Chapter 9 · Afterword
خاتمة

تجمع نصوصَ الكتاب كلها صلتُها بهسبانيا القوطية، وتُري أنّ النصراني في الأندلس لم يكن أمامه طريقان فقط، المقاومة أو الاستسلام، بل طرق شتّى.

تجعل المؤلفة الكلمة الأخيرة لابن القوطية، لا لأنّ بني القوطية أسلموا، بل لأنهم حفظوا ذكرى ماضيهم القوطي، وهذه الصلة بهسبانيا القوطية، أي بشبه الجزيرة في عهد القوط قبل الفتح، هي ما يجمع النصوص التي درستها كلها. أمّا وزن هذه الصلة فأصعب تقديراً. فقد انتهى سيمونيت، بعد عمرٍ قضاه في دراسة هؤلاء النصارى، إلى أنهم طابورٌ خامس متوارٍ ينتظر الخلاص، وأنّ مستقبل هسبانيا النصرانية كان في أستورياس وفي المملكة التي أسسها بلاي (ص ١٨٤)، والطابور الخامس جماعةٌ تعمل في الخفاء لعدوٍّ من خارجها. ولعلّ حكم سيمونيت أقسى ممّا ينبغي. صحيحٌ أنّ نسخ هذه النصوص قليلة، وأنّ بعضها عاش في عزلة، حتى إنّ مؤرخي أستورياس في أواخر القرن التاسع لم يقرؤوا حوليتي القرن الثامن مع أنهما نُسختا في الشمال، لكنّ العلم النصراني بقي في الأندلس بعد الفتح.

على أنّ الثقافة النصرانية، مع بقائها حيّة، لم تمنع العربية وتبدّل العادات والعمارة من أن تحوّل الأندلس إلى دولة إسلامية، في قرطبة على الأقل إن لم يكن في طليطلة. ونقل النصارى نصوصهم إلى العربية فاكتست ألفاظ الإسلام وأشكاله، ورأى غرينبلات في مثل ذلك دليلاً على الاستيعاب، أي على ذوبان الجماعة في غيرها. وتراه المؤلفة تثاقفاً سطحياً، أي أخذاً من ثقافة الغالب لا يمسّ الجوهر، لأنّ المنقول كان كله تقريباً نصوصاً مقدسة أو كنسية. فتقويم قرطبة نفسه، وأصله العربي من صنع مسلم، كان يمكن أن يُستعمل تقويماً للصلوات النصرانية، وفي الزمن الذي نُقلت فيه هذه النصوص استقبل أهلُ غورزه ريسموند عالماً نصرانياً. فلا ينبغي أن يُسوّى بين التعرّب والإسلام، فقد بقي في المشرق نصارى يتكلمون العربية إلى القرن العشرين، وأسلمت بلادٌ كإيران وباكستان دون أن تأخذ لغة الإسلام. ولم تكن لغة الكتب المقدسة وتاريخ العناية الإلهية، وهو التاريخ الذي يقرأ الحوادث تدبيراً من الله، لغةً يُناقش فيها التحوّل إلى دين جديد، فلا عجب أن تسكت عنه هذه النصوص. ولعلّ الانتماء الديني لم يكن في تلك القرون المسألةَ الغالبة التي صار إليها بعد ذلك، فقد أتقن أصحاب الدعاية لملوك أستورياس ولأمراء قرطبة صنعتهم، حتى صار المؤرخون إلى اليوم يقرؤون الحقبة بثنائيات من قبيل الدخول في الإسلام أو المقاومة، والاستمرار أو التغيّر. والشواهد التي درستها تميل بطبيعتها إلى الاستمرار (ص ١٨٥).

فحوليتا القرن الثامن آخر تاريخٍ على مذهب العناية الإلهية كتبه النصارى تحت حكم المسلمين، وأخبار الشهداء عند إيولوخيو وصاحبَي آلام بلاجيو وأرجنتيا تشهد بأنّ كتابة أخبار القديسين على الطريقة القديمة ظلّت ممكنة، وإن كان الأرجح أنها عنت لنصارى الشمال أكثر مما عنت لنصارى العاصمة الأموية.

«لقد أطال المؤرخون النظر إلى نصارى الأندلس بعيون إيولوخيو وألبارو.» (ص ١٨٦)

فالمصادر النصرانية نفسها، على قلة ما تمثّله، تُري طرقاً شتى. فقد كان يمكن للنصراني في القرن التاسع أن يطلب الشهادة، أو أن يكون رجل كنيسة موالياً للسلطان. وكان يمكنه في العاشر أن يعتزل في دير بالعاصمة كما قيل عن أرجنتيا، أو أن يخدم الدولة كما خدمها ريسموند، فيسفر في وفود الخليفة إلى شمال أوروبا وبيزنطة، ويُكافأ بأسقفية وهو عالمٌ باللاتينية. وكان من النصارى من هاجر إلى الشمال، لعلّه طلباً لما أتاحه اتساع الرهبنة هناك، ومن رأى، كقومس بن أنتنيان، أنّ الإسلام أقصر الطرق.

«ينبغي أن يُعدّ اتساع هذه الخيارات كلها علامةً على ما في تلك الحقبة من طرافة وتعقيد.» (ص ١٨٦)

لعلّه لم تكن هناك في قرطبة حركة مقاومة نصرانية منظمة، لكنّ الميراث القوطي لم يُنسَ، ولهذا سهل، حين أُخرج حكّام المسلمين من شبه الجزيرة، أن تُصوَّر حروب الاسترداد، وهي الحروب التي استعاد بها ملوك النصارى البلاد، يقظةً نصرانية.