Part V · Poetry
الشعر

وظيفة الشعر في الكتاب، وشعراء غرناطة، وشعر لسان الدين وموشحاته.

الشعر في الإحاطة: وظيفته ومنهج المؤلف

لماذا يفيض الكتاب بالشعر

«الإحاطة» كتاب تراجم، لكن قارئه يخرج بانطباع أنه ديوان مشروح. سبب ذلك ليس ولعًا شخصيًا من ابن الخطيب فحسب، بل بنية معرفية: في غرناطة النصرية كان الشعر هو وثيقة الرجل. لا سجلّ مدنيًا يثبت أن فلانًا كان وزيرًا مقرّبًا أو قاضيًا مرضيًّا؛ لكن قصيدة تهنئة قُبلت في المجلس السلطاني، أو مرثية قيلت على قبر، أو رسالة منظومة تُبودلت مع صاحب القلم الأعلى — هذه هي البرهان. ولذلك يبني ابن الخطيب الترجمة على نسق ثابت تقريبًا: نسب، ثم شيوخ، ثم خطط ووظائف، ثم «شعره» بوصفه الخاتمة التي تُثبت الدعوى كلها. الشعر عنده حجّة سيرية قبل أن يكون فنًّا.

وهو كذلك عملة اجتماعية. تكاد المدائح الموجَّهة إلى ابن الخطيب نفسه تكون شهادةَ دخولٍ إلى الكتاب: الفشتالي، ابن شلبطور، البلوي، ابن راجح، ابن البنا، وغيرهم — كلهم يُوثَّقون بقصيدة قيلت فيه هو. وهذه نقطة يجب أن تُقال بصراحة: الكتاب في جزء منه سجلّ لشبكة ولاءات الوزير، وشِعره المُختار فيه ليس دائمًا الأجود، بل الأدلّ على العلاقة.

معايير الاختيار

لا يعلن ابن الخطيب منهجًا في الانتقاء، لكنه يُستخرج من فعله. الأول: الأثر التاريخي — يورد الأبيات التي غيّرت مجرى حدث، كأبيات ابن طلحة التي أودت بحياته:

فقلت اصحب سوانا، نحن قوم … زنادقة مذاهبنا فنون

(ابن طلحة)

ومثلها همزيّة أبي إسحاق الإلبيري التحريضية التي سبقت مذبحة يهود غرناطة: يوردها لا لجمالها بل لأنها فعلت.

الثاني: الطرافة والبديهة، وهو ميل ظاهر عنده حتى في المواضع الجادّة: نوادر أبي البركات البلفيقي، مساجلة نزهون والمخزومي الأعمى، حتى رثاء الديك عند ابن المرابع. الثالث: التورية، وهو ذوقه المفضل بلا منازع، ويُفرِط فيه إفراطًا يجرّه أحيانًا إلى تسجيل الرديء لأنه ظريف.

الرابع، وهو أصدق معاييره: صدق الانفعال. حين يفلت من رسميّة المنصب يختار ما يُوجِع فعلًا.

الأغراض المهيمنة

المدح والرثاء يتقاسمان الصدارة عددًا في نصف الكتاب الأول، ثم يزحف الغزل والزهد في نصفه الثاني. لكن التوزيع الكمي مضلِّل، والحكم النقدي يقتضي فرزًا:

المدح هو أضعف ما في الكتاب. أطنان من التهاني بالفتوح والولايات، صياغة محكمة بلا حرارة، ومَن قرأ عشر قصائد منها فقد قرأها كلها. هو ضجيج بلاطي في معظمه، ويُنقذه استثناءان: مدح ابن هانئ بتشبيهاته الفلكية التي ما تزال مدهشة:

أليلتنا إذ أرسلت واردًا وحفا … وبانت لنا الجوزاء في أذنها شنفا

(ابن هانئ)

ووصف ابن زمرك، حيث ينزلق المدح إلى الوصف الخالص فيحيا فجأة، كأبياته في الزرافة.

الرثاء هو، على العكس، أعلى ما في الكتاب قيمة. هنا يسقط التكلّف. رثاء ابن الحدّاد أخاه:

شقيقك غُيِّب في لحده … وتُشرق يا بدرُ من بعده؟

(ابن الحداد الوادي آشي)

ورثاء ابن عبدون لبني الأفطس، وهو من عيون المراثي الأندلسية، يفتتحه ببيت يُلخّص فلسفة الكتاب كله في الزوال:

الدهر يفجع بعد العين بالأثر … فما البكاء على الأشباح والصور؟

(ابن عبدون)

ولا يبلغ ابن الخطيب أحدًا كما بلغ نفسه:

سهام المنايا لا تطيش ولا تخطي … وللدهر كفٌّ تستردّ الذي تُعطي

(ابن الخطيب في رثاء أبيه الشهيد بطريف)

الغزل أوسع الأغراض وأقلها إنتاجًا للنادر. أكثره نسيب تقليدي مُعاد. وينجو منه ما خرج عن القالب: أبيات حفصة الركونية بعد مقتل حبيبها على يد السلطان، حيث تتحوّل التورية من زينة إلى سلاح:

هدّدوني من أجل لُبس الحداد … لحبيبٍ أردَوه لي بالحِداد

(حفصة الركونية)

هذا بيت لا تصنعه الصنعة، بل تصنعه المأساة.

الزهد والتصوف كتلة ثقيلة، مكرورة المعنى غالبًا، تتركّز عند قلّة (ابن صفوان، الكلاعي، الششتري). لكنها تنتج أعمق ما في الكتاب فكريًا — بيت الرازي في إفلاس العقل:

نهاية إقدام العقول عِقال … وأكثر سعي العالمين ضلال

(فخر الدين الرازي)

وتحدّي ابن حزم لمحرقي كتبه، وهو من أشرف ما قيل في الأندلس:

فإن تُحرقوا القرطاس لا تُحرقوا الذي … تضمّنه القرطاس، بل هو في صدري

(ابن حزم)

ما يكشفه ذوقه

ذوق ابن الخطيب صنعوي: يعجبه المحكم البديع، ويطرَب للتورية والتجنيس، ويصبر على الطويل الرتيب إن كان متقن الحوك. وهو لهذا ينقل كثيرًا مما لا يستحق النقل. لكن له ميزتين تُنقذانه: الأمانة — يورد ما يُدين أصحابه ولا يجمّل، ويعترف بضعف الشعر أحيانًا (وصف شعر البلذوذي بالضعف)؛ والتصريح بالغياب — يقول إن الشاعر لا زجل له، ولا يخترع. ولافتٌ أن الكتاب، على أندلسيّته، شبه خالٍ من الأزجال، والموشحات فيه نادرة رغم أنه هو صاحب «جادك الغيث»: وهذا يكشف تراتبية ذوقه — العمود الخليلي وحده هو الشعر الجادّ الذي يليق بالتوثيق، والموشح متعة، والزجل سوقة.

كيف يحكم على الشعراء

حكمه ليس نقديًا بالمعنى الفني، بل أخلاقي وسياسي. يمدح صاحبه ويُنصفه، ويُدين المتلوّن، ويحتفظ للسخرية بمن يدّعي. وأصدق نقده هو ما جرّه على نفسه: في المنفى، وقبل قتله بقليل، لم يكتب مدحًا ولا وصفًا، بل كتب:

فقل للعِدا: ذهب ابن الخطيب … وفات، ومن ذا الذي لا يفوت؟

(ابن الخطيب في سجنه بفاس)

وهنا يتضح المفتاح: الرجل الذي ملأ كتابه بشعر الآخرين ليُثبتهم في التاريخ، انتهى إلى أن يستعمل الشعر ليُثبت نفسه — وهو، على كثرة ما جمع، لم يجد وسيلة أخرى.

شعراء غرناطة: أعلام ومختارات

الشعر في «الإحاطة» بحرٌ عريض ضحل في معظمه: مئات التراجم تُختم بقصيدة مدح أو مقطوعة نسيب، وأكثرها صناعةٌ لا شعر. لكن في هذا الركام أعلامًا معدودين تستحق أصواتهم أن تُفرَز وتُسمَع. ما يلي فرزٌ لا استعراض: من ينجو، ولماذا.

ابن الخطيب: الشاعر حين يتوقف عن المجاملة

مادحًا، ابن الخطيب صنيعةُ منصبه: مدائحه في أبي عنان وأبي سالم ويوسف الأول بلاغة موظَّف، مصقولةٌ باردة. وأراجيزه التاريخية («رقم الحلل»، «قطع السلوك»، «نظم الملوك») نظمٌ تسجيلي لا يُقرأ للذة. الشاعر الحقيقي فيه يظهر في موضعين فقط: حبّه لغرناطة، ونكبته.

«بلدٌ تحفّ به الرياضُ كأنّه. وجهٌ جميلٌ والرياضُ عِذارُه»

بيتٌ افتتح به كتابه، ويُحتمل أن يكون أشهر ما قاله. ثم، وقد نُفي وأُهدر دمه:

«جزتني غرناطةُ بعد ما ... جلوتُ محاسنَها بالجلا

كأني انفردتُ بقتل الحسين. وجرّدتُ سيفي في كربلا»

هنا يسقط الوزير ويبقى الرجل: مبالغةٌ مُرّة، وسخريةٌ من ذاته وممن نفوه معًا. وفي سجنه بفاس، متوقعًا القتل الذي وقع فعلًا:

«فقل للعدا: ذهب ابنُ الخطيب. وفات، ومن ذا الذي لا يفوت؟» (و)

هذا البيت وثيقةٌ ونصٌّ في آن: رجلٌ يكتب نعيَ نفسه ويعرف أنه سيصدُق. أما موشحته «جادك الغيث إذا الغيث همى» فهي أطول ما بقي منه في الذاكرة، ومفارقتها أنها معارضةٌ لابن سهل — أي أن أخلد ما لابن الخطيب مبنيٌّ على شعر غيره.

ابن الجياب وابن زمرك: شيخٌ وتلميذ في مطبخ الدولة

أبو الحسن بن الجياب (شيخ ابن الخطيب) أستاذ المدح الرسمي وأستاذ رثائه أيضًا؛ مرثيته في إسماعيل الأول تفتتح بنداءٍ صاخب: «أيا عبرةَ العين امزجي الدمعَ بالدم»، وهو صوتٌ مسرحي أكثر منه حزينًا. لكنه في خمريته الصوفية يصفو فجأة:

«هاتِ اسقِني صِرفًا بغير مزاج. واحْيِ التي هي راحتي وعلاجي»

وفي رثاء ابنه أبي القاسم يبلغ ما لا تبلغه مدائحه كلها. أما ابن زمرك — شاعر جدران الحمراء — فهو بارعُ الصنعة قليلُ الحرارة؛ نسيبه أنيق:

«إذا كان قلبي في يديك قِيادُه. فمالي عليك في الهوى أتحكّمُ»

ووصفه للزرافة طرفةٌ بديعية تكشف أن مهارته كانت تبحث عن موضوع. هذا شعرُ بلاطٍ أنيق، وينبغي أن يُسمّى باسمه.

ابن خاتمة والبلفيقي: أحياءٌ داخل التقليد

ابن خاتمة الأنصاري أغزر شعراء الكتاب غزلًا وأصدقهم نبرةً في الفراق:

«من لم يشاهدْ موقفًا لفراقِ. لم يدرِ كيف تولُّهُ العشّاقِ»

وأبو البركات البلفيقي أغربهم مزاجًا: فقيهٌ يكتب خمريةً في وجه الفقهاء —

«خذها على رغم الفقيه سُلافةً. تُجلى بها الأقمارُ في شمس الضحى»

— ويرثي كلبه قِطمير رثاءً جادًّا نصفَ الجِدّ. هذا التقلب بين الزهد والمجون والهزل هو أحيا ما في ديوان الرجل، لا زهدياته المكرورة.

النساء: أقصر القصائد وأقواها

الشاعرات في «الإحاطة» قليلات، وإنتاجهنّ أنقى من كثير مما حولهنّ. حفصة الرَّكونية، وقد قُتل حبيبها وأُمرت بترك الحداد:

«هدّدوني من أجل لُبْسِ الحِداد. لحبيبٍ أردَوْه لي بالحِدادِ»

جناسٌ ليس زينةً بل سلاح: الحداد الأسود مقابل حديد السيف، والتهمة تُرَدُّ على قاتليه. ونزهون بنت القُليعي تهجو المخزومي الأعمى بألفاظٍ لا تُطاق فُحشًا، لكنها في الوصف رقيقة كأي أستاذ: «البدرُ يطلع من أزِرَّتِه». وأم الحسن بنت الطنجالي تسجّل موقفًا نقديًّا كاملًا في بيت:

«الخطُّ ليس له في العلم فائدةٌ. وإنما هو تزيينٌ بقِرطاسِ»

المتقدمون: حيث يرتفع السقف

أعلى شعر الكتاب ليس لغرناطيّي عصر ابن الخطيب، بل لمن استعادهم من الماضي. المعتمد بن عبّاد في أسره:

«قبرَ الغريب سقاك الرائحُ الغادي. حقًّا ظفرتَ بأشلاء ابنِ عبّادِ»

وابن عبدون في رثاء بني الأفطس، بيتٌ يلخّص فلسفةَ زوالٍ كاملة:

«الدهرُ يفجع بعد العين بالأثرِ. فما البكاءُ على الأشباح والصُّوَرِ؟»

والرُّصافي حين تصير بلنسية جوهرة: «بلنسيةُ تلك الزُّمُرُّدة التي. تسيل عليها كلُّ لؤلؤةٍ نهرا». وابن حزم، وقد أُحرقت كتبه، فأجاب بأنقى بيتَي تحدٍّ في الأندلس:

«فإن تُحرقوا القرطاسَ لا تُحرقوا الذي. تضمّنه القرطاسُ، بل هو في صدري»

«أنا الشمسُ في جوّ العلوم منيرةٌ. ولكنّ عيبي أنّ مَطلعي الغربُ»

الزهد والتصوف: كتلة راكدة وقممٌ قليلة

الزهديات أكثر ما في الكتاب تكرارًا وأقلّه قيمة؛ عشرات القصائد تعيد المعنى نفسه. الناجي منها ما حمل فكرًا لا وعظًا: بيت فخر الدين الرازي في عجز العقل — «نهايةُ إقدامِ العقولِ عِقالُ. وأكثرُ سعيِ العالمين ضَلالُ» — وقصيدة الششتري في مراتب الصوفية والفلاسفة، وهي أهم نص فكري منظوم في الكتاب. وابن سبعين يختصر احتقاره للجدل: «كم ذا تموّه بالشِّعبين والعلمِ. والأمرُ أوضحُ من نارٍ على عَلَمِ».

الهامش الحيّ

آخر ما يستحق الإنقاذ هو الشعر الذي لم يُكتب لأحد: مالك بن المرحّل ينتصر للكلاب على البشر — «أرى الكلابَ بشتم الناس قد ظُلمت. والكلبُ أحفظُ مخلوقٍ لإحسانِ»؛ وابن مرج الكحل يهجو المحتلين بتوريةٍ قرآنية قاتلة: «دخلتم فأفسدتم قلوبًا بمُلككم. فأنتم على ما جاء في سورة النملِ»؛ ويحيى بن هذيل يوصي بقبره: «إذا مِتُّ فادفنّي حِذاءَ حليلتي. يخالطْ عظمي في الترابِ عظامَها».

الحكم الإجمالي: مدائح «الإحاطة» ضجيجُ بلاط في معظمها، وزهدياتها مُعادة، وأحياؤها الحقيقيون قلّة — امرأةٌ تُهدَّد فتردّ، وعالِمٌ تُحرق كتبه فيسخر، ووزيرٌ يكتب نعيَه في زنزانة.

شعر لسان الدين والموشحات والأزجال

أولا: الشاعر داخل كتابه

من الغريب أن أغزر شعراء «الإحاطة» حضورا هو مؤلفها. ابن الخطيب لا يترجم لنفسه ترجمة واحدة، بل يوزّع نفسه على الكتاب كله: يدخل في ترجمة شيخه شاعرا راثيا، وفي ترجمة سلطان مادحا، وفي ترجمة صديق معاتبا، وفي مقدمة الكتاب واصفا لغرناطة. والنتيجة أن ديوانه المبثوث في الكتاب هو أوثق ما يُقرأ من شعره، لأنه اختيار الشاعر لنفسه، ولأنه مؤرَّخ بالمناسبة والموضع.

وشعره هذا ثلاث طبقات لا طبقة واحدة، والحكم عليها بحكم واحد ظلم.

الطبقة الأولى: الشعر الرسمي، وهو أكثره كمّا وأقلّه قيمة. مدائح للسلاطين النصريين والمرينيين، وتهانٍ بالبيعة والفتح والختان، وأراجيز تاريخية طوال («رقم الحلل في نظم الدول»، «قطع السلوك»، «نظم الملوك») ينظم فيها الدول والسنين نظما. هذه الأراجيز ليست شعرا بحال؛ هي جداول تاريخية موزونة، ولا يظلمها القارئ إن تجاوزها. أما المديح فصنعة عالية بلا حرارة:

خليفة الله ساعد القدرُ ... علاكَ ما لاح في الدّجى قمرُ

— ابن الخطيب، في مدح أبي عنان المريني

بيت محكم، متين السبك، ولا شيء فيه لا يستطيعه عشرة سواه. وكذلك مدائحه النبوية الطوال، وهي أدخل في التقوى منها في الشعر.

الطبقة الثانية: البديع واللعب. هنا يبدأ ابن الخطيب في الحياة، لا لأن اللعب أشرف من الجدّ، بل لأنه يكتب فيه لنفسه لا لأحد. من ذلك التورية على أسماء الكتب والأعلام:

كتبتُ بدمع عيني صفحَ خدّي. وقد منع الكرى هجرُ الخليلِ

وراب الحاضرين، فقلت: هذا ... كتابُ «العين» يُنسب للخليلِ

— ابن الخطيب

وهذا صنف يُعجب ولا يُطرب. لكنه في قصيدته الهزلية عند قصر باديس — وقد نصّ هو نفسه على أنها للتفكّه لا للتوثيق — يبلغ حدّا لافتا في المجازفة، حين يجعل الخمرة موضع جدل عقدي مقصود الاستفزاز:

أيا عابدَ الناسوتِ، إنّا عصابةٌ. أتينا لتثليثٍ، بلى، ولتسديسِ

— ابن الخطيب

وهي — بصرف النظر عن قيمتها الفنية — وثيقة على أن الرجل الذي قُتل بتهمة الزندقة كان يعرف تماما أين يقف من الحدّ، ويقف عنده متعمّدا.

الطبقة الثالثة: الشعر الذي يُبقيه. وكلّه رثاء. هنا تسقط الصنعة، ويسقط معها السجع الذي يفسد نثره. رثاؤه زوجته يختصر في بيت واحد ما يعجز عنه الطوال:

فانتظريني، فالشّوقُ يُقلقني ... ويقتضي سرعتي وإعجالي

— ابن الخطيب

ورثاء أبيه، الشهيد في وقعة طريف، يبدأ ببيت حكميّ صارم لا نواح فيه:

سهامُ المنايا لا تطيش ولا تُخطي ... وللدّهر كفٌّ تستردّ الذي تُعطي

— ابن الخطيب

ورثاء إخوته الثلاثة يستعمل صورة واحدة قاسية: الزمان رامٍ، والإخوة سهام:

رماني بيعقوبَ الزمانُ، وبعده ... رماني بدرهامٍ، فيا لك سهمانِ

— ابن الخطيب

ثم شعر النكبة، وهو ذروة الديوان كله. عتابه لغرناطة بعد نفيه يجمع المرارة إلى الغرور في نَفَس واحد، ويكشف عن رجل يرى نفسه ضحية أمة:

جزتني غرناطةُ بعد ما ... جلوتُ محاسنَها بالجَلا

كأني انفردتُ بقتل الحسين ... وجرّدتُ سيفي في كربلا

— ابن الخطيب

التشبيه مفرط، بل هو غير محتمل: قياس نفي وزير على قتل الحسين إسراف أخلاقي واضح. لكن الإسراف نفسه هو الوثيقة: هكذا كان الرجل يرى نفسه. وأصدق من ذلك، وأعرى، أبياته في سجنه بفاس متوقعا القتل — وقد قُتل فعلا:

فقل للعدا: ذهب ابنُ الخطيب ... وفات، فمن ذا الذي لا يفوت؟

وكنّا شموسَ سماءِ العلا ... غربنَ، فناحت علينا البيوت

— ابن الخطيب

بيتان لا زخرف فيهما، ويعرف قائلهما أنه يكتب آخر ما يكتب. وهذا أصدق ما في «الإحاطة» من شعر، لمؤلفها أو لغيره.

ويبقى له خطّ ثالث يعانق هذا كله: غزله بالمكان. غرناطة عنده ليست موصوفا بل محبوبة، من مطلع الكتاب («بلد تحفّ به الرياض كأنّه. وجه جميل والرياض عذاره») إلى بيته الأشدّ:

تقسّم منك التّربَ قومي وجيرتي ... ففي الظّهر أحيائي، وبالبطن أمواتي

— ابن الخطيب

وهذا وحده يكفي ليُعدّ في شعراء الحنين الأندلسي الكبار.

ثانيا: الموشح — الفن الذي احتفى به الكتاب ولم يُورده

هنا مفارقة الكتاب الكبرى. ابن الخطيب من أعظم وشّاحي الأندلس، وهو يعرف قدر الفن ويصفه صراحة بأنه «الفن الأندلسي الذي انفرد باختراعه الأندلسيون». ومع ذلك فالموشح في «الإحاطة» شبه غائب: ثلاثة مواضع مصرَّح بها لا غير، كلها لابن الخطيب نفسه.

أشهرها معارضته لموشحة ابن سهل الإسرائيلي الإشبيلي:

جادك الغيثُ إذا الغيثُ همى. يا زمانَ الوصل بالأندلسِ

— ابن الخطيب

ولا يحتاج هذا المطلع إلى تزكية. جِدّته أنه يفعل ما لا يفعله شعره العمودي كله: يبكي زمنا لا شخصا، ويجعل الأندلس نفسها محبوبة راحلة. وله موشحتان أخريان في مدح بني نصر ويوسف، إحداهما فيها بيت من أحسن ما قال:

ليت نهرَ النهار لم يجرِ ... حكمَ اللهُ لي على الفجرِ

— ابن الخطيب

لكن الملاحظة الأهم نقدية لا جمالية: الكتاب يمدح التوشيح ولا ينقله. يقول عن العزفي إنه «برع في التوشيح»، ثم لا يورد له موشحة واحدة، بل أبياتا عمودية. وهذا نمط لا استثناء.

ثالثا: الزجل — الغياب بوصفه شهادة

الزجل يكاد يكون معدوما في «الإحاطة» بأكملها. وقد نصّ الكتاب صراحة على خلوّ مواضع منه. والشاهد الفاضح: ابن قزمان — إمام الزجل الأندلسي بلا منازع — يُترجَم له في تسع صفحات فلا يُورَد له إلا شعر عموديّ خليليّ، وزجل واحد هزلي يُطوى لفحش لفظه. أما الزجل الوحيد المسجَّل حقا فلابن خلصون، وهو حوار رمزيّ مع شفتيه، طريف الفكرة:

دعوتُ من شفتي رفقا على كبدي ... فقال لي: خُلق الإنسانُ في كَبَدِ

— ابن خلصون

ويبقى الششتري وحده يمثّل الروح الشعبية الصوفية بقصيدته في مراتب الصوفية والفلاسفة، وهي على العمود لكن بنفَس زجليّ غنائيّ بيّن.

فما معنى هذا الغياب؟ ليس معناه أن الأندلس لم تكن تُغنّي — بل معناه أن «الإحاطة» كتاب تراجم دولة، لا كتاب أدب شعب. الزجل باللسان العامي لا يدخل ترجمة قاضٍ ولا وزير؛ يدخلها العمود لأنه شهادة على المكانة. ولذلك ينبغي أن يُقرأ خلوّ الكتاب من الأزجال بوصفه معلومة عن الكتاب لا عن الأندلس. والمفارقة أن ابن الخطيب — الوزير الذي صفّى شعر الناس من العاميّ — هو نفسه صاحب «جادك الغيث»، أي أنه أدخل الفن الشعبيّ من باب البلاط بعد أن أغلق عليه باب الترجمة.