يدور الفصل على «تاريخ افتتاح الأندلس» لابن القوطية، وعلى خبرٍ منه بعينه: أنّ المُند بن غيطشة، وغيطشة الملك القوطي الذي سبق لذريق، مات عن بنتٍ هي سارة القوطية وابنين صغيرين، فبسط عمّهم أرطباس يده إلى ضياعهم في أول ولاية هشام بن عبد الملك، فركبت سارة البحر من إشبيلية إلى الشام، ووقفت بباب هشام تتظلّم وتذكّره بالعهد الذي عقده الوليد لأبيها، فكتب لها بإنفاذه، وزوّجها عيسى بن مزاحم، فقدم معها الأندلس وقبض ضياعها (ص ١٥٨). ولا تزعم المؤلفة أنّ هذه الأخبار صادقة، ولا ترى في بُعدها عن الصدق سبباً لإهمالها، لأنّ الذي يعنيها منها ما كان أحفاد النصارى الذين أسلموا يرونه في القرن العاشر حين يروون انتقال أسلافهم من أشراف القوط إلى أشراف الدولة الإسلامية، لا ما وقع في القرن الثامن.
«ليس في تناقض هذه الأخبار، ولا في أنّ بعضها لا يُصدَّق أصلاً، ما يُسقط قيمتها مصدراً تاريخياً.» (ص ١٥٩)
لم يكن ابن القوطية (ت ٩٧٧م) نصرانياً، بل كان من ذرية نصرانيٍّ أسلم، وكان أبوه قاضياً بإشبيلية وإستجة. وعنوان كتابه، كما تقول المؤلفة، مضلِّل، فأخبار الفتح لا تشغل إلا صدره، وأكثر ما بعدها نوادر في مناقب بني أمية إلى عهد الأمير عبد الله. ويُرجَّح أنه جُمع بعد موت الناصر سنة ٩٦١م، لأنه يذكره بالترضّي ولا يروي عهده. وأكثره دعايةٌ كانت ستسرّ الخلفاء لو قرؤوها، غير أنّ صاحبه انفرد من بين مؤرخي الأندلس بتذكّر ما كان للنصارى من شأن في الفتح وفي بناء المجتمع الأندلسي بعده. فأبناء غيطشة عنده أول من صالح الفاتحين من النصارى، في حين تراهم المصادر اللاتينية خونة، كما في حوليتي سنة ٧٥٤م وألفونسو الثالث (ص ١٥٩).
أشدّ ما طُعن به في ابن القوطية حكمُ تلميذه ابن الفرضي. ففي ترجمته له في «تاريخ علماء الأندلس» يقدّمه في النحو على أهل زمانه، ثم يقول إنه كان حافظاً لأخبار الأندلس يمليها عن ظهر قلب، لا يلتزم فيها قواعد الحديث والفقه ولا يرجع إلى الأصول، فيأتي بالمعنى دون اللفظ، وكثيراً ما يقع في روايته ما لا يُضبط (ص ١٦٠). وليس في الترجمة ذكرٌ لكتابٍ في التاريخ. ومن هنا تنقل المؤلفة السؤال إلى كتب التراجم نفسها، فتنظر فيها جنساً أدبياً له قوالبه. فالترجمة عند أصحابها قالبٌ ثابت، أدلّ على الطبقة المتعلمة جملةً منه على الفرد، وقد تُستعمل استعمالاً فاسداً. ومثاله قائمةٌ عند ابن الخطيب بمن حضروا بيعة هشام بن الحكم سنة ٩٧٦م، فيها ابن القوطية، وفيها من كان قد مات ومن لم يكن قد وُلد، فلا تصلح شاهداً على أنه كان من خاصة الدولة (ص ١٦٢).
على أنّ أصحاب التراجم بعد ابن الفرضي لم يتفقوا على حكمه. فالقاضي عياض يصفه بأنه صاحب كتاب حسن في تاريخ الأندلس، وياقوت والذهبي والصفدي يذكرون له كتاباً في التاريخ، ويروي عنه الخشني وابن حيان أخباراً ليست في الكتاب الباقي. فتخلص المؤلفة إلى أنّ مخطوطة ابن الفرضي الوحيدة لا تكفي لإثبات أنه لم يكتب تاريخاً، ولا أنه أساء النقل؛ فقد كان عياض يقرأ نسخةً من الكتاب تخالف الباقية، والحكم القاسي نفسه قد يكون من زيادة ناسخ متأخر له رأيه (ص ١٦٤).
بقي الكتاب نفسه في مخطوطة واحدة بباريس من القرن الرابع عشر. ويسمّي النصُّ صاحبَه في أوله وآخره، فنسبته إليه ثابتة، وإنما الإشكال في بنائه وطريقة انتقاله. وقد ردّ شالميتا روايته للفتح، وجعله من «الأخبار» التي تُلتقط من الرواية الشفوية، لا من «التاريخ» الذي يُنقل بالإسناد نقلاً محكماً، ووصف صاحبه بأنه «أحفورة تمشي»، أي بقيةٌ من زمنٍ مضى (ص ١٦٥). وتقبل المؤلفة بعض هذه التهمة، فقلّة التواريخ وإيراد الشعر وتصدير بعض الحكايات بأنها من أخبار أرطباس كلها من سمات «الأخبار». لكنها تذكّر بأنّ علماء الأناسة أثبتوا أنّ الرواية الشفوية لا تعني الخطأ، فضلاً عن الخيال، وبأنّ ابن القوطية نفسه يسند خبر زواج سارة إلى كتاب عبد الملك بن حبيب في فتح الأندلس وإلى أرجوزة تمّام بن علقمة الوزير، وهما مصدران مكتوبان. ثم إنه لا يورد نصّ العهد الذي قيل إنّ الوليد كتبه لأبناء غيطشة، ولو كان في يد أسرته لرواه؛ فغيابه يدلّ على أنّ فترةً من النسيان فصلت بين الفتح والقرن العاشر، ملأها ابن القوطية من غير ذاكرة أسرته (ص ١٦٦).
لم يكن كاتب النسخة الباقية من أهل بيت ابن القوطية، لأنه يقول في عيسى بن مزاحم «وهو جدّ ابن القوطية»، ولو كان منهم لقال «جدّي» (ص ١٦٧). والأرجح أنّ الكتاب إملاءٌ دوّنه تلميذ. ولهذا كله تعدّ المؤلفة كل قراءة للكتاب مؤقتة، وتسمّي جامعه ابنَ القوطية على سبيل الافتراض، وتفترض أنه يحمل نظرة القرن العاشر إلى الفتح وما تلاه (ص ١٦٨).
لهذه النظرة سياق. فقد بدأ تدوين التاريخ والأنساب في الأندلس حقاً أواسط القرن العاشر، حين صار أحمد الرازي أول من عُرف بالمؤرخ، وحين طلب الحكم المستنصر أن تُجمع الأخبار المتفرقة قبل أن تضيع، وأن تُقيَّد أنساب العرب في دواوين. وفي ذلك الوقت صنع كثيرٌ من أهل البلاد لأنفسهم أنساباً عربية. فلا يُرجَّح أن يكون ابن القوطية، بعد أكثر من قرنين، على يقين من نسبه كما يزعم، فإن كان يلحّ على أصله النصراني فلغرضٍ أراده (ص ١٧١).
يظهر هذا الغرض حين يُقرأ الكتاب كما تُقرأ أخبار القديسين، فهو يعرض مناقب الأمراء في عدلهم وحلمهم، والعدل يشمل الرعية كلها، نصاراها ومن أسلم منها (ص ١٧٣). وقد رأى شالميتا في أخبار سارة وأبناء غيطشة أقوى دليل على جهل صاحبها وعلى رغبته الفارغة في تعظيم أجدادٍ لا شأن لهم. وتوافقه المؤلفة على أنّ نصيبها من الحقيقة ضئيل، لكنها ترى أنّ كل ذكرٍ لنصراني فيها يقول شيئاً عن اندماج النصارى. فانحياز أبناء غيطشة إلى طارق عشيةَ المعركة مع لذريق، آخر ملوك القوط، وتثبيت ضياعهم الثلاثة آلاف بعهدٍ من طارق ثم موسى ثم الوليد، أقرب ما تملكه أسرةٌ من أهل البلاد إلى جدٍّ دخل مع الفاتحين (ص ١٧٥).
أرطباس، الذي صادر عبد الرحمن الداخل ضياعه حسداً، يدخل عليه في أسمالٍ فيعظه في تثبيت الملك لولده، فيردّ عليه عشرين ضيعة، «وولاه القِمَاسة، فكان أول قومس بالأندلس» (ط. الطبّاع، ص ٩٤)، والقومس رئيسُ النصارى يولّيه السلطان. غير أنّ ابن القوطية نفسه يذكر أنّ الشاميين كانوا قد أُنزلوا على أموال أهل الذمة من العجم، فلعلّ هذه الحكاية عزاءٌ لأعقاب أشراف القوط في فقرهم (ص ١٧٨). أمّا قومس بن أنتنيان، الكاتب النصراني، فقد أشهد على إسلامه لمّا بلغه أنّ الأمير محمداً لا يستبدل به غيره لو كان مسلماً، ويروي ابن القوطية خبره دون أن يعيب الأمير، ساخراً من خصومه الذين عيّروه بنسبه النصراني (ص ١٧٨).
تضيف المؤلفة إلى هؤلاء رجلاً من نسل رُمُلة بن غيطشة تسمّيه «حفص بن ألبر، قاضي النصارى»، وتجعله صاحب ترجمة المزامير شعراً إلى العربية، وربما ابناً لألبارو القرطبي (ص ١٧٩). وهذه المطابقة من ألطف ما في الفصل، لكنّ العبارة في نشرة الطبّاع «ومن نسله حفص بن البر قاضي العجم» (ط. الطبّاع، ص ٧٣)، فلقبه قاضي العجم لا قاضي النصارى، والمحقق ينبّه في حاشيته على أنّ نسخة مدريد تقرأ «جعفر» وأنّ ريبيرا يؤكّد هذه القراءة. فالمطابقة قائمة على قراءة مختلَف فيها، ولا تذكر المؤلفة هذا الخلاف.
رحلة سارة إلى الشام، في رأي المؤلفة، حيلةٌ قصصية تجمعها بالخليفة، فيترتب على اللقاء أمران: أن ترى عبد الرحمن بن معاوية صبياً بين يدي هشام، وأن يزوّجها هشام عيسى بن مزاحم، فتلد له إبراهيم وإسحاق، وعيسى هذا جدّ ابن القوطية. فلمّا مات زوّجها عبد الرحمن الداخل عميرَ بن سعيد، فولدت له جدّ بني حجّاج وغيرهم من أشراف إشبيلية. وتقرن المؤلفة مكانتها بمكانة النساء في أساطير التأسيس، أي القصص التي تروي بها الأمم والأسر كيف نشأت، وتنبّه إلى أنّ أسماء سارة وعيسى وإبراهيم وإسحاق تستدعي إبراهيم الخليل عليه السلام، أبا الأمم عند النصارى والمسلمين جميعاً. فالزواج الأول يُعقب فرعاً ربما بقي على النصرانية زمناً بعد الفتح، كما بقي عليها أخوا سارة، وأحدهما مطران إشبيلية والآخر عبّاس، والزواج الثاني يُعقب فرعاً مسلماً من أوله، يمنح أسرة ابن القوطية صلةً قديمة بالمسلمين (ص ١٨١).
لا ترى المؤلفة في هذا شعوبيةً، أي تفضيلاً للعجم على العرب، ولا خروجاً على السلطان، وتردّ قراءة ريبيرا التي رأت في ابن القوطية «روحاً إسبانية» ونخوة قوطية، وهي قراءةٌ أشبه بهموم إسبانيا بعد ضياع مستعمراتها سنة ١٨٩٨م منها بروح الكتاب. وتأخذ عن فييرو خبر الصميل بن حاتم، وقد سمع مؤدّباً يقرأ قوله تعالى:
﴿إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]
فقال: «نداولها بين العرب» (ط. الطبّاع، ص ٩٤)، يريد أنّ الأيام دولٌ بين العرب لا بين الناس جميعاً. وتقرّ المؤلفة بأنّ في الخبر نقداً لربط الدين بالنسب، لكنها ترى أنّ هذا الربط لم يكن قد فقد معناه عند ابن القوطية، الذي كان ماضيه النصراني وولاؤه لبني أمية كلاهما مسألةً حيّة. فزواجا سارة صورةٌ للمنزلة الملتبسة التي شغلها المسلمون الجدد من موالي السلطان، أي ممّن انتسبوا إلى بني أمية بالولاء.
«هذه الأخبار أدبٌ لا حقيقة تاريخية، لكنها تنفع المؤرخ الحديث لأنها تُريه كيف صوّر مؤلفو العصور الوسطى ماضي فردٍ أو جماعة على نحوٍ يصدّقه جمهورهم.» (ص ١٨٢–١٨٣)