ما يُحسب للكتاب
أول ما يُحسب للكتاب سعته. لم يقف عند السياسة والفكر، بل وضع إلى جانبهما مقالات في الموسيقى (رايت) والمطبخ (ديفيد وينز) ونباتات الصباغة واللباس (بولانس) والحدائق (ديكي) والخط (فرنانديث بويرتاس) وتقنيات الري (غليك) ومنزلة المرأة (بيغيرا). وفي هذه المقالات ما لا يجده القارئ في التواريخ العامة. فوينز يقرأ كتابَي الطبخ الأندلسيين وثيقتين اجتماعيتين عن بيتٍ حضري من الطبقة الوسطى لا عن البلاط، ويخالف بشواهد محددة جاك غودي وليفي بروفنسال. وتعود بولانس في باب النيلة والوسمة، وهما نبتتان يُستخرج منهما الصبغ الأزرق، إلى ابن البيطار وموسى بن ميمون وابن بكلارش أنفسهم بدلاً من ترجماتهم الأوروبية، وتستعمل «المعيار المعرب» للونشريسي، وهو مجموعٌ كبير لفتاوى فقهاء المغرب والأندلس، في عقود المزارعة، أي الشراكة بين صاحب الأرض ومن يزرعها، وفي نزاعات الماء (ص ١٠٠٧–١٠١٠).
اجتمع في المجلد الواحد الباحثون الإسبان في الدراسات العربية والباحثون العرب والإنجليز والأمريكيون والفرنسيون، وهذا الجمع مقصود في خطة المشروع كما تصفها المحرّرة. وأثره ظاهر في المقالات نفسها، فقد ترجم بعضُ المساهمين مقالات بعض، وتحاورت مقالاتٌ منها صراحة. فبيغيرا تقرّ ما ردّ به غيشار على هنري بيريس في حرية المرأة الأندلسية، وتبيّن أنّ تلك الحرية كانت حرية القيان والجواري، والقيان هنّ المغنّيات من الإماء (ص ٦٩٦).
أمّا المقالات التي لا تزال مدخلاً معتمداً إلى موضوعها، فأوضحها ستّ. أغزرها توثيقاً في بابها مقالة سامسو في العلوم الدقيقة، وحكمها ذو شقّين واضحين: أنّ الرياضيات في الأندلس منقطعة لا يتصل فيها جيلٌ بجيل إلا في موضعين، وأنّ الفلك متصل وأصيل يدور على الزرقالي. وما يقترحه من أثرٍ لاتيني قديم في الفلك الأندلسي يقدّمه فرضاً، بعبارات مثل «أظنّ» و«أرى». ويجعل غليك في تقنيات الري المؤسساتِ، أي النظم التي يُدار بها الماء ويُقسم، جزءاً من التقنية نفسها (ص ٩٧٤–٩٧٥)، ويسمّي من يخالفهم بأسمائهم، كارل بوتزر ثم غيشار في مسألة استيطان البربر حول بلنسية، ويعترف بأنّ انتصار القائلين بالانقطاع، أي بأنّ الفتح أحدث قطيعةً مع ما قبله، قد ولّد جموداً من نوع جديد (ص ٩٧٦). وفي حركة الترجمة يعرض برنيت حجةً جديدة بدل القائمة المعتادة بأسماء المترجمين: أنّ النقل بدأ شفهياً سرّياً في علوم العرافة، ثم صار كتابياً في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، وعلامته عنده نهي ابن عبدون في إشبيلية عن بيع الكتب لليهود والنصارى (ص ١٠٤١)، ثم صار رسمياً في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي. ويبني خاتمته على ما نسخه القرّاء اللاتين فعلاً، ولا يكتفي بالثناء (ص ١٠٤٩–١٠٥١).
لهارفي مقالتان تحمل كلٌّ منهما فكرة نافعة. يرى في المدجّنين، وهم المسلمون الذين بقوا تحت حكم النصارى، أنّ الحدّ الحقيقي بين المسلمين والنصارى كان داخل الممالك النصرانية لا على تخوم غرناطة. ويرى في الموريسكيين، وهم المسلمون الذين أُكرهوا على التنصّر، أنّ فتوى وهران (٩١٠هـ/١٥٠٤م) صارت نموذج إسلامهم، وأنهم أول جماعة مالكية كبيرة كان بقاؤها قائماً على كتمان دينها مدى العمر (ص ٢٠٩–٢١٢). أمّا غيشار فيصرّح في التاريخ الاجتماعي بالموقف الذي يميل إليه (ص ٦٨٠–٦٨١)، ويبني الفصل الريفي على ثلاثة أنواع من الشواهد لا يتوقّف بعضها على بعض، هي وثائق الغزو النصراني وآثار الحصون، ثم الفتاوى مقرونةً بأسماء المواضع المنسوبة إلى القبائل (ص ٧٠٣–٧٠٥). وتنقض عدّاس في التصوف دعويَي آسين بلاثيوس، أي تبعيّةَ ابن مسرّة لأنبادقليس المنحول، وهو ما نُسب إلى الفيلسوف اليوناني من كتب لم يكتبها، ووجودَ «مدرسة المريّة»، وتنقضهما بالرجوع إلى النصوص نفسها، ثم تسمّي خطأً وقعت فيه هي في خبر وفاة ابن برّجان (ص ٩٢١).
دون هذه الستّ بقليل مقالاتٌ أخرى. منها مقالة رايت في الموسيقى، وهي نموذجٌ في نقد الأخبار، تفكّك سيرة زرياب بالمقارنة بين ابن عبد ربّه وابن القوطية وابن حيّان، وتجعل سكوت كتاب «الأغاني» عنه ضابطاً تُوزن به الروايات، ولا يزيد صاحبها في وصف نتيجته على أنها «ظنّ معقول» (ص ٥٧٣). ومقالة العلوي في ابن رشد أدقّ مقالات الفلسفة منهجاً، فهي تحتجّ بالمخطوطات، وتسمّي النشرات وعيبَ كلٍّ منها، ويصرّح فيها صاحبها بما يخالف فيه كتابه السابق. وفرنانديث بويرتاس يقرأ النقش في موضعه قبل أن يرجع إلى الديوان أو إلى أي قراءة منشورة (ص ٦٧٢، ح ٦٥). وفي الزندقة تميّز فييرو بين البدعة في العبادة والزندقة بمعنى الردّة المستترة، وترتّب المتهمين على من لم يُحاكَم، ومن حوكم ولم يُقتل، ومن قُتل، وتقرأ كل إعدامٍ قراءةً سياسية. وقد خصّ دانيال بايبس في مراجعته مقالتي الحمداني ولوبيث بارالت بالثناء، كما مرّ في المدخل.
ما غاب أو قلّ
ليس في الكتاب فصلٌ للفقه والقضاء بذاتهما، وإنما تحضر المالكية، وهي مذهب الإمام مالك الذي ساد الأندلس، من باب العلماء عند أورفوا ومن باب البدعة عند فييرو. والأثقل من غياب الفصل قلّةُ ما تستعمله سائر المقالات من الفتاوى والنوازل، أي أجوبة الفقهاء عن الوقائع التي عُرضت عليهم، ومن كتب الحسبة، وهي الكتب التي تضبط شؤون السوق والآداب العامة. فالعظمة يستدلّ على انفصال المعرفة العملية عن الأدب بما غاب عن النصوص، ولا يختبر دعواه في كتب الفتاوى، فلا ذكر عنده للونشريسي، ويمرّ بكتب الحسبة في جملة. وتصرّح مارين بأنّ مصادرها في العبادات مقصورة على أخبار البلاط والعلماء، وتكاد لا تستعمل الحسبة والنوازل (ص ٨٧٩). وبيغيرا تسمّي الوثائق الفقهية التي تراها حاسمة في منزلة المرأة ولا تستعملها، وتذكر أنّ العمل عليها قيد الإعداد (ح ٤٧). ولا يجد القارئ عند غليك ولا عند غارثيا سانشيث شيئاً يُذكر من فقه المياه عند المالكية. وغيشار نفسه يقول إنّ البحث في الفتاوى «لم يبدأ إلا الآن» (ص ٦٨١، ٧٠٢). والاستثناءات قليلة معدودة: هارفي في المدجّنين والموريسكيين، وبولانس في عقود المزارعة.
كثيرٌ من النصوص العربية يصل إلى القارئ من ترجمة، وأحياناً من ترجمة عن ترجمة. مقالة هيلنبراند ليس فيها حاشية واحدة، وثبت مراجعها كتب إنجليزية وفرنسية وترجمات، فالمقّري فيه بترجمة غايانغوس، وابن عذاري بترجمة فانيان. وتنقل دودز النصوص العربية كلها من ترجمات القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، ويأخذ بويز الشعر العربي من بيريس ونيكل وآربري لا من الدواوين. أمّا لوبيث بارالت فتسوق الشعر العربي في صيغة إنجليزية منقولة عن صيغة إسبانية، والجيوسي تستشهد بالشعر بالإنجليزية وحدها، فتبقى دعاواها في اللفظ والغريب والسلاسة بغير شاهد يراه القارئ. ويعمل بورغل في «حيّ بن يقظان» على ترجمة غودمان الإنجليزية، ولا يرجع إلى النص العربي إلا مرتين. وفي مقالة شايندلين لا تظهر المصادر العربية إلا في الثبت.
قلّما تحضر الآثار في الكتاب. تكاد غارثيا سانشيث لا تستعمل غير كتب الفلاحة، وليس عند بولانس شيءٌ من آثار النسيج، ولا في مقالة ديكي في الحدائق شيءٌ مما يُستخرج بالحفر من حبوب اللقاح والبذور. ويبني إيبالثا حجته في التحوّل إلى الإسلام على الاستدلال من البنية الفقهية، ولا يكاد يسوق شاهداً عربياً مباشراً. ويُستثنى من ذلك غيشار بآثار الحصون وبحجةٍ من النقود في اسم الأندلس (ص ٦٨٠)، وديكي بالحدائق التي كشف عنها الحفر في مدينة الزهراء والجعفرية وقصر إشبيلية، وفرنانديث بويرتاس بالنقوش.
حظّ العصور المتأخرة أقلّ من حظّ عصر الخلافة. يسمّي أورفوا الفصل النصري من مقالته، أي ما يخصّ عهد بني نصر في غرناطة، ثغرةً في البحث (ص ٨٧٢). وتقف فييرو عند القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، فتترك محاكمات عهد المرابطين والموحّدين لعدّاس وأورفوا، ومقالة مارين يحدّها عنوانها بالقرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي. ولا شيء عند عدّاس من التصوف الأندلسي بعد رحيل ابن عربي، فلا ابن سبعين ولا الششتري، ولا شيء عند سامسو من الفلك بعد ابن الرقّام إلا في الخاتمة. وتغيب غرناطة الزيرية عن مقالة دودز في الفنون، ولا يذكر منها ديكي إلا تأسيسها. ويقرّ شايندلين بأنّ ما يُعرف عن يهود غرناطة النصرية يكاد لا يكون شيئاً (ص ١٩٩).
الشمال النصراني يُرى في الغالب من الجهة الأندلسية. فالعظمة يقرّر أنّ نظرة القشتاليين إلى المسلمين كانت «أشدّ بدائية»، ويكتفي بثلاث إحالات دون حجة، ويختم شالميتا مقالته بوصف الشمال بأنه متطفّل على اقتصاد الأندلس، ولا يحتجّ لذلك في متنها. وأوسع ما يحضر الشمال مسرحاً لحياة المسلمين تحت حكم النصارى عند هارفي، وفيما عدا ذلك يحضر أرضاً استقبلت الفن والترجمة والشعر.
يغيب عن الكتاب أكثرُ أطراف المجتمع ممن هم خارج نخبة الرجال. تكاد الشاعرات يغبن عن مقالة الجيوسي في العصر الذهبي، فلا تظهر ولّادة إلا محبوبةً لابن زيدون، ولا شيء فيها عن حفصة بنت الحاج. وليس في مقالة أورفوا عالمة واحدة، ولا تذكر بيغيرا من النساء غير المترفات، في الريف وبين البربر والمستعربين واليهود، إلا جملة. أمّا اليهود فمحصورون تقريباً في مقالة شايندلين، ونصفها عن إسبانيا النصرانية بعد ١١٥٠م. وتُخرج كونستابل التجار اليهود من دراستها عمداً، ويذكر برنيت أنّ أكثر مترجمي ألفونسو العاشر يهود ولا يبسط القول فيه، ولا يكاد رايت يذكر الموسيقيين اليهود.
تتفاوت أحجام المقالات تفاوتاً شديداً. فمقالة مكي تقع في نحو ٤٣ ألف كلمة، والتقويم الختامي في نحو ألف وخمسمئة، ومقالة ميسنر في نحو ألف وتسعمئة، ومقالة لوبيث غوميث عن المستعربين في خمس صفحات. وكتب هارفي مقالته في المدجّنين «على عجل» بنصّ ملاحظة المحرّرة (ص ١٨٧) ليسدّ بها فراغاً. ونصيب الأبواب من الكتاب متفاوت كذلك، فللغة والأدب نحو ربعه، وللتاريخ الاقتصادي مقالتان في نحو ثلاثة في المئة منه. ولا يعرض التصدير خطة الكتاب ولا معايير الاختيار. أمّا التقويم الختامي فلا يناقش شيئاً من المقالات التسع والأربعين التي يُفترض أنه يقوّمها، فهو خاتمة أكثر منه تقويماً.
تناقض المقالات وما فيها من سهو
كتب كلُّ مؤلفٍ مقالته بمعزلٍ عن غيره، ولم يوفّق المحرّرون بين ما تعارض منها، فيقع القارئ في المجلد الواحد على أقوال متدافعة في المسألة الواحدة. وأوضح ذلك مقالتا المستعربين. يحدّ إيبالثا المستعربين حدّاً فقهياً ضيقاً، فهم عنده نصارى ذمّيون، أي من أهل الذمّة الذين عاشوا في حماية الدولة الإسلامية بعهد، يقيمون داخل الأندلس في جماعات منظّمة تحت أساقفتها (ص ١٤٩، ١٦٠)، أمّا أهل الشمال فثوّارٌ عنده لا مستعربون. وتأخذ لوبيث غوميث بالمعنى الواسع الذي جرى عليه مؤرخو الفن منذ غوميث مورينو، فيصير عندها بياتو، راهب ليبانا، «راهباً مستعرباً» وهو في بلدٍ لم يحكمه المسلمون قط (ص ١٧٢). ويتعدّى الخلاف التعريف إلى الوقائع. فإيبالثا يرى، متابعاً روبييرا ماتا، أنّ كثيراً من مستعربي طليطلة في القرن الحادي عشر من أصلٍ مسلم (ص ١٥٧، ١٦٢)، وتقول لوبيث غوميث إنهم عاشوا دائماً تحت حكم المسلمين (ص ١٧٣). وينفي إيبالثا أن يكون هناك دليل على جماعات مستعربة متصلة في الأندلس بعد القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي (ص ١٦٢)، في حين يقع أكثر ما تحكيه لوبيث غوميث بعد هذا التاريخ وخارج الأندلس. ولا تشير إحدى المقالتين إلى الأخرى. ثم تشرح لوبيث بارالت المستعربين بأنهم «نصارى تأسلموا» (ص ٥١٨)، وهو شرحٌ يخالف المقالتين كلتيهما.
يقف كورِّينتي من التعايش، أي عيش المسلمين والنصارى واليهود معاً في الأندلس، موقفاً معاكساً لموقف مينوكال. فهو عنده «حكايات لطيفة»، ويسوّي بين عنف الفتح وعنف حروب الاسترداد التي استعادت بها الممالك النصرانية الجزيرة (ص ٤٤٨)، في حين تبني مينوكال مقالتها على الاحتفاء بالتهجين الثقافي، وعلى هذا الاحتفاء يقوم التصدير أيضاً. وفي مسائل أضيق تتعارض المقالات تعارضاً صريحاً. فمنبر جامع الكتبية في مراكش عند دودز من عهد عبد المؤمن، لأنّ السنة المنقوشة عليه لا تُقرأ فهي تتبع الأخبار (ص ٦١١)، ويؤرّخه فرنانديث بويرتاس بسنوات ٥١٩–٥٢٤هـ/١١٢٥–١١٣٠م، أي في عهد المرابطين (ص ٦٥٥). ويختلفان كذلك في جامع تينمل (٥٤٨هـ/١١٥٣م عند دودز، ص ٦١٢، و٥٤٩هـ/١١٥٤م عنده، ص ٦٥٩) وجامع تلمسان (٥٣١هـ/١١٣٦م، ص ٦١٠، و٥٣٠هـ/١١٣٥م، ص ٦٥١). و«تقويم قرطبة»، وهو تقويمٌ لشهور السنة وما يكون فيها من أعمال الزراعة وأحوال السماء، من سنة ٣٥٧هـ/٩٦٧م عند برنيت (ص ١٠٣٧)، في حين تتبع غارثيا سانشيث وبولانس نشرة شارل بيلا التي تجعله من سنة ٩٦١م. ويقول برنيت إنّ كولوميلا، الكاتب الروماني في الزراعة، تُرجم إلى العربية في الأندلس (ص ١٠٣٧)، وقوله هذا يمسّ خلافاً قائماً في المجلد نفسه بين غارثيا سانشيث، التي تصف قول بولانس بأثر كولوميلا بأنه جذّاب لكنه موضع خلاف (ص ٩٩١)، وبولانس التي تعيد تقريره، فالممارسة عندها رومانية والمعرفة مشرقية (ص ١٠١١).
في علماء الدين والتصوف يختلف أورفوا وعدّاس في موضعين على الأقل. يقول أورفوا إنّ ابن برّجان أُعدم سنة ٥٣٦هـ/١١٤١م (ص ٨٦٧)، ولا تقول عدّاس بإعدامه، بل تصحّح سيرتها السابقة فتذكر أنه مات بمراكش وأنّ السلطان أمر بإلقاء جثته على مزبلة (ص ٩٢١–٩٢٢). وما استُعيد من نصوص ابن مسرّة «مألوفات أفلاطونية محدثة» عند أورفوا (ص ٨٥٦)، والأفلاطونية المحدثة فلسفة أفلوطين وأتباعه، أمّا عدّاس فلا يبين لها فيها أثرٌ لهذه الفلسفة، وأثر سهل التستري فيها عندها ظاهر (ص ٩١٦–٩١٨). ويعدّ أورفوا صعصعة بن سلّام ومعاوية بن صالح من أوائل رجال الحديث في الأندلس، وتنفي فييرو أن يكونا أدخلا الحديث وتجعل السبق لعبد الملك بن حبيب (ص ٨٩٧). وفي الفلسفة تتجاور مقالتا كروث إرنانديث والعلوي وهما على طرفي نقيض في المنهج. فالأول يجمع أطوار مذهب ابن رشد في العقل في صورة واحدة، والثاني يرى هذا الجمع سابقاً لأوانه ويصرّ على الفصل بين الأطوار. ويسمّي كروث إرنانديث صاحبَ حيّ بن يقظان الثاني في القصة «أبسال»، ويسمّيه بورغل «أسال»، ويحتجّ بأنّ ابن طفيل غيّر الاسم عمداً.
قد يختلف تاريخ الواقعة الواحدة من مقالة إلى أخرى، بل في المقالة الواحدة. فوفاة ابن شهيد ٤٢٦هـ/١٠٣٤م عند مونرو (ص ٤٠٢) و٤٢٦هـ/١٠٣٥م عند جيفن (ص ٤٢٠)، وباربييري سنة ١٥٨١م عند مونرو (ص ٣٩٨) و«أواسط القرن السادس عشر» عند جيفن (ص ٤٣٥). ووفاة ابن باجة ٥٣٢هـ/١١٣٨م عند لوبيث بارالت (ص ٥١٢) و٥٣٣هـ/١١٣٩م عند رايت (ص ٥٥٥). أمّا طرد الموريسكيين فيقع بين ١٦٠٩م و١٦١١م في مطلع مقالة هارفي عنهم (ص ٢٠١)، و«لم يكتمل إلا سنة ١٦١٤م» في آخرها (ص ٢٣٠)، وهو ١٦٠٩–١٦١٢م في مقالته عن المدجّنين (ص ١٨٥)، و١٦١٠م عند ميسنر (ص ٤٥٤).
يذكر هارفي أحياءً يهودية في غرناطة النصرية، منها أليسانة (ص ١٧٨)، ويقول شايندلين إنّ ما يُعرف عن يهود تلك الدولة يكاد لا يكون شيئاً (ص ١٩٩). وفي أثر العرب في الحبّ البلاطي، وهو شعر الحب الذي يتذلّل فيه العاشق لمحبوبته وقد شاع في بلاطات أوروبا الوسيطة، تجد جيفن دلائل قوية في مواضع عدة (ص ٤٣٥)، وموقفها هذا ألين من تشكّك مونرو في المضمون، ولا يحيل أحدهما إلى الآخر. ورايت، الذي لا يرى الأثر في شعر التروبادور، شعراء جنوب فرنسا في القرون الوسطى، قابلاً للإثبات ولا للنفي، أشدّ تحفّظاً من بويز.
نقلنا في هذه الخلاصة ما يرويه المؤلفون من أرقام وتواريخ كما طُبعت، إلا أرقام الآيات، فقد أثبتناها على الصواب، وذكرنا ما أخطأت فيه المقالات منها في صفحة «المقابلة على المصادر العربية»، ونجمع هنا نماذج مما وقع فيها من سهو، ومنه اضطرابٌ داخل المقالة الواحدة. ففي مقالة مكي تقع وقعة بلاط الشهداء في رمضان ١١٤هـ (ص ١٢) ثم في شعبان ١١٣هـ (ص ١٦)، والزلّاقة سنة ٤٧٩هـ/١٠٨٦م (ص ٥٤) ثم سنة ٤٨٠هـ/١٠٨٧م (ص ٦٢)، ومعاهدة جيّان سنة ٦٤٣هـ/١٢٤٦م وسنة ٦٤٥هـ/١٢٤٧م في الصفحة نفسها (ص ٧٧). ويموت المعتمد بن عبّاد عنده في أغمات سنة ٤٨٧هـ/١٠٩٥م (ص ٥٤)، وقد انقضت سنة ٤٨٧هـ في يناير ١٠٩٥م، والتاريخ المعتاد لوفاته ٤٨٨هـ/١٠٩٥م، وبه يأخذ بالنثيا (ص ١٣٩–١٤٠). وفيها تُحتلّ لوشة بعد الحامّة بأشهر سنة ١٤٨٢م (ص ٨٣) ثم تؤخذ في مايو ويونيو ١٤٨٦م (ص ٨٤)، ويخرج يوسف بن عبد المؤمن إلى شنترين سنة ٥٧٩هـ/١١٨٤م ويموت في طريق العودة (ص ٧٣)، في حين تنتهي خلافته في الصفحة السابقة سنة ٥٨٠هـ/١١٨٤م (ص ٧٢). وتسمّي فلتشر الخليفة الذي نصحه ابن رشد وابن طفيل سنة ٥٧٩هـ/١١٨٣م «يوسف بن يعقوب» (ص ٢٥٢)، وهو في حاشيتها الرابعة وفي الصفحة ٢٤٣ يوسف بن عبد المؤمن. ومجموع الحبوب عند شالميتا ١٢٬٢٤٦ حين يذكره (ص ٧٤٦)، و١٢٬٤٤٦ حين يستعمله (ص ٧٤٩). وتذكر جيفن أنه يُروى أنّ محمد بن داود مات من الحبّ في الثانية والثلاثين (ص ٤٢٥)، والتاريخان اللذان تعطيهما لمولده ووفاته (٢٥٥–٢٩٧هـ، ص ٤٢٢) يجعلان عمره نحو الثانية والأربعين.
صنفٌ ثانٍ من السهو لا يوافق فيه التاريخ الهجري ما يقترن به من الميلادي، أو يُخطئ القرن. يجعل الحمداني الفتح في «القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي» (ص ٢٧٤–٢٧٥)، والفتح سنة ٩٢هـ/٧١١م، أي في القرن الأول الهجري. وتضع فلتشر ثورة ابن القطّ في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي (ص ٢٤٧)، وهي سنة ٢٨٨هـ، في القرن الثالث. وفي مقالة كروث إرنانديث تواريخ هجرية لا تقابل الميلادي المقرون بها: «٢٧١هـ/٨٥١م» لأول ما يُعرف من الباطنية، و«٢٦٦هـ/٨٩٩م» لوفاة عبد الله بن مسرّة (ص ٧٧٧)، و«٣٦١هـ/١١٤١م» لوفاة ابن العريف (ص ٧٨٠) والصواب ٥٣٦هـ. ومثلها وفاة ابن درّاج «٤٢١هـ/٩٣٩م» عند الجيوسي (ص ٣٣٥)، ووفاة الخرائطي سنة ٢٣٧هـ/٩٣٨م عند جيفن (ص ٤٢٢) والمراد ٣٢٧هـ، والفراغ من الجامع الموحّدي بإشبيلية سنة ٧٥١هـ/١١٧٦م عند بالنثيا (ص ١٤٢) والمراد ٥٧١هـ. ويحوّل فرنانديث بويرتاس ذا الحجة ٣٤٦هـ إلى سنة ٩٥٠م (ص ٦٤٣) وهي ٩٥٨م.
للأسماء والألقاب نصيبها من السهو كذلك. يسمّي مكي ملك البرتغال «ألفونسو إنريكيز الثاني» (ص ٧٢) وهو الأول، ويجعل بويز زوج إليانور الأول لويس الثامن (ص ٤٦٦) وهو لويس السابع، وينسب زواج ١١١٢م الذي جمع بروفانس إلى قطلونية إلى رامون برنغير الرابع (ص ٤٦٢) وهو للثالث. ويذكر هارفي «شارل الثالث ملك نبرّة» سنة ١٣٦٥م (ص ١٨٤)، وملكها يومئذ شارل الثاني. ويجعل بالنثيا راميرو الثاني ملكاً لأرغون (ص ١٣٨)، ويسمّي هيلنبراند أردونيو الرابع «ملك نبرّة» (ص ١٢٦)، وكلاهما من ملوك ليون. ويجعل هيلنبراند كذلك ألبارو القرطبي «أسقف قرطبة» (ص ١١٥) ولم يكن أسقفاً، وسييرا نيفادا حدّاً لسهل قرطبة من الجنوب (ص ١١٣)، ويضع بالنثيا أغمات قرب فاس (ص ١٤٠) وهي قرب مراكش. وتذكر لوبيث بارالت «البيروني» بين شرّاح خمرية ابن الفارض (ص ٥٢٩)، والمراد البوريني، وتؤرّخ هدم برج توربين في غرناطة بسنة ١٥٨٠م (ص ٥٣٧)، ويجعل هارفي العثور على ما فيه سنة ١٥٨٨م (ص ٢٢٨). ويجعل غرابار دير لاس أويلغاس ببرغش تذكاراً لألفونسو السابع (ص ٥٨٨)، والمعروف أنّ مؤسّسه ألفونسو الثامن سنة ١١٨٧م. وفي عدد من المقالات خطأٌ في نقل مصدر عربي أو في رقم آية، أثبتناه في صفحة «المقابلة على المصادر العربية» ولم نُعِده هنا.
كتب هارفي مقالته عن الموريسكيين سنة ١٩٩١م، كما يقول (ص ٢١٢)، وفيها يقرن رواياتهم برواية الإسرائيليين ورواية الفلسطينيين (ص ٢٠٥–٢٠٧)، ويستعمل في الطرد عبارة «الحلّ النهائي»، وهي العبارة التي سمّى بها النازيون خطّتهم في إبادة اليهود، ويشبّهه بتفريغ النازيين للأحياء اليهودية (ص ٢١٠، ٢٣٠).
ما تقادم منذ ١٩٩٢م
الفتح ومصادره أول ما تغيّر. يروي مكي الفتح من المصادر العربية وحدها، ولا يسمّي في متنه مصدراً بعينه. ثم صدر بعده كتاب إدواردو مانثانو مورينو «Conquistadores, emires y califas» (٢٠٠٦م)، وهو المراجعة الحديثة المعتمدة لعصر الفتح وأوائل الأمويين، يجمع فيه المصادر العربية واللاتينية إلى الآثار والنقود. وليس في الكتاب أثرٌ لجدلٍ صار لازماً لكل من يكتب اليوم في تأريخ الفتح، هو إنكار الفتح الإسلامي نفسه، في خطٍّ يمتدّ من إغناثيو أولاغي (١٩٦٩م) إلى إميليو غونثاليث فيرين (٢٠٠٦م)، وقد ردّ عليه أليخاندرو غارثيا سانخوان في كتاب «La conquista islámica de la Península Ibérica y la tergiversación del pasado» (٢٠١٣م) ثم في مقالة بالإنجليزية في «Journal of Medieval Iberian Studies» (٢٠١٩م).
تغيّر الكلام في التعايش أكثر مما تغيّر في أي مسألة أخرى. تأخذه لوبيث بارالت أمراً مقرّراً على مذهب أمريكو كاسترو، وتعدّه لوبيث غوميث في التقويم الختامي مما لا شك فيه (ص ١٠٦٢)، ويتحدّث بالنثيا عن «روح التسامح التي تميّز تاريخ الأندلس» (ص ١٣٨)، في حين يرفضه كورِّينتي كما مرّ. ثم أشاع كتاب مينوكال (٢٠٠٢م) الاصطلاح بين عامة القرّاء، ونقدته مايا سويفر (٢٠٠٩م) بأنه استعصى على كل محاولة لجعله أداةً صالحة للتحليل. وذهب داريو فرنانديث موريرا (٢٠١٦م) إلى أنه أسطورة، وردّ عليه س. ج. بيرس (٢٠٢٠م). أمّا روبرت إروين، وقد أرّخ لهذا الجدل، فيرى أنّ التسامح، وكثيراً ما شُدّ حتى كاد ينقطع، كان ثمرة الضرورة الاقتصادية والسياسية، وأنّ الجدل يعود مرة بعد مرة لأنّ كل عصر يطرح على الماضي أسئلته هو.
تقادم كذلك اصطلاح «المستعربين» اسماً جامعاً. فقد انتقدت آن كريستيز (٢٠٠٢م) استعماله على هذا الوجه، لأنّ كثيراً من النصارى تحت حكم المسلمين لم يكونوا قد استعربوا بعدُ في القرن العاشر الميلادي، وجعل سيريل أييه (٢٠١٠م) الاستعراب عملية مستقلة عن الأسلمة. ويمسّ هذا مقالتي إيبالثا ولوبيث غوميث جميعاً، على اختلافهما. وفي الموريسكيين كتب هارفي نفسه «Muslims in Spain, 1500 to 1614» (٢٠٠٥م) فمدّ مقالته إلى الطرد، وكان قد قال فيها إنّ سياسة العثمانيين تجاه الموريسكيين لم تُكتب بعد كاملة (ص ٢٢٦–٢٢٨).
أمّا الخرجة، وهي القفل الأخير من الموشّح يأتي بالعامية أو بالرومانثية، فالخلاف فيها لم يُحسم، ولا ينبغي أن يُعرض على أنه حُسم. يكتب مونرو كأنّ القول بأصلها الرومانثي قد كاد ينتصر، وتعرض لوبيث بارالت الخلاف بين هيتشكوك من جهة وأرميستيد ومونرو وجونز من جهة أخرى مفتوحاً، ويبقى رايت متشكّكاً في دعاوى الاستمرار عند مونرو وليو، والخلاف إلى اليوم خلافٌ لغوي قائم.
في مدينة الزهراء ما زال الحفر جارياً بإدارة أنطونيو باييخو تريانو منذ ١٩٨٥م، وآخر ما جُمع منه فهرس معرض حرّره مع مانثانو مورينو (٢٠٢٤–٢٠٢٥م). فما يقوله هيلنبراند وديكي عنها يُقرأ على حال سنة ١٩٩٢م.
جدل «الثورة الزراعية» يمسّ باب الزراعة كله، والمراد بها القول بأنّ الفتح أدخل إلى الجزيرة محاصيل جديدة وطرقاً في الري غيّرت زراعتها. يتحدّث غليك عن «ثورة خضراء» عربية بانياً على كتاب أندرو واطسون سنة ١٩٨٣م (ص ٩٧٤، ح ١). وتستعمل غارثيا سانشيث عبارة «الثورة الزراعية الأندلسية» وتضعها في عصر الطوائف، حين تفرّق أمر الجزيرة بعد سقوط الخلافة (ص ٩٨٩)، وتجعل الفلاحة الأندلسية بين القرنين الخامس والسابع الهجريين أهمّ فلاحة في العالم الإسلامي يومئذ، وإن لم تكن الوحيدة، وترى فيها «بذرة الروح التجريبية الحديثة» (ص ٩٩٧). وتحيل بولانس في حواشيها إلى كتاب واطسون (ح ٩ و٢٣، ص ١٠١٢–١٠١٣). ثم ردّ مايكل ديكر (٢٠٠٩م) على واطسون بأنّ عدداً من المحاصيل التي عدّها جديدة، كالقمح الصلب والأرز الآسيوي والذرة البيضاء، كان معروفاً قبل الإسلام في سياقات رومانية أو ساسانية، فصارت الأطروحة موضع خلاف.
في الترجمة بطليطلة نشر برنيت نفسه سنة ٢٠٠١م ما يبيّن أنّ جيرارد الكريموني ودومينيكوس غونديسالينوس عملا على برنامجين متميّزين، لا في «مدرسة» واحدة غير متمايزة، وكان قد قال في مقالته إنّ استمرار الأرسطية في إسبانيا النصرانية لم يُدرس بعد (ص ١٠٤٧).
أمّا الموحّدون فتقوم مقالة فلتشر فيهم على إسقاط الممارسة المغربية الحاضرة على القرن السادس الهجري، وعلى النموذج «التجزيئي» في أنثروبولوجيا المجتمع المغربي، وهو نموذجٌ يفسّر المجتمع القبلي بتوازن أقسامه المتنافسة. ثم صدر كتاب فييرو «The Almohad Revolution» (٢٠١٢م)، ونشر باسكال بوريسي وهشام العلاوي (٢٠١٣م) نصّ المخطوط ٤٧٥٢ من الخزانة الحسنية بالرباط، وفيه سبع وسبعون وثيقة في تولية ولاة الأقاليم، فصار لإدارة الموحّدين أساسٌ وثائقي لم يكن متاحاً سنة ١٩٩٢م.
في المرأة كانت بيغيرا ترجو أن يأتي «البحث الصبور المنهجي» بنتائج، ثم نشرت مارين، كبيرة مستشاري المحرّرة، «Mujeres en al-Andalus» (٢٠٠٠م)، وهي دراسةٌ لتراجم النساء في كتب الطبقات، أي الكتب التي تترجم للعلماء وأهل العلم جيلاً بعد جيل. وفي ابن عربي صدرت سيرة عدّاس بالإنجليزية (١٩٩٣م) عن أصلها الفرنسي (١٩٨٩م)، وعدّاس صاحبة المقالة الثانية والأربعين هنا، وتُعدّ سيرتها السيرة النقدية المعتمدة.
لغة التصدير لغة دعوة، وهي ابنة سنتها، سنة الذكرى الخمسمئة لانتهاء الحكم الإسلامي في الأندلس، وفيها الحنين العربي والردّ على التجاهل الغربي. ويشاركها في ذلك غيرُ مقالة: يكتب بالنثيا وعينه على معرض إشبيلية سنة ١٩٩٢م، وتقول بولانس إنها تكتب «لسنة ١٩٩٢»، ومقالة مينوكال مقالة ذكرى صريحة، ومقالة الحمداني مكتوبة للذكرى الخمسمئة. هذا كله من زمانه، وعلى زمانه يُقرأ الكتاب.