Chapter 4 · The Martyrs of Eulogius
شهداء إيولوخيو

تمتحن المؤلفة شهادة إيولوخيو بسيرته التي كتبها صاحبه ألبارو، وبالموضعين اللذين بقيت لهما مصادر مستقلة، فتنتهي إلى الريبة في كثير مما رواه.

قُتل في قرطبة، بين سنتي ٨٥٠ و٨٥٧م، ثمانيةٌ وأربعون نصرانياً، بعضهم بتهمة الردّة عن الإسلام، أي الخروج منه بعد الدخول فيه، وبعضهم لأنهم سبّوا النبي صلى الله عليه وسلم على ملأ من الناس. كان إسحاق أوّل من سعى إلى الموت بقدميه سنة ٨٥١م، وكان قد عمل كاتباً في الديوان ثم اعتزل في دير، وهو يحسن العربية، فخرج من ديره وجاء القاضيَ يخاطبه بلسانه. ثم تتابع من اقتدى به، وفيهم كثيرٌ من أبناء الزيجات المختلطة، كفلورا ابنة الأب المسلم والأم النصرانية، ثم قُتل إيولوخيو نفسه في مارس ٨٥٧م، ولعلّ الحركة انتهت بموته (ص ٥٢–٥٣). وفي الكتاب نفسه اضطرابٌ في هذا التاريخ، فالمدخل يمدّ الحركة إلى سنة ٨٥٩م (ص ٩).

مصدر هذه الأخبار كلها تقريباً رجلٌ واحد. فكتب إيولوخيو وصاحبه ألبارو عمدةُ ما نعرفه عن نصارى الأندلس، وقد أكثر الباحثون من دراستها حتى صار الدارس لهذه الحقبة يغرق تحت جبلٍ من المؤلفات عنها. تأخذ المؤلفة على أكثر هذه المؤلفات أنها اتخذت لقطةً واحدة صورةً للكل، فجعلت كتاباتٍ تصف أقلّ من عشر سنين وصفاً لحال النصارى طوال العصر الأموي. رأى فيها سيمونيت ومن تبعه اضطهاداً قابله النصارى بمقاومةٍ بطولية لم تنقطع، ورأى فيها آخرون أوّل بوادر الشعور القومي، وانصرف المتأخرون إلى ما فيها من توتراتٍ اجتماعية.

«قلّما يُنبَّه على أنّ القصة كلها تقريباً كتبها رجلٌ واحد.» (ص ٥٤)

فالسؤال الذي تقدّمه المؤلفة على كل تفسير: ما هي قيمة شهادة إيولوخيو؟ لا يرضيها فيه جوابُ أقرب الدارسين إليها. فكينيث وولف أقرّ بأنّ الاعتماد على مصدرٍ فرد مُشكل، ثم صدّقه لأنّ مادته عصيّةٌ على القوالب المعهودة في أخبار القديسين، أي سيرهم المكتوبة على رسومٍ ثابتة؛ أمّا جيسيكا كوب فبنت دراستها على أنّ من يكتب لجيرانه قد يبالغ ويزيّن، لكنه لا يخترع الأحداث من العدم (ص ٥٤–٥٥). فتردّ المؤلفة الحجّتين معاً، لأنّ الحكم على صورة قرطبة لا يستقيم قبل الحكم على الشاهد.

حتى في رواية نصيرهم يبدو الشهداء فئةً من الغلاة كانت أفعالهم، في أحسن أحوالها، حرجاً للكنيسة القرطبية؛ فقد ردّت الكنيسة على الموجة الأولى بأن سجنت عدداً من القسس، وفيهم إيولوخيو، لتطفئ الحماسة للاستشهاد. كان النصارى في ذمّة الشريعة، أي في عهدها وحمايتها، وكانت الكنيسة تعقد مجامعها في قرطبة لا يعترضها أحد. بل إنّ القول بأنّ سبّ الإسلام كان يوجب القتل حتماً موضعُ نظر؛ فالشريعة ترفع العقوبة عن المجنون، وتأمر باستتابة السابّ، أي بدعوته إلى الرجوع عن قوله، والعُتبي، الفقيه الأندلسي في القرن التاسع، يُنقل عنه في شرح ابن رشد الجدّ حكمٌ شديد الاعتدال في المسألة. ليس بين أيدينا مصدرٌ عربي من هذه الحقبة يؤيّد إيولوخيو، فلا دليل لنا على أنّ الشهداء كانوا يواجهون الموت المحتوم إلا كلمته (ص ٥٣).

سيرة إيولوخيو بقلم ألبارو

طريق المؤلفة إلى الحكم على الشاهد أن تقرأ أخباره في ضوء سيرته، كما رواها صديقه ألبارو، وكما تظهر في رسالةٍ بعث بها إيولوخيو إلى ويليسيندو أسقف بنبلونة. وهي تحذّر من أن تُقرأ السيرة صورةً نفسية للرجل، لما عُرف عن كتّاب ذلك العصر من التزام قوالب جنسهم؛ لكنها تلاحظ أنّ ألبارو رسم حياة صاحبه سلسلةً من البدايات المتعثرة. فما كتباه في شبابهما من تفسير الكتاب المقدس أُتلف، ولعله لم يكن سليم العقيدة؛ ثم عصى إيولوخيو ريكافريدو، أسقف إشبيلية، فامتنع عن إقامة القدّاس، فهدّده أسقفه هو بالحرمان، أي بالطرد من شركة الكنيسة؛ ثم انتُخب لكرسي طليطلة ولم يتولّه (ص ٥٩–٦٠).

لم يكن إيولوخيو في أوّل الأمر يطلب الموت. شدّ أزر فلورا وماريا على الثبات، ولم يُرِد أن يلحق بهما، بل سألهما أن تصنعا له معجزةً تُخرجه من السجن. ولمّا أُخذ آخر الأمر مع ليوكريثيا، الفتاةِ التي تركت الإسلام إلى النصرانية وكان يعلّمها دينها، أجاب القاضي بلين، ولم يجهر بالطعن في الإسلام إلا بعد أن حُكم عليه بالقتل؛ ومن هذا الموضع يمضي ألبارو على قوالب أخبار الشهداء الرومان. وتخلص المؤلفة إلى أنّ إيولوخيو، أو طريقته في الكتابة عن الشهداء، كان فيما يبدو من الخروج على المألوف بحيث تعذّر على جيله والجيل الذي تلاه أن يقرؤوا كتبه (ص ٦١).

أمّا الرحلة إلى نافارا فيرويها إيولوخيو تيهاً صدّته فيه الحروب عن أخوين له منفيَّين، ويجعلها ألبارو رحلةً روحية ثمرتها كتبٌ نادرة. ولمّا كانت الأديرة التي سمّاها متجاورةً في أودية البرانس، رأت فيها المؤلفة جولةً مقصودة (ص ٥٧–٥٨)، ولم تأخذ بما ذهب إليه فونتين من أنها مؤامرة، ولا بما ذهب إليه إبالثا من أنه رحل لينال الأسقفية (ص ٥٩).

امتحانان: «سيرة محمد» والأختان نونيلو وألوديا

ليس في كتابات إيولوخيو إلا موضعان يمكن أن يُمتحنا بمصادر مستقلة، وكلاهما متصلٌ بالرحلة إلى نافارا.

فأمّا «سيرة محمد» فترجمةٌ هجائية موجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، نقلها إيولوخيو في «الكتاب الاحتجاجي للشهداء»، أي كتابه في الدفاع عنهم، وذكر أنه عثر عليها فجأةً في دير ليري. ودعوى الفجأة لا تصمد؛ فالنص باقٍ في أربع مخطوطات شمالية أقدمها من سنة ٩٧٥م، وفي رسالةٍ من يوحنا أسقف إشبيلية إلى ألبارو سيرةٌ أوجز منها، وكان أستاذهما إسبيرايندو قد ألّف في الردّ على الإسلام. فالمفاجأة، إن كانت، في فكرة استعمال النص: أن يحتجّ به للشهداء على من أنكر عليهم من أهل الكنيسة، لأنّ من قال إنّ قاتليهم قومٌ يعبدون الله ولهم شريعة فقد أضعف أمر النصرانية ذاتها (ص ٦٧–٦٨).

لا تجعل المؤلفة الحركة صدىً لما جرى في بغداد حين أعاد المتوكل العمل بالشروط المنسوبة إلى عمر، وهي شروطٌ تضبط أحوال النصارى في دار الإسلام ولباسهم؛ فإيولوخيو وألبارو لا يذكران نصارى المشرق، وكان أكثر من عشرين من شهداء قرطبة قد قُتلوا قبل أن يبدأ اضطهاد بغداد سنة ٨٥٢م، فما جرى في المدينتين استجابتان متوازيتان لحالين متشابهين (ص ٦٦–٦٧). تنسب المؤلفة الشروط هنا إلى «عمر الأول»، وتؤرّخها مع ذلك بسنوات ٧١٧–٧٢٠م، وهي سنو خلافة عمر بن عبد العزيز.

أمّا نونيلو وألوديا فامتحانهما أوضح. هما أختان قُتلتا في وشقة، ولا يذكر إيولوخيو في «ذكرى القديسين»، كتابه في أخبار الشهداء، أحداً من غير شهداء قرطبة سواهما، وكان لهما في دير ليري تعظيمٌ وعيد. ولخبرهما روايةٌ أطول في «آلام»، وهي خبرٌ يروي محنة الشهيد وموته، محفوظةٍ من دير كاردينيا، يحتاج الحاكم فيها إلى ترجمان، وهذا يدلّ على بيئةٍ أقلّ تعرّباً من قرطبة (ص ٦٩–٧٠).

يؤرّخ الدارسون استشهادهما عادةً بسنة ٨٥١م، لأنّ إيولوخيو يبدو أنه أرّخه بها، والمؤلفة تفكّك هذا التاريخ. فإيولوخيو لم يسمّ السنة، وإنما أحال على «التاريخ المذكور آنفاً»، وهي عبارةٌ يكرّرها لشهداء لا يلزم أن يكونوا ماتوا في سنة واحدة. ثم إنّ يوم الأسبوع في رواية كاردينيا لا يوافق تلك السنة. فإن كان لدلائل النقل اعتبار، فهي ترجّح أن يُقرأ تاريخ نقل الرفات إلى ليري بتقويم العصر الإسباني، وهو التقويم الذي كان أهل هسبانيا يؤرّخون به ويتقدّم الميلاد بثمانٍ وثلاثين سنة، فيقع النقل سنة ٨٤٢م، والاستشهاد ربما نحو سنة ٨١٣م. يشهد لذلك ما عند العذري في الحاكم الذي يسمّيه الخبر، خلف بن راشد، وما يؤرّخ به ابن حيان وفاةَ الملك الذي يسمّيه معه، وهو سنة ٨٥١ أو ٨٥٢م (ص ٧٣–٧٥). أمّا صكوك دير ليري التي تذكرهما فأكثرها مزوّر في القرن العاشر لخدمة شرعية سانشو غارسيس الأول (ص ٧١–٧٢).

ترجّح المؤلفة أنّ الأختين كانتا قد ماتتا، ربما منذ زمن بعيد، حين عاد إيولوخيو من الشمال، وأنه سمع خبرهما من فينيريو أسقف كومبلوتوم، ثم أدخلهما في شهداء قرطبة وكتب خبر فلورا وماريا على مثالهما (ص ٧٦–٧٧). على أنّ إيولوخيو لم يزعم أنّ الحركة قرطبية خالصة، وإنما طمس أصلَ الأختين المؤرخون المحدثون.

ما تنتهي إليه

كلما أمعنت المؤلفة في أخبار إيولوخيو ازدادت ريبتها فيها. فأوريا، وقد شكاها أهلها المسلمون، على ما يُروى، بعد ثلاثين سنة قضتها في الدير، يجعلها إيولوخيو أختاً لشهيدين قُتلا في عشرينيات القرن التاسع، ثم يصفها بأنها عذراءُ شابة، فلا تستبعد المؤلفة أن تكون من صنعه؛ وخبر سانكتيوس جملةٌ واحدة، ولعلّ بعض هذه الأخبار القصيرة لا يزيد على قائمةٍ بمن مات في قرطبة في أحوالٍ لم يكن من مصلحته أن يفصّلها. فتقول:

«كان يُطلق رشقةً من القديسين ردّاً على المهادنة التي عقدها نصارى قرطبة مع حكّامهم الهراطقة.» (ص ٧٨)

لم يكن إيولوخيو يكتب لمعاصريه من أهل قرطبة؛ فهو يصف مواضع أديرةٍ حول المدينة كانوا يعرفونها، ولا يقبل ما زاده على عدد الشهداء إلا قارئٌ لا علم له بما جرى قريباً. لم يجد الكتاب قرّاءه إلا بعد قرون، في الشمال، ولعلّ أحسن قرّائه استقبالاً له المؤرخون المحدثون:

«وقعوا راضين في حبائل إيولوخيو، يتجادلون في شأن البعوضة ويبتلعون الجمل كلّه.» (ص ٧٩)

بهذا يخرج الفصل على سيمونيت وأتباعه، الذين جعلوا الشهداء صوتَ نصارى الأندلس، وعلى وولف وكوب في ثقتهما بإيولوخيو شاهداً على الوقائع، ويدعو إلى إعادة النظر في شهداء قرطبة من أساسها؛ فإن لم نثق بروايته عن الشهداء أنفسهم، فنحن أبعد عن أن نتّخذهم مثالاً لنصارى الأندلس جميعاً (ص ٧٩). أمتن ما في الفصل حجّته في نونيلو وألوديا، لأنها الموضع الوحيد الذي بقيت فيه شواهد مستقلة تكشف طريقة إيولوخيو في العمل؛ أمّا ما قالته في أوريا وأصحاب الأخبار القصيرة فاحتمالٌ تقدّمه على أنه احتمال.