The Legacy of Muslim Spain · A Reader's Companion
التصدير وتاريخ الأندلس السياسي

تقدّم المحرّرة الكتاب وتبيّن غايته، ثم يروي محمود علي مكي تاريخ الأندلس السياسي من الفتح سنة ٩٢هـ/٧١١م إلى سقوط غرناطة سنة ٨٩٧هـ/١٤٩٢م، في أطول مقالات الكتاب.

تصدير المحرّرة

١. تصدير

ترجع فكرة الكتاب، كما تروي المحرّرة، إلى مجلسٍ قديم على سفوح طليطلة، جلست فيه مع أصحابها تستمع إلى أسلم مالك، القائم بأعمال السفارة الباكستانية في إسبانيا يومئذ، وهو يقرأ ترجمةً إنجليزية لقصيدة محمد إقبال في مسجد قرطبة. ومن تلك القصيدة أخذت مبدأً صارت تستمدّ منه القوة كلما بدا الأمر مستحيلاً، وهو العشق على المعنى الذي صرفه إليه إقبال. فالعشق في العربية أول أمره حبٌّ يبلغ حدّ الوله، وقد جعله إقبال شغفاً دينياً يؤثر صاحبه غيره على نفسه، ويبعثه على إقامة المبادئ الكبرى وعلى تمجيد اسم الله أو الفنّ أو الكمال. والقصيدة عندها، وإن كُتبت في ذكرى مجدٍ غابر، تبعث الإرادة على البناء من جديد، ولا تستدرّ دمع الحسرة. ثم اتخذ المشروع صورته قبل صدور الكتاب بنحو ثماني سنين، حين تبيّنت ما يحمله عام ١٩٩٢م من ذكرياتٍ متعددة، فاتفقت مع زملاء في العالم العربي والولايات المتحدة وبريطانيا على أن تُعدّ لهذه المناسبة مجموعةُ دراسات في الحضارة الإسلامية بإسبانيا في العصور الوسطى على أقلّ تقدير.

على أنها لا تسمّي عام ١٤٩٢م في التصدير كله، وإنما تبني المناسبة على الذاكرة العربية، وتنقل قولاً شائعاً في العالم العربي الحديث، أنّ أحداً من العرب والمسلمين لم يزر الأندلس ويرَ آثارها إلا عاد بمزيجٍ من الفخر والأسى. والذاكرة عندها انتقائية، والأمم كذلك:

«وقد اختار العرب والمسلمون جميعاً الأندلسَ، صامتين ومن غير تشاور، ذكرى باقيةً في قلوبهم» (التصدير)

فهي في نظرهم شاهدٌ حيّ على حضارةٍ ملأت مع بغداد ما يشبه الفراغ الحضاري في أوائل العصور الوسطى، وفردوسٌ مفقود زاد الحزنَ عليه ضياعُ فلسطين. وتستشهد على ذلك بشعراء العصر، منهم أحمد شوقي الذي نفاه الإنجليز من مصر إلى إسبانيا في الحرب العالمية الأولى فكتب فيها بعض أجود شعره، ونزار قباني الذي كان دبلوماسياً في مدريد، فكانت قصائده «الأندلسية» تصل منها فتدخل آلاف البيوت العربية، وعبد الوهاب البياتي، ومحمود درويش الذي جمع الذاكرتين في صورة الأندلس يراها على الجسر فوق وردةٍ ذابلة ومن وراء دمعةٍ يائسة.

أمّا في الغرب فتفرح بمن شاركها التقدير من علماء إسبانيا وغيرها، وتستشهد بمقالةٍ للفنان والكاتب الألماني كلاوديو لانغه يرى فيها أن الحضارة الإسلامية كانت في القرن الحادي عشر، مع البيزنطية والصينية والهندية، «العالمَ الأول» في زمانها، وأوروبا الغربية «العالمَ الثالث». ويرى كذلك أنّ نهوض حضارةٍ عربية تأخّر ظهورها، فاستوعبت الحمّامات الرومانية والترف الفارسي والعلم اليوناني والهندي، كان لأوروبا المسيحية مثالاً يشجّعها. وتريد المحرّرة بالكتاب أن يحيط بأهمّ وجوه تلك الحضارة قاصداً إلى تراثها وأثرها، وأن يردّ على «التجاهل المتعمَّد» لحضور العرب ومن تعرّب من المسلمين، بل من غير المسلمين، في العصور الوسطى، وأهون ما تقول فيه إنه جريمةٌ تاريخية طال السكوت عنها. وتصل ذلك بغاية مشروع «بروتا» منذ نشأته سنة ١٩٨٠م، وهي أن تتغيّر النظرة إلى التراث العربي الإسلامي، وأن تتأكّد وحدة الإبداع الإنساني، فهي عندها الوحدة الوحيدة الممكنة في عالمٍ شديد الانقسام.

التاريخ

٢. التاريخ السياسي للأندلس (٩٢هـ/٧١١م–٨٩٧هـ/١٤٩٢م)

ثمانية قرون من تاريخ الأندلس السياسي يسردها مكي سرداً متصلاً في ثمانية أبواب، من فتح المغرب إلى تسليم غرناطة. ويفتتحها بمنزلة الأندلس، فهي أولى الدول العربية الإسلامية في أوروبا، وبلدٌ صنع لنفسه بين بلاد الإسلام شخصيةً حضارية خاصة، فصار معبراً للثقافة العربية إلى الغرب (ص ٣). والوقائع في المقالة كثيرة، لكنّ أنفع ما فيها منطقٌ تفسيري يعود إليه المؤلف في كل عصر. فالثورة في الأندلس تقوم في رأيه على ثلاثة أسباب: تنوّع العناصر من عرب وموالٍ (وهم من دخلوا في ولاء القبائل العربية أو البيت الأموي من غير العرب) ومولّدين (أهل البلاد الذين أسلموا وأبناؤهم) وبربر ومستعربين (النصارى الذين عاشوا في ظلّ المسلمين وأخذوا بلسانهم)، وروح الأنفة التي رسخت في هذه العناصر منذ الفتح حتى صارت ترى الخضوع للسلطان ضرباً من المذلّة، وطبيعة البلاد الجبلية المتباعدة الأطراف التي يتحصّن فيها الثائر سنين لا تناله قوة (ص ٢٨). ثم يضيف إليها أثر الأشخاص في مصائر الدول، فقد يُفسد إمارةً وزيرٌ متكبّر، وقد يبني دكتاتورٌ عبقري مجداً يخفي تحته الانهيار. ويرى في بيوت الموالي الأمويين العمادَ الذي قامت عليه إدارة الدولة من الداخل إلى أن هدمها المنصور بن أبي عامر، ويرى جيوش المغرب سلاحاً ذا حدّين، تُنقذ الأندلس حيناً وتفتّها حيناً آخر.

ليس في المقالة حاشيةٌ واحدة، ولا يكاد مكي يسمّي في المتن مصدراً بعينه، فهو يقول «المصادر العربية» و«بعض المؤرخين» و«الروايات النصرانية»، ثم يختمها بثبتٍ من ثلاث صفحات ليس فيه إلا المصادر العربية الأصول بطبعاتها، ولا مرجع أوروبياً حديثاً واحداً (ص ٨٥–٨٧). ففي هذا الثبت «أخبار مجموعة» و«تاريخ افتتاح الأندلس» لابن القوطية و«المقتبس» لابن حيّان و«البيان المغرب» لابن عذاري و«الذخيرة» لابن بسّام و«التبيان» للأمير عبد الله بن بلقين و«الحلل الموشية» و«المعجب» لعبد الواحد المراكشي و«روض القرطاس» لابن أبي زرع، ثم كتب لسان الدين بن الخطيب («أعمال الأعلام» و«الإحاطة» و«اللمحة البدرية») و«نبذة العصر» و«نفح الطيب» للمقّري و«المعيار المعرب» للونشريسي، وفيه نشرتان حقّقهما مكي نفسه، هما «ديوان ابن درّاج القسطلّي» و«نظم الجمان» لابن القطّان. فالقارئ يعرف ما قرأه المؤلف، ولا يعرف من أين أخذ كل خبر.

الفتح: امتدادٌ لفتح المغرب لا ثأرٌ لابنة يُليان

فتح الأندلس في هذه المقالة نتيجةٌ طبيعية لإخضاع المغرب، ولذلك يقدّم له مكي بمراحل الفتح من عمرو بن العاص إلى حسّان بن النعمان، وينتهي إلى موسى بن نصير الذي أتمّ فتح شمال إفريقيا في نحو عشر سنين (٨٥–٩٥هـ/٧٠٤–٧١٤م) وقسمه خمس ولايات، وأقام مولاه البربري طارق بن زياد على طنجة (ص ٣–٤). أمّا دولة القوط الغربيين عشية الفتح فيصفها بأنها طبقةٌ حاكمة منعزلة تحرّم التزاوج برعاياها، شقّها الخلاف المذهبي بين ملوكٍ آريوسيين (على مذهب آريوس الذي ينكر ألوهية المسيح) وشعبٍ كاثوليكي حتى تنصّر ريكاريدو على مذهب الكاثوليك، وأثقلتها الضرائب التي أُعفي منها الأشراف، واضطهدت اليهود أشدّ الاضطهاد، ثم انتهى أمرها إلى نزاع أسرة غيطشة ولُذَريق على العرش (ص ٥–٦). ويردّ اسم «الأندلس» إلى اسم الوندال محرّفاً، لأن العرب علموا أن الوندال عبروا إلى إفريقية من شبه الجزيرة، فسمّوا البلاد التي جاؤوا منها باسمهم (ص ٥).

أمّا قصة ابنة يُليان التي اعتدى عليها لُذَريق في قصره بطليطلة، فيسوقها كما شاعت في المصادر العربية ثم في الحوليات والملاحم الإسبانية، ثم يحكم فيها حكماً قاطعاً:

«وسواءٌ أصحّت القصة أم لم تصحّ، فإنها لا تكفي وحدها لتفسير فتح العرب للأندلس» (ص ٦)

ذلك أنّ الفتح امتدادٌ لحركة الفتح غرباً على ساحل المتوسط، وتأمينٌ لما فُتح من المغرب بامتلاك الساحل المقابل، وثمرةٌ لحماسة البربر الذين أسلموا فصاروا يرون أنفسهم أصحاب رسالة، وحلقةٌ في صلةٍ قديمة بين ضفتي المضيق، كلما قوي حاكم إحداهما امتدّ بصره إلى الأخرى. ويلاحظ مكي أن سنوات الفتح هي نفسها السنوات التي بلغ فيها قتيبة بن مسلم تخوم الصين، ودخل محمد بن القاسم الثقفي حوض السند، في خلافة الوليد بن عبد الملك (ص ٦–٧). ولا يشكّ في أن يُليان صاحب سبتة شخصٌ تاريخي، ويرجّح أنه كان من حزب غيطشة، وأنه ظنّ المسلمين سيكتفون بالغنيمة ويعودون، فأخطأ الحساب (ص ٧).

يتحفّظ مكي في وقائع الفتح على أرقام المصادر. فسرية طريف بن مالك كانت في أربعمئة رجل سنة ٩١هـ/٧١٠م، وجيش طارق في سبعة آلاف أكثرهم بربر، وقد أحسن طارق اختيار الوقت لأن لُذَريق كان في الشمال يقمع ثورة البشكنس (الباسك). أمّا جيش لُذَريق الذي تقدّره «بعض المصادر» بمئة ألف فيعدّه مبالغة. ودامت المعركة على وادي لكّة سبعة أيام وانتهت في ٢٨ رمضان ٩٢هـ/١٩ يوليو ٧١١م، ومصير الملك مجهول، والأرجح أنه فرّ ثم أُدرك فقُتل (ص ٧–٨). ثم يمرّ سريعاً بما بعد المعركة: مغيث الرومي فاتح قرطبة، و«مائدة سليمان» التي غنمها المسلمون قرب قلعة عبد السلام، وعبور موسى في ثمانية عشر ألفاً أكثرهم عرب في رمضان ٩٣هـ/٧١٢م، وتسليم ماردة في شوّال ٩٤هـ/٧١٣م، وأول سكّة ضُربت في الأندلس بالعربية واللاتينية (ص ٨–٩).

استدعى الخليفةُ موسى وطارقاً، ولنقمة سليمان بن عبد الملك على موسى روايتان يعرضهما مكي، إحداهما أن سليمان أراد من موسى أن يؤخّر قدومه حتى يموت الوليد فيستأثر هو بالغنائم، فأبى موسى، والأخرى أن الغيرة كانت قد دبّت بين موسى وطارق على شرف الفتح. ثم يفصل بين المرويّ والثابت، فالثابت أن سليمان اتّهم موسى بالغلول، أي بأخذ شيء من الغنيمة قبل قسمتها، فغرّمه وسجنه وعذّبه، وأن طارقاً طواه النسيان. ويأسف مكي لذلك، ويرى أن سليمان صنع مثله بقتيبة ومحمد بن القاسم (ص ٩–١٠). وينتهي الباب إلى أن المسلمين لم يمضِ على نزولهم ثلاث سنين حتى صاروا مستقرّين لا غزاة، ونواةً لمجتمعٍ جديد (ص ١٠).

عصر الولاة: الصلح والعنوة، والعصبيات، وثورة البربر

حكم الأندلسَ بعد الفتح ولاةٌ يعيّنهم الخليفة أو والي إفريقية، ويبدأ مكي هذا العصر بمعاهدة عبد العزيز بن موسى مع تُدمير، الأمير القوطي في إقليم مرسية، ويعدّها المعاهدة الوحيدة المعروفة بين الفاتحين وأهل البلاد. أقرّ فيها عبدُ العزيز تُدميرَ على إمارته بجزيةٍ سنوية، وأمّنه هو وأصحابه على أنفسهم وكنائسهم وحرية دينهم (ص ١٠–١١). ومنها ينتقل إلى مسألةٍ اختلف فيها المؤرخون والفقهاء، وهي ما فُتح صلحاً، أي بمعاهدة، وما فُتح عنوة، أي بالقتال، ولذلك أثرٌ في الفقه لأن أرض العنوة تُخمَّس، فيُقتطع خمسها لبيت المال. ولا يدخل مكي في تفصيل الأقوال، لكنه يرجّح أن أكثر أرض الأندلس عُدّ مفتوحاً صلحاً، وأقلّها عنوة (ص ١١).

تعاقب على الأندلس في نحو أربعين سنة اثنان وعشرون والياً، لا يزيد متوسط ولاية أحدهم على سنتين، وسببه في رأي مكي أنّ الخلفاء خافوا أن يستقلّ الوالي إذا طال مكثه في بلدٍ بعيد عن مقرّ الخلافة (ص ١١). ومن هؤلاء الولاة السمح بن مالك الخولاني الذي استُشهد عند طولوشة سنة ١٠٢هـ/٧٢١م، وعبد الرحمن الغافقي الذي قُتل في بلاط الشهداء قرب بواتييه سنة ١١٤هـ/٧٣٢م، فانكسرت بعدها حماسة الجهاد وإن لم تنطفئ، وبقيت أربونة رأس جسر للمسلمين إلى آخر عصر الولاة، ثم ضاع كل ما وراء جبال البرتات سنة ١٤١هـ/٧٥٩م (ص ١٢، ١٥–١٦).

ثم يحلّل المجتمع الفاتح إلى طبقاته. فهناك البربر ببتريهم وبرانسهم، وهما شطرا البربر الكبيران في أنسابهم، وهناك العرب «البلديون» الذين دخلوا مع موسى ومع الحرّ، ثم «الشاميون» الذين دخلوا مع بلج بن بشر سنة ١٢٣هـ/٧٤١م، ثم القيسية واليمنية، وهما حلفا القبائل العربية الكبيران في الشمال والجنوب. ويحمّل الخلفاءَ الأمويين تبعة العصبية القبلية، لأنهم كانوا يميلون إلى فريقٍ مرةً وإلى الآخر مرة ليملكوا الفريقين، وكانت هذه السياسة من أسباب سقوط دولتهم (ص ١٣). ويذكر الحلّ الذي جاء به أبو الخطّار الكلبي، فقد فرّق جند الشام على الكُوَر، وهي الأقاليم الإدارية، فأنزل كلّ جندٍ في كورةٍ تشبه موطنه، فنزل جند دمشق إلبيرة وجند حمص إشبيلية وجند قنّسرين جيّان، ثم أفسد هذا الحلَّ ميلُه إلى قومه (ص ١٢–١٣).

في ثورة البربر يخالف مكي رأياً سائداً. فقد قال بعض المؤرخين إن العرب استأثروا بأخصب الأرض وتركوا للبربر الجبال والقفار، وهو يرى أنه قد تبيّن أن الفاتحين نزلوا حيث طاب لهم المقام، وأن كثرة البربر في الجبال ترجع إلى إلفهم إياها في مواطنهم الأولى. والمصادر لا تصرّح بسبب الثورة، فيرجّح أنها امتدادٌ لثورة البربر في المغرب، حيث استمالهم مذهب الخوارج بدعوته إلى المساواة بين العرب وغيرهم، وحيث أشعلت انتصارات ميسرة المعروف بالحقير ثم خالد بن حميد الزناتي في غزوة الأشراف سنة ١٢٣هـ/٧٤١م حماسةَ بربر الأندلس (ص ١٤). ويرى أن الولاء كان يكاد يعدل النسب، على القاعدة الجارية «مولى القوم منهم»، ومن هنا خرجت بيوت الموالي التي تولّت أرفع المناصب (ص ١٤–١٥).

أمّا «حروب الاسترداد»، وهو الاصطلاح الذي يسمّي به التأريخ الإسباني استيلاء الممالك النصرانية على بلاد الأندلس، فيأبى مكي أن يأخذه على ظاهره. فالشمال الغربي لم يكن يعني المسلمين، ولمّا انسحب منه البربر في فتنتهم مع العرب عاد إليه القوط فاستردّوا نحو خُمس الجزيرة بلا قتال، ولا يصحّ في رأيه أن يُسمّى ذلك «استرداداً» إلا على معنى بداية المقاومة. وكذلك وقعة صخرة بلاي (كوفادونغا)، التي تجعلها الروايات النصرانية سنة ٩٩هـ/٧١٨م مبدأ الاسترداد وتحشوها بالأساطير، فهي في نظره مناوشةٌ صغيرة، على أنه لا ينكر خطرها لأنها أخرجت بلاي من معقله ووضعت أساس إمارة أشتوريس (ص ١٦–١٧). ويختم الباب بتقويمٍ يغلّب فيه الإيجاب، فقد انتشر الإسلام والعربية بين أهل البلاد، وخفّت عنهم مظالم القوط، وتألّفت من الاختلاط أمةٌ جديدة (ص ١٥، ١٧).

الإمارة: من صقر قريش إلى فتنة المولّدين

قيام الإمارة الأموية في الأندلس يمهّد له مكي بأسباب سقوط الدولة الأموية في المشرق، وهي معارضة الشيعة، وقد أجّجها قتل الحسين بكربلاء سنة ٦١هـ/٦٨١م، وحرب الخوارج، وثورة ابن الزبير، وتعصّب الأمويين للعرب حتى نفر منهم الموالي والفرس خاصة، وإثقال الناس بالمكوس، وهي ضرائب تُؤخذ على البيع والتجارة، ثم الدعوة العباسية بتنظيمها السرّي (ص ١٧–١٨). ثم يروي فرار عبد الرحمن بن معاوية (الداخل) من الرصافة إلى المغرب، ومفاوضة مولاه بدر لموالي بني أمية في جند الشام، وتردّد الصُّمَيل بن حاتم، ثم ميل الموالي إلى اليمنية الطالبين ثأرهم من القيسية، ونزول عبد الرحمن المنكّب سنة ١٣٨هـ/٧٥٥م، وانتصاره في المصارة على يوسف الفهري والصميل في ذي الحجة ١٣٨هـ/مايو ٧٥٦م (ص ١٩). ويلاحظ أنه اكتفى بلقب الأمير تجنّباً لاستعداء أبي جعفر المنصور، فكانت الأندلس أول بلدٍ ينفصل عن الخلافة (ص ١٩–٢٠).

أكبر ما عمله الداخل في رأي مكي أنه أعلن من أول أمره أنه لا يعترف بالعصبيات القبلية ولا بالعنصرية، وأنه يسوّي بين الناس في العدل، لأنه رأى فيها العلة الأولى للفوضى. فثار عليه من ألفوا تقديم مصالحهم، كعمّال العباسيين، ويوسف الفهري والصميل بعد أن أمّنهما، والزعماء اليمنية الذين منّوا عليه بنصرهم، وزعماء البربر، فأخمد ثوراتهم بشدّةٍ يراها مكي لا مفرّ منها. وأقام دولته على بيوت الموالي، بني مغيث وبني أبي عبدة وبني بُخت وبني شُهيد وأضرابهم، وهي البيوت التي يسمّيها أعمدة الدولة الأموية إلى آخرها (ص ٢٠). وأخطر ما واجهه حملة شارلمان على سرقسطة سنة ١٦١هـ/٧٧٨م، وقد انتهت بانسحاب الملك الإفرنجي، ثم هزم البشكنسُ ومعهم المسلمون مؤخّرةَ جيشه في مضيق رونثسباييس، فقُتل رولان الذي صار بطل «أنشودة رولان» (Chanson de Roland) (ص ٢٠–٢١). ويستشهد على منزلة الداخل بأن عدوّه أبا جعفر المنصور هو الذي سمّاه «صقر قريش» (ص ٢١).

في عهد هشام بن عبد الرحمن دخل مذهب مالك إلى الأندلس، وكانت قبله على مذهب الأوزاعي، وذلك أهمّ ما في هذا العهد عند مكي. حمله إليها طلابٌ رأوا مكانة مالك في المدينة، كالغازي بن قيس وزياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون، وأعظمهم يحيى بن يحيى الليثي الذي صارت روايته لـ«الموطّأ» هي المعتمدة، فصار الفقهاء المالكية طبقةً ذات نفوذ يختار منها الأمراء القضاةَ والمشاورين (ص ٢١). ويذكر أن بعض المؤرخين لقّبوا هشاماً «الرضا»، وأنه وحده من أمراء بني أمية المستقلّين حمل لقباً كهذا (ص ٢٢).

أمّا الحكم بن هشام فقد انقطع عن سياسة أبيه في رعاية الفقهاء، واتّخذ حرساً من الصقالبة، وهم مماليك من أصول أوروبية، وسمّاهم الناس «الخُرس» لعُجمتهم، فاشتعلت عليه الثورات: وقعة الحفرة بطليطلة سنة ١٨١هـ/٧٩٧م، ثم ثورتا الربض، وهو الحيّ الواقع خارج سور قرطبة، سنة ١٨٩هـ/٨٠٥م وسنة ٢٠٢هـ/٨١٨م. وكان الفقهاء يؤلّبون العامة في الثانية، ومنهم يحيى بن يحيى الليثي وطالوت بن عبد الجبار. ومن هذه الثورة الثانية جاء لقبه «الربضي»، وبعدها نفى أهل الربض، وتقدّرهم بعض الروايات بخمسة عشر ألف أسرة، فنزل فريقٌ منهم فاس في «عدوة الأندلسيين»، وركب فريقٌ البحر إلى الإسكندرية ثم إلى إقريطش (كريت) فأقاموا فيها دولةً بقيت حتى استردّها الروم سنة ٣٥٠هـ/٩٦١م (ص ٢٢–٢٤). وفي عهده أخذ لويس بن شارلمان برشلونة سنة ١٨٥هـ/٨٠١م بعد حصار سنتين، فصارت حاضرة «الثغر الإسباني» (Marca Hispanica)، وهو الإقليم الذي أقامه الإفرنج حاجزاً على حدود الأندلس. ولا يبرّئ مكي الحكم من القسوة، لكنه يلتمس لها وجهاً في حرصه على هيبة السلطان، ويذكر توبته في آخر عمره (ص ٢٢–٢٤).

يبلغ تقديره الذروة في عبد الرحمن الأوسط، ومداره نظام الحكم. فالأندلس، على خلاف الدولة العباسية، قامت على ما يسمّيه «قيادة جماعية»، فيها وزراء على المال والأمن والحرب والمباني، تتوزّع مناصبهم بحسب الكفاية، ويجتمعون في «بيت الوزارة» برئاسة الحاجب، وهو كبير رجال الدولة بعد الأمير، فيتشاورون ثم يرفعون قراراتهم إلى الأمير، ولهم أن يعترضوا على رأيه. ويبلغ به الإعجاب أن يسمّيه نظاماً ديمقراطياً إلى حدٍّ بعيد، ويضمّ إليه قضاءً مستقلاً تنفذ أحكامه على الأمراء أنفسهم، وقاضياً للجماعة، أي قاضي القضاة في قرطبة، لا يحكم إلا بمشورة الفقهاء، وصاحبَ سوقٍ يلي الحسبة، وهي مراقبة الأسواق والآداب العامة، ثم يذهب إلى أنه ربما لم تبلغ دولةٌ إسلامية أخرى هذه المرتبة (ص ٢٤–٢٥). ويقرن بالنظام طموحاً ثقافياً، فقد أراد الأمير أن تكون قرطبة بغداد المغرب، فاستقبل زرياب تلميذ إسحاق الموصلي وجعله نموذجاً للذوق العباسي في اللباس والطعام والآداب، وأرسل عبّاس بن ناصح إلى العراق ليجلب كتب علوم الأوائل، أي علوم اليونان ومن سبقهم، وبعث الشاعر يحيى الغزال إلى بغداد فأدخل إلى الأندلس طريقة المحدَثين كأبي نواس وأبي العتاهية (ص ٢٥–٢٦). ولم يسلم عهده من الفتن، وأخطرها نزول المجوس، وهم النورمان، بالأشبونة ثم قادس ثم إشبيلية سنة ٢٢٩هـ/٨٤٤م، فأنشأ الأمير بعدها أسطولين في المحيط والمتوسط، وبعث يحيى الغزال سفيراً إلى ملك المجوس في خبرٍ مشهور، ثم إلى تيوفيل ملك الروم في القسطنطينية (ص ٢٧).

في عهد محمد بن عبد الرحمن تظهر العلة الشخصية في أوضح صورها، فقد استوزر هاشم بن عبد العزيز، وكان متكبّراً يحسد الكفاة، فاضطرب بسببه كثير من أمور الدولة (ص ٢٨). وهنا يسوق مكي أسباب الثورة الثلاثة التي مرّ ذكرها، ويبدأ بحركة المستعربين. ورأيه فيها أن رجال الكنيسة هالهم أن يروا رعيّتهم تتشبّه بالمسلمين، وأن ألبارو القرطبي شكا أن النصارى نسوا اللاتينية وبرعوا في العربية نثراً وشعراً، فحرّض هو وإيولوخيو وغيرهما النصارى على سبّ الإسلام ونبيّه ﷺ علناً، فأعدمت الدولة منهم برفكتو سنة ٢٣٦هـ/٨٥٠م ومن تبعه ممن عدّتهم الكنيسة شهداء. ويرى أن الدولة كانت ملزمة بعقاب من يسبّ الإسلام، وأن عبد الرحمن الأوسط ثم محمداً عالجا الأمر بحكمةٍ استعانت بالمعتدلين من رجال الدين حتى هدأت الحركة (ص ٢٨–٢٩). وأخطر ما واجهه محمد ثورة عبد الرحمن بن مروان الجليقي، ويحمّل مكي هاشماً تبعتها لأنه أهان الأسير بدل أن يستألفه. ويدلّ على تبدّل الموازين أن ابن مروان هزم جيش الإمارة وأسر هاشماً نفسه وسلّمه إلى ألفونسو الثالث، فبقي في أسره سنتين حتى افتداه الأمير، وأن ألفونسو امتدّ بين دويرة وتاجه وعمّر تلك الأرض بالمستعربين، فلم يبقَ أمام محمد إلا أن يبني سلسلة حصون في الثغر الأوسط، والثغر هو الإقليم المتاخم لبلاد النصارى، ومن تلك الحصون مجريط (ص ٢٩–٣١). وفي الجانب الآخر يذكر حمايته لبقيّ بن مخلد حين عاد من المشرق بالحديث و«رسالة» الشافعي فأراد الفقهاء قتله (ص ٣١).

انهارت الإمارة في عهد المنذر وعبد الله، ويشرح مكي انهيارها بسلسلةٍ من الأسباب يأخذ بعضها برقاب بعض. فقد حلّت سياسة القسر المركزي التي أملاها قصر نظر هاشم محلّ سياسة اللين في عهد عبد الرحمن الأوسط، ثم استنزف قمعُ الثورات وصدُّ النصارى المالَ، فعجزت الخزانة، فزاد الأمراء الضرائب وعسف الجباةُ الناسَ في جبايتها، فكثرت الثورات، حتى عجزت قرطبة عن الضبط، فصارت العصبيات تتقاتل فيما بينها غير عابئة بالإمارة (ص ٣١). وأطول الثورات وأخطرها ثورة عمر بن حفصون زعيم المولّدين في ببشتر، من سنة ٢٦٥هـ/٨٧٩م إلى وفاته سنة ٣٠٥هـ/٩١٨م، وقد خرج هو أيضاً على الإمارة بعد أن أساء إليه هاشم، ثم تنصّر سنة ٢٨٦هـ/٨٩٩م فانفضّ عنه كثير من المسلمين (ص ٣١–٣٢). وإلى جانبه بنو حجّاج في إشبيلية، وفيها كان بنو خلدون أسلاف المؤرخ، ودويلات المولّدين والبربر في الجنوب والغرب، وبنو قسي ثم التجيبيون في الثغر الأعلى، وحركة ابن القطّ الأموي الذي قاد ستين ألفاً من البربر إلى جهاد النصارى فقُتل عند سمّورة سنة ٢٨٨هـ/٩٠١م (ص ٣٢–٣٣). ولم يُنقذ الدولةَ من السقوط إلا ثباتُ عبد الله على حقّه وولاءُ قادته، وأحسنُ ما صنعه أنه عهد بالأمر إلى حفيده عبد الرحمن بن محمد (ص ٣٣–٣٤).

الخلافة والحجابة العامرية: الذروة وما تحتها

تسلّم عبد الرحمن بن محمد الإمارة في ربيع الأول ٣٠٠هـ/أكتوبر ٩١٢م وهو في الحادية والعشرين، وخزانته شبه فارغة، فاستردّ في نحو خمس عشرة سنة ما تفتّت في نحو ثلاثين: إستجة أولاً، ثم حصون جيّان وإلبيرة ومالقة، ثم ببشتر آخر معاقل بني حفصون سنة ٣١٥هـ/٩٢٨م، ثم الثغور بين سنتي ٣١٧ و٣٢٠هـ (ص ٣٤). أمّا ما دفعه إلى إعلان الخلافة فيردّه مكي إلى قيام أول خلافةٍ شيعية، وهي الخلافة الفاطمية، في القيروان سنة ٢٩٧هـ/٩٠٩م تحدّياً للعالم السنّي، وإلى انحطاط الخلافة العباسية حتى لم يبقَ لها إلا الخطبة والسكّة، أي أن يُذكر اسم الخليفة في خطبة الجمعة ويُنقش على النقود. فرأى عبد الرحمن نفسه أحقّ بالنطق باسم أهل السنّة، وأهل المغرب مالكية كأهل الأندلس، فأصدر مرسومه في ذي القعدة ٣١٦هـ/يناير ٩٢٩م وتلقّب بالناصر لدين الله (ص ٣٥–٣٦). ويقسم مكي قرن الخلافة ثلاث مراحل: خلافةٌ حقيقية في عهدي الناصر والمستنصر، ثم الحجابة العامرية (٣٦٦–٣٩٩هـ)، حين صار الأمر إلى الحاجب المنصور بن أبي عامر وبنيه، ثم الفتنة البربرية (٣٩٩–٤٢٢هـ) (ص ٣٦).

الناصر في حكم مكي، إذا وُزن ما أنجزه بالظروف التي تسلّم فيها الحكم، من أعظم رجال الدولة الذين حكموا إسبانيا في أي عصر (ص ٣٨)، ويشهد له بذلك من الحرب والسياسة والعمران. ففي حروبه مع ليون ونبرّة (Navarre) انتصر في وخشمة سنة ٣٢٢هـ/٩٣٤م، وكانت هزيمته الأولى في الخندق سنة ٣٢٧هـ/٩٣٩م، ثم جاءته الملكة طوطة وابنها وحفيدها سانشو البدين إلى قرطبة سنة ٣٤٧هـ/٩٥٨م يطلبون الصلح وعلاج سانشو من سمنته، فعالجه أطباؤه (ص ٣٦–٣٧). وفي أيامه وُلدت إمارةٌ صغيرة هي قشتالة، ويقول مكي إن العرب سمّوها «القلاع» ترجمةً حرفية لاسمها، وإن كونتها فرنان غونثالث كان سياسياً ماكراً استقلّ بها عن ليون (ص ٣٧). وصارت الأندلس في عهده أعظم قوةٍ في أوروبا، تتوافد إليها سفارات قسطنطين إمبراطور الروم وأوتّو ملك الألمان. وبنى مدينة الزهراء، وزاد في المسجد الجامع وأقام مئذنته، واستقدم أبا علي القالي سنة ٣٣٠هـ/٩٤٢م، وظهر «العقد الفريد» في أول عهده، وأهدى إليه إمبراطور الروم كتاب ديسقوريدس في الحشائش فأمر بترجمته (ص ٣٧–٣٨).

بلغ الحكم المستنصر بما بدأه أبوه الأوج، فتوافد إليه ملوك النصارى وقوامسهم، أي كونتاتهم، بين سنتي ٣٥٩ و٣٦٣هـ معلنين خضوعهم، وأتته سفارة يوحنا الشمشقيق ورسالة أوتّو الثاني، وجمعت مكتبته ما قدّره بعضهم بأربعمئة ألف مجلد، وأسّس مدارس للفقراء والأيتام (ص ٣٨–٤٠). غير أن مكي يحمّله خطأين كانت لهما أوخم العواقب، فقد أكثر من المرتزقة البربر، ولا سيّما صنهاجة، حتى صاروا طبقةً عسكرية مستقلة كان لها الدور الأكبر في الفتنة التي ذهبت بالخلافة، وعهد إلى ابنه هشام وهو في الثانية عشرة، وفي البيت المرواني أمراء أكفاء (ص ٤٠).

من هذين الخطأين يدخل مكي إلى المنصور بن أبي عامر. فلمّا مات الحكم أراد الصقالبة مبايعة أخيه المغيرة، فتآمر الحاجب جعفر المصحفي على المغيرة طمعاً في الوصاية على صبيّ، وأسند قتله، «فيما يقال»، إلى محمد بن أبي عامر صاحب الشرطة، فأعلنوا أن المغيرة مات خنقاً في داره، وبايعوا هشاماً المؤيَّد (ص ٤٠–٤١). ويصف سياسة ابن أبي عامر في تفريق القوى، ويسمّيها ميكافيلية، فقد حرّض المصحفي على الصقالبة، ثم صاهر غالباً الناصري وتحالف معه على المصحفي، ثم انقلب على غالب، حتى صار حاجباً ودكتاتوراً لا يترك للخليفة إلا الخطبة والسكّة (ص ٤١). ولمّا كان الجند الأندلسيون يوالون بني أمية، استكثر من البربر، ولا سيّما صنهاجة، وغزا الممالك النصرانية اثنتين وخمسين غزوة، أشهرها غزوة شنت ياقب سنة ٣٨٧هـ/٩٩٧م التي أحرق فيها المدينة واحترم قبر القديس، وحمل أجراس كنيستها على ظهور الأسرى إلى قرطبة فجعلها ثريّات في المسجد الجامع (ص ٤١–٤٣). وبسط نفوذ قرطبة في المغرب إلى سجلماسة وفاس، وبنى مدينة الزاهرة ليُطفئ ذكر الزهراء، وزاد في المسجد الجامع ثلثه (ص ٤٤–٤٥).

حكمه على المنصور أشدّ أحكام المقالة. فهو يقرّ له بعبقريةٍ عسكرية وسياسية من الطراز الأول، وينكر على سياسته كل خلق، إذ لم تكن تخدم إلا صاحبها. وغزواته لم تُبقِ شيئاً، لأنه كان يطلب نصراً سريعاً يبهر العامة، فيحرق المدينة وينصرف عنها، فيرجع إليها أهلها كأنّ شيئاً لم يكن، ولم يحاول قطّ أن يُسكنها مسلمين، وذلك في رأي مكي دأب الدكتاتوريين وسياستهم الغوغائية. على أنّ الأذى الأكبر أنه أباد طبقة الموالي الأمويين التي حملت إدارة الدولة، وأضعف الجيش الأندلسي فأحلّ محلّه مرتزقة البربر والصقالبة، فنشأت أرستقراطيةٌ عسكرية أوغرت صدور الأندلسيين. وكان التوازن بين القوى معلّقاً بشخصه، فلمّا غاب انكشف ما كانت الواجهة تخفيه (ص ٤٥).

«فلما بدأ الانحلال لم يأتِ متدرّجاً، بل جاء انهياراً سريعاً مدوّياً» (ص ٤٥)

لم يرث عبد الملك المظفّر عن أبيه إلا الكفاية الحربية دون السياسية، على أنّ مكي ينسب إليه أول محاولةٍ لاستبدال الاستيطان بالتخريب، حين أعلن لجنده في غزوة قطلونية سنة ٣٩٣هـ/١٠٠٣م أن الدولة تعين من شاء أن يقيم في الأرض المفتوحة ويزرعها، ويعلّق بأنها جاءت بعد فوات الأوان (ص ٤٦).

الفتنة: من ولاية عهد شنجول إلى إلغاء الخلافة

كانت الشرارة الأولى، كما يراها مكي، عبد الرحمن بن المنصور (شَنْجول)، الشاب الطائش الذي أكره هشاماً المؤيَّد على أن يعهد إليه بالخلافة، وهو ما لم يجرؤ عليه أبوه ولا أخوه، فأثار أهل قرطبة الذين كانوا يبغضون الدولة العامرية في السرّ. فلمّا خرج شنجول غازياً في جمادى ٣٩٩هـ/يناير ١٠٠٩م ثار محمد بن هشام بن عبد الجبار وتلقّب بالمهدي، ونُهبت الزاهرة، وقُتل شنجول في رجب ٣٩٩هـ/مارس ١٠٠٩م، وانتهت الدولة العامرية (ص ٤٦–٤٧). ثم أهان المهدي قادة البربر فبايعوا سليمان بن الحكم المستعين، فصارت الحرب بين حزبٍ أندلسي وحزبٍ بربري، واستعان كلٌّ منهما بالنصارى، فكان القشتاليون مع سليمان، وجند برشلونة مع المهدي (ص ٤٧). وأقطع سليمان الكُوَر لأنصاره البربر، فأعطى إلبيرة لصنهاجة وجيّان لبني برزال وبني يفرن وغيرها لغيرهم، وأقرّ منذر بن يحيى التجيبي على الثغر الأعلى، ويرى مكي في ذلك بدايةَ استقلال الولاة ومبتدأ عصر الطوائف (ص ٤٨). وتتابع بعد ذلك خلفاء لا حول لهم: علي بن حمّود أول علويٍّ يتولّى الخلافة في قرطبة سنة ٤٠٧هـ/١٠١٦م، والمرتضى الذي قُتل عند غرناطة، والمستظهر الذي لم يلبث إلا شهراً ونصفاً، والمستكفي، حتى أدرك أبو الحزم بن جهور وأعيان قرطبة أن إحياء الخلافة حلمٌ مستحيل، فأعلنوا إلغاءها في ١٢ ذي الحجة ٤٢٢هـ/٣٠ نوفمبر ١٠٣١م (ص ٤٨–٤٩).

ملوك الطوائف: تشريحٌ اجتماعي لستين دويلة

بعد سقوط الخلافة اقتسم الأندلسَ أمراءُ مستقلّون يسمّيهم المؤرخون «ملوك الطوائف»، ويعترف مكي بأن تتبّع أسرهم عسير، لأن نحو ستين دويلة تتبدّل حدودها في نحو ستين سنة، والنصارى يفرضون عليها الإتاوات (parias)، وهي أموال تُدفع لهم ثمناً للكفّ عنها، ويقتطعون منها (ص ٤٩، ٥٤). فيقسمها على أصول أصحابها، ويرى أن التفكّك لم يقف عند السياسة، فقد انحلّت معه روابط المجتمع، على غير ما انحلّت عليه في عهد الأمير عبد الله، لأن عناصر جديدة دخلت بعد الخلافة، هي الصقالبة الذين استكثر منهم المنصور، والجند البربر الطارئون (ص ٤٩–٥٠). فأولى الطبقات الأرستقراطيةُ العربية، وأعظمها بنو عبّاد اللخميون في إشبيلية، ومعهم التجيبيون ثم بنو هود في سرقسطة، وبنو صمادح في المريّة، وبنو طاهر القيسيون في مرسية. وتليها بقايا الموالي الأمويين، ومنهم بنو جهور في قرطبة، ثم الحزب العامري من ذرية المنصور والصقالبة في شرق الأندلس: بلنسية ودانية والمريّة وطرطوشة. وآخرها البربر، وهم عنده ثلاث فئات: قدماء المستقرين الذين اندمجوا حتى انتحل بعضهم أنساباً عربية، كبني الأفطس المكناسيين الذين انتسبوا إلى تجيب، وبني ذي النون وبني رزين الهوّاريين، والجند الطارئون الذين لم يندمجوا لحداثة عهدهم وبغض الأندلسيين لهم، وأعظمهم بنو زيري الصنهاجيون في غرناطة، ثم بنو حمّود، وهم في وصفه «عربٌ متبربرون» من نسب الأدارسة الحسنيين، عاشوا في ظلّ القبائل وصاهروها حتى تبربروا، على عبارةٍ ينسبها إلى ابن قتيبة (ص ٥٠–٥٢).

يطيل الوقوف عند قرطبة بعد الخلافة، فيصف ما أقامه أبو الحزم بن جهور بأنه نظامٌ جمهوري ديمقراطي، فيه مجلسٌ من الوزراء وأهل الرأي لا يقطع أمراً دونه، ولقبُه «أمين الجماعة»، فصارت قرطبة ملجأً للمنفيين والأمراء المخلوعين. ثم فسد النظام سنة ٤٥٦هـ/١٠٦٤م حين قسم أبو الوليد بن جهور الأمر بين ابنيه فصار مُلكاً وراثياً، إلى أن غدر قائدا المعتمد بن عبّاد بعبد الملك بن جهور سنة ٤٦٢هـ/١٠٧٠م (ص ٥٢–٥٣). ويتتبّع توسّع إشبيلية، فقد ابتلع المعتضد ما حوله من إمارات بني برزال وبني نوح وبني أبي قرّة وبني خزرون وغيرهم بين سنتي ٤٤٣ و٤٤٩هـ، وقتل أمراءها أو نفاهم، ثم أخذ المعتمد قرطبة، وحاول أخذ مرسية بوزيره ابن عمّار، فغدر به ابن عمّار حتى قتله المعتمد سنة ٤٧٧هـ/١٠٨٤م (ص ٥٣–٥٤).

يتكرّر في الممالك الكبرى نمطٌ واحد، أن يستعين ملكٌ مسلم بجاره النصراني على جاره المسلم، ثم يدفع الثمن من أرضه. فالقادر بن ذي النون استنجد بألفونسو السادس ليردّه إلى طليطلة، فأخذها ألفونسو لنفسه سنة ٤٧٨هـ/١٠٨٥م وعوّضه ببلنسية (ص ٥٥–٥٦). والمتوكّل بن الأفطس، حين أراد يوسف بن تاشفين خلعه، استنجد بألفونسو وتنازل له عن شنترين والأشبونة وشنترة، فقتله المرابطون سنة ٤٨٧هـ/١٠٩٤م (ص ٥٦–٥٧). والمقتدر بن هود فرض على رعيته المكوس ليدفع للنصارى أجر معونتهم (ص ٥٤). أمّا بلنسية فمثالٌ على الفوضى التي تُغري المغامرين، فقد قتل أهلها القادر بقيادة القاضي ابن جحّاف سنة ٤٨٥هـ/١٠٩٢م، فأخذها السِّيد (الكنبيطور)، وهو الفارس القشتالي رودريغو دياث، سنة ٤٨٧هـ/١٠٩٥م، وأحرق ابن جحّاف حيّاً، وبقيت بعد موته في يد أرملته خيمينا حتى أجلاها المرابطون سنة ٤٩٥هـ/١١٠٢م (ص ٥٧–٥٨). ولا يخرج عن هذا النمط إلا قلّة: عبد العزيز بن عبد الرحمن بن المنصور في بلنسية الذي اعتزل حروب جيرانه، ومجاهد العامري في دانية الذي أغنت تجارتُه مملكتَه وغزا سردانية سنة ٤٠٦هـ، وبنو رزين في مملكتهم الجبلية الصغيرة (ص ٥٧–٥٩).

المرابطون: جهادٌ أنقذ الأندلس ثم أثقله فقهاؤه

نشأت دولة المرابطين، وهم قومٌ من بربر صنهاجة في الصحراء جمعتهم دعوةٌ دينية، برحلة يحيى بن إبراهيم الجدالي إلى الحج نحو سنة ٤٢٦هـ/١٠٣٥م، ولقائه أبا عمران الفاسي في القيروان، ثم وجّاج بن زلّو الذي اختار له عبد الله بن ياسين الجزولي داعيةً، ويتتبّع مكي ذلك إلى أن بنى أبو بكر بن عمر مراكش سنة ٤٦٢هـ/١٠٧٠م واستخلف ابن عمّه يوسف بن تاشفين فتلقّب بأمير المسلمين (ص ٦٠–٦١). وسقوط طليطلة سنة ٤٧٨هـ/١٠٨٥م هو الضربة التي أيقظت ملوك الطوائف، لأن موقعها في قلب الأندلس كان ينذر بفصل الثغر الأعلى عن الجنوب. فاستنجد المعتمد وعبد الله بن بلقين والمتوكّل بيوسف، فاشترط الجزيرة الخضراء معبراً، ثم كانت الزلّاقة، ويؤرّخها مكي مرةً بسنة ٤٧٩هـ/١٠٨٦م ومرةً في ١٢ رجب ٤٨٠هـ/٢٣ أكتوبر ١٠٨٧م، ويرى أن الإسلام الذي كان على شفا الزوال في الأندلس كُتب له بها عمرٌ جديد (ص ٥٤، ٦١–٦٢).

لماذا لم يستثمر يوسف النصر فيمضي إلى طليطلة؟ يجيب مكي بثلاثة احتمالات يعرضها على درجاتها من اليقين: لعلّه استنتج من شدّة القتال أن الأمر أصعب من أن يُقتحم، ولا بدّ أنه رأى وهن الأندلسيين وتخاذلهم وتباغض ملوكهم، ويُروى أن نعي ابنه وولي عهده أبي بكر جاءه بعد النصر فعاد مسرعاً (ص ٦٢). وفي حصار حصن لييط تكشّفت عيوب ملوك الطوائف أمام يوسف، فاتّهم بعضهم بعضاً حتى شهد أحدهم بأن ابن رشيق يمدّ النصارى المحصورين بالمؤونة، فرحل يوسف وقد امتلأ مقتاً لهم (ص ٦٢–٦٣). ثم جاءته رسائل الأندلسيين وفقهائهم يطلبون خلع الملوك، تعزّزها فتاوى أبي حامد الغزالي وأبي بكر الطرطوشي في جواز خلعهم، فعبر الثالثة سنة ٤٨٣هـ/١٠٩٠م وخلعهم واحداً بعد آخر، بادئاً بعبد الله بن بلقين، ونفى المعتمد إلى أغمات في رجب ٤٨٤هـ/١٠٩١م. ولم يترك إلا بني هود في الثغر الأعلى وحاكم الجزائر الشرقية (جزر البليار)، خشية أن يُسلموا بلادهم للنصارى ولأنهم لم يقصّروا في الجهاد (ص ٦٣–٦٤).

يعطي مكي المرابطين حقّهم في الحرب، فيذكر نصر أقليش سنة ٥٠١هـ/١١٠٨م الذي قُتل فيه سانشو ابن ألفونسو السادس الوحيد ومات أبوه بعده بأقلّ من سنة، ونصر إفراغة سنة ٥٢٨هـ/١١٣٤م على ألفونسو المحارب، وانتصارات تاشفين بن علي. ويرى أنهم وجندهم المغاربة حملوا عبء الجهاد عن رعيةٍ أندلسية خمدت فيها روح القتال (ص ٦٤–٦٧). غير أنه يعدّد علامات الضعف، كسقوط سرقسطة سنة ٥١٢هـ/١١١٨م، وهزيمة قتندة سنة ٥١٤هـ/١١٢٠م، وحملة ألفونسو المحارب سنة ٥١٩–٥٢٠هـ التي اخترقت الأندلس حتى ساحل مالقة خمسة عشر شهراً، وانضمّ إليه فيها أربعة عشر ألفاً من المستعربين ولم يعترضه قائدٌ مرابطي، فأفتى أبو الوليد بن رشد (الجدّ)، قاضي الجماعة بقرطبة، بتغريب من بقي من المستعربين إلى المغرب، ثم هزيمة قليرة سنة ٥٢٣هـ/١١٢٩م التي كتب بعدها ابن أبي الخصال على لسان الأمير علي بن يوسف يوبّخ قادة لمتونة (ص ٦٥–٦٦).

يردّ مكي هذا الضعف إلى ثلاثة أسباب. فقد صرفت ثورة ابن تومرت في السوس منذ سنة ٥١٥هـ/١١٢١م خيرة القادة إلى المغرب (ص ٦٦). واستعلى الأندلسيون على المرابطين، فعدّوا أنفسهم خاضعين لقومٍ أقلّ منهم حضارة، وحنّ كتّابهم وشعراؤهم إلى عهد الطوائف على ما فيه من فضائح (ص ٦٧). وأسلم المرابطون كثيراً من أمرهم إلى فقهاء ضيّقي الأفق، فأحرق علي بن يوسف كتاب «إحياء علوم الدين» للغزالي في محرّم ٥٠٣هـ/١١٠٩م بمشورة القاضي محمد بن علي بن حمدين، وتتبّع المتصوّفة كابن العريف وابن برّجان وابن قسي، فنفرت العامة من حكمهم، وثار ابن قسي في غرب الأندلس ثورة «المريدين». ويلاحظ مكي، متعجّباً، أن أكثر الثورات على المرابطين في آخر عهدهم قادها قضاة، كابن حمدين في قرطبة وابن حسّون في مالقة (ص ٦٧–٦٨). ثم سقطت الدولة بموت تاشفين عند وهران في رمضان ٥٣٩هـ/١١٤٥م، ودخول عبد المؤمن مراكش في محرّم ٥٤١هـ (ص ٦٨).

الموحّدون: دعوة المهدي من تينمل إلى العقاب

محمد بن تومرت، مؤسس دعوة الموحّدين التي سُمّيت بذلك لقولها بالتوحيد الخالص على مذهبه، شخصيةٌ غريبة معقّدة متناقضة في وصف مكي، ويرجّح أنه تأثّر بالأشعرية وبالتصوّف وببعض الأفكار الشيعية التي لقيها في مصر، وأخذ عن الفاطميين أساليب الدعوة والتنظيم السرّي. أمّا لقاؤه الغزالي فيذكره بصيغة «يقال» ويشكّ فيه، ويثبت لقاءه الطرطوشي في الإسكندرية (ص ٦٨–٦٩). ثم يروي إعلانه نفسه المهدي في إيجليز سنة ٥١٥هـ/١١٢١م، مستنداً إلى الحديث في المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً، وتصفيته المخالفين بـ«التمييز» على يد البشير، وهو فرز أتباعه وقتل من شُكّ في ولائه، وترتيبه أتباعه طبقاتٍ (العشرة والخمسين وأهل الدار والطلبة)، ودعواه العصمة، أي البراءة من الخطأ. ثم انتقل إلى تينمل، وهُزم أتباعه في البحيرة عند أبواب مراكش سنة ٥٢٤هـ/١١٣٠م، ومات بعد أن ترك لهم كتاب «أعزّ ما يُطلب» واستخلف عبد المؤمن بن علي (ص ٦٩–٧٠).

كانت حروب الموحّدين في الأندلس بطيئةً متثاقلة، وهذا أبرز ما يلاحظه مكي عليها، فقد كانت حملة يعقوب المنصور تستغرق سنةً كاملة في الإعداد، فيتقوّى النصارى في أثنائها (ص ٧٣–٧٤). وجاؤوا إلى أندلسٍ متفكّكة يسمّيها «عصر الطوائف الثاني»، وكان ابن قسي أول من بايع عبد المؤمن، ثم رحل إليه يطلب جيشاً لا مجرّد بيعة، فعبرت جيوشهم سنة ٥٤٢هـ/١١٤٧م (ص ٧٠–٧١). ومن هناك قاتلوا على جبهاتٍ عدة: ألفونسو السابع الذي أخذ المريّة سنة ٥٤٢هـ فلم تُستردّ إلا سنة ٥٥٢هـ/١١٥٧م، وابن مردنيش وصهره ابن همشك في الشرق، والبرتغال الناشئة التي يسمّي المؤرخون العرب ملكها ألفونسو إنريكيز «ابن الريق»، والمغامر جيرالدو سيم بافور الذي يقرنه المؤرخون بالسِّيد (ص ٧١–٧٢). وأبلغ ما يشهد على ذلك البطء أنّ يوسف بن عبد المؤمن أخفق أمام شنترين سنة ٥٨٠هـ/١١٨٤م على طول إعداده، ومات في طريق العودة (ص ٧٣). ويجعل مكي الأرك سنة ٥٩١هـ/١١٩٥م عِدلَ الزلّاقة لأنها ثبّتت خطوط المسلمين في حوض وادي آنة، ثم كانت سنة ٥٩٣هـ/١١٩٧م آخر حملةٍ بلغت فيها جيوش المسلمين أحواز طليطلة ومجريط (ص ٧٤). أمّا العقاب في ٨ صفر ٦٠٩هـ/١٧ يوليو ١٢١٢م فهي في رأيه أفدح هزائم المسلمين، والنهاية الحقيقية لقوتهم في الأندلس (ص ٧٥). وبعدها جاء «عصر الطوائف الثالث»، عصر ابن هود وابن الأحمر وزيان بن مردنيش، وفيه أخذ فرناندو الثالث قرطبة سنة ٦٣٣هـ/١٢٣٦م وإشبيلية سنة ٦٤٦هـ/١٢٤٨م، وأخذ خايمي الأول ميورقة وبلنسية (٦٣٦هـ/١٢٣٨م) وشاطبة، حتى لم يبقَ للمسلمين إلا مملكة غرناطة (ص ٧٥–٧٧).

بنو نصر: بقاءٌ بالموازنة، وسقوطٌ بالانقسام

يفتتح مكي الباب الأخير بمفارقة، أنّ بقيةً لا تزيد على عُشر الأرض عاشت قرنين ونصفاً. وتفسيرها أن محمد بن يوسف بن نصر (ابن الأحمر)، وهو من نسل الصحابي قيس بن سعد بن عبادة، كان أذكى من منافسيه، فطأطأ للعاصفة، وعقد مع فرناندو الثالث معاهدة جيّان، فأقرّ بالتبعية لقشتالة، وأعانه بالفرسان على حصار إشبيلية، وأدّى جزيةً كبيرة، وترك شريش وأركش وما حولها لألفونسو العاشر لعلمه أنه لا يقدر على حمايتها (ص ٧٧–٧٨).

«ويمكن أن تُعدّ معاهدة جيّان شهادةَ ميلاد مملكة غرناطة» (ص ٧٧)

يؤرّخها في الصفحة نفسها مرةً بسنة ٦٤٣هـ/١٢٤٦م ومرةً بسنة ٦٤٥هـ/١٢٤٧م. ثم يصوغ قاعدة السياسة النصرية، فهي هدنةٌ إذا قوي الخصم، وقوةٌ إذا ضعف، وبثٌّ للفرقة بين النصارى وتدخّلٌ في شؤونهم كما يتدخّلون، واستنجادٌ بإخوانهم في المغرب إذا عجزوا، وهذه الموازنة الدقيقة هي في رأيه السبب الأساسي في طول بقائهم (ص ٧٨). ويرى في التحالف مع بني مرين، حكّام المغرب الأقصى يومئذ، سيفاً ذا حدّين. فقد اشترط أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق طريفَ ورندةَ والجزيرةَ الخضراء قبل عبوره، كما صنع يوسف بن تاشفين قبل قرنين، وتدخّل في شأن بني أشقيلولة، وظلّ «شيخ الغزاة» المريني، وهو قائد المتطوّعين المغاربة في غرناطة، قوةً في خدمتها وباباً للتدخّل في شؤونها حتى ألغاه محمد الخامس (ص ٧٨–٧٩، ٨١). ويذكر أن ألفونسو العاشر لجأ إلى أبي يوسف حين ثار عليه ابنه سانشو، فرهن عنده تاجه، وأن إسماعيل بن فرج استعمل البارود في حصار أشكر بعد نصره في المرج سنة ٧١٩هـ/١٣١٩م (ص ٧٩–٨٠).

وقعة طريف (ريو سالادو) سنة ٧٤١هـ/١٣٤٠م تأتي عند مكي في المرتبة الثانية بعد العقاب، لأنها جرّت حصار الجزيرة الخضراء عشرين شهراً حتى سقطت سنة ٧٤٥هـ/١٣٤٤م، ثم أنقذ الطاعونُ غرناطة حين مات به ألفونسو الحادي عشر وهو يحاصر جبل طارق (ص ٨٠). ومحمد الخامس الغني بالله أعظم ملوك غرناطة في رأيه وأطولهم حكماً، استغلّ حرب بيدرو القاسي وأخيه إنريكي، وكان منفّذ سياسته وزيره لسان الدين بن الخطيب، فنعمت المملكة بسلمٍ لم تعرفه، وبنى أكثر قصر الحمراء، وقامت الصلات مع بني عبد الواد والحفصيين والمماليك. وعهده آخر أيام الازدهار (ص ٨٠–٨١).

سقطت غرناطة لعزلةٍ من الخارج وانقسامٍ من الداخل. فالحدث الحاسم أن أخذ القشتاليون جبلَ طارق سنة ٨٦٦هـ/١٤٦٢م، فقطعوا آخر خيطٍ يصل الأندلس بالمغرب الذي كان المدد يأتي منه، ولم يبقَ وراءه من يُستنجد به، فالمرينيون يتهاوون، والمماليك ليسوا أحسن حالاً من غرناطة، والعثمانيون، وهم وحدهم القادرون بعد فتح القسطنطينية سنة ٨٥٧هـ/١٤٥٣م، مشغولون بفتوح المشرق. أمّا ما سبق ذلك، كأخذ أنتقيرة سنة ٨١٣هـ/١٤١٠م ووقعة لا إيغيرويلا سنة ٨٣٤هـ/١٤٣١م التي لم يستثمر القشتاليون نصرهم فيها، فلم يبدّل الحال كثيراً (ص ٨٢). وفي الداخل انقسم البيت النصري على نفسه، فقد خرج أبو الحسن علي على أبيه سعد بمعونة بني السرّاج، ثم خرجوا هم عليه حين ترك زوجته الحرّة إلى الأسيرة النصرانية ثريّا، ونازعه أخوه محمد الزغل، ثم خرج عليه ابنه أبو عبد الله محمد (ص ٨٢–٨٣). وفي الضفة الأخرى اتّحدت قشتالة وأرغون بزواج إيزابيلا وفرناندو، فاجتمعت قوة المملكتين على غرناطة، ويُبرز مكي عزم إيزابيلا على المضيّ إلى النهاية، في حين كان فرناندو يقبل الكفّ عن القتال بعد أن أسر أبا عبد الله عند أليسانة وجعله أداةً له على وادي آش (ص ٨٣).

أمّا الحرب الأخيرة فيقرؤها خطّةً قشتالية من ثلاث مراحل بين سنتي ٨٩٠ و٨٩٢هـ/١٤٨٥ و١٤٨٧م، بدأت بجبال رندة حيث كانت أنشط مراكز المقاومة، ثم مالقة وساحلها، ثم فحص غرناطة، أي سهلها الخصب. فأخذ القشتاليون رندة والساحل حتى مالقة في رجب ٨٩٠هـ/يونيو ١٤٨٥م، ونزلوا الفحص في السنة التالية (ص ٨٣–٨٤). وفي هذه السنين يتقلّب أبو عبد الله بين الفريقين، فقد عاد إلى الشرق بمعونة القشتاليين فأخذ حيّ البيّازين سنة ٨٩١هـ/١٤٨٦م، ثم دخل في طاعة عمّه على مقاومة الغزو، ويبدو لمكي أنه أدرك خطأه. فرمت الملكة بجيشها كله على الفحص، وأخذت لوشة وثلاثة حصونٍ حولها بين جمادى الآخرة ورجب ٨٩١هـ/مايو ويونيو ١٤٨٦م، ووقع أبو عبد الله في الأسر مرةً ثانية، وضاق الأمر على الزغل في الحمراء فانسحب إلى المريّة سنة ٨٩٢هـ/١٤٨٧م (ص ٨٤). ولا يبخس مكي المدافعين حقّهم، فقد صمدت مالقة بقيادة أحمد الثغري نحو أربعة أشهر، وسلّمت بسطة في محرّم ٨٩٥هـ/ديسمبر ١٤٨٩م بعد حصار ستة أشهر، واستسلم الزغل بشروطٍ لينة. ثم بقيت غرناطة وحدها، فبنى الملكان الكاثوليكيان سانتا في معسكراً للحصار سنة ٨٩٦هـ/١٤٩١م، وفاوض أبو عبد الله سرّاً في أواخر محرّم ٨٩٧هـ/نوفمبر ١٤٩١م على شروطٍ رفيقة بأهل غرناطة، ودخل جيش الملكين الحمراء ليلة ٢٩ صفر ٨٩٧هـ/١ يناير ١٤٩٢م، ثم دخلا المدينة في ٥ ربيع الأول/٦ يناير، فسقط بذلك آخر معقلٍ للإسلام في شبه الجزيرة (ص ٨٤). ويختم المقالة بأنّ معاهدة التسليم ضمنت للغرناطيين أنفسهم وأموالهم وشعائرهم، وأنّ الكاردينال ثيسنيروس نقضها نصاً وروحاً منذ قدومه في نوفمبر ١٤٩٩م، فأكره المسلمين على التنصّر، فثار البيّازين ثم البشرات، وقُمعت الثورتان بالشدّة نفسها (ص ٨٤).