٣٦. الفكر الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية
تاريخ الفكر الأندلسي عند كروث إرنانديث تاريخُ صيغٍ تعاقبت عليه، لكلٍّ منها أداتها ومصيرها. أولاها صيغةٌ باطنية أقامها ابن مسرّة، والباطنية القول بأنّ للنصّ معنىً خفياً وراء ظاهره لا يبلغه إلا الخاصة، ثم ما يسمّيه «عصر الموسوعات» في النصف الأول من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، ثم الفلسفة بمعناها الدقيق من ابن باجة إلى ابن رشد، ثم «الملاذ» الذي آوى إليه الفكر بعد ابن رشد، وهو التركيب الأفلاطوني المحدث، نسبةً إلى أفلوطين وأتباعه الذين ردّوا الموجودات كلها إلى واحدٍ تفيض عنه مراتب الوجود. وكانت الخصومة بين أمويي قرطبة وعباسيي بغداد قد جعلت الأندلس تتوجّس مما يأتيها من المشرق، فلم يمنع ذلك «مستحدثاته» من الدخول مع الحجّ والتجارة. وقد سبق العلمُ الفلسفةَ إليها في خمس قنوات، هي الفقه، وكان أوزاعياً قبل أن يصير مالكياً، والتصوف، والباطنية وأقدم شواهدها سنة ٢٧١هـ، والاعتزال، وهو مذهب المعتزلة الذين قدّموا العقل في مسائل العقيدة وقالوا بحرية الإرادة، وقد عرفه الطبيب القرطبي فرج بن سلّام في أوائل القرن الثالث، ثم علوم الفلك والرياضيات والطب (ص ٧٧٧).
أقام محمد بن مسرّة (٢٦٩–٣١٩هـ/٨٨٣–٩٣١م)، في رأي المؤلف، أولَ بناءٍ للفكر الأندلسي. ولمّا كان كتاباه «التبصرة» و«الحروف» قد ضاعا، اعتمد المؤلف إعادة البناء التي صنعها آسين بلاثيوس من شهادات صاعد وابن حزم وابن عربي، وتبعه في أنّ المذهب مزيجٌ من أصول المعتزلة في التوحيد والعدل وحرية الإرادة ومن تصوّف ذي النون المصري، صاغه صاحبه صياغةً شخصية. فالذات الإلهية لا تُعرف إلا بالوجد، والكون بيتٌ مكعّب في داخله غرفةٌ بلا باب ولا نافذة هي الذات التي لا منفذ للعقل إليها، وخارجه عمودٌ يستند إليه الإنسان فيكون له برزخاً إلى الاتصال، والمادة الأولى، ورمزها العرش، هي التي تصدر عنها الخلائق (ص ٧٧٨–٧٧٩). ولم يمنع ما أثاره المذهب من ريبةٍ انتشارَه، وإن أفتى الفقيه الزجّالي بإدانته، ثم أمر عبد الرحمن الناصر بتجديد الفتوى بعد موت ابن مسرّة فلوحق أتباعه. وكانوا حلقتين: حلقةً قرطبية من بني البلّوطي لم تحِد عن شيخها، وأخرى بجّانية تزعّمها إسماعيل بن عبد الله الرعيني، فادّعى الإمامة وقبض الزكاة، وتأوّل المذهب تأويلاً «شيوعياً» في الأموال، ونسب إليه ابن حزم استحلال النكاح المؤقت (ص ٧٧٩). ويمدّ المؤلف الخطّ بعد ذلك إلى «مدرسة المريّة»، وعلى رأسها ابن العريف صاحب «محاسن المجالس»، ومن تلاميذه ابن برّجان وابن قسي صاحب «خلع النعلين»، وقد أفاد ابن عربي من هذا الكتاب. ويستدلّ على نفوذها بأنّ فقهاء المريّة، يقودهم البرجي، انفردوا بإنكار ما أمر به ابن حمدين من إحراق كتب الغزالي (ص ٧٨٠). ومحصّل رأيه أنّ المسرّية كانت طريق الأفلاطونية المحدثة إلى التصوف الأندلسي حتى ابن عربي، ولم تنفذ إلى الموسوعيين ولا إلى الفلاسفة؛ فقد رفضها ابن حزم وهو أعلم الناس بها، وجهلها الفلاسفة. أمّا ما رآه آسين من صلةٍ بين ابن مسرّة ورامون لول فيخالفه فيه، ويعدّه مصادفاتٍ لا وزن لها، مصدرها أوساط التصوف الشعبي في القرن السابع (ص ٧٨٠).
«عصر الموسوعات» صيغةٌ ثانية بعيدة عن الباطن، يعسر إدراجها في أبواب الفكر الإسلامي المعهودة، وأعلامها ابن حزم وصاعد وابن السيد البطليوسي (ص ٧٨٠). وكان لابن حزم إلمامٌ غير قليل بالفلسفة القديمة، فهو يمدح المنطق لأنّ عليه تقوم شروط البرهان، ويعدّد علوم الأوائل بمراتبها ومنافعها، فالحساب والطبّ نافعان في هذه الدنيا وحدها، والفلك سبيلٌ إلى معرفة حكمة الخالق، ويعيب على الفقهاء ترديد النصوص بلا فهم وتحريمَ الجدل، ويحدّ الفلسفة بأنها إصلاح النفس في سيرتها وفي المنزل والمدينة، أي في الأخلاق وتدبير المنزل وسياسة المدينة (ص ٧٨١–٧٨٣). وفي «الأخلاق والسير» يجمع الاعتدالَ الأرسطي إلى طمأنينة الرواقيين، ثم يليّن هذه الصرامة في «طوق الحمامة». وكان أمويّ الهوى، غير أنّ تجربة الفتنة حملته على قبول شرعية الأمر الواقع (ص ٧٨٣–٧٨٤). أمّا صاعد فيقرّر في «طبقات الأمم» أنه لم يشتغل أحدٌ من الأندلسيين بالطبيعيات والإلهيات بجدٍّ إلى زمانه، وينسب إلى الكرماني إدخال «رسائل إخوان الصفا» (ص ٧٨٤). وابن السيد، وقد تكوّن على «الرسائل»، أولُ أندلسي يذكر الفارابي (ص ٧٨٤–٧٨٥). وأقدم كتاب أندلسي في المنطق «تقويم الذهن» لأبي الصلت أمية الداني، وقد تجنّب صاحبه لفظ «المنطق» في عنوانه لأنّ المالكية كرهوه، وليس فيه جديدٌ على الكتب المشرقية سوى اثني عشر جدولاً للأقيسة (ص ٧٨٥).
الصيغة الثالثة هي الفلسفة بمعناها الدقيق، ويجعل المؤلف مسألتي المعرفة والمدينة الخيطَ الذي ينتظم أعلامها. ففي قلب فلسفة ابن باجة المعرفة، يبدأ العقل عنده من الصور المحسوسة وينتهي بالاتصال بالعقل الفعّال، وهو عند الفلاسفة عقلٌ مفارقٌ للمادة يُخرج عقل الإنسان من القوة إلى الفعل. فالعامة كأهل كهف أفلاطون، والخاصة على بابه، والحكماء وحدهم يبصرون الشمس. ويردّ المؤلف مراتب العقل عنده إلى اثنتين، عقلٍ نظري كائن فاسد، أي يحدث ويفنى، فردي، وعقلٍ فاعل أزلي كلّي، والحياة الإنسانية سعيٌ إلى الجمع بينهما (ص ٧٨٦–٧٨٧). وأخذ ابن باجة عن الفارابي فكرة المدينة الفاضلة، لكنه لم يعد يرجو قيامها قريباً، فكتب «تدبير المتوحّد» للقلائل الذين يعيشون في مدينةٍ ناقصة ولا يفسدون بفسادها، وسمّاهم «النوابت»، تشبيهاً بالنبت الذي يطلع بين الزرع من غير أن يُزرع (ص ٧٨٧–٧٨٨). وما أضافه إلى الفارابي هو مثال الحياة النظرية وموقع الحكيم من المدينة الناقصة. وكان بعد الفارابي المصدرَ الفلسفي الأول لموسى بن ميمون، ومن طريقه غالباً أفاد منه توما الأكويني. أمّا ابن رشد فتحفّظ في الأخذ عنه، وفي بعض ما تأوّله من كلامه خطأٌ صريح في رأي المؤلف (ص ٧٨٨).
قدّم ابن طفيلٍ ابنَ رشد إلى البلاط الموحّدي، وهو أول أندلسي عرف ابن سينا، فقرأ «الشفاء» ومقدمة «منطق المشرقيين» وقصصه الرمزية، وأخذ منها أسماء أبطاله دون حكاياتها. وهو من الشهود على كتابٍ لابن سينا في «الحكمة المشرقية» يصرّح فيه بأنّ الحقّ الصُّراح غير ما في «الشفاء» (ص ٧٨٩). ويفسّر المؤلف اختياره الكتابةَ الرمزية بأمرين، سياسةِ الموحّدين في إلزام العامة بظاهر الدين وترك الحرية للخاصة ما لم يذيعوا ما عندهم، وتقليدِ الباطنية الفلسفية. وخلاصة القصة عنده أنّ الوفاق قائمٌ بين العقل وروح الوحي، وليس بين الوحي ودين العامة (ص ٧٨٩–٧٩٠). فابن طفيل امتدادٌ متأخّر لابن سينا، وطريقٌ ثالث بين إشراقية السهروردي، وهي حكمةٌ تجعل المعرفة نوراً يشرق على النفس، وأرسطية المدرسيين اللاتين، أي علماء اللاهوت والفلسفة في مدارس أوروبا وجامعاتها في العصر الوسيط. ولم يتبعه ابن رشد إلا في علاقة الحقيقة العقلية بالحقيقة المنزلة. ولم يعرفه اللاتين في العصر الوسيط، وإنما ذاع بعد نشرة بوكوك اللاتينية (١٦٧١م) (ص ٧٩١).
يجعل المؤلف ابن رشد ذروة الفكر الأندلسي، بل ذروة الفلسفة الإسلامية كلها، ويبدأ بتصحيح أمرين من المتداول عنه. فمن مئة وخمسة وعشرين عنواناً تُنسب إليه لا يصحّ إلا ثلاثة وثمانون، ولم يشرح أرسطو ثلاث مرات كما يقال، فـ«الشروح الصغرى» جوامعُ حرّة، أي عروضٌ موجزة لا تتقيّد بلفظ أرسطو، و«الوسطى» تلاخيصُ تعيد صوغ كلامه، والشروح بالمعنى الدقيق، وهي التي تسوق نصّ أرسطو فقرةً فقرة ثم تفسّره، خمسة لا غير (ص ٧٩٢–٧٩٣). ويقيم المؤلف فكره على قطيعةٍ واعية مع التركيب الأفلاطوني المحدث الذي بناه ابن سينا، لأنه في رأي ابن رشد يخون طريقة أرسطو ويقرؤه بمسلّمات المتكلمين، ثم على الاعتماد على المشاهدة الطبيعية، ثم على الإقرار بمستويين للحكمة، دينيٍّ وعلمي (ص ٧٩٣–٧٩٤). ويستبعد أن يكون هذا الإقرار بذرةً لما عُرف بالقول بالحقيقتين، أي أن تصدق القضية في الفلسفة وتكذب في الدين:
«لكنّ الوحدة الصورية لفكر ابن رشد لم تنكسر قطّ.» (ص ٧٩٤)
فالكون ذو بنية عقلية، ومبدأ السببية قائمٌ على تكرار التجربة وليس مسلّمةً، والحكمة والشريعة تُظهران قانوناً واحداً سنّه الله. وعلى المستويين يوزّع ابن رشد كتبه، فللأول «تهافت التهافت» و«فصل المقال» و«الكشف عن مناهج الأدلة» و«الضميمة»، وللثاني الشروح الأرسطية (ص ٧٩٤–٧٩٥). وفي مسألة العقل يقرّر المؤلف أنّ العقل الهيولاني عند ابن رشد، وهو قابلية الإنسان لتلقّي المعقولات، سُمّي بذلك تشبيهاً بالهيولى التي تقبل الصور، واحدٌ للنوع الإنساني كله، وأنّ الخاصّ بكل فرد عقلُه الممكن. وقد فهم اللاتين من ذلك إنكار خلود النفس الفردية، مع أنّ ابن رشد نفى هذا المعنى مراراً، وإنما أراد أنّ عقول الناس تعمل على نحوٍ واحد (ص ٧٩٥). وفي «تلخيص الجمهورية»، على ما يقرؤه كروث إرنانديث، لم تتحقّق الأمة المثالية حتى في عهد النبي ﷺ والراشدين، وما جاء بعدهم دولٌ انحدرت إلى حكم الأغنياء ثم إلى الطغيان، ويعدّ منها الأموية والمرابطية، بل الموحّدية التي عاش في ظلّها. على أنه أقلّ تشاؤماً من ابن باجة وابن طفيل، فهو يرجو الإصلاح إن حكم الحكماء أو استشارهم الملوك (ص ٧٩٦). وأثره في اللاتين ذو وجهين، فقد أخذ عنه توما الأكويني طريقة الشرح الحرفي، وحوّل ما كان عنده توازياً بين الفلسفة والوحي إلى وفاقٍ بين العقل والإيمان، ومضى الرشديون من اللاتين إلى القول بوحدة العقل وإلى فلسفةٍ مستقلة عن اللاهوت. أمّا في العالم الإسلامي فانطفأ ذكره من القرن الثامن حتى ترجم فرح أنطون بعض ما كتبه عنه رينان، وكان رينان قد أعاده إلى تاريخ الفلسفة في الغرب بكتابه (١٨٥٢م) (ص ٧٩٦–٧٩٧).
ثم اختفت الفلسفة من الغرب الإسلامي كله بعد ابن رشد، ويردّ المؤلف ذلك إلى الأوضاع الفقهية والسياسية، وإلى طبيعة الفلسفة النقدية التي لم يهضمها المجتمع السنّي منذ القرن السابع. وشاهده أنّ ابن طملوس، تلميذ ابن رشد، لم يذكر اسم أستاذه في «المدخل لصناعة المنطق» (ص ٧٩٧–٧٩٨). ومن هنا جاءت فكرة «الملاذ»، ومؤدّاها أنّ ابن عربي وابن سبعين وابن الخطيب يستندون كلهم إلى التركيب الأفلاطوني المحدث. فابن سبعين، صاحب الأجوبة عن مسائل فريدريك الثاني الصقلية، أقرب إلى السهروردي منه إلى ابن سينا وإن احتجّ بـ«الحكمة المشرقية». و«روضة التعريف بالحبّ الشريف» لابن الخطيب، وهو الكتاب الذي اتُّخذ ذريعةً لقتله بفاس وإن كانت الأسباب سياسية، شجرةٌ للحبّ ثمرها الاتصال، يرى المؤلف فيها دَيناً لابن عربي يخفيه ابن الخطيب، ونصَّين لابن سينا لا غير، وكثرةً من ألفاظ الشيعة كالنور المحمّدي (ص ٧٩٨–٧٩٩).
يختم المؤلف مقالته بابن خلدون، فيعدّد أحد عشر مبدأً استخرجها ابن خلدون من الوقائع، من تأسيس التاريخ على العمران، أي على أحوال الاجتماع البشري، إلى تعليل الحوادث بأسباب طبيعية وتقديم الجماعة على الفرد. ويرى أنه صار، دون قصدٍ منه، المؤسّسَ البعيد لعلم الاجتماع الوضعي ولفلسفة التاريخ، ويرجّح أنه أفاد من «تلخيص الجمهورية» دون أن يسمّيه، ربما عن شيخه الآبلي (ص ٨٠٠–٨٠١). ويعرض العصبية، وهي رابطة النسب والولاء التي تشدّ الجماعة، وأجيالها الأربعة، وردَّ ابن خلدون على قول ابن رشد إنّ الحسب طولُ المقام في المدينة (ص ٨٠١). ثم يحدّ من الإعجاب به. فليس ابن خلدون رائد التاريخ الوضعي، لأنه لم يطبّق منهج «المقدمة» على سائر «العبر»، وليس سلفاً لهيغل وكونت والمادية التاريخية، فتجربته محصورة في عرب المغرب وبربره. ويوافق طه حسين في أنه لم ينتفع بإقامته في القاهرة ليخفّف تشاؤمه من الحضارة المدنية. وأشدّ ما يأخذه عليه حكمُه على الأندلس، فقد جعلها تُفسد العرب والبربر وتذهب بعصبيتهم، وكان ابن رشد قد رآها تهذّبهم:
«إنّ نقده لحضارة الأندلس المدنية والزراعية والصناعية والتجارية، وسكوته عن مصر، موقفٌ مسبَق لا استنباطٌ اجتماعي.» (ص ٨٠٢)
٣٧. فلسفة ابن رشد: تطوّر مسألة العقل في مؤلفاته من الفحص الفيلولوجي إلى التحليل الفلسفي
مسألة العقل وحدها موضوع مقالة العلوي، يختبر بها طريقةً في قراءة المتن الرشدي كان قد رسم خطوطها في كتابه «المتن الرشدي: مدخل لقراءة جديدة» (الدار البيضاء، ١٩٨٦م). وأصل المقالة مراجعةٌ نقدية لكتاب محمد المصباحي «إشكالية العقل عند ابن رشد» (ص ٨٠٤–٨٠٥، ٨٢٦). ويضع المسألة في حجمها قبل أن يدرسها، فشهرتها آتيةٌ من تاريخها اللاتيني، أي من الرشدية التي قامت في أوروبا الوسيطة على كتب ابن رشد المترجمة، ولا ينبغي أن تُختزل فيها الرشدية ولا أن تُتّخذ معياراً لمقارنة فلسفة ابن رشد بغيرها.
«لا ريب في أنّ مسألة العقل كانت سمةً مركزية في الرشدية اللاتينية، وإن لم تكن أهمّ سماتها، لكنها لم تكن عنصراً أساسياً في كتابات ابن رشد العربية الأصلية ولا في السياق التاريخي الذي عاش فيه.» (ص ٨٠٥)
دعواه المنهجية أنّ أكثر ما يُكتب اليوم في فلسفة ابن رشد سابقٌ لأوانه، لأنّ أصحابه يأخذون بـ«النظر التركيبي» فيبحثون في عمق فلسفته ومقاصده، والنصوص نفسها لم تُقَم بعد، أي لم تُحقَّق تحقيقاً يُطمأنّ إليه (ص ٨٠٥). فالشرح الكبير لكتاب النفس، وهو عماد نظريته في العقل، ضائعٌ في العربية لا يُقرأ إلا في ترجمته اللاتينية، وما بقي بالعربية من كتبه في النفس مخطوطاتٌ لم تُحقَّق على أصولها، ونشراتها أقرب إلى تضليل القارئ منها إلى هدايته. لذلك يقدّم عمل الفيلولوجي، أي محقّق النصوص الذي يجمع النسخ ويميّز الرواية الأولى من الزيادات اللاحقة، على عمل مؤرخ الفلسفة (ص ٨٠٥–٨٠٦، ٨٢٦–٨٢٧).
عمدة الدليل عنده «مختصر كتاب النفس». له ست نسخ خطية معروفة، اثنتان بالقاهرة وواحدة في كلٍّ من مدريد وطهران ومكتبة تشستر بيتي وحيدر آباد، وله ثلاث نشرات: «رسائل ابن رشد» (حيدر آباد، ١٩٤٧م)، ونشرة أحمد فؤاد الأهواني (القاهرة، ١٩٥٠م) التي سمّته «تلخيص كتاب النفس»، ونشرة سلفادور غوميث نوغاليس (مدريد، ١٩٨٥م). وكلها رديئة، وأسوؤها منهجاً نشرة الأهواني، لأنها لفّقت نصاً واحداً من نسختي القاهرة ومدريد، وبينهما من الخلاف ما يوجب إفراد كلٍّ منهما (ص ٨٠٧–٨٠٨، ٨٢٧). وهنا يصحّح العلوي رأيه السابق في «المتن الرشدي»، فيقرّر أنّ هذا المختصر ليس من جنس المختصرات التي كتبها ابن رشد قبل أن ينظر في أرسطو، لأنه لا يجري على ترتيب كتاب النفس ولا يقصد إلى التلخيص، بل يقصد إلى الدفاع عن موقفٍ في العقل، فهو أقرب إلى الجوامع، وشاذٌّ بين الشروح الرشدية كلها (ص ٨٠٦–٨٠٧).
يبني العلوي مقالته على نتيجةٍ واحدة، هي أنّ للمختصر روايتين، أولى متماسكة تمثّلها نسخة القاهرة وأخواتها، وثانية تحملها نسخة مدريد وفيها زياداتٌ تُربك المعنى حتى يستغلق في مواضع، ولعلّ نسخة حيدر آباد حلقةٌ بينهما (ص ٨٠٨–٨٠٩، ٨٢٧). في الأولى يشبّه ابن رشد استعدادَ القوة الخيالية، وهي التي تحفظ صور المحسوسات بعد غيابها، لقبول المعقولات باللوح المستعدّ للكتابة، والنفسُ الموضوعة لهذا الاستعداد هي اللوح. وفيها تلخيصٌ لـ«رسالة الاتصال» لابن باجة يبدو مؤيداً لها. وهذا كله باجّيّ خالص، وإن لم يُسمِّ ابن رشد ابنَ باجة في هذه الرواية مرةً واحدة (ص ٨٠٩–٨١٠، ٨١٦، ٨٢٨). أمّا في الثانية فيحلّ محلّ ذلك التلخيص تعقيبٌ صريح يقرّ فيه ابن رشد بأنّ رأيه الأول في العقل الهيولاني كان خطأً، ويحيل على الشرح الكبير، ويُفهم منه أنّ ابن باجة هو الذي أوقعه فيه. فيصير العقل الهيولاني جوهراً هو بالقوة جميع المعقولات وليس بالفعل شيئاً، بعد أن كان استعداداً في الصور الخيالية، وتتعلّق المعقولات النظرية بموضوعين، أزليٍّ هو العقل الهيولاني، وفاسدٍ هو الصور الخيالية، وكانت في الرواية الأولى هيولانيةً كائنة فاسدة متكثّرة (ص ٨١٠–٨١١). والعلوي لا يأخذ بتصريح ابن رشد في نسخة مدريد بأنه لم يحذف شيئاً مما كتبه أولاً في العقل الهيولاني، فالتعديلات عنده واقعةٌ بلا شكّ، ولعلّ ابن رشد لم ينبّه عليها لأنه أدخلها بعد تأليف الكتاب بزمن طويل (ص ٨٠٨). والتعقيب معروفٌ عند الدارسين، غير أنهم لم يستخرجوا منه أنّ ابن رشد تبنّى رأي ابن باجة ثم عدل عنه، ولا أنّ تغيير عنصرٍ واحد في بنائه المحكم في علم النفس يعني إعادة صياغة البناء كله (ص ٨١٠).
التحليل نفسه يجريه العلوي على «تلخيص كتاب النفس»، الباقي بالعربية بحروف عبرية في نسختين بباريس ومودينا، ولم يكن قد نُشر بعد (ص ٨١٢، ٨٢٧–٨٢٨). والنسختان متقاربتان، لكنّ إحداهما تمثّل روايةً أولى والأخرى تحمل زياداتٍ لاحقة، يعيّن العلوي مواضعها بأوراق نسخة باريس (١١٤و، ١٤١ظ، ١٤٤و، ١٤٧و، ١٤٨و)، والواو وجه الورقة والظاء ظهرها، ويستدلّ على أنها كُتبت في أوقات مختلفة، بعضها قبل إتمام الشرح الكبير وبعضها بعده (ص ٨١٢–٨١٣، ٨٢٨). ففي الرواية الأولى يميل ابن رشد إلى الإسكندر الأفروديسي، أحد شرّاح أرسطو اليونانيين، فيجعل العقل الهيولاني استعداداً محضاً لا شيء فيه، كالاستعداد الذي في سطح اللوح ولا يخالط اللوح. وفي الزيادات يجعله أول مرة جوهراً مفارقاً قائماً بنفسه، ويقول بـمذهب الجمع بين الإسكندر وثامسطيوس، وهو شارحٌ يوناني آخر، فالعقل الهيولاني مركّبٌ من الاستعداد الذي في الإنسان ومن اتصاله بجوهرٍ مفارق هو العقل الفعّال (ص ٨١٣، ٨١٩–٨٢٠). ويرى العلوي أنّ هذا الجمع لم يكن جمعاً حقيقياً، وأنّ ابن رشد تبيّن فساده فتركه ولم يذكره في الشرح الكبير، وأنّ معنى «الاستعداد الذي في الإنسان» بقي مبهماً لا يُدرى أعقلٌ هو أم نفس (ص ٨٢٠–٨٢١). وفي هذا يخالف ألفرد إيفري، محقّق التلخيص، وقد قال إنّ التلخيص ينسخ آراء الشرح الكبير، أي يأتي بعده فيعدل عنها؛ فالعلوي يرى العكس، ويجعل المختصر والتلخيص بجميع رواياتهما آراءً أولى نسخها الشرح الكبير (ص ٨١٤، ٨٢٨).
فلمسألة العقل عند ابن رشد مرحلتان يفصل بينهما جسرٌ ضعيف: مرحلة «ابن رشد الباجّي الإسكندري» في الروايتين الأوليين للمختصر والتلخيص، يوم كان يرى أرسطو بعيون الشرّاح ويسمعه بآذانهم، ومرحلة «ابن رشد الرشدي» في الشرح الكبير، وهي ثمرة أكثر من ثلاثين سنة من النظر (ص ٨١٤–٨١٥، ٨٢١). وهناك نظيرٌ من المنطق يستأنس به العلوي، ففي شرحه المتأخر على «البرهان» شدّد ابن رشد النكير على الفارابي في آراءٍ كان هو نفسه قد قال بها في «مختصر البرهان» (ص ٨٢١–٨٢٢).
أمّا الشرح الكبير فيقرؤه العلوي في ترجمةٍ فرنسية صنعها آلان غريفاتون عن اللاتينية بمعونة المصباحي، ونُشرت في مجلة كلية الآداب بفاس (١٩٨١–١٩٨٣م)، وفي قطعٍ منه على حواشي نسخة مودينا من التلخيص (ص ٨٢٢، ٨٢٨). وفيه يصير العقل الهيولاني من جنس القوى المنفعلة، غير أنه ليس جسماً ولا قوةً في جسم، بل جوهرٌ بسيط مفارق يقبل الصور كلها وليس هو شيئاً منها، أزليٌّ واحدٌ للنوع الإنساني، وهو أدنى العقول المفارقة مرتبة (ص ٨٢٢–٨٢٤). وينقض ابن رشد فيه تشبيه الإسكندر العقلَ بالاستعداد الذي في اللوح دون اللوح المستعدّ، لأنّ معرفة الاستعداد تتوقف على معرفة الشيء المستعدّ، فيطرح بذلك رأيه هو في التلخيص والمختصر معاً (ص ٨٢٣، ٨٢٩). وينقد ثامسطيوس في قوله بأزلية العقل النظري، لأنه أغفل دور الصور الخيالية في التعقّل (ص ٨٢٤). ثم يخرج بحلّه الذي اعتدّ به، وهو أنّ للمعقولات النظرية موضوعين، الصورَ الخيالية التي بها تكون كائنةً فاسدة، والعقلَ الهيولاني الذي به تكون أزلية، فهي كائنةٌ فاسدة من وجه، أزليةٌ من وجه، وقد لخّص ذلك في مقالة اللام من «تفسير ما بعد الطبيعة» (ص ٨٢٥–٨٢٦، ٨٢٩).
في آخر المقالة أسئلةٌ يتركها العلوي بلا جواب: أكان هذا التطوّر ثمرة قراءاتٍ متعاقبة للنص الأرسطي، أم فضولاً فلسفياً يطلب ما وراء النص؟ وهل يصحّ الكلام على تطوّرٍ في فلسفةٍ قوامها الشرح؟ وقصارى ما يقرّره أنّ إنكار الخلاف الثابت بين روايات المختصر والتلخيص عنادٌ محض، وأنّ الوعي بهذا التطوّر يوجب قراءة المتن الرشدي على ترتيبه الزمني (ص ٨٢٦).
٣٨. ابن طفيل و«حيّ بن يقظان»: منعطفٌ في الكتابة الفلسفية العربية
«حيّ بن يقظان» في نظر بورغل عملٌ فريد في الأدب العربي الوسيط كله، لا في الأندلس وحدها. فالقصّ العربي قبله كان شعبياً أو دخيلاً أو الأمرين معاً: «كليلة ودمنة» و«بلوهر وبوذاسف» هنديّا الأصل، وقصة الحيوان والإنسان في «رسائل إخوان الصفا» فارسية المنبت، وحكايات «ألف ليلة» عُدّت خرافاتٍ لا تدخل في الأدب، ورمزيات ابن سينا والسهروردي قصيرةٌ حالمة، والمقامة أخبارٌ موسّعة تدور على بطلٍ محتال (ص ٨٣٠–٨٣١). وقصة ابن طفيل تفارق ذلك كله بطولها وإحكام بنائها وواقعيتها وعروبة أصلها، ثم هي وثيقةٌ على الصراع بين الفلسفة والتسنّن الرسمي، أي مذهب أهل السنّة كما يقرّه الفقهاء والسلطة، وعلى الصلة الملتبسة بين الفلسفة والتصوف (ص ٨٣١).
يقوم البناء عنده على سباعيتين. فنموّ حيّ ينقسم سبعة أسابيع من السنين، في كلٍّ منها سبع سنوات، لما للعدد من دلالةٍ كونية ودينية، فيبلغ حيّ الخمسين حين يطرأ عليه أسال. ثم تضيف رؤيا الأفلاك في ذروة القصة إلى هذا البعد الأفقي بعداً عمودياً من سبع كرات، وتتضاعف السبعة في الكائن الذي تحت فلك القمر بوجوهه السبعين ألفاً (ص ٨٣١، ٨٤٢). ويوافق بورغل لين غودمان في أنّ نموّ حيّ يعيد تاريخ النوع الإنساني، فحيٌّ رمزٌ للإنسان وليس فرداً بعينه، ثم يستدرك بأنّ القصة لا تخلو من تفصيلٍ واقعي (ص ٨٣١). ويخالف فدوى مالطي دوغلاس، وقد رأت الجزيرة «يوتوبيا ذكورية»، أي مدينةً مثالية يُلغى فيها الأنثوي، فالظبية، وهي الكائن الأنثوي الوحيد في القصة، هي التي أبقت حيّاً على قيد الحياة، وبتشريح قلبها بعد موتها اهتدى إلى فكرة النفس (ص ٨٣٢). ويلتقط إشاراتٍ قرآنية يرى فيها دلالةً على أنّ حيّاً وُلد بقوى نبيّ: التابوت الذي أُلقي فيه كما أُلقي موسى عليه السلام، والغراب الذي علّمه الدفن كما علّم ابنَ آدم. ويلاحظ أنّ ابن طفيل قرن آية ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، وهي عمدة الأشاعرة في الجبر، أي في أنّ الله تعالى خالق أفعال العباد، بحديث «كنت سمعه الذي يسمع به» المتداول في أوساط الصوفية، كأنه يرضي الفريقين (ص ٨٣٢–٨٣٣).
وجهُ الصراع مع التسنّن أنّ ابن طفيل يدافع، دون أن يصرّح، عن أشدّ مقالات الفلاسفة إثارةً للخلاف، وهي أنّ العقل يبلغ معرفة الله والكمالَ بلا نبي ولا كتاب، وأنّ الدين تمثيلٌ للحقيقة الفلسفية، على نحو ما قال الفارابي في «كتاب الحروف» (ص ٨٣٤–٨٣٥). ويحرص مع ذلك على أن يُهدّئ هؤلاء القرّاء، فجواب حيّ في قدم العالم وحدوثه بين بين، يريد التوفيق بين القولين، وإن كان أهل السنّة، فيما يُظنّ، لا يكادون يقبلونه جواباً شافياً، والآيات مبثوثةٌ في النص. لكنّ جماعة الجزيرة الأخرى، وإن لم يسمِّ دينها، تصلّي وتزكّي وتصوم وتحجّ، فهي صورة المجتمع المسلم، ونقدُ حيّ لها هو في قراءة بورغل نقدُ ابن طفيل لظاهر الإسلام (ص ٨٣٥). ويرى بورغل في لقاء حيّ وأسال مشهداً رمزياً للقاء العقل بالنقل، أي بالنصوص المنقولة من الكتاب والسنّة، ويرى أنّ أسالاً حين لقي فيلسوفاً انحلّت له مشكلاته الدينية كلها بالتأويل، أي بصرف اللفظ عن ظاهره إلى معنىً يحتمله، وهي عقدةٌ لا تخفى على القارئ المتشدّد (ص ٨٣٥–٨٣٦). ويقرأ تعجّب حيّ من أمرين، من أنّ رسول تلك الملّة ضرب للناس الأمثال ولم يصرّح، ومن أنه أباح اقتناء المال، نقداً للتشبيه، أي تصوير الله تعالى بصفات المخلوقين، وللتشريع المالي. ويلمح سخريةً خفية في التزام حيّ الزكاة والحج في جزيرةٍ لا مال فيها ولا بيت (ص ٨٣٧). ثم يأتي الحكم على أهل الجزيرة بآيةٍ نزلت في الكفار، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، ويرجع حيّ عن مقالته ويعتذر إليهم على نحوٍ يكاد يكون ساخراً، وقد شبّه غودمان هذا الرجوع بكتمان المرء عقيدته في الدول الشيوعية (ص ٨٣٧–٨٣٨).
غير أنّ بورغل يحذّر من المبالغة في اتهام ابن طفيل بالزندقة المستترة، أي بإظهار الإسلام وإبطان الكفر. فقد كان له راعٍ واسع الصدر هو أبو يعقوب يوسف، يحاوره في قدم العالم، وخبرُ المجلس الذي تهيّب فيه ابن رشد سؤال السلطان عن السماء، أقديمةٌ هي أم حادثة، معروف. على أنّ بورغل يرى أنّ وصف عبد الواحد المراكشي لابن طفيل بالحرص على الجمع بين الشريعة والحكمة قد يكون تزكيةً له عند أهل السنّة (ص ٨٣٨–٨٣٩). والأهمّ أنّ ابن طفيل نفسه يجعل للشريعة مستويين، مستوى العزلة ومستوى الجماعة، فيأخذ أسال بالباطن والتأويل، ويلزم سلامان الظاهر (ص ٨٣٩).
ثم ينقل ابن طفيل الفلسفة الأرسطية العربية، وقد شابتها الأفلاطونية المحدثة منذ «أثولوجيا أرسطوطاليس» المنحول على أرسطو، من الاتصال بالعقل الفعّال عند الفارابي وابن باجة إلى تصوّفٍ فلسفي (ص ٨٤٠). وفي هذا الباب يخالف بورغل الشائعَ في أمرين. فـ«الحكمة المشرقية» التي يذكرها ابن طفيل يرجّح أنها قصص ابن سينا الرمزية لا كتابه الفلسفي الضائع، وابن طفيل لا يبدو أنه عرف هذه القصص مباشرة، لأنّ أبطاله لا يشبهون سميّيهم فيها؛ ويرى أنه غيّر اسم «أبسال» السينوي إلى «أسال» عن قصد (ص ٨٤٠، ٨٤٤). ويتوقف عند وصف ابن طفيل ما شاهده حيّ بأنه «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»، فيعدّه نصاً من الكتاب المقدس (رسالة كورنثوس الأولى)، ويرجّح أنّ ابن طفيل أراد أن يُعرف مصدره، لأنه لم يقدّمه حديثاً قدسياً، والحديث القدسي ما يرويه النبي ﷺ عن ربّه عزّ وجلّ بغير لفظ القرآن (ص ٨٤١). والحاسم عنده أنّ حيّاً يبلغ في الوجد الاتحاد، فيخطر له أنه لا ذات له تغاير ذات الحقّ، وهذا ما لم يقل به أحدٌ من الأرسطيين العرب، ولا تبلغه رمزيات ابن سينا التي تنتهي بمشاهدة الجمال، وهو أقرب إلى وحدة الوجود عند ابن عربي، أي القول بأنه لا وجود على الحقيقة إلا وجود الحقّ (ص ٨٤٢–٨٤٣). فإن كان ابن رشد قمّة الأرسطية العربية، فابن طفيل محورٌ يصلها بالتصوف (ص ٨٣٩–٨٤٠)، وقد أدرك قبل غيره أنّ الأفق قد انسدّ أمام الفلسفة:
«يبدو أنه توقّع أنّ السبيل الوحيد إلى تجاوز الشريعة بنجاح في بيئةٍ إسلامية هو التصوف لا الفلسفة.» (ص ٨٤٣)
شاهدُ بورغل على ذلك أنّ راعي ابن رشد نزل عند رغبة الفقهاء فأبعده عن البلاط وحظر قراءة كتب الفلسفة، ويردّ هذا إلى ضغط حروب الاسترداد المقتربة، وهي حروب الممالك النصرانية لاستعادة شبه الجزيرة، ثم علا من بعدُ إشراقُ السهروردي ووحدة الوجود عند ابن عربي (ص ٨٣٩، ٨٤٣).
٣٩. علماء الأندلس
العلم في الإسلام عند أورفوا معرفةٌ منقولة قبل كل شيء، فهو نقلُ الوحي، ونقلُ أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريره، أي ما رآه فأقرّه ولم ينكره، ونقلُ ما بناه الأئمة الكبار عليهما. ويرى أنّ عناصر الأندلس كلها التقت على هذا الوجه التقليدي. فالكنيسة القوطية كانت قد ربّت أهلها على دينٍ قوامه الكتاب المقدس والطقوس وسلطة آباء الكنيسة، واليهود لم يكونوا قد انفتحوا بعدُ على النظر، بل زادهم الفتح ارتباطاً بمراكز التلمود في العراق. فلمّا أسلم هؤلاء غلّبوا العنصر التقليدي في الإسلام نفسه. ومن هنا ذلك الطابع «المحافظ عن عمد، بل المُغرِق في القِدَم» الذي عدّه ليفي بروفنسال سمةَ الإسلام الأندلسي، وإن قيّد أورفوا «عن عمد» بأنه حصيلةٌ جماعية وليس اختياراً مقصوداً. ويضيف عاملين، تفتّتَ البلاد جغرافياً، وغلبةَ الحضر على قاعدتها الاجتماعية خلافاً للمغرب القبلي؛ فكانت الشريعة تكاد تكون القوة الوحيدة التي تجمع أهل البلاد، من نصارى ويهود إلى الفاتحين من عرب وبربر (ص ٨٤٩).
على هذا يبني أطروحته كلها، وهي أنّ في المالكية الأندلسية وجهين متجاذبين. أولهما الولاء لتقليد المدينة، أي لعمل أهل المدينة المنوّرة الذي جعله مالك حجّة، وهو عنده يمنح أهل ثغرٍ قاصٍ لا عهد لهم بالنظر الفقهي بنيةً اجتماعية جاهزة، ويقابل تشتّتَ الأطراف بنظرةٍ تشدّها إلى المركز. والثاني، وقد أُهمل كثيراً في الدرس، سلطةُ رأي الأئمة الكبار كمالك وسحنون، فقد صار رأيُهم مادةً تُحفظ وتُنقل، وحلّ «الاستصلاح» محلّ «الاستحسان» الحنفي. والاستحسان أن يعدل الفقيه عن القياس إلى حكمٍ يراه أقوى، والاستصلاح أن يبني الحكم على المصلحة حيث لا نصّ، والتقدير في الحالين تقديرُ فرد (ص ٨٥٠–٨٥١).
«ومن اختلاف السبل إلى التوفيق بين هذين العاملين، الاندماج الجماعي والسلطة الفردية، أو إلى المقابلة بينهما، ينبثق تاريخ نشاط علماء الأندلس» (ص ٨٥١)
مادّته كتب الطبقات، أي الكتب التي تترجم للعلماء جيلاً بعد جيل، يقرؤها قراءةً كمّية، لأنّ تراجمها نمطيةٌ تصلح للعدّ، ولأنها تحمل ذاكرةً جماعية تتجاوز منظور مصنّفيها. وهي متجانسة يصل بعضها بعضاً: «تاريخ علماء الأندلس» لابن الفرضي، ثم «الصلة» لابن بشكوال، ثم «التكملة لكتاب الصلة» لابن الأبّار، ثم «صلة الصلة» لابن الزبير، ثم «الذيل والتكملة» لعبد الملك المراكشي. وأصحابها محدّثون قبل كل شيء، ولذلك يرد فيها ابن رشد فقيهاً لا فيلسوفاً، ويدخلها صاحب الحساب لأنه يخدم علم الفرائض، أي قسمة المواريث، ويغيب عنها ابن باجة وابن طفيل لأنّ المترجِم لم يجد سبيلاً إلى إدخالهما في منظورٍ ديني (ص ٨٥١–٨٥٢).
تبدأ القصة عنده بالقاضي مهدي بن مسلم (١٢١هـ/٧٣٨م)، الذي جمع إلى الكتاب والسنة رأيَه ورأيَ غيره، ثم بمعاوية بن صالح (١٢٣هـ/٧٤٠م)، صاحب الحديث والقياس البدائي، وقد أُطري في المشرق ولِيمَ في المغرب. ثم غلب مذهب الأوزاعي على يد صعصعة بن سلّام، وهو مذهبٌ يتمسّك بالحديث وعمل الصحابة ويعتني بمسائل الحرب، فلمّا استقرّ السلم تراجع (ص ٨٤٩–٨٥٠). ثم اعتمد هشام بن عبد الرحمن وابنه الحكم بن هشام الرَّبَضي المالكيةَ مذهباً رسمياً، ونشرها تلاميذ مالك، كيحيى بن يحيى الليثي، فنشأت في ثلاثين سنة طبقةٌ تحتسب على الأمير وعلى العامة معاً، أي تأمرهما بالمعروف وتنهاهما عن المنكر، وضيّقت على أهل الذمة، وهم اليهود والنصارى المقيمون في عهد المسلمين وذمّتهم، حتى دفعت اليائسين منهم إلى ما عُرف بحادثة «شهداء قرطبة» في أواسط القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي. ويصف أورفوا هذه المالكية الأولى بالتخلّف، ففروعها، أي مسائل الأحكام الجزئية، منقولةٌ بلا حديث، وتقليدها مكرور مع تحريم الاجتهاد، وتعظيمها لمالك غلبت فيه المناقب على العلم، وأقدم شواهده كتابٌ في فضائله لعبد الملك بن حبيب (ت ٢٣٨هـ/٨٥٢م). ويستشهد بقول القاضي عياض إنّ الليثي وابن حبيب كانا جاهلَين بالحديث. في المقابل أعطى هؤلاء الفقهاء «العمل» المحلي، أي ما جرى عليه القضاء والفتوى في البلد، منزلةً رفيعة، ويرى بعض الدارسين أنّ ذلك شمل عمل مدن الثغر الأوسط أيضاً (ص ٨٥٢–٨٥٣).
في عهد الإمارة والخلافة يميّز أورفوا أربع حركات شبه مستقلة. أسبقها الشافعية، أدخلها قاسم بن محمد بن سيّار، وحماه الأمير محمد بن عبد الرحمن بأن جعله وكيلاً له مدى حياته، وناصرها عبد الله بن الناصر الذي قتله أبوه بتهمة التآمر سنة ٣٣٨هـ/٩٥٠م. ويتردّد في إلحاق بَقِيّ بن مَخْلَد بها، فهو تلميذ ابن حنبل ومجتهدٌ مستقل، أي يستنبط الأحكام من أدلتها ولا يقلّد مذهباً، أورث ذريته من فقهاء قرطبة نَفَساً إصلاحياً انتفعت به المالكية نفسها، ومثله معاصره ابن وضّاح. وتليها الظاهرية، وهي مذهبٌ يأخذ بظاهر نصوص الكتاب والسنّة وينكر القياس، وأبرز رجالها قاضي الجماعة، أي قاضي القضاة بقرطبة، منذر بن سعيد البلوطي (ت ٣٥٥هـ/٩٦٦م). أمّا المعتزلة فيخالف أورفوا فيها آسين بلاثيوس وليفي بروفنسال، وقد افترضا «مدرسةً» أندلسية تأثرت بالجاحظ، ولا يرى هو أكثر من قولٍ بحرية الإرادة ينسبه بعض العلماء إلى أنفسهم، أو ينسبه إليهم خصومهم. ويذكّر بأنّ أشهرهم، خليل بن عبد الملك الملقّب «خليل الغفلة»، لم يُصِبه غير نهب داره وكتبه بعد موته (ص ٨٥٣–٨٥٤).
رابعة الحركات الزهد، وفيها ابن مسرّة (ت ٣١٩هـ/٩٣١م)، وقد عاش في خلوته بجبل قرطبة، ثم لاحق الفقهاء أتباعه بعد موته، على ما يرويه ابن حيّان في السِّفر الخامس من «المقتبس». وكان صاعد الأندلسي قد ربط ابن مسرّة بفلسفة أنبادقليس، فبنى آسين على ذلك مذهباً كاملاً، ثم بيّن صموئيل ستيرن أنّ خبر صاعد قائمٌ على سوء فهمٍ لنصٍّ مشرقي، فسقطت صورة ابن مسرّة «أولَ فيلسوف أندلسي» (ص ٨٥٥). وليس فكره مع ذلك خالياً من المضمون في رأي أورفوا، فقد تتلمذ لابن وضّاح صاحب «كتاب البدع»، والبدعة ما أُحدث في الدين مما لا أصل له، وتعليمه أخلاقيٌّ في جوهره، يتشدّد في الكسب ويحرّم ما أحلّه الفقهاء، ويقول بتجاوز الوعد والوعيد، أي ما وعد الله عزّ وجلّ به المطيع من ثواب وتوعّد به العاصي من عقاب، ويضعّف أحاديث الشفاعة، أي شفاعة النبي ﷺ في العصاة من أمّته يوم القيامة. ويقرنه أورفوا ببريسكليانوس في إسبانيا النصرانية، زاهداً يعارض رجال الدين. أمّا نصوصه المكتشفة حديثاً فيراها «موضوعات أفلاطونية محدَثة شائعة» (ص ٨٥٥–٨٥٦).
كان قيام الخلافة عاملاً سلبياً في رأيه، فقد صرف الطلاب إلى الإدارة، ونقل إلى الخليفة شطراً من سلطة أهل العلم، وجذب إلى قرطبة كل نابهٍ من الأطراف، فعادت المالكية ملزِمةً في العمل وصار الحديث ترفاً. وانتهى الأمر في عهد المنصور بن أبي عامر إلى توازنٍ قلق بين فقهاء أفادوا من احتجاب الخليفة، ودولةٍ تستطيع أن تتهمهم بالتعصب متى احتاجت إلى ذلك، لأنهم فقدوا ثقة العامة (ص ٨٥٧–٨٥٨).
للفتنة وعصر الطوائف عنده وجهٌ آخر، فتفكّك السياسة لم يمسّ التيارات الروحية الكبرى، بل حرّر إمكانات الأقاليم. فقرطبة بقيت على العلوم التقليدية، وإشبيلية لم تنقطع للشعر كما ظُنّ، وطليطلة ازدهرت حتى سقطت سنة ٤٧٨هـ/١٠٨٥م، مع ميلٍ إلى العلوم الخفية ظهر أثره في مدرسة الترجمة بها، والثغر الأعلى أنتج مدرسة وادي إبره في الترجمة، وشرق الأندلس بقي محافظاً حتى صار في القرن السادس الهجري المركزَ الثاني بإزاء قرطبة وإشبيلية (ص ٨٥٨–٨٥٩). ويتتبّع تبدّل جماعة المدرّسين جيلاً بعد جيل. فجيلٌ التفّ حول يونس بن عبد الله بن الصفّار وأبي المطرّف القنازعي، وانتسب إلى الزاهد ابن أبي زمنين، ثم جيلٌ هو أكثر الأجيال تنوعاً، فيه أبو عمر الطلمنكي الذي رماه فقهاء سرقسطة بمذهب الخوارج ثم بُرّئ، وأبو عمرو الداني الذي دوّن القراءات السبع، أي قراءات القرآن المنسوبة إلى سبعة من أئمة القرّاء، في كنف مجاهد العامري صاحب دانية، وابن حزم، وقد جاء على ظاهريته عاشراً في الترتيب الذي يضعه أورفوا للعلماء بحسب أثرهم. ثم جاء جيل ابن عبد البر وأبي الوليد الباجي، ومنه مناظرة الباجي وابن حزم في ميورقة، ويجعلها أورفوا أصلَ تقليدٍ عقلاني انتهى إلى رامون لول (ص ٨٥٩–٨٦١).
بهذا يفسّر وفرة الإنتاج وأصالته في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي. ويعترض على قول محمد بنعبود إنّ العلماء كانوا من أصولٍ شعبية وسطى ودنيا، فذلك غير ثابت في أكثر أئمة الطبقة الأولى، ولا صلة له بجودة ما أنتجوه. والأهمّ عنده ما لاحظه المقّري من غياب المدارس الرسمية حتى وقتٍ متأخر، فكان التعلّم بالأجر في المساجد يقتضي همّةً عالية (ص ٨٦٢). ويقف عند ثلاثة. أمّا الباجي فأدخل فنّ الجدل، أي أدب المناظرة وقواعدها، في أصول الفقه، وهو العلم الذي يبحث في أدلة الأحكام وطرق استنباطها، وعرض في «المنهاج في ترتيب الحجاج» آراء المذاهب الأخرى، ولا سيما الشافعية، بعطف. وأمّا ابن عبد البر فكان أكثر تحفّظاً، فأبطأ أثره في التلاميذ وهو أسنّ من ابن حزم، وكان همّه أن يحفظ ما تحصّل من العلم، فبرز محدّثاً، وعاد إلى المالكية بعد أن جرّب الظاهرية والشافعية. وأمّا ابن حزم فجعل من منهجه في «الإحكام في أصول الأحكام» فلسفةً في اللغة، على ما بيّنه روجيه أرنالديز، وهاجم القياس هجوماً شاملاً في «ملخّص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل»، وانتهى في «المحلّى» إلى رؤيةٍ لا تاريخية يراها أورفوا متعذّرةً في العمل، مثمرةً في الفكر. فمن هذا المنهج الضيّق خرج «الفصل في الملل والأهواء والنحل»، وهو عنده أول تاريخٍ للأفكار الدينية، وفيه يحتجّ ابن حزم لكروية الأرض بآية تكوير الليل على النهار، وهي الخامسة من سورة الزمر. ويجمع الكتاب في رأيه تناقضات صاحبه، فهو رفضٌ للتاريخ يجمع مادةً تاريخية، وسعةُ اطلاعٍ تُهمل القريب، وعنفٌ في العبارة لا يحترم المحاوَر (ص ٨٦٢–٨٦٥).
يقف أورفوا في صفّ المرابطين أمام دعاية الموحّدين. ففي عهدهم تحقّق هدفا العلماء، تماسكُ البلاد في وجه الشمال، وموقعٌ ثابت إزاء الحكّام الجدد. ويستشهد بما حفظه ابن خلدون عن القاضي أبي بكر بن العربي من أنّ تعليم اللغة في الأندلس كان يقوم على الشعر لا على القرآن، ويرى في ذلك خاصية الإسلام الأندلسي:
«محافظٌ في ذاته بيّن المحافظة، لكنه قابلٌ لتجديدٍ لافت إذا قيس بسائر دار الإسلام» (ص ٨٦٦)
ضخّمت الدعاية الموحّدية، في رأيه، محنةَ كتب الغزالي. فالإحراق دعا إليه ابن حمدين القرطبي بين سنتي ٥٠٠ و٥١٠هـ (١١٠٦–١١١٦م)، وسكت عنه أكثر العلماء، وعارضه نفرٌ من المريّة أبرزهم أبو الحسن البرجي، أمّا سجن ابن العربي فكان على يد الموحّدين أنفسهم وليس المرابطين. وقد أخذ الأندلسيون بعلم الغزالي في أصول الدين، أي علم العقائد، وفي أصول الفقه على نطاقٍ واسع، وكانت ردود القرطبيين عليه معارضةً بنّاءة لم تصدر عن عمى. ويذكر أورفوا أنّ ابن برّجان ادّعى الإمامة فأُعدم سنة ٥٣٦هـ/١١٤١م، وأنّ تلميذه ابن العريف عُفي عنه بعد أن خضع. ومع ذلك يحكم على العصر بقلّة الأصالة، فأهله مقلّدون، إمّا للمشرق كابن العربي، وإمّا للأندلسيين الأوائل كابن رشد الجد والقاضي عياض، ويردّ «ترتيب المدارك» عند عياض، بمقدّمته الاحتجاجية، إلى أدب المناقب (ص ٨٦٥–٨٦٨).
فكر ابن تومرت عند أورفوا متماسك، وهو محاولةٌ جذرية لإقامة العقيدة على العقل، وليس خليطاً من المعتزلة والأشعرية والظاهرية والفلسفة كما يقول القدماء ويتابعهم المحدَثون بلا نقد. ولقاؤه بالغزالي، إن وقع، لا معنى له، إذ لا جامع بين ما يراه أورفوا تلفيقاً صوفياً عند الغزالي وعقلانية ابن تومرت الصارمة. وقد استعمل الموحّدون الدعاية الفكرية أولاً ثم «العملية»، ولم يزيحوا الجيل القائم من العلماء إلا بعد نحو عشرين سنة. وفي هذا الإطار يضع ابن رشد، وقد جاء الرابع عشر في ترتيب التأثير بصفته عالماً لا فيلسوفاً. فكتابه «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» ذروة الإسهام الأندلسي في أصول الفقه، ينازع فيه في عمل أهل المدينة ويعالج الحديث بروحٍ شافعية، وقد أفضى به إلى تعيينه قاضياً لإشبيلية سنة ٥٦٥هـ. ثم كتب «فصل المقال» و«الكشف عن مناهج الأدلة» و«تهافت التهافت» في إقامته بإشبيلية سنتي ٥٧٥–٥٧٦هـ (١١٧٩–١١٨٠م)، إلى أن امتُحن سنة ٥٩٢هـ/١١٩٦م. وبعده غلب التصوف على الجمهور، وكانت أمتن نواته مدرسة ابن المجاهد بإشبيلية، وفي هذا المشهد يقع ابن عربي، في حين هُمّشت جماعة ابن سبعين لنزعتها «المتفلسفة» (ص ٨٦٨–٨٧٢).
في عهد بني نصر يأسف أورفوا لغياب دراسةٍ منهجية لجماعة العلماء، ويسجّل ما تذكره المصادر من سبعٍ وثلاثين رابطةً على الأقل في غرناطة وما حولها، والرابطة دارٌ ينقطع فيها المتعبّدون، ومن نشوء ما يسمّيه «عبادة» للنبي ﷺ، ويريد بها تعظيمه بأشعار المولد، ومن أول مدرسة أسّسها يوسف الأول سنة ٧٥٠هـ/١٣٤٩م. واتّجه الإنتاج عنده أولاً إلى التلخيص، ومنه منظومة ابن عاصم «تحفة الحكام» المعروفة بالعاصمية (نحو ١٧٠٠ بيت من الرجز)، وتواريخ لسان الدين بن الخطيب الذي أُعدم بتهمة الزندقة، وهو عنده مظلومٌ بلا ريب، و«روضة التعريف بالحبّ الشريف» في تلخيص التصوف. واتّجه إلى النقد، كعملٍ لأبي إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن الغرناطي يذكّر بأنّ غاية الشريعة التقوى وليست الصِّيَغ. وبلغ التجديدَ الجذري عند الشاطبي في «الموافقات» بعلم مقاصد الشريعة، أي الغايات التي شُرعت الأحكام لتحقيقها، كحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهو عنده منظورٌ لم يُتابَع كما يستحق، إذ ضاع في تبسيط تلميذه ابن عاصم (ص ٨٧٢–٨٧٤).
آخر ما يتناوله حالُ العلماء تحت الحكم النصراني. فأكثرهم آثر الهجرة عملاً بظاهر الحكم الفقهي في الهجرة من بلدٍ يحكمه غير المسلمين، والصوفية أظهرهم هجرةً، فاحتاج المدجّنون، وهم المسلمون الباقون تحت حكم النصارى، إلى علماء يفِدون عليهم من المغرب. ولم يكن النصارى معادين بالضرورة، فقد استبقى ألفونسو العاشر محمداً الرقوطي في مرسية بعد أخذها سنة ١٢٦٦م معلّماً في مدرسةٍ أنشأها لتجمع أهل الأديان الثلاثة، غير أنّ التجربة لم تدم، فنزل الرقوطي غرناطة وخاض فيها مناظراتٍ ظفر فيها، ولعلّ ذلك عند أورفوا علامةٌ على أنه لم يأنس بأهلها. وترك عيسى بن جابر، قاضي الجماعة ومفتي شقوبية، كتاباً فقهياً بالعَجَمية سنة ١٤٦٢م، والعجمية اسم الرومانثية عند مسلمي الأندلس، وعاون الفرنسيسكاني خوان دي سيغوبيا (Juan de Segovia) في عمله على القرآن (ص ٨٧٤–٨٧٥). وما بعد ذلك معالم متفرقة، أبرزها «فتى أريبالو» (Mancebo de Arévalo) في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل السادس عشر، وفي نصوصه أصداءٌ من الغزالي لعلّه حملها من مقامه بغرناطة، وإن كانت أكثر إحالاته إلى امرأةٍ متصوّفة من العامة تُعرف بالمورية الأُبَّذية (La Mora de Úbeda). وصاحبه باراي دي ريمينيو، قاضي كادريتي في أرغون، شارك محمدَ ربادان في «مختصر شريعتنا المقدسة وسنّتنا» (Breve compendio de nuestra santa ley y sunna)، وفيه يعود النظم التعليمي. وبعد التنصير القسري، نحو ١٥٠١م في قشتالة وبعد ذلك بنحو ثلاثين سنة في تاج أرغون، انقسم الباقون فريقين، فريقٌ استعان بحجج البروتستانت على الكاثوليكية ثم خبا سريعاً، وكتّابٌ في شمال إفريقيا ظلّوا حتى أواسط القرن السابع عشر يكتبون في نصرة الإسلام بالإسبانية، إذ كان المهاجرون لا يفهمون غيرها (ص ٨٧٥).
٤٠. الممارسات الدينية للمسلمين في الأندلس (من القرن الثاني/الثامن إلى القرن الرابع/العاشر)
في البحث مفارقةٌ تنطلق منها مارين، فالمسلمون الأندلسيون، وهم جماعةٌ ناشئة، لم ينالوا من العناية ما نالته الأقليات، حتى إنّ ما كُتب في «مقاومة» المستعربين بقرطبة، وهم النصارى الذين عاشوا تحت حكم المسلمين، في القرن الثالث الهجري أكثرُ مما كُتب في عبادات مواطنيهم المسلمين في العصر نفسه. وتردّ ذلك في حاشيةٍ إلى نزعةٍ في الدراسات الإسبانية عدّت الحضارة الإسلامية «عارضاً مؤسفاً» في تاريخ شبه الجزيرة، فانشغلت بإثبات أثر النصارى في «الغزاة» وبدوام «جوهر» إسباني عبر العصور (ص ٨٧٨، ٨٩١ ح ٢). وتأخذ بتقدير ريتشارد بولييت أنّ «منتصف» تحوّل أهل البلاد إلى الإسلام، أي الوقت الذي أسلم فيه نصفهم، يقع نحو سنة ٩٦١م، فتفترض أنّ أكثرهم كانوا مسلمين بحلول أواسط القرن الرابع الهجري. ولا تنكر الصلات بين الإسلام والنصرانية، لكنها تلحّ على أنّ المسلمين في هذا الثغر كانوا يتحرّزون من كل ممارسةٍ نصرانية أو يهودية، ويشهد لذلك أنّ محمد بن وضّاح (ت ٢٨٧هـ/٩٠٠م) ألّف «كتاب البدع» في الانحرافات عن العبادات، وما رُوي عن يحيى بن حجّاج أنه لم يدخل بيتاً فيه صورة أو كلب. ومادّتها كتب التراجم والتواريخ، وتنبّه إلى أنها لا تكاد ترى غير فئتين، حاشية البلاط وأوساط العلماء، ولا يعوّض ذلك إلا قليلاً ما في كتب الحسبة، وهي ولاية مراقبة الأسواق والآداب العامة، وكتب النوازل، وهي فتاوى الوقائع المستجدّة (ص ٨٧٨–٨٧٩).
الصلاة محور مادتها، لأنّ المصادر عنها أغنى. ودار فيها نقاشان. ففي رفع اليدين، أي عند الركوع والرفع منه، كان بقيّ بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الخشني يفعلانه وفقهاء المالكية ينكرونه، فالخلاف فيه يعكس خلافاً بين المحدّثين والفقهاء. أمّا القنوت، وهو دعاءٌ في الصلاة يكون عند المالكية في صلاة الصبح، فقد اختلف فيه الفقهاء أنفسهم، فرفضه يحيى بن يحيى الليثي مع أنّ مالكاً أجازه، وتبعه أبناؤه وأحفاده حتى أبي عيسى يحيى بن عبد الله (ت ٣٦٧هـ/٩٧٧م). ومع هيبة هذا البيت بقي القنوت جارياً في مساجد الأندلس، حتى عند المدجّنين، وتستخلص مارين من ذلك أنّ جدل الفقهاء كان محدود الأثر في عمل الناس (ص ٨٧٩–٨٨٠).
للصلاة عندها أيضاً وجهٌ جماعي سياسي. فصاحب الصلاة، أي إمام المسجد الجامع، يعيّنه الأمير، ويجمع غالباً الخطابة والقضاء، والخطبة إعلانُ ولاءٍ ديني وسياسي معاً. يشهد لذلك أنّ الأمير عبد الله أُعجب بخطبة القاضي النضر بن سلمة فأمره ألا يغيّرها، فحفظها الناس وصارت نموذجاً للقضاة، في حين كانت الخطبة تُلقى في بعض النواحي الثائرة باسم الخليفة العباسي (ص ٨٨٠). وتخرج الجماعة عن إيقاعها المعتاد عند النوازل، ككسوف سنة ٢١٨هـ/٨٣٣م وزلزال سنة ٣٣٢هـ/٩٤٣م، والجدب قبل كل شيء. فالاستسقاء، وهو صلاة طلب المطر، أخذ صيغته المشرقية على يد زياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون، وهو الذي أدخل تحويل الرداء، أي قلبه من جانبٍ إلى جانب تفاؤلاً بتحوّل الحال، وكان يأمر به الأمير أو الخليفة، كما فعل عبد الرحمن الناصر سنة ٣١٧هـ/٩٢٩م بكتابٍ إلى عمّال الكُوَر، أي ولاة الأقاليم. ونقل عبد الملك بن حبيب الناسَ من مصلّى الربض إلى مصلّى المصارة بعد أن غرق بعضهم في عبور الوادي الكبير. وتروي المصادر خبرين عن زاهدين قُدِّما للاستسقاء فأُجيبا ثم اختفيا، هما أيوب البلوطي وأبو نصر الصدفوري، وترى فيهما مارين غرضاً وعظياً له نظائر مشرقية، وهو أنّ الزاهد الحقّ يُجاب دعاؤه ثم يفرّ من الشهرة (ص ٨٨٠–٨٨٢).
الدعاء عند مارين غير الصلاة، فلا هيئة له ولا وقت، لكنه لم يكن مناجاةً مرسلة. فقد ألّف محمد بن فطيس «كتاب الدعاء والذكر» (مفقود)، وجمع أبو بكر الطرطوشي في «الدعاء المأثور وآدابه» أدعيةً لمواقف تقسمها مارين ثلاثة أقسام، الحياة اليومية والعبادات والأخطار. ويظهر دخول الدعاء في الصلاة في خبر أحمد بن بقيّ، قاضي قرطبة وصاحب صلاتها منذ ٣١٤هـ/٩٢٦م، فقد كان يسكت في دعائه حتى يفرغ الناس من دعائهم، رواه القاضي عياض في «ترتيب المدارك»، ونقل أنّ الخطباء اقتدوا به إلى زمانه (ص ٨٨٢–٨٨٣).
في الصدقة تقلّ أخبار الزكاة المفروضة وتكثر أخبار صدقة التطوّع. وقد صوّر ابن حيّان الحكم المستنصر سنة ٣٦٥هـ/٩٧٥م يوزّع المال مع ابنه، وعبيدُه يطوفون بالأكياس المفتوحة، وأمر الحكم في رمضان ٣٦٢هـ/٩٧٣م بالبحث عن ذوي الأنساب الذين افتقروا وتعفّفوا عن السؤال. وتقرأ مارين ذلك تصويراً للأمير مثالاً للفضيلة العامة. وجعل القاضي أسلم بن عبد العزيز التوزيع مرتين في السنة بحضور العلماء والشهود. أمّا خبر عبيد الله بن يحيى وجاره القرشي الذي جاع ثلاثة أيام فتلاحظ أنه مبنيٌّ على هيكل قصص الكرامات نفسه، والكرامات ما يُروى من خوارق تجري على أيدي الأولياء، وإن خلا من الدعاء، وتنبّه إلى أنّ الحدّ بين الصدقة عبادةً والكرم فضيلةً اجتماعية يلتبس أحياناً (ص ٨٨٣–٨٨٥). وفي الصوم كان المسجد الجامع يبقى مضاءً طوال ليالي رمضان، وتستهلك إضاءته في الشهر نصف نفقة السنة، ويُحرق فيه العود والعنبر ليلة القدر. وختم محمد بن عمر بن لبابة القرآن ستين مرة في رمضان على ما يذكره مترجمه. وكان منهم من يعتزل في داره أو في رباط، ومنهم من أفطر ليشهد جنازة عبيد الله بن يحيى في رمضان ٢٩٨هـ/٩١١م لشدّة الحرّ والزحام (ص ٨٨٥–٨٨٦). أمّا الحج فالتراجم تحجب جانبه الديني بالعناية بالشيوخ، ولا تكاد تذكر من غيره إلا المخاطر، كأسر الروم سلمةَ بن أمية بعد رحلته سنة ٣٨٣هـ/٩٩٣م. وتذكر حجّ النساء، ولا سيّما ستٍّ من نساء بني ونسوس البربر، حجّت إحداهن، أم الحسن بنت أبي لواء، مرتين (ص ٨٨٦–٨٨٧).
الزهد هو الشطر الثاني من المقالة، وترى فيه أنّ ألفاظ التراجم (زاهد، عابد، ورع، ناسك، منقبض، مجاب الدعوة) كثيراً ما لا تعني أكثر من التورّع عن الحرام. لكنّ صوراً من الزهد تجاوزت ذلك مبكراً، وقوامها المبالغة في العبادات المفروضة نفسها، فإبراهيم بن محمد بن باز كان يختم القرآن مرتين كل يوم، وأبو العجنّس كان يأكل ثلاث مرات في الأسبوع في رمضان (ص ٨٨٧–٨٨٨). أمّا «مجاب الدعوة» فصنفٌ مستقل عندها، يصير وسيطاً بين الله والناس، ويتولّى رفع الظلم. فقد دعا عبد الله بن المغلّس على بني سلامة، ولاة الثغر الأعلى في عهد الحكم الربضي، بعد أن رأى أحدهم يُهلك امرأةً وطفلها، فعُدّ ظهور الثوار عليهم إجابةً لدعائه. وفي خبرٍ آخر كان الظالم فقيهاً من بيت بني حيّويه تهدّد جاره ابن صيقل ليبيعه داره، فبات زاهدان يدعوان عليه فأصبح ميتاً. والعبرة في الخبرين عند مارين أنّ الشرّ يُقاوَم بالسلوك القدوة، وأنّ الشرّ يُقرَن بشواغل الدنيا، فهذه الأخبار أدب قدوةٍ يعرض نماذج أخلاقية، وتلاحظ أنّ غلوّ بعض الزهاد كان تحدّياً لفقهاء منغمسين في الدنيا، فوضع أهل العلم له حدوداً (ص ٨٨٨–٨٨٩).
أول آثار التصوف عندها يُمن بن رزق التطيلي، صاحب الرؤيا التي فتح فيها قفل قلبه بمفتاحٍ من ذهب، وصاحب «كتاب الزهد» الذي شنّع عليه علماء الأندلس والقيروان، وقد ضاع الكتاب بعد أن رواه بمجريط، في النصف الأول من القرن الرابع الهجري، زاهدٌ مغربي يُعرف بالجصّاص. ولا تظنّ مارين أنّ الإنكار نزل بزهده المرويّ في ترجمته، وإنما بما في رؤياه من تلقينٍ صوفي كان يومئذ جديداً يخشاه حتى الصالحون من العلماء. وأول ورود للفظ «صوفي» في ترجمة عبد الله بن نصر (ت ٣١٥هـ/٩٢٧م)، ثم في ترجمة ابن مسرّة (ت ٣١٩هـ/٩٣١م) (ص ٨٨٩–٨٩٠). وتلاحظ تحفّظ المصادر في أخبار الكرامات، وأنّ أكثرها مشرقي الأصل، فترى أنّ الأندلس تلقّت تقليداً وافداً وكيّفته بصعوبة، حتى صار لها منذ النصف الثاني من القرن الرابع الهجري شكلها الخاص، ومثالها عليه أبو وهب الزاهد (ت ٣٤٤هـ/٩٥٥م)، وقد عُدّ مجنوناً وضُرب ثم صار يُعظَّم، وتُروى له أبياتٌ ذات نَفَسٍ صوفي (ص ٨٩٠). ثم تختم بالغاية من البحث:
«إننا نميل، في عصرنا اللاأدري هذا، إلى نسيان ما كان للدين من مركزية في حياة الناس في العصور السابقة» (ص ٨٩٠–٨٩١)
فدراسة الإسلام ديناً معيشاً ألزمُ عندها في حال الأندلس خاصة، لأنها كانت مجتمعاً غالبيته مسلمة يقوم على تخوم النصرانية (ص ٨٩١).
٤١. الهرطقة في الأندلس
رسّخت المصادر صورةَ أندلسٍ خاليةٍ من أهل الأهواء، أي أصحاب الفرق والمقالات المخالفة لأهل السنّة، وهذه الصورة هي ما تفكّكه فييرو. فالفخّار الأندلسي (ت ٧٢٣هـ/١٣٢٣م) يعدّ من فضائل الأندلس أنّ الطوائف المبتدعة لم تظهر فيها إلا نادراً، وأنّ الله أهلك من ظهر منهم، ويذكر ثلاثةً منهم في القرن السابع بلورقة ومالقة والمريّة، وينقل عن الحميدي أنّ الصحابة كانوا يُذكرون على المنابر بالتوقير، أي أنّ البلاد سلمت من التشيّع. وابن حزم ينفي عنها التحزّب في المذاهب في رسالته في فضائل أهل الأندلس، ثم يذكر في «الفصل» خوارجها ومعتزلتها ومرجئتها، والمرجئة هم الذين أخرجوا العمل من مسمّى الإيمان، وهم عنده الأشاعرة، وصوفيتها، ومن ينكر النبوة أو يقول بتكافؤ الأدلة، أي بتساوي الحجج المتعارضة حتى لا يُرجَّح منها شيء (ص ٨٩٥). ويصفها المقدسي في «أحسن التقاسيم» بأنها لا تعرف غير مذهب مالك وقراءة نافع، تنفي الحنفي والشافعي، وربما قتلت المعتزلي والشيعي، وترى فييرو أنّ وصفه يعكس الأندلس في عهد المنصور بن أبي عامر (ص ٨٩٥–٨٩٦، ح ٥).
تاريخ المالكية نفسه تعيد قراءته. فنجاحها تفسّره الجغرافيا، إذ كانت رحلة الأندلسيين في طلب العلم إلى إفريقية ومصر والمدينة وليس إلى العراق، وهيمنتها تفسّرها السياسة. فثورتا قرطبة على الحكم الربضي سنتي ١٨٩هـ/٨٠٥م و٢٠٢هـ/٨١٨م، وقد شارك فيهما فقهاء، علّمتا الأمراء أنه لا غنى لهم عن الفقهاء، فآثر المالكية القعود عن السياسة لقاء حراسة الشريعة. ولم يكونوا متّبعين لمالك نفسه، بل لرأي تلاميذه، ولا سيما ابن القاسم، وتسمّيهم المصادر أهل الرأي الذين أعرضوا عن الحديث (ص ٨٩٦). وتنفي أن يكون صعصعة بن سلّام ومعاوية بن صالح أول من أدخل الحديث، فهي تنسب الأولية إلى عبد الملك بن حبيب، ثم تجعل بقيّ بن مخلد وابن وضّاح صاحبَي المرحلة الثانية التي أدخلت علم الحديث نفسه، أي نقد أسانيده ورجاله. ورُمي بقيّ بالزندقة لأنه أدخل كتب الشافعي وخالف أهل الرأي، فحماه الأمير محمد، وقد آثر أن يبقى حَكَماً بين الفريقين. وأخفقت الشافعية، وارتبط إخفاقها بإعدام عبد الله بن الناصر الشافعي سنة ٣٣٨هـ/٩٥٠م، ثم أعلن الناصر والمستنصر المالكيةَ مذهباً رسمياً. غير أنّ المالكية لم تَسلم من ضغط الحديث وأصول الشافعي، فتكيّفت دون أن تبدّل جوهرها، حتى بلغت أصولُ الفقه ذروتها عند أبي الوليد الباجي في «إحكام الفصول في أحكام الأصول». ومع ذلك رُمي الباجي بالكفر والزندقة والابتداع، لأنه قال بأنّ النبي ﷺ كتب يوم الحديبية مع كونه أمّياً (ص ٨٩٦–٨٩٨).
ثم تضبط المفهومين. فالبدعة عند ابن وضّاح في العبادات لا في العقائد، وبعض ما أنكره، كالسُّبحة، استقرّ بعدُ بالانتشار، فالعمل لم يطابق المذهب دائماً، والمذهب تكيّف مع العمل. وقد تحرّج المفتون من الحسم، فابن عتّاب يكره الخوض في الفرق بين أهل البدع وأهل الكبائر من العصاة، ويكل الأمر إلى المشيئة، أي إلى مشيئة الله عزّ وجلّ في عقابهم أو العفو عنهم، والأصيلي وابن المكوي لا يقطعان بتكفير المبتدعة، وابن سهل الفقيه، صاحب «الأحكام الكبرى»، وحده يفصّل، فيكفّر غلاة الشيعة القائلين بألوهية عليّ أو نبوّته، ويجعل من يقتصر على تفضيله على سائر الصحابة مبتدعاً ضالاً (ص ٨٩٨–٨٩٩). أمّا الزندقة فذكرها مالك في «الموطّأ» في باب الردة، والزنديق عنده مرتدٌّ يُسرّ كفره ويُظهر الإسلام، فيُقتل ولا يُستتاب، أي لا يُطلب منه أن يتوب قبل إقامة الحدّ عليه، إذ لا سبيل إلى الوثوق بتوبته، في حين يُستتاب المرتد المعلن. وترى فييرو أنّ مالكاً كان يعني مانوية عصره، أتباع ماني القائلين بأصلين للنور والظلمة، وأنّ المتأخرين وسّعوا اللفظ حتى شمل كل من عُدّ مرتداً مستتراً، ففتح ذلك باب التخلّص من الخصوم (ص ٨٩٩–٩٠٠).
ثمانيةٌ من الأندلسيين رُموا بالزندقة بين القرنين الثاني والخامس في الحالات التي تعرضها فييرو وتصنّفها. منهم من لم يُحاكم، كابن مسرّة وعبد الأعلى بن وهب، وقد رُميا بها لقولهما بآراء المعتزلة. أمّا أتباع ابن مسرّة فلم تذكر مراسيم الناصر في حقّهم لفظ الزندقة، وإنما البدعة والهوى والفتنة والإلحاد، فأُحرقت كتبهم وعُرضت عليهم التوبة. ومنهم من حوكم ولم يُقتل، وهما اثنان: بقيّ بن مخلد، ومن قضيته تستنتج أنّ المالكية خافت المحدّثين أكثر مما خافت المعتزلة، وجماعةٌ في عهد المنصور فيهم ابن الإفليلي وسعيد بن فتحون السرقسطي وأميرٌ أموي، ولعلّ المنصور خشي مؤامرةً لخلع هشام المؤيَّد. ومنهم من قُتل، وهم ثلاثة: مطرّف بن الأمير عبد الله، وأبو الخير في عهد المستنصر، وكان داعياً للفاطميين، وابن حاتم الطليطلي في عهد المأمون بن ذي النون، وأغرب ما اتُّهم به إنكار زهد النبي ﷺ، وكانت محاكمته بعد سنةٍ من سقوط بربشتر (٤٥٦هـ/١٠٦٤م)، وتراه فييرو كبش فداء في صراع أحزاب طليطلة (ص ٩٠٠–٩٠١). ومن اشتُبه في دينهم بلا تهمة زندقة ابنُ حزم، وتردّ إحراق كتبه بإشبيلية إلى طعنه في الخليفة الذي نصّبه بنو عبّاد، لا إلى ظاهريته، والوقّشي والحنّاط الكفيف لاشتغالهما بالمنطق، والطلمنكي الذي بُرّئ سنة ٤٢٥هـ/١٠٣٤م، وتظنّ أنّ مسألته كانت القول بأنّ الإمام أفضل المسلمين بلا اعتبارٍ للنسب، وأنّ بعض أتباعه كانوا يعدّونه إماماً لهم، وهي الطريق التي سلكها بعدُ ابن قسي (ت ٥٤٦هـ/١١٥١م) حين تسمّى إماماً (ص ٩٠٢).
ادّعى النبوة نفرٌ من الأندلسيين أنفسهم منذ وقتٍ مبكر. فأبو عبيد البكري يروي أنّ يونس البرغواطي رحل إلى المشرق في النصف الأول من القرن الثالث الهجري مع جماعةٍ من أهل المغرب والأندلس، ادّعى ثلاثةٌ منهم النبوة، وهو أحدهم. ولم تعرّض الدعوى صاحبها للقتل إلا حين قرنها بالثورة. فممّن ثار معلّمٌ في شرق الأندلس سنة ٢٣٧هـ/٨٥١م تأوّل القرآن على تحريم قصّ الشارب والأظفار، فصُلب وهو يتلو الآية الثامنة والعشرين من سورة غافر، وابنُ القطّ، وهو من البيت الأموي، استمال قبائلَ من البربر سنة ٢٨٨هـ/٩٠١م بالملاحم، أي أخبار الحروب المنتظرة في آخر الزمان، وبالدعوة إلى جهاد النصارى، ثم تسمّى بالمهدي، وعدّه أتباعه نبياً ذا معجزات، حتى قُتل في غزاته. أمّا من لم يثر فسلم. ومنهم رجلٌ بالأشبونة زعم سنة ٣٣٣هـ/٩٤٤م أنّ جبريل أتاه بالوحي، وأنه من نسل عبد المطلب وفاطمة، وترجّح فييرو أنها فاطمة زوج عبد المطلب وجدّة عليّ، وليست بنت النبي ﷺ، فشرع لأتباعه سنناً، منها حلق الرؤوس على عادة الخوارج، ثم اختفى. ومنهم إسماعيل الرعيني، رأس المسرّية ببجّانة، وقد قال بجواز اكتساب النبوة، أي بأنّ المرء يبلغها بالمجاهدة، ورمى ابنَ مسرّة خصومُه بادّعائها، ولم يفقد أحدهما حياته بهذه العقيدة (ص ٩٠٢). وحركات الفرق في الأندلس قليلةٌ إذا قيست بسائر دار الإسلام. فالخارجية، وقد هُزمت في القرن الثاني، بقيت في البربر وحدهم، وهم وحدهم عبّروا عن سخطهم بلغة الفرق، فأتباع «الفاطمي» الذي ثار في عهد عبد الرحمن الداخل كانوا بربراً، وكذلك أتباع ابن القطّ، وفي الحركتين أثرٌ من التشيّع. ومحصّل ذلك أنّ التوتر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لم يكد ينتج في الأندلس فرقةً (ص ٩٠٢–٩٠٣).
شهادات الفخّار وابن حزم عندها من أدب الفضائل، تقول إنّ المبتدعة قلّةٌ أُبيدت، ولا تقول إنهم عُدموا، وقد صنعت صورةَ مالكيةٍ صمّاء لا تتغيّر، وهي الصورة التي يرسمها القاضي أبو بكر بن العربي في «العواصم» حين يصف المالكية بأنّ التقليد صار دينهم، وأنهم يُذلّون كل من جاء من المشرق بعلم. أمّا تهمة الزندقة فلم تُفضِ إلى القتل إلا حين رأى الحاكم في المتّهم خطراً سياسياً:
«ينبغي أن يُلتمس بقاء المالكية ونجاحها لا في إفناء أعدائها، بل في قدرتها على النجاة من تحدّي المذاهب الجديدة بالتكيّف معها» (ص ٩٠٣)
آخر شواهدها مقدمة ابن طملوس (ت ٦٢٠هـ/١٢٢٣م) في المنطق. فقد كاد ابن طملوس يترك المنطق حين رُمي أهله في زمانه بالبدعة والزندقة، ثم تبيّن له أمران: أنّ متّهميهم لا يعرفون ما هو المنطق ولا لِمَ يُذمّ، فهم على «يقين الضعفاء» الذي يقلّد ولا يتحقّق، وأنّ الأندلس فتحها قومٌ لا علم لهم بغير الفقه، فعدّوا كل ما خالفه كفراً وزندقة. وقد رأى الفقهاء يبدّعون الحديث ثم يقبلونه، ثم أصول الدين، وإن قبلوها بتحفّظٍ أشدّ، ثم كتب الغزالي حتى عادوا إليها في عهد الموحّدين؛ فهم يقبلون في آخر الأمر ما أنكروه أولاً، ومن هنا أيقن أنّ المنطق سيلقى المصير نفسه (ص ٩٠٣–٩٠٤).
٤٢. التصوف الأندلسي وبزوغ ابن عربي
مبتدأ عدّاس سخطُ محيي الدين بن عربي حين نزل مصر سنة ٥٩٨هـ/١٢٠٠م، فقد رأى صوفية الخانقاه، وهي دارٌ يقيم فيها الصوفية جماعةً، مشغولين بثيابهم ولحاهم، على ما رواه لشيخه عبد العزيز المهدوي في «روح القدس»، ومثله سخرية ابن جبير من تكلّف علماء المشرق. ولا تفسّر عدّاس ذلك بالعصبية الأندلسية وحدها، وإنما باختلاف التقليدين في الشكل والطريقة، فالصحبة، أي ملازمة المريد شيخه، ما زالت في الغرب حرّةً فردية، والمشرق يتّجه إلى الطريقة المنظّمة والحياة الجماعية في الخانقاهات. وزاد الأمرَ استخفافُ بعض المشارقة بالمغاربة، كصوفيٍّ من إربل قال له إنه لا عارفين في الغرب، والعارفون عند الصوفية أهل المعرفة بالله. وهو عندها سوءُ فهمٍ زال حين تعمّقت معرفته بالمشرق، فاعترف بعارفيه وأخذ بآدابه حيث رأى ذلك (ص ٩٠٩–٩١٠). وتبني أطروحتها على سيرته. فقد كان في أوله «أُويسياً»، أي سالكاً بلا شيخٍ من البشر، نسبةً إلى أويس القرني الذي آمن بالنبي ﷺ ولم يلقه، وانفتح طريقه في نحو الخامسة عشرة، ثم اكتشف بعد خمس سنين عارفين أندلسيين خاملي الذكر، فلازمهم عشر سنين قبل أن يصحب تلاميذ أبي مدين في المغرب سنة ٥٩٠هـ/١١٩٤م، فكان أثر هؤلاء عارضاً لأنّ شخصيته كانت قد اكتملت. وإحالات «الفتوحات المكية» إلى الأندلسيين تفوق إحالاتها إلى الغزالي والنفّري والحكيم الترمذي، وما شغله منهم فضائلهم أكثر من آرائهم (ص ٩١٠–٩١١).
القول الشائع بأنّ التصوف الأندلسي نشأ مع ابن مسرّة تردّه عدّاس، فغياب الشاهد المكتوب لا يعني غياب الأولياء، ولولا ابن عربي لما عرفنا شمس الفقراء وصالحاً البربري، والحجّاج الذين أقاموا سنين في المشرق لقوا على الأرجح السري السقطي والجنيد وسهلاً التستري أو تلاميذهم، وهي مسألةٌ لم تُدرس بعد (ص ٩١١–٩١٢). ثم تنقض الصورة الاستشراقية لابن مسرّة معتمدةً على بحثٍ غير منشور لجيمس موريس (١٩٧٣م). فالمستشرقون أخذوا تصوّرهم عن القفطي، وهو متأخرٌ عنه ثلاثة قرون، والقفطي أخذه عن سطرٍ واحد لصاعد يربطه بالباطنية وبأنبادقليس المنحول، أي بالكتب التي نُسبت إلى الفيلسوف اليوناني أنبادقليس وليست له. فجعله دوزي داعيةً فاطمياً سرياً، وجعله غولدتسيهر «حرّ الفكر»، ثم جاء آسين بلاثيوس بكتابه (١٩١٤م) بأطروحتين، أولاهما أنّ ابن مسرّة نشر مذهب أنبادقليس المنحول تحت ستار الاعتزال والباطنية، والثانية أنّ التصوف الأندلسي بعده، من إسماعيل الرعيني إلى ابن عربي مروراً بابن العريف وابن قسي، امتدادٌ لمدرسته. وقد نقض صموئيل ستيرن الأولى، ووصف آسين نفسه مصادره بأنها «هزيلة» (ص ٩١٢–٩١٣).
من ابن الفرضي وابن حيّان تعيد عدّاس بناء سيرته. فقد وُلد بقرطبة سنة ٢٦٩هـ/٨٨٣م، وأبوه عبد الله محدّثٌ رحل إلى البصرة واتصل بالمعتزلة ومات بمكة سنة ٢٨٦هـ/٨٩٩م. وأخذ ابن مسرّة عن أبيه، وعن محمد بن وضّاح، وكانت رحلة ابن وضّاح الأولى (٢١٨هـ/٨٣٣م) في طلب الزهد لا الحديث، وينقل ابن فرحون في «الديباج» أنّ ابن وضّاح أدخل العلم والزهد إلى الأندلس، وأخذ كذلك عن «الخشني»، وترجّح عدّاس أنه محمد بن عبد السلام الخشني الذي أبى قضاء جيّان وأقام في المشرق خمساً وعشرين سنة. فابن وضّاح عندها قناة الزهد المشرقي، وأثره في ابن مسرّة أحسمُ من كل أنبادقليس منحول. وتأخذ بملاحظة موريس أنّ «الاعتزال» كان يومئذ لفظاً جامعاً لكل ما خالف المالكية، فلا يؤخذ بحرفه، وتنفي، خلافاً لخبر ابن الفرضي، أن يكون ابن مسرّة قد اتُّهم بالزندقة في حياته وفرّ من الأندلس (ص ٩١٣–٩١٥). وأتباعه الأحد عشر يذكرهم ابن الأبّار في «التكملة» نقلاً عن كتابٍ مفقود في أخبار ابن مسرّة وأصحابه، أربعةٌ منهم من طليطلة، وأكثرهم نسّاكٌ زهّاد. ويروي أحدهم أنه قاس بيت مارية القبطية بالمدينة وبنى مثله في خلوته، وتنقل عدّاس عن فييرو ربطَ ذلك باتّباع آثار النبي ﷺ، أي تتبّع الأماكن المنسوبة إليه، وهو ما كان ابن وضّاح ينكره (ص ٩١٥).
روايات المصادر عن مذهبه متضاربة. فصاعد والقفطي وابن أبي أصيبعة يجعلونه فيلسوفاً باطنياً، والحميدي ينسب إليه إشاراتٍ صوفية، وابن الفرضي وابن حيّان يلحّان على اعتزاله في القدر، أي قوله إنّ العبد خالق أفعاله، وفي الوعيد وإنكار الشفاعة، وابن حزم يذكر قوله بحدوث العلم، ويصف انشقاق «المسرّية» في زمانه حول إسماعيل الرعيني، الذي تسمّى إماماً وطالب أتباعه بالزكاة، وقال بأنّ العرش هو المدبّر وبجواز اكتساب النبوة (ص ٩١٥–٩١٦). والفصل في ذلك عندها لرسالتين نشرهما كمال إبراهيم جعفر سنة ١٩٧٨م. أولاهما «كتاب الاعتبار»، وهو العنوان الحقيقي لـ«التبصرة»، والاعتبار النظر في المخلوقات للعبور منها إلى معرفة الخالق، وفيه أنّ الاعتبار والوحي طريقان إلى يقينٍ واحد، أحدهما صاعدٌ من الشاهد، أي من العالم المحسوس، والآخر نازل، والعالم سُلّمٌ للمعتبرين. وتردّ عدّاس اللفظ إلى الأمر القرآني بالاعتبار، ويستشهد ابن مسرّة بآية التفكّر في خلق السماوات والأرض، وهي الآية ١٩١ من سورة آل عمران. وهو يتبرّأ من الفلاسفة ويقرّ للحكماء كأفلاطون بمعرفة التوحيد، وتراه بذلك يمهّد لطريقة «حيّ بن يقظان»، ولحكم ابن عربي بأنّ طريق الحكماء مشروعٌ ناقصٌ ما لم يكمله الإيمان. والرسالة الثانية «خواص الحروف وحقائقها وأصولها» في الحروف النورانية الأربعة عشر، أي الحروف المقطّعة في أوائل السور، وهي في علم الحروف، وهو النظر في أسرار الحروف ودلالاتها، على طريقة أهل التصوف لا على طريقة جابر بن حيّان، ويأخذ فيها ابن مسرّة عن رسالة سهل التستري في الحروف (ص ٩١٦–٩١٧). فأثر الأفلاطونية المحدَثة فيهما غير ظاهر، وأثر التستري بيّن، وتستنتج:
«كان ابن مسرّة من كبار أعلام هذا التقليد، ورائدَ تصوّفٍ أندلسي سيبلغ ذروته مع ابن عربي بعد قرنين ونصف» (ص ٩١٨)
بقيت كتبه تُتداول بعد إحراقها سنة ٣٥٠هـ/٩٦١م، يشهد لذلك ابن حزم وابن المرأة، وقد ذكره ابن عربي بإعجاب في أربعة مواضع على الأقل، منها الباب الثالث عشر من «الفتوحات» و«فصوص الحكم»، وأحال إلى «كتاب الحروف». والتشابه بينهما في الكون والهباء، وهو عند ابن عربي المادة الأولى التي ظهرت فيها صور العالم، وفي صلة الحروف الثمانية والعشرين بمنازل القمر حقيقي، لكنّ التستري و«رسائل إخوان الصفا» سبقا إليه، فلا يُبالَغ في أثره ولا يُهوَّن (ص ٩١٨–٩١٩).
ثم تنقض ما سمّاه آسين «مدرسة المريّة». فقد افترضها بعثاً للمسرّية مع إقراره بغياب الوثائق، وجعل ابن العريف رأسها، وابن برّجان وأبا بكر الميورقي تلميذيه، وابن قسي ثمرتها السياسية. والعبارة عند عدّاس استقراءٌ لا يسنده نص. ففتوى أبي الحسن البرجي بالمريّة في معارضة إحراق «الإحياء»، أي «إحياء علوم الدين» للغزالي، وقد أمر به علي بن يوسف بن تاشفين بإلحاح القاضي ابن حمدين، كانت مخالفةَ فقهاء مالكية لفقهاء آخرين، ولم تكن «مركز مقاومة صوفية»، ولم يُذكر فيها ابن العريف ولا صاحباه. واستدعاء الثلاثة إلى مراكش لغزٌ لا تكفي المصادر لحلّه. ويذكر ابن الأبّار في «المعجم» كثرة أتباع ابن العريف، ثم يروي بصيغة «يقال» أنّ فقهاء المريّة أجمعوا على إنكار مذهبه، ويقول إنّ أبا الحكم بن برّجان كان أكبرهم ويُسمّى «غزالي الأندلس». أمّا رسائل ابن العريف التي نشرها بولس نويا سنة ١٩٥٦م فتُظهره تلميذاً متواضعاً لابن برّجان، وابن برّجان هو الذي ينقل الشعراني، وقبله عبد الغفار القوصي فيما وجده دوني غريل، أنه بويع إماماً في مئة وثلاثين قرية (ص ٩١٩–٩٢١). واختلف مصير الثلاثة. فقد جُلد الميورقي وأُطلق، ومات ابن برّجان بمراكش فأمر السلطان بطرح جثته في المزبلة، فدعا ابن حرزهم الناس إلى جنازته، وتصحّح عدّاس ما كتبته في سيرتها لابن عربي، فلم تعد تجزم بأنّ ابن برّجان أُعدم. ومات ابن العريف في صفر ٥٣٦هـ، إمّا مريضاً بسبتة بعد أن أُطلق، وإمّا مسموماً بيد قاضي المريّة ابن الأسود في روايةٍ يضعّفها ابن الأبّار، وتنبّه عدّاس إلى ميل كتّاب المناقب إلى تصوير الأولياء ضحايا للسلاطين والفقهاء (ص ٩٢١–٩٢٢).
أمّا ابن قسي فقد عدّه نويا نفسه سنة ١٩٥٦م منفّذاً لأفكار شيخه ابن العريف، ثم رجع عن ذلك بعد أن نشر رسائل أخرى من «مفتاح السعادة»، ففيها يخاطب ابنُ العريف ابنَ قسي خطاب الأنداد، وقد كان لابن قسي أتباعٌ قبل أن يتعارفا، وفيها رسالةٌ إلى ابن المنذر يدين فيها ابن العريف الخروج على الحاكم الجائر انتظاراً لمهدي، ويذكّر بأنّ المهدي المنتظر في إفريقية جاء رافضياً كافراً، يعني الفاطميين. وتنبّه عدّاس إلى أنّ فنسان لاغارديير قلب عبارة نويا إلى ضدّها (ص ٩٢٢–٩٢٣، ح ٨٦). وتصف مواقف الصوفية السنّة من السلطان، فمنهم من اعتزله، ومنهم من خالطه ليوجّهه، كأبي العباس المرّي عند الموحّدين، ومنهم من نصحه وأنكر عليه، وهو موقف الأكثرين، عملاً بحديث «الدين النصيحة». والحديث رواه مسلم في كتاب الإيمان، وتعزوه المؤلفة إلى البخاري، ولم يورده البخاري إلا ترجمةَ باب. وتخلص إلى أنّ «مدرسة المريّة» تحتاج إلى مراجعة، وأنّ نصاً واحداً لابن الأبّار لا يكفي لإثباتها، بخلاف جماعة ابن مسرّة الموثّقة (ص ٩٢٣–٩٢٥).
تتفاوت معاملة المؤرخين العرب للثلاثة، فهم يعطفون على شيخ المريّة ويرونه صوفياً زاهداً حقاً، ويقدّرون ابن برّجان تقديراً فيه تحفّظ يسير، وينفرون من ابن قسي ويرونه دعيّاً طامعاً. والتفاوت نفسه في أحكام ابن عربي، وقد بناها على كتبهم (ص ٩٢٥). فابن برّجان عند ابن عربي من «رجال الله»، وإن كان حديثه عنه أقلّ حرارة. ولا يُعرف على التحقيق كم كتاباً ألّف ابن برّجان، والثابت له شرحٌ للأسماء الحسنى وتفسيرٌ ذكرهما ابن الأبّار في «التكملة»، وعناوينهما مضطربة بين المخطوطات، ولعلّ «كتاب إيضاح الحكمة» الذي قرأه ابن عربي بتونس سنة ٥٩٠هـ/١١٩٤م على عبد العزيز المهدوي هو التفسير نفسه. وفي التفسير ذلك الاستنباط المشهور لفتح بيت المقدس سنة ٥٨٣هـ/١١٨٧م من أوائل سورة الروم، وقد شهد ابن خلكان بوقوعه، فذكر أنّ قاضي دمشق محيي الدين بن زكي رفع إلى صلاح الدين، حين أخذ حلب سنة ٥٧٩هـ/١١٨٣م، قصيدةً يبشّره فيها بفتح بيت المقدس، ثم ذكر القاضي أنه تبع فيها تفسير ابن برّجان. غير أنّ ابن عربي يرى في «الفتوحات» أنّ ابن برّجان أخطأ في طريقه إلى هذا العلم، لأنه لم يعتمد علم الحروف (ص ٩٢٥–٩٢٦).
أمّا ابن العريف فيجعله ابن عربي من «المحقّقين» ويعدّه من شيوخه، وتتساءل عدّاس أكان هذا التفضيل مما حمل آسين على أن يجعل شيخ المريّة رأس مدرسة. ولم يبق من كتبه غير رسائل في «مفتاح السعادة» و«محاسن المجالس»، وهي رسالةٌ قصيرة للخاصة تجعل المقامات كلها، أي منازل السالك في طريقه، إلا المعرفة وشيئاً من المحبة، حُجُباً بين السالك وربه، لأنها تُثبت حقيقةً لما سوى الله. والكتاب، فيما عدا فصل المعرفة، مأخوذٌ من «منازل السائرين» و«علل المقامات» لعبد الله الأنصاري الهروي، يكاد ينقلهما بلفظهما حتى جملته الأخيرة، على ما بيّنه هالف. ولم ينقص ذلك من رواجه، فقد أكثر ابن عربي الإحالة إليه، وشرحه ابن المرأة، وأورد الوادي آشي سنده في «برنامجه». وابن قسي عند ابن عربي دعيّ، وقد وافق في ذلك المؤرخين عن نظرٍ في «خلع النعلين» حين شرحه، وليس عن قيلٍ وقال. فصاحبه يزعم أنه لم يؤلّفه على طريقة المصنّفين، وإنما نقل ما جاءه به الفتح، أي ما فُتح عليه من الإلهام، وقد قسّمه أربع «صحف» يختلط فيها الكون والمعاد والملائكة اختلاطاً مضطرباً، بعبارةٍ كثيرة المجاز، حتى يبدو صاحبه لعدّاس أحياناً كالمشعوذ يبهر قارئه بألعاب نارٍ سريعة الانطفاء (ص ٩٢٦–٩٢٧).
خلاصة عدّاس أنّ ما أخذه ابن عربي من مذاهب هؤلاء قليلٌ في جنب سعة مذهبه، وأنّ دَينه لأولياء بلده دَين أخلاق. فشيخه الأول أبو العباس العريبي كان أمّياً، وموسى الميرتلي كان يبيع كتبه ليطعم الفقراء حتى مات وقد باعها، وحسن الشكّاز لم يُسمع يقول «أنا»، وفاطمة بنت المثنى عاشت في كوخٍ من قصب على فضلات أهل إشبيلية. وثلاث سماتٍ تتردّد في كلامه كلما ذكر بلده: الاجتهاد في العبادة والفقر وتقديم القرآن. فمحمد الشرفي أطال القيام حتى تورّمت قدماه، وسكن داراً أربعين سنة لم يوقد فيها ناراً ولا سراجاً، وعبد الله الباغي أعدّ عصيّاً يضرب بها ساقيه إذا كلّتا من الصلاة. وكان أكثرهم يكسبون من حِرفٍ متواضعة، كبيع الفخّار والبابونج والبلّوط، والخِرازة، ويقدّمون تلاوة القرآن على كل كتاب، حتى إنّ يوسف الشبربلي لم يقرأ غيره إلى أن مات (ص ٩٢٧–٩٢٨). ومن هنا تفسّر سخطه في مصر، فقد كان إعجابه بإخوانه الأندلسيين عظيماً، ولا ريب عندها أنّ ما رآه من تبدّل التصوف في المشرق، وهو تبدّلٌ ربما كان لازماً، أنذره بأنّ العالم الروحي الذي تركه وراءه مقبلٌ على انقلابٍ عميق لا يُردّ (ص ٩٢٨–٩٢٩):
«يقوم كتاب روح القدس نُصُباً في وسط الفوضى يذكّر الأجيال الآتية بالفتيان، أولئك الأولياء الأبطال الذين كانوا صوفية الأندلس» (ص ٩٢٩)