كتب هروشيوش، تلميذ أوغسطين، «التواريخ السبعة في الردّ على الوثنيين» سنة ٤١٧م، تاريخاً للعالم منذ الخليقة يُظهر فيه تدبير الله في مصائر روما والنصرانية، فشاع الكتاب في العصور الوسطى حتى صار اسم صاحبه مرادفاً للتاريخ. ولم يبقَ من ترجمته العربية إلا مخطوطةٌ واحدة ناقصة في جامعة كولومبيا بنيويورك، نشرها عبد الرحمن بدوي سنة ١٩٨٢م. والرواية المستقرّة في أمرها أنّ إمبراطور القسطنطينية أهدى إلى الناصر نسخةً لاتينية من الكتاب، فأمر الحكم المستنصر بترجمتها لمكتبته، وأنّ مخطوطة كولومبيا هي تلك الترجمة. على مراجعة هذه الرواية يقوم الفصل، وتلخّص المؤلفة نتيجته في آخره:
«لا تنفي الشواهد أن يكون الحكم الثاني قد أمر بالترجمة، لكنّ الأرجح أنّ النص تُرجم لجمهور نصراني، وإن قرأه المسلمون أيضاً.» (ص ١٥٧)
تقوم الرواية المستقرّة على خبرين لم يجمع بينهما أحد قبل القرن العشرين. أولهما خبر ابن جلجل، فيما نقله ابن أبي أصيبعة، أنّ أرمانيوس ملك القسطنطينية راسل الناصر سنة ٣٣٧هـ وأهدى إليه، فيما أهدى، كتاب ديسقوريدس في الحشائش باليونانية مصوَّراً، وتاريخ هروشيوش، وكتب إليه في الثاني: «وأما كتاب هروسيس فعندك في بلدك من اللطينيين من يقرأه باللسان اللطيني» (عيون الأنباء، ص ٤٩٤). ولا يحتمل هذا الخبر ما حُمّل. فتاريخه لا يستقيم، لأنّ رومانوس، وهو أرمانيوس في الخبر، لم يكن إمبراطوراً سنة ٣٣٧هـ، والذي أرسل السفراء إلى قرطبة في أواخر أربعينيات القرن العاشر قسطنطين السابع. والخبر مسوقٌ أصلاً لقصة ديسقوريدس، يمضي إلى ترجمة كتاب الحشائش وقدوم الراهب نقولا سنة ٣٤٠هـ، ولا يعود إلى هروشيوش بعدها، فكأنه ذكره ليقول إنّ الكتاب اللاتيني أيسر أمراً من اليوناني، لأنّ في الأندلس من النصارى من يقرؤه. ثم إنّ كتاب هروشيوش كان في الأندلس قبل ذلك بنسخٍ مكتوبة بالخط القوطي، وهو الخط اللاتيني الذي كتب به أهل شبه الجزيرة، منها نسخةٌ مذكورة في فهرس مكتبة كنيسة القديس زويلو بقرطبة، ولا يُتوقّع من النسخة البيزنطية أن تحمل ما في مخطوطة كولومبيا من ذيلٍ في تاريخ القوط.
الخبر الآخر لابن خلدون، وهو وحده مصدر القول بأنّ الترجمة صُنعت للحكم، إذ ينقل عمّا رواه «هروشيوش مؤرّخ الروم في كتابه الّذي ترجمه للحكم المستنصر من بني أمية قاضي النصارى وترجمانهم بقرطبة وقاسم بن أصبغ» (تاريخ ابن خلدون ٢/١٠١)، ثم يقول في موضع آخر إنّ رواية هروشيوش أرجح لأنّ مترجميه مسلمان معروفان ترجماه للخلفاء بقرطبة. ومن هذين السطرين خرجت أعسر مسائل الباب. فقاسم بن أصبغ البياني، الفقيه المشهور، وُلد سنة ٢٤٥هـ ومات سنة ٣٤١هـ، وكان عند وصول الهدية قد جاوز التسعين، ويذكر من ترجم له أنه اختلط في آخر عمره، فيبعد أن يكون ترجم شيئاً. فتفرّق الباحثون فريقين: فريقٌ أبقى قاسماً وأسقط خبر الهدية، وفريقٌ أبقى الهدية وبحث في كتب التراجم عن مترجمٍ آخر، كما فعل بدوي وكحيلة. وأمّا «قاضي النصارى وترجمانهم» فلم يُسمَّ. اقترح له سيمونيت حفص بن ألبر القوطي، وهو أقدم من ذلك فيما يبدو، وابنَ مغيث، وهو من معاصري الحكم. والاسم العربي لا يدلّ على دين صاحبه، فابن حيان يذكر أربعة تراجمة للحكم في وفدٍ من شمال هسبانيا، أي من شمال شبه الجزيرة، بأسماء عربية خالصة، ولولا أنه وصفهم بأنهم قاضي النصارى وأسقف ومطران وقومس لما عُرف أنهم نصارى.
أطرف الحلول وأقربها إلى القارئ العربي حلُّ فان كوننغسفلد، لأنه يقوم على حرفٍ واحد. فالواو قبل «قاسم بن أصبغ» ساقطةٌ في مخطوطتين من تاريخ ابن خلدون، إحداهما مصحّحة بخطّه فيما يبدو؛ فإذا سقطت صار المترجم رجلاً واحداً هو «قاضي النصارى وترجمانهم بقرطبة قاسم بن أصبغ»، وهو عنده غير الفقيه المشهور، قاضٍ نصراني يحمل الاسم نفسه. وتعرض المؤلفة هذا الحل ولا تتبنّاه، وتخلص إلى أنّ خبري ابن جلجل وابن خلدون بلغا من التناقض حداً يُسقط الافتراض بأنّ مخطوطة كولومبيا ترجمةٌ صُنعت للحكم من النسخة البيزنطية:
«يبدو أنه لا يكاد يُستنقذ شيءٌ من أخبار ابن خلدون.» (ص ١٤١)
ليس في ذلك ما ينفي أن تكون مكتبة الحكم قد ضمّت ترجماتٍ من اللاتينية، فالمسعودي يذكر أنه قرأ بالفسطاط ثبتاً بملوك الفرنجة من كتابٍ ألّفه غودمار أسقف جرندة وتُرجم للحكم. لكنّ هذه المكتبة، وقد بالغ الرواة في عدد مجلداتها على مألوفهم في وصف المكتبات، لم تعمّر طويلاً، فقد أحرق المنصور بن أبي عامر ما فيها من علوم الأوائل، أي الفلسفة وما ورثه العرب من علوم اليونان، ثم بيع أكثرها في الفتنة التي أنهت خلافة قرطبة.
تُقاس مكانة هروشيوش في العلم العربي بما نُقل عنه. فالجغرافيون الذين أفادوا منه، سوى ابن خلدون، لم يأخذوا عنه إلا فقرتين في صفة هسبانيا: أنها مثلثة الشكل تحيط بها المياه، وأنها قسمان. ومن تتبّع مولينا لروايات هذه الصفة تستنتج المؤلفة أنّ الجغرافيين أخذوا عن نسختين من الترجمة على الأقل. ولاقتصارهم على الجغرافيا تعليلٌ عندها، فقد كان التاريخ في مرتبة دنيا من مراتب العلم، يصلح للصبيان والأمراء، ولا يُدرَّس منه إلا ما احتاج إليه علم الحديث من تراجم الرجال. وكان تاريخ هسبانيا قبل الإسلام أهون من ذلك شأناً، حتى قال صاعد الأندلسي إنّ الأندلس كانت خالية من العلم قبل الفتح. فلو تُرجم الكتاب للحكم لكان الأرجح أنه قُرئ للتسلية لا للعلم.
يُستثنى من ذلك ابن خلدون، لعنايته بتاريخ ما قبل الإسلام. أحصى بدوي في ملحقٍ بنشرته سبعةً وخمسين موضعاً ينقل فيها ابن خلدون عن هروشيوش، منها ستة لا توجد إلا في الترجمة العربية، ونحو نصفها أقرب إلى الأصل اللاتيني منه إلى الترجمة، وستة عشر موضعاً يقول فيها «قال هروشيوش» وليس في الأصل ولا في الترجمة شيءٌ منها. ثم إنّ ابن خلدون يرتّب مصادره بحسب دين أصحابها، فلا يأخذ عن غير المسلم ما وجده عند مسلم. وتلخّص المؤلفة ذلك بقولها:
«لم يكن ابن خلدون ينقل عن ترجمة عربية للتواريخ، بل كان يستعمل اسمَ هروشيوش اختصاراً للتاريخ النصراني.» (ص ١٤٧)
تقع المخطوطة نفسها في مئة وتسعٍ وعشرين ورقة ممزقة أكلتها الأرَضة، بلا تاريخ ولا اسم ناسخ. والأرجح عند المؤلفة أنها كُتبت في شمال إفريقيا في القرن الرابع عشر، وقد جعلها فان كوننغسفلد أقدم بقرن، وأثبت فهرس كولومبيا سنة ٧١٢هـ ولم يؤكّده أحد. ويدلّ فهرس أبوابها على أنّ الأصل المترجَم نسخةٌ من هروشيوش ذُيّلت بتاريخ القوط في الأندلس، من إيسيدور وغيره، إلى دخول طارق، وفيها ألفاظ عربية أندلسية الأصل تدلّ على أنها تُرجمت في شبه الجزيرة.
تصرّف المترجمون في النص تصرّفاً واسعاً، فاختصروا وقدّموا وأخّروا، وافتتحوا بالبسملة، وأجروا الأسماء على صيغة «فلان بن فلان» حتى صار لرومولوس أبٌ اسمه مرقس، وجعلوا جبل أرارات هو الجودي، ونظموا ما اقتبسه هروشيوش من فرجيل شعراً على وزن عربي. ورأى بعض الدارسين في ذلك دليلاً على أنها تُرجمت لمسلمين، وترى المؤلفة أنّ هذه السمات نفسها تكثر في ترجمات النصوص النصرانية إلى العربية. وفي المخطوطة زياداتٌ ليست من هروشيوش، أطولها قصة قسطنطين وبرصه وشفائه على يد البابا سلبستر، وروايةٌ بهذا التفصيل أقرب أن تكون من نسخة غربية منها من نسخةٍ جاءت من القسطنطينية. وعلى حواشيها تعليقٌ لاتيني من قارئ نصراني يعود من العربية إلى اللاتينية، وتعليقٌ عربي لمسلم يشنّع على النصارى عقيدة الصلب.
للمخطوطة أسرةٌ من النصوص تنتمي إليها: تاريخٌ نصراني آخر بالعربية وُجد في جامع القيروان، وتواريخ سعيد بن البطريق وأغابيوس المنبجي في المشرق، ثم ما ترجمه نصارى الأندلس إلى العربية، وأكثره من الكتب المقدسة: أناجيل إسحاق بن بلشك سنة ٩٤٦م، ومزامير حفص بن ألبر القوطي المنظومة على الرجز، وهو بحرٌ من بحور الشعر العربي، ومجموع المجامع الكنسية، أي قرارات مجالس الأساقفة. وتنقل المؤلفة، عن فان كوننغسفلد، أنّ القرطبي أثنى على حفص لأنه أخذ من علوم المسلمين (ص ١٥٦). وكتاب أبي العباس القرطبي «الإعلام» ينقل عن حفص كثيراً، لكنّ الثناء الذي تورده لم نجده فيه، والموضع الذي يذكر فيه منزلته تسليمٌ يسبق الردّ: «حفص بن البر على جلالة قدره عندهم قبل ما كان ينبغي له أن يرد ورد ما كان ينبغي له أن يقبل» (الإعلام، ص ٤٢٤). فالمخطوطة في نظرها شاهدٌ على حركةٍ نصرانية في الترجمة إلى العربية، لا أثرٌ منفرد، وقد ضاع أكثر نتاج هذه الحركة حين عادت اللاتينية إلى الصدارة، ومنها صار اسم هروشيوش عند ابن خلدون علَماً على تاريخ النصارى.
يخالف الفصل صراحةً من سبق المؤلفة إلى المسألة، من ليفي ديلا فيدا إلى بدوي وكحيلة وفان كوننغسفلد، ممن حاولوا التوفيق بين المخطوطة وخبري ابن جلجل وابن خلدون. غير أنّ على القارئ أن يعلم أنّ الفصل قائمٌ على نشرة بدوي، ولم تستعمل المؤلفة نشرة مايتي بينيلاس النقدية للترجمة، أي الطبعة المحقّقة على أصول التحقيق العلمي، الصادرة في مدريد سنة ٢٠٠١م، قبل صدور كتابها بعام؛ فهي لا ترد في ثبت مراجعها، وعليها يعتمد مثلاً ماركو دي برانكو في دراسته للترجمة سنة ٢٠٢٥م، ولا يذكر كتاب كريستيز.