Ibn ʿIdhārī al-Marrākushī · al-Bayān al-Mughrib · A Reader's Companion

خلافةُ قرطبة والدولة العامرية

القسم الثالث

ابن عذاري المراكشي، أبو عبد الله محمد بن محمد (ت. نحو ٦٩٥ هـ)

عبد الرحمن الناصر وإعلانُ الخلافة، وأمرُ ابن حفصون وبُبَشتر، والحكم المستنصر، ثمّ المنصور بن أبي عامر وغزواتُه — وعندها ينتهي هذا الجزء.

ابدأ

يبدأ هذا القسم وأحداثه جارية في خضمّ فتنة عمر بن حفصون: على صفحته الأولى يموت الأمير المنذر بن محمد محاصِرًا حصنَ ببشتر سنة ٢٧٥، فتُعقد البيعة لأخيه عبد الله بن محمد في المحلّة نفسها [ص ١٩٥–١٩٦]. ومنه يمضي المؤلّف في بقيّة إمارة عبد الله، ثم في خلافة حفيده عبد الرحمن الناصر (٣٠٠–٣٥٠هـ) وهي أطول ما فيه وأوفره تفصيلًا، ثم في خلافة الحكم المستنصر (٣٥٠–٣٦٦هـ)، ثم في خلافة هشام المؤيّد التي لم يبقَ لصاحبها منها إلا الاسم، وفي قيام محمد بن أبي عامر المنصور على أمر الأندلس. وينتهي القسم — وينتهي معه السِّفر الأول من الكتاب — بوفاة المنصور في رمضان سنة ٣٩٢ وبعبارة الفراغ: «كمل السفر الأول بحمد الله تعالى» [ص ٢٧٥]. فمداه مئةٌ وسبعَ عشرة سنة هجرية.

خاتمة إمارة عبد الله بن محمد

يفتتح ابن عذاري ترجمة عبد الله بالبطاقة التي يلتزمها لكل أمير: كنيته أبو محمد، مولده سنة ٢٢٩، وأمّه «تسمى بهار، وقيل: عشار» — وهو أول «وقيل» في القسم — وبنوه أحد عشر، أحدهم محمد المفتول والد الناصر [ص ١٩٦]. ثم يصف حال الملك يوم أفضى إليه بنثرٍ مسجوع محمّلٍ بالحكم: «وقد تحيّفها النكث، ومزّقها الشقاق، وحلّ عراها النفاق»، حتى انقطع الجهاد إلى دار الحرب وصارت بلاد الإسلام بالأندلس «هي الثغر المخوف» [ص ١٩٦].

أول ما فعله عبد الله أن وجّه إبراهيم بن خمير ليأخذ بيعة ابن حفصون، فأخذها ثم لم يلبث ابن حفصون أن نقض. ومن هنا تسير السنون: خروج الأمير بنفسه إلى ببشتر وحصون رِيّة سنة ٢٧٦، وغدرُ ابن حفصون بأهل بيّانة، ثم مقتلُ ابن شاكر الثائر بجيّان سنة ٢٧٧ بحيلةٍ منه بعث برأسه بها إلى الأمير تقرّبًا [ص ١٩٦–١٩٧]. وفي سنة ٢٧٨ يقع اللقاء الكبير بحصن بلاي من عمل قبرة، ويعطي رقمين متعارضَين ثم ينسبهما: عسكر الأمير ثمانية عشر ألف فارس، «وقيل إن ابن حفصون ألّب أهل حصون الأندلس كلها وأقبل إليه في ثلاثين ألفًا»؛ وحين يذكر أن ألف رجل قُتلوا صبرًا بين يدي الأمير يُتبع الخبر بإحالة: «هكذا ذكر في بهجة النفس» [ص ١٩٧]. وفي سنة ٢٨٦ «أظهر ابن حفصون النصرانية، وكان قبل ذلك يُسرّها»، فتبرّأ منه خلق كثير، «ورأى جميع المسلمين أن حربه جهاد» [ص ٢٠٤]، فتتابعت عليه الصوائف إلى وفاة الأمير سنة ٣٠٠ [ص ٢٠٩].

ويروي ابن عذاري مصارع أهل البيت من غير مواربة: مطرّف بن الأمير عبد الله يلحق بابن حفصون ثم يعود بأمان أبيه، ثم يُجهز على أخيه محمد في محبسه؛ «فلما علم ذلك الأمير عبد الله أعظم ذلك منه، وهمّ بقتله… فتركه. وقيل: قتله فيه، والله أعلم» [ص ٢٠٨]. وأخوه القاسم مات في حبس الدُّويرة بمُرقدٍ أرسلته إليه أمّه [ص ٢٠٩]. ثم يصفه بالورع، ويذكر أنه باني السّاباط بين القصر والجامع، وفاتح «باب العدل» يقعد فيه للناس يومًا من الجمعة [ص ٢١٠].

ثم يأتي أدقّ موضعٍ منهجيًّا في هذا الجزء. يقول إن الناس «كانوا يعدّونه من أصلح خلفاء بني أمية بالأندلس»، ثم يستدرك بأن «غمض دينه لما كان من هوان الدماء عليه»، ثم ينقل القول المضادّ منسوبًا: «وقد صرّح الفقيه أبو محمد بن حزم بذمّ هذا الأمير، وقال إنه كان قتّالًا تهون عليه الدماء… فإنه احتال على أخيه المنذر… ثم قتل ولديه معًا بالسيف». ثم يرفع يده عن الحكم: «والله أعلم بحقيقة أمره» [ص ٢١١]. وهذه طريقته حين تتعارض الشهادات: التقويم الشائع، ثم القول الجارح بصاحبه، ثم الامتناع عن الترجيح.

ابن حفصون وبنو حجّاج وجملة الثوّار

يُخرج ابن عذاري ثورة بني حجّاج بإشبيلية من نسق الحوليات ويفرد لها فصلًا. وحاصلها أن إبراهيم بن حجّاج وكريب بن خلدون اقتسما الكورة نصفين، وأن الأمير عبد الله «أخذ في الضرب بينهما»، فسقط كتاب خالد بن خلدون الذي يُغري بإبراهيم، فأخذه بعض فتيان القصر ودفعه إلى رسول إبراهيم وقال له: «اسبق به مولاك!». فدعا إبراهيم الأخوين إلى طعام سنة ٢٨٦ وعاتبهما، فضربه خالد بسكّين في وجهه، فقُتلا في المجلس [ص ١٩٨].

وهنا يفتح المؤلّف باب النقل. ينقل عن حيّان بن خلف أن إبراهيم اتخذ لنفسه جندًا خمسمئة فارس، وأن له قاضيًا وصاحبَ مدينةٍ يقيم الحدود، «جرى في ذلك كله مجرى السلطان في حضرته»، وطُرزًا يُطرَّز فيها على اسمه «كفعل السلطان إذ ذاك» [ص ١٩٨]. وينقل عن ابن أبي الفيّاض خبرَ القلقاط الشاعر الذي هجا أهل قرطبة بين يدي إبراهيم فحرمه، وعن أبي عامر السالمي في درر القلائد وغرر الفوائد خبرَ الجارية البغدادية «قمر» [ص ١٩٩]. ومات إبراهيم فجأة عام ٢٨٨، «وقيل إنه دسّ على أخيه جاريةً سمّته» [ص ٢٠٠]. ثم ينقل عن الرازي نصًّا مطوّلًا في افتتاح الناصر لإشبيلية سنة ٣٠١ حتى «تملّك السلطان إشبيلية دون إراقة دمٍ ولا قتال» [ص ٢٠٠].

ويعقد بعد ذلك فصلًا عنوانه «جملة الثوّار ببلاد الأندلس في أيام الأمير عبد الله، الخارجين عن الجماعة المضرِمين لنار الفتنة» [ص ٢٠٢–٢٠٣]، وهو أقرب إلى فهرسٍ منه إلى سرد: سوّار بن حمدون الذي قُتل بكمينٍ نصبه له جَعد صاحب إلبيرة فبعث برأسه إلى ابن حفصون؛ وسعيد بن جودي الذي «قُتل في دار عشيقةٍ له يهودية غدرًا»؛ ودَيسم بن إسحاق صاحب لورقة ومرسية؛ وعبد الرحمن بن مروان الجلّيقي ببطليوس وماردة؛ وسعيد بن هذيل وسعيد بن مَستنة. ويتكرر في الفصل قفلٌ واحد: «حتى استنزله الناصر» — فهو مكتوبٌ من موقع من يعرف كيف انتهى كل شيء.

بيعة عبد الرحمن الناصر وترتيب دولته

يبدأ من النسب: عبد الرحمن بن محمد «الذي قتله أخوه مطرّف» بن الأمير عبد الله، كنيته أبو المطرّف، أمّه أم ولد تسمّى مُزنة، بويع في اليوم الذي توفي فيه جدّه، مستهلّ ربيع الأول سنة ٣٠٠، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة [ص ٢١١–٢١٢]. ويفسّر تقديمه على أعمامه بأن جدّه «كان يحظيه دون بنيه… وربما أقعده في بعض الأيام والأعياد مقعد نفسه لتسليم الجند عليه»، ثم يضيف روايةً بصيغة التمريض: «وقيل إن جدّه رمى بخاتمه إليه إبانةً منه لاستخلافه». ويقرّر أنه «أول من تسمّى منهم بأمير المؤمنين»، ويعلّل ذلك بضعف الخلافة العباسية وظهور الدولة التركية والديلمية، ويقدّم تاريخ الخطبة بذلك — مستهلّ ذي الحجة سنة ٣١٦ — قبل موضعه من الحوليات بستّ عشرة سنة [ص ٢١٢].

ثم يُعدّد ولايات يوم البيعة عدًّا: بدر بن أحمد على الحجابة، وموسى بن حُدير على الوزارة والمدينة، وإقرار الزَّجّالي على الكتابة، وابن أبي عبدة على القيادة [ص ٢١٢]. وهذا التعداد يصير من هنا فصاعدًا عمودَ السرد: لا تكاد سنةٌ تمرّ دون قائمةٍ بمن وليَ ومن عُزل ومن مات، بأيام الأسبوع وأعداد الليالي الخالية والباقية من الشهر. ويسجّل أوّليّات الدولة: أول رأسٍ رُفع فيها لمارقٍ رأسُ محمد بن أرذبلش، وأول موضعٍ افتُتح مدينةُ إستجة سنة ٣٠٠، وأول غزواته إلى معاقل جيّان في السنة نفسها، وقد استتمّ فيها اثنين وتسعين يومًا [ص ٢١٣–٢١٤].

غزوات الناصر في الداخل حتى فتح ببشتر

من سنة ٣٠٠ إلى سنة ٣٢٠ يتّخذ الكتاب قالبًا واحدًا يكرّره في كل غزوة: يوم البروز إلى الفحص، ويوم الفصول من القصر، وعدد الأيام بينهما، ومن تخلّف في القصر، ثم مسار المحلاّت حصنًا حصنًا، ثم يوم الدخول إلى قرطبة وعدد أيام الغزاة جملةً. ويقرن كل تاريخ هجريّ بمقابله من الشهور الشمسية، وهي قرينةٌ على أن المادّة منقولة عن ديوانٍ أو حوليّة مضبوطة، وإن لم يسمّ ابن عذاري مصدرها. ولا يذكر عريبًا في القسم كله إلا مرة واحدة، في خبر عبد الرحمن بن عمر بن حفصون الذي أسلم حصن طُرُّش سنة ٣٠٧ وكان «صاحب كتب، حسن الخط، ضعيف العقل»؛ قال عريب: «وقد صار بعد ذلك ورّاقًا» [ص ٢١٩].

ومحور هذه الغزوات تفكيكُ بيت ابن حفصون حصنًا حصنًا. تسقط حصون إلبيرة وجيّان ووادي آش في الغزاة الأولى، ويأمر الناصر بضرب رقاب من أُخرج من حصن شبيلش «حتى أُبيحوا عن آخرهم» [ص ٢١٤]. وفي سنة ٣٠٥ يذكر هلاك عمر بن حفصون في فصلٍ مفرد، ويسمّيه «عميد الكافرين ورأس المنافقين»، ويعدّ هلاكه «من أسباب الإقبال وتباشير الصنع» [ص ٢١٨]. ثم يتتبّع بنيه: جعفر قتله أصحابه غيلةً سنة ٣٠٨ [ص ٢٢٢]؛ وسليمان صُرع عن فرسه سنة ٣١٤ فرُفعت جثته على باب السدّة، ووافى نزولُ الغيث بعد استسقاءٍ متكرر يومَ رُفعت، فقالت الشعراء في اقتران الغيثين: «غياثان فينا واكفان من الحَبا / ولكنْ ذا رِجسٌ وذاك طهور» [ص ٢٢٧]؛ وحفص طلب الأمان فقدم قرطبة سنة ٣١٥، «وأوسعه أمير المؤمنين صفحه وعفوه» [ص ٢٢٨].

وذروة هذا الخطّ سنة ٣١٦، حين يدخل الناصر مدينة ببشتر بعد افتتاحها فيوقن «ألا نظير لها في الأرض حصانةً ومنعةً»، ويلتزم الصوم أيام مقامه بها. ثم يأمر بنبش قبرَي عمر بن حفصون وابنه، «فأُلقيا مدفونَين على ظهورهما كما يتدافن النصارى؛ وشهد ذلك عامّة الفقهاء الغازين مع الناصر»، فحُملا إلى باب السدّة ورُفعا إلى جنب سليمان [ص ٢٢٩]. ويختم المشهد بجملةٍ تلخّص السياسة كلها: نقلُ من كانت نفسه تائقة إلى الفتنة إلى قرطبة «ليكون الناس أمّةً واحدة، ورعيّةً ساكنةً وادعة» [ص ٢٢٩].

الجهاد في الشمال: مويش وبنبلونة وطليطلة

يعقد المؤلّف لغزوات دار الحرب فصولًا معنونة بأسمائها. ففي سنة ٣٠٦ «غزوة مطونية» خرج بها الحاجب بدر بن أحمد، وقُرئ «كتاب الفتح» في الجوامع [ص ٢١٩]. وفي سنة ٣٠٨ «غزوة مويش»، وهي أوسع ما وصفه: النزول على طليطلة وخروج لُبّ بن الطُّربيشة صاحبها «يُظهر طاعةً تحتها معصية»، ثم حصن وخشمة الذي أُخذ أهله على غِرّة وقد كان علجُهم كاتب أمير المؤمنين مكايدةً «فأظهر قبول ذلك منهم وأضمر الكيد بهم»، ثم مدينة قلونية «وكانت من أمّهات مدنهم» فأُلفيت خالية فخُرِّبت ديارها وكنائسها، ثم الوقعة التي لجأ فيها أزيد من ألف عِلج إلى حصن مويش فضُربت رقابهم بين يديه. ويختم بصورةٍ لافتة: بلغت الأطعمة في العسكر حدًّا صار القمح فيه «ستة أقفزة بدرهم فلا يوجد من يشتريه؛ فجُمعت الأطعمة وأُدخلت النار إليها» [ص ٢٢٠–٢٢٢].

وفي سنة ٣١٢ غزاة بنبلونة، خرج إليها مبكّرًا قبل ميقات الصوائف لِما دار على بني لُبّ وبني ذي النون بحصن بقيرة، فأوغل حتى بلغ قرية بشكونشة «التي إليها ينسب العلج ومنها أصله» فهُدمت وأُحرقت، ثم دخل بنبلونة «فوجدها خالية مقفرة»، فأمر بتخريب كنيستها «حتى لقد جُعلت قاعًا صفصفًا» [ص ٢٢٤–٢٢٦]. وفي غزاة ٣١٣ خبرٌ إنسانيّ نادر: استجلب الناصر وليَّ عهده الحكم إلى معسكره «وهو في ذلك الوقت ابن عشرة أعوام وثمانية أشهر ونصف، إذ استوحش له وتاقت نفسه الكريمة إليه» [ص ٢٢٦].

وأمّا طليطلة فيصنع لها قوسًا كاملًا: إعذارٌ إلى أهلها سنة ٣١٨ بإرسال الفقهاء يدعونهم إلى الطاعة «إذ كانوا لا يؤدّون جباية ولا يلتزمون طاعة» [ص ٢٣١]، ثم حصارٌ وبناءُ مدينةٍ على جبل جرنكش سمّاها «الفتح» [ص ٢٣٢]، ثم الاستئمان سنة ٣٢٠، مع تعليلٍ صريح لمقاومتها الطويلة: «ولِما اعتاده أهلها من مداخلة المشركين وموالاتهم والاستمداد على الخلفاء بهم؛ فكم أعيت الملوك، وانصرفت عنها الصوائف بغير نُجح» [ص ٢٣٣–٢٣٤].

إعلان الخلافة سنة ٣١٦

يعطي ابن عذاري هذا الحدث موضعه من الحوليات لا فصلًا مستقلًّا، لكنه يفعل فيه ما لا يفعله في غيره: يورد نصّ الرسالة كاملًا ويعتذر عن إثباته بأنه اجتلبها «لما فيها من إيعاب القول واستبقاء الحجة وظهور الحقيقة» [ص ٢٣٠]. وفي الرسالة لبّ الحجّة: «وقد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين… إذ كلّ مدعوٍّ بهذا الاسم غيرنا مُنتحِلٌ له، ودخيلٌ فيه، ومتّسمٌ بما لا يستحقه»؛ وتاريخُه الخميس لليلتين خلتا من ذي الحجة سنة ٣١٦، والخطبةُ قبله بيوم على لسان أحمد بن بقيّ [ص ٢٢٩–٢٣٠]. ويقرن الإعلانَ بسياق السنة نفسها: افتتاح ماردة وشنترين بلا حرب، وإقامة دار السكّة داخل قرطبة لضرب الدنانير والدراهم من خالص الذهب والفضة [ص ٢٢٩].

العدوة والمشرق: سبتة والأدارسة ورسل الروم

بعد سنة ٣٢٠ ينكسر النَّسق. تختفي صيغة «برز… وفصل… واستتمّ في غزاته كذا يومًا»، ويصير السرد مختصرًا متقطعًا، ومادّته الغالبة أخبار العدوة. ففي سنة ٣١٩ كاتب موسى بن أبي العافية صاحبُ الغرب الناصرَ فأمدّه بالخِلع والأموال؛ وفي السنة نفسها «افتتح الناصر مدينة سبتة… وصارت مفتاحًا للغرب والعدوة من الأندلس، كما هي الجزيرة وطريف مفتاح الأندلس من العدوة» [ص ٢٣٢]. وسنوات ٣٢١ إلى ٣٢٤ لا يرد فيها شيء من أخبار الأندلس البتّة، وإنما وفاة عبيد الله الشيعي الملقّب بالمهدي سنة ٣٢٢، ووصول ميسور الصقلي إلى فاس سنة ٣٢٣، وظهور أبي يزيد مخلد بن كيداد بجبل أوراس سنة ٣٢٤ [ص ٢٣٤]. وتبقى الحوليات على هذا النحو إلى ٣٥٠: أخبار زناتة وبني خزر، ورسلُ أبي يزيد «صاحب الحمار» التي «اتصلت كتبه ورسله على قرطبة من ذلك الوقت إلى حين وفاته» [ص ٢٣٦]، والأمرُ سنة ٣٤٤ «بإطلاق اللعن على ملوك الشيعة بجميع منابر الأندلس» [ص ٢٣٩].

ومن أوسع ما وقف عنده سفارتا ملك الروم. الأولى سنة ٣٣٤ من قسطنطين بن ليون، قعد لها الناصر على سرير الملك وابنُه الحكم عن يمينه والوزراء صفوفًا، فدخل الرسل «وقد دهشوا لهول ما عاينوه»، وكان الكتاب «مصبوغًا بلونٍ سماويّ مكتوبًا بالذهب» [ص ٢٣٦]؛ والثانية سنة ٣٣٨، ويصفها بأنها «الجلوس المشهور الذي ما تهيّأ مثله لملكٍ قبله» [ص ٢٣٧]. وفي سنة ٣٤٥ يذكر قدوم رسول الناصر من عند أردون بن ردمير ومعه حسداي بن شبروط اليهودي بكتابٍ راغبٍ في الصلح [ص ٢٣٩].

الزهراء والجامع وأخبار الناصر ووفاته

بناء الزهراء ابتُدئ من أول سنة ٣٢٥، وكان يُصرف فيها كل يوم ستة آلاف صخرة من الصخر المنجور، وجُلب الرخام من قرطاجنّة إفريقية ومن تونس، والمتولّي للبنيان ابنُه الحكم «لم يتّكل الناصر فيه على أمينٍ غيره» [ص ٢٣٥، ٢٤٤]. ويورد أرقام الجباية — خمسة آلاف ألف وأربعمئة وثمانون ألف دينار من الكور والقرى — وقد قُسمت أثلاثًا: للجند، وللبناء، ومدّخر [ص ٢٤٤]. ولمّا جرى ذكر الجامع استطرد إلى تاريخه كلّه «على سبيل الاختصار»، ناقلًا عن الرازي عن الفقيه محمد بن عيسى خبرَ مشاطرة المسلمين لأعاجم قرطبة في كنيستهم العظمى، ثم شراءَ عبد الرحمن الداخل للشطر الباقي وبناءه الجامع سنة ١٦٩ [ص ٢٤٣].

أما شخص الناصر فيرسمه من الأخبار لا من الأوصاف: حكاية ابن السليم الذي احتجن الأموال فعرّض له الناصر مرارًا حتى صارحه بأنه لا يعطيه منه درهمًا، فأطرق الناصر يتلو ﴿إن يسألكموها فيُحفِكم تبخلوا﴾ ثم آنسه، وبعث إليه ابن السليم بعد أيام بمئة ألف دينار — والخبر عن حيّان بن خلف [ص ٢٤١]. ويعتذر عن ترك أشعار المدح: «ولكن المذهب هنا الاقتصار والإيجاز والاختصار» [ص ٢٤١].

ويختم الترجمة بأشهر ما فيها: توفي الناصر سنة ٣٥٠ في صدر رمضان، «ووُجد بخطه تاريخٌ قال فيه: أيام السرور التي صفَت لي دون تكدير في مدة سلطاني يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا. فعُدّت تلك الأيام، فوُجد فيها أربعة عشر يومًا». ثم يخاطب القارئ في موعظة: «فاعجب أيها الغافل لهذه الدنيا وعدم صفائها» — ملَك خمسين سنة وسبعة أشهر وثلاثة أيام «ولم يصفُ له من الدنيا إلا أربعة عشر يومًا» [ص ٢٤٤]. ولم ينسب هذه الحكاية إلى أحد.

خلافة الحكم المستنصر بالله (٣٥٠–٣٦٦)

بويع الحكم لثلاثٍ خلون من رمضان سنة ٣٥٠، وكانت دولته خمس عشرة سنة وسبعة أشهر وثلاثة أيام، وقضاته منذر بن سعيد البلّوطي قاضي أبيه ثم محمد بن السليم. وأول عهدٍ أنفذه — في اليوم الثاني من خلافته — الزيادةُ في جامع قرطبة، وقلّد ذلك حاجبه جعفر الصقلي. ثم حبس رُبعَ جميع ما ورثه عن أبيه في كور الأندلس على ثغورها، تُفرَّق غلاّته على ضعفائهم «إلا أن تكون بقرطبة مجاعة فتُفرَّق فيهم» [ص ٢٤٥]. ويتتبّع بناء الزيادة سنةً سنة: القبّة على المحراب سنة ٣٥٤، وتنزيلُ الفسيفساء التي بعث بها ملك الروم — ثلاثمئة وعشرون قنطارًا ومعها صانعها — بعدما كتب الحكم يطلبها «افتداءً بما فعله الوليد بن عبد الملك في بنيان مسجد دمشق»، ثم تعلُّم مماليكه الصنعة حتى «أبدعوا وأربوا عليه» [ص ٢٤٧]. ويثبت النفقة بخطّ الحكم نفسه، ويعلّق عليها تعليقًا نصّيًّا صريحًا يبيّن أنه نقل الأصل «مندرسًا» ثم تعرّف صحته من الثقات [ص ٢٤٨].

وفي حوليّاته: غزوةُ بلاد الروم سنة ٣٥١، ووفادةُ أردون بن إذفونش الأحدب، وبيعةُ شانجة بن ردمير له [ص ٢٤٦]، وظهورُ أسطول المجوس في بحر الغرب سنة ٣٥٥ حتى بلغوا بسيط أشبونة، وأمرُه ابنَ فطيس بإقامة أسطولٍ بنهر قرطبة «واتخاذ المراكب فيها على هيئة مراكب المجوس» [ص ٢٤٧–٢٤٨]. وأما العدوة فحروبٌ متصلة مع الحسن بن قنّون الحسني من ٣٦١ إلى ٣٦٣ انتهت بإذعانه وقدومه مع بني إدريس إلى قرطبة سنة ٣٦٤ [ص ٢٥١]. ولمقتل زيري بن مناد سنة ٣٦٠ عنوانٌ خاص، ينقل فيه نسب جعفر ويحيى ابني علي بن حمدون عن محمد بن يوسف الورّاق، ثم يورد خبرًا موازيًا عن ابن حمّاده في هزيمة بلقّين بن زيري لمحمد بن الخير أمير زناتة الذي «اتّكأ على سيفه فذبح به نفسه أنَفةً من أن يملكه بلقّين» [ص ٢٤٩].

وفي هذه الترجمة يُدخل محمدَ بن أبي عامر إلى المسرح، ويعقد له فصلًا، ويقدّم روايتين متجاورتين لا يرجّح بينهما. الأولى عن «بعض المؤرخين» عن ابن حسين الكاتب وأبي إسحاق الإفليلي وغيرهما من المشيخة: أن المصحفي رشّحه، فنصبه الحكم وكيلًا لولده عبد الرحمن الدارج ثم لهشام، ويثبت التواريخ بالأيام وقدْر المرتّب: خمسة عشر دينارًا في الشهر. والثانية بصيغة «وقيل أيضًا»: أن سبب ظهوره خدمتُه للسيدة صُبح البشكنشية، «فكانت أقوى أسبابه في تنقيل الملك عمّا قليل إليه». ويتوّج ذلك بكلمة الحكم لبعض ثقاته: «إنه لساحرٌ عليم، أو خادمٌ لبيب! وإني لخائفٌ على ما بيده!» [ص ٢٥٢–٢٥٣].

هشام المؤيّد وصعود ابن أبي عامر

في بطاقة هشام يقفز المؤلّف إلى ما بعد نهاية السفر: بويع لأربعٍ خلون من صفر سنة ٣٦٦ وهو ابن إحدى عشرة سنة وثمانية أشهر، وخُلع سنة ٣٩٩ [ص ٢٥٤].

وأخطر ما في هذا الفصل مشهد ليلة موت الحكم. خفي الموت على الوزير جعفر المصحفي وسائر أهل المملكة لطول تردُّده في العلّة، وتفرّد بعلمه خادماه فائق وجَوذر، فعزما على ردّ الأمر إلى المغيرة بن الناصر خشية اضطرابه على هشام لصغره. فأحضرا جعفرًا ونعيا إليه الحكم وعرضا عليه رأيهما، فأظهر لهما الموافقة ثم خرج فضبط باب القصر واستحضر قوّاد الأجناد وفيهم محمد بن أبي عامر [ص ٢٥٦–٢٥٧]. ولمّا كعّ القوم عن قتل المغيرة بدرهم ابن أبي عامر: «أنا أتحمّل ذلك عنكم». فركب إليه ونعى إليه أخاه، فقال المغيرة: «أعلمهم أني سامعٌ مطيعٌ وافٍ ببيعتي»؛ فرقّ له محمد وكتب إلى جعفر يستأذنه، فردّ عليه: «غررتنا من نفسك؛ فانفذ لشأنك، أو فانصرف نرسل سواك». فعرض ابن أبي عامر الرقعة على المغيرة وزال عن وجهه، فخُنق في مجلسه وعُلّق جسده «كهيئة المختنق من تلقاء نفسه، وذلك كله بمعاينة حرمه»، وسنّه يومئذ سبع وعشرون سنة [ص ٢٥٧]. ثم تُحصد شوكة الصقالبة: سدُّ باب الحديد بالحجر، ونقلُ الغلمان إلى قيادة ابن أبي عامر حتى صار يطأ عقبه منهم خمسمئة غلام، ومقتلُ دُرّي الفتى، وخروج فائق إلى الجزائر الشرقية حيث مات [ص ٢٥٨].

ثم يتتبّع الغزوات الثلاث الأولى بوصفها أدواتِ صعود لا وقائعَ حرب فحسب: الأولى في رجب سنة ٣٦٦ إلى حصن الحامة من جلّيقية، «فعظم السرور به، وأخلص الجند له، لما رأوا من كثرة جوده وكرم عشرته وسعة مائدته»؛ والثانية يوم الفطر من السنة نفسها، اجتمع فيها بغالب الناصري بمدينة مجريط وخدمه «خدمةَ ملَكَ بها نفسه»، وأوصاه غالب: «إياك أن تخرج عن الدار حتى تعزل ابن جعفر عن المدينة وتتقلّدها دونه» [ص ٢٥٩]؛ والثالثة سنة ٣٦٧ على طليطلة وشلمنقة، فرُفع راتبه بعدها إلى راتب الحجابة، وزُفّت إليه أسماء بنت غالب ليلة النيروز من قصر الخليفة [ص ٢٦٠].

وفي نكبة المصحفي يتحول القلم إلى نثرٍ مسجوع مقتبس: ينقل عنه ابن بسّام أنه «رجلٌ بلغ المنتهى، وسوّغ برهةً من دهره ما اشتهى» [ص ٢٥٤]، ويحكي عن محمد بن إسماعيل كاتب المنصور مشهدَ تسليم جسده إلى أهله: «وليس عليه شيء يواريه غير كساءٍ خَلَقٍ لبعض البوابين… وما معنا إلا إمام المسجد» [ص ٢٦١]. وفي سبب موته يقف عند حدّ الروايتين: «فقيل قُتل خنقًا في البيت المعروف ببيت البراغيث في المطبق؛ وقيل دُسّت إليه شربةٌ مسمومة» [ص ٢٦١].

استبداد المنصور وغزوة شنت ياقوب ووفاته

يعقد فصلًا عنوانه «استبداد ابن أبي عامر بالملك وتغلّبه عليه»، ويقيس ما فعله بمقياسٍ مشرقي: «جرى في ذلك مجرى المتغلّبين على سلطان بني العباس بالمشرق من أمراء الديلم، حتى أورث ذلك عقبه» [ص ٢٦٢]. وأمر ببناء الزاهرة سنة ٣٦٨ وانتقل إليها سنة ٣٧٠، فنقل إليها الدواوين وكتب إلى الأقطار أن تُحمل إليها الأموال والجبايات، «وحذّر أن يعوج عنها إلى باب الخليفة عائج». ويصف حصار الخليفة في قصره بسورٍ وخندق وحرّاس، حتى بقي هشام «مهجور الفناء، محجور الغناء، خفيّ الذكر… لا يُعهد منه إلا الاسم السلطاني في السكة والدعوة» [ص ٢٦٤]، ثم يشيع ابن أبي عامر «أن السلطان فوّض إليه النظر في أمر الملك وتخلّى له عنه لعبادة ربه» [ص ٢٦٥]. وسنة ٣٧١ تسمّى بالمنصور ودُعي له به على المنابر، وأُخذ الوزراء بتقبيل يده، «ولم يجعل فرقًا بينه وبينه إلا في الاسم وحده في تصدير الكتب» [ص ٢٦٦].

ويُلخّص المؤلّف سياسته في جملةٍ صريحة الحكم: «وكان المنصور آيةً من آيات فاطره دهاءً ومكرًا وسياسة: عدا بالمصحفيّة على الصقالبة حتى قتلهم وأذلّهم؛ ثم عدا بغالب الناصري على المصحفية حتى قتلهم وأبادهم؛ ثم عدا بجعفر بن الأندلسي على غالب حتى قتله؛ ثم عدا بنفسه على جعفر وقتله؛ ثم انفرد بنفسه» [ص ٢٦٨]. وموتَ غالب يورده على حالة الشكّ: وُجد مقتولًا في مجال الخيل، «فقيل إن قربوس سرجه قتله. وقيل غير ذلك» [ص ٢٦٥]. ومقتلُ جعفر بن علي بن حمدون سنة ٣٧٢ مشهدٌ كامل: كأسٌ يأمر المنصور الساقيَ أن يناولها «أعزّ الناس عليّ»، ثم سُكرٌ ورقص، ثم سيوفُ أبي الأحوص النجيبي في جوف الليل، «فأظهر ابن أبي عامر الحزن عليه» — ثم قتل أبا الأحوص بعد ذلك. وكذلك قتلُ الحسن بن قنّون سنة ٣٧٥ بعدما أمّنه قائد الجيش: «فلم يُمضِ ابن أبي عامر أمانه، وأمر بقتله ليلًا في الطريق بغيًا وتعديًا، لأن أمان قائده أمانه» — وهذه إدانةٌ صريحة بلسان المؤلّف [ص ٢٦٦].

وأشدّ فصول القسم قتامةً مقتلُ ابنه عبد الله سنة ٣٨٠. تدبّر عبد الرحمن بن مطرّف صاحب سرقسطة مع عبد الله على أبيه، على أن يقتسما الأندلس: الحضرة لعبد الله والثغر لعبد الرحمن [ص ٢٦٧]. فاحتال المنصور حتى صرف عبد الرحمن عن سرقسطة ثم قتله بالزاهرة، وفرّ عبد الله إلى غرسية بن قرذلند صاحب آلبة، فغزاه المنصور وأقسم ألا يقلع حتى يُمكّنه من ولده، حتى سلّمه غرسية. فحُمل «وهو متطلّق، قويّ الرجاء في الإقالة»، ثم وُكّل به من قتله: «فلم يمتنع لهم وترجّل، ومشى إلى السيف متطلّقًا؛ فظهرت منه عند الموت صرامةٌ عجب لها من شاهده»، وضُربت عنقه صبرًا وسنّه ثلاث وعشرون سنة، وأُنفذ رأسه إلى الخليفة مع كتاب الفتح [ص ٢٦٨].

ولا يقتصر ابن عذاري على العنف. يفرد للمنصور بابًا في العدل، منه خبر فصّاده محمد الذي وجده رسولُه محبوسًا في سجن القاضي ابن زرب فأمر بإعادته إلى محبسه بعد الفراغ من عمله: «إنه القاضي وهو في عدله، ولو أخذني الحقّ ما أطقت الامتناع منه» [ص ٢٧٠]. ومن أخباره إحراقُ ما كان في خزائن الحكم من كتب الدهرية والفلاسفة بمحضر كبار العلماء، «واستولى على حرق جميعها بيده» [ص ٢٧١].

ولغزوة شنت ياقوب فصلٌ خاص «على سبيل الاختصار» [ص ٢٧٢]، يقدّم له بتعريف المكان عند النصارى: «وكانت كنيستها عندهم بمنزلة الكعبة عندنا؛ فيها يحلفون وإليها يحجّون من أقصى بلاد رومة وما وراءها»، ويقرّر أنه «لم يطمع أحد من ملوك الإسلام في قصدها ولا الوصول إليها، لصعوبة مدخلها وخشونة مكانها وبُعد شُقّتها». وخرج المنصور في جمادى الآخرة سنة ٣٨٧، وهي غزوته الثامنة والأربعون، فوجد المدينة «خالية من أهلها؛ فحاز المسلمون غنائمها وهدموا مصانعها وأسوارها وكنيستها وعفّوا آثارها». ويقيّد استثناءً واحدًا: «ووكّل المنصور بقبر ياقوب من يحفظه ويدفع الأذى عنه»؛ ولم يجد عنده «إلا شيخًا من الرهبان جالسًا على القبر… فأمر المنصور بالكفّ عنه» [ص ٢٧٣].

ويختم بخبرٍ ينسبه إلى ابن حزم: كانوا مع المنصور في زورقٍ بالنهر الذي بين يدي الزاهرة، فأقبل على مدينته يخاطبها: «فليت شعري من المُبيد الذي يُعدمك ويوهن ركنك ويهدمك»؛ فظنّ الحاضرون أن الراح غلبت عليه، فقال: «سيظهر عليها عدوّنا في أقرب مدة فيهدم هذا كله ويعدمه. وكأني بحجارتها في هذا النهر!» [ص ٢٧٤]. ثم يورد وفاته سنة ٣٩٢ وهو ابن خمس وستين سنة وعشرة أشهر، ومدّةَ قيامه بالدولة منذ تقلّد الحجابة خمسًا وعشرين سنة وأربعة وأربعين يومًا، وأن غزواته كانت سبعًا وخمسين غزوة «باشرها كلها بنفسه، وهو في أكثرها يشكو من النقرس» [ص ٢٧٥]. وبهذا ينتهي السفر الأول.

ملاحظات على حال النصّ

النصّ صالحٌ في جملته، لكنّ فيه ما لا يُقرأ بيقين. أسماء المواضع مضطربة الرسم: يرد حصن ابن حفصون بصور «بربشتر» و«ببشتر» و«بهشتر» و«برنشتر» [ص ١٩٥، ٢٠٥، ٢١٩]، فيلتبس بموضع بربشتر في الثغر الأعلى الذي دخله محمد بن عبد الملك الطويل سنة ٢٩٤ [ص ٢٠٦]؛ وكذلك يضطرب اسم ملك الجلالقة بين «إذفنش» و«إذفونش». ومواضع بعينها تعذّر عليّ ضبطها: «حصن لحروسه؟» بعلامة استفهام في المطبوع، وتسميةُ مجاعة سنة ٢٨٥ بـ«سنة لم أظنّ» [ص ٢٠٥]؛ وخبرُ ملوك جلّيقية «وولي أخاه رذمير مكانه في سنة ١٩» بسقوط المئات [ص ٢٢٦]؛ وجملةُ «وكان يمدينة العسكر من أحواز بلنسية» [ص ٢٢٤] لم أفهمها على وجهها.

وفي الكتاب تعارضٌ داخليّ لافت: يقول إن ابن أبي عامر «ملك بلاد الغرب إلى سنة ٣٩٧» [ص ٢٦٧]، وهي متأخرة عن وفاته سنة ٣٩٢ التي يثبتها هو نفسه [ص ٢٧٥]. كما تُذكر في بطاقة هشام سنةُ خلعه ٣٩٩ [ص ٢٥٤] وهي خارج مدى السفر كله.

وأما بنية السرد فتنقلب انقلابين. الأول عند سنة ٣٢٠: تنتهي عندها الحوليّة المفصّلة بصيغتها الثابتة، وتصير السنون من ٣٢١ إلى ٣٥٠ مختصرةً غالبُ مادتها أخبار العدوة وإفريقية والسفارات [ص ٢٣٤–٢٤٠]. والثاني عند دخول الدولة العامرية: يترك المؤلّف الحوليّة أصلًا ويكتب فصولًا موضوعية معنونة، ويستكثر من النقل عن الفتح بن خاقان وابن بسّام بنثرهما المسجوع [ص ٢٥٤، ٢٦٣]، ومن أخبار ابن حيّان [ص ٢٤٦، ٢٦٦، ٢٧٠]. والصفحات ١٩٥–٢٧٥ كلها متّصلة النصّ، ليس فيها بياضٌ ولا فهارس؛ وينتهي المتن السرديّ بوفاة المنصور في الصفحة الأخيرة نفسها، متبوعًا بخاتمة الناسخ [ص ٢٧٥].