المصدر: «البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب» لابن عذاري المراكشي — الصفحات ١٤٢–١٩٥.
يبدأ هذا القسم عند نهاية قائمة ولاة إفريقية لبني أمية ومن بعدهم [ص ١٤٢]، ثم ينتقل إلى «ذكر صفة الأندلس وأوّليّتها» فيصف الجزيرة ويسوق أخبار أممها وملوكها قبل الإسلام [ص ١٤٢–١٤٣]، ومنه إلى دخول المسلمين سنة ٩١–٩٢ للهجرة، ثم إلى عصر الولاة الممتدّ من مقتل عبد العزيز بن موسى سنة ٩٧ إلى سقوط يوسف بن عبد الرحمن الفهري سنة ١٣٨، ثم إلى قيام الإمارة الأموية بقرطبة على يد عبد الرحمن بن معاوية سنة ١٣٨. وتُساق بعدها إمارات هشام الرضي (١٧٢–١٨٠) والحكم بن هشام (١٨٠–٢٠٦) وعبد الرحمن بن الحكم (٢٠٦–٢٣٨) ومحمد بن عبد الرحمن (٢٣٨–٢٧٣) والمنذر بن محمد (٢٧٣–٢٧٥). وتنتهي الصفحة ١٩٥ عند مطلع سيرة المنذر وعنوان «خلافة عبد الله بن محمد»، فأخبار عبد الله نفسه تقع خارج هذا القسم [ص ١٩٥].
الأندلس قبل الفتح، والخلاف في أوّل من دخلها
يفتتح ابن عذاري بوصفٍ هندسي: جزيرة مركّنة ذات ثلاثة أركان، ركنٌ عند صنم قادس، وركنٌ في بلاد جليقية، وركنٌ بناحية الشرق بين أربونة ومدينة برذيل [ص ١٤٢]. وأخبار الأمم التي سكنتها يسوقها كلّها بصيغة «وقيل»: قومٌ يُعرفون بالأندلش سمّيت بهم «وقيل إنهم كانوا مجوسًا»، ثم قومٌ من الأفارقة ودار ملكهم طالقة، ثم الإسبانية الذين بُنيت بهم إشبيلية، ثم عجم رومة والبشترلقات ودار ملكهم ماردة، ثم القوط وعدّتهم ستة عشر ملكًا آخرهم لذريق. ويفصل مصدره: «ووجدت في بعض كتب العجم أن آخر ملوك الأندلس كان يسمّى وخشندش»؛ ومنها أيضًا يأخذ أن رذريق «لم يكن من بيت المملكة، وإنما كان زنيمًا»، وخبرَ البيت الذي فتحه على كره النصرانية فوجد فيه صور العرب متنكّبةً قِسيّها وعليها مكتوب أن من يدخل الأندلس بعد ذلك سيكون على صورهم. ثم يقطع البحث بجملةٍ من عنده: «وهذا القدر كافٍ هنا» [ص ١٤٣].
ويلي ذلك أوضح مواضع منهجه في القسم كلّه. يذكر أربعة أقوال في دخول المسلمين: أن أوّل من دخلها الفهريَّان عبد الله بن نافع وعبد الله بن الحصين من جهة البحر زمن عثمان سنة ٢٧، ويسوق نصّ الطبري ويعقّب «هذا نصّه»؛ وأن موسى بن نصير افتتحها عام ٩١، «وهو قول الطبري أيضًا»؛ وأن طريفًا دخلها وفتحها عام ٩١؛ وأن طارقًا أوّل من دخلها سنة ٩١ ودخل موسى بعده سنة ٩٢. ثم لا يكتفي بالعرض بل يوفّق بين الأقوال بنفسه: للفهريَّين أثرٌ زمن عثمان، وطريف دخلها مغيرًا ونُسب فعله إلى موسى «نسبة فعل المأمور إلى الآمر» فصدق قول الطبري وقول الرازي معًا، وطارق دخلها «دخول المستفتح لها المكافح»، وموسى بعده متمّمًا للفتح [ص ١٤٤]. والسنة المنسوبة إلى طارق في هذا التوفيق (٩٢) تخالف ما أُثبت له في القول الرابع قبل أسطر (٩١)، ولا ينبّه النصّ على ذلك.
طارق بن زياد: العبور، ووقعة وادي لكّة، وفتوح المدائن
ينقل عن عَريب أن يُليان صاحب الجزيرة الخضراء داخَل موسى عام ٩١ على يد طارق عامله على طنجة، وأن موسى استشار الوليد بن عبد الملك — «إمّا مراسلة، وهو الأكثر الأظهر» — فأشار عليه بأن يختبرها بالسرايا ولا يغرّر بالمسلمين، فبعث طريفًا أبا زرعة في مائة فارسٍ وأربعمائة راجل في رمضان ٩١. وفي نسب طارق يجمع الاتّفاق والخلاف: «اتّفق الجميع فيما يظهر على أن متولّي كِبر فتح الأندلس وجلّه ومعظمه طارق بن زياد»، ثم «اختُلف في نسبه؛ فالأكثرون على أنه بربري من نفزة... وقال آخرون إنه فارسي». وينقل عن ابن القطّان خلافًا في مستقرّه — طنجة أو سجلماسة — وخلافًا في هل سار عن أمر موسى أو لأمرٍ دهمه، ثم يحسم: «والقول الأوّل هو المشهور المتّفق عليه» [ص ١٤٤].
وتتجاور ثلاث روايات لسبب العبور: رواية الرازي عن الواقدي، وفيها أن طارقًا داخَل يليان واجتمع له اثنا عشر ألفًا من البربر حملهم يليان في مراكب التجار حتى لا يشعر أهل الأندلس، فنزل الجبل يوم الاثنين لخمسٍ خلون من رجب سنة ٩٢؛ ورواية عيسى بن محمد من ولد أبي المهاجر في كتابه؛ ورواية ثالثة يصدّرها بـ«وذكر غير هؤلاء»، وفيها خبر ابنة يليان التي اغتصبها رذريق نفسها، فأحفظ ذلك أباها «وكتمه وارتصد به الأيام» [ص ١٤٥]. واختلاف الروايات في القتال يوازيه بغير ترجيح: عن عيسى أن رذريق زحف على سرير ملكه يحمله بغلان وأنه قُتل في وادي الطين؛ وعن الواقدي أنهم اقتتلوا من طلوع الشمس إلى غروبها، ويسند عن عبد الحميد بن جعفر إلى رجلٍ حدّث سعيد بن المسيّب: «لم يرفع المسلمون السيف عنهم ثلاثة أيام»؛ وعن الرازي أن الوقعة كانت على وادي لكّة من كورة شذونة، ابتداءً من يوم الأحد لليلتين بقيتا من رمضان، «فتمّت ثمانية أيام» [ص ١٤٥–١٤٦].
وفي مصير رذريق يقف عند حدّ ما ورد: «ولم يُعرف لرذريق موضع، ولا وُجدت له جثّة، وإنما وُجد له خفٌّ مفضّض؛ فقالوا إنه غريق، وقالوا إنه قُتل؛ والله أعلم». ثم يلخّص مواضع الخلاف صراحةً: كم أيام المزاحفة — «فقيل: يوم كامل، وقيل: يومان، وقيل: ثلاثة، وقيل: ثمانية» — وهل ظُفر برأسه أم مات غريقًا [ص ١٤٦]. وفتوح طارق تُساق مدينةً مدينة. قرطبة: بعث إليها مغيثًا مولى عبد الملك بن مروان في سبعمائة فارس، فدلّهم راعي غنمٍ على ثغرةٍ فوق باب القنطرة، وتحصّن بطريقها في نحو أربعمائة بكنيسةٍ غربي المدينة فحوصر ثلاثة أشهر ثم أسره مغيث وحده؛ ويعلّق: «ولم يُؤسر من ملوك الأندلس غيره» [ص ١٤٦–١٤٧]. ثم مالقة وغرناطة، ثم مرسية وهي تدمير، حيث أوقف علجُها النساء على السور ناشراتٍ شعورهنّ بأيديهنّ القصب ثم استأمن، فلمّا تمّ الصلح كشف عن نفسه، «فندم المسلمون وأمضوا على ما أعطوه من الأمان». ثم طليطلة، ووجدها خالية إلا من اليهود، ثم مدينة المائدة. ويعقّب بما يبيّن مصدر الترجيح: «هكذا آثر الناس هذا كلّه على أن طارقًا صنعه. وقال آخرون: بل أقام طارق حيث كانت الوقعة وجاز إليه موسى. وقيل: بل وجده بقرطبة» [ص ١٤٧].
موسى بن نصير: الفتح الثاني، ولقاؤه بطارق
دخل موسى في رمضان ٩٢ ومضى غازيًا حتى انتهى إلى مدينة لوطون من مدن إفرنجة، فضاق المسلمون وخافوا أن يُحاط بهم فقفل بهم. ويُدخل هنا شاهدًا من مؤلّفٍ آخر: «قال مؤلّف كتاب بهجة النفس: ورأيت في بعض كتب العجم» أن المسلمين انتهوا إلى لوطون قاعدة الإفرنج ولم يبق شيء لم يتغلّبوا عليه «إلا جبال قرقوشة وجبال بنبلونة وصخرة جليقية»، ثم خبر الثلاثمائة الذين بقوا في الصخرة حتى استقلّهم المحاصرون فتركوهم، «فلم يزالوا يزدادون حتى كانوا سبب إخراج المسلمين من جليقية، وهي قشتيلة» [ص ١٤٨]. وفي سبب جوازه يعرض أربعة أقوالٍ ينسبها إلى ابن القطّان: تعدّي طارق ما أُمر به، أو تجاوزه موضع هزيمة لذريق، أو الحسد له على ما أصاب من الفتوح، أو أنه جاز باستدعاء طارق إيّاه. ويروي عن الرازي عن الواقدي أن موسى خرج في عشرة آلافٍ مغضبًا ورفض سلوك طريق طارق، فسار إلى شذونة فافتتحها عنوة «وهي أوّل فتوحاته»؛ ثم قرمونة، ولم يكن بالأندلس أحصن منها، فقيل له: «لا تُؤخذ إلا باللطف والحيل»، فقدّم إليها علوجًا أتوها في هيئة المنهزمين حتى فتحوا الباب ليلًا [ص ١٤٨].
ثم إشبيلية، «وهي من أعظم قواعد الأندلس شأنًا وأتقنها بنيانًا»، وكانت دار ملك روم رومة قبل غلبة القوطيين، فحاصرها أشهرًا ثم فُتحت. ثم ماردة، إحدى القواعد الأربع «التي ابتناها أكتبيان قيصر» وهي قرطبة وإشبيلية وماردة وطليطلة؛ وفيها برج الشهداء، ورسل الصلح الذين وجدوا موسى أبيض الرأس واللحية، ثم محمّرهما بالحنّاء، ثم مسوّدهما يوم الفطر، فقالوا: «إنكم تقاتلون أنبياء يتشبّبون بعد المشيب!»، وانعقد الصلح مستهلّ شوّال ٩٤. وفي أثناء الحصار ثار عجم إشبيلية وارتدّوا وقتلوا نحو ثمانين رجلًا، فبعث موسى ابنه عبد العزيز فافتتحها ثانية [ص ١٤٩]. وفي موضع اللقاء بطارق يوازن بين ثلاثة أسانيد: «اتّفق الأكثرون على أن التقاءهما كان على طليطلة. وذكر الطبري أنه كان على قرطبة. وذكر الرازي» أنه لقيه بمقربة من طلبيرة. وفي قسوة موسى يتدرّج النقل: «فوبّخه موسى وغضب عليه. وقيل إنه وضع السوط على رأسه؛ وقيل إنه ضربه أسواطًا كثيرة وحلق رأسه»، ثم يعرض تفسيرَي الحادثة بلا فصلٍ بينهما: «فقيل: إنما فعل ذلك بغيًا ونفاسة عليه... ومنهم من عذره» بأنه إنما فعله لتقدّم طارق دون رأيه وتغريره بالمسلمين [ص ١٤٩–١٥٠].
ما أفاء الله على فاتحي الأندلس، ومصير موسى وابنه
يخصّ ابن عذاري الغنائم بفصلٍ مستقلّ يبنيه على قطعٍ متفرّقة الأسانيد. رأسها مائدة سليمان، «قيل إنها كانت من ذهبٍ وفضة خليطين، مطوّقة بثلاثة أطواق: طوق لؤلؤ وطوق ياقوت وطوق زبرجد»، حُملت على بغلٍ عظيم فما بلغت مرحلة حتى تفتّحت قوائمه؛ ومنها ياقوتة ذي القرنين وُجدت بماردة؛ ومنها البيتان بطليطلة، وفي أحدهما أربعة وعشرون تاجًا بعدد ملوكهم على كل تاجٍ اسم صاحبه ومبلغ سنّه. ويعلّل وجود المائدة بطليطلة برحلةٍ طويلة: أخذها ملك الروم من بيت المقدس، ثم دُفعت لأهل مصر فحملتها الأساقفة إلى الإسكندرية، ثم فرّوا بها من عمرو بن العاصي إلى إطرابلس، ثم إلى قرطاجنة، ثم إلى طليطلة، «ولم يجدوا حيث يهربون بها بعدها» [ص ١٥٠].
ويوثّق سعة الغنيمة بشواهد شخصية لا بأرقامٍ مجملة: قول أبي شبة الصدفي إنه رأى رجلين قطعا طنفسة منسوجة بالذهب واللؤلؤ بالفأس نصفين، ثم رأى الناس يمرّون على نصفها فلا يلتفتون إليه «اشتغالًا بما في أيديهم ممّا هو أرفع منها»؛ وقول شيخٍ من المدينة: «كنت ممّن اشترى بها بحبّات فلفلٍ أقلّ من القبضة ما يساوي عددًا» [ص ١٥٠]. وينقل عن الليث بن سعد أن خُمس سبايا موسى بلغ ستين ألفًا، «فلم يُسمع بمثل سبايا موسى في الإسلام» [ص ١٥٣]. ولمّا انصرف عن قرطبة حوّل وجهه إليها فقال: «واهًا لكِ يا قرطبة!... ولعنكِ الله بعد الثلاثمائة سنة!» [ص ١٥٠–١٥١]. ثم تُروى نكبته بالمشرق مطوّلة: مسابقة كتاب الوليد وكتاب سليمان، وكسر الوليد للمائدة، وتعنيف سليمان له وإيقافه في يومٍ صائف حتى سقط مغشيًّا عليه، وافتداؤه بمالٍ كثير «قيل: ألف ألف دينار، وقيل غير ذاك»؛ وفي محاورة سليمان له وصفٌ للأمم بلسانه: البربر «أشبه العجم بالعرب... غير أنهم أغدر الناس»، وأهل الأندلس «ملوك مترفون، وفرسان لا يخيبون» [ص ١٥١–١٥٢].
أما مقتل عبد العزيز فيعرض له بروايتين وحكمٍ صريح بينهما: الأولى أنه تزوّج أمّ عاصم امرأة رذريق — واسمها أيلة — فحملته على اتّخاذ تاج، فقال الجند «قد تنصّر» فقتلوه، ويردّها ردًّا مباشرًا: «وأكثر الناس على أن هذه الحكاية لا تصحّ، وإنما قتلوه بأمر سليمان لهم بذلك إذ نكب والده»؛ والثانية للواقدي، وفيها ابنة رذريق والباب القصير الذي يدخل منه الناس منكّسي رؤوسهم. ويسوق قول الرازي في تقويمه: «وكان من خير الولاة، إلا أن مدّته لم تطُل لوثوب الجند عليه»، وأن قتله كان صدر رجب سنة ٩٧ بمسجد رُفينة بإشبيلية، ثم حكمًا عامًّا عن الرازي: «فكانوا يعدّون فعل سليمان هذا بموسى وابنه من كبار زلّاته التي لم تزل تُنقم عليه» [ص ١٥٣].
عصر الولاة: من أيوب بن حبيب إلى عقبة بن الحجاج
مكث أهل الأندلس شهورًا لا يجمعهم والٍ حتى اجتمعوا على أيوب بن حبيب اللخمي ابن أخت موسى، وفي ولايته نُقلت دار السلطان إلى قرطبة، وكانت ولايته ستة أشهر؛ ثم وجّه عاملُ إفريقية الحرَّ بن عبد الرحمن الثقفي في أربعمائة رجل سنة ٩٩، فبقي ثلاث سنين ونقل الإمارة من إشبيلية إلى قرطبة [ص ١٥٣–١٥٤]. وولاية السمح بن مالك الخولاني يجعلها ولايةَ تنظيمٍ لا فتح: ولّاه عمر بن عبد العزيز وأمره «أن يحمل الناس على طريق الحقّ... وأن يخمّس ما غُلب عليه من أرضها وعقارها، ويكتب إليه بصفة الأندلس وأنهارها». وينقل خبرًا لافتًا: «وكان رأيه نقل المسلمين منها وإخراجهم عنها، لانقطاعهم عن المسلمين واتّصالهم بأعداء الله الكفّار»، فقيل له إن الناس قد كثروا بها وانتشروا في أقطارها «فأضرب عن ذلك»؛ وفي هذه الولاية أُفردت الأندلس عن ولاية إفريقية «اعتناءً بأهلها وتهمّمًا بشأنها». وفي سنة ١٠١ ورد كتاب عمر يأمره ببناء القنطرة بصخر السور وبناء السور باللبن وإخراج خُمس قرطبة، «فخرج من الخمس البطحاء المعروفة بالربض» فأُمر أن تُتّخذ بها مقبرة للمسلمين. وقُتل السمح بطرسونة يوم عرفة سنة ١٠٢، وفي مدّته اختلاف: «سنتين وأربعة أشهر. وقيل: ثمانية أشهر؛ وقيل: ثلاث سنين» [ص ١٥٤].
ثم يمضي السرد على وتيرة الفهرسة السريعة مع تكرار «وقيل غير ذلك» عند كل مدّة: عبد الرحمن الغافقي في ذي الحجة ١٠٢؛ وعنبسة بن سُحيم الكلبي أربع سنين وثمانية أشهر، غزا سنة ١٠٥ «وأهلها يومئذ خيار فضلاء أهل نيّةٍ في الجهاد»، وتوفّي شعبان ١٠٧؛ ويحيى بن سلمة الكلبي آخر سنة ١٠٩؛ وحذيفة بن الأحوص «الأشجعي، وقيل: القيسي» سنة ١١٠؛ وعثمان بن أبي نسعة الخثعمي خمسة أشهر «وقيل: ستة»؛ والهيثم بن عبيد الكناني في صدر سنة ١١١، «وكانت ولايته عشرة أشهر؛ وقيل غير ذلك؛ وهو الذي غزا منوسة»، ثم يعيد: «وقيل: سنة وشهران؛ ثم توفّي» — وترجمة الهيثم لا تحمل عنده سوى المدّة المختلَف فيها وغزوةٍ واحدة؛ ومحمد بن عبد الله الأشجعي شهرين؛ والغافقي ثانية في صفر ١١٢ حتى استُشهد في رمضان ١١٤؛ وعبد الملك بن قطن الفهري [ص ١٥٥–١٥٦]. وتنفرد ولاية عقبة بن الحجّاج السلولي (شوّال ١١٦) بترجمةٍ موسّعة، سببها أن أباه كان قد أعتق أبا عبيد الله بن الحبحاب والي مصر وإفريقية والأندلس، فلمّا وفد عليه مولاه عقبة خيّره في ولاية ما شاء فاختار الأندلس. وفتح أربونة وجليقية وبنبلونة، وضيّق على ملك جليقية في الصخرة حتى صاروا ثلاثين رجلًا، ثم «أعيا المسلمين أمرهم فتركوهم». ويقول: «وأقام عقبة بالأندلس بأحسن سيرةٍ وأجملها وأعظم طريقةٍ وأعدلها»، حتى قُتل ببلاط الشهداء [ص ١٥٦].
بلج بن بشر وفتنة العصبية، ثم يوسف الفهري والصميل
يبني خبر بلج على ابن القطّان، ويبدأه من ندب هشامٍ كلثومَ بن عياض لقتال البربر في ثلاثين ألف فارس، ويفسّر أمره بتحصين إفريقية برواية سياسية: «إذ كانوا يجدون في الروايات أن ملكهم يزول، وأن ملك بني العباس لا يجاوز الزاب. فتوهّمته بنو أمية زاب مصر، وإنما كان زاب إفريقية». فلمّا قُتل كلثوم صار الأمر إلى ابن أخيه بلج بالعهد، ولجأ فلّهم إلى سبتة حتى أكلوا دوابّهم، فأبى عبد الملك بن قطن إدخالهم، ثم اضطرّه تطاول البربر بالأندلس إلى إدخالهم بشرط مقام سنةٍ واحدة، وأخذ رهائنهم فأنزلهم بجزيرة أمّ حكيم. ودخولهم يُصوَّر في جملة: «ثم أدخل بلجًا وأصحابه عراة لا يواريهم إلا دوابّهم»، وكانوا نحو عشرة آلاف من عرب الشام فكساهم عرب الأندلس على قدر أقدارهم. ثم كانت هزيمة البربر الكبرى بوادي سليط من حوز طليطلة [ص ١٥٦–١٥٧].
ويقدّم ولاية بلج بصيغة إسنادٍ مبهمة: «قال من له عناية بالأخبار: دخل بلج الأندلس سنة ١٢٣ في ذي القعدة منها». ومقتل ابن قطن يُروى بتفصيلٍ قاسٍ: كان شيخًا هرمًا بلغ التسعين وقد حضر يوم الحرّة، فأخرجه الجند من داره «كأنه فرخ نعامةٍ من الكِبر» وهم ينادونه: «أفلتَّ من سيوفنا يوم الحرّة... ثم أردت إخراجنا إلى القتل!»، ثم قتلوه وصلبوه «وصلبوا خنزيرًا عن يمينه وكلبًا عن شماله» [ص ١٥٧]. وفي مقتل بلج نفسه يُظهر ترجيحًا صريحًا: أبو عمر السالمي في «درر القلائد» يقول إن عبد الرحمن بن علقمة فوّق سهمًا فأصاب مقتله، و«بهجة النفس» يقول إنه قتله بالسيف وإن ولايته ستة أشهر — «والأوّل أصحّ» [ص ١٥٧–١٥٨]. وفي ثعلبة بن سلامة العاملي يضع روايتين متعارضتين في التقويم متجاورتين وينسب كلًّا منهما: «فسار بأحسن سيرة... هذا مساق ابن القطّان. ومن درر القلائد: كان يبيع ذراري أهل البلد، ويحملهم أسرى، ويُرهقهم من أمرهم عسرًا».
وقدوم أبي الخطّار الحسام بن ضرار الكلبي في محرّم ١٢٥ يُصوَّر إنقاذًا: ألفى ثعلبة بالمصارة ومعه الأسرى «قد اشتبك في الحبال الولد بالوالد»، فأمر بإطلاقهم، «فسُمّي ذلك العسكر عسكر العافية». وأهمّ ما فعله توزيع أجناد الشام على الكور: دمشق بالبيرة، والأردن برية، وفلسطين بشذونة، وحمص بإشبيلية، وقنسرين بجيّان، ومصر بباجة، «وكان إنزالهم على أموال العجم من أرضٍ ونعم». ثم يحدّد سبب سقوطه تحديدًا عصبيًّا لا شخصيًّا: «وتعصّب لليمانية واعتزل قيسًا؛ فكان ذلك سبب توثّب الصميل بن حاتم عليه مع مضر» [ص ١٥٨]. وترجمة الصميل تُنقل عن «بهجة النفس»: جدّه شمر قاتل الحسين، قتله المختار بن أبي عبيد، فصار ولده في جند قنسرين، «فرأس الصميل بالأندلس وفاق بالنجدة والسخاء»؛ ولمّا أهانه أبو الخطّار رسم خطّته بعبارةٍ تكشف حسابه: «سأتلطّف... وأقدّم رجلًا يكون له الاسم ولنا الحظّ» [ص ١٥٩].
ثم تراضى أهل الأندلس على يوسف بن عبد الرحمن الفهري «لشغل أمير المؤمنين مروان بن محمد بالمشرق عنهم»، ووقعة شقندة بينه وبين أبي الخطّار تُوصف بنثرٍ مسجوع: «فلم يُعهد حربٌ مثلها في المسلمين بعد حرب الجمل وصفّين» [ص ١٥٩]. ويلخّص العلاقة بين يوسف والصميل في عبارةٍ صارت خلاصة الفصل: «فكان ليوسف الاسم، وللصميل الرسم». ولمّا ثقُل عليه ولّاه سرقسطة سنة ١٣٣ ثم «قعد يوسف عن إغاثته... رغبةً في تلافه وهلاكه» — وهو تعليل نيّةٍ يذكره بلا إسناد، ويتبعه فورًا باختلافٍ في تسمية الثائرين عليه هناك. وتُختم المرحلة بسنوات المحل: أمحلت الأندلس سنة ١٣١ وتمادى المحل إلى ١٣٨، فخرج أكثر الناس إلى طنجة وريف العدوة، «وكانت إجازتهم من وادي شذونة، وهو المعروف بوادي برباط؛ وبه سمّيت السنة» [ص ١٦٠].
قيام الإمارة: عبد الرحمن بن معاوية، وثوراته
يمهّد ابن عذاري بمبحثٍ كلّيّ عنوانه «جامع أخبار بني أمية بالمشرق»، ويعرض فيه مسألةً نظرية: هل انقطعت دولتهم بمقتل مروان ثم جدّدها الداخل، أم كانت متّصلة؟ ويبني القول الثاني على أن عهد عبد الرحمن بن حبيب صاحب إفريقية وصل إلى يوسف الفهري، ثم يعلّق بصوته: «فتأمّل هذا؛ فإنه إن صحّ نكتةٌ غريبة وفائدةٌ عجيبة». ويُدخل نصًّا طويلًا لأبي محمد بن حزم في المفاضلة بين الدولتين: بنو أمية «دولة عربية، لم يتّخذ ملوكها قاعدة لأنفسهم»، ودولة بني العباس «أعجمية: سقطت فيها دواوين العرب، وغلب عجم خراسان على الأمر، وعاد الأمر ملكًا عضوضًا كسرويًّا»؛ ويختم ابن حزم بحكم: «وبهدمها انهدمت الأندلس إلى الآن، وذهب بهاء الدنيا بذهابها» [ص ١٦١].
ورحلة عبد الرحمن تُروى في مواضع منها بلسان مولاه بدر بصيغة المتكلّم: «فأدركته في الطريق، ووجّهتني إليه أمّ الأصبغ أخته شقيقته بدنانير وشيءٍ من الجوهر». ويسند إلى عبد الرحمن نفسه خبر مسلمة بن عبد الملك عند جدّه هشام: «دعه يا أمير المؤمنين! فإنه صاحب بني أمية ومحيي دولتهم بعد زوالها» [ص ١٦١–١٦٢]. ودخل الأندلس سنة ١٣٨ في غرّة ربيع الأوّل بموضعٍ يُعرف بالمنكب، ثم نزل قرية طرش من كورة إلبيرة، ويورد فصولًا من كتاب يوسف الفهري إليه بنصّها [ص ١٦٣]. ثم يحوّل الرواية إلى شاهد عيان — «قال ابن عيسى: فحدّثني تمام بن علقمة» — فيمضي النصّ بضمير الجماعة المتكلّمة: «وأقمنا معه ستة أشهر نبرم له أموره ونكاتب له الناس... فدخلنا رية في ستمائة فارس، وخرجنا منها في ألفي فارس؛ وخرجنا من إشبيلية إلى قرطبة في ثلاثة آلاف فارس» [ص ١٦٤]. ثم انهزم الفهري في وقعة المصارة على نهر قرطبة، وتمّت البيعة العامة يوم الأضحى سنة ١٣٨.
ويلتزم المؤلّف في مطلع كل إمارةٍ قالبًا ديوانيًّا ثابتًا: النسب والكنية والأمّ والمولد والوفاة ومدّة الحكم، ثم الوزراء والحجّاب والقضاة والكُتّاب، ثم نقش الخاتم والصفة الجسدية وعدد الولد. فعبد الرحمن أبو المطرّف، أمّه بربرية من سبي المغرب تسمّى راحًا أو رداحًا، ومولده بدير حسينة من دمشق سنة ١١٣، وصفته «طويل القدّ، أصهب، أعور... له ضفيرتان. وكان يسمّى صقر بني أمية» [ص ١٦٤–١٦٥]. ثم يتحوّل السرد إلى حوليّةٍ صارمة: سنةً بعد سنة، وثائرًا بعد ثائر. سنة ١٣٩ حاصر الفهري بغرناطة فأمّنه وأمر بلعن المسوّدة وقطع الدعاء لأبي جعفر المنصور؛ وسنة ١٤٢ كان مقتله ونُصب رأسه على جسر قرطبة، «وتوفّي الصميل في الحبس؛ وقيل إنه خُنق»، وتتوالى في مقتل يوسف ثلاث روايات متعارضة في القاتل وفي النيّة، إحداها أنه «لم ينكث بغيًا وإنما خوفًا» [ص ١٦٥–١٦٦]. ومن أوسع ثوراته ثورة العلاء بن مغيث الجذامي بباجة سنة ١٤٦ ونشره الأعلام السود «إلى أن كادت دولة الأمير أن تنصرم»، ثم حُمل رأسه في سفطٍ إلى مكة فقال المنصور: «الحمد لله الذي جعل البحر بيننا وبين هذا الشيطان». ويعقّب: «هذا مساق السالمي في درر القلائد»، ثم يورد رواية «بهجة النفس» المخالفة في الموضع والعدد ومصير الرؤوس، وينهي بـ«وقيل إن الذي هزم العلاء بدرٌ مولى عبد الرحمن بن معاوية، والله أعلم» [ص ١٦٦]. وتتلوها ثورات هشام بن عروة بطليطلة، وسعيد البحصي المطري، والداعي «الفاطمي» — رجلٌ من البربر من مكناسة ادّعى أنه من ولد الحسن لأن أمّه تسمّى فاطمة — وتمادت فتنته من ١٥٠ إلى ١٦٠ [ص ١٦٧]. وسنة ١٧٠ أمر بتأسيس المسجد الجامع بحضرة قرطبة، «وكانت بموضعه كنيسة»، وتوفّي سنة ١٧٢ [ص ١٦٩].
هشام الرضي والحكم بن هشام
بويع هشام أبو الوليد مستهلّ جمادى الأولى ١٧٢ وكان بماردة فوصل قرطبة بعد ستة أيام، وأخوه سليمان بطليطلة وكان أكبر سنًّا فخالفه فهُزم. ويورد وصية عبد الرحمن لابنه عبد الله البلنسي: «من سبق إليك من إخوتك فارمِ إليه بالخاتم والأمر! فإن سبق إليك هشام فله فضل دينه وعفافه... وإن سبق إليك سليمان فله فضل سنّه ونجدته وحبّ الشاميين إليه» [ص ١٧٠]. وسنة ١٧٤ طلب سليمان الأمان فاشترط عليه هشام الخروج عن الأندلس وأعطاه ستين ألف دينار. وغزوات هذه الإمارة تُساق بأرقام رؤوس: تسعة آلاف رأس في ألبة والقلاع سنة ١٧٦، وعشرة آلاف في لقاء يوسف بن بخت مع برمود الكبير، «ذكر ذلك الرازي وغيره». وفي غزوة سنة ١٧٧ يرد أوّل ذكرٍ للمجوس في هذا القسم عرضًا: انتهى القائد إلى إفرنجة وثلم أسوارها بالمجانيق «وأشرف على بلاد المجوس»؛ ويردون ثانيةً سنة ١٧٩ في تحالفٍ لا في غارة، إذ حشد إذفونش بلاده «واستمدّ البشكنش وأهل تلك النواحي التي عليه من المجوس وغيرهم» [ص ١٧١].
وسيرة هشام تُروى بلغة الفضائل: بعثه إلى الكور قومًا عدولًا يسألون الناس عن سِير العمّال، وقصّة المتظلّم الذي أمره أن يحلف على كل ما ظُلم فيه ثم يقتصّ بمثله من العامل، «فكان زجره هكذا لعمّاله أبلغ فيهم من النكال والأدب». وينقل عن ابن وضّاح أن هشامًا لمّا بنى قنطرة قرطبة قيل «إنما بناها لتصيّده ونزهته»، فحلف ألا يجوز عليها إلا لغزوٍ أو مصلحة؛ وعن القاضي أبي معاوية: «أدركتُ صدرًا من الناس يحكون أن أيام هشام هذا كانت من الدعة والعافية والهدوء بحيث لم يُعلم لها مثل» [ص ١٧٢].
وإمارة الحكم (٨ صفر ١٨٠) تقوم على ثلاث كتل: منازعة عمّيه، وضبط طليطلة، ثم أهل الربض. أما سليمان فجاز من العدوة سنة ١٨٢ فهُزم مرارًا حتى أُخذ أسيرًا سنة ١٨٤ فقُتل، وأما عبد الله البلنسي فانعقد أمانه سنة ١٨٧ على ألف دينار كل شهر [ص ١٧٤]. وأما طليطلة فيروى فيها فعل عمروس بن يوسف الذي «سعى في قتل رجال طليطلة وقطع شرّهم وحسم دائهم توطيدًا للمملكة»، فأعدّ صنيعًا أظهر أنه يذبح فيه البقر وجعل الدخول من بابٍ والخروج من باب، «فكان كلّ من دخل وتجاوز الباب قُتل، حتى أفنى من أشرافهم سبعمائة». ويعود الحكم بعد سنين فيدخلها بالخديعة: أظهر الغزو إلى تدمير حتى اطمأنّ أهلها، ثم طوى المراحل فدخلها ليلًا «وأهلها في غفلةٍ وأبوابها مفتّحة... دون مؤونةٍ ولا قتال» [ص ١٧٥–١٧٦].
وأهل الربض هو الموضع الذي يتخلّى فيه ابن عذاري عن الحياد أظهرَ ما يكون. يفتتحه بقوله: «كان من أهل ربض قرطبة في هذه السنة ما نستعيذ بالله من الخذلان في مثله»، ثم يذكر أن الروايات اختلفت في سبب الهيج، فمنهم من يقول إن أصله «الأشر والبطر، إذ لم يكن ثمّ ضرورة من إجحافٍ في مال ولا انتهاكٍ لحرمة»، ثم يحكم بنفسه: «والحال تدلّ على صحة ذلك: فإنه لم يكن على الناس وظائف ولا مغارم ولا سُخَر ولا شيء يكون سببًا لخروجهم على السلطان» [ص ١٧٦]. وفي وقعة ٢٠٢ أُخذ ثلاثمائة رجل فصُلبوا «صفًّا واحدًا من المرج إلى المصارة». ثم يوازن بذكر العفو: عزم الحكم على تتبّعهم بالأندلس «فكسر عليه بعض أصحابه وذكّره صنع الله له فيهم؛ فارعوى وكفّ»، وخرجوا أفواجًا، ومنهم من احتلّ بعدوة فاس «فصيّروها مدينة»، ومنهم أهل جزيرة إقريطش [ص ١٧٧]. وسيرته تجمع النقيضين بلا تلطيف: «وكانت فيه بطالة، إلا أنه كان شجاع النفس، باسط الكفّ، عظيم العفو. وكان يسلّط قضاته وحكّامه على نفسه» [ص ١٧٨].
عبد الرحمن بن الحكم، ودخول المجوس إشبيلية سنة ٢٣٠
بويع عبد الرحمن بعد موت أبيه بيومٍ واحد وهو ابن ثلاثٍ وعشرين سنة، وتوفّي سنة ٢٣٨؛ وبلغ قضاته أحد عشر، وسبب كثرتهم أن المشاور في عزلهم وولايتهم كان يحيى بن يحيى الليثي، «فكان لا يولّي رجلًا إلا برأيه» [ص ١٧٩]. وأهمّ فتنةٍ داخلية في عهده فتنة تدمير بين مضر ويمن، دامت سبع سنين، وسببها يذكره بجملةٍ تحمل حكمًا: «وكان انبعاث هذه الفتنة وسببها... على ورقة داليةٍ أخذها مضريّ من جنانٍ يمانيّ؛ فقتله اليماني... وذلك أحد عجائب الدهر». وفي طليطلة ثار هاشم الضرّاب سنة ٢١٤ — سمّي بذلك لأنه بعد إحراق الحكم لطليطلة صار بقرطبة «يضرب بالمعول في الحدّادين أجيرًا» — حتى قُتل سنة ٢١٦ [ص ١٧٩–١٨٠].
ويأتي خبر المجوس على مرحلتين. الأولى إنذارٌ في سنة ٢٢٩: ورد كتاب وهب الله بن حزم عامل الأشبونة يذكر «أنه حلّ بالساحل قِبَله أربعة وخمسون مركبًا من مراكب المجوس، معها أربعة وخمسون قاربًا»، فكتب الأمير إليه وإلى عمّال السواحل بالتحفّظ [ص ١٨١]. والثانية الغزو نفسه، وله عنوانٌ مستقلّ: «دخول المجوس إشبيلية في سنة ٢٣٠»، ويفتتحه بنثرٍ مسجوع لا يستعمله في الحوليّات العادية: «فخرج المجوس في نحو ثمانين مركبًا، كأنما ملأت البحر طيرًا جونًا، كما ملأت القلوب شجوًا وشجونًا». وخطّ سيرهم: نزلوا بأشبونة، ثم أقبلوا إلى قادس، إلى شذونة، ثم قدموا على إشبيلية فنازلوها «إلى أن دخلوها قسرًا واستأصلوا أهلها قتلًا وأسرًا». وهنا يقع الاختلاف الذي يثبته صراحةً ولا يرجّح فيه: مكثوا بها «سبعة أيام يسقون أهلها كأس الحِمام»، ثم يقول بعد أسطر إنهم جعلوا يقتلون الرجال ويسبون النساء ويأخذون الصبيان «بطول ثلاثة عشر يومًا. ذكر ذلك في بهجة النفس. وفي كتاب درر القلائد: سبعة أيام، كما تقدّم» [ص ١٨١].
وتدبير المواجهة يُنسب إلى القوّاد بالاسم: عيسى بن شهيد الحاجب على الخيل، وعبد الله بن كليب وابن رستم وغيرهما احتلّوا بالشرف، ونفر بحشود الكور نصر الفتى. وتحرّكاتهم بعد إشبيلية تُتابع موضعًا موضعًا: قبطيل ثلاثة أيام، ثم قورة على اثني عشر ميلًا من إشبيلية «فقتلوا من المسلمين عددًا كثيرًا»، ثم طلياطة على ميلين منها نزلوها ليلًا وظهروا بالغداة بموضعٍ يُعرف بالنخارين. ولا يخفي المؤلّف هزيمة المسلمين في إحدى الملاحم: «فانهزم المسلمون وقُتل منهم ما لا يُحصى». ثم انقلبت الكفّة: نُصبت المجانيق وتوافت الأمداد من قرطبة، «فانهزم المجوس وقُتل منهم نحو من خمسمائة عِلج»، وأُصيبت لهم أربعة مراكب فأمر ابن رستم بإحراقها وبيع ما فيها من الفيء. والوقعة الفاصلة كانت بقرية طلياطة «يوم الثلاثاء لخمسٍ بقين من صفر»، وأُحرق من مراكبهم ثلاثون مركبًا، «وعُلّق من المجوس بإشبيلية عددٌ كثير، ورُفع منهم في جذوع النخل التي كانت بها»، ثم ركب سائرهم مراكبهم إلى لبلة ثم إلى الأشنونة «فانقطع خبرهم». ويثبّت التاريخ والمدّة معًا: «وكان احتلالهم بإشبيلية يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من المحرّم من سنة ٢٣٠»، وكان بين دخولهم وانقطاع خبرهم «اثنان وأربعون يومًا». ويُختم الخبر بما يجعله واقعةً دبلوماسية لا عسكرية فحسب: خرجت الكتب إلى الآفاق بخبرهم، وكتب الأمير إلى من بطنجة من صنهاجة يعلمهم بما نزل بالمجوس، «وبعث إليهم برأس أميرهم وبمائتي رأسٍ من أنجادهم» [ص ١٨٢].
ومن أخبار العهد أيضًا توجيه ثلاثمائة مركب إلى ميورقة سنة ٢٣٤، ووفاة يحيى بن يحيى في السنة نفسها، ويعلّق عليها بجملةٍ ساخرة: «فاستراح القضاة من همّه». وفي سيرته يجعله المؤلّف نقطة تحوّلٍ في شكل الحكم لا في مادّته: «وهو أوّل من جرى على سنن الخلفاء في الزينة والشكل وترتيب الخدمة. وكسا الخلافة أبّهة الجلالة»، فشيّد القصور وجلب المياه «وأحدث الطرز واستنبط عملها، واتّخذ السكّة بقرطبة»؛ ويربط ذلك بمجرى المشرق: «وعندما قُتل محمد الأمين ابن هارون الرشيد وانتُهب ملكه، سبق إلى الأندلس كل نفيسٍ غريب»، ومنه عقد الشفاء «وكان لزبيدة أمّ جعفر» [ص ١٨٢–١٨٣].
محمد بن عبد الرحمن، ثم المنذر
بويع محمد أبو عبد الله في ٤ ربيع الآخر ٢٣٨، وامتدّت خلافته أربعًا وثلاثين سنة وعشرة أشهر وعشرين يومًا [ص ١٨٤]. ومحور عهده الأوّل طليطلة. ففي سنة ٢٤٠ استمدّ أهلها أردن بن إذفونش صاحب جليقية فبعث أخاه غثون، فكمن الأمير الكمائن بناحية وادي سليط وطلع في قلّةٍ من العدد ليطمعهم، ثم خرجت الكمائن عن يمينٍ وشمال، «وحيز من رؤوسهم... ثمانية آلاف رأس»، وبلغ عدد المفقودين عشرين ألفًا [ص ١٨٥]. ويقول عنها لاحقًا إنها «من أمّهات الوقائع؛ ولم يُعرف بالأندلس قبلها مثلها»، ثم يُحيل وصفها إلى الشعر: «وفيها يقول عباس بن فرناس، وشعره يكفينا من صفتها» [ص ١٩١–١٩٢]. وسنة ٢٤٤ قُطعت قنطرة طليطلة بحيلة البنّائين والمهندسين فانكفأت بمن عليها فغرقوا، وسنة ٢٤٥ دعا أهلها إلى الأمان «وهو الأمان الأوّل»، وسنة ٢٥٩ عُقد لهم «الأمان الثاني» على قطيعٍ من العشور [ص ١٨٥، ١٨٧].
وتعود مراكب المجوس سنة ٢٤٥، والفارق أن السواحل كانت هذه المرّة مستعدّة: «خرج المجوس أيضًا إلى ساحل البحر بالغرب في اثنين وستين مركبًا؛ فوجدوا البحر محروسًا، ومراكب المسلمين معدّة تجري من حائط إفرنجة إلى حائط جليقية»، فأُخذ مركبان في بعض كسور باجة بما فيهما من الذهب والسبي [ص ١٨٥]. ثم مرّت بقيّتها حتى مصبّ نهر إشبيلية، فأخرج الأمير الجيوش وقائدها عيسى بن الحسن الحاجب. وتقدّمت مراكبهم إلى الجزيرة الخضراء «فتغلّبوا عليها وأحرقوا المسجد الجامع بها»، ثم جازوا إلى العدوة فاستباحوا أريافها، ثم عادوا إلى ريف الأندلس، ثم تقدّموا إلى إفرنجة «فشتوا بها... وتغلّبوا بها على مدينةٍ سكنوها، فهي منسوبة إليهم إلى اليوم»، ثم انصرفوا «وقد ذهب من مراكبهم أكثر من أربعين مركبًا» [ص ١٨٦].
وسنة ٢٦٧ يدخل عمر بن حفصون السرد، ويستقبله المؤلّف بلغةٍ لا تخفي موقفه: «وفيها ابتدأ شرّ اللعين عمر بن حفصون، الذي أعيا الخلفاء أمره، وطالت في الدنيا فتنته» [ص ١٨٨]. ويسند نسبه إلى حيّان بن خلف: «هو كبير الثوّار بالأندلس»، من مسالمة الذمّة من كورة تاكرنّا من عمل رندة؛ ويحكم عليه: «ثم بلغ بعد ذلك في الشقاق والفتن مبلغًا لم يبلغه ثائرٌ بالأندلس»، وأنه أدرك أربعة من أمراء بني مروان «إلى أن هلك على يد الرابع منهم، وهو عبد الرحمن الناصر» [ص ١٨٩]. وفي سيرة الأمير محمد يشدّد على خصلتين: الدقّة الحسابية — «وكان أعلم الناس بالحساب وطرق الخدمة»، وشاهدها استدراكه على أحد خزّانه خُمسَ درهمٍ في صكٍّ يشتمل على مائة ألف دينار — والأناة، ويرويها بلسان وزيره هاشم بن عبد العزيز. ومن مآثره الإدارية أنه «وضع عن أهل قرطبة ضريبة الحشود والبعوث»، وينقل عن ابن حيّان جدولًا مفصّلًا بعدد الفرسان المستنفَرين من كل كورة [ص ١٩٠]. ومن أخبار عهده محنة بقيّ بن مخلد مع فقهاء قرطبة الذين «حسدوه ووضعوا فيه القول القبيح عند الأمير حتى ألزموه البدعة»، حتى ناظرهم بين يديه فظهر على خصومه [ص ١٩١].
وبويع المنذر أبو الحكم في ٨ ربيع الأوّل ٢٧٣، وكانت خلافته «سنتين إلا سبعة عشر يومًا»، وأوّل ما فعله إسقاط عشر العام وما يلزم الرعية من جميع المغرم [ص ١٩٢–١٩٣]. وفي هذا السياق يقدّم أدقّ تحليلٍ لأسباب نجاح ابن حفصون: لم يكن ذلك بقوّةٍ ولا كثرة مالٍ ولا عدد، «ولكنه كان عذابًا من الله... واتّفق له زمان هرجٍ وقلوب قاسية فاسدة»، ثم يذكر خطابه الذي كسب به الناس: «طال ما عنّف عليكم السلطان، وانتزع أموالكم، وأخرجكم من عبوديتكم»، ويضيف ما ينسبه إليه من ضبطٍ داخليّ مع كونه ثائرًا: «وكان مع شرّه وفسقه شديد الغيرة، حافظًا للحرمة»، حتى كانت المرأة تسافر بالمال والمتاع منفردة لا يعترضها أحد [ص ١٩٣]. وفي السنة نفسها سجن المنذر هاشم بن عبد العزيز وزير أبيه ثم أمر بقتله، والسبب حسدٌ متراكم وتأويلٌ لبيتٍ أنشده عند مواراة الأمير محمد، «فتأوّلوا أنه يريد بقوله (لم يموتوا) المنذر» [ص ١٩٣].
وسنة ٢٧٤ افتتح حصون ابن حفصون وأسر عيشون فصُلب معه خنزيرٌ وكلب، تنفيذًا لما كان عيشون يقوله عن نفسه [ص ١٩٤]. ثم كانت خديعة ابن حفصون: أظهر الإنابة إلى الطاعة وطلب مائة بغلٍ لحمل متاعه وعياله، «وجعل طلبها قوةً لمكره واحتياله»، فلمّا انفضّ العسكر وقفل القاضي والفقهاء هرب ليلًا إلى بربشتر ولقي العرفاء فناصبهم القتال وأخذ البغال، «وعاد إلى سيرته الأولى، وقال لشيعته: أنا ربّكم الأعلى». فأقسم المنذر أن يقصده، فأقام على حصن بربشتر «برومه رومًا مدّة من ثلاثةٍ وأربعين يومًا»، ثم أصابته علّة فبعث في أخيه عبد الله لينوب منابه، فمات حين وصل إليه، ولم يقدر عبد الله على ضبط العسكر، «واستطال عمر بن حفصون في المحلّة وانتهبها بالجملة». وخاتمة الخبر حكمٌ اجتماعيّ لا رثاء: «وحُمل الأمير المنذر على جملٍ إلى قرطبة؛ فدُفن مع أجداده هنالك، وصار عند الناس أهون مفقودٍ وأيسر هالك، إذ كان قد اضطرّهم في ذلك المقام» [ص ١٩٤–١٩٥].
ملاحظات على النصّ
وردت في هذه الصفحات مواضع مشوّشة في المطبوع، أُثبتت هنا كما هي دون محاولة إصلاحها: عنوان «ذكر ولاية بلج بن يسر القشيري» [ص ١٥٧] وصوابه في متن الفصل نفسه «بشر»؛ و«أُخرجه من الأ، دلس» [ص ١٥٠]، و«سار منهم عبد الرحمن بن معاوية إلى الأتدلس» [ص ١٦١]؛ و«ثم طرايق» في تعداد الداخلين [ص ١٤٤]؛ واسم ثغر الأندلس مكتوبًا على وجهين متباعدين في سطرين متجاورين، «ازيونة» ثم «أرثونة» [ص ١٤٥]؛ و«مولده: سنة ٧٦» في ترجمة عبد الرحمن بن الحكم [ص ١٧٩]، وهو ناقص بالضرورة؛ و«جبان» في موضع «جيّان» [ص ١٥٨، ١٧٧]؛ وتردّد اسم الثائر بين «عبد الغافر اليماني» و«عبد القادر» في الصفحة الواحدة [ص ١٦٦] ثم «عبد الغافر اليحصبي» [ص ١٦٧]؛ و«قال ابن حبّان» [ص ١٩٠] والأرجح أنه ابن حيّان المسمّى قبل صفحة باسم حيّان بن خلف [ص ١٨٩]؛ و«قال ابن العزبى» في ترجمة عبد الملك بن حبيب [ص ١٩١]؛ وجملة مضطربة بلا معنى مستقيم في وصف هيج الربض: «فلم يزيدوا على أن ظهروا في ذلك الحين ظهروا لم يبلغهم إلى أمل» [ص ١٧٦]؛ و«نهر إنره» و«وادي إبره» في وصف الوقعة الواحدة [ص ١٨٦–١٨٧].
وثمّة تعارضات تأريخية داخل النصّ لا ينبّه عليها المؤلّف: سنة دخول طارق (٩١ في تعداد الأقوال، ٩٢ في التوفيق بينها) [ص ١٤٤]؛ وسنة وقعة شقندة (١٣٠) بإزاء تسلسل ولاية ثوابة ووفاته سنة ١٢٨ [ص ١٥٩–١٦٠]؛ وسنة فتح سرقسطة على الحسين بن يحيى (١٦٥ في المتن، ١٦٧ في نقل «بهجة النفس») [ص ١٦٥، ١٦٨]؛ وسنة فتح طليطلة (٢٢١ ثم ٢٢٢) [ص ١٨٠]. كذلك يُذكر أن ابنَي عبد الملك بن قطن حشدا «نيفًا على مائة ألف من العرب» وأن بلجًا خرج إليهما «في أقلّ من خُمس عددهم» [ص ١٥٧]، وهو رقمٌ لا يتّسق مع بقية أرقام الجند في هذه الفترة كما ترد في الكتاب نفسه.