يبدأ الفصل من سؤال: لماذا عُني نصارى هسبانيا، وقد عانوا لتوّهم فتحاً في بلادهم، بأخبار بيزنطة وفتوح الشام؟ فحولية سنة ٧٤١م (والحولية تاريخٌ يسرد الأحداث على السنين) تكاد تكون كلها أخبار أباطرة الروم والخلفاء، وحولية سنة ٧٥٤م تبني تاريخ القوط على هيكلٍ من سنيّ الأباطرة، أي تؤرّخ أحداثه بسنوات حكمهم. مرّ الدارسون على الأولى سريعاً، واتخذوا الثانية أوفى روايةٍ لاتينية للفتح وما تلاه. أمّا المؤلفة فتقرؤهما كما كان يمكن أن يقرأهما رجلٌ من القرن الثامن، وتنتهي إلى أنّ كلتيهما قراءةٌ لآخر الزمان وهو يجري على أرض هسبانيا، وأنّ أغربهما، حولية ٧٤١م، تاريخٌ موالٍ لبيزنطة صنعه صاحبه بالحذف وإعادة الترتيب.
سندها في ذلك تحوّلٌ في نظر الدارسين إلى جنس الحوليات. كانت الحولية تُعدّ نقلاً آلياً لا يُنتفع به إلا في التقاط الأخبار، ثم تبيّن بمقارنة الحوليات المتعاصرة أنّ الحولي، أي صاحب الحولية، يختار ما يكتب ويبرز الحدث أو يخفيه ويستعمل التاريخ القريب والبعيد استعمالاً جدلياً. وتنقل عن إيان وود أنّ شكل كل حولية، مهما قصرت، تحدّده خطة صاحبها الأدبية، ثم تضيف:
«قد يكون أيسر علينا، بعد مرور الزمن، أن نعرف ما أراد الحولي أن يقوله من أن نعرف ما وقع حقاً.» (ص ٢٩)
تنتمي الحوليتان إلى تقليد التاريخ الكوني، أي تاريخ العالم كله، الذي أرساه يوسابيوس وجعل غايته انتصار ملكوت الله ممثّلاً في الإمبراطورية الرومانية؛ ورثه في هسبانيا هروشيوش، ثم يوحنا البيكلاري وإيسيدور الإشبيلي بعد أن تحوّل ريكارد إلى الكاثوليكية سنة ٥٨٩م. كلتاهما تكملةٌ ليوحنا البيكلاري، تنقل عن «تاريخ القوط» لإيسيدور، ولم تصل إلا في نسخٍ كُتبت في الشمال النصراني لا يرجع أقدمها إلى ما قبل أواسط القرن التاسع. فدخولهما في مجاميع شمالية يدلّ على أنّ نصارى الشمال عدّوا تاريخاً كتبه، فيما يبدو، رجال دين في ظل حكم المسلمين سليمَ العقيدة يستحق أن يُنسخ في مملكةٍ نصرانية، وإن كان مؤرخو أستورياس المعاصرون لم يقرؤوه على ما يظهر (ص ٣٢).
صاحب حولية ٧٥٤م واسع الاطلاع على الميراث القوطي، وفي هذا شاهدٌ على أنّ التعليم اللاتيني لم ينقطع بالفتح؛ وقد يكون كتب في طليطلة لمعرفته الظاهرة بها، وإن رجّح لوبيث بيريرا الجنوب الشرقي. يجعل أخبار المشرق هيكلاً زمنياً تجري عليه التواريخ الثلاثة، البيزنطي والقوطي والإسلامي، متوازيةً، ومحورها كلها ديني: مجمعٌ كنسي لكل عهد (والمجمع اجتماعٌ للأساقفة يقضي في العقيدة) ومجاعاتٌ وكسوفاتٌ تذكّر بنهاية العالم وهزائمُ الروم أمام العرب شاهدةٌ على أنّ النصارى جلبوا الكارثة على أنفسهم. أبين الأمثلة قصة هرقل، وفيها أنّ الناس مجّدوه بعد انتصاره على الفرس بدل أن يمجّدوا الله، فقبل ذلك متكبراً، ثم رأى في منامه «جرذان الصحراء» تجتاحه، فاجتاحت جيوشُ العرب الشامَ والجزيرة ومصر. وعلى المثال نفسه ازدهرت هسبانيا في عهد سيسيبوت ثم هلكت بطموح المغتصب لذريق، ويأتي الرثاء المشهور لخرابها مقروناً بسقوط طروادة وأورشليم وبابل وروما (ص ٣٥).
أمّا الجديد في الفصل فقراءتها لحولية ٧٤١م. صاحبها لا يعبأ بدقة التأريخ، ولا يقول شيئاً عن الشؤون الدينية ولا عن فتح هسبانيا ولا عن علامات الساعة، ولا يعود إلى هسبانيا بعد سنة ٦٢١م إلا في خبرٍ واحد هو هزيمة السمح بن مالك الخولاني أمام طلوشة. حكم عليها كولينز بأنها عملٌ مضطرب لا يُحكم الربط بين أجزائه، وتقرّ المؤلفة بصواب الحكم إن أُريد من الحولية سردٌ للأحداث، لكنها تجد المفتاح في طريقة نقلها عن إيسيدور. فالحولي يطرح منه بانتظام كل ما يتعلق بانتصارات القوط على الروم، فيختصر ريكارد في جملة، ويحذف من سيرة سيسيبوت انتصاراته، ويسقط سوينتيلا كلياً، وهو الملك الذي أخرج الروم من آخر مدنهم في هسبانيا وختم به إيسيدور تاريخه. يُفسَّر ذلك عادةً بنسخةٍ ناقصة من إيسيدور وقعت إليه، أمّا المؤلفة فتراه اختياراً مقصوداً؛ فقد أدرك الحولي أنّ تمجيد إيسيدور للقوط على حساب روما لم يعد يناسب زمانه، وأنّ نصارى هسبانيا وبيزنطة صاروا حلفاء في السعي إلى ردّ الفتوح (ص ٣٨).
بهذا يُفهم اختلاف الحوليَّين في صورة النبي صلى الله عليه وسلم. فحولي ٧٥٤م يُدخل عبارات ازدراء ولا يذكر وفاته، أمّا حولي ٧٤١م فيصفه وصفاً لافتاً، ويذكر أنّ أتباعه عظّموه بعد وفاته نبيّاً:
«كان يحكمهم محمد، سليلُ أنبل قبائلهم، رجلٌ بالغ الحكمة ستُروى عنه أخبار كثيرة.» (ص ٤٣)
ترى المؤلفة أنّ المادة المشرقية في الحوليتين مأخوذةٌ من مصدرٍ واحد أو من مصدرين متقاربين؛ ولهذا تردّ حجج لوبيث بيريرا على استقلال إحداهما عن الأخرى، وتزهد في فرضيات «الحوليات الضائعة» التي أولع بها سانشيث ألبورنوث ومن جاء بعده، ومنها «التاريخ العربي» الذي افترضه كولينز. أمّا تعيين المصدر المشرقي فمتعذّر، إذ لم يبقَ من الحوليات البيزنطية ما هو أقدم من القرن التاسع.
خبر طلوشة في حولية ٧٤١م موضوعٌ في غير موضعه من الزمن، ويبدو منقولاً عن حولية ٧٥٤م مع تعديلٍ واحد ذي دلالة. في حولية ٧٥٤م أنّ الفرنجة قتلوا «زاما»، أي السمح، ولو قُرئ الخبر فيها متصلاً بما بعده لتبيّن أنّ الهزيمة لم تهدّد الوجود الإسلامي، وأنّ أودو المنتصر هُزم بعدها. أمّا حولية ٧٤١م فتُدخل في القصة قائداً اسمه «مزلمة»، وتقطع الخبر عند تراجع العرب. قد يكون الاسم سهواً من ناسخ، لكنّ المؤلفة تقترح أنه إشارةٌ مقصودة إلى مسلمة بن عبد الملك، أخي الخليفتين، الذي حاصر القسطنطينية سنة ٧١٦–٧١٧م ففشل، ولا شيء في المصادر المشرقية يدلّ على أنه دخل هسبانيا (ص ٤٦). فكأنّ الحولي قرن بين أسوار القسطنطينية وأسوار طلوشة ليقول إنّ الفاتحين قد يُغلبون، ولو كان أعظمهم، ثم وقف بتاريخه عند فكّ ليون الثالث الحصار، وهو يعرف فيما يبدو ما جرى بعده؛ فكأنه وضع القلم حين بلغت قصته غايتها.
ثم تخطو المؤلفة خطوةً تصفها هي نفسها بأنها أبعد في التخمين، فتقترح أنّ الحولية تشير إشارةً مرمّزة إلى «الإمبراطور الأخير» في أدب الملاحم، أي ما يُروى من أخبار آخر الزمان وفتنه. كان القول بإمبراطورٍ رومي يظهر في آخر الزمان فيهزم أعداءه ويسلّم الملك إلى الله قد انتشر في المشرق منذ «رؤيا ميثوديوس المنحول» السريانية في أواسط القرن السابع، وهي رؤيا نُسبت إلى ميثوديوس على غير صحة، ودخلت صورةٌ منه الأدبَ العربي نفسه مقرونةً بحصار مسلمة للقسطنطينية. على أنه لا دليل على أنّ شيئاً من هذه النصوص بلغ هسبانيا، وإن كانت لغة الملاحم مألوفةً فيها منذ هيداتيوس وإيسيدور.
تخرج المؤلفة من القراءتين برسالتين. ففي حولية ٧٥٤م سُلّط أتباع محمد صلى الله عليه وسلم على شعب الله عقاباً على خطاياه، ولهذا تختم بحسابٍ لعمر العالم تعرف به «ملء الزمان»؛ أمّا حولية ٧٤١م فهرقل فيها محمود، والعقاب فيها على اغتصاب خلفائه العرشَ لا على خطاياه، وهي تلمّح إلى الإمبراطور الأخير وإلى الأيام الأخيرة التي يُغلب فيها الغزاة آخر الأمر (ص ٥١).