Chapter 1 · Introduction
تمهيد

تردّ المؤلفة قلّة ما كُتب عن نصارى الأندلس إلى انحياز المصادر وانحياز المؤرخين المحدثين، وتبني كتابها على أن يعبر المؤرخ الحدّ بين اللاتينية والعربية كما عبرته المصادر.

يسأل التمهيد لماذا صار نصارى الأندلس حاشيةً في تاريخها، ويردّ ذلك إلى انحيازين: انحياز المصادر، وانحياز المؤرخين المحدثين الذين قرؤوها. أمّا المصادر فإنّ النصارى قلّما كتبوا بعد الفتح. آخر حوليةٍ لاتينية كُتبت في الأندلس (والحولية تاريخٌ يسرد الأحداث على السنين) ترجع إلى سنة ٧٥٤م، ثم دوّن إيولوخيو بعد قرنٍ خبرَ حركة الشهداء في قرطبة، ثم كاد القلم اللاتيني يسكت. وأكثر ما بقي بعد ذلك مكتوبٌ بالعربية، كتبه مؤرخون لم يعنوا بأهل البلاد، فلا يذكرون النصارى إلا عرضاً: في خبر فتنةٍ على الثغر، أو في مسألةٍ فقهية، أو في اسمٍ عربي لا يُعرف أنّ صاحبه نصراني إلا بلقبٍ يلحقه كـ«الأسقف» أو «القومس» (ص ٢)، والقومس لقبٌ لاتيني الأصل لمن ولي أمر النصارى. ثم جاءت التواريخ الكبرى، من كوندي ودوزي إلى ليفي بروفنسال، فنقلت هذا الانحياز بأمانة، حتى إنّ تاريخ كينيدي الحديث للأندلس لا يفرد لهم من الفتح إلى سقوط الخلافة إلا ثلاث صفحات.

أشدّ ما بناه المحدثون على صمت المصادر افتراضٌ لم يمتحنوه: أنّ المجتمع النصراني لم يصمد، وأنّ اختفاء النصارى من السجلّ لا تفسّره إلا الهجرة إلى الشمال أو الدخول في الإسلام. والتقديرات في ذلك متباعدةٌ أشدّ التباعد؛ فإبالثا يرى أنّ أكثرهم كانوا قد أسلموا بنهاية القرن الثامن، وريلي يرى أنهم ربما ظلّوا نحو ثلاثين في المئة من سكان شبه الجزيرة في القرن الحادي عشر. أشهرها تقدير بوليت، وقد أرّخ إسلامَ كل أسرة بأول اسمٍ عربي يظهر في نسبها في كتب التراجم، وهي الكتب التي تجمع سِيَر العلماء والأعيان، فانتهى إلى أنّ نصف النصارى كانوا قد أسلموا بأواسط القرن العاشر، وثمانين في المئة منهم بحلول القرن الحادي عشر. في هذا يظهر خلاف المؤلفة مع سابقيها أوضح ما يظهر، فهي تطعن في النتيجة من جهة العيّنة: مئة وأربعة وخمسون نسباً من خمسة مصادر، يكاد أصحابها جميعاً يكونون ممن نشطوا في قرطبة، في كتبٍ لا تترجم إلا لخاصة الناس، وهؤلاء خمسة في المئة من السكان على أكثر تقدير.

«منهج بوليت أشبه بأن يُستخلص حالُ سكان بريطانيا في القرن العشرين من دراسةٍ لكتاب «من هو».» (ص ٣)

«من هو» معجمٌ بريطاني يترجم لأعيان البلد وحدهم. فالأنساب تُظهر ميلاً متسارعاً إلى الإسلام في الطبقة العليا، وقد تدلّ على أنّ الإسلام كان طريق النصراني الأول إلى تلك المكانة؛ أمّا أن يُعمَّم ذلك على عامة الناس فلا يصحّ.

أمّا انحياز المؤرخين فمصدره روايةٌ كبرى ورثها الإسبان عن مؤرخي أستورياس في القرن التاسع، خلاصتها أنّ حروب الاسترداد، وهي الحروب التي خاضتها ممالك الشمال النصرانية لاستعادة شبه الجزيرة، حرّرت البلاد من نير المسلمين. في داخل هذه الرواية كتب سيمونيت مجلّده الضخم في «المستعربين»، ولكل من جاء بعده دَينٌ له لا يُنكر؛ لكنه كتب بوصفه «كاثوليكياً قبل أن يكون دارساً للعربية أو أستاذاً»، فروى قصة نصارى محاصَرين يحفظون شعلة الكاثوليكية تحت حكمٍ غريب عنهم (ص ٤). ثم أعاد كاخيغاس القصة بعده بخمسين سنة من منظورٍ قومي. وفي الأفق نفسه دار الجدل بين سانشيث ألبورنوث وأمريكو كاسترو: هل كانت إسبانيا في حقيقتها بلداً كاثوليكياً أوروبياً، أم أفردها ميراثها الإسلامي عن أوروبا؟ ترى المؤلفة أنّ سقوط فرانكو وعلمنة المجتمع الإسباني واندماجه في أوروبا أفقدت هذا الجدل راهنيّته، وأنّ ضعف الرواية الكبرى نفسها هو ما يسوّغ أن تُفحص الشواهد من جديد.

ثمّة عائقٌ آخر أحدث عهداً، وفي تجاوزه يقوم اقتراح الكتاب، هو انقسام الدارسين بين دارسين للعربية يُتّهمون بقلة النقد لمصادرهم، ومؤرخين لا يقرؤون إلا اللاتينية فيفوتهم لبّ الشواهد (ص ٥). تذهب المؤلفة إلى أنّ صعوبة العربية على الباحث الأوروبي تغذّي وهماً بأنّ التواريخ العربية أغرب على العقل الحديث من الحوليات اللاتينية، وأنّ هذا الوهم قد يرجع إلى ارتيابٍ معاصر في الإسلام أكثر مما يرجع إلى طبيعة المصادر؛ فمن تعلّم أن يستخرج التاريخ من أخبار القديسين، أي سِيَرهم وكراماتهم المكتوبة على رسومٍ ثابتة، لا يعجزه الخبر العربي. ثم تحذّر من استشراقٍ، أي دراسةٍ غربية للشرق، يطلب الغريب فيجده، فيحوّل هسبانيا من مملكةٍ نصرانية ورثت روما إلى «حديقة شعراء» لا مكان لها في تاريخ أوروبا (ص ٦).

على الطرف المقابل مؤرخون، أبرزهم كولينز، ردّوا الرواية العربية جملةً لأنّ الأسطورة ظاهرةٌ فيها، ولأنّ أكثر ما في الكتب المدرسية من تاريخ الأندلس مأخوذٌ من «نفح الطيب» للمقري في القرن السابع عشر. لا تنكر المؤلفة ما في هذه المصادر من مزالق. قيمتها معلّقةٌ على دعوى أصحابها أنهم ينقلون ألفاظ من سبقهم ولا يزيدون عليها، وهي الدعوى التي صاغها الطبري في مقدمة تاريخه، والمؤلفون فيها ينسخون الروايات المتناقضة للحدث الواحد متجاورةً بلا تعليق، والمقري نفسه يعترف بأنه عجز عن الترجيح بين مصادره، وكان كتّاب التاريخ في الغالب من ندماء الأمراء. غير أنها تخلص إلى أنّ التواريخ العربية لا تختلف في ذلك كثيراً عن الحوليات اللاتينية المعاصرة لها، وأنّ ما فيها عن النصارى جديرٌ بفحصٍ أدقّ، ومثله ما كتبه النصارى أنفسهم بالعربية على قلّته (ص ٦–٧). فإلى هذا ترجع القاعدة التي يقوم عليها الكتاب:

«لمّا كانت المصادر تعبر الحدّ الفاصل بين اللاتينية والعربية، فعلى المؤرخ أن يعبره معها.» (ص ٧)

تعني بالعبور أن يعامل المؤرخ التواريخ العربية بما عامل به النصوص اللاتينية من أدوات النقد النصي، فيسأل عن المخطوطة وكيف انتقلت وعن قرب النسخة الباقية من أصلها وعن الجمهور الذي كُتب له النص، وأن ينظر إلى البلاغة على أنها جزءٌ من الواقع الذي يدرسه، لا غشاءٌ يكشطه بمبضعه (ص ٧).

تختم المؤلفة الفصل بمقارنةٍ بين الفتوح تبيّن بها لماذا يستحق هذا الفتح بعينه أن يُقرأ من جهة المغلوبين. فأكثر تواريخ الإمبراطوريات كتبها الغالبون من موقع التفوق الثقافي، كما فعلت روما مع برابرتها والإسبان في العالم الجديد والإنجليز في الهند (ص ١٢–١٣). أمّا الذين قدموا إلى هسبانيا، وهم خليطٌ من العرب والبربر، فلم يكونوا في موضعٍ يسمح لهم بأن يسودوا الحياة العقلية في شبه الجزيرة، ولم يدعوا الناس إلى دينهم، واعتمدوا على إدارييها كما فعلوا في المشرق، ولم تمِل كفّة الثقة بالثقافة الإسلامية إلا بعد أن اتصلت قرطبة بحواضر المشرق وصارت العربية لغة المعاملات الرسمية كلها. فلمّا سقطت الخلافة انعكست الحركة، وحفظت حروبُ الاسترداد، حين أعادت اللاتينية إلى الصدارة، بعضَ ما كتبه النصارى في العصر الإسلامي. في هذه البقية لمحةٌ من أثر الفتح وتحوّل الثقافة كما رآهما المغلوبون.