في هذا الفصل القصير تقابل المؤلفة بين مدينتين تفاوت حظّهما من المصادر: قرطبة الأموية، وقد أفاضت فيها الكتب العربية حتى صارت أسطورة، وطليطلة القوطية، ولا تذكرها المصادر إلا حين تثور. حجّتها فيه أنّ صورة الأولى صنعها الحنين الأدبي، وأنّ غياب الثانية صنعته أغراض المؤرخين من الجانبين، وأنّ طليطلة، لا قرطبة، هي المدينة التي بقي فيها ماضٍ نصراني متصل.
أوّل ما تمتحنه الأرقام. يقول ابن حوقل، وقد زار الأندلس سنة ٩٤٨م، إنّ قرطبة تقارب نصف بغداد؛ فمن أخذ كلامه على ظاهره وضمّ إليه رقم الملايين الأربعة المتداول لبغداد خرج بمدينةٍ يسكنها مليون نفس، وبهذا الحجم يرسمها أطلسٌ تاريخي حديث. أمّا ابن عذاري فيعدّ فيها ثلاثمئة حمّام وثلاثة آلاف مسجد لم يبقَ منها إلا ثلاث مآذن (ص ١٥)، وعبارته: «ومساجدها ثلاثة آلاف… وعدد حماماتها ثلاثمائة حمام» (البيان المغرب، ج ٢، ص ٢٣٢). ثم يعدّ في الموضع نفسه أرباض قرطبة، أي أحياءها الممتدة خارج السور، ثمانيةً وعشرين، في حين تنقل المؤلفة عن ابن بشكوال، فيما رواه المقري، أنها واحدٌ وعشرون (ص ١٦)؛ وهما رقمان من سلسلتين مختلفتين في الرواية. وتصف الصورة كلها بعبارة عزيز العظمة فيما جمعه المقري، فهو عنده «حنينٌ على بُعد مرتين»، يستعيد حضارةً غابت منذ زمن بألفاظ الشعر المشرقي وعواطفه (ص ١٥).
المباني الباقية، على روعتها، لا ترقى إلى صيتها الأدبي. فالجامع رمزٌ قبل أن يكون بناءً، يستغرق ثلثي وصف الحميري لقرطبة، ويبدو أنّ واصفيه استعاروا له من أوصاف جامع دمشق، ولا بدّ لكل أمير أموي أن يُقرن اسمه به في كلام مادحيه، ولو لم يكن له فيه عمل. أمّا الحفريات فترسم مدينةً أصغر بكثير: ابن حوقل نفسه يزعم أنه طاف بالسور في ساعة، وهذا وصفُ مدينةٍ في حجم يورك الإنجليزية في أواخر العصور الوسطى، ولعله أقرب إلى الحقيقة (ص ١٦). والأرباض كانت في الغالب ريفاً من البساتين تتخلّله قصور الأعيان، حتى إنّ شقندة، على الضفة المقابلة للجامع، تسمّى في موضعٍ آخر قرية.
فقرطبة على هذا لم تكن أكبر كثيراً من ماردة وغيرها من المدن الرومانية في شبه الجزيرة، وما اجتذبت السفراء والتجار وطلاب الحظوة، والنصارى منهم، لحجمها ولا لفخامة مبانيها، بل لأنها مقرّ السلطان. كان في هؤلاء النصارى من طلب الدنيا ومن طلب الشهادة، وعنهم يدور سائر الكتاب.
ثم تسأل المؤلفة لماذا لم يتخذ الولاة الأوائل طليطلة، عاصمة القوط في وسط شبه الجزيرة، مقرّاً لهم، فيقودها السؤال إلى صمتٍ مصطنع من الجانبين. فحولية سنة ٧٥٤م، وهي تاريخٌ لاتيني يسرد الأحداث على السنين، تلوم موسى بن نصير على «صلح خبيث» فرضه على ما حول المدينة الملكية. ثم يجعل مؤرخو أستورياس بعد قرنٍ سقوطَها نهايةَ القوط، لأنّ دعوى ملوكهم وراثةَ القوط لا تستقيم إلا إذا مُحيت طليطلة النصرانية من التاريخ، ويعيد ألفونسو الثاني في أوبييدو «نظام القوط كله كما كان في طليطلة». أمّا المصادر العربية فلا تذكرها إلا خارجةً على قرطبة: ثوراتٌ متعاقبة في عهد الداخل والحكم الربضي، ثم «وقعة الحفرة» سنة ٨٠٧م، وقد قيل إنّ نحو خمسة آلاف وثلاثمئة من أهلها قُتلوا فيها في وليمة، وهي روايةٌ تكاد المؤلفة تجزم بأنها زُيّنت بتفاصيل من مصادر مشرقية وبيزنطية. ولفظ «نحو» في كلامها يوافق تحفّظ الأصل، فعبارة ابن القوطية: «حتى أتى القتل منهم إلى خمسة الأف وثلاث ماية ونيف» (تاريخ افتتاح الأندلس، ط. الطبّاع، ص ٩٨). وتنقل عنه أنّ أهل طليطلة كانوا من العصيان بحيث لم يعبؤوا بوالٍ ولم يصيروا رعيةً لدولة قطّ (ص ١٩). ثم دخل في عهد الأمير محمد عنصران جديدان: تحالف الثائرين مع أستورياس، وصعود بني قسي، الأسرة النصرانية الأصل التي أسلمت، حتى ولّى موسى بن موسى ابنه على طليطلة (ص ١٩–٢٠)، ولم تستقرّ المدينة لقرطبة إلا حين أخذها الناصر سنة ٩٣٢م بعد حصارٍ طويل.
ليس في هذا السرد ما يجعل طليطلة مدينةً إسلامية على نحو ما كانت قرطبة؛ بل ليس من الواضح أنه كان فيها عددٌ كبير من المسلمين. فلا مباني فيها تقارب جامع قرطبة، وأكثر الشواهد على طليطلة الإسلامية من القرن الحادي عشر، وابن حوقل الذي أفاض في قرطبة لم يزد على أن عدّها في المدن القديمة المشهورة. ولمّا استردّها ألفونسو السادس سنة ١٠٨٥م وجد فيها نصارى لهم أسقفٌ في سلسلةٍ تكاد تتصل بالعهد القوطي، ويصلّون بالطقس الهسباني القديم (والطقس نظام الصلاة والشعائر في الكنيسة)، وكان الطقس الروماني قد حلّ محلّه في الشمال.
«إنّ حفظ نصارى طليطلة لذكرى ماضيهم القوطي هو خير شاهد على تاريخ المدينة في العصر الإسلامي الأول.» (ص ٢١)
على هذا تقرأ المؤلفة ما بقي من كتابة الكنيسة الطليطلية في القرن الثامن. فـ«سيرة إلدفونسو»، المنسوبة إلى سيكسيلا الذي كان أسقفاً نحو سنة ٧٤٤م، تشهد ببقاء القدرة على كتابة أخبار القديسين، أي سيرهم وكراماتهم، على الأسلوب القوطي، وتراها المؤلفة محاولةً لاستعادة أمجاد طليطلة في زمنٍ أقلّ مواتاة. ويذكر صاحب حولية سنة ٧٥٤م سيكسيلا «مجدّداً للكنائس»، وتربطه ترنيمةٌ بكنيسةٍ جديدة، وفي هذا ما يردّ الافتراض الشائع بأنّ النصارى في ظل المسلمين لم يبنوا كنائس (ص ٢٣).
أوضح الشواهد في هذا الباب جدلُ التبنّوية، وهو خلافٌ عقدي في معنى بنوّة يسوع. كتب إليباندو أسقف طليطلة في ثمانينيات القرن الثامن ردّاً على ميجيتيوس، وقال فيه إنّ يسوع ابنٌ لله «بالتبنّي» من جهة ناسوته وحدها، أي من جهة طبيعته البشرية؛ فهاجمه بياتو اللييباني من أستورياس، ودخل الخصومةَ الكنيسةُ الكارولنجية والبابا، وأدانت المذهبَ مجامعُ فرانكفورت وآخن، والمجمع اجتماعٌ للأساقفة يقضي في العقيدة. تتابع المؤلفة كافاديني في أنّ دفاع إليباندو كان دفاعاً ذكياً عن العقيدة الهسبانية السائدة، وأنّ جوهر النزاع عنده سلطةُ كرسي طليطلة، حتى إنه كتب ساخراً أنه لم يُسمع قطّ أنّ أهل ليبانة علّموا أهل طليطلة. وبهذا تخالف رأياً شائعاً يجعل وجود المسلمين هو الذي ولّد الجدل، مع أنّ النصوص الباقية كلها لا تذكرهم.
«لعلّ السؤال عن صلة التبنّوية بالفتح الإسلامي هو السؤال الخطأ.» (ص ٢٦)
فالنصارى في المشرق وفي هسبانيا رأوا في الفتح كارثةً عسكرية، ولم يكونوا قد عرفوا الإسلام بعدُ ديناً جديداً، فكان الوقت لا يزال يتّسع للكنيسة لتمضي في خصوماتها القديمة. أمّا طليطلة فقد ظلّت، وإن سكتت أخبار أساقفتها بعد مطلع القرن العاشر، مدينةً كثيرة النصارى عجز الأمويون عن ضبطها زمناً طويلاً، وفي هذه البيئة ربما كُتبت حوليتا القرن الثامن.