنهم بيده، ورفع حاجبه كالمتكبر على ذلك، وأسكتهم، وأخذ في الطريق حتى وصل إلى الأسد، فأشار عليه بالقضيب؛ وقال له: من ها هنا.. من ها هنا.. أخرج عن الطريق؛ فخرج بإذن الله عن الطريق، ولم يوجد هنالك بعد. وأمثال ذلك كثيرة.
مشيخته
قرأ على الأستاذ أبي الحسين بن أبي الربيع القرشي، وأجازه والده أبو إسحق إجازة عامة. ومن شيوخه: القاضي المسن أبو عبد الله الأزدي، والمحدث أبو بكر بن مشليون، وأبو عبد الله بن جوهر، وأبو الحسين بن السراج، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الخزرجي، وأبو عبد الله بن الأبار، وأبو الوليد بن العطار، وأبو العباس ابن عبد الملك، وأبو إسحق بن عياش، وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن عطية، وأبو بكر القرطبي حُميد، وأبو إبراهيم الطرسي، والقاضي أبو عبد الله بن عياض، والكاتب أبو الحسن الرعيني، وأبو الحسن الشاري، وأبو يحيى بن الفرس، وأبو إسحق بن عبيد الله، وأبو الحسن الغزال، وجماعة من الأندلس غير هؤلاء. ومن أهل العدوة كأبي يعقوب المحاسبي وابن فرتون، وغيرهم.
محنته
نمي عنه إلى السلطان بالأندلس، أنه أغرى به ملك المغرب، وتخلص بعد لأي في خبر طويل، وانتهب السلطان ماله، وألحق أملاكه بالمختص واستمر. وذلك إلى دولة والده وامتحن الساعون به، فعجل الله عقوبتهم.
مولده
قال شيخنا: نقلت من خط أبيه ما نصه: ولد ابني أبو بكر محمد أسعده الله ووفقه، في النصف الأول من ليلة يوم الاثنين الحادي والعشرين لذي قعدة من سنة ست وأربعين وستماية.
وفاته
قال ألفيت بخط القاضي الأديب الكاتب أبي بكر بن شبرين؛ وكان ممن حضر جنازته بسبتة: وكانت وفاة الفقيه الناسك السالك الصالح أبي بكر محمد بن الشيخ الفقيه المحدث أبي إسحاق السلمي البلفيقي في العشر الأواخر من رمضان أربعة وتسعين وستماية بمحروسة سبتة، ودفن إثر صلاة العصر بجبانة الخروبة؛ من منارتها بمقربة من قبر ريحان الأسود؛ العبد الصالح؛ نفع الله به. وصلى عليه الإمام أبو عبد الله بن حريث.
محمد بن يحيى
ابن إبراهيم بن أحمد بن مالك بن إبراهيم بن يحيى بن عباد
النفزي؛ من أهل رندة؛ يكنى أبا عمرو، ويعرف بابن عباد، الحاج الصوفي.
حاله
نشأ ببلده رندة، وهو من ذوي البيوتات الأصلية بها، ثم رحل إلى المشرق، ولقي العلماء والصوفية، وحضر عند المشيخة، ثم كرَّ إلى الأندلس، فتصوف، وجال في النواحي، واطرح السموت، وفوت ما كان بيده من متاع الدنيا، وكان [له مال] له خطر، وألقى التصنع لأهله رأساً. وكان فيه توله وحدة، وله ذهن ثاقب، يتكلم في المعقولات والمنقولات، على طريقة الحكماء والصوفية، ويأتي بكل عبارة غريبة، وآثاره هايلة من غير تمكن علم ولا وثاقة إدراك، غير أنك لا تسمع منه إلا حسناً، وهو مع ذلك طواف على البلاد، زوار للربط، صبار على المجاهدة طوعاً وضرورة، ولا يسل ثياباً البتة إلا بذلة من ثوب أو غيره، صدقة واحد في وقته.
محنته وفضله وشعره
نُمِيَ عنه كلام بين يدي صاحب المغرب، أسف به مدبر الدولة يومئذ، فأشخص عند إيابه إلى رندة وسجن بسجن أرباب الجرائم، فكتب إلى ولي الأمر:
تركت لكم عز الغنى فأبيتم
وأن تتركوني للمذلة والفقر
ونازعتموني في الخمول وإنه
لذي مهجتي أحلى من البِنَى والأمر
ثم قال: يا من رماني بسهمه، الغرب، قد رد عليك مخضوباً بالدم. قال فو الله ما مرت ثلاثة، حتى نفذ حكم الله فيمن عدا عليه. وشعره حسن يدل على طبع معين، فمن ذلك:
سرى يسر إلي أنك تاركي
نفسي الفداء للطفك المتدارك
يا مالكي ولي الفخار بأنني
لك في الهوى ملك وأنك مالك
الترك هلك فاعفني منه وعد
بالوصل تحيي ذما محب هالك
وأعد جميلاً في الهوى عودتني
إن لم تعده إلي من للهالك
يا منية القلب الذي بجماله
فتن الورى من فاتك أو ناسك
أأتيه دونك أو أحار وفي سنى
ذاك الجمال جلا الظلام الحالك
ولكم سلكت إليك لكن حين لم
تكن الدليل اختل قصد السالك
ولقد عرفت بستر سري في الهوى
فهجرتني فكسيت ثوب الهاتك
ما الستر إلا ما يحوك رضاك لا
ما حاكه للبتر كف الحايك
ما الفضل إلا ما حكمت به فصن
وأهتك وصل إن شيت أو كن تارك
ما لي سوى حبيك يا حبي فدع
تركي فهلك الملك ترك المالك
وقال أيضاً:
هذا العقيق فسل معاطف بأنه
هل نسمة عادته من نعمانه
وأسأله إن زارته مإذا أخبرت
عن أجرع العلمين أو سكانه
وأصخ لحسن حديثها وأعده لل
مضني ففيه البرء من أشجانه
يا حبذا ذاك الحديث وحبذا
من قد رفاه وحبذا ببيانه
وسقى الآله زمانه ومكانه
ويعز قدر زمانه ومكانه
يا سعد ساعد مستهاماً فيه لا
ذقت الهوى ونجوت من عدوانه
وأصخ لما يتلو الوجود عليك من
أنبائهم بلسان حال كيانه
وأبنه لي واقبل ذمامي بشارة
ويقل بذل ذَمايَ في تبيانه
وسل النسيم يهب من واديهم
شذا خزاماه وطيب لبانه
ارحم بروح منه روحي تحيه
ويسقمه سقمي فديتك عانه
وبنشره انشر نفسك مشتاق قضت
شوقا لنفحة نسمة من بانه
يا سعد حدثني فكل مخبر
عن خسر من أهواه أو إحسانه
يا سعد حدثني فكل حديث عنهم
ويجل قدر الحب عن نسيانه
يا سعد طارحنيه واملأ مسمعي
من سره إن شئت أو إعلانه
أنا في الغرام أخوك حقا والفتى
لا يكتم الأسرار من إخوانه
قل كيف وادي ودّ سكان الحمى
ومنى أمانيه وروض لسانه
هل قلصت أيدي النوى من ظله
أو ما جرى هل عاث في جريانه
وهل الربوع أواهل بجمالهم
فسقى للربوع الودق من هتانه
وهل التقى بان على العهد النوى
وهل اللوى يلوي بعود زمانه
فبروض أنسهم غمدت نضارة
نزهت منها الطرف في بستانه
وأرى هجير الهجر أذبل يانعا
منه وأذوى الغض من ريحانه
وأحال حال الأنس فيه وحشة
وطوى بساط الأنس في هجرانه
آها ووالهفى يويحي أن مضى
عهد عرفت الأنس في أزمانه
وبأجرع العلمين من شرقيه
حب غذاني حبه بلبانه
حاز المحاسن كلها فجمعن لي
كل الهوى فحملت كل كوانه
وزها علي بعزة فبواجب
أزهو بذلي في يد سلطانه
وقضى بأن أقضي وليت بما قضى
يرضي فطيب العيش في رضوانه
واختار لي أن لا أميل لسلوة
عن حبه فسلوت عن سلوانه
يا عاذلي أو ناصحي أو لائمي
تبغي السلو ولات حين أوانه
غلب الغرام وعز السلطان الهوى
فالكل فيه علي من أعوانه
فعلام تعتب مستهاما كلما
في الكون عاذره على شيمانه
دع عنك لومي إنني لك ناصح
أبدى الجمال العذر عن هَيْمانه
وإذا الفتى قام الجمال بعذره
في الحب فاتركه وثني عنانه
من سام قلبي في هواه سلوة
قد سامه ما ليس في إمكانه
وقال في الغرض المذكور:
يا للرجال ألا حب يساعدني
في ذا الغرام فأبكيه ويبكين
غلبت فيه وما أجدت مغالبتي
وهنت والصب أولى الناس بالهون
ركبت لجته وجدي فأدهشني
ومِتُّ في يده فردا فدلون
واضيعة العمر والبلوى مضاعفة
ما بين يأس وآمال تُرَجِّين
والهف نفسي إن أودت وما ظفرت
في ذا الهوى بتمن أو بتأمين
فليت شعري وعمري ينقضي طمعاً
في[ذاالهوى] بين مغلوب ومغبون
هل الأولى ملكوا رقي وقد علموا
بذلي وافتقاري أن يواسون
فكم أكفكف دمعي بعدهم وأرى
مجدداً نار يأسي وهي تبلين
وكم أمر على الأطلال أندبها
وبالمنازل من خيف ودارين
وفي الفؤاد لهم ما ليس يعلمه
إلا هم علمهم بالحال يكفين
أهمي المدامع كي أروى فتعطشني
وألزم الذكر للسلوى فيشجين
وكل من لمحت عيني أسائله
عنهم فيغري بهم قلبي ويغريني
يا أهل نجد وفخري أن أحبكم
لا أطلب الوصل عز الحب يغنين
هل للهوى من سبيل للمنى فلقد
عزت أمانيه في الدنيا وفي الدين
تذكير
((الناشر))