في كتب التاريخ الحديثة للأندلس رجلٌ واحد اسمه ريسموند: موظفٌ نصراني في بلاط عبد الرحمن الناصر، بعثه الخليفة سفيراً إلى أوتو الأول ملك الجرمان، فكوفئ بأسقفية إلبيرة، وأهدى إليه ليوتبراند كتاباً في التاريخ، ثم ألّف للحكم المستنصر تقويماً في الفلك والفلاحة وحفظ الصحة هو المعروف اليوم بـ«تقويم قرطبة»، وهو نفسه الأسقف ربيع الذي تذكره المصادر العربية. والفصل كله تفكيكٌ لهذا الرجل. فالمؤلفة لا تنكر أنّ ريسموند عاش وسافر وصار أسقفاً، لكنها ترى الصورة المتداولة مركّبةً من شواهد متفرقة لم يُسمَّ في أيٍّ منها ريسموند، وترى تركيبها ثمرة خطأين لازما التأريخ الحديث للأندلس، أحدهما ما تسمّيه إعمال «شفرة أوكام»، وهي قاعدةٌ في المنطق تقضي بألّا تُكثَّر الفروض فوق الحاجة، فإذا أُعملت بلا تحفّظ ضمّت الشواهد المتباعدة إلى رجل واحد:
«أُثبت لريسموند تأليفُ تقويم قرطبة نتيجةً لخطأين يَسِمان التأريخ الحديث للأندلس: أوّلهما إغفال انتقال التقويم في مخطوطاته إغفالاً تاماً، والثاني إعمال شفرة أوكام بلا رحمة في شواهد متباينة، حتى صُنع منها ريسموند مركَّب.» (ص ١٠٨)
الرجل الذي تثبته المصادر اللاتينية غير الذي صنعه المؤرخون. وأوفى الشواهد عليه «سيرة يوحنا الغورزي»، كتبها على الأرجح راهبٌ من ميتز خلف صاحبها على رئاسة ديره. وفيها أنّ أوتو ردّ على كتابٍ للناصر عدّه طعناً في النصرانية بسفارةٍ يرأسها يوحنا، ولعلها السفارة التي يذكرها ابن عذاري في حوادث سنة ٣٤٨هـ حين قدمت رسل أوتو، وهو عنده ملك الصقالبة؛ وتقابل المؤلفة هذه السنة بسنة ٩٥٣–٩٥٤م (ص ١١٠)، وسنة ٣٤٨هـ توافق ٩٥٩–٩٦٠م. وفي قرطبة أبى يوحنا أن يكتم كتاب مولاه، وفيه ما يسيء إلى الإسلام، فسعى إليه أسقف قرطبة يذكّره بأنّ النصارى هنا يعيشون تحت سلطان غيرهم عقوبةً على ذنوبهم، وأنّ عزاءهم الوحيد أنهم لا يُمنعون من شريعتهم، فالأولى أن يجاروا القوم فيما لا يمسّ الدين. ثم انتهت الأزمة بسفارةٍ جديدة إلى أوتو اختار لها الناصر ريسموند، فاشترط ريسموند أسقفيةً شاغرة ثمناً لمخاطرته، فارتقى من عامّة النصارى إلى كرسي الأسقف دفعةً واحدة.
كُتبت السيرة على مثال الإصلاح البندكتي، وهو حركةٌ لإصلاح حياة الرهبان كان دير غورزه يقودها، وصيغ قسم الرحلة إلى قرطبة منها على قالب أخبار الشهداء في القرن الرابع، مع أنّ يوحنا عاد سالماً وعاش بعدها عشرين سنة. ولذلك صوّر كاتبها الأزمة روحيةً لا سياسية، وذمّ النصارى الذين رضوا بالعيش تحت حكم من يعدّهم أهل بدعة، ومن هنا جاءت صورة ريسموند الانتهازي. غير أنّ في السيرة نفسها ما ينقض هذه الصورة، فهي تمدحه بأنه «كاثوليكي خالص»، أي صحيح العقيدة، عالمٌ باللاتينية علمَه بالعربية، وتذكر أنه أقام في غورزه خريفاً وشتاءً، فكانت رحلته رحلةَ علمٍ بقدر ما كانت سفارة. وتخلص المؤلفة، وهي تحترز من أن يُنسب إليه كل اتصالٍ بين لاتينية الأندلس وأوروبا، إلى أنه كان عالماً يُعتدّ به بين علماء النصرانية خارج هسبانيا، أي خارج شبه الجزيرة كلها، ولم يكن مجرّد ترجمان ولا موظفٍ مرتشٍ في خدمة سلطان غريب (ص ١١٣).
ثاني الشاهدين اللاتينيين إهداءُ ليوتبراند، أسقف كريمونا فيما بعد، كتابَه «أنتابودوسيس»، أي «المجازاة»، إلى ريسموند، ويبدو أنهما التقيا في بلاط أوتو. والكتاب مضطرب متحامل على خصوم صاحبه، لكنّ المؤلفة تقرؤه في تقليد الكتابة عزاءً في المحنة، وهو تقليدٌ يرجع إلى بوئثيوس. فقد كان ريسموند، على ما قد يكون فيه من رغد العيش، يحيا في منفى روحي تحت حكم إسلامي، فلعلّه وجد في كتابٍ كهذا عزاءً. والذي تستخلصه من الشاهدين أنّ الثقافة اللاتينية كانت حيّة عند نصراني أندلسي واحد على الأقل، وأنّ أهل غورزه وفرانكفورت عاملوه معاملة النظير (ص ١١٦).
أجدّ ما في الفصل حديثها عن التقويم نفسه. فما يُسمّى «تقويم قرطبة» نصّان لا نصٌّ واحد: نسخةٌ عربية مكتوبة بحروف عبرية، ونسخةٌ لاتينية عنوانها «Liber anoe»، أي «كتاب الأنواء». وكلتاهما تقويمٌ فلكي فلاحي من أصل عربي، يسرد الشهور ببروجها وطقسها وما يصلح فيها من فصدٍ، وهو إخراج الدم من العرق علاجاً، ومن دواءٍ وزرع، ويُلحق بذلك أعياد النصارى. نشر دوزي النصّين متقابلين سنة ١٨٧٣م وعدّ اللاتيني ترجمةً موسّعة للعربي، ثم جمعهما شارل بلّا سنة ١٩٦١م في ترجمة فرنسية واحدة، قدّم فيها العربي و«صحّح» به اللاتيني. فورث بلّا خطأ دوزي، وطمس الفروق بين النصّين، وهي عند المؤلفة مفتاح المسألة كلها.
أول ما تنظر فيه جنسُ الكتاب، وهو كتب الأنواء، والأنواء مطالع النجوم ومساقطها، وكانت العرب تنسب إليها المطر والحرّ والبرد. وقد اختلطت هذه الكتب بكتب الأزمنة اللغوية حتى صار العنوان لا يدلّ على المضمون. وتنقل عن سامسو أنّ أرقام التقويم الفلكية لا تعيّن مكان تأليفه، وأنّ بعضها شاذٌّ شذوذاً فاحشاً؛ فهو موسوعةٌ تُقرأ أكثر منه دليلاً يُعمل به. والنسخة العربية منه كُتبت لقرّاء غير نصارى، فهي تعرّف الميلاد بأنه من كبار أعياد النصارى، وتحكي في عيد الصليب زعمهم أنهم وجدوه في بيت المقدس، في حين تقرّر اللاتينية أنه وُجد هناك، وتكثر فيها الصلاة على النبي والترضّي على نحو لافت. ولا يلزم من ذلك أن يكون صاحبها مسلماً، فقد كان نصارى الأندلس يستعملون هذه الصيغ إذا كتبوا بالعربية؛ لكنّ الأعياد النصرانية لم تكن تعني النصارى وحدهم، فقد ألّف العزفي السبتي في القرن الثالث عشر رسالةً في إنكار احتفال المسلمين بها. ومخطوطة النسخة العربية نسخها لنفسه طبيبٌ يهودي من وشقة في القرن الرابع عشر، فلا يُطمأنّ إلى أنه نقل النص بلا حذف ولا زيادة. غير أنها تحفظ اسم المؤلف في أولها وفي خاتمتها: أبو الحسن عريب بن سعيد الكاتب، وعنوانَ الكتاب «تفصيل الأزمان ومصالح الأبدان». وقد غيّر بلّا الاسم إلى «ابن سعد» تبعاً لظنّ دوزي أنه المؤرخ الذي عمل كاتباً للحكم، والمخطوطة تقول «ابن سعيد». وعريب بن سعيد مؤرخٌ ذكره المقري، وطبيبٌ له رسالة باقية في التوليد أهداها إلى الحكم، ولا تصفه المصادر بأنه نصراني، فالأرجح أنه مسلم.
تظهر العربية في النسخة اللاتينية في غير موضع، منها أنّ مترجمها جعل «العقارب»، وهي في العربية اسمٌ لأيامٍ من البرد، عقاربَ حقيقية. وفيها قديسو قرطبة من شهداء القرن التاسع، لكنّ ناسخها يخبط في أسماء أرباض قرطبة خبطَ من لا يعرف البلد ولا اللغة. وعلى عبارةٍ في مطلعها، «Harib filii Zeid episcopi»، أي «هريب بن زيد الأسقف»، بنى الدارسون نسبة التقويم إلى الأسقف. فزعم سابيدرا أنّ اللاتيني ليس كتاب عريب وحده، بل كتابه وقد زاد فيه رجلٌ آخر هو ربيع بن زيد الأسقف، وعكس فان كوننغسفلد الحجة فجعل الكتاب للأسقف وعدّ اسم عريب تحريفاً من ناسخ متأخر. أمّا المؤلفة فتقترح تفسيراً أبسط: أنّ «هريب» هو «عريب» على عادة اللاتين في كتابة العين هاءً، وأنّ «زيد» تحريفٌ لـ«سعيد» وقع في إملاءٍ على كاتب لا يعرف العربية أو في نسخٍ من نسخ، وفي المخطوطة من أمثاله كثير، فالحجاج فيها «Alahazez». فالنسخة اللاتينية روايةٌ لكتاب عريب، ولا حاجة معها إلى نصراني من القرن العاشر (ص ١٢٧).
بقي الأسقفان اللذان صُهرا في ريسموند. أولهما الأسقف ربيع، وقد روى المقري عن ابن حيان أنّ أحمد اليوناني جاء مع ربيع الأسقف بحوضين لقصر الزهراء: حوضٍ منقوشٍ مذهَّبٍ نفيس جُلب من إيلياء، وهي بيت المقدس، وحوضٍ صغيرٍ أخضر منقوشٍ بصور الآدميين جُلب من الشام، وقيل من القسطنطينية. والعبارة عندها لا تبيّن أجاء أحمد بالحوضين كليهما أم بأحدهما، ولا أذهب ربيع إلى القسطنطينية أصلاً (ص ١٢٩)، وليس في أقدم المصادر إلا فوّارةٌ واحدة، والحوضان روايةٌ جاءت بعدها (ص ١٣٠). والخبر عندها ضعيف، لأنّ المصادر تختلف في تاريخ بناء الزهراء وموضعها وموادّها، فابن حيان وحده يجعل ابتداء البناء سنة ٣٢٩هـ والباقون سنة ٣٢٥هـ، ثم إنّ رخام قاعة الناصر، وقد قيل إنه جُلب من الآفاق البعيدة، ثبت بالتحليل أنه برتغالي. وثانيهما الأسقف ابن زيد القرطبي، وشواهده أمتن، فقد نقل المقري عن ابن سعيد المغربي أنه ألّف للمستنصر كتاباً في تفصيل الأزمان ومصالح الأبدان، وأنه اشتغل بالتأليف في إشبيلية فاتّهمه أهل بلده بالزندقة، أي بالخروج عن الدين، لعنايته بعلم النجوم. وقد أسقط سيمونيت من الخبر تهمة الزندقة، وتبعه في ذلك، فيما تعلم المؤلفة، كل من تناول النص بعده. والاسم المركّب «ربيع بن زيد» لا تجده في المصادر العربية إلا مرة واحدة، عند ابن أبي أصيبعة صاحب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»، في سند علم ابن الكتاني، الذي أخذ عن الأسقف أبي الحارث، وهو تلميذ ربيع بن زيد، ويصف ابن أبي أصيبعة ربيعاً بالأسقف الفيلسوف (عيون الأنباء، ص ٤٩٢). أمّا ما يربط ربيعاً بريسموند مباشرةً فخبرٌ ينسبه المقري إلى ابن خلدون، أنّ الناصر بعث الأسقف ربيعاً مع رسول أوتو فعاد بعد سنتين، وهو يخالف ما في سيرة يوحنا الغورزي. ولم يكن ربيع الأسقفَ السفيرَ الوحيد، ففي المصادر أساقفةٌ آخرون حملوا الرسائل، منهم أصبغ بن عبد الله بن نبيل، الذي سُمّي قاضي النصارى. وحكمها في ذلك قاطع:
«أمّا سلسلة الحجج التي تجعل من الأساقفة الثلاثة، ربيع وابن زيد وريسموند، رجلاً واحداً، ففيها حلقات تتراوح بين الواهي والمحال.» (ص ١٣١)
فالذي يثبت عندها أنّ عريب بن سعيد ألّف تقويماً ترجمه النصارى واليهود بعده وزادوا فيه، وأنّ ريسموند ربما ألّف تقويماً مثله. أمّا جمع هذه المآثر كلها في رجل واحد فيطمس أمراً أهمّ:
«إنّ تحميل ريسموند كلَّ ما عرضه هذا الفصل من شواهد تهوينٌ من شأن المتعلّمين من نصارى الأندلس.» (ص ١٣٤)
فقد كان هؤلاء، ريسموند وربيع وابن زيد، فيما ترى ذوي ثقافتين كما كانوا ذوي لسانين، أخذوا العربية وأشكالها ولم يتركوا دينهم ولا ميراثهم اللاتيني.