٤٣. العلوم الطبيعية والتقنية في الأندلس
يجعل بيرنيت تاريخ العلوم الطبيعية والتقنية في الأندلس أربعة أطوار: بقيّةٌ ورثتها البلاد من أواخر العهد الروماني، ثم تلقٍّ من المشرق يبدأ في أواسط القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، ثم نضجٌ في عصر الطوائف، ثم تصديرٌ للعلم إلى المشرق وأوروبا في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي. وعلى هذا التحقيب، أي تقسيم التاريخ أطواراً، يبني أظهر أحكامه، وهو يخالف به رأياً شاع ولعلّ أصله دوزي، وهو أنّ دخول المرابطين والموحّدين كان سبب انحطاط الأندلس الثقافي. قد يصدق هذا في الأدب، أمّا العلم فلم يتراجع، لأنّ «الفلسفة» التي ازدهرت يومئذ على يد ابن باجة وابن رشد كانت تشمل الرياضيات والفلك وسائر ما سُمّي بعدُ الفلسفة الطبيعية (ص ٩٤٥).
كان الفاتحون جنداً وعمّالاً يعيشون من الأرض، فاعتمدوا في الطبّ والزراعة على رعاياهم الجدد، وظلّت علوم الأندلس في أول أمرها علومَ أواخر الدولة الرومانية كما جمعتها موسوعة إيسيدور الإشبيلي (ص ٩٣٧). ومصدره في الطبّ ابن جلجل، وفيه أنّ أطباء عهد الأمراء محمد والمنذر وعبد الله كانوا يدرسون أقوالاً موجزة لأطباء نصارى منقولةً إلى العربية، وأنّ خمسةً من الستة الذين يسمّيهم كانوا نصارى، ومنهم جواد، وله دواءٌ اشتهر باسم «دواء الراهب». بل إنّ الناصر نفسه عالجه من علّة في أذنه يحيى بن إسحاق، وهو ابن طبيب نصراني. وفي أرجوزة سعيد بن عبد ربّه (ت ٣٦٦هـ/٩٧٧م) في الطبّ أنّ هذا العلم لا يُحكَم إلا بمعرفة الكتب القديمة المترجمة (ص ٩٣٨). أمّا الزراعة فيراجع فيها رأياً ظلّ مقبولاً إلى عهد قريب، وهو أنّ كولوميلا القادسيّ، الكاتب الروماني في الفلاحة، أثّر مباشرةً في الفلاحة الأندلسية وأنّ كتابه تُرجم إلى العربية، وكان سند هذا الرأي أقوالاً ينقلها ابن حجّاج عن رجلٍ يسمّيه «يونيوس». وحجّة بيرنيت أنّ الموضوع نفسه يفرض على كلّ من كتب فيه ألفاظاً متقاربة وترتيباً واحداً، وأنّ أقوال يونيوس أقرب إلى فندانيوس أناطوليوس البيروتي، وكلامه محفوظ في نصّ عربي منقول عن السريانية، فيكون «يونيوس» تصحيفاً لـ«فندانيوس»، أي خطأً في رسم الاسم عند النسخ. فلا يثبت إذن إلا بقاء ممارساتٍ زراعية رومانية. ولا يقطع في القنوات الجوفية بشيء: أأدخلها العرب، أم وجدوها فعرفوا فيها ما صنعه أهل اليمن منذ قرون؟ (ص ٩٣٨).
قبل أن تبلغ المؤثراتُ المشرقية الأندلسَ كان هناك عبّاس بن فرناس (ت ٢٧٤هـ/٨٨٧م)، المنجّم الذي حاول الطيران من قصر الرصافة، وحسّن قطع البلّور الصخري، وصنع ساعةً مائية لأوقات الصلاة يسمّيها النصّ «المنقانة»، ولعلّها في رأي بيرنيت أصلُ آلات القرن الخامس (ص ٩٣٩). ثم جاء الطبيب الحرّاني فصار رئيس أطباء عبد الرحمن الأوسط. وأبعدُ من ذلك أثراً خبرُ كتاب ديسقوريدس، وهو الكتاب اليوناني الجامع في الأدوية المفردة: أهدى إمبراطور الروم إلى الناصر نحو ٣٣٧هـ/٩٤٨م نسخةً يونانية منه لم يكن في قرطبة من يفهمها، فأرسل إليه الإمبراطور بطلبٍ منه الراهب نقولا، وعلى يده نُقّحت ترجمة اصطفن بن باسيل المشرقية، وعُرفت أعيان أكثر ما فيها من المفردات، أي الأدوية البسيطة غير المركّبة. وصارت معرفة اليونانية العلمية إرثاً تتوارثه جماعةٌ منهم حسداي بن شبروط وابن جلجل ومسلمة المجريطي (ص ٩٣٩–٩٤٠). ومن ثمار هذا الطور كتاب عريب بن سعيد في خلق الجنين (نحو ٣٥٣هـ/٩٦٤م)، وموسوعة أبي القاسم الزهراوي بقسميها في الجراحة والأدوية، وفيها من أوائل الأوصاف السريرية المحكمة للجذام ولداء النزف الوراثي (الهيموفيليا) (ص ٩٤٠).
«كثيراً ما يبدأ انحدار البلد السياسي قبل أن يبلغ ذروته الثقافية.» (ص ٩٤٠)
بهذه العبارة ينتقل إلى عصر الطوائف. تنافس ملوكه في الرعاية على أهوائهم، فكان بنو هود بسرقسطة للفلاسفة والأدباء، وبنو ذي النون بطليطلة لأهل العلم، وبنو عبّاد بإشبيلية للشعراء. وكان العلماء يتنقّلون بين الممالك، وهاجر بعضهم إلى المشرق، وبهذه الهجرة يفسّر أن يعرف ابن الشاطر عمل مسلمة، وأن يستعمل الملك الأفضل الرسولي صاحب اليمن كتاب «القصد والبيان» لابن بصّال (ص ٩٤١). ويقف أطول ما يقف عند ابن خلف المرادي، واسمه أحمد أو محمد، ويرجّح أنه مخترعٌ حقّاً، أو أنه يمثّل تقليداً أندلسياً في الصنعة قائماً بنفسه. فكتابه «كتاب الأسرار في نتائج الأفكار»، في الساعات المائية ذات الدُّمى المتحرّكة، هو الكتاب الأندلسي الوحيد المعروف الذي يُقاس بأعمال هيرون وبني موسى والجزري، وإن خالف مصطلحُه مصطلحَهم، والزئبق فيه يؤدّي ما تؤدّيه الكرات المعدنية عند الجزري. وقد أُعيد بناء آلته الأولى فعملت. وبقي الكتاب في نسخة وحيدة بخطّ إسحاق بن سيد، فلكيّ ألفونسو العاشر، ذهب نحو خُمسيها، ويمكن مع ذلك ترميم ما فيها، وفي المجموع نفسه رسالةٌ في ستّ آلاتٍ دائمة الحركة نقل فيلار دو أونكور إحداها نحو ١٢٢٠م (ص ٩٤١–٩٤٢).
يتّبع في الفلاحة لوسي بولانس. نشأت مدرسة الفلاحين العلماء بطليطلة في كنف المأمون بن ذي النون، ثم انتقلت إلى إشبيلية، ومن رجالها ابن وافد وابن بصّال وأبو الخير والطغنري، وآخرهم ابن العوّام، وقد جاء كتابه فسيفساء من أقوال من سبقه. ويرجع تراثهم إلى بابل ومصر عن طريق «الفلاحة النبطية» لابن وحشية، وأكثر ما ينقلونه منقولٌ عن غير الأصول (ص ٩٤٢). وقد أنشأوا حدائق يجرّبون فيها أقلمة النبات الغريب، أي تعويده مناخ البلاد، ودرسوا التربة والسماد والسقي بالسواقي والآبار والنواعير، ويحدس المؤلف أنّ تروس هذه الآلات، على نقصها، أوحت إلى أمثال المرادي بدُماه. وبلغ علم النبات ذروته في «عمدة الطبيب في معرفة النبات»، وهو كتاب مجهول المؤلف قسّم النبات أجناساً وأنواعاً وأصنافاً تقسيماً يفوق ما عند أرسطو وثاوفرسطس. وبلغت الفلاحة الأندلسية مستوى لم يتجاوزه أحد قبل كيمياء القرن التاسع عشر، حتى إنّ حكومة إسبانيا أمرت في عصر التنوير بترجمة ابن العوّام (ص ٩٤٣–٩٤٤). وفي الطبّ يتتبّع أسرة ابن زهر إلى أبي مروان (٤٨٧–٥٥٧هـ/١٠٩٤–١١٦١م)، وهو الذي أحال ابن رشد قرّاءه في آخر «الكليات» على كتابه «التيسير». وفي «التيسير» أول وصفٍ لخُراج التامور، أي القيح المتجمّع في الغشاء المحيط بالقلب، ومن أقدم ما كُتب في وصف الحَلَم، وهو الكائن الدقيق الذي يسبّب الجرب. وفي المفردات يعدّ الغافقي أعظم صيادلة الأندلس، ويذكر أنّ ابن البيطار (ت ٦٤٦هـ/١٢٤٨م) أحصى في «الجامع» أكثر من ثلاثة آلاف مفردة، أي أكثر من ضعف ما في الترجمة العربية الأولى لديسقوريدس (ص ٩٤٤–٩٤٥).
للتصدير عنده مثلان. أولهما أبو الفضل بن حسداي السرقسطي، وهو يهودي أسلم وكتب في ديوان المقتدر والمؤتمن ثم هاجر إلى مصر. ينسب إليه بيرنيت رسائل هزلية بين طبيب من لاردة يسمّى برذقون ومنجّم أعور يلقَّب بالعافية، وقد نقلها ابن بسّام في «الذخيرة». وفي هذه الرسائل إشاراتٌ إلى الدُّمى المتحرّكة، وإلى الأسطرلاب، وهو آلة فلكية تمثّل السماء على صفيحة مستوية، وإلى ذات الحلق، وهي آلة رصد من حلقات متداخلة تمثّل دوائر السماء. وفيها كذلك ألفاظ «الدابّة» و«الدجّال» و«القائم»، يقرأ فيها بيرنيت جوّاً إسماعيلياً بسرقسطة أدخله الكرماني. ويذهب إلى أنّ تفاسير الشيعة لآية النور (النور: ٣٥) عبرت من سرقسطة إلى أوروبا، فتسرّبت إلى الكاثارية، وهي فرقة نصرانية حكمت الكنيسة بهرطقتها، وإلى بعض أدبها (ص ٩٤٦–٩٤٨). والمثل الثاني ابن رشد وموسى بن ميمون. لم يقرأ ابن ميمون كتب صاحبه في المغرب، وإنما وصلته بالقاهرة مع تجارٍ علماء كابن عقنين، وفي هذا دليلٌ على سرعة انتقال الكتب. ويشكّ المؤلف في القول بأنّ ابن رشد لم يكن له تلاميذ في دار الإسلام، ويأخذ في ذلك بتعريف مسلمة للتلمذة في «رتبة الحكيم»، فقد عدّ مسلمة نفسه تلميذاً لجابر بن حيّان وبينهما مئة وخمسون سنة. وبهذا المعيار يعدّ ابن خلدون تلميذاً لابن رشد، مستدلاً بما نقله المقّري في «نفح الطيب» عن «الإحاطة» من أنّ ابن خلدون لخّص كثيراً من كتبه (ص ٩٤٨–٩٤٩).
ثم يمدّ بيرنيت حجّته إلى المؤسسات. فبعد سنةٍ من أخذ خايمي الأول بلنسية (٦٣٦هـ/١٢٣٨م) تذكر وثائق لاتينية أوقافاً على أسرّة في مستشفى القديس بيثينتي بها، ويستبعد أن يكون الغزاة قد ابتكروا مؤسسة لم يعرفوها، ويضيف إلى ذلك ورود لفظ «المارستان»، أي المستشفى، في معجم رامون مارتي، فيخلص إلى أنّ المارستان في الأندلس أقدم بقرنٍ على الأقل من تاريخ مارستان غرناطة (٧٦٩هـ/١٣٦٧م). أمّا المدرسة فتأخّرت، لأنّ للمذهب المالكي في تدبير الأوقاف رأياً يخالف رأي غيره، غير أنه يظنّ مدرسة ألفونسو العاشر بمرسية، وقد ولّى عليها الرقوطي، أسبق من مدرسة غرناطة (٧٥٠هـ/١٣٤٩م) (ص ٩٤٩–٩٥٠). ويختم بعهد بني نصر، فيذكر وباء ٧٤٨–٧٥١هـ/١٣٤٨–١٣٥١م الذي وصفه ابن خاتمة وابن الخطيب، وبداية الانتقال من الساعات المائية إلى الساعات الآلية، وأقدم خريطة بحرية عربية باقية (نحو ٧٣٠هـ/١٣٣٠م)، وقد جاءت بعد خريطة بيزا بنحو خمسين سنة، ثم أرجوزة ابن ليون في الفلاحة (ص ٩٥٠–٩٥١).
٤٤. العلوم الدقيقة في الأندلس
يخرج القارئ من مقالة سامسو بحكمين متقابلين: أنّ الرياضيات الأندلسية لم تكن لها مكانة الفلك ولا اتصاله، وإن خرج منها رجلان استثنائيان، وأنّ الفلك الأندلسي، على العكس منها، متّصلٌ من القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي إلى القرن الثامن/الرابع عشر على الأقل، وله مركزٌ هو الزرقالي، وحصيلته في جملتها شديدة الأصالة داخل الفلك الإسلامي (ص ٩٦٨–٩٦٩). ويضع لذلك أطواراً واضحة. فقبل عبد الرحمن الأوسط لا يُرى إلا بقاء تقليدٍ تنجيمي لاتيني، يظنّ سامسو أنه جاور فلكاً عربياً شعبياً في الأنواء، أي معرفة المطر والريح بطلوع النجوم وغروبها، وفي الميقات، أي ضبط أوقات الصلاة، وفي تعيين القبلة. وكان هذا الأمير أوّل من أدخل الأزياج الأندلس، على رواية مصدر مغربي متأخّر مجهول المؤلف، والزيج كتابُ جداول يُحسب به موضع الشمس والقمر والكواكب. ثم بدأ في أواسط القرن الثالث/التاسع طورٌ اتّجه فيه العلم الأندلسي إلى المشرق، غذّته الرحلة في طلب العلم وسياسة الأمراء في استقدام علماء المشرق وشراء كتبه، وتلاه نصف قرنٍ ذهبي (٤٢٢–٤٧٩هـ/١٠٣١–١٠٨٦م) رعى فيه ملوك الطوائف العلم، وكان أحدهم، يوسف المؤتمن بن هود صاحب سرقسطة، على الأرجح أهمّ رياضيّ في تاريخ الأندلس. غير أنّ نصف القرن هذا شهد أيضاً فتور الصلة بالمشرق، فاستقلّ العلم الأندلسي وأصاب شيئاً من الأصالة، ثم صار الانقطاع نفسه من أسباب انحطاطه منذ القرن السادس/الثاني عشر، لأنّ المشرق كان يولّد في الفلك أفكاراً جديدة لم تبلغ الأندلس (ص ٩٥٢).
كانت الرياضيات في أولها علماً عملياً. أقدم نصّ باقٍ فيها رسالةٌ في التكسير (مساحة الأرض) لمحمد بن عبدون الجبلي في أواسط القرن الرابع، ثم كتب ثلاثةٌ من مدرسة مسلمة المجريطي في المعاملات، أي حساب التجارة والمعاش، وهم مسلمة نفسه وابن السمح وأبو الحسن علي بن سليمان الزهراوي (غير الجرّاح). وقد ضاعت كتبهم، ويُعرف مضمونها من «كتاب المعاملات» اللاتيني (Liber Mahameleth) المنسوب إلى يوحنا الإشبيلي، بما فيه من حساب وجبر ومسائل تجارية (ص ٩٥٣). ثم لا يُعرف من الجبر شيء حتى «اختصار الجبر والمقابلة» لابن بدر في غرناطة بني نصر، وفيه تظهر لأول مرة في الأندلس المعادلات غير المحدّدة على طريقة ديوفنطس، أي المعادلات التي تقبل حلولاً كثيرة. وآخرهم القلصادي (ت ٨٩١هـ/١٤٨٦م أو ٩١٢هـ/١٥٠٦م)، وهنا يخالف سامسو الدراسات الحديثة صراحةً، فيرى أصالة القلصادي مبالغاً فيها، فقد تبع ابن البنّاء المراكشي، وجمعُه متسلسلات المربّعات والمكعّبات مسبوقٌ عند أبي منصور البغدادي والأموي الأندلسي، والرموز الجبرية التي يُعدّ هو مُدخلها سبقه إليها كثيرون في المشرق والمغرب (ص ٩٥٣–٩٥٤).
أمّا الهندسة وحساب المثلثات الكري، وهو حساب المثلثات المرسومة على سطح الكرة وعليه يقوم الحساب الفلكي، فالصورة فيهما مختلفة. كان الباحثون يظنّون أنّ المؤتمن لم يبق من كتابه «الاستكمال» إلا عنوانه، حتى وجد يان هوخندايك أربع نسخ ناقصة منه، ودرسه أحمد جبّار، فدلّت مصادره على أنّ خزانته الملكية حوت خيرة كتب الرياضيات العليا في القرن الخامس، من «أصول» إقليدس و«مخروطات» أبلونيوس إلى «المجسطي»، وهو كتاب بطليموس الجامع في الفلك، و«المناظر» لابن الهيثم، ودلّ ما فيه على أنّ المؤتمن كان يأتي بحلولٍ من عنده تشهد له بالبراعة (ص ٩٥٤). وابن سيد، أستاذ ابن باجة ببلنسية، ضاعت كتبه، ويُعرف من كلام تلميذه أنه عرّف القطوع المخروطية، وهي المنحنيات التي تنشأ من قطع المخروط بمستوٍ، تعريفاتٍ جديدة، ودرس منحنيات أعلى من الدرجة الثانية، ودرس تثليث الزاوية، أي قسمتها ثلاثة أقسام متساوية (ص ٩٥٤–٩٥٥). والثالث قاضي جيّان ابن معاذ الجيّاني (ت ٤٨٦هـ/١٠٩٣م)، وهو في رأي سامسو أوضح الثلاثة أصالةً. فمقالته «في شرح النسبة» أول فهمٍ صحيح نعرفه لتعريف إقليدس للنسبة، وهو تعريف قلّما فهمه أحد في أوروبا قبل القرن السابع عشر. و«كتاب مجهولات قسيّ الكرة» أول كتاب في الهندسة الكرية في الغرب الإسلامي، وأول كتاب يستقلّ فيه هذا العلم عن الفلك. وكان اليونان لا يملكون في هذا الباب إلا شكل منلاوس (الشكل القطّاع)، وهو مبرهنة تربط ستة مقادير في مثلثين كرّيين، ثم طوّر رياضيو المشرق في أواخر القرن الرابع مبرهناتٍ تربط أربعة مقادير في مثلث واحد، فأدخل ابن معاذ ستّاً منها إلى الغرب. وكان أول من استعمل في الغرب الاستيفاء التربيعي، وهو طريقة لتقدير قيمة تقع بين قيمتين في جدول، وأول من وضع فيه جدولاً للظلّ (ص ٩٥٥). ولم يُترجم كتابه إلى اللاتينية، وإنما انتقلت أربع من مبرهناته إلى أوروبا في «إصلاح المجسطي» لجابر بن أفلح، ويذكر سامسو في حاشية أنّ خيرتدينوفا تقول بأثرٍ مباشر له في ريجيومونتانوس (ص ٩٧٠ ح ١٣).
أجود ما في المقالة حجّته في بقاء التقليد اللاتيني. فأرجوزة عبد الواحد بن إسحاق الضبّي في التنجيم (نحو ١٨٤هـ/٨٠٠م)، ولم يبق منها إلا تسعة وثلاثون بيتاً، مبنيةٌ على «طريقة أحكام الصُّلُب» اللاتينية، أي نظام الصلبان، وهي أبسط من التنجيم الهلنستي، أي اليوناني المتأخر، الذي حمله المشارقة بعدُ. فهي تجعل كلّ بيتٍ من البيوت الاثني عشر، وهي أقسام السماء التي يحكم بها المنجّم، برجاً كاملاً، ولا تعرف من حركات الكواكب إلا الأوساط، أي متوسّط الحركة قبل تصحيحه، ولا تعرف مبادرة الاعتدالين، وهي انتقال نقطتي الاعتدال انتقالاً بطيئاً على فلك البروج على مرّ القرون (ص ٩٥٦). ويرجّح سامسو أنّ في قواعد هذا التقليد التقريبية أصلَ التدريج البروجي المنقوش على ظهر الأسطرلابات الأندلسية والمغربية، وهو تقويم يقابل أيام السنة بمواضع الشمس في البروج، ويظهر فيها قبل المشرق بزمن. ويظنّ أنّ أبا الصلت أمية بن أبي الصلت هو الذي حمله إلى المشرق حين كتب بالإسكندرية سنة ٥٠٣هـ/١١٠٩–١١١٠م رسالته في العمل بالأسطرلاب. ويقرن بذلك المزولة البدائية المسمّاة «البلاطة»، والمزولة ساعة شمسية تُعرف بها الأوقات من الظلّ، وقد وصفها قاسم بن مطرّف في «كتاب الهيئة» وابن الصفار وابن معاذ وموسى بن ميمون، ويراها من جنس مزاول الكنائس اللاتينية. أمّا الصناعة المحكمة للمزاول فلم تظهر إلا في «رسالة في علم الظلال» لابن الرقّام (ت ٧١٥هـ/١٣١٥م) (ص ٩٥٦–٩٥٧).
أبرز ما أبدعه الأندلسيون في رأي سامسو الآلات، وأكثرها آلات حسابٍ تماثلية تُستخرج بها النتائج بالرسم والقياس، وليست آلات رصد. منها صفيحة الكواكب (equatorium)، وهي أندلسية المنشأ في مطلع القرن الخامس، وإن اقترح كينغ لها سلفاً مشرقياً عند أبي جعفر الخازن. ويعلّل سامسو نشأتها بأنّ التنجيم صار حرفة: كان الأسطرلاب يحلّ قسمة البيوت بسهولة، أمّا استخراج أطوال الكواكب من الزيج، أي مواضعها على فلك البروج، فشاقّ، فجاءت الصفيحة نماذج بطلمية مصغّرة تمثّل حركة كل كوكب بدوائر تدور على دوائر، وتُستخرج بها الأطوال رسماً (ص ٩٥٧–٩٥٨). صنعها ابن السمح ألواحاً تُحفظ في «أمّ» الأسطرلاب، أي جسمه المجوّف الذي تُركّب فيه صفائحه، ثم فصلها الزرقالي عنه، ورسم الفلك الحامل لعطارد، وهو الدائرة التي يدور عليها مركز فلك الكوكب، منحنىً بيضياً يكاد يكون قطعاً ناقصاً:
«يبدو أنه كان أول فلكيّ امتلك الجرأة على عبور الحدّ الفاصل بين فلكٍ قائم على الدوائر وفلكٍ جديد من المنحنيات غير الدائرية.» (ص ٩٥٨)
لم يصمّم الأندلسيون للرصد إلا آلتين: ذات الحلق للزرقالي، وقد زاد فيها ست حلقات على ما عند بطليموس، وآلة جابر بن أفلح، وقد عدّها بعضهم سلفاً للتوركيتوم، وهو آلة رصد عرفتها أوروبا في العصور الوسطى، ولا يرى سامسو الشبه بينهما واضحاً (ص ٩٥٨–٩٥٩). ثم صنع الزرقالي الصفيحة التي تصلح لكل العروض، أي لكل بلد مهما بعد عن خط الاستواء، وهي ما يسمّيه الأسطرلاب الجامع. جعل فيها مركز الإسقاط، أي النقطة التي تُسقَط منها دوائر السماء على السطح المستوي، نقطةَ الاعتدال، ومستواه دائرةَ الانقلابين، فصار الأفق قطراً تمثّله مسطرةٌ تدور. كتب رسالته في «الصفيحة العبّادية» في مئة باب سنة ٤٤٠هـ/١٠٤٨–١٠٤٩م للمعتمد بن عبّاد وهو ابن ثمان سنين أو تسع، ثم كتب نسخةً مبسّطة هي «الشكّازية» في ستين باباً. ولمّا كانت الصفيحتان بلا عنكبوت، والعنكبوت في الأسطرلاب صفيحة مفرّغة تدور فوق غيرها فتمثّل دوران الفلك، صنع علي بن خلف سنة ٤٦٤هـ/١٠٧١–١٠٧٢م للمأمون صاحب طليطلة «الأسطرلاب المأموني» بشبكةٍ دوّارة. وآخر هذه المحاولات «الصفيحة الجامعة لجميع العروض» لابن باصه الغرناطي في أواخر القرن السابع، وفيها التقى هذا التقليد بتقليد الصفيحة الآفاقية المشرقي المنسوب إلى حبش الحاسب (ص ٩٥٩–٩٦٠).
يرى سامسو أنّ الأندلس لم تتخلّ في الأزياج عن التقليد الهندي قطّ. فزيج عبد الرحمن الأوسط كان على الأرجح «السند هند» في تهذيب الخوارزمي، ثم نقّحه مسلمة فجعل مبدأ تاريخه الهجرة بدل تاريخ يزدجرد، ويُنسب إليه إدخال موادّ أندلسية كتاريخ الصُّفر (التقويم الإسباني)، وتكييف الجداول لإحداثيات قرطبة، أي لطولها وعرضها. ويحذّر سامسو مع ذلك من أن يُنسب إليه كل ما خالف الأصل، ففي ترجمة أديلارد الباثي زياداتٌ متأخرة، منها جدول لرؤية الهلال محسوب لعرض سرقسطة (ص ٩٦٠–٩٦١). و«زيج جيّان» لابن معاذ تكييفٌ للسند هند على إحداثيات جيّان، يخالطه حسابٌ بطلمي ووعيٌ بمدرسة البيروني (ص ٩٦٢). أمّا «الأزياج الطليطلية» فتكييفٌ متعجّل نحو ١٠٦٩م، أنجزته جماعة يرأسها القاضي صاعد الأندلسي وفيها الزرقالي وعلي بن خلف، ويعدّ سامسو نتائجها في جملتها إخفاقاً، إلا جداول الأوساط فيها، فهي أصيلة وثمرةُ برنامج أرصاد (ص ٩٦٢). ومن هذه الأزياج خرجت أولى النظريات الأندلسية الأصيلة، وهي الإقبال والإدبار، أي القول بأنّ مبادرة الاعتدالين تتذبذب فتتقدّم حيناً وتتأخّر حيناً، وبأنّ الميل الكلّي، وهو ميل فلك البروج على خط الاستواء السماوي، يتناقص. دخلت هذه النظرية الأندلس بكتاب «نظم العقد» لابن الآدمي، ويُعدّ أبو مروان الإستجي وصاعد من المرشّحين لتأليف الكتاب اللاتيني في حركة الفلك الثامن، أي فلك النجوم الثابتة، المنسوب إلى ثابت بن قرّة (ص ٩٦٣). ثم طوّرها الزرقالي في رسالته في الكواكب الثابتة، ورصد الشمس خمساً وعشرين سنة والقمرَ سبعاً وثلاثين، على ما يروي ابن الهائم في «الزيج الكامل في التعاليم». فكان أول من قال بحركةٍ خاصة لأوج الشمس (درجة في كل ٢٧٩ سنة يوليانية)، والأوج أبعد نقطة في مدارها عن الأرض، وقال بتغيّر اختلاف مركزها، أي مقدار بُعد مركز مدارها عن الأرض، وصنع لذلك نموذجاً بقيت أوروبا تعرفه إلى عهد كوبرنيكوس، وأدخل على نموذج القمر تعديلاً أقصاه أربع وعشرون دقيقة (ص ٩٦٣–٩٦٤). وعنه أخذت أسرةٌ من الأزياج الأندلسية والمغربية، منها تقويمه الدائم الذي يستعمل «سنيّ الغاية» البابلية، أي دورات السنين التي تعود بعدها ظواهر الكوكب على حالها، وأزياج ابن الكمّاد، وكان «المقتبس» منها مصدر جداول بيدرو الرابع ملك أرغون، و«الزيج الكامل» لابن الهائم، وهو قوانين بلا جداول في مخطوط مارش ٦١٨ بالمكتبة البودلية، وزيجا ابن الرقّام، وفيهما عرض غرناطة ٣٧;١٠ درجة، أي سبع وثلاثون درجة وعشر دقائق، وهي القيمة الحديثة (ص ٩٦٤–٩٦٦).
آخر أبواب المقالة نقد بطليموس. نقدُ جابر بن أفلح في «إصلاح المجسطي» نظريّ: يرى أنّ ترتيب الكواكب البطلمي يوجب أن يعبر عطارد والزهرة قرص الشمس، ولم يرصد أحدٌ ذلك، فهما إذن فوقها. واقترح طريقةً رياضية سليمة لاستخراج اختلاف المركز يستحيل رصد شروطها، فهو في رأي سامسو رياضيّ متمكّن قليل الحسّ العملي (ص ٩٦٦). أمّا فلاسفة القرن السادس، ابن باجة وابن طفيل وابن رشد وابن ميمون، فقد رأوا نظام بطليموس أداةً للحساب لا صورةً للعالم، واعترف ابن رشد بإخفاقه في وضع بديل. ولم يظهر نظامٌ كامل إلا عند البطروجي بين ٥٨١ و٥٨٨هـ/١١٨٥–١١٩٢م، وقوامه أفلاكٌ متحدة المركز، أي كرات يحيط بعضها ببعض حول الأرض، على مذهب أودوكسوس، بنماذج يردّها غولدشتاين إلى الزرقالي، وديناميكا أفلاطونية محدثة تفسّر الحركة بالقوة المودعة وبـ«الشوق» إلى «التشبّه» بالفلك الأعلى. وحكم سامسو عليه أنه أخفق إخفاقاً تامّاً في تفسير العالم الطبيعي، وأنه نظامٌ كيفيّ لا يُبنى عليه جدول، فلا يُقاس بما بلغه الزرقالي ومدرسته (ص ٩٦٧–٩٦٨).
٤٥. تقنيات الري في الأندلس
التقنية في مقالة غليك أوسع من الآلة، فهي تشمل المؤسسات أيضاً: أعراف توزيع الماء وحقوقه ومقاييسه وطرق الفصل في نزاعاته تقنيةٌ كالسدّ والساقية، والساقية قناة مكشوفة تحمل الماء إلى الحقول، لأنّ المنشآت لا تعمل بغيرها (ص ٩٧٤–٩٧٥). ومن هنا يقرأ الري الأندلسي جزءاً من «الثورة الخضراء» التي نسبها أندرو واطسون إلى الفتوح، وفيها انتقلت من الهند إلى البحر المتوسط محاصيل صيفية لا تنبت فيه بلا سقي، كالأرز وقصب السكر والنارنج والموز والبطيخ، وانتقل معها علمٌ بزراعتها («الفلاحة الهندية») وعلمٌ بالري الذي تحتاجه. وقد عرف الرومان السقي في هسبانيا، أي إسبانيا الرومانية، غير أنّ زراعتهم كانت بعلية تعتمد على المطر، ومنشآتهم الكبرى كقناطر شقوبية كانت لماء المدن (ص ٩٧٤).
لقلّة الوثائق المباشرة يجمع غليك بين كتب الفلاحة والآثار والإثنوغرافيا الحديثة، أي وصف عادات المجتمعات الحاضرة، مسوّغاً الأخيرة بمحافظة المجتمعات الريفية، ويجمع إلى ذلك أسماء الأماكن والألفاظ العربية الباقية في الإسبانية، وكتب القسمة (repartimientos) التي سجّل فيها الغزاة الأرض كما وجدوها، ودفاتر الأحباس المترجمة بغرناطة، والمقارنة بنظم الري في الشام واليمن والمغرب. وقد أمر النصارى، حيث وجدوا نظاماً قائماً، أن يبقى «كما كان في زمن السراسنة»، فصارت وثائقهم شاهداً على ما قبلها (ص ٩٧٥).
قلب المقالة جدلٌ في التأريخ. يرى فريق كارل بوتزر، وقد درس مواقع مسقية في إقليم قسطلونة، أنّ الفتح «لم يغيّر جوهرياً» المحاصيل ولا التقنيات، وأنّ الدور الإسلامي «نال شأناً فوق حقّه» لأنه جاء بعد انهيار سكاني في أواخر العهد الروماني (ص ٩٧٦). ويرى غليك في هذا حكم قيمة يُحيي القول بـ«الاستمرارية»، أي أنّ ما كان قبل الفتح مضى بعده بلا انقطاع، ويجعلها غليك قولَ جيلٍ من الباحثين الإسبان في الدراسات العربية ومؤرخي العصور الوسطى، هو جيل آسين بلاثيوس وسانشيث ألبورنوث، وقد تبنّتها الأيديولوجيا الفرنكوية، أي عقيدة الدولة في عهد فرانكو، ويقابلها أمريكو كاسترو الذي قال بانقطاع ثقافي حادّ، وعلى رأيه غليك ومعظم جيله. غير أنه يعترف بأنّ هزيمة القول بالاستمرارية أورثت تصلّباً جديداً يمنع النظر في أيّ بقاءٍ روماني، فيترك علماء الآثار بلا إطار نظري (ص ٩٧٦). وجوابه أنّ الجمع بين الفلاحة الهندية وتقنيات الري الرومانية والفارسية وأعراف القبائل العربية والبربرية والفقه والعرف الروماني الإقليمي عملٌ مبدع، وليس نقصاً في الأصالة (ص ٩٧٧). ويأخذ مع ذلك عن بوتزر تقسيمه نظم الري ثلاث مراتب: كبرى في السهول الغرينية، وهي التي كوّنها طمي الأنهار، بُنيت على هيكل روماني، ووسطى لقرية تسقي من عين أو عينين، وصغرى لمزرعة أسرة (ص ٩٧٧).
في المرتبة الكبرى تتّفق الآثار وأسماء الأماكن. وجد بوكلينغتون أنّ ٦٨٪ من سواقي لورقة أسماؤها سابقة للإسلام، في حين لا تتجاوز هذه النسبة ٢٢٪ في مرسية، حيث تؤلّف السواقي ذات الأسماء العربية شبكةً متماسكة طمست ما قبلها (ص ٩٧٧–٩٧٨). وفي سهل بلنسية نصف السواقي الكبرى أسماؤها عربية، كرشكنية من «رأس القناة»، وفيطنار من «خيط النهر»، وفابارة من قبيلة هوّارة. وقد استدلّ غليك على عروبة النظام بشبهه بتوزيع ماء بردى في غوطة دمشق، حيث يُقسم ماء النهر عند كل مقسم أربعة وعشرين قيراطاً، أي سهماً، فاعترض عليه بيير غيشار بأنّ البربر كانوا أكثر من استوطن السهل. وفي ردّ غليك عليه أصلُ حجّته كلّها:
«إنّ العرب والبربر الذين نزلوا الأندلس لم يحملوا معهم سواقي ولا قنوات ولا سدوداً ولا سواني، وإنما حملوا أفكاراً.» (ص ٩٧٨)
لا وزن إذن لأصل المنشأة المادي، ويكفي لإدخال النظام الشامي رجلٌ عربي واحد يعرفه. ويسند غليك ذلك بوحدة «الفيلة»، وهي ترجمة رومانثية للفظ «الخيط»، وحدةُ حسابٍ اثنا عشرية تعبّر عن الحقّ في الماء نسبةً من الجملة، وتصير ساعاتٍ عند الشحّ، ويسنده كذلك بألفاظٍ مثل «الدولة» و«الدور» لنوبة السقي، و«المقسم»، و«السدّ» الذي صار في القشتالية azud (ص ٩٧٨–٩٧٩).
مثال المرتبة الوسطى بنيالبوفار بميورقة، وهي ستون هكتاراً تسقيها القناة (الخطّارة) فتصبّ في صهاريج مكشوفة وجِباب مغطّاة، وفيها مصاطب، أي مدرّجات زراعية على السفح، يُظنّ أنّ ألفاظها ونظامها جاءت من جنوب جزيرة العرب مع بني غانية في أواخر القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، وإن خلت من العامل الذي يشرف على النوبة في اليمن (ص ٩٨٠). ويفرّق غليك بين القناة الحقيقية، وهي رواقٌ تحت الأرض يرشح إليه الماء الجوفي وله آبار للتهوية، وما يشبهها من أنفاق وخنادق مغطّاة (ص ٩٨٠).
أمّا المرتبة الصغرى فتغلب فيها السانية التي تديرها الدابّة، وهي دولاب يرفع الماء من البئر بجِرارٍ صغيرة تسمّى القواديس، ويميّزها غليك من الناعورة الكبيرة التي يديرها تيّار النهر وتصلح طاحوناً (ص ٩٨٠–٩٨١). ولمّا شاعت السانية صار في وسع مزرعة الأسرة أن تنتج فائضاً للسوق، فارتبطت «ثورة السواني» بنموّ الاقتصادات الإقليمية في عصر الطوائف. وفي موقع أوليفا، وقد استُعمل من القرن الرابع الهجري إلى أواسط التاسع، أكثر من خمسة آلاف كسرة من القواديس، تدلّ على أنّ ثقب قاعدة القادوس، وقد أوصى به ابن العوّام، ظهر في أواخر القرن الخامس، وأنّ أشكالها شامية الأصل (ص ٩٨١). والأرحاء، أي الطواحين، أفقيةٌ في الغالب. يذكر كتاب قسمة بلنسية أكثر من مئة منها، وقدّر ميكيل بارسيلو أرحاء ميورقة قبيل الفتح النصراني (٦٢٦–٦٢٧هـ/١٢٢٩م) بنحو ١٩٧، يدير ماءُ القنوات ربعها، ويذكر القزويني رحىً بميورقة كانت تُدار بالدولاب عند قلّة الماء (ص ٩٨١–٩٨٢). وآخر ما في المقالة نموذج بارسيلو، ومؤدّاه أنّ الرحى في الأندلس كانت تابعةً للري، وأنّ الطحن في قطلونية الإقطاعية كان هو الغاية والري فضلة، وهو فرقٌ بين مجتمع قبلي متساوٍ ومجتمع إقطاعي متراتب. ومن ثَمّ يرى غليك أنّ التقنية آلةٌ يمكن أن تُصنَّف مجرّدة، أمّا التكنولوجيا فنظامٌ معرفي لا يُفهم إلا في مجتمعه، وأنّ تقدّم البحث في هذا الباب ينتظر فرضياتٍ عن بنية المجتمع الأندلسي الريفي (ص ٩٨٢–٩٨٣).
٤٦. الزراعة في إسبانيا المسلمة
تقوم المقالة على دعوى واحدة: أنّ ما يُسمّى مدرسة الفلاحة الأندلسية بلغ بين القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي والقرن السابع/الثالث عشر ذروةً لم يبلغها علم الفلاحة في غير الأندلس من بلاد الإسلام يومئذ، وأنّ أثره انتقل إلى الغرب النصراني. وترجع المؤلفة هذه الذروة إلى أربعة روافد التقت في الأندلس، أعظمها التراث اليوناني البيزنطي الوارد من المشرق، ثم التراث اللاتيني، ثم معارف محلية لعلّها بقية لاتينية حفظها المستعربون، وهم نصارى الأندلس الذين تعرّبوا، ثم أُضيفت إليها «الفلاحة النبطية» التي كانت تُعدّ يومئذ لسان التراث الرافديني (ص ٩٨٧). ولم يجد الفاتحون فلاحة مزدهرة، بل وجدوها منحطّة في أواخر عهد القوط، فأصلحوها بخبرتهم في النبات والصيدلة والطب. وقد افتتحت المؤلفة مقالتها بقول الطِّغْنَري إنّ الفلاحة قوام معاش الناس والدوابّ، وبها حفظ الحياة (ص ٩٨٧).
نشأت المدرسة في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، وللمؤلفة في نشأتها علامتان: وصول نسخة من كتاب ديسقوريدس هديةً من قسطنطين السابع إلى عبد الرحمن الناصر، وهي التي أنهضت الصيدلة والنبات، ثم تأليف عَرِيب بن سعيد «تقويم قرطبة» للحكم المستنصر، وفيه مادة في الشجر والبقول والحدائق تأتي غالباً في آخر وصف كل شهر. وتذكر أنّ هناك قرائن على كتاب لعريب في الفلاحة ضاع، وكان مصدر هذه المادة، فإن ثبت كان أول كتاب أندلسي في الفلاحة (ص ٩٨٧–٩٨٨). ويُنسب إلى الزهراوي «مختصر كتاب الفلاحة»، ولا يذكره مصدر عربي، على أنّ بيرنيت وسامسو يجعلانه رأس المدرسة، لأنه أستاذ من جاء بعده ولو بواسطة. ومن القرن نفسه كتابٌ مجهول المؤلف في عشرة أبواب، أنفسها الخامس في نباتات الزينة (ص ٩٨٨).
تعدّ المؤلفة الحدائق النباتية التجريبية عاملاً حاسماً في هذا النموّ، ففيها كان ما جُلب من أقاصي المشرق يُعوَّد مناخ البلاد، وفيها كانت الأصناف المعروفة تُحسَّن. وأول ما يُعرف منها الرُّصافة التي بناها الداخل قرب قرطبة، وقد وصف المقّري، ناقلاً عن ابن حيّان، ما أُدخل إليها من نبات جديد انتشر بعدُ في الأندلس (ص ٩٨٨). فلمّا انفرط أمر الخلافة قلّد ملوك الطوائف الخلفاء، فصار لكل بلاطٍ حديقته يديرها فلّاح عالم: الصُّمادحية بالمريّة، وبستان الناعورة أو بستان الملك بطليطلة، وبستان السلطان المعتمد بإشبيلية. ويروي العُذْري أنّ المعتصم بن صمادح غرس في بستانه ضروب الموز وقصب السكر (ص ٩٨٩). وامتدّ التقليد بعدهم إلى البحيرة الموحّدية وجنّة العريف النصرية.
لِما صار يُسمّى «الثورة الزراعية الأندلسية» لحظةٌ بعينها في رأي المؤلفة، هي تفكّك الخلافة وقيام دول الطوائف. فاللامركزية جمعت على غايةٍ واحدة أطرافاً لم يكن يجمعها شيء: ملوكاً يطلبون النبات الجديد لحدائقهم، ووزراء يعرفون ما للفلاحة في عمران البلد، وفقهاء يضعون لقطاعٍ يتّسع إطاره الشرعي، وفلاحين علماء يمزجون الكتاب بالتجربة. وزاد على ذلك طموح الأندلسيين إلى مجاراة المشرق في ترف المائدة، وقد اقتضى هذا الطموح جلب محاصيل لم تعرفها البلاد قبلُ (ص ٩٨٩–٩٩٠).
تقسم المؤلفة أصحاب كتب الفلاحة طرفين. يمثّل التجربةَ ابن بصّال الطليطلي، ولعلّه خلف ابن وافد على بستان المأمون بن ذي النون، وهو لا يذكر مصدراً ولا يخرج عن عمل الفلاحة. فلمّا سقطت طليطلة تولّى للمعتمد «حائط السلطان» بإشبيلية، أي بستانه المسوّر، والتفّت حوله حلقةٌ تراها المؤلفة وارثة المدرسة التي نشأت حول الزهراوي، ومنها أبو الخير الإشبيلي (ص ٩٩٠–٩٩١). ويمثّل النظرَ ابن حجّاج، صاحب «المقنع في الفلاحة» (٤٦٦هـ/١٠٧٣–١٠٧٤م)، وكتابه فسيفساء من النقول، وقد ذهبت لوسي بولانس إلى أنّ فيه أثراً مباشراً لكولوميلا، وهي في رأي المؤلفة دعوى جذّابة لكنها موضع خلاف (ص ٩٩١). ونسبة «المجموع في الفلاحة» إلى ابن وافد (٣٩٨هـ/١٠٠٨م–٤٦٦هـ/١٠٧٤م) موضع شكّ جدّي، وقد تُرجم الكتاب على أيّ حال إلى القطلونية والقشتالية، وأثّر في «الفلاحة العامة» لغابرييل ألونسو دي إيريرا (ص ٩٩٠). ويجمع الطغنري بين الطرفين، فقد ذكره لسان الدين بن الخطيب شاعراً في عهد الأمير عبد الله بن بلقين، وجرّب في الصمادحية، ثم لحق بحلقة ابن بصّال، وكتابه «زهرة البستان ونزهة الأذهان» أحكم كتبهم ترتيباً، وإن لم يبق منه إلا دون نصفه (ص ٩٩١). وابن العوّام، من ملّاك الشَّرَف بإشبيلية، يكاد يكون مجهولاً، فلا يذكره إلا ابن خلدون والقلقشندي، وقيمة كتابه التامّ أنه يحفظ نصوص من ضاعت كتبهم، وهو يشترط ألّا يثبت أصلاً حتى يجرّبه مراراً (ص ٩٩١–٩٩٢). وآخر هذه الحلقة أرجوزة ابن لَيُون المريّي (ت ٧٤٩هـ/١٣٤٩م)، ومادتها من ابن بصّال والطغنري، ولا يرى فيها محقّقها إغواراس شعراً (ص ٩٩٢).
تخرج من هذه الكتب في قراءة المؤلفة صورةُ فلاحةٍ متنوّعة: حوض الوادي الكبير عند ابن العوّام، وفحص غرناطة، أي سهلها، وساحلها عند الطغنري (ص ٩٩٣)، وبقولٌ تخدم الدورة الزراعية، أي تعاقب المحاصيل على الأرض الواحدة حفظاً لخصبها، وخضرٌ يتعاقب صيفيّها وشتويّها فلا تنقطع طوال العام، وتقابل المؤلفة ذلك بفقر حدائق البلاد النصرانية (ص ٩٩٤). وتخالف من يرفض من الباحثين المحدثين ما في «تقويم قرطبة» من ذكر قصب السكر والأرز في القرن الرابع، وترى أنّ القصب ربما أُقلِم أولاً في حديقة نباتية على نطاق ضيّق (ص ٩٩٥).
تبدأ كتب الفلاحة في التقنيات بالماء، والطغنري أبدعهم في حفر الآبار واستنباط الماء، يتبع «الفلاحة النبطية» في التقنية ويدع ما فيها من إلهيات، ويقابلها بما رآه في الشام وإفريقية (ص ٩٩٦). ويغلب الموروث الروماني على الآلات، فأكثر الآلات الثمانين التي أحصاها غوارديولا ذواتُ أسماء رومانثية، وإن أوصى ابن العوّام بالأسطرلاب في تسوية الأرض (ص ٩٩٦–٩٩٧). وأوضح دليل في رأي المؤلفة على نضج هذا العلم نزعته إلى التصنيف. صنّف ابن بصّال الشجر في الباب الثامن بحسب الأقاليم السبعة إلى مائي ودهني ولبني وصمغي، وأتمّ ذلك تلميذه العشّاب الإشبيلي المجهول في «عمدة الطبيب في معرفة النبات لكل لبيب» بتقسيم الجنس والنوع والصنف، حتى قيل إنه سبق كوفييه، العالم الفرنسي في تصنيف الأحياء. ثم تذكر فنون التطعيم وتزاويجها الغريبة (ص ٩٩٧).
في الخاتمة تقول المؤلفة:
«كانت الفلاحة الأندلسية، من القرن الخامس إلى السابع، بلا ريب أجلّ فلاحة في العالم الإسلامي يومئذ وأبلغها أثراً، وإن لم تكن الوحيدة» (ص ٩٩٧)
بقي أثر هذه الفلاحة، كما تقول، في علم الغرب النصراني وعمله، والذي شدّ إليها متأخّري النصارى كإيريرا طابعُها «التجريبي»، وفيه ترى بذرة الروح التجريبية الحديثة، لأنها قامت على معرفة الأرض من قرب، وعلى أخذٍ ناقدٍ لما ورثه أصحابها من تقاليد الفلاحة (ص ٩٩٧).
٤٧. استعمال النبات في الصباغة واللباس
عنوان المقالة الفرعي يحمل دعواها: أنّ القطن والوسمة، وهي نبات يُستخرج من ورقه صبغ أزرق، صارا في الأندلس، بين القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي والسابع/الثالث عشر، قطاعاً فلاحياً رابحاً، وأنّ نباتات النسيج والصباغة نمت نموّاً تجارياً مع صعود برجوازية التجّار، أي طبقة التجّار الموسرين في المدن، في عصر الطوائف ثم في دولتي المرابطين والموحّدين (ص ١٠٠٣، ١٠٠٥). والمقالة احتفالية النبرة بإعلان صاحبتها، كتبتها احتفاءً بالأندلس سنة ١٩٩٢م، وتقدّم لموضوعها بحسّ الضوء واللون الذي جمع المسلمين والنصارى واليهود على ضفاف المتوسط، مستندة إلى ميشيل باستورو في أنّ اللون ظاهرة ثقافية (ص ١٠٠٠–١٠٠١).
الفكرة التي تحمل المقالة كلها أنّ الصنعة والنفع والجمال لا تنفصل في هذه الحضارة، وأنّ الفلاحة عند أهلها ضربٌ من التحويل قريب من الكيمياء. فكتاب أبي الخير الإشبيلي في الفلاحة، في الورقة ٦٤ من مخطوطة باريس، ينقل عن كيمياء بابلية بغدادية تضع الفلاحة في باب تحويل الأجسام التي تحت فلك القمر، وهي في علم القدماء كلّ ما على الأرض مما يكون ويفسد (ص ١٠٠٢). وفي «رسالة الإكسير» لابن سينا، ويرى روسكا أنها أندلسية، تدخل في الصناعة كلُّ حيلة تغيّر ترتيب المادة لتُظهر الكامن فيها دون عون من خارج الطبيعة، ويقوم الماء في الفلاحة مقام الزئبق في الكيمياء، وسيطاً سيّالاً تجري به التحوّلات. وتنسب «الفلاحة النبطية» إلى الإنسان القدرة على محاكاة الطبيعة باستحداث أنواع جديدة من النبات والحيوان (ص ١٠٠٢–١٠٠٣). ومن شواهد المؤلفة على اتصال النقل «كتاب الأحجار» (Lapidario) الذي ترجمه إلى القشتالية سنة ١٢٥٠م يهوذا موسكا الأصغر، طبيب ألفونسو العاشر (ص ١٠٠١).
أول شواهدها من كتب الفلاحة الباب الثاني والعشرون من كتاب ابن العوّام، يفصّل فيه زراعة القطن، ثم الكتّان والقنّب، ثم الزعفران والحنّاء والفُوّة، وهي نبات يُصبغ بجذره أحمر، والوسمة وشوك القصّارين، ويُلحق بها الفِصفِصة والخشخاش لشأنهما الجديد في تربية الخيل (ص ١٠٠٣). والشاهد الثاني فقهي، تستخرجه من «المعيار المعرب» للونشريسي، وهو مجموع فتاوى فقهاء الغرب الإسلامي. فيه عقود المناصفة والمزارعة والمساقاة، وهي عقود يشترك فيها المالك والعامل في الزرع أو الثمر بحصّة معلومة، وفيه عقد شركة في القنّب، مرّة واحدة على قول ابن لبابة، بلا حضور سلطة أو موثّق، وتراه دليلاً على اتساع الملكية الخاصة الحرّة، وفيه منازعات الماء في مربّعات القطن والوسمة والفوّة ومساكب الزعفران المنحدرة (ص ١٠٠٤). وكان المالك المسلم يؤدّي الزكاة عن أرضه، وأهل الكتاب يؤدّون الخراج ويشكون انتظار الخارصين، والخارص من يقدّر المحصول قبل جنيه، ويُعفى من الخراج من له سابقة كنصرة الموحّدين أو أصل قبلي يرجع إلى عهد الفتح. وتذكر من وحدات الأرض الفدّان، والمرجع الإشبيلي، وقد ذكر ابن صاحب الصلاة أنّ لإشبيلية منه ثمانمئة تساوي ثلاثة آلاف دينار، والضيعة، وهي نحو عشرة فدادين لها ناعورة ومسجد ومدرسة، والقرية، وهي في الأصل ملك للسلطان يُقطِعها مدى الحياة للموحّدين والفقهاء (ص ١٠٠٥–١٠٠٦). وتقول إنّ ربح هذه الفلاحة قام على جمهور من الرقيق يُدار إدارة صارمة تشبّهها بالتايلورية، وهي طريقة حديثة في إدارة العمل تقسمه أجزاء صغيرة محسوبة الوقت، وإنّ الرقّ والربح معاً أبقيا هذا المجتمع «قديماً» في بنيته (ص ١٠٠٦).
تجعل بولانس القطن قطاعاً رابحاً. لفظ القطن عربي قديم، يتميّز من الكلمة السنسكريتية التي جاء منها carbasus اللاتيني، وبقيت الهند المصدّر الأكبر له حتى رأى ماركو بولو بالاتها (ص ١٠٠٤–١٠٠٥). وأول ذكر لزراعته في الأندلس في «تقويم قرطبة»، ثم يفصّل فيه أبو الخير وابن بصّال وابن وافد وابن العوّام والطغنري وابن حجّاج وابن لَيُون (ص ١٠٠٥). يُزرع في فبراير أو مارس مع العُصفر، وهو نبات يُصبغ بزهره، في أرض مسقيّة مسمّدة بزبل الغنم، وتُقلَب أرضه حتى عشر مرّات، ولم يكن القلب عندهم لفتح سطح الأرض، بل لإغلاقه ومنع التبخّر. ويُجنى في سبتمبر في الصباح الباكر بأيدي النساء، أمّا في العراق فيُجنى في تمّوز (يوليو)، ثم تُقلَّم شجيرته كما تُقلَّم الكرمة فتعود في العام التالي (ص ١٠٠٥–١٠٠٦). واللافت في رأيها أنّ ابن العوّام بدأ، حين ذكر مصادره في القطن، بالمحدثين دون القدماء: أبي حنيفة الدينوري و«الفلاحة النبطية» وأبي الخير وابن بصّال وابن وافد، وغاب ديسقوريدس، لأنّ القطاع جديد لا سلف له (ص ١٠٠٦). وينقل ابن العوّام أنّ القطن صار عندهم منذ سنين، ويقول الإدريسي إنّ الخاصّة تلبس القطن والفقراء الصوف. وتنظّم كتب الحسبة، وهي كتب في مراقبة الأسواق والصنّاع، غزله ونسجه، وفي أحكام سوق إشبيلية أوائل القرن السابع الهجري مقاييس تماثل مقاييس باريس، وعقوبة على نقص الخيوط في عرض الثوب، وذلك قبل «أنظمة» القدّيس لويس بنصف قرن (ص ١٠٠٧).
لم يُزِح القطن الكتّانَ، بل بقي الكتّان عزيزاً وكثُر غرسه في الشرف (ص ١٠٠٨). وكان قد انتقل منذ القرن الخامس الهجري إلى ساحل مالقة وفحص غرناطة ووادي أندرش، حيث تُصنع أشرعة الكتّان الملوّنة، وكان لون الليف يتبع ماء التعطين، أي الماء الذي يُنقع فيه الكتّان ليلين، فيخرج أبيض في الماء الجاري الدافئ، وأسود تقريباً في الماء الآسن (ص ١٠٠٧–١٠٠٨). أمّا القنّب (الشهدانج) فجاء من فارس، يُزرع خفيفاً للبذر وكثيفاً لليف، ومنه الخيش والورق وحبال المراكب، وكانت النساء يتولّين زراعته وزراعة القطن (ص ١٠٠٨).
يبدأ باب اللون بالنفيس: صوف البحر المسمّى «أبو قلمون»، يتبدّل لونه بتبدّل ساعات النهار، ولا يلبسه إلا السلطان، ويُمنع إخراجه من البلاد. وقد خلع المنصور بن أبي عامر سنة ٣٩٢هـ/١٠٠٢م، بعد غزوة شنترين، واحداً وعشرين كساءً منه في جملة هدايا (ص ١٠٠٨–١٠٠٩). وفي «تقويم قرطبة» أنّ العمّال كانوا يجمعون للاحتكار السلطاني القِرمز، وهو حشرة يُستخرج منها صبغ أحمر، في مايو، والصبغ السماوي في أغسطس، والفوّة في سبتمبر، ولذلك نظائر في حسبة إشبيلية ومالقة بعد قرنين أو ثلاثة (ص ١٠٠٩).
لبّ المقالة مسألة الأزرق: وسمة أم نيل؟ والنيل صبغ أزرق كان يُجلب من الهند. والمنهج الذي تلزمه بولانس أن ترجع إلى النصوص نفسها دون ترجماتها، كترجمة بانكيري وكليمان موليه لابن العوّام، ولوكلير لابن البيطار، ومايرهوف لموسى بن ميمون (ص ١٠٠٩). وما تجده في النصوص أنّ اللازورد حجر، وأنّ العِظْلِم عند ابن البيطار هو النبات الذي يُستخرج منه النيل أو النيلج، وأنّ ابن ميمون يجعل النيل زهر الوسمة الذكر، ويجعل الخِطْر ورق النيلج، وهو العظلم، وهو ما تسمّيه العامّة النيل ويُصبغ به الأسود. وكان بيع الوسمة على أنها نيل غشّاً يعاقَب عليه في إشبيلية في القرن السادس الهجري، وفي العقوبة دليل على أنه كان شائعاً. ويسمّي ابن العوّام الوسمة «البستاني» أو «السماوي»، ويسمّيها ابن بكلارش في «المستعيني» الوسمة مع حاشية قشتالية. وتفسّر المؤلفة هذا الاضطراب بأنّ النبتتين تصبغان بمادة واحدة، وأنّ الفرق بين الفاتح والداكن تابع لمقدارها في الورق، ومن هنا ظُنّ النيل ذكر الوسمة. والمُرسِّخ، أي ما يثبّت الصبغ في الليف، هو الشبّ، و«حنّاء المجنون» خليط من الوسمة والحنّاء يصبغ أسود (ص ١٠١٠).
تخلص المؤلفة من مسألة الأزرق إلى أنّ اللفظ يحمل قدراً من الدلالة المنتظمة وفيه مع ذلك مزالق، وأنّ الفصل بين الشيء وصورته عند القدماء مغامرة تستحقّ عناء الباحث، وتلمح إلى أنّ قرمز قادس سيصير بعد قليل القرمز الأمريكي فيفتح للجدل باباً آخر (ص ١٠١٠–١٠١١). وفي الاقتصاد ترى أنّ التقدّم استمرّ في عصر الطوائف بعد تفكّك الخلافة، مع دوام التجارة مع الدولة العباسية وانتقال السلع والأزياء بحرية بين جنوب الجزيرة وشمالها (ص ١٠١١).
أبدع علم الفلاحة الأندلسي في رأي بولانس، على اختلاط روافده اليونانية اللاتينية والفارسية والهندية والإيبيرية، تقليداً خاصّاً به، وأبدعُ ما فيه علم التربة، وله حداثةٌ ما زال المؤرّخون الجغرافيون لا يعرفون قدرها. وقد اقترن هذا العلم بالمعرفة النباتية المشرقية، فطُبّق في فلاحة الكفاف، أي ما يزرعه الفلاح لقوته، وفي الفلاحة التجارية معاً، كالزيت واللباس (ص ١٠١١). وتلخّص الأمر بعبارة قالتها في موضع سابق:
«كان التطبيق رومانياً والمعرفة مشرقية» (ص ١٠١١)
على زملاء لها شبّان من القطلونيين، يعدّون كل حديث عن إسهام روماني إهانة، تردّ بولانس بهذه العبارة، وترى أنّ روما القريبة العهد، بسلطانها ونفاذ أمرها، كانت تستهوي خيال الأندلسيين. ثم تنتقل من الفلاحة إلى أثر هذا الاتصال في الثقافة المتوسطية. فقد دخلت أزياء المشرق مع زرياب في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي فبدّلت عادات اللباس، وبدّلت آداب المائدة قبل الشمال بستة قرون، وقبل أن تعرّف الحروبُ الصليبية الغربَ ببذخ المشرق (ص ١٠١١). وفي الجنوب، ولا سيما صقلية والأندلس، دام العيش المشترك أطول مما دام في شمالٍ انغلق دون اليهود والمسلمين ثم دون «الهرطقات» النصرانية، وبقيت إلى ما يُسمّى عصر النهضة طريقةٌ في العيش متسامحة تسمّيها «حضارة الصحن»، أي فناء الدار المكشوف، حياتها في الشارع والساحات. وترى أنّ ابن خلدون أصاب في خوفه على حرية الشعوب حيث يسود مثل هذا العيش، وتختم برجاءٍ أن يعود هذا المثل الإنساني في مواضع متفرّقة على أنقاض الإمبراطوريات الاستعمارية (ص ١٠١١–١٠١٢).
٤٨. الحديقة الأندلسية: ملاحظات نحو تصنيف لأنماطها
لا يصرّح ديكي بأطروحته إلا في آخر المقالة، وعليها يبني تصنيفه كلّه: أنّ فنّ الحدائق فرع من علم الفلاحة لا ينفكّ عنه، وأنّ أنماط الحديقة الأندلسية تُفهم بمقولات العمارة الرومانية في البيت والضيعة، أي البيت الريفي وأرضه، أكثر مما تُفهم بمقولات الزينة الأوروبية (ص ١٠٢٧، ١٠٣١). وأول ما يواجهه عسر الشاهد. فلا صور لهذه الحدائق كما للحدائق الفارسية والهندية، وقد أُحرقت المخطوطات العربية بعد سقوط غرناطة، والحديقة أسرع الفنون زوالاً، ثم غيّر اكتشاف أمريكا في السنة نفسها نبات أوروبا، ومحا الطراز الإيطالي التقليدَ المحلي في أقلّ من قرن. فلا يبقى إلا ما سلم أو كشفه الحفر، وما وصفه المعاصرون، ويحذّر من الاعتماد على هيئة الحدائق الحاضرة في المواقع الإسلامية. ومع ذلك فالحديقة الأندلسية في رأيه الشاهد المادي الوحيد على الحديقة الإسلامية قبل العصر التيموري، أي عصر تيمورلنك وأبنائه (ص ١٠١٦).
تقوم هذه الحديقة على أربعة أركان: أرضٌ مرتفعة مقسومة، وماءٌ يجري بالانحدار، وحوضٌ جامع في الوسط، وممرّات تجري فيها السواقي. والتقسيم الرباعي هو الغالب وليس لازماً، والتناظر فيه مستعار من نظام القصور (ص ١٠١٦). ويردّ ديكي هذا التقسيم إلى طبق سامرّاء الخزفي الذي نشره هرتسفلد، ويراه في أصله حلّاً عملياً لسقي أرض مربّعة بأقلّ ماء. أمّا إذا قُرئ رمزاً فقد يكون أنهار الجنة الأربعة في الحديث: سيحان وجيحان والنيل والفرات، أو أنهار الماء واللبن والخمر والعسل في سورة محمد، وهو يستبعد الثانية لأنّ الأنهار في الحديقة تلتقي في نقطة (ص ١٠١٦–١٠١٧). ويقف عند حديقة شيخ الجبل في ألموت كما وصفها ماركو بولو، ويخالف من أسقطها من الصور الشرقية بحجّة أنّ بعثة بريطانية في أواخر الخمسينيات لم تجد لها أثراً، فالبعثة في رأيه بحثت في غير موضعها. ويخلص إلى أنّ الحديقة الإسلامية التقاء تصوّرين للجنة، فارسي وعربي، انتشرا بالفتح، وأنّ الماء صار مبدأ تنظيمها. أمّا البيت ذو الصحن فلم يُدخله العرب، بل هو إيبيري وجدوه ملائماً (ص ١٠١٧).
أطول ما في المقالة فصلٌ لغوي في الحَيْر. يرى ديكي أنّ الحير، وهو البستان المسوّر للصيد والنزهة معاً، هو المقابل العربي لـ paradeisos اليونانية، المأخوذة من الفارسية القديمة بمعنى السور المحيط، وأنّ اللفظ محرّف عن «الحائر» بمعنى الحوض، ثم أُطلق مجازاً على الأرض التي يسقيها، ويستشهد باستعمال ابن الخطيب «الحوائر» في وصف مياه الحمراء في «اللمحة البدرية» (ص ١٠١٨). وكان الحير في أصله نفعياً، يمدّ مائدة الملك في البادية بما لا يُشترى من سوق (ص ١٠١٩). ويستدلّ على ترادف اللفظين بقول ثيوفانيس، المؤرّخ البيزنطي، إنّ هشام بن عبد الملك أنشأ القصور والمزارع و«الفراديس» وحفر القنوات (ص ١٠٢١). ثم يتتبّع تحوّل المعنى من محمية الصيد إلى بستان النزهة، ويرى أنّ العربية خصّت «الفردوس» بجنّة الآخرة وأبقت «الحير» لنظيره الدنيوي، وأنّ اليونان والرومان كانوا حملة الفكرة، وأنّ الشتات العربي كان سبب انتشارها الأخير، وأوّل من غرس الحدائق في اليونان وروما قادةٌ خدموا في المشرق، كزينوفون ولوكولوس (ص ١٠٢٠–١٠٢١). ويخالف في الحاشية من يشتقّ «الفردوس» القرآنية من اليونانية عبر جمعها «فراديس»، ويرجّح أنها دخلت العربية من الفارسية القديمة مباشرة (ص ١٠٣٢، ح ١٣).
أول الشواهد الأندلسية حير الزجّالي بقرطبة. وصفه الفتح بن خاقان في «قلائد العقيان» حين دُفن فيه ابن شُهَيد سنة ٤٢٦هـ/١٠٣٥م إلى جانب صاحبه الوزير أبي مروان الزجّالي، فإذا هو صحنٌ من رخام أبيض يشقّه جدول يتلوّى كالحيّة، وفيه جابية تنصبّ فيها المياه، وقبّة بالذهب واللازورد، وأشجار مصفوفة متناظرة (ص ١٠١٩–١٠٢٠). ويجد ديكي الجدول المتلوّي في الصمادحية بالمريّة، حيث شبّه المعتصم ماء بستانه بالحيّة في شعره، وفي مصبّ بقصبة مالقة، ويلاحظ أنّ ابن سراج وابن الخطيب يميّزان «الجدول» المصنوع من «النهر» الطبيعي (ص ١٠١٩). وهنا يخالف هنري بيريس في أمرين. جعل بيريس وقف الزجّالي بستانه على أهل المدينة أول حديقة عامة في التاريخ واختراعاً عربياً، فردّه ديكي بوصية يوليوس قيصر بحدائقه للرومان كما صاغها شكسبير. وظنّ بيريس أنها كانت لخاصّة العاصمة، ويرى ديكي أنها لا تكون إلا وقفاً، والوقف لا يُقيَّد الانتفاع به (ص ١٠٢١–١٠٢٢). ولم يكن الحير في رأيه روضةً للدفن، بل بستاناً على طراز البستان الروماني (hortus) يجمع الزهر والثمر (ص ١٠٢٢).
ثم يسوق ما كشفه الحفر على ترتيب الزمان. في مدينة الزهراء وصف ابن زيدون أحواضاً عميقة زرقاء ظليلة الحواشي فيها النيلوفر، وقد كشف فيليكس إرنانديث سنة ١٩٤٤م حوضاً يوافق وصفه بين المجلس والقبّة المقابلة، في حديقة رباعية لها أربعة أحواض تمدّ سواقي في حواشي المساكب، والمسكبة حوض الغرس المنخفض، وفيها منافذ تُسدّ وتُفتح لغمر المساكب بالماء. ولعلّ مدرّجات المدينة تعكس طبقات الجنة (ص ١٠٢٢–١٠٢٣). وفي الجعفرية بسرقسطة صحنٌ له حوضان متقابلان يصل بينهما جدول مستقيم (ص ١٠٢٣). وفي قصر إشبيلية ظهرت بقايا قصر المبارك للمعتمد، وفوقها حديقة مرابطية بمساكب عميقة ومحاور متقاطعة تجري فيها سواقٍ مكسوّة بالزليج، وكان في كل مسكبة أربع نارنجات قزمة. وكانت هناك حديقة مرابطية أخرى للنارنج وحده، سجّلها رودريغو كارو قبل أن يهدمها زلزال لشبونة سنة ١٧٥٥م، محاورها مرفوعة على عقود كالقناطر (ص ١٠٢٣–١٠٢٤). أمّا قصر الكاستيخو (Castillejo) بفحص مرسية، وقد كُشف سنة ١٩٢٤م ونسبه توريس بالباس إلى محمد بن سعد بن مردنيش، فمخطّطه هو مخطّط صحن السباع في الحمراء، وقد سبقه بقرنين، فهو الحلقة بين المرابطين وبني نصر (ص ١٠٢٤). فلا يبقى لصحن السباع من جديد إلا نافورة في ملتقى المحورين، في الموضع الذي كان فيه بإشبيلية حوض منخفض. وقد رأى أنطوان دي لالان سنة ١٥٠٢م ست نارنجات في أركانه، يرجّح ديكي أنها بقية ثمانٍ، وهو العدد الذي أعاد به توريس بالباس غرسها نحو ١٩٢٨م، ثم اقتلعتها إدارة الحمراء وأعادت أربعاً (ص ١٠٢٤).
يقوم التصنيف على أنّ الحمراء في كلام المؤرّخين العرب «مدينة»، وليست قصراً ولا قلعة، فكلّ ما فيها حضري. صحن قمارش بيتٌ حضري (domus urbana)، وصحن السباع «ضيعة حضرية» (villa urbana) للولائم والسمر، سبق بها العرب بالاديو وعصر النهضة، وجنّة العريف ضيعة ريفية (villa rustica) على مخطّط البيت الحضري، أراضيها عشرة أضعاف الحمراء أو اثنا عشر ضعفاً (ص ١٠٢٤–١٠٢٥). والعلاقة بين الحمراء وجنّة العريف علاقة دار السيّد بمزرعتها (ص ١٠٢٩). وجنّة العريف إحدى ثلاث منيات محصّنة تحمي الحمراء من خلفها، والمنية بيتٌ في بستان خارج المدينة، والثانية دار العروسة، والثالثة قصرٌ هُدم في القرن التاسع عشر (ص ١٠٢٥). ويخالف ديكي الاشتقاق الشائع للاسم من «جنّة العريف»، لأنّ التاء لا تصير راءً، ويشتقّه من الجمع «جنان العريف» كما رواه ألونسو دل كاستيو، ويراه استعمالاً عامّياً (ص ١٠٣٣، ح ٢٥). وشاهده على اقتصاد الضياع وصف ابن الخطيب لفحص غرناطة، ففيه قرابة ثلاثين منية من خاصّ السلطان في الشمال، ويزيد عدد القرى على ثلاثمئة، في نحو خمسين منها منابر، أي مساجد جامعة تُقام فيها الجمعة، وفي داخل السور وحوله أكثر من مئة وثلاثين رحى مائية (ص ١٠٢٦–١٠٢٧)، وهو وصفٌ يذكّره باقتصاد الضياع في أواخر الإمبراطورية الرومانية. وتختلف أسماء الضيعة باختلاف البلاد: «البرج» في المريّة، و«المنية» في قرطبة، و«المنجرة» في غرناطة، و«الرياض» في المغرب، ومن هذا الباب «الكرمن» الغرناطي، وأصله «الكرم» (ص ١٠٢٨–١٠٢٩). ويجعل ابن لَيُون «فارون الأندلس»، نسبةً إلى فارون الكاتب الروماني في الفلاحة، ففي أرجوزته سبعون فصلاً في البستنة من مئة وسبعة وخمسين، وبها تُعرف معالم جنّة العريف المندثرة (ص ١٠٢٨).
للماء في الحمراء عند ديكي ثلاث حالات: ساكن وصاعد، وبينهما تموّج الفيض. وكانت أجران النوافير مثقوبة لئلا يفيض الماء منها، لأنّ العرب أحبّوا صوت الماء على الحجر، والترميم الحديث يخالف ذلك (ص ١٠٣٠). والحمراء نفسها لم تثبت على حال، فلا يصحّ أن تُرمَّم إلى لحظة واحدة من تاريخها (ص ١٠٣٠). أمّا سنة ٨٩٧هـ/١٤٩٢م فليست في رأيه سنة الكارثة وحدها، بل سنة ثورة نباتية لا نظير لها في تاريخ أوروبا قبل القرن التاسع عشر، فقد أدخل اكتشاف كولومبوس لأمريكا الغرائب على نطاق غير مسبوق، ولهذا كانت قوائم النبات الأندلسية هي التي تحفظ نبات الجزيرة قبل كولومبوس (ص ١٠٣٠). ويعتمد في هذه القوائم على جون هارفي، وينقل من رسالةٍ لهارفي أنّ ابن بصّال مصدرٌ يكاد يكون وثائقياً لأنه قائم على المشاهدة، وأنّ ابن العوّام أقرب إلى الأدب. وقد أقنعه هارفي بأنّ «البديع في وصف الربيع» لأبي الوليد الحميري أضعف شهادةً على نبات الحدائق مما كان يظنّ (ص ١٠٣٠–١٠٣١، ١٠٣٤). وكان ابن بصّال، على أنه طليطلي، قد صمّم بستاناً للمعتمد، ولا يُعرف أهو البستان الذي كُشفت بقاياه في قصر إشبيلية. والنبات في رأي ديكي علمٌ برع فيه مسلمو الأندلس، وأعظم علماء النبات المشارقة في عبارته ابن البيطار المالقي (٥٩٣هـ/١١٩٧م–٦٤٦هـ/١٢٤٨م)، وقد سبقه أبو العباس بن الرومية الإشبيلي (٥٥٨هـ/١١٦٣م–٦٣٦هـ/١٢٣٩م)، وكانت قوائمهم تُصنع لغرض فلاحي أو صيدلي، خلا «البديع»، فهو جمعٌ لاستعارات الزهر في الشعر (ص ١٠٣٠–١٠٣١).
من هذه الأطروحة يستنتج ديكي سبب زوال هذه الحديقة:
«إن صحّ أنّ فنّ الحدائق امتداد لعلم الفلاحة لا يستقلّ عنه، فإنّ طرد الموريسكيين كان سيقضي على تقليد البستنة الإسلامية في إسبانيا حتى لو لم يقترن سقوط غرناطة بتغيّر الذوق في عصر النهضة» (ص ١٠٣١)
ثم يضيف أسباباً أخرى. جعلت النهضة الحديقة تابعة للعمارة، وجعل المسلمون القصر تابعاً للحديقة، فلا سبيل إلى الجمع بين الذوقين. وكتب الفلاحة كلها بالعربية، في زمنٍ صارت فيه حيازة ورقةٍ عربية تهمةً عند محاكم التفتيش. وصودرت الضياع فحلّت محلّها الملكيات الكبرى وسوء التدبير، حتى أفضى قطع الغابات وانجراف التربة في قرنين إلى أرضٍ قاحلة. على أنّ أثرهم في بستنة أوروبا لم يُمحَ، ومنه الياسمين والرمّان والخرشوف وغرس النخل. وهذه الحديقة في رأيه ليست كلاسيكية ولا رومانسية، ولذلك لم يشبه ما كان شيءٌ مما «أُحيي» في مواقعها: لا المساكب الكلاسيكية في قصر إشبيلية، ولا الحديقة الرومانسية على مدرّجات جنّة العريف في القرن التاسع عشر، ولا أسيجة البقس المشذّبة التي أدخلها توريس بالباس في الحمراء وجنّة العريف، والبقس شجيرة دائمة الخضرة تُقصّ أسيجةً (ص ١٠٣١).
٤٩. نشاط الترجمة في إسبانيا في العصور الوسطى
من خارج حدود الأندلس ينظر إليها برنيت، من جهة اللاتين الذين قصدوها، أي أهل أوروبا الغربية الذين يكتبون باللاتينية، فيرسم مسار النقل في ثلاث مراحل: مرحلة أولى شفهية سرّية يغلب عليها التنجيم والسحر، ثم تحوّل في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي إلى نقلٍ مكتوب يتّسع جمهوره، ثم «ترجمة رسمية» في القرن السابع/الثالث عشر تخدم سياسة الملوك والأساقفة (ص ١٠٣٦، ١٠٤١، ١٠٤٦). ويلحّ في آخر المقالة على أنّ اللاتين لم يقرؤوا هذه الكتب ليعرفوا الأندلس، بل لمنفعة عملية أو لتقدّم في الرياضيات والفلسفة، وأنّ العرب لم يكونوا مجرّد وسطاء (ص ١٠٤٩).
كان المجتمع الذي جرى فيه النقل متعدّد الألسن. العربية الفصحى لغة الدولة والتعليم، والعامية تُكتب أحياناً في الزجل، وأكثر الناس يتكلّمون الرومانثية، وهي اللهجات المتحدّرة من اللاتينية المحكية، كما تشهد الخرجة، وهي القفل الأخير من الموشّح وتُجرى غالباً على لسان فتاة. وللبربر لهجاتهم، وقد بقيت ألفاظ بربرية في أسماء أشكال الرمل، أي الأشكال التي يخطّها العرّاف على الرمل، وفي أقدم أسماء الأرقام العربية في أوروبا. واللاتينية لغة الكنيسة، واليهود يكتبون عربيّتهم الدارجة بالحرف العبري (ص ١٠٣٦). وكان للنصارى قضاتهم، وكان أحدهم، أصبغ بن نبيل، ترجمانهم أيضاً (ص ١٠٣٦، ح ٥). وورث الملوك النصارى هذا التعدّد، فوثائق طليطلة تجمع إلى اللاتينية ملخّصاً عربياً، وفي ذيل عقد لرئيس أساقفتها سنة ١١٧٨م حاشية عربية تشهد بأنّ رجلين سمعا رئيس الشمامسة يعيد نصّه بالرومانثية (ص ١٠٣٧). وفي الاتجاه المعاكس تُرجمت في ظلّ الإسلام كتب لاتينية إلى العربية، منها كتاب كولوميلا في الفلاحة، و«تاريخ» هروشيوش (Orosius)، و«اشتقاقات» إيسيدور على ما يبدو، وأكثر من ترجمة للمزامير، منها ترجمة منظومة أتمّها حفص بن ألبر القوطي سنة ٢٧٦هـ/٨٨٩م لتحلّ محلّ ترجمة نثرية ركيكة. ودُمج تقويم كنسي في منازل القمر العربية، أي مواضع القمر بين النجوم في ليالي الشهر، فكان منه «تقويم قرطبة» (ص ١٠٣٧). وحواشي المستعربين العربية على مخطوطات لاتينية، كنسخة بوئثيوس في الحساب بدير ريبول، تكشف رجالاً يعرفون اصطلاح الرياضيات العربية، ومن أمثالهم خرجت العلوم إلى سائر أوروبا (ص ١٠٣٧).
كانت المرحلة الأولى مرحلة شبهة وسرّ. في أسطورة من القرن الثالث عشر كان جربرت الأورياكي أمهر السحرة، علّمته الشياطين الأسطرلاب. ولم يكن العلماء أنفسهم بعيدين عن هذه الصورة، فقد ترجم أديلارد الباثي «أصول» إقليدس وزيج الخوارزمي، وترجم معها كتاباً في الطلاسم فيه دعاءٌ للفئران أن ترحل عن الدار، وطريقةٌ لطرد العقارب من مدينته باث (ص ١٠٣٨). وفي الأندلس نفسها اجتمع العلم الدقيق والسحر في رجل واحد هو مسلمة المجريطي، فقد أصلح زيج الخوارزمي على طول قرطبة، وكان عمدة أديلارد في الأسطرلاب، ونُسب إليه منذ وقت مبكر «غاية الحكيم» في السحر و«رتبة الحكيم» في الكيمياء، وأدخل «رسائل إخوان الصفا» إلى الأندلس (ص ١٠٣٨). ويرى برنيت أنّ أقدم ما نُقل فنون العرافة التي تُتعلّم بالمشاهدة دون الكتاب: خطّ الرمل، وحساب حروف اسمي المتخاصمين لمعرفة الغالب منهما، وقراءة كتف الشاة، أي استخراج الغيب من خطوط عظم الكتف (ص ١٠٣٩). وأقدم نصّ لاتيني فيه مادة عربية كتابٌ في هذا الباب من أواخر القرن العاشر الميلادي (Liber Alchandrei)، فيه أسئلة الزبائن وأحكام المنجّم بحساب اسم السائل واسم أمّه، وفيه أقدم صيغة لاتينية لمنازل القمر الثماني والعشرين، وأسماءٌ عربية وعبرية للبروج والكواكب (ص ١٠٣٩–١٠٤٠).
من هذا الباب نفسه يفسّر برنيت دخول الأرقام. نبّه ريشار لوميه إلى أنّ الأرقام الهندية في بلاد الإسلام كانت تُستعمل في العرافة أكثر مما تُستعمل في الحساب. ويبدو أنّ الأرقام الغبارية، وهي الصورة المغربية للأرقام الهندية، نشأت في الأندلس، لأنّ صور الخمسة والستة والثمانية تُردّ إلى الخطّ القوطي. وقد ذكر ابن خلدون أنّ «حروف الغبار» تُستعمل في الزائرجة، وهي جدول يُستخرج به الغيب بالحروف والأعداد، ولا دليل على أنّ التجّار أو الكتّاب استعملوها (ص ١٠٤٠). فلعلّ جربرت أو أحد أتباعه أخذ فكرة وسم خرزات العدّاد، أي لوح الحساب، بهذه الأرقام من سياق سحري، وأسماء الخرزات التسع ألفاظ عربية وبربرية محرّفة تدلّ على أنها نُقلت مشافهة. ثم حلّ محلّ العدّاد في أواسط القرن السادس الهجري الحسابُ الهندي المأخوذ من كتاب الخوارزمي، وبقيت الأرقام مع ذلك تُعدّ شفرة سرّية، حتى حُظر استعمالها في بعض المدن (ص ١٠٤٠).
بإدخال الحساب الهندي يبدأ التحوّل، فمعه صار النقل قائماً على الكتاب. ويستشهد برنيت بنهي ابن عبدون في إشبيلية عن بيع الكتب لليهود والنصارى، لأنهم يترجمونها وينسبونها إلى أنفسهم (ص ١٠٤١). وأول من يمثّل هذا التحوّل هوغو السنتالي، وقد ترجم لميخائيل أسقف طرسونة من مكتبة بني هود، بعد أن انتقل آخرهم، سيف الدولة، من سرقسطة إلى روطة إثر سقوطها سنة ٥١٢هـ/١١١٨م. وكان لبني هود في العلم شأن، فالمقتدر وابنه يوسف المؤتمن رياضيّان، وقد جمع المؤتمن في «الاستكمال» إقليدس وأبلونيوس وأرخميدس وثابت بن قرّة وابن الهيثم، وأدخل الكرماني تلميذ مسلمة «الرسائل» إلى سرقسطة، وفي اللاتينية جداول لرؤية الهلال حُسبت لعرض سرقسطة (ص ١٠٤١). وجد هوغو شرحاً لزيج الخوارزمي في «أخفى زوايا المكتبة»، وهي عبارة توحي بقسمٍ مخصوص لعلوم الأوائل، أي علوم اليونان وغيرهم من القدماء، وللسحر. ومقدّماته تلحّ على أنّ الأسرار لا تُعطى إلا للأكفاء، ويدمج فيها كلام المؤلف العربي في كلامه كما فعل قسطنطين الإفريقي قبله. وترجم في الرمل وكتف الشاة، ورأى في خطّ الرمل «الجيومانسيا» التي ذكرها إيسيدور، وأهمّ ما ترجمه «سرّ الخليقة» المنسوب إلى بليناس، وفيه أقدم صيغة لاتينية لـ«اللوح الزمردي»، وهو نصّ قصير في أصول الكيمياء القديمة، ونصّه أقرب إلى مخطوطة عربية نُسخت سنة ٤٨٥هـ/١٠٩٢م (ص ١٠٤١–١٠٤٣).
ثم يقابل برنيت هوغو بهرمان الكارينثي وروبرت الكيتوني، وكانا يعملان في حوض نهر إبره سنة ١١٤١م. يتردّد هرمان في مقدّمة كتابه «في الجواهر» (De essentiis) بين كتمان «كنوز العرب الدفينة» وإذاعتها، ويخاف مصير نومينيوس الذي أفشى أسرار إليوسيس، وهي طقوس يونانية قديمة لا تُكشف لغير أهلها، حتى تطمئنه منيرفا، إلهة الحكمة عند الرومان، في المنام بأنّ علمها لا ينقص بالبذل. وكان الرجلان يُهديان أعمالهما إلى أعلى الناس مقاماً، روبرت إلى بطرس المبجّل، وهرمان إلى تييري الشارتري (ص ١٠٤٣–١٠٤٤). ويتحفّظ برنيت هنا، فكون هذا التحوّل سياسة جديدة أو مجرّد أسلوب أدبي في المقدّمات يتوقّف على مقدار ثقتنا بهذه المقدّمات، والثابت أنّ ترجمات هوغو قلّ انتشارها، وأنّ الآخرَين أذاعا عملهما (ص ١٠٤٤).
في طليطلة اتّسع البرنامج. يرى دومينيكوس غونديسالينوس، رئيس الشمامسة، أنّ المرء لم يعد يستطيع أن يكون حكيماً جامعاً، وإنما يحسن علوماً بعينها، فوصف العلوم معتمداً على ترجمة جيرارد الكريموني لـ«إحصاء العلوم» للفارابي. ويرجّح برنيت أنّ جيرارد هو «Girardus» الذي يرد في وثائق كاتدرائية طليطلة سنوات ١١٦٢م و١١٧٤م و١١٧٦م وعليها توقيع دومينيكوس (ص ١٠٤٤–١٠٤٥). ترجم جيرارد أرسطو وشرّاحه، وترجم دومينيكوس مع ابن داود (Avendauth) ويوحنا الإسباني كتب ابن سينا وابن جبيرول والغزالي. وجاء جيرارد إلى طليطلة في طلب «المجسطي»، وترك دانيال المورلي باريس خائب الظنّ قاصداً «علم العرب» فيها. ولمّا مات جيرارد سنة ١١٨٧م كتب أصحابه ثبت ترجماته، لأنه تواضع فلم يضع اسمه على كثير منها (ص ١٠٤٥).
للقرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي عند برنيت سمتان. الأولى نقل ما سمّاه «الصيف الهندي» للفلسفة في عهد الموحّدين، أي صحوتها المتأخرة، وهي فلسفة ابن طفيل، وابن رشد وشروحه على ثلاث طبقات، أي الموجز والمتوسط والمطوّل، والبطروجي الذي حاول أن يضع مكان هيئة بطليموس هيئةً توافق طبيعيات أرسطو. لم يكن لهذه الأرسطية أثر يُذكر في العلم العربي بعدها، بل كان أثرها في اللاتينية والعبرية: ترجم ميخائيل سكوت كتاب البطروجي في طليطلة سنة ١٢١٧م، وحظرت جامعة باريس سنة ١٢١٥م كتب أرسطو الطبيعية وملخّصاتها ومؤلفات «موريسيوس الإسباني»، ويرجّح برنيت أنه موريسيوس رئيس شمامسة طليطلة (ص ١٠٤٦). ويلاحظ أنّ استمرار الأرسطية في إسبانيا النصرانية لم يُدرس بعدُ، ودليله على هذا الاستمرار أنّ رئيس أساقفة طليطلة غونثالو غارثيا غوديل جمع كتب أرسطو وابن سينا وابن رشد، وأمر بترجمة ما بقي من طبيعيات «الشفاء» (ص ١٠٤٧). والسمة الثانية الترجمة الرسمية بعد وقعة العقاب، وهي الوقعة التي انكسر فيها الموحّدون أمام ملوك النصارى. ففيها كتب رودريغو خيمينيث دي رادا تاريخيه على مصادر عربية، وأمر موريسيوس مرقصَ الطليطلي بترجمة القرآن وعقيدة ابن تومرت، وأنشأ خايمي الأول مدرسة للمبشّرين، واتّخذ ألفونسو العاشر القشتالية لغةً أدبية لبلاطه، ورعى ترجمة السحر وعلم النجوم والحكايات والألعاب، حتى صار مؤلف «غاية الحكيم» «بيكاتريكس الإسباني». وأكثر مترجميه يهود، ولا يظهر بينهم مسلم (ص ١٠٤٧–١٠٤٨).
أمّا ما عرفه الأوروبيون عن الأندلس من هذه الترجمات فقليل، ويجمعه برنيت من الحواشي. فـ«المجموعة الطليطلية» التي أمر بها بطرس المبجّل في أربعينيات القرن الثاني عشر، وفيها القرآن وسيرة النبي محمد ﷺ ومحاورة بين مسلم ونصراني، أمينةٌ على أصولها، مع ما يظهر في مقدّمات روبرت من عداء. وقد أبقى مترجم «رسالة الكندي» جملةً يحكم فيها المأمون للمسلم، ثم حذفها ناشرٌ متقدّم للنص اللاتيني فغابت عن المخطوطات اللاحقة (ص ١٠٤٨). وفي حواشي ترجمة يوحنا الإشبيلي لـ«المدخل الكبير» لأبي معشر تفسيرٌ لـ aldea وalcázares، أي الضيعة والقصور (ص ١٠٤٨). وفي جدول فأل عربي لاتيني صورةٌ لفراغ الأندلسي الموسر: سماع الرباب والطنبور، ودخول الحمّام، وشمّ الورد، والصيد بالبازي، وألوان الطعام (ص ١٠٤٨–١٠٤٩). وفي كتب التنجيم ذكرُ الشادوف، وهو عمود يُرفع به الماء بدلو، وقد سُمّي باللاتينية «اللقلق»، وذكر السانية والناعورة، وفي كتب قراءة الكتف ذكرُ قرطبة وسرقسطة، وآل فهر وآل مروان، والبتر والبرانس، وهما فرعا البربر الكبيران، وتفاصيل البيت وخدمه (ص ١٠٤٩).
يجمع برنيت خلاصة مقالته في قوله:
«لم يكن العرب مجرّد قنوات لعلم اليونان القدماء» (ص ١٠٤٩)
صحيحٌ أنّ المترجمين طلبوا الأصول اليونانية، وبرنيت لا ينكر ذلك. فجيرارد الكريموني وروبرت الكيتوني وهرمان الكارينثي قصدوا جميعاً «المجسطي»، وأراد قسطنطين الإفريقي أن يعرّف اللاتين بجالينوس وأبقراط، واضطُرّ يوجين البلرمي في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي إلى الترجمة العربية لـ«المناظر» لبطليموس، ونصّه اليوناني مفقود إلى اليوم (ص ١٠٤٩–١٠٥٠، ح ٨٨). غير أنّ حجّته تقوم على مصير الكتب لا على أقوال المترجمين، فالذي راج في اللاتينية هو ما بسطه أصحاب العربية من علم القدماء أو زادوا عليه أو قرّبوه. آثر أهل الفلك في العصور الوسطى، ودانتي منهم، كتاب الفرغاني الأوجز على «المجسطي»، ونسخ أهل أحكام النجوم أبا معشر والقبيصي أكثر بكثير مما نسخوا «الأربع مقالات» مع أنهم عدّوها أصل صناعتهم. ولقي «الشفاء» رواجاً لأنه يستوفي منهاج الفلسفة ويحسم المسائل، فكان على الدارس أيسر من كتب أرسطو المتفرّقة. وأعطت شروح ابن رشد ذات الطبقات الثلاث منهجاً مفصّلاً في درس أرسطو احتذته الشروح اللاتينية منذ أواسط القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، حتى إنّ ما بقي منها باللاتينية أكثر بكثير مما بقي بالعربية (ص ١٠٥٠).
في الرياضيات يبدو له أنّ للعرب موهبة خاصّة، لم تنقل منها الترجمات اللاتينية إلا ظلاً باهتاً لما بلغه المؤتمن بن هود وعمر الخيّام، وإن أدخلت إلى الغرب الحساب بالأرقام العربية والجبر وحساب المثلّثات والهندسة المتقدّمة. أمّا الطب فبقيت الغلبة فيه للكتب العربية طوال العصور الوسطى، وتكفي في الدلالة على ذلك الأسماء التي ألفها اللاتين: ابن سينا، وهو هنا صاحب «القانون»، وأبو بكر الرازي، وابن ماسويه، وإسحاق الإسرائيلي، وأبو القاسم الزهراوي (ص ١٠٥٠، ح ٩٤).
تُرجم أكثر هذه النصوص أول مرّة في إسبانيا، وكان كثير منها من تأليف مقيمين بها، مسلمين في الغالب، ونصارى ويهود بدرجة أقلّ. وإلى من سبق ذكرهم، مسلمة المجريطي والبطروجي وابن رشد وابن باجة الذي عُرفت آراؤه من شروح ابن رشد، يضيف برنيت عَرِيب بن سعيد أحد واضعي «تقويم قرطبة»، وأبراهام بار حيّا (ت نحو ٥٣١هـ/١١٣٦م) صاحب «كتاب المساحات» (Liber embadorum) بترجمة أفلاطون التيفولي، وابن معاذ الجيّاني الذي نقل جيرارد الكريموني رسالته في انكسار الضوء في الجوّ (De crepusculis)، أي في الشفق، ونقل «زيج جيّان»، والزرقالي الذي صارت أزياجه المعمولة لطليطلة نحو ٤٦٢هـ/١٠٧٠م عمدةَ الغرب في ترجمتها اللاتينية من أواخر القرن الثاني عشر الميلادي إلى أوائل الرابع عشر (ص ١٠٥٠). ووصول الكتب العربية إلى الأندلس من أقاصي دار الإسلام شاهدٌ في رأيه على ازدهار حياتها العلمية، وكان أديلارد الباثي يجعل علم العرب والنظر العقلي شيئاً واحداً (ص ١٠٥١). ويختم بعبارة قالها هوغو السنتالي في فنّه، ويرى أنّ كثيراً من اللاتين كانوا سيقولونها في فنونهم:
«يحسن بنا أن نقتدي بالعرب خاصّة، فهم كالأساتذة لنا والسابقين في هذا الفنّ» (ص ١٠٥١)
٥٠. الحضارة الإسلامية في الأندلس: تقويم ختامي
تختم المؤلفة الكتاب بأطروحةٍ مؤدّاها أنّ الأندلس كانت موضع أهمّ امتزاجٍ عرقي وثقافي بين الشرق والغرب، وأنّ ثمرته انتقلت منها إلى أوروبا بين حضاراتٍ متنازعة. رأى العالم النصراني في الإسلام أول الأمر فرقةً مسيحية مهرطقة، ثم عدوّاً اتّخذ الغربُ من مواجهته سبيلاً إلى لمّ شمله بعد سقوط روما، وبقيت صورته عنده مثقلة بالأيديولوجيا. غير أنّ التجارة والسفارات بين الخصمين استمرّت رغم العداء، وكانت تقرّب بينهما (ص ١٠٥٩).
أمّا طرق النقل فتعدّها عدّاً سهلاً. حمل المنشدون الجوّالون القصص والأشعار إلى الغرب وهم يجهلون أصلها، وقصد الأوروبيون الأندلس طلباً لعلومها، وتتابعت التجارة والسفارات، وهاجر المستعربون إلى الشمال في أزمنة التشدّد. ثم كانت خزائن الأديرة، وعلى رأسها دير ريبول الذي اقتنى في القرنين السادس والسابع الهجريين/الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين كتباً علمية عربية ترجمها رهبانٌ كثيرٌ منهم مستعربون. ثم كانت مدارس الترجمة في طليطلة بعد أن أخذها النصارى سنة ٤٧٨هـ/١٠٨٥م، وقد رعاها رئيس الأساقفة رودريغو خيمينيث دي رادا وألفونسو العاشر «الحكيم»، وعمل فيها جيرارد الكريموني وروبرت التشستري وأديلارد الباثي وميخائيل سكوت (ص ١٠٥٩–١٠٦٠). ومما انتقل من العلم عندها الأرقامُ والصفر على يد الخوارزمي، واكتشافُ الدورة الدموية الصغرى، أي مرور الدم من القلب إلى الرئتين ثم عودته إليه، على يد ابن النفيس في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، وفلسفةُ الغزالي وابن رشد. وتنسب إلى ابن رشد أنه أرسى التوازن بين الإيمان والعقل (ص ١٠٦٠).
غير أنّ أوضح الأثر عندها في الأرض والصنعة. فالنواعير والطواحين المائية وقنوات الري أخرجت زراعة إسبانيا الرومانية من ثالوث الزيتون والقمح والكرم، ودخل معها النخل والليمون، ودخل الحرير والورق وأصلهما من الصين. ومن الصنائع التي تذكرها التكفيتُ بالذهب والفضة في طليطلة، وهو أن يُطعَّم المعدن بخيوطهما، وصناديقُ الرخام والزجاج في قرطبة والتطعيمُ بالعاج في غرناطة والخزفُ ذو البريق المعدني في مالقة، وبعض هذه الصنائع لا يزال قائماً. وتضرب المسجد الجامع بقرطبة مثلاً على قدرة الفنان المسلم على أن يؤلّف بين الأعمدة الرومانية والتيجان القوطية والفسيفساء البيزنطية في نظامٍ واحد. وتذكر أنّ ثياب بعض ملوك النصارى نُسجت عليها كتاباتٌ كوفية من آياتٍ وأدعية، وأغلب الظنّ أنها حُسبت زخرفاً محضاً (ص ١٠٦١).
ذلك كله تردّه إلى طبيعة الإسلام نفسه، إلى نزعته العالمية وسماحة تصوّراته الدينية وقدرته الفائقة على الاستيعاب والإبداع وميله إلى التجربة. فهي تصل «العلوم العقلية»، وهي العلوم التي مدارها العقل كالفلسفة والحساب والطب، بتصوّرٍ إسلامي للإنسان كائناً عاقلاً لا ينتمي إلى أمةٍ واحدة، وتصل التقنيةَ بقاعدةٍ تقول إنّ الإنسان ينتفع بما في الخلق على وجهٍ يخدم المصلحة العامة. وكانت الثمرة عندها أنّ قرطبة صارت في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، في عهدي عبد الرحمن الناصر والحكم المستنصر، أزهى عواصم الإسلام، وأكثر مدن أوروبا تحضّراً فيما تنقله عن رامون منينديث بيدال (ص ١٠٥٩–١٠٦١).
على أنها لا تقصر الأثر على نقل الكتب والعلوم، فله عندها وجهٌ اجتماعي نشأ من احتكاك الشعوب والثقافات في ظلّ التعايش، أي عيش المسلمين والنصارى واليهود معاً، وهي لا تشكّ في أنه كان قائماً في الأندلس (ص ١٠٦٢). وتختم بتحفّظٍ منهجي على قياس التأثير الثقافي بالإحصاء البارد، كما شاع في زمانها:
«فالتأثير الثقافي في أكثره ليس أمراً كمّياً، بل يتوقّف على استعداد الثقافة المتلقّية لتقبّله وعلى مدى الاتصال بين الطرفين» (ص ١٠٦٢)
فهو عندها لا يُقوَّم إلا من بُعد، بعد أن يمضي عليه زمن.