Ibn ʿIdhārī al-Marrākushī · al-Bayān al-Mughrib · A Reader's Companion

أين يقف الكتاب

تحليل

ابن عذاري المراكشي، أبو عبد الله محمد بن محمد (ت. نحو ٦٩٥ هـ)

المؤلِّفُ وما يُعرف عنه، وطبيعةُ الكتاب، ومصادرُه المفقودة بإحصائها، وحدودُه، وموقعُه بين المصادر الأندلسية.

ابدأ

أرقام الصفحات بين معقوفتين — على هيئة [ص ٤٠] — تحيل إلى النسخة المعتمدة في هذا الدليل: نصّ مستخرَج من ملفّ الشاملة، ٢٧٥ صفحة. وهي أرقام صفحات هذه النسخة، لا أرقام المطبوع.

ابن عذاري: ما نعرفه وما نجهله

سيرة ابن عذاري المراكشي من أفقر سِيَر المؤرّخين المسلمين. الأمر ليس نقصًا في البحث الحديث بل نقص في المادّة أصلًا: لم تُفرد له ترجمة في كتب التراجم التي وصلتنا. وقد صرّح الزركلي بذلك في «الأعلام» بعبارة لا تحتمل التأويل: «لم أظفر له بترجمة» — والنصّ منقول في مقدّمة هذه النسخة [ص ١١]. فكلّ ما يقال عنه بعد ذلك استنباط من كتابه، لا نقل عن معاصريه.

ما تقوله المقدّمة الشاملية عنه: «ابن عذاري المراكشي، أبو عبد الله محمد بن محمد» [ص ١٠]، ويُضاف في موضع آخر تردّد في اسمه: «محمد (أو أحمد بن محمد) المراكشي، أبو عبد الله، المعروف بابن عذارى: مؤرّخ. أندلسيّ الأصل، من أهل مراكش» [ص ١١]. وتاريخ وفاته يُذكر مقرونًا بأداة التقريب: «نحو ٦٩٥ هـ» [ص ١٠]. الاسم نفسه مضطرب، والوفاة تقديريّة، والأصل والمستقرّ هما كلّ ما بقي.

غير أنّ الكتاب يشهد لصاحبه بشهادتين لا تحتاجان إلى وسيط.

الأولى تأريخ ذاتيّ. في سياق كلامه عن مدينة خربت ثم أخذت تُعمَّر، يقول: «وهي الآن في وقتنا الحاضر وهو آخر المائة السابعة قد ابتدأت بالعمارة» [ص ٩٦]. هذه جملة يكتبها رجل يعرف موقعه من التقويم، وتضبط زمن التأليف في العَقد الأخير من القرن السابع الهجري. وله من هذا الضرب مواضع أخرى أقلّ تحديدًا: «في وقتنا هذا مدينة المزمة أو قريبًا منها» [ص ٨٤]، و«في جبل يسمّى به إلى وقتنا هذا» [ص ١٠٧].

والثانية إحالته على منتهى مشروعه. في المقدّمة يصف الجزء الثالث ويقول إنّه بلغ فيه «على مرور السنين إلى عام ٦٦٧» [ص ١٣]. فالرجل كان حيًّا بعد ٦٦٧، يكتب في أواخر القرن السابع، ويصنّف تاريخًا لدولة المرينيّين وهي قائمة.

ويضيف الكتاب معلومة ثالثة عن مؤلَّف آخر له: يحيل مرّتين على «البيان المشرق في أخبار المشرق» [ص ١٨]، ومرّة على «تاريخ المشرق» [ص ٤١]. الزركلي يذكر الإشارة نفسها ويعلّق: «لم يُعرف مصيره» [ص ١١]. فالمؤرّخ الذي وصلنا نصفه المغربيّ كان يكتب نصفًا مشرقيًّا ضاع.

هذا كلّ ما يمكن قوله بثقة. أمّا موقعه الوظيفيّ، وشيوخه، ومكتبته، ورعاته — فمجهولة. ومن حسن الحظّ أنّ قيمة «البيان المغرب» لا تتوقّف على معرفة صاحبه.

طبيعة الكتاب

الكتاب يسمّي نفسه بما هو: «سمّيته بالبيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب» [ص ١٣]. وكلمة «اختصار» ليست تواضعًا. المؤلّف يشرح في المقدّمة أنّ رجلًا سأله «أن أجمع له كتابًا مفردًا في أخبار ملوك البلاد الغربية على سبيل الإيجاز والاختصار»، فاستجاب: «فجمعت له في هذا الكتاب نُبَذًا ولُمَعًا من عيون التواريخ والأخبار... جمعتُ ذلك من الكتب الجليلة مقتضيًا من غير إسهاب ولا إكثار، فاقتطفتُ عيونها واقتضبتُ فنونها» [ص ١٢]. فهو مُجمِّع مُقتضِب بإقراره، لا صاحب رواية أصليّة.

والبناء الذي اختاره ثلاثيّ: «ولمّا كمل ما قيّدتُه وجرّدتُه على ثلاثة أجزاء: كلّ جزء كتاب قائم بنفسه» [ص ١٣]. الجزء الأول لإفريقية والمغرب من الفتح إلى ابتداء الدولة المرابطيّة، والثاني للأندلس من الفتح إلى دخول لَمْتونة سنة ٤٧٨، والثالث للمرابطين والموحّدين ومَن بعدهم إلى ٦٦٧ [ص ١٣].

والأثر الذي يتركه هذا التقسيم في القارئ ملموس. الجزءان الأوّلان لا يتواليان زمنيًّا بل يتوازيان: يمضي المسار المغربيّ من سنة ٢١ حتى يبلغ منتصف القرن السادس، ثم يرجع الكتاب إلى نقطة الصفر ويبدأ المسار الأندلسيّ من الفتح. في النسخة التي بين أيدينا يتحقّق هذا حرفيًّا: أحدث سنة مذكورة في المسار المغربيّ [ص ١٥–١٤١] هي ٥٧٣، ثم يفتتح المؤلّف باب «ذكر صفة الأندلس وأوليّتها» [ص ١٤٢] ويعود بالقارئ إلى الفتح من جديد. فمن يقرأ الكتاب على التوالي يقطع الطريق مرّتين.

وداخل كلّ مسار البناءُ حوليّ منضبط بالسنين، معلّق على تعاقب الولاة والخلفاء. العبارة «وفي سنة» ترد ٦٤٩ مرّة في النصّ، وهي عمود الكتاب الفقريّ. وعناوين الفهرس تقول الشيء نفسه: من ٢٤٥ عنوانًا تبدأ ٤٩ بكلمة «ولاية»، وتسعة بـ«خلافة»، وسبعة بـ«مقتل»، وخمسة بـ«غزوة». الأمير هو وحدة السرد، والسنة هي وحدة القياس.

ويعبر المؤلّف بين مساريه بإحالات صريحة، من نوع: «وقد شرحنا أمره في أخبار الأندلس» [ص ٣١]. وهي إحالات مفيدة، غير أنّها تفترض قارئًا يحفظ ما مرّ به قبل مئة صفحة.

قيمتُه الكبرى: مصادرُه المفقودة

السبب الذي يجعل المؤرّخين يعودون إلى «البيان المغرب» ليس براعة صاحبه في التحليل. إنّه ما يحمله من نقول عن كتب ضاعت أو لم يبقَ منها إلا قِطَع. وابن عذاري لا يُخفي مصادره: يعدّها في المقدّمة عدًّا، ويسمّي منها تاريخ الطبري والبكري والرقيق والقُضاعي، و«الذيل» لابن شرف، و«المجموع المفترق»، و«المقباس» و«القبس»، ومختصري عريب وابن حبيب، و«القلائد» و«المطمح» لابن خاقان، و«ذخيرة» ابن بسّام، و«أخبار الدولة العامرية» لابن حيّان، و«نظم الجُمان في أخبار الزمان» لابن القطّان، وكتب الأشيري والبَيْذَق وابن صاحب الصلاة [ص ١٢].

وهذه القائمة لا تبقى حبرًا على ورق. النصّ نفسه ينسب نقولَه بصيغ صريحة، وإحصاؤها يكشف بنية المكتبة التي اشتغل عليها:

  • الرقيق القيروانيّ — نحو خمس عشرة إحالة على اثنتي عشرة صفحة، بصيغ «قال الرقيق» و«هكذا ذكر الرقيق» و«ذكر الرقيق في كتابه» [ص ١٩، ٣٦، ٤٠، ٤٢، ٤٣، ٤٥، ١١١، ١١٦، ١١٩، ١٢٠، ١٢١]. ويسمّيه مرّتين بكنيته: «أبو إسحاق الرقيق» [ص ١١٦، ١٢٢]. وهو إبراهيم بن القاسم أبو إسحاق الرقيق القيرواني، المتوفّى نحو ٤٢٥ هـ.
  • الرازي — نحو ثماني عشرة إحالة على خمس عشرة صفحة [ص ١٤٤، ١٤٥، ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠، ١٥٣، ١٦١، ١٦٢، ١٦٨، ١٧٠، ١٨٦، ١٨٩، ١٩٣، ٢٠٠، ٢٤٣]، بينها نقول عن الواقدي بواسطته: «قال الرازي عن الواقدي» [ص ١٤٤]، و«قال الرازي: وحدّث الواقدي عن موسى بن عليّ بن رباح» [ص ١٤٨].
  • ابن القطّان — نحو ثماني عشرة إحالة على أربع عشرة صفحة [ص ٢٥، ٢٦، ٣١، ٣٦، ٤٠، ٥٧، ٧٥، ١٢٨، ١٣٨، ١٤٤، ١٤٨، ١٥٦، ١٥٨]، ويسمّي كتابه في الموضع نفسه أحيانًا: «هكذا ذكر ابن القطّان في نظم الجُمان» [ص ٤٠].
  • ابن حيّان — تسع إحالات على ثماني صفحات [ص ١١٤، ١٨٩، ١٩٨ (موضعان)، ٢٤١، ٢٤٦، ٢٦٦، ٢٧٠]، مضافًا إليها ذكر «أخبار الدولة العامرية» له في المقدّمة [ص ١٢]. ويرد باسمه المختصر «قال ابن حيّان» وباسمه الكامل «قال حيّان بن خلف» على السواء.
  • عريب — نحو ثلاث عشرة إحالة، أكثرها في أوائل الكتاب، وتحدّد وظيفته بدقّة: «قال عريب في مختصره للطبري» [ص ١٨]، «هكذا نصّ عريب في مختصره للطبري» [ص ١٩].

الأهمّ من الأعداد توزّعها. الرقيق لا يظهر إلا في المسار المغربيّ، بين [ص ١٩] و[ص ١٢١]، ثم يختفي. والرازي عكسه تمامًا: لا يظهر قبل [ص ١٤٤] — أي قبل افتتاح باب الأندلس — ثم يلازمه. وابن حيّان يتكثّف في الأبواب الأندلسية المتأخّرة، من عصر ابن حفصون إلى الدولة العامريّة. وابن القطّان وحده يعبر الحدّين. فالكتاب لا يستعمل مصادره على التساوي، بل يبدّل مكتبته كلّما بدّل الجغرافيا والعصر — وهذه في ذاتها معلومة عن أيّ الكتب كانت متاحة لمن كتب في مراكش أواخر القرن السابع.

من هؤلاء مَن لم يصلنا كتابه إلا مبتورًا، وابن حيّان أوضحهم مثالًا: نسخة «المقتبس من أنباء أهل الأندلس» المتاحة في المكتبة المحلّية قطعةٌ من تسعين صفحة تبدأ بسنة ٢٣٢ عند صفحة المطبوع ١٤٣. فحين ينقل ابن عذاري عن ابن حيّان صفحةً كاملة عن دهاء المنصور بن أبي عامر [ص ٢٧٠]، فهو يحفظ نصًّا لا يُقرأ في موضع آخر بهذه الصورة. وهذا هو معنى القول إنّ «البيان المغرب» وعاءُ حفظ قبل أن يكون تأليفًا.

حدودُه

الاختصار الذي أعلنه المؤلّف يُدفَع ثمنه. الأخبار تصل في هيئة موجزة منزوعة السياق، وكثير منها بلا إسناد، وحدثٌ يستحقّ صفحاتٍ قد يُختصر في سطر. وحين يُلحّ الاختصار يقولها المؤلّف صراحةً: أحد أطول أبواب الكتاب وأشهرها عنوانه «غزوة شنت ياقوب على سبيل الاختصار» [ص ٢٧٢].

والروايات المتعارضة تُساق في الغالب من غير ترجيح. عبارة «وقيل» ترد ٩٧ مرّة موزّعة على ٦٨ صفحة، و«قيل إنّ» ٤٢ مرّة، و«ويقال» ١٤ مرّة، وفعل «اختلف» ومشتقّاته ١٧ مرّة. وتتكثّف هذه الصيغ حيث الأخبار أكثر اضطرابًا: في صفحات الفتح وما يليه تبلغ «وقيل» سبع مرّات في صفحة واحدة [ص ١٥٥]، وخمسًا في أخرى [ص ١٤٦]. والغالب أن يجمع المؤلّف القولين ويمضي. وقد يرجّح أحيانًا — «اتّفق الأكثرون على أنّ التقاءهما كان على طليطلة، وذكر الطبري أنّه كان على قرطبة، وذكر الرازي أنّ...» [ص ١٤٩] — لكنّه ترجيح عارض لا منهج مطّرد. فعلى القارئ أن يتولّى بنفسه ما لم يتولَّه المؤلّف.

والإطار سُلاليّ خالص. التاريخ عند ابن عذاري تعاقبُ أُسَر حاكمة وولاة وغزوات، ومَن خرج عن دائرة القصر والجيش خرج عن دائرة الكتاب. الحياة الاجتماعية والاقتصادية لا تدخل النصّ إلا حين تصير حدثًا سياسيًّا أو نازلة عامّة تُقيَّد في حوليّة السنة: «الغلاء» تسع مرّات، و«القحط» ثلاث عشرة، و«الوباء» خمس عشرة، و«المجاعة» خمسًا. أمّا مفردات البنية الاقتصادية نفسها فغائبة: لا ترد كلمة «الزراعة» ولا «التجارة» ولا «الفِلاحة» في النصّ ولو مرّة واحدة، وترد «العمران» مرّة واحدة. وحتى حين يذكر غلاءً فالصيغة إخباريّة مجرّدة: «وكان في هذه السنة غلاء عظيم، ووباء، وبلغ ربع الدقيق بتلمسان...» [ص ١٣٨]. من أراد أن يعرف كيف عاش الناس في القيروان أو قرطبة فليس هذا كتابه.

موقعُه بين المصادر الأندلسية

يقع «البيان المغرب» بين طبقتين من الكتابة التاريخية الأندلسية، وموقعه بينهما هو الذي يفسّر وظيفته.

قبله بقرنين ونصف كان أبو مروان حيّان بن خلف بن حسين بن حيّان القرطبيّ (٣٧٧–٤٦٩ هـ / ٩٨٧–١٠٧٦ م) يكتب «المقتبس»، وهو مؤرّخ من طراز آخر: قرطبيّ، قريب من الأحداث، مفصّل، يورد الوثائق والأسماء والتفاصيل الإدارية. ابن عذاري يقرأ ابن حيّان وينقل عنه ويسمّيه، لكنّه يختصره. والفرق بين نصّيهما هو الفرق بين شاهد ومُلخِّص: صفحة من «المقتبس» تعطي من التفصيل ما لا تعطيه عشر صفحات من «البيان». غير أنّ «المقتبس» لم يصلنا كاملًا، وما ضاع منه يُلتمس اليوم في نقول الناقلين — وابن عذاري في مقدّمتهم. فهو أدنى من ابن حيّان مرتبةً وأبقى منه نصًّا.

وبعده بثلاثة قرون ونصف جاء أحمد بن محمد المقّري التلمساني (٩٩٢–١٠٤١ هـ / ١٥٨٤–١٦٣١ م) بـ«نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». والمقّري يكتب بعد سقوط غرناطة بقرن، من خارج الأندلس، وكتابه موسوعة أدبيّة–تاريخيّة واسعة تجمع الأخبار والتراجم والأشعار والرسائل بغير ترتيب حوليّ محكم. فمن أراد الوقائع مرتّبة على السنين فـ«البيان المغرب» أضبط، ومن أراد صورة الحضارة الأندلسية في أدبها ورجالها فـ«نفح الطيب» أوسع. والكتابان متكاملان لا متنافسان: أحدهما هيكل زمنيّ، والآخر لحم ثقافيّ.

وبين هذين الطرفين يؤدّي «البيان المغرب» وظيفة لا يؤدّيها غيره: هو الجسر الحوليّ المتّصل الذي يربط المغرب بالأندلس في نصّ واحد، ويحفظ من المصادر الأقدم ما يكفي لإعادة بناء بعضها.

تاريخُ النصّ وطبعاتُه

النصّ لم يصل كاملًا. المؤلّف يقول إنّه أنهى ثلاثة أجزاء بلغ آخرها سنة ٦٦٧ [ص ١٣]، بينما يلاحظ الزركلي أنّ «المطبوع منه يقف عند سنة ٤٦٠» [ص ١١] — أي أنّ ما نُشر في زمنه أقلّ ممّا كتبه صاحبه بمئتي سنة تقريبًا.

والنسخة المستعملة في هذا الدليل أضيق من ذلك أيضًا. هي مأخوذة من طبعة إلكترونية تصف أصلها بأنّه: «تحقيق ومراجعة: ج. س. كولان، إ. ليفي بروفنسال — الناشر: دار الثقافة، بيروت — لبنان — الطبعة: الثالثة، ١٩٨٣ م — عدد الأجزاء: ٢» [ص ١٠]. ومع ذلك فالملفّ الذي بين أيدينا ينقطع عند سنة ٣٩٢ هـ، عند خبر وفاة المنصور بن أبي عامر [ص ٢٧٥]، فلا يبلغ حتى نهاية الجزء الثاني. فما يقرؤه القارئ هنا قطعةٌ من قطعة.

ووقفتُ في المكتبة المحلّية على إحالة ببليوغرافية في كتاب حديث تذكر طبعة أخرى للكتاب: «البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ابن عذاري المراكشي، تحقيق: د. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، ط ١ (١٩٦٧ م)». ولم أتحقّق من أيّ أقسام الكتاب تخصّ هذه الطبعة.

أمّا تقاليد النسخ الخطّية — عدد النسخ، ومواطنها، وصِلاتها ببعضها، وأيّ الأجزاء ثبت في أيّها — فلم أتحقّق منها في مصدر موثوق، ولا أثبت هنا شيئًا عنها.

وثمّة تحفّظ أخير يخصّ هذه النسخة بالذات: النصّ مستخرَج آليًّا من ملفّ PDF، وفيه تصحيفات ظاهرة — «أحند» موضع «أحمد»، و«أبو أساق» موضع «أبي إسحاق»، ولفظ الجلالة يخرج مشوّهًا في مواضع كثيرة. فما يُبنى على هذه النسخة يصلح للقراءة والاستئناس والإحالة العامّة، ولا يصلح للتحقيق ولا للاستشهاد الحرفيّ.

كيف تقرأ هذا الكتاب اليوم

اقرأ المقدّمة أوّلًا، ومرّتين. صفحتا [ص ١٢–١٣] تعطيان ما لا تعطيه مئة صفحة بعدهما: قائمة مصادر المؤلّف بأسمائها، وخريطة الأجزاء الثلاثة، وإقراره بأنّ العمل اختصار. من قرأهما عرف ماذا يطلب من الكتاب وماذا لا يطلب.

لا تقرأه بالتوالي إن كنت تتابع موضوعًا واحدًا. البناء متوازٍ لا متتابع؛ فالأصلح أن تختار مسارًا — المغربيّ أو الأندلسيّ — وتقرأه إلى منتهاه، ثم ترجع إلى الآخر.

تعامل مع «قال فلان» بوصفها بيانات لا حشوًا. كلّ صيغة إسناد تحدّد من أين جاء الخبر، وكثيرًا ما تكون هي الشيء الوحيد الباقي من كتاب كامل. ومن يقرأ الكتاب لأجل مصادره لا لأجل أخباره فليتبع هذه الصيغ وحدها.

عامل «وقيل» على أنّها إشارة توقّف. حيث تتكرّر تكن الرواية مضطربة والمؤرّخ غير حاسم. لا تنقل أحد القولين منسوبًا إلى ابن عذاري وكأنّه رأيه؛ هو ناقل للقولين معًا.

لا تعتمد التواريخ منفردة. كثير من السنين يرد فيها خلاف بين المصادر، والاختصار يبتلع أحيانًا التفصيل الذي يميّز الرواية من أختها. قابِل التاريخ بمصدر آخر قبل البناء عليه.

لا تسأل الكتاب ما لا يملك. لن تجد فيه بنية اقتصادية ولا تركيبًا اجتماعيًّا ولا حياة يوميّة. اطلب منه ما يجيده: تسلسل الحكم، وتعاقب الولاة، وأسماء الوقائع وسنيّها، ونقولًا نفيسة عن كتب ذهبت.

واقرأه بوصفه شاهدًا مزدوجًا. هو شاهد على ما جرى في القرون الأولى، وشاهد كذلك على ما كان يُقرأ في مراكش أواخر القرن السابع الهجريّ. الشهادة الثانية لا تقلّ فائدة عن الأولى.