٣١. التاريخ الاجتماعي لإسبانيا المسلمة من الفتح إلى نهاية دولة الموحّدين (أوائل القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي – أوائل القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي)
لغيشار في موضوع هذه المقالة خصومةٌ قديمة لا يخفيها، إذ كان قد نشر سنة ١٩٧٦م بالإسبانية، ثم سنة ١٩٧٧م بالفرنسية، كتابه «البنى الاجتماعية الشرقية والغربية في إسبانيا المسلمة» (Structures sociales «orientales» et «occidentales» dans l'Espagne musulmane)، وذهب فيه إلى أنّ القطيعة التي أحدثها الفتح بلغت بنية المجتمع نفسها وجاوزت لغته ودينه. ولذلك ينبّه القارئ في أول المقالة إلى أنّ مؤرخاً من الفريق المقابل كان سيكتبها بنبرة أخرى ومضمون آخر (ص ٦٨٠–٦٨١).
الفريق المقابل هو ما يسمّيه «التيار التقليدي»، وعلى رأسه رامون منينديث بيدال وكلاوديو سانشيث ألبورنوث. الفاتحون عند هؤلاء بضعة آلاف من العرب وعدد أكبر قليلاً من البربر، جاؤوا رجالاً بلا نساء، فتزوّجوا من الإسبانيات وذابوا في أهل البلاد، وبقيت «البنية الحيوية» للمجتمع إسبانية، ولم يكن الإسلام والتعريب إلا قشرةً على السطح. ويسوق غيشار من شواهد هذه الأطروحة تشبيهاً لخوليان ريبيرا في العشرينيات، جعل فيه الحضارة الأندلسية بحيرةً أُلقي فيها قليل من الأنيلين، وهو صبغٌ كيميائي، فاحمرّ لونها في عين الناظر وبقي تركيب مائها على حاله (ص ٦٧٩)؛ ويسوق قول سانشيث ألبورنوث إنّ أثر العرب في الثقافة والعادات ظلّ ضئيلاً قروناً، وإنّ «النُّسغ الإسباني» لم يجفّ إلا مع «الغزوات الإفريقية» للمرابطين والموحّدين (ص ٦٧٩–٦٨٠).
أول ما يردّ به غيشار الاسم، فقد عرف الفاتحون «هسبانيا» و«إشبانيا» فلم يأخذوا أحدهما كما أخذوا «إفريقية» من Africa، بل آثروا اسماً جديداً هو «الأندلس»، وأطلقوه منذ البداية على شبه الجزيرة كلها. وشاهده النقود، فقد ضُربت أولاً بكتابة لاتينية (٩٣هـ/٧١١–٧١٢م و٩٤هـ/٧١٢–٧١٣م)، ثم ثنائيةَ اللغة سنة ٩٨هـ/٧١٦م يقابل فيها لفظُ «الأندلس» لفظَ Spania، ثم عربيةً خالصة من ١٠٢هـ/٧٢٠–٧٢١م فصاعداً (ص ٦٨٠). ولا يزعم أنّ الاسم «يُثبت» انقطاعاً، بل يراه أمارةً على قطيعة وقعت في وعي الجماعة (ص ٦٨٠). ويعترف بأنّ المصادر شحيحة وبأنّ التأويل فيها يغلب على المعطيات الموثّقة. والجديد الواعد عنده مجاميع الفتاوى، وهي أجوبة الفقهاء عن مسائل وقعت للناس، وأجلّها «المعيار المُعرِب» للونشريسي (ت ٩١٤هـ/١٥٠٨م)، وإن كان العمل عليها لا يزال في أوله (ص ٦٨١).
العرب والبربر: الأعداد والقبائل
عدد السكان الأصليين مجهول، وخوسيه أورلانديس ينقل فيه تقديرات تتراوح بين ثلاثة ملايين وعشرة، ويرجّح أدناها (ص ٦٨٢). أمّا الوافدون فتذكر المصادر العربية أنّ الجيش الثاني، وأكثره عرب، دخل سنة ٩٣هـ/٧١٢م في عشرة آلاف إلى ثمانية عشر ألفاً، وأنّ نحو عشرة آلاف من جند الشام عبروا بعد هزيمتهم أمام ثورة البربر الكبرى سنة ١٢٣هـ/٧٤٠م فاستقرّوا. وفي أخبار استيلاء عبد الرحمن الداخل على الحكم سنة ١٣٨هـ/٧٥٦م أنّه جمع نحو ألف فارس من يمانية كورة إشبيلية، أي عربها المنتسبين إلى اليمن، والكورة الإقليم، وألفين من إلبيرة وريّه وشذونة، وأنّ عماده كان خمسمئة من موالي بني أمية المثبتين في الديوان، أي في سجلّ الجند. ويستخرج غيشار من ذلك عشرات الآلاف من المقاتلين، لا يقلّون في أدنى التقديرات عن ثلاثين ألفاً (ص ٦٨٢).
هنا موضع الخلاف الجوهري. صورة الرجل المنبتّ عن قومه حكمٌ مسبق في رأيه، ولا تتّفق مع مجتمع عربي قريب العهد بالبداوة يرتحل محاربوه بعشائرهم. وشاهده المؤرخ الكارولنجي بولس الشمّاس، فهو يصف المسلمين الداخلين إلى جنوب غالة، وهي فرنسا القديمة، نحو ١٠١هـ/٧٢٠م، وقد قدموا «بنسائهم وأولادهم كأنهم جاؤوا ليستوطنوا» (ص ٦٨٢–٦٨٣).
أقوى أدلّته أحداث الفتنة، أي الحرب الأهلية، في أواخر القرن الثالث الهجري، وقد ظهرت فيها الجماعات العربية في إشبيلية والثغر الأعلى، وهو إقليم الحدود الشمالي الشرقي، متميّزةً لم تندمج في غيرها، وكان الاضطراب في جوهره عرقياً. ففي إشبيلية تصدّر بنو حجّاج وبنو خلدون، وهم أسلاف ابن خلدون، رئاسةَ العرب، وقاتلوا المولّدين من أهل المدينة، والمولّدون هم المسلمون من أصل إسباني، وأقاموا من ٢٨٥هـ/٨٩٩م إلى ٣٠٠هـ/٩١٣م إمارةً شبه مستقلة فرضوها على الأمير عبد الله نفسه (ص ٦٨٣–٦٨٤). ولا ينكر غيشار المصاهرة، فسارة القوطية، حفيدة الملك غيطشة، تزوّجت زعيمين عربيين، ومنها تحدّر بنو حجّاج. لكنه يقرأ في الرواية المحلية المفصّلة لتلك الفتنة ما ينفي أن تكون هذه الأرستقراطية قد «اندمجت» في أهل البلاد (ص ٦٨٣). وفي الثغر الأعلى ناهض التجيبيون العرب بني قسي المولّدين. ولمّا سقطت الخلافة ورث السلطةَ في إشبيلية بنو عبّاد، وهم من لخم كبني حجّاج، وورثها في سرقسطة فرعٌ من تجيب (ص ٦٨٤).
أمّا البربر فهم في تقديره أكثر من العرب عدداً بكثير. قدّم بطنٌ واحد منهم من نواحي رندة، هم بنو الخليع، أربعمئة فارس للداخل، في حين لم يقدّم له يمانية إشبيلية كلّهم إلا ألفاً، ثم جنّد الداخل عشرين ألفاً أكثرهم بربر، وجمع ابن القطّ سنة ٢٨٨هـ/٩٠١م ستين ألفاً من بربر ما بين الوادي الكبير ونهر تاجه (ص ٦٨٤). ويشهد لذلك اليعقوبي، وقد ذكر «قبائل البربر» في نواحي بلنسية، والإصطخري، وقد ذكر أقاليم تحمل أسماء مكناسة وهوّارة ونفزة، وتشهد له أسماء مواضع باقية إلى اليوم، كـMequinenza من مكناسة وAdzaneta من زناتة وAzuaga من زواغة (ص ٦٨٥). وكان بربر جبال قونكة وتيرويل يشتبكون مراراً بأهل طليطلة، وأقطعتهم الخلافة أراضيَ مقابل حماية الثغر، فخرجت منهم في عصر الطوائف، حين انقسمت الأندلس بعد سقوط الخلافة دويلاتٍ، دولٌ صغيرة كبني رزين وبني ذي النون. وقد خضعت طليطلة لبني ذي النون كما خضعت بطليوس لبني الأفطس، وهما المدينتان اللتان كانت فيهما نزعة المولّدين المحلية أشدّ ما تكون قبل الخلافة، والأسرتان كلتاهما ادّعت نسباً عربياً (ص ٦٨٥–٦٨٦). فالبربر تعرّبوا سريعاً لساناً وانتساباً، ولذلك كانوا رافداً من روافد «التشريق»، أي صبغ المجتمع بصبغة المشرق، ولم يكونوا رافداً للأسبنة. ومثلهم في ذلك اليهود، وهم ساميّو الأصل والثقافة، وإن انتهت حظوة بني النغريلة في غرناطة إلى مذبحة (ص ٦٨٦–٦٨٧).
أهل البلاد: المستعربون والمولّدون
للمستعربين، وهم النصارى الذين عاشوا في ظلّ الحكم الإسلامي وأخذوا بالعربية، مكانةٌ خاصة عند المؤرخين التقليديين، وأولهم سيمونيت في «تاريخ مستعربي إسبانيا» (Historia de los mozárabes de España). ويردّ غيشار هذه العناية إلى أنهم رأوا فيهم حفظة التراث الديني القومي أمام «الاضطهاد الإسلامي»، وأعانهم على ذلك ما بقي من نصوص لاتينية عن «شهداء قرطبة» في أواسط القرن الثالث الهجري (ص ٦٨٧). والمسألة عنده مسألة سرعة الانحسار. يعرض إحصاءَ ريتشارد بولييت المبنيّ على الأسماء الواردة في كتب التراجم، وهي معاجم سِيَر العلماء والأعيان، وفيه أنّ المسلمين لم يصيروا أكثر أهل البلاد إلا في القرن الرابع الهجري، ثم يعترض بأنّ بولييت نفسه يعدّ نتيجته هشّة، وبأنّ حوليات الفتنة تُظهر بلداً كان قد أسلم أكثره قبل ذلك، حتى في الريف. وبالحجّة نفسها يردّ ما ذكره ابن حوقل من ثورات فلاحين نصارى في الضياع الكبرى، فهو يراه نقلاً لحالٍ سبقت الخلافة (ص ٦٨٧–٦٨٨).
بقي للمستعربين في الخلافة حضورٌ هادئ، ومثاله ربيع بن زيد، صاحب «تقويم قرطبة» وأسقف إلبيرة، ثم بقيت لهم جماعاتٌ في طليطلة وبلنسية وريف مالقة إلى أواخر القرن الخامس. ثم توالت عليهم الضربات: أمر يوسف بن تاشفين بهدم كنيستهم الكبرى بغرناطة سنة ٤٩٢هـ/١٠٩٩م عن فتوى من فقهائه، ثم هُجّروا جماعاتٍ إلى المغرب بعد حملة ألفونسو الأول المحارب سنة ٥١٩–٥٢٠هـ/١١٢٥–١١٢٦م، وكانوا قد استنجدوه لها، ثم كاد يُقضى عليهم سنة ٥٥٧هـ/١١٦٢م، فلم يبق منهم في غرناطة، على ما يرويه ابن الصيرفي وقد عاصر الحدث، إلا نفرٌ قليل يصفهم بالذلّ والمهانة (ص ٦٨٨–٦٨٩).
أمّا المولّدون فلا تذكرهم الحوليات إلا ثائرين على سيادة الأرستقراطية العربية البربرية، ومن ذلك وقعة الحفرة بطليطلة سنة ١٨١هـ/٧٩٧م، وثورات بني عمروس وبني شبريط وبني قسي في الثغر الأعلى. وولّى الأمير محمد زعيمَ بني قسي موسى سرقسطةَ بين ٢٣٧هـ/٨٥٢م و٢٤٦هـ/٨٦٠م، وتلقّب موسى، على ما في رواية نصرانية، بـ«ملك إسبانيا الثالث» (ص ٦٨٩).
الخلافة: توحيدٌ بالتعريب ثم انفصال الحكم عن المجتمع
«ظلّت العناصر العرقية والدينية زمناً طويلاً فسيفساءَ من جماعات تعيش جنباً إلى جنب، لا بوتقةً تنصهر فيها» (ص ٦٩٠)
بهذه العبارة يصف غيشار المجتمع الأندلسي إلى نهاية الفتنة، ويرى أنّ عبد الرحمن الناصر وحّده حين أعلن الخلافة (٣١٦هـ/٩٢٩م)، وأنّ التعريب كان أساس هذا التوحيد، ولم يكن أساسه ذوبانَ الوافدين في أهل البلاد (ص ٦٩٠). غير أنّ هذا التوازن خادع، فقد انعزلت السلطة عن المجتمع على النمط الذي وصفه ابن خلدون، واعتمدت على مرتزقة من بربر المغرب في عهد الحكم المستنصر ثم المنصور بن أبي عامر، وعلى الصقالبة، وهم رقيقٌ أوروبيّ الأصل من السلاف وغيرهم (ص ٦٩١–٦٩٢). ويجعل غيشار تجارة الرقيق البيض سرَّ نموّ المريّة، فقد كانت محطة تجارية في أواخر القرن الثالث فصارت أحد أكبر موانئ البحر المتوسط. ويذكر القيان، وهنّ الجواري المدرَّبات على الغناء، وما كنّ يتلقّينه من تدريب، وآلاف العبيد والجواري في مدينة الزهراء (ص ٦٩٢–٦٩٣). وكان من غايات المنصور في «إصلاحه العسكري» أن يكسر الإطار القبلي للجند العربي (ص ٦٩٣).
الطوائف: لا إقطاع، ونساءٌ غير حرائر
لا يرى غيشار في عصر الطوائف «إقطاعاً» على النمط الغربي، والإقطاع هناك نظامٌ يحوز فيه السادة الأرض ويحكمون أهلها. فالحصون لم تكن ملكاً خاصاً لسادة، بل كانت مساكن ريفية محصّنة أو قلاعاً للدولة فيها حاميات مأجورة، والعسكر الذين استولوا على الحكم رأسوا جهاز دولةٍ بقي على طبيعته، والعواصم الإقليمية قلّدت «النموذج الخلافي» (ص ٦٩٤). والمجتمع عنده قسمان، الخاصّة التي تأخذ من الدولة والعامّة التي تؤدّي إليها، وبينهما العلماء، وهم قوةٌ لا بدّ للحكام من استمالتها (ص ٦٩٤–٦٩٥).
أثقلت كاهلَ هذه الدول الإتاواتُ (parias)، وهي فضةٌ كانت تدفعها إلى الممالك الشمالية. ويصوّر ابن حزم دورة المال تصويراً لافتاً، فالطاغية يجبي المكوس، أي الضرائب على السلع، وهي غير شرعية، ويدفعها إلى جنده، والجند يشترون بها من التجار والصنّاع، وهؤلاء يشترون من سائر الرعية، فإذا المال كلّه، ذهبه وفضّته، يدور في تصويره وسط نار جهنم (ص ٦٩٥).
من أدب الطوائف، ولا سيّما ما كتبه ابن حزم، استدلّ هنري بيريس على أنّ المرأة الأندلسية كانت أوفرَ حرية من أختها المشرقية، ورأى لذلك جذوراً «غربية». ويعترض غيشار صراحةً بأنّ الحكايات التي يُستدلّ بها تكاد كلّها تخصّ القيان والجواري، وبأنّ حريتهن من لوازم وظيفتهن ولا تتعدّى حدود رقّهن، وبأنّ ولّادة بنت المستكفي استثناء، وبأنّ الحرّة الشريفة كانت كنظيرتها في مدن المشرق مقيّدةً بحفظ شرف الأسرة (ص ٦٩٦).
القرن السادس: مدينة معرّبة وريفٌ من الجماعات
يبدأ غيشار في عصر المرابطين والموحّدين بالثقافة، فيرى فيه مالكيةً جامدة تعتمد المختصرات، وهي متون الفقه الموجزة، وتقاوم ما نزع إليه الغزالي (ت ٥٠٥هـ/١١١١م) من الجمع بين الفقه والتصوف، ويرى تصوّفاً شعبياً في الأرياف ذا نزعة مهدوية، أي ينتظر مهدياً مخلّصاً، انتهى إلى ثورة المريدين وإمامهم ابن قسي في غرب الأندلس سنة ٥٣٩هـ/١١٤٤م. ويلمّح إلى تعارضٍ بين المدينة والريف لا سبيل إلى إثباته (ص ٦٩٧–٦٩٨).
تضاءلت قرطبة حتى لم يبق فيها، على رواية ابن صاحب الصلاة، إلا اثنان وثمانون ساكناً، ويرجّح غيشار أنّ المقصود بيوت الأعيان (ص ٦٩٩). وزالت الفوارق العرقية، فلا يظهر للصقالبة أثر، ولا للتمييز بين المولّدين وغيرهم، والنِّسَب العربية، أي الانتساب إلى القبائل العربية، تعمّ الخاصّة والعلماء، والأندلسيون يعدّون أنفسهم عرباً في مقابل البربر الحاكمين. وفي عدد السكان يأخذ بتقدير توريس بالباس، وهو ثلاثمئة وخمسون نفساً للهكتار داخل الأسوار، فتكون طليطلة نحو سبعة وثلاثين ألفاً وغرناطة ستة وعشرين ألفاً، وبلنسية ستة عشر ألفاً يؤيّده عدد الدور في كتاب القسمة (repartimiento)، وهو سجلّ توزيع الأملاك على الفاتحين النصارى، وإشبيلية نحو سبعين ألفاً على مئتي هكتار (ص ٧٠٠).
يستخرج غيشار من رسالة ابن عبدون جهاز المدينة: صاحب السوق وصاحب الشرطة وصاحب المدينة، وهم تحت القاضي، ومعه مجلس شورى من المفتين هو خصيصةٌ أندلسية (ص ٧٠١). أمّا كبار التجار فغائبون عن المصادر الأدبية، لأنّ ابن سعيد لا يعدّ من أهل الأدب إلا رجال الدولة، فلا يكاد يُعرف عنهم إلا ما في وثائق الجنيزة عن يهود المريّة، وهي أوراقٌ خزنها يهود الفسطاط في كنيسهم، وما في شواهد قبور المريّة (ص ٧٠١–٧٠٢). ومع انحسار الأقليات ماتت الرومانثية بعد القرن الخامس، وهي اللغة المحلية المتفرّعة عن اللاتينية، وشاهد ذلك ما بيّنه روبرت برنز من أنّ مسلمي بلنسية ومرسية لم يكلّموا الفاتحين إلا بتراجمة (ص ٧٠٢).
في الريف يواجه غيشار تصوّراً شائعاً لفلاحين تستغلّهم المدن بالملكيات الكبيرة الغائب أصحابها وبعقود المزارعة، ويعارضه بثلاثة شواهد: وثائق الفتح الأرغوني لبلنسية، وهي تُظهر «جماعات» (aljamas) قوية تفاوض الملك وتحفظ نظام ضرائب معتدلاً قريباً من العُشر، ولا أثر فيها لحقوق سيادية خاصة؛ وحولية خايمي الأول، وفيها أنّ الجماعات نفسها، بمشورة شيوخها، هي التي سلّمت الحصون؛ والآثار، وقد كشفت أنّ الحصون كانت قرى مرتفعة أو ملاجئ لأهل القرى، ولم تكن قلاعاً إقطاعية (ص ٧٠٣). ويضيف إليها أسماء المواضع المبتدئة بـ«بني» (Beni-) في شرق الأندلس والجزائر الشرقية (جزر البليار)، وفتوى لابن رشد الجدّ عن قرية ذات أحياء يحمل كلٌّ منها اسم «قوم» ورثوه عن آبائهم، وأخرى عن بني عمٍّ يطالبون بحقّهم في ساقيةٍ نازعتهم فيها رحىً أقامها أحدهم مستنداً إلى السلطة (ص ٧٠٤). ويتّصل بذلك الريّ، ومنه قنوات ميورقة الجوفية، ونوبات الماء، أي تقسيمه بين المنتفعين بالتناوب، في سهل غانديا، وقد وصفها نصٌّ نصراني من أربعينيات القرن الثالث عشر الميلادي، وفي قرى هذا السهل أسماء «بني» أيضاً (ص ٧٠٤–٧٠٥). فالريف الأندلسي في رأيه جماعاتٌ من الفلاحين المالكين لأرضهم، ذات بنية عائلية أبوية قريبة مما بقي في المغرب إلى اليوم.
الخاتمة المدجّنة
بتسليم طليطلة سنة ٤٧٨هـ/١٠٨٥م بدأ الإسلام المدجّن، أي إسلام من بقي من المسلمين تحت حكم النصارى. وظلّ ألفونسو السادس يجبي «العُشر» (alessor)، وولّى المستعرب ششنند المدينة، ثم حُوّل الجامع إلى كاتدرائية خلافاً للعهد، بضغطٍ من الملكة كونستانثا ورئيس الأساقفة برنار دي سيديراك (ص ٧٠٥). وبقيت جماعاتٌ مسلمة في أرغون، وبدرجةٍ أقلّ في قطلونية الجديدة، ونصّت عهود تسليم تطيلة (٥١٣هـ/١١١٩م) وطرطوشة (٥٤٣هـ/١١٤٨م) على أن يخرج المسلمون إلى الأرباض، وهي الأحياء التي خارج الأسوار، وأن تبقى لهم أموالهم ودينهم وشرعهم ويؤدّوا العُشر. وهاجر كثير من خاصّتهم، كابن باجة، واتّسعت صور التبعية، ومنها «الشريك» (exarico)، وهو فلاحٌ يزرع أرض غيره بحصّة (ص ٧٠٦). ويختم بخلافه مع فكرة الامتزاج:
«هذه المجتمعات التي عاشت جنباً إلى جنب، في ظلّ سيادة النصراني على المسلم سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، لم تكن في رأيي شديدة التوافق» (ص ٧٠٦–٧٠٧)
فما كان هناك «تركيب»، بل كان «تعايش» (symbiosis) بعبارة برنز، وإن انتقل شيءٌ من التراث، كالريّ الذي كان على النصارى أن يتعلّموه كلّه من المسلمين. ثم نُقضت العهود، وانتهى الأمر إلى التنصير القسري فالإخراج (ص ٧٠٧).
٣٢. «أصلُحُ للمعالي»: في المكانة الاجتماعية للمرأة الأندلسية
عنوان المقالة من مطلع أبياتٍ لولّادة بنت المستكفي: «أنا واللهِ أصلحُ للمعالي». وتنظر بيغيرا فيما يدلّ عليه هذا الصوت، فتنتهي إلى أنّ شعر الأندلسيات في الحبّ لا يشهد لهنّ بحريةٍ لم تعرفها المرأة المسلمة في غير الأندلس، وأنّ معرفة مكانة المرأة تُطلب في الوثائق الفقهية قبل الشعر (ص ٧١٣).
المادة التي بُني عليها القول بالتحرّر سلسلةٌ من الشاعرات تمتدّ ستة قرون: ولّادة التي تمنح خدّها لعاشقها وقبلتها لمن يشتهيها وتواعده الليلَ كاتمَ الأسرار؛ ومتعة جارية زرياب، وقد صرّحت بحبّها للأمير عبد الرحمن الأوسط في مجلسه؛ وحفصة الحجارية في القرن الرابع؛ وأنس القلوب جارية المنصور بن أبي عامر في هواها لأبي المغيرة بن حزم؛ وأم الكرام بنت المعتصم صاحب المريّة في عشقها فتىً من خدم القصر؛ ونزهون الماجنة التي نازلت ابن قزمان والكتندي والمخزومي، وقالت إنها إن كانت أنثى في خلقتها فشعرها ذكر؛ وقسمونة من أسرة يهودية مثقفة؛ وحفصة الركونية، أبرز الشاعرات، تدعو أبا جعفر بن سعيد (ت ٥٦٠هـ/١١٦٣م) وتسمّيه جميلاً وتسمّي نفسها بثينته؛ وزينب المريّة (ص ٧٠٩–٧١١).
على هذه النصوص بنى فريقٌ من الدارسين صورة الأندلسية المتحرّرة. قال بها شاك في القرن التاسع عشر، ورأى أوغست كور سنة ١٩٢٠م في ولّادة «فتاةً متحرّرة» لا ترى الحبّ إلا فعلاً جسدياً. ونسب هنري بيريس تساهل الإسلام الأندلسي في أمر المرأة إلى جوٍّ صنعته العادات النصرانية، واستشهد بولّادة وبالجارية «الغلامية»، أي التي تتزيّا بزيّ الغلمان. وقارن شوقي ضيف دور المرأة في الأدب الأندلسي بدورها في الأدب الفرنسي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وردّ محمود صبح هذه الحرية إلى مخالطة المسلمين للنصارى، وتساءل لِمَ لم يعرف العصر العباسي، على تنوّعه، شاعراتٍ في مثل هذه الحرية (ص ٧١١–٧١٢).
في الجهة الأخرى يقف بيير غيشار، ومعه ماريا خيسوس روبييرا ماتا. يفسّر غيشار التناقض بين هذه «الحرية» وغلبة البنى «الشرقية» بأنّ عالم النساء كان عالمين، فالحرائر محجوبات مادياً ومعنوياً، والجواري والقيان في قلب الحياة الأندلسية. ويستشهد بقول ابن رشد إنّ النساء في مدن زمانه لا يُتّخذن إلا للنسل وخدمة الأزواج، فهنّ كالنبات، وإنّ كونهن عالةً على الرجال من أسباب فقر تلك المدن. وتضيف روبييرا أنّ الحرّة من الطبقة العليا لا تخرج من عزلتها إلا إذا افتقرت فعملت كما تعمل الإماء، وأنّ جواري العمل وجواري اللذّة وحدهن كنّ يحضرن مجالس الشعر (ص ٧١٢–٧١٣). وتنضمّ بيغيرا إليهما:
«الوقائع، في ضوء ملاحظات غيشار وروبييرا، لا تسمح بالقول بحرية حقيقية للمرأة في الأندلس» (ص ٧١٣)
أمّا المصادر فعيبها الأول أنها كلّها من صنع الرجال، حتى إنّ بعض ما نُسب إلى الشاعرات نظمه رجال، وعيبها الثاني أنها لا تذكر المرأة إلا قريبةً لرجل أو خادمةً له (ص ٧١٣). وأنفعها عند بيغيرا الوثائق العملية من أحكام القضاة والعقود والفتاوى، لأنها تضع القاعدة المثالية أمام الواقع. ثم كتب الأدب، كالكتاب الحادي والعشرين من «العقد الفريد»، وقد خُصّص للنساء، و«بهجة المجالس» لابن عبد البرّ، وأكثر ما في هذين مادةٌ مشرقية تتردّد بين كراهية المرأة وتمجيدها؛ ومن كتب الأدب أيضاً رسالة أبي بكر الرندي في سوق الرقيق، ووصف ابن الخطيب لتبرّج نساء غرناطة، وأمثال الزجّالي في القرن السابع، وهي تصوّر الحرّة التي لا تعمل وحظوة ابن الحرّة وبؤس من خلّف سبع بنات (ص ٧١٤–٧١٥).
تنطلق بيغيرا من أنّ تمثيل الجماعة في الإسلام الوسيط كان شأن الرجال، فالذكورة من شروط الإمام، لأنّ المرأة عند الغزالي ضعيفة بطبعها، وقد استثنى عبد المجيد تركي ابنَ حزم من هذا الإجماع. والأسرة الأندلسية في جوهرها أبوية عصبية، أي تقوم على النسب من جهة الأب، وإن كانت الدراسات الحديثة أقلّ جزماً في ذلك. وتشهد لرغبةٍ في الاقتصار على زوجة واحدة رواية ابن الخطيب أنّ محمد بن يوسف بن هود وعد زوجته ألّا يتزوّج عليها، ثم هوي أسيرةً نصرانية حين تملّك (ص ٧١٥–٧١٦).
لا تبرز المرأة في المصادر إلا بقدر قربها من رجل ذي شأن. فابن حزم في «نقط العروس» يذكر الأميرة الحمّودية التي سمّت زوجها ثأراً لأخيها، وكان أبوها وجدّها وأخوها وزوجها كلّهم خلفاء، ثم لا يذكر اسمها (ص ٧١٦–٧١٧). وغلبت اعتماد الرميكية على المعتمد حتى اشتقّ لقبه من حروف اسمها، وحملته على قتل ابن عمّار، على رواية ابن الأبّار. وكانت أمّ الأمير عبد الله بن بلقين حاضرةً في خلعه، ودبّرت مريم أمّ إسماعيل مؤامرةً سنة ٧٦٠هـ/١٣٥٩م على محمد الخامس، وسعت فاطمة أمّ أبي عبد الله الصغير في فكاكه. وكلّ ما عملته المرأة في السياسة سُمّي «دسائس قصر»، لأنّ الشرع أبعدها عن السياسة (ص ٧١٧).
كان في مدينة الزهراء ستة آلاف وثلاثمئة وأربع عشرة امرأة بين زوجة وسرّية وقريبة وخادمة، والجواري قسمان، للخدمة وللّذّة (ص ٧١٨). وتحصي كتب التراجم مئةً وستّ عشرة امرأة متعلّمة بين القرنين الثاني والثامن، لم تُوصف منهن بالعالمة إلا اثنتان، وأكثرهن شاعرات (أربع وأربعون)، ثم أديبات (اثنتان وعشرون)، ثم كاتبات (إحدى عشرة)، وقليلاتٌ منهن في القرآن والحديث والفقه، ومنهن زوجة قاضٍ بلوشة كانت أعلم بالفقه من زوجها، وطبيباتٌ لم يعالجن إلا النساء (ص ٧١٨–٧١٩). وتختم بأنّ الوثائق الفقهية التي لم تُستثمر بعد هي وحدها الكفيلة بتجاوز «المحرّمات» التي فرضها المجتمع العربي التقليدي على المرأة، وهي محرّماتٌ لا تزال تحجب عنّا الواقع (ص ٧١٩).
٣٣. ثقافة المطبخ في الأندلس
مادة مقالة وينز كتابان في الطبيخ من أواسط القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي: «فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان» لابن رزين التجيبي المرسي، وقد جمعه بين ٦٣٦هـ/١٢٣٨م و٦٤٠هـ/١٢٤٢م قبيل سقوط مرسية، والكتاب المجهول المؤلف الذي نشره أمبروسيو ويثي ميراندا سنة ١٩٦٥م، ويرجّح ناشره أنّ صاحبه أندلسي عاش قبل سقوط إشبيلية (٦٤٦هـ/١٢٤٨م) (ص ٧٢٥، ٧٣٤). ويحتجّ وينز بأنّ تقاليد الطبخ محافظة بطبعها، فالكتابان يصوّران ذوقاً يرجع إلى القرنين الثالث والرابع، ويحملان أثر المطبخ الرفيع الذي نشأ في بغداد منذ هارون الرشيد، وفي المجهول بابٌ باسم إبراهيم بن المهدي، وهو الذي يُرجَّح أنه صنّف أول كتاب طبيخ بالعربية (ص ٧٢٥، ٧٣٤). وهما وحدهما يفتحان باب المطبخ المنزلي، فكتب الأغذية الطبية تنظر إلى الفرد وحِميته، وكتب الأدب كـ«العقد الفريد» تنقل طرائف الطعام، وكتب الحسبة، وهي كتب الرقابة على الأسواق، تحذّر ضمناً من طعام السوق لكثرة غشّه، فطبخ البيت أطيب وآمن معاً (ص ٧٢٥).
يمثّل الكتابان عنده طبقةً وسطى من أهل المدن، من الصنّاع والعلماء والكتّاب، ولا يمثّلان البلاط ولا الفقراء ولا أهل الريف؛ وشاهده أنّ ثريداً مترفاً يسمّى «الكامل» يُنبَّه فيه على أنه من أطعمة الملوك والوزراء (ص ٧٢٦). وبهذا يخالف جاك غودي، وقد رأى في كتب الطبيخ العربية مطبخ بلاطٍ صنّفه كبار القوم فأسقطوا منه الطعام العادي، ويرى أنه أساء فهمها (ص ٧٣٥ ح ٧). ويصحّح ليفي بروفنسال في موضعين: قوله إنّ الأندلسيين لم يشربوا إلا الماء المعطّر، وقد حفظ الكتابان أنواع الأشربة، وقوله إنّ ربّة البيت كانت تطبخ في الطبقتين الدنيا والوسطى، ولا نصّ يسنده (ص ٧٣٦ ح ٢٢، ٢٥). ويوافق ابن خلدون على أنّ اللحم والقمح الجيد قوام طعام أهل المدن، ويخالفه في ردّه صحة الأندلسيين إلى الذرة وزيت الزيتون (ص ٧٢٦).
المطبخ في الكتابين ورشةٌ كثيرة العمل، فيه الكانون للقدور، والتنّور للخبز والشيّ، تُدخَل فيه الذبيحة كاملةً في سفّود ويُطيَّن عليها، ويُقصد الفرن العام في الحيّ للخبز اليومي ولما لا يسعه البيت (ص ٧٢٦–٧٢٧). والقدور من فخّار مزجّج أو غير مزجّج، أو من نحاس مقصدر، أي مطليّ بالقصدير. وينصح الكتابان بقدر فخّار جديدة كل يوم، ومزجّجة جديدة كل خمسة أيام، لأنّ الخدم يقصّرون في غسلها، ومن هنا تُفتتح وصفات كثيرة بـ«خذ قدراً جديدة» (ص ٧٢٧). واللحم والدجاج والسمك تُذبح وتُعدّ طازجة، وفي ذلك ردّ على الزعم الشائع أنّ التوابل كانت تستر نتن اللحم (ص ٧٢٨).
في هذا المطبخ يُصنع الجبن بالإنفحة في مارس وأبريل ويُترك إلى مايو، وتُخلَّل الكوامخ، وهي مشهّيات مخمّرة، ويُعدّ المُرِّي، وهو تابلٌ سائل مخمّر، في تسعين يوماً تبدأ من أواخر مارس، أو في يومين على الطريقة المستعجلة، وأشيعه ما صُنع من الشعير، ولم يكن من السمك، خلافاً لمن ردّه إلى «الغاروم» الروماني، وهو صلصة سمك (ص ٧٢٨–٧٢٩، ٧٣٦ ح ٢٠). ويتّصل الطبخ بالطبّ، فتُذكر منافع الأطباق على الأمزجة، وتُصنع المعاجين والأشربة والجوارشنات، وهي معاجين هاضمة. وللأشنان، وهو مسحوق تُغسل به الأيدي، مراتب: بالكافور والمسك للملوك، وبالحمّص للعامّة، وبينهما صنف «وسط» (ص ٧٢٩–٧٣٠).
أمّا ما انفرد به الأندلسيون أو عدّوه من أطعمتهم، فالتجيبي يذكر في مقدمته أنه أثبت كثيراً من «الأندلسيات»، ومنها الطليطلية، وهي فطائر هلالية محشوّة بالجبن والأنيسون (ص ٧٣١). ولحم البقر حاضرٌ في الكتابين، وله عند التجيبي باب، وهو يكاد يغيب عن الكتب المشرقية. ومنه طبقا «الصنهاجي» المنسوبان إلى صنهاجة، قبيلة المرابطين، ولا يُعرف أكان ذلك أثراً بربرياً أم أقدم منه. ويشهد لشيوعه ابن زهر بقوله إنّ أكله عادةٌ خارجة عن رأي الأطباء، وإن بقي الضأن أحبّ اللحوم (ص ٧٣٢، ٧٣٦ ح ٣١). ومن الأطباق التي يقف عندها «التفايا» البيضاء والخضراء، وهي مرقة لحم تُنسب إلى زرياب، ويسمّيها المجهول باسمها المشرقي «الإسفيذباج»، ويفضّلها شاعرٌ على «المثلّث» لخضرتها، ويكره المثلّث لزعفرانه (ص ٧٣٢). ومنها «المجبّنة»، وهي فطيرة الجبن التي بقيت في الإسبانية almojábana، ويُنصح فيها بجبن ثلاثة أرباعه من الغنم وربعه من البقر، و«المرقاس»، وهو نقانق يقابلها «اللقانق» المشرقي، والبنادق، وهي كرات اللحم، وتغطية الأطباق بطبقة من البيض، وقد منعها محتسبٌ على طبّاخي السوق لأنها تخفي ما تحتها (ص ٧٣٢–٧٣٣). والكسكسو شائع، حتى إنّ المجهول لا يذكر منه إلا «الفتياني» المراكشي، وللتجيبي فيه خمس وصفات، وقِدره المثقوبة أداةٌ لا يعرفها المطبخ المشرقي (ص ٧٣١، ٧٣٣–٧٣٤). وفي المجهول أربعة أطباق يهودية لا يعرف وينز لها نظيراً في كتب الطبيخ العربية (ص ٧٣٤).
«في ما قُدّم هنا قدرٌ من الدفاع عن كتب الطبيخ، كي يوليها دارسو الثقافة العربية الوسيطة عنايةً أكبر مما أولوها إلى اليوم» (ص ٧٣٤)
٣٤. صورة تقريبية لاقتصاد الأندلس
وقف سيزار دوبلر وليفي بروفنسال عند قوائم الغلّات والصناعات والمدن، ويريد شالميتا أن يجاوزها إلى تحليل اقتصادي كلّي، ينظر إلى الاقتصاد جملةً، ويفسّر كيف كان المجتمع يعمل (ص ٧٤٣). ويحصر موضوعه في الأندلس المستقرّة الحدود، أي ما جنوب نهر دويرة مع وادي إبره، وفي المدة الممتدّة من سقوط برشلونة وطركونة في يد الإفرنج (١٨٥–١٩٢هـ/٨٠١–٨٠٨م) إلى إلغاء الخلافة سنة ٤٢٢هـ/١٠٣١م، لأنّ هذه المدة وحدها تؤلّف كياناً متماسكاً لم يستطع المرابطون ولا الموحّدون ولا بنو نصر أن يعيدوه (ص ٧٤١). ومنطلقه تعريف:
«ينبغي أن تُصنَّف الأندلس، من الوجهة الاقتصادية، مجتمعاً قائماً على الجباية» (ص ٧٤٣)
فالأندلس عنده بنيةٌ سابقة للرأسمالية، زراعية في جوهرها، تنتزع الدولة فائضها بالضرائب، وهذا معنى الجباية هنا. ولمّا كانت الضريبة نسبةً من الإنتاج، أمكن، إذا عُرف مبلغها وطريقة فرضها ومحاسبتها، أن يُستخرج منها حجم الإنتاج وعدد السكان والميزانية (ص ٧٤٤–٧٤٥). ويعترف بأنّ نتائجه أشدّ تخميناً مما يرضاه العلم، ويستحضر قول غويتاين إنّ دراسة الأسعار من المصادر الأدبية العربية معادلةٌ بأربعة مجاهيل، ثم يمضي على حكمة مكيافيلي في أنّ الفعل مع الندم خيرٌ من القعود معه (ص ٧٤٤).
كانت هناك إحصاءات في رأيه، غير أنّ أكثرها ضاع، ومنها إحصاءات الذكور البالغين من أهل الذمّة، وهم النصارى واليهود في ذمّة المسلمين وحمايتهم، منذ ولاية عبد العزيز بن موسى وعقبة ويوسف الفهري، وإحصاء أوستيغيسيس لأسقفية مالقة سنة ٢٤٨هـ/٨٦٢م، وتعديل السمح بن مالك للأرض (١٠٠–١٠٣هـ/٧١٨–٧٢٠م)، أي مسحها وتقدير ما عليها، ليميّز الخراجي من العشري، وقوائم المنصور بن أبي عامر، وجدول العذري لجبايات أقاليم كورة قرطبة (ص ٧٤٤). وفي نظام الجباية العُشر على المسلم، وهو حصّةٌ من الغلّة، والجزية والخراج على الذمّي، الأولى على الرأس والثاني على الأرض، والمكوس والمغارم على الجميع، والفداء من الخدمة العسكرية على المسلمين، و«الطبل» أو الطسق على المولّدين (ص ٧٤٥). وهذا الطبل عنده هو الخراج القديم نفسه، تغيّر اسمه حين أسلم صاحب الأرض وبقي مقداره، فلم يكن المولّد يدفع العشر فوقه، بل كانت الزكاة عليه واجباً دينياً يؤدّيه بنفسه، على ما يصفه «التبيان» للأمير عبد الله بن بلقين (ص ٧٤٦–٧٤٧). وأهمّ ملاحظاته المنهجية أنّ المؤرخين والجغرافيين كتبوا لمسلمين عن مسلمين، فكلّ ما يسمّونه «جباية الأندلس» يسقط منه ما أدّاه أهل الذمّة (ص ٧٤٥).
حسابه الأول على كورة قرطبة نحو ٢٠٦هـ/٨٢٢م، يجمع فيه العذري و«ذكر بلاد الأندلس» وما نقله المقّري عن ابن غالب والبكري. فيجد فيها نحو ألف وثمانين قرية، وعُشراً من الحبوب يقدّره بنحو ١١٬٢٧٥ مُدياً، والمُدي مكيالٌ أندلسي، على خمسة عشر إقليماً، ويجده عند ابن غالب نحو ١٢٬٢٤٦، والفرق بينهما عُشرٌ يكفي للتحذير من الإسراف في الافتراضات (ص ٧٤٦). وبلغت ضريبة الحشود نحو ٢٩٬٧١٣ ديناراً، وقد أحدثها الحكم الربضي نحو ١٨٤هـ/٨٠٠م، وأسقطها الأمير محمد سنة ٢٣٨هـ/٨٥٢م هديةً لأهل العاصمة عند بيعته، وبلغ الطبل نحو ١٩٬٢٥٥ (ص ٧٤٦). غير أنّ المجموع الذي تذكره المصادر للكورة، وهو بين ١١٠٬٠٢٠ و١٤٢٬٠٠٠ دينار، يزيد على المحصّل نقداً (٥٠٬٩٥٥) بفجوةٍ تبلغ ٥٣٫٦٪ إلى ٦٤٪ من المجموع، ولا تسدّها المكوس. فيستنتج أنها الخراج المأخوذ من أهل الذمّة، وأنّ أملاكهم في كورة قرطبة كانت ثلاثة أضعاف أملاك المولّدين إلى خمسة أضعافها (ص ٧٤٧–٧٤٨).
ثم يعمّم النتيجة على الأندلس كلها بمعاملٍ، أي عددٍ يُضرب فيه، يستخرجه من مقارنة قرى الكور الإحدى عشرة في «ذكر بلاد الأندلس»، ومن مقارنة جباية ست كور عند العذري بجباية قرطبة، فيتوسّط بين ١٣٫٩٥ و١١٫٤٩ ويأخذ ١٢٫٧٢. فتكون جباية المسلمين نحو مليون ونصف دينار، والجزية نحو مليون، بمعامل عشرة يعترف بأنه «انطباع» (ص ٧٤٨–٧٤٩). ويفترض عُشراً متوسّطه ٧٫٥٪، وينبّه إلى أنّ النصاب، وهو أدنى ما تجب فيه الزكاة، خمسة أوسق أو نحو ٩٧١ كيلوغراماً، فيُعفى منه صغار المزارعين. فيقدّر إنتاج أراضي المسلمين من الحبوب بما يكفي خمسة ملايين نفس، وإنتاج أراضي الخراج والطبل بما يكفي أربعة ملايين ونصفاً إلى ستة ملايين، ثم ينزل، بعد حساب البذار والاحتياط، إلى أنّ السكان لم يزيدوا على سبعة ملايين (ص ٧٤٩–٧٥٠).
تدلّ هذه الأرقام عند شالميتا على نموّ. فقد كان نصف الأرض المزروعة نحو ٢٠٦هـ/٨٢٢م عُشرياً، في يد العرب الأوائل ومن سالمهم، أي عقد معهم الصلح، كورثة غيطشة وأملاكهم الثلاثة آلاف، ولم يُقطَع الشاميون أرضاً، وجرى الانتقال بهدوء في زمن انكماش سكاني، فأوقف الفتحُ الانحدار القوطي وأطلق حركة نموّ (ص ٧٥٠). وجباية الناصر التي يذكرها ابن عذاري، وهي ٥٬٤٨٠٬٠٠٠ دينار ومعها ٧٦٥٬٠٠٠ من المستخلص، أي أملاك الدولة الخاصة، ومن التجارات، تبلغ ثلاثة أضعاف ونصف جباية عهد الحكم الربضي، وقد صارت قرى كورة قرطبة بعد ٣٣٩هـ/٩٥٠م ثلاثة آلاف (ص ٧٥٠–٧٥١). ويستدلّ بتضخّم المستخلص على اتّساع المصادرات، وبقائمة ابن حوقل ذات الأبواب التسعة على صعود الضرائب التجارية، وبإسلام أكثر من نصف السكان في عهد الناصر على تراجع الجزية بنصفها أو أكثر (ص ٧٥١–٧٥٢).
أمّا الميزانية الحقيقية فيدخل إليها من باب النقد. فضمانُ دار السكّة عند ابن حوقل، أي ما يؤدّيه للدولة من يلتزم الضرب، مئتا ألف دينار في السنة، وإذا كانت رسوم الضرب ١٫٧٥٪ للفضة و٣٪ للذهب، تراوح المضروب بين ما يزيد على ستة ملايين دينار وأحد عشر مليوناً ونصف، وهذا فوق ما تحتاجه جبايةٌ رسمية قدرها ستة ملايين وربع مليون (ص ٧٥٢). ويؤيّده ما سمعه ابن حوقل من ثقات الجباة أنّ مال عبد الرحمن الناصر نحو ٣٤٠هـ/٩٥١م قارب عشرين مليون دينار، وما يرويه المقّري من أنّ لكلّ وزير أربعين ألف دينار في السنة، والوزراء فوق العشرة، فتبلغ رواتبهم ثمانية في المئة من الجباية، وهي نسبةٌ لا تستقيم (ص ٧٥٢–٧٥٣). فيخلص إلى أنّ «الجباية» جزءٌ من الدخل لا كلّه، وأنّ بجانبها نظاماً موازياً خارجاً عن «القانون»، فيه المواريث التي لا وارث لها وأثمان السبي والمصادرات، على ما ينصّ عليه ابن حيّان في عهد المنصور، وفيه ضريبةٌ عسكرية إلزامية فرضها المنصور على أملاك الناس كلّهم، بشهادة الأمير عبد الله والطرطوشي. ويخلص كذلك إلى أنّ الكور كانت تنفق محلياً وترسل الفائض وحده، وإلى أنه لا يُعقل أن يبني المنصور بميزانية أربعة ملايين قصراً كلّفت موادّه خمسة ملايين ونصفاً (ص ٧٥٣–٧٥٤). ويقدّر الدخل المالي للدولة بنحو ثمانية عشر مليون دينار، والدخل الإجمالي للبلاد بين ستة وثلاثين وأربعة وخمسين مليوناً (ص ٧٥٤).
ثم يتحقّق من عدد السكان بطريق ثانٍ. فيابرة أربعة آلاف وسبعمئة وثلاثون نفساً سنة ٣٠٠هـ/٩١٣م، ومثلها في الحجم ثلاثون بلدة، وعشر مدن قدّرها توريس بالباس، وقرطبة بين تقدير أسوارها (٢٢٠ ألفاً) وإحصاء المنصور لدورها (٢١٣٬٠٧٧ داراً للعامة، أي نحو ٨٥٠ ألف نفس)، فيأخذ لها نصف مليون؛ فأهل المدن نحو ٩٣٠ ألفاً، وأهل الريف عشرة أضعافهم، والمجموع نحو عشرة ملايين وربع مليون في عهد الخلافة (ص ٧٥٥). ويكون متوسط العبء الضريبي بين ٩ و١١٫٢٥ ديناراً على الأسرة، ومتوسط الدخل بين ١٤٫٤ و٢٧ ديناراً، وهذا يوافق ما عند السقطي والمقّري من أجور (ص ٧٥٥–٧٥٦). ويختم بحكم على الشمال النصراني:
«الأندلس، منذ ٤٠٠هـ/١٠٠٩م وطوال خمسة وسبعين عاماً، قدرت أيضاً على أن تعيل كياناً اجتماعياً آخر، خارجياً طفيلياً، هو الممالك النصرانية في الشمال، وأن تموّل نموّه على غير إرادة منها» (ص ٧٥٦–٧٥٧)
فالطبقات العليا في المجتمع النصراني الإسباني فضّلت عنده سياسة «الحماية والابتزاز» وطلب «الغنيمة والإتاوات» (botín y parias) على تنمية مواردها (ص ٧٥٦).
٣٥. التجّار المسلمون في تجارة الأندلس الدولية
صاحب الدكّان خارجٌ عن موضوع كونستابل، فهي تتتبّع التاجر المسلم الذي يحمل البضائع بين الأندلس وسائر البحر المتوسط. وأطروحتها أنّ المسلمين كانوا، مع اليهود، أصحاب هذه التجارة منذ العهد الأموي في القرن الرابع الهجري إلى أواسط القرن السابع، ثم تكاد أخبارهم تنقطع بعد نحو ٦٥٠هـ/١٢٥٠م، حين صارت الموانئ والطرق البحرية إلى النصارى وانقلب سلّم التجارة كلّه (ص ٧٥٩–٧٦٠). وهي تحذّر من أيّ تقدير كمّي، لأنّ مادتها شذراتٌ من كتب التراجم والحسبة والفتاوى والجغرافيا، ومن رسائل الجنيزة والوثائق اللاتينية. وكتب التراجم لا تُبرز إلا صنفاً واحداً هو «التاجر العالم»، ولا تثبت كونستابل منهم إلا من وُصف بأنه قدم «تاجراً» أو كان معاشه من التجارة، وتترك من لم يحمل إلا لقب «التاجر». وتنبّه إلى تحيّزٍ في هذه الكتب، فأصحاب التراجم يذكرون التجارة سبباً لقدوم المشارقة، ويؤثرون ذكر الحجّ سبباً لرحلة الأندلسيين إلى المشرق (ص ٧٦٠، ٧٦٩ ح ١).
للتجّار عند أبي الفضل جعفر الدمشقي في «الإشارة إلى محاسن التجارة» ثلاثة أصناف تستعيرها كونستابل: الخزّان الذي يدّخر السلعة حتى تغلو، والركّاض الذي يسافر بها، والمجهّز المقيم الذي يدير شبكة من الشركاء. وأكثر من تعرفه المصادر ركّاضون، لأنّ السفر هو ما أدخلهم التاريخ (ص ٧٦١). والدين عندها يفرّق التجّار أكثر مما يجمعهم البلد. فموسى بن ميمون يوصي ابنه ألّا يصادق في أسفاره إلا إخوانه الأندلسيين، ويعني اليهود منهم، وللنصارى طرقٌ بحرية شمالية وللمسلمين واليهود طرق جنوبية، والخشب يتّجر فيه المسلمون والنصارى دون اليهود، ولا يبيع أحدٌ رقيقاً من أهل دينه (ص ٧٦١–٧٦٢).
«كانوا يعقدون صفقات فردية فيما بينهم، لكنهم لم يعقدوا قطّ، أو قلّما عقدوا، شركاتٍ دائمة بين أهل الأديان المختلفة» (ص ٧٦٢)
تُظهر شواهدها القرن الرابع عصراً خصباً. فابن حوقل يذكر أندلسيين في طبرقة وجاليةً في طرابلس، والرازي يذكر تاجراً يتردّد إلى إفريقية، أي تونس وما حولها، سنة ٣٦١هـ/٩٧٢م، وفي سنة ٣٤٤هـ/٩٥٥م أُرسلت سفينة كبيرة إلى مصر فعادت محمّلة. وأعجب الأخبار خبر أبي محمد بن معاوية المرواني، خرج من قرطبة حاجّاً سنة ٢٩٥هـ/٩٠٨م، وتاجر في بغداد والبصرة والهند حتى جمع ثلاثين ألف دينار، ثم غرق مركبه، فعاد بعد ثلاثين سنة معدماً يعلّم في قرطبة (ص ٧٦٣). ويعدّد حسداي بن شبروط التجّار الوافدين من مصر ومن خراسان، ويذكر ابن سهل، الفقيه القرطبي (ت ٤٨٦هـ/١٠٩٣م)، أنّ دعاة الإسماعيلية، وهي مذهبٌ شيعي، كانوا يتستّرون بالتجارة والعلم والسياحة الصوفية (ص ٧٦٤). وفي القرن الخامس تكثر الشواهد الفقهية على تجّار غائبين، كدعوى سنة ٤٥٨هـ/١٠٦٦م على شريك مفقود بفاس، وخادمةٍ بغرناطة غاب سيّدها التاجر في تونس (ص ٧٦٤). والمفارقة التي تتوقّف عندها أنّ ابن بشكوال يذكر اثنين وعشرين تاجراً عالماً من المشرق واليمن والمغرب قدموا الأندلس بين ٤١٤هـ/١٠٢٣م و٤٣٢هـ/١٠٤١م، في أشدّ أيام الفتنة اضطراباً، ولا يذكر في القرن التالي إلا اثنين (ص ٧٦٤–٧٦٥).
أمّا قلّة التجّار العلماء في القرن السادس فتردّها إلى أسباب غير تجارية، لعلّها مجيء المرابطين والموحّدين، لأنّ الشواهد الأخرى لم تنقص. فهناك فتوى للمازري عن تاجر مغربي في الأندلس، ورسائل من الجنيزة سنتي ١١٣٨م و١١٤٠م عن تجّار مسلمين قدموا من الإسكندرية وليبيا، وثلاثة شواهد قبور في المريّة (٥١٩هـ و٥٢٧هـ و٥٤٠هـ) يحمل أحد أصحابها نسبة الشاطبي، وكان آخرُ تاجراً من الإسكندرية (ص ٧٦٥). وفي عصر الموحّدين تزيد الأخبار قليلاً، فالإدريسي يذكر نحو ٥٥٠هـ أنّ زيت الأندلس يُحمل إلى سلا مقابل القمح، ويرى بنيامين التطيلي في الإسكندرية نحو ٥٦٠هـ/١١٦٥م تجّاراً من الغرب الإسلامي، ويذكر ابن الأبّار خمسة تجّار علماء ماتوا بين ٥٨٠هـ/١١٨٤م و٦٤٢هـ/١٢٤٥م (ص ٧٦٥–٧٦٦).
يتميّز التاجر الأندلسي عن نظيره المشرقي بتجارته في الممالك النصرانية المجاورة، على تشدّد فقهاء المالكية في الغرب في التجارة إلى دار الحرب، أي البلاد التي لا تخضع لحكم المسلمين، فقد نقل سحنون عن مالك كراهيته الشديدة لها، ونهى عنها من فقهاء الأندلس ابنُ حزم، وهو ظاهري، وابنُ رشد، ثم ابنُ جزي من بعدهم. والشاهد مواثيق المدن النصرانية (fueros)، وهي مواثيق تحدّد حقوق أهل المدينة، وفيها ذكرٌ لـ«التجّار المورو»، أي المسلمين: ميثاق يابرة سنة ١١٦٦م وميثاق سانتا ماريا دي كورتيس وميثاق قاصرش سنة ١٢٣١م (ص ٧٦٦، ٧٧٢ ح ٣٦). أمّا ما وراء جبال البرتات، وهي البرانس، فلا يكاد يُعرف عنه شيء، على القاعدة العامة في أنّ اليهود والنصارى كانوا يتّجرون في كل مكان والمسلمين داخل دار الإسلام (ص ٧٦٦–٧٦٧).
ثم جاء الانقلاب. منح فرناندو الثالث وخايمي الأول امتيازات للتجّار النصارى والأجانب، ونال الجنويون حرياتٍ واسعة في جنوب قشتالة، وجعل ألفونسو العاشر سنة ١٢٦٤م على أسطول مملكته أميرَ بحرٍ جنوياً، واحتكرت السفن النصرانية الطرق الشمالية الآمنة، ونشأت طرقٌ مباشرة بين إيطاليا وشمال إفريقيا فخسر الساحل الأندلسي مكانه (ص ٧٦٧–٧٦٨). وتبدّلت السلع: جوخ الأراضي المنخفضة وإيطاليا وفرنسا، وصوف قشتالة الذي نافس صوف إنجلترا بحلول ١٣٥٠م، وتراجع الحرير الأندلسي أمام الحرير الإيطالي، وحلّ الحديد والشبّ محلّ النحاس، ولم يبق متّصلاً إلا الجلد القرطبي وورق شاطبة، لأنهما لم يواجها منافسةً من الخارج (ص ٧٦٨–٧٦٩). وصارت شبه الجزيرة مورّداً للمواد الخام على هامش الغرب الأوروبي، بعد أن كانت سوقاً وسيطة في قلب التجارة الإسلامية، وانصرف التجّار المسلمون إلى موانئ شمال إفريقيا وشرق المتوسط والمحيط الهندي (ص ٧٦٩).