لم ينقطع طلب الشهادة بموت إيولوخيو، غير أنّ من طلبها بعده لم يجد إيولوخيو آخر يدوّن خبره. وقد عدّ الدارسون هؤلاء المتأخرين حاشيةً على حركة الخمسينيات، أي على من قُتلوا في قرطبة بين سنتي ٨٥٠ و٨٥٧م، وظنّوهم صدىً لها، وليس بينهم وبينها صلةٌ ظاهرة. فبعد أختين شهد مقتلهما مانثيو، رسولُ شارل الأصلع إلى قرطبة، لا يُذكر شهيدٌ حتى القرن العاشر، ولمّا عاد طلب الشهادة عاد أفعالاً فردية متفرقة (ص ٨٠). وعلى سؤالين يقوم الفصل: ما الذي بقي من أخبار هؤلاء، وما الذي تقوله عن قرطبة وعن الشمال الذي حفظها.
فأمّا المصادر العربية فلم تعرض لهم إلا مرتين. إحداهما امرأةٌ في عهد الأمير عبد الله (يرد اسمها عند المؤلفة Dhabha) جحدت الله، وقالت في النبي صلى الله عليه وسلم إنه نبيٌّ كاذب، فقضى القاضي أحمد بن محمد بن زياد اللخمي بإحراقها. والخبر من مجموعٍ في الأحكام جُمع بعد الحادثة بنحو خمسين سنة، فلا يُدرى أنُفّذ الحكم أم هي مسألةٌ يضربها الفقهاء مثلاً. والأخرى خبرٌ يرويه الخشني في ترجمة القاضي أسلم بن عبد العزيز عن نصرانيٍّ طلب القتل، فأمر القاضي بجلده ليريه أنّ الجسد الذي زعمه ظلّاً يألم ألماً حقيقياً، وإنما ساق الخشني الخبر ليُظهر فطنة القاضي، ولم يكن يعنيه من النصراني شيء (ص ٨٠–٨١). وأوهى من ذلك شواهدُ الثلاثة الذين أضافهم كاخيغاس إلى شهداء عشرينيات القرن العاشر. منهم أبو نصر، وهو ثائرٌ صُلب على باب قرطبة، فظنّه سيمونيت نصرانياً لأنه صُلب، مع أنّ الصلب في التواريخ العربية عقوبةُ الخيانة أيّاً كان دين الخائن. فقد مدّ موراليس وسيمونيت وكاخيغاس الشواهد إلى أقصى ما تحتمل، يريدون أن يثبتوا أنّ نصارى الأندلس ظلّوا يأبون التعايش مع الإسلام (ص ٨١).
على أنّ للقرن العاشر شهيدين أوفر توثيقاً: بلاجيو، وقد بقيت آلامه في ثلاث نسخ، وأرجنتيا، ولآلامها نسخةٌ واحدة. و«الآلام» (passio) جنسٌ من أخبار الشهداء يقصّ ما لقيه الشهيد من عذاب حتى مات. والنسخ كلّها من أديرة متقاربة جنوب برغش في شمال شبه الجزيرة. وتفحص المؤلفة مجاميعَ الآلام التي حفظتها في دير سيلوس ودير كاردينيا، وهي كتبٌ جُمعت فيها هذه الأخبار، فتخرج منها بترتيبٍ غير الذي رتّبه فابريغا، وتأريخٍ غير الذي أرّخه دياث، وتجعل آلام أرجنتيا ملحقاً أُضيف متأخراً إلى مجموع كاردينيا الأول (ص ٨٢–٨٥). ولا تقبل من فابريغا أن يسمّي هذين المجموعين «مجموع الآلام الهسباني»، وقد بنى نشرته على مخطوطتي كاردينيا كأنّ ما سواهما فروعٌ عليهما، ففي شبه الجزيرة نحو ثمانين مخطوطةً وقطعةً أخرى تدلّ على تقليدين على الأقل، شمالي وجنوبي (ص ٨٥–٨٧). وخلاصة ذلك عندها أنّ مكان النسخ لا يدلّ على أصل النصين، وأنّ ما يُعرف عنهما يُطلب في النصين أنفسهما وفي المواضع التي قُرئا فيها.
آلام بلاجيو
خرجت حملةٌ أموية على الشمال فهُزم النصارى، وأُسر فيمن أُسر أسقفٌ اسمه إرموخيو، فطلب أن يُبعث ابن أخيه بلاجيو، وهو ابن عشر سنين، رهينةً مكانه. ولبث الغلام في الأسر ثلاث سنين ونصفاً، ثم دعاه «الملك»، كما يسمّيه النص، وعرض عليه متاع الدنيا إن أنكر المسيح، ومدّ إليه يده يداعبه، فصاح به بلاجيو: «اخسأ يا كلب!»، ونزع الثياب التي أُلبسها في القصر. فأمر به الملك فقُطّع عضواً عضواً، وأُلقيت جثته في النهر. وكان ذلك، على ما يقول النص، في ٢٦ يونيو سنة ٩٢٦م في عهد عبد الرحمن (ص ٨٨–٨٩).
تسمّي حاشيةٌ على نسخة كاردينيا الثانية القسَّ راغويل «مؤلف» هذه الآلام «القرطبية»، فجعله الدارسون قرطبياً كتب عمّا شهد، أو هاجر إلى الشمال فراراً من الاضطهاد. والحاشية عند المؤلفة تحتمل الوجهين في موضعين: قد يكون راغويل المؤلف وقد يكون الناسخ، وقد تكون «القرطبية» صفةً له وقد تكون صفةً لموضع الاستشهاد (ص ٨٩). أمّا أصل النص فتلتمسه في لفظ «جليقية». يجعل النص الحملة على جليقية، ويُظنّ أنّ الحملة التي أُسر فيها إرموخيو حملةُ سنة ٩٢٠م، وهي عند ابن حيان على ليون والبشكنس. وكتّاب الشمال يقصرون اسم جليقية على الإقليم الذي يحمله في الشمال الغربي من شبه الجزيرة، في حين يطلقه كتّاب العربية على الشمال النصراني كلّه، فاستعمال الكاتب له على هذا الوجه يشير إلى أصلٍ أندلسي (ص ٩٠). ولا تسلّم بأنّ اللاتينية كانت قد ماتت في قرطبة يومئذ، فلغة النص تدلّ على تمكّنٍ من صيغ أخبار القديسين لا يكون حيث تحتضر اللغة؛ ولذلك يجوز أن يكون كُتب في قرطبة كما يجوز أن يكون كُتب في الشمال (ص ٩١).
يقود هذا المؤلفةَ إلى مسألة هجرة النصارى إلى الشمال، وقد جعلها الدارسون فراراً من الاضطهاد. ففي وثائق ليون ترد أسماءٌ عربية لشهودٍ أكثر من ثلاثة آلاف مرة، ولا يُذكر دين أصحابها إلا مرتين، وكلاهما ممّن دخل في النصرانية. والمهاجرون الذين تُعرف أعيانهم رهبانٌ أسهموا في الموجة الكبرى من تأسيس الأديرة، وقد صحبت توسّع مملكة ليون في القرن العاشر (ص ٩١–٩٣).
«الأرجح أنّ من صعد إلى الشمال من رجال الدين جذبته جزرةُ الأديرة الموقوفة حديثاً، ولم تسُقه عصا الاضطهاد.» (ص ٩٤)
بالحجة نفسها تردّ ما قال به سانشيث ألبورنوث من أنّ وادي دويرة خلا من سكانه ثم عُمّر من جديد؛ فقد يكون خلوّه أثراً لغياب الوثائق قبل أواخر القرن التاسع، لا أثراً للخراب.
قرأ جوردان هذه الآلام نصّاً في موقف النصرانية الإيبيرية من المثلية التي نُسبت إلى المسلمين، ولا توافقه المؤلفة. فنزع الثياب قالبٌ مألوف في أخبار الشهداء، يخلع فيه الشهيد لباس الباطل قبل أن ينازل خصمه، والنص يكاد يخلو من الجدل على الإسلام. إنما هو نصٌّ في البتولية، أي في حفظ العفّة نذراً لله، يكرّر ثلاث مرات أنّ بلاجيو كان في الثالثة عشرة ونصف، على عتبة البلوغ. وعلى هذا الوجه قُرئ، فقد نُسخ في مجاميع كُتبت لأديرة النساء، ونظمته الشاعرة هروتسفيت في دير غاندرسهايم، ولعلّ الذي حدّثها بخبره ريسموند (ص ٩٥–٩٦). ثم نُقلت رفاته إلى ليون سنة ٩٦٧م، فصارت موضع تنازعٍ بين ليون وجليقية (ص ٩٧–١٠٠). وكان اسمه يذكّر القارئ ببلاي، بطل كوفادونغا، وقد أُرسل هو أيضاً إلى قرطبة، ثم امتنع في الجبل فأغراه أسقف طليطلة ابن غيطشة بطيب العيش في ظلّ الفاتحين، فأبى (ص ١٠٠–١٠١).
آلام أرجنتيا
تجعل الآلامُ أرجنتيا بنتَ ملكٍ اسمه صموئيل وملكةٍ اسمها كولومبا، في مدينةٍ تسمّيها «بيبسترينسي». نذرت أرجنتيا نفسها للعفّة، فلمّا سقطت مدينتها قصدت قرطبة، وسُجن فيها رجلٌ من الفرنجة اسمه فولفورا فكانت تزوره في سجنه، حتى عُرف أنها بنت صموئيل، فأعلنت نصرانيتها، وقُتلا معاً سنة ٩٣١م (ص ١٠١).
جعل دوزي «بيبسترينسي» هي ببشتر، معقلَ عمر بن حفصون الذي ثار على بني أمية زمناً طويلاً، فصارت أرجنتيا بنتاً لابن حفصون. ومضى سيمونيت أبعد من ذلك فجعلها تُساق إلى قرطبة مع أخيها حفص كأنها في سبيٍ كسبي بابل، والنص يقول إنها قصدت قرطبة مختارةً. والمؤلفة ترفض هذا البناء كلّه، لأنّ أخبار ابن حفصون كثيرة متناقضة. فابن القوطية، ولعلّه عاصره، يقول إنه مات في أوّل عهد عبد الرحمن الناصر بعد أن صالحه وبايعه، ولا يذكر أنه ارتدّ إلى النصرانية، ولا تظهر الردّة إلا عند من جاء بعده، في الحولية المجهولة المؤلف في أخبار الناصر ثم عند ابن عذاري، فلعلّها تهمةٌ أُريد بها تشويه ذكره (ص ١٠٢–١٠٣). ولا تذكر المصادر له بنتاً، ولا تتّسق التواريخ، فقد سلّم ابنه حفص ببشتر نحو سنة ٩٢٨م، وليس ذلك وقتاً تطلب فيه ابنته الشهادة.
ثم إنّ النص نفسه منسوجٌ على مثال «أعمال الشهداء» القديمة، وهي أخبار شهداء الكنيسة في عهد الرومان. ففيه قانون إيمانٍ في التثليث، أي صيغةٌ للعقيدة، وُضع في الأصل للردّ على الآريوسية، وهي مذهبٌ قديم أنكر أن يكون الابن مساوياً للآب، وفيه حاكمٌ على طراز الولاة الرومان لا مكان له في قرطبة القرن العاشر.
«ما يوحي به النص من أنه كانت هناك في قرطبة جماعةٌ نصرانية مزدهرة هو الشيء الوحيد في القصة كلها الذي يبدو صادقاً.» (ص ١٠٤)
خيرٌ من ذلك، فيما ترى المؤلفة، أن يُقرأ النص كما قُرئت آلام بلاجيو، بأعين قرّائه في الشمال. فأسماؤه رمزية: أرجنتيا تذكّر بأوريا، إحدى شهيدات إيولوخيو، فهذه من الفضة وتلك من الذهب، وصموئيل قد يذكّر بسانشو، و«بيبسترينسي» ببربشتر، وهي مدينةٌ قرب وشقة. وقد خُلع سانشو البدين، ملك ليون، سنة ٩٥٧م، فلم يستعد عرشه، كما تقول المصادر العربية، إلا بجيشٍ من قرطبة، بعد أن وفد إليها وسلّم للمسلمين حصوناً على الثغر، أي على الحدّ بين البلدين. وكانت صبح، أمُّ هشام المؤيد، أسيرةً من نافارا سُبيت في غزوة، وكانت أمُّ أحد أبناء المنصور بنتَ «الملك النصراني شانجه»، أي سانشو. فلعلّ القصة ردٌّ على أميراتٍ من الشمال انتهين إلى قصور قرطبة، تقول لهنّ إنّ الأميرة إذا بلغت قرطبة فعليها أن تستعدّ للشهادة بالعفّة وزيارة السجون، لا أن تساكن العدوّ (ص ١٠٥–١٠٦).
تخرج قرطبة من النصين مدينةً يمارس فيها النصارى دينهم علانية، لا مدينة الاستشهاد التي بنتها الدراسات الحديثة، ولعلّ هذه الصورة أقرب إلى الواقع من صورة المؤرخين العرب، وقد كتبوا عنها بعد أن ذهب مجدها. أمّا الكاتبان فغرضهما الجدل:
«فقد بيّن كاتبا الخبرين كلاهما أنّ من قصد قرطبة جعل خلاصه موضع شكّ.» (ص ١٠٧)
فالفصل يخالف دوزي وسيمونيت وكاخيغاس، وقد جعلوا الشهيدين فصلاً من الصراع بين الإسلام والنصرانية، ويردّ على فابريغا افتراضه مجموعاً هسبانياً واحداً للآلام، وعلى جوردان قراءته الجنسية.