٢٤. الموسيقى في إسبانيا المسلمة
على حقيقةٍ واحدة يبني أوين رايت مقالته، يقرّرها في أولها ويعود إليها في آخرها، وهي أنّ موسيقى الأندلس نفسها لا سبيل إلى استخراجها. فالصنعة كانت تؤخذ سماعاً من الأستاذ، ولم يدوّن أهلها ألحانهم وإن عرف المنظّرون التدوين، فليس بين أيدينا ما يقابل ذخيرة المدوّنات اللحنية التي يقوم عليها درس الموسيقى الأوروبية في العصور الوسطى (ص ٥٥٥). ولم يبق إلا شواهد من الدرجة الثانية: أخبارٌ متفرّقة في كتب التاريخ والأدب والفقه وألفاظٌ للصنعة دخل بعضها اللغات الأوروبية وصورٌ للآلات. وهي على قلّتها أفقر مما للمشرق، إذ ليس في الأندلس ما يقابل مؤلفات الكندي والفارابي وابن سينا وصفي الدين الأرموي في نظرية الموسيقى، ولا ما يقابل «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني في الأخبار. وقد قيل إنّ لابن باجة كتاباً يضاهي «كتاب الموسيقى الكبير» للفارابي، لكنه مفقود، فلم يبق ذا غَناء إلا فصلان من موسوعة التيفاشي (ت ٦٥١هـ/١٢٥٣م) «متعة الأسماع في علم السماع» (ص ٥٥٥، ٥٧٩). أمّا التقاليد المغاربية الحديثة فيُستأنس بها، ولا يُنتظر منها أن تكون قد حفظت موسيقى الأندلس كأنها محنّطة خلف زجاج (ص ٥٥٥).
زرياب بين الخبر والرمز
سيرة زرياب أول ما يمتحنه رايت بالنقد، كما رواها المقّري في «نفح الطيب» نقلاً عن ابن حيّان في «المقتبس»، وقد تلقّاها الباحثون العرب والغربيون بالقبول (ص ٥٥٦، ٥٧٤). ولا يطمئنّ إلى قصة غيرة إسحاق الموصلي من تلميذه بعد أن أطرب زريابُ هارونَ الرشيد، لأنه لا يُعقل أن يجهل إسحاق موهبة تلميذه ولا أن يكتمها زرياب عنه طويلاً. ثم إنّ الخبر يُختم باستنجاد إسحاق بحكاية الإلهام بزيارةٍ من عالم الغيب، وهي حكاية كانت قد اقترنت من قبلُ بأبيه إبراهيم (ص ٥٥٦–٥٥٧). ويستدلّ على أنّ الخبر مصنوع بمقارنة رواياته. فعند ابن عبد ربّه، وهو أقدم من ابن حيّان بقرن، يهدّد زريابَ بالقتل أميرٌ هو زيادة الله الأغلبي، لا أستاذه. وعند ابن القوطية روايةٌ وسطى انتقلت فيها القصة إلى بغداد، وكان زرياب فيها من خاصّة الأمين وعدوّاً للمأمون، ففرّ بعد مقتل الأمين. و«الأغاني»، وهو المصدر الأكبر لسيرة إسحاق، لا يذكر زرياب البتّة (ص ٥٥٧). فرواية ابن حيّان عنده غرسٌ نُقل من تربته وزُيّن، وينبغي أن تُقرأ نموذجاً يُحتذى في رسم صورة المغنّي، لا خبراً عن واقعة (ص ٥٥٦–٥٥٧). ويأخذ على فارمر أنه لفّق لزرياب سيرةً من المقّري وابن عبد ربّه وأهمل ابن القوطية (ص ٥٧٤، الحاشية ٧).
ثم يمضي النقد إلى الإصلاحات المنسوبة إلى زرياب، كالمضراب من قوادم النسر والأوتار من مصارين شبل الأسد. وهذه تفاصيل لا تُصدَّق، وإن صحّ ما وراءها من سعيٍ إلى رنين أقوى ومتانة أبقى ودقّة في الأداء (ص ٥٥٨). أمّا الوتر الخامس الذي أضافه زرياب في وسط العود فلا يوسّع مداه، ولا يُذكر معه تغيير في الدوزان، أي في ضبط درجات الأوتار، وإنما يُذكر لونه الأحمر وأنه للنفس. فقيمته رمزية، يكمل بها ترميزَ الأوتار الأربعة للأخلاط الأربعة، على نحو ما كان الكندي يصنع في المشرق (ص ٥٥٨). ويخالف رايت محمود قطاط في افتراضه دوزاناً يصفه بأنه «متعانق»، ويرجّح أنّ الوتر الرمزي تأويلٌ لوتر حقيقي أُضيف فوق أحدّ الأوتار، إمّا لتقويته وإمّا لبلوغ ديوانين كاملين، والديوان هو ما نسمّيه اليوم الأوكتاف (ص ٥٧٤، الحاشية ٨). وزرياب في جملته رمزٌ لبلوغ قرطبة منزلة بغداد في عهد عبد الرحمن الأوسط، فهو يتفوّق على المغنّية قلم صاحبة الطريقة المدنية القديمة، ويحمل إلى الأندلس طريقة بغداد، ويُصوَّر ندّاً لإمام المدرسة العباسية (ص ٥٥٨–٥٥٩).
النوبة وطريقة الأندلس المحافظة
النوبة هي الإصلاح الذي يشير إلى تطوّر تاريخي حقيقي، وإن كانت على الأرجح متأخرة عن زرياب. والنوبة سلسلةٌ من القطع تُغنّى متتابعة في مجلس واحد. ولأنّ ابن حيّان لا يستعمل اللفظ، يسمّي رايت ما عنده «نوبةً أولى»، وهي تدرّجٌ يبدأ بالنشيد ثم البسيط، وهما بطيئان، وينتهي إلى المحرّكات ثم الأهزاج، وهي سريعة (ص ٥٥٩). وأصل هذا التدرّج مشرقي قديم، فالنشيد والبسيط مذكوران مع إسحاق الموصلي، والحسن بن علي الكاتب يجعل في «كمال أدب الغناء» الابتداء بالنشيد أو الاستهلال والانتهاء بالرمل والهزج (ص ٥٥٩). ولذلك يرجّح ألّا تكون النوبة قد استقرّت قبل القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي. وأقدم وصف لها عند التيفاشي، وهي عنده نشيد وصوت وموشّح وزجل، فقد حلّ الموشّح والزجل محلّ المحرّكات والأهزاج (ص ٥٥٩–٥٦٠). ويرى التيفاشي طريقة الأندلس أثقل وأحفظ للقديم، ويعيب أهل المشرق بأنهم صاروا أسرى الألحان الفارسية حتى عجزوا عن الغناء العربي القديم. ولا يذكر للأندلس إلا أربعة طبوع، والطبع هو السلّم اللحني الذي يُبنى عليه الغناء، وهي الخسرواني والمطلق والمزموم والمجنّب. ولم يبق منها في الموسيقى المغاربية الحديثة إلا المزموم والمجنّب، وفي الطبوع الخمسة والعشرين التي يذكرها الحائك في القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي ستة مشرقية على الأقل (ص ٥٦٠–٥٦١). أمّا الإيقاع فمجهول، لأنّ التيفاشي ساكت عنه، ولأنّ الدوائر الإيقاعية المغاربية، وهي الأنماط التي يتكرّر عليها الضرب، أقصر من المشرقية، فـ«الخفيف» مثلاً ستّ وحدات في تونس واثنتان وثلاثون في تركيا (ص ٥٦١).
من أخبار التيفاشي أنه عدّ لمغنٍّ أندلسي أربعاً وسبعين هزّة في بيت واحد، وأنه شهد جارية تغنّي بيتاً واحداً ساعتين. ومنها أنّ هذه الصناعة كانت بإشبيلية في أيدي عجائز يعلّمن الجواري، فتُباع الجارية منهن بألف دينار فما فوق، ومعها ثبتٌ بما تحفظ قد يبلغ خمسمئة نوبة (ص ٥٦٢). ويستخلص رايت من ذلك أنّ الغناء الرفيع كان أقرب إلى الارتجال. ويقرّب ما في النوبة من جمعٍ بين غناء الخاصّة وغناء العامّة بالمقام العراقي، حيث لا يُصغي إلى المغنّي إلا العارفون، ثم يشارك الحاضرون كلّهم في «البستة»، وهي أغنية خفيفة تُغنّى عقب المقام (ص ٥٦٢–٥٦٣).
التقاء الغناءين والأثر في أوروبا
يروي التيفاشي أنّ الغناء الأندلسي كان أول أمره إمّا على طريقة النصارى وإمّا حُداءً، وأنّ طريقة زرياب سادت بعد ذلك نحو قرنين، إلى أن مزج ابن باجة غناء النصارى بغناء المشرق فاخترع طريقة لا توجد إلا في الأندلس، ثم بلغت هذه الطريقة غايتها في ألحان أبي الحسين بن الحاسب المرسي (ص ٥٦٣–٥٦٤). ويفهم رايت من ذكر الغناء النصراني أنّ التأثّر بدأ مبكراً، وأنّ صورته الأرجح أغانٍ عربية الكلام وُضعت على ألحان رومانثية، ويقرّ بأنّ طبيعة المكوّن النصراني تبقى مجهولة (ص ٥٦٣–٥٦٤).
أمّا الأثر في أوروبا فحكم رايت فيه يتفاوت بتفاوت الميدان. فالأثر في النظرية ضئيل، إذ لم يُترجم شيء من كتب الكندي والفارابي في الموسيقى، وكلّ ما عبر إلى اللاتينية فصلٌ قصير من «إحصاء العلوم» أخذ منه دومينيكوس غونديسالينوس وجيروم المورافي وسيمون تنستيد التمييز بين الموسيقى النظرية والموسيقى العملية (ص ٥٦٤–٥٦٥). وفي رسالة «المجهول الرابع» (Anonymous IV) لفظان هما «elmuarifa» و«elmuahym»، قفز منهما فارمر إلى أثر عربي في الأنماط الإيقاعية، وقد بيّن تشارلز برنيت أنهما ليسا إلا «المنحرف» و«المعيّن» من ألفاظ الهندسة (ص ٥٦٥، ٥٧٦). والأثر الملموس في الآلات: العود والرباب، وقد نقل الرباب إلى أوروبا فكرة العزف بالقوس فمهّد لأسرة الفيول، ثم النقّارة والقانون والدف والطبل والنفير والبوق والصنوج. وفي منمنمات «أناشيد القديسة مريم» (Cantigas de Santa Maria) موسيقيون نصارى ومسلمون يعزفون معاً في بلاط ألفونسو العاشر، فلا بدّ أن يكون شيء من الألحان قد انتقل مع الآلات (ص ٥٦٦–٥٦٧).
أمّا اللحن نفسه فموضع الخلاف. رأى ريبيرا في إيقاع «الأناشيد» أثراً عربياً لا يخطئه النظر، ونفى أورشبرونغ كلّ أثر، وحكم رايت بأنّ محاولة ريبيرا رُفضت بحقّ، لأنها تقوم على قراءات للمصادر العربية لا تسوغ (ص ٥٦٧، ٥٧٢). ثم امتحن التراث المغاربي الذي يدّعي النسب الأندلسي، وفيه موشّح من القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي ذكره المقّري ثم الحائك ولا يزال يُغنّى في المغرب، غير أنّ بقاء القطعة لا يعني بقاء لحنها على حاله (ص ٥٦٨). وقد عدّ ليو ومونرو عشر قطع موشّحاتٍ أندلسية، فيُسقط رايت منها موشّحاً مطلعه في نقله (man ḥabbak yaṣʿub ʿalayh al-tajāfī)، وكان سليم الحلو قد عدّه أندلسياً، لأنّ إيقاعه «السماعي الثقيل» لم يظهر إلا في أواخر القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي، ولأنّ مقارنته بتدوين ديمتري كانتمير نحو سنة ١١١٠هـ/١٧٠٠م تجعله من القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي. ويُسقط خمساً أخرى لأنها في السيكاه والكردي، وهما طبعان مشرقيان متأخران. وتبقى أربع، ثلاث منها على نصوص الششتري وابن سهل الإسرائيلي ولسان الدين بن الخطيب، وقد فقدت هذه الثلاث من أدوارها الثلاثة أو الخمسة كلّ شيء إلا دوراً أو دورين، والدور هو المقطع من الموشّح، لأنّ الزخرفة اللحنية أطالت الدور الواحد فضُحّي بسائر الأدوار (ص ٥٦٩–٥٧٢). ويخالف ليو ومونرو في حديثهما عن سلسلة متصلة من شهود السماع، ويراهما جمعا بين الزخرفة و«التآكل اللحني» دون أن يوفّقا بينهما (ص ٥٧٦–٥٧٧، الحاشيتان ٤٨ و٥٣). ثم إنّ ألحان التروبادور تكاد تجعل لكلّ مقطع لفظي نغمة واحدة، بلا دائرة إيقاعية، وقلّما تحمل على المقطع الواحد أكثر من نغمتين، في حين أنّ الموشّح الحديث ثابت الدائرة كثير الترجيع (ص ٥٧٢).
فالأثر اللحني لا يُثبت ولا يُنفى. والذي يرجّحه رايت، ويسمّيه ظنّاً معقولاً لا أكثر، أنّ الموشّح والزجل ابتكار محلي، إذ لا أصل لهما في غناء الأمويين والعباسيين الأوائل، وأنّ مزج العنصرين المشرقي والنصراني الذي نُسب إلى ابن باجة يصف نشأتهما. ويرجّح كذلك أنّ الزجل ربما قام على قالب رومانثي ذي لازمة، فكانت أوائله أغاني عربية على ألحان قائمة (ص ٥٧٣).
«تبقى الموسيقى التي وراء الصورة والصفحة في إسبانيا المسلمة مراوغةً غامضةً كما كانت» (ص ٥٧٤)
٢٥. مفارقتان في الفن الإسلامي بشبه الجزيرة الإسبانية
سؤال غرابار هو لماذا نشأت حول فنّ الأندلس قراءتان لا تلتقيان. إحداهما تجعله فنّاً «إسلامياً» وتفسّره بسلطان العقيدة التي تجمع أهلها حيث كانوا، والأخرى تجعله «إسبانياً» وتردّه إلى روح الأرض، إلى «التراب والموتى» بحسب العبارة التي عرّف بها منظّرو القومية الأمةَ في أوائل القرن العشرين. ولا يحكم بين القراءتين، وهو ليس إسبانياً ولا مسلماً، بل يبحث عن منشئهما في مفارقتين (ص ٥٨٣–٥٨٤).
أولاهما أنّ آثار الأندلس الكبرى تؤدّي وظائف مألوفة في الإسلام، فهي مسجد جامع وتحفة أميرية وقصر، ومع ذلك لا نظير لها. فجامع قرطبة من طراز المساجد ذات الأعمدة، كجامع القيروان والمسجد الأقصى، لكنه ينفرد بعقدٍ يوحي بالسكون ولا يُظهر عناء الحمل، وبمحرابٍ كأنه حجرة خالية أو باب إلى عالم آخر. وينفرد بطقوس منها مصحف ضخم فيه أربع ورقات تُنسب إلى مصحف عثمان وعليها قطرات من دمه، يُطاف به وقت الصلاة وأمامه شمعة كما يُطاف بالإنجيل في الكنيسة. ثم إنّ كلّ ما أضيف إلى الجامع بعد ذلك، حتى الكنيسة، جارى نغمة بنائه الأول (ص ٥٨٤–٥٨٥). والعاجيات الأموية، وهي نحو عشرين علبة صُنعت لأهل البيت الحاكم، قد تكون بقيةً نجت مصادفةً في خزائن الكنائس من ترفٍ ضاع مثلُه في بغداد والقاهرة، ويسلّم غرابار بهذا جزئياً. لكنّ في بعضها حفراً عميقاً يجعل الأشخاص كالتماثيل القائمة، كما في علبة اللوفر (٣٥٧–٣٥٨هـ/٩٦٨م)، وهو حفرٌ لا يُعرف في الفن الإسلامي ولا في الفن المسيحي المبكّر، وفيها مشاهد قصصية سبقت ما في مصر بنحو قرن ونصف، وأكثرها فريد:
«نحن أمام مفارقة غريبة: صورٌ يسهل وصفها ويتعذّر تفسيرها.» (ص ٥٨٧)
يشهد لهذا التفرّد عنده شاهدان صغيران. فأسماء الصنّاع حُفظت في الأندلس أبكر وأكثر مما حُفظت في غيرها، كأنّ منزلة الصانع كانت هناك أرفع، ورعاية النساء للفن ظاهرة، فأقدم علبتين مؤرّختين صُنعتا لابنتين لعبد الرحمن الناصر (ص ٥٨٦–٥٨٧). والحمراء، التي صارت في الخيال الاستشراقي رمزاً للثقافة الإسلامية كلها، لا يشبهها بناء آخر، لا طوب قابي سراي، ولا قصور الصفويين والمغول، ولا قلعة القاهرة المملوكية. والأرجح عنده أنّ دولةً آيلة إلى الزوال صنعت قصراً على قدر حاجاتها هي (ص ٥٨٧–٥٨٨).
أمّا المفارقة الثانية فأنّ الأشكال الإسلامية عاشت في إسبانيا قروناً بعد زوال سلطان المسلمين، في حين لم تكد تترك أثراً في صقلية والبلقان وروسيا، وأنها عاشت في زمنٍ كان المسلمون فيه يُضطهدون ثم يُطردون. ومن شواهده اسم بيدرو القاسي مكتوباً بالحروف العربية على قصره بإشبيلية، ودير لاس أويلغاس ببرغش، وقد صُمّم في أوائل القرن الثالث عشر تذكاراً لألفونسو السابع، وجصّه كلّه على نماذج إسلامية، وكنيسا طليطلة، سانتا ماريا لا بلانكا وإل ترانسيتو المؤرّخ في ١٣٥٧م. وبلغ الطراز المدجّن، وهو الطراز الذي بنى به المسلمون ومن تعلّم منهم في ممالك النصارى، المكسيك وبيرو، ولم يبهت إلا حين غلب ذوق النهضة الإيطالي (ص ٥٨٨–٥٨٩).
لا يجيب غرابار عن السؤالين جواباً قاطعاً، وإنما يقترح فرضيتين يقرّ بأنهما تحتاجان إلى تمحيص. فلعلّ نسبة الأشكال إلى هويات قومية ودينية من صنعنا نحن، ولعلّ إسبانيا الوسيطة عرفت إرثاً مشتركاً من الأشكال تميّزه الأرض التي نشأ فيها لا الطائفة التي استعملته. ثم إنّ الأندلس ثغرٌ، وللثغور، كالأناضول في القرن الثالث عشر وصقلية في الثاني عشر، خُلقٌ يجتمع فيه العداء الحادّ والمساكنة المبدعة، إلى أن جعلت عقلانية النهضة هذا التسامح عسيراً (ص ٥٨٩–٥٩٠). ومصادره المراجع العامة، كسلسلة «فنون إسبانيا» (Ars Hispaniae) وكتاب كونل في العاجيات (ص ٥٩٠).
٢٦. التقليد المدجّن في العمارة
موقف النصارى من الفن الذي كانوا يرونه إسلامياً تابعٌ عند جيريلين دودز لشعورهم بالأمن، فقد قاوموه حين كانت هويتهم مهدّدة، وتملّكوه حين أمنوا. وبهذا تردّ رأيين قديمين. أولهما أنّ الفن المستعرب، أي فنّ النصارى الذين عاشوا في ظلّ الحكم الإسلامي، حمل الثقافة الإسلامية إلى الشمال دون وعي، والصحيح عندها أنّ نصارى عهد الإمارة قاوموا الأشكال الإسلامية الصريحة، كما فصّلت في كتابها «العمارة والإيديولوجيا في إسبانيا الوسيطة المبكّرة» (Architecture and Ideology in Early Medieval Spain, 1990). والرأي الآخر أنّ المدجّن فنّ عبيد مسلمين يعملون عند سادة نصارى، وهذا لا أصل له، فقد كان بين صنّاعه نصارى ويهود. فالمدجّن عندها أسلوبٌ ارتبط في الأذهان برعاية إسلامية، ولم يصر تملّكه ممكناً إلا حين علت منزلة ملوك النصارى في القرنين السادس والسابع الهجريين/الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين (ص ٥٩٢).
أربعة أطوار تتتبّع فيها دودز تبدّل معنى هذا الأسلوب، أولها التملّك في أثر الغلبة، وشاهده مسجد باب المردوم بطليطلة، أضيفت إليه حنيةٌ في التسعينيات من القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي زمن ألفونسو الثامن فصار كنيسة «كريستو دي لا لوث» (Cristo de la Luz). وقد بنى الحنية بنّاؤون من تقليد المسجد نفسه، فأعلن الداخلُ بصوره الهوية الجديدة، وحفظ الخارجُ الاستمرار. وتقرأ دودز في ذلك، إلى جانب الحاجة إلى اليد العاملة، إعجاباً بثقافة العدوّ لم يُطلقه إلا أمنُ أصحابه (ص ٥٩٢–٥٩٣). أمّا كنيسة سان تيرسو في ساهاغون فقد بُدئ بناؤها بالحجر على الطراز الرومانسكي، ثم أُكملت بعد ستة مداميك بالآجرّ على الطريقة الطليطلية، وتستدلّ بها على أنّ الأساليب صارت في شبه الجزيرة حاملةً لهوية، وأنّ توطين بنّائي طليطلة في الشمال كان ضرباً من الدعاية (ص ٥٩٣–٥٩٤).
ثم يصير الزخرف ثقافةً مشتركة. فكنيسة سان رومان بطليطلة (٦١٨هـ/١٢٢١م) تجمع صوراً توراتية إلى صنجات حمراء وبيضاء، والصنجات هي الحجارة التي يتألّف منها العقد، وإلى نقوش عربية بجانب اللاتينية، فتشهد بزخرفٍ صار ملكاً للطليطليين جميعاً. ومثلها كنيسا اليهود. فسانتا ماريا لا بلانكا على هيئة المسجد الموحّدي، وكنيس صموئيل اللاوي أبي العافية (٧٦٢هـ/١٣٦٠م)، وزير المال عند بيدرو القاسي، على الطراز الغرناطي، ونقوشه العبرية مدائح في صاحبه تحاكي نقوش الحمراء، كأنّ صموئيل تصوّر رعايته للفن على مثال أمير مسلم، لا على مثال سيّده النصراني. والتشابه عندها ثمرة انتقال الشكل إلى شأنٍ دنيوي، وليس ثمرة امتزاج العقائد (ص ٥٩٤–٥٩٥).
في الطور الثالث تصير الحمراء، بما صاغته من أسطورة الملك المسلم، مرجعاً لا تكتمل بغيره صورة الملك في إسبانيا. فقد حاكاها بيدرو في قصر إشبيلية، وأُودعت راية العقاب دير لاس أويلغاس غنيمةً، وبنى ألفونسو العاشر كاتدرائية ليون على مثال ريمس تعبيراً عن طموحه الإمبراطوري، وبنى مصلّى مدجّناً في جامع قرطبة أراد أن يُدفن فيه، تعبيراً عن ملكٍ يسوس أعراقاً وأدياناً (ص ٥٩٥–٥٩٦). وآخر الأطوار التوطّن، ففي القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي فقدت أبراج أرغون منطق الهندسة الإسلامية وصارت تقليداً محلياً، وورث الطراز البلاتيريسكي مبدأ الزخرف الذي يغمر السطح كلّه، وسُمّيت عمارة الاستعمار في أمريكا مدجّنة (ص ٥٩٦–٥٩٧). وتختم دودز بأنّ هذه الفنون كانت:
«أميرية، مترفة، صوفية، محلية؛ ثم صارت آخر الأمر إسبانية لا غير.» (ص ٥٩٧)
٢٧. فنون الأندلس
في مقالتها الثانية تقرأ دودز فنون الأندلس من القرن الثاني الهجري إلى التاسع قراءةً سياسية ثقافية، وترى أساليبها على تباينها منتظمةً في توتّر واحد:
«الحاجة إلى أشكال قوية تصل الأندلس بحواضر الإسلام، وتتحدّى في الوقت نفسه حضور ثقافة ودين غريبين يزحفان عليها.» (ص ٥٩٩)
على هذا التوتّر تقوم ثلاثة محاور تتبدّل أوزانها على مرّ العهود: الحنين إلى الشام الأموية، والأشكال المحلية الموروثة، ثم بلاط العباسيين، وهو منافسٌ يُحاكى.
يبدأ الحنين بالتسمية. فقد سمّى عبد الرحمن الداخل منيته بقرطبة «الرصافة» على اسم قصر جدّه هشام، وتراه دودز علامةً على موضوعٍ ظلّ يتردّد في رعاية الفن بالأندلس ثلاثة قرون كاملة، هو الحنين إلى الشام وطناً ومقرّاً لسلطانٍ مغتصب (ص ٥٩٩). وشاهدها الأكبر المسجد الجامع بقرطبة، فتخطيطه مألوف، أحد عشر رواقاً عمودية على جدار القبلة كما في المسجد الأقصى، لكنّ ارتفاعه، أي ما يقوم فوق أعمدته من عقود بعضها فوق بعض، غريب. فالصنجات الحمراء والبيضاء المتناوبة تستحضر بالآجرّ والحجر ترصيع الرخام في الجامع الأموي بدمشق، والعقد الحَدْوي، وهو العقد الذي يشبه حدوة الفرس، ميراثٌ من الكنائس القوطية، والعقود المزدوجة فوق الأعمدة لا سابقة لها في الإسلام، ونموذجها قناطر الماء الرومانية كقنطرة ماردة (ص ٦٠٠–٦٠١). وتتساءل في حاشيتها أكان خبر تقاسم المسلمين والنصارى كنيسة شنت بنجنت صحيحاً، أم روايةً صيغت على مثال ما رُوي عن دمشق، مع تسليمها بأنّ المسلمين كانوا يصلّون في بناء قائم حين اشترى الداخل الأرض سنة ١٦٩هـ/٧٨٥م (ص ٦١٩). وقد حفظ خلفاؤه هذا الارتفاع في كلّ زيادة، منذ زيادة عبد الرحمن الأوسط (٢٢٢هـ/٨٣٦م)، كأنّ شرعيتهم مودَعة في الاستمرار.
في عهد الخلافة يغلب طلب الأبّهة. بنى الناصر المئذنة وجدّد الصحن سنة ٣٤٠هـ/٩٥١م بتناوبٍ في الألوان على الطريقة الدمشقية، ومدّ الحكم المستنصر بيت الصلاة اثني عشر رواقاً، وأقام محوراً ينتهي بمقصورة مقبّبة وبجدار قبلة ذي ثلاثة أبواب مكسوّة بالفسيفساء. فصار للمسجد فضاء احتفالي تقارنه دودز بالجهة الشرقية من الكنيسة المستعربة، وهي جهة المذبح، وتلاحظ أنّ كثيراً من أهل قرطبة كانوا مولّدين، أي مسلمين من أصول محلية، يعرفون سلطان الطقس النصراني. وتؤكّد مع ذلك أنّ المقصود أن يُحسّ المصلّي بالاتجاه نحو غاية، وليس أن يُحال إلى العبادة النصرانية (ص ٦٠١–٦٠٢). وتنقل عن ابن عذاري أنّ الحكم طلب من ملك الروم صانعَ فسيفساء اقتداءً بما فعله الوليد في دمشق، لكنّ الفسيفساء القرطبية خالية من الصور، وإنما هي زخارف نباتية وهندسية تتخلّلها آيات وأخبار البناء، وهي، كما بيّن غرابار، من أوائل المحاولات لصنع أيقونية مكتوبة للمسجد، أي لغة رمزية تقوم فيها الكتابة مقام الصورة (ص ٦٠٢). ثم عادت زيادة المنصور بن أبي عامر (٣٧٧–٣٧٨هـ/٩٨٧–٩٨٨م) في جهة الشرق إلى طابع الفضاء المنبسط. وتستند إلى إيفرت في أنّ مسجد باب المردوم بطليطلة صورة مصغّرة للمقصورة، فقد صارت الأندلس تنظر إلى حاضرتها هي (ص ٦٠٢–٦٠٣).
أمّا مدينة الزهراء (بُدئت نحو ٣٢٥هـ/٩٣٦م) فتخطيطها عباسي، ممرّاتها ملتوية حتى تنتهي إلى قاعة العرش كما في سامرّاء. ذلك أنّ الناصر لما تلقّب بالخلافة نازع العباسيين، فاحتاج إلى صورتهم الاحتفالية الغامضة، في حين ظلّت زخرفة المدينة محلية كما في القاعة الغنية (Salón Rico) (ص ٦٠٣–٦٠٤). ومن الباب العباسي نفسه دخل زرياب ودخل الخزف. وتذهب دودز، على خلاف من عدّ رسوم هذا الخزف تافهة، إلى أنّ الفرس والصقر والطرائد ولفظ «الملك» المكتوب عليه إشاراتٌ إلى السيادة والتملّك (ص ٦٠٤). ومثله الأيّل البرونزي الذي كان فوّارة، تقرنه بما رواه المقّري عن فوّارة في الزهراء جُلبت من الشام ورُكّب عليها اثنا عشر تمثالاً من الذهب الأحمر صُنعت بقرطبة، فالماء المسخّر في القصر علامة سلطان (ص ٦٠٤–٦٠٥). وأقوى الشواهد على اقتران الرعاية بالملك العاجياتُ، وهي هدايا داخل البيت الحاكم لمن يتّصل بولاية العهد، من علبتي ابنة الناصر (٣٤٩هـ/٩٦٠م و٣٥١هـ/٩٦٢م) وعلبة صبح، إلى علبة المغيرة بمجالس الشراب والطرب، ثم علبة عبد الملك المظفّر، وفيها الأمير يصارع الأسود، ومقاتلون على الفيلة والجمال، فكأنّ صورة الأمير انتقلت في زمن المنصور من اللذة إلى البأس (ص ٦٠٥–٦٠٦).
لمّا صارت الأندلس في عصر الطوائف نحو ثلاث وعشرين دولة، كانت عبقرية ملوكها في تحويل ثقافة الخلافة إلى أسطورة. فقصر الجعفرية بسرقسطة، الذي بناه المقتدر بن هود، يفكّك عقود المقصورة القرطبية حتى تنقلب انحرافاً معمارياً مقصوداً يتلاشى فيه منطق البناء (ص ٦٠٦–٦٠٧). ومن آثارهم حوض شاطبة بمشاهده التي تقارب القصّ. ومنها انتقال صناعة العاج إلى قونكة، حيث صنع عبد الرحمن بن زيّان علبة لحسام الدولة ذابت فيها الحيوانات في النقش النباتي، فصار جذبها للعين عقلياً ولم يعد رمزياً (ص ٦٠٧–٦٠٨).
ثم جاء المرابطون، فكانوا أول من اعترض على امتياز الملوك في الترف والتصوير، واتّهم فقهاؤهم ملوك الطوائف بالفسق ومداهنة النصارى. وتذكر دودز قول المعتمد إنه يؤثر رعي الجمال عند المرابطين على رعي الخنازير عند ألفونسو السادس (ص ٦٠٩). وتحلّ التناقض بين تشدّد المرابطين وإعجابهم بالصنعة الأندلسية بما يرجّحه الدارسون اليوم من تحوّلٍ في رعايتهم. فقد ساد التقشّف زمن يوسف بن تاشفين، ثم انفتح الباب زمن ابنه علي الذي نشأ بالأندلس، فحمل الصنّاع الأندلسيون أجود أعمالهم إلى تلمسان ومراكش وفاس. وفي جامع تلمسان (٥٣١هـ/١١٣٦م) زخرف كثيف حول المحراب، لكنه مقنّن لا يبلغ إسراف الجعفرية (ص ٦٠٩–٦١٠). ومن آثارهم في الأندلس قصر الكاستيخو بمونتياغودو قرب مرسية، وفيه فناء رباعي قد يكون سابقةً لفناء السباع في الحمراء، ولم يُحسم أمر ما في طرفيه أهي أجنحة أم لا (ص ٦١٠). ومنبر الكتبية صُنع بقرطبة لجامع مراكش، وتنسبه دودز إلى عهد عبد المؤمن كما في الأخبار، لأنّ السنة في نقشه غير مقروءة، وتراه دليلاً على أنّ الثقافة المغلوبة غلبت غالبيها. ونسيج المريّة المصوّر شاهد على أنّ المرابطين صاروا رعاةً للفن على الطريقة الأندلسية، إلى أن أغلق الموحّدون مصانع المريّة (ص ٦١١).
يبدأ عهد الموحّدين عندها بعبد المؤمن يطلي زخارف جامع فاس بالجصّ الأبيض سنة ٥٤٠هـ/١١٤٥م. ورايتهم التي غنمها النصارى في العقاب خالية من الصور. وجامع إشبيلية، الذي بناه أحمد بن باسُه لأبي يعقوب يوسف (بُدئ ٥٦٨هـ/١١٧٢م وتمّ بعد نحو عشر سنين)، قائم على المخطّط الذي شاع منذ جامع تينمل (٥٤٨هـ/١١٥٣م)، وهو بلاطة محورية أعرض من سائر البلاطات ورواق عرضي أمام القبلة، والزخرف فيه مقصور على المقرنصات في مواضع معدودة تؤكّد المحور. والمقرنصات حنايا صغيرة متراكبة كخلايا النحل. وقد أخذ بناة المئذنة في زخرفها عقود الجعفرية المتشابكة، لكنها صارت عندهم نمطاً منتظماً فقدت فيه ما كان لها من سخرية بمنطق البناء. على أنّ قصور الموحّدين، كفناء الجصّ في قصر إشبيلية، لم تخضع لهذا الضبط (ص ٦١٢–٦١٤).
في الحمراء يبلغ هذا المسار غايته. فقد عاش بنو نصر على سياسة الجزية يؤدّونها والمحالفات يعقدونها، ومنها صلتهم الدائمة بقشتالة، وصنعوا مع ذلك أفخم الفنون، كجرار الحمراء التي يتراوح ارتفاعها بين ١٢٠ و١٧٠ سنتيمتراً، وقد صُنعت للزينة وليس للاستعمال (ص ٦١٤–٦١٥). وفي القصر غموضٌ مقصود. فمداخله ملتوية كما في الزهراء، وفي واجهة قمارش بابان متماثلان لا يُعرف أيّهما يؤدّي إلى الملك، أحدهما إلى الردهة والآخر إلى الأجنحة الخاصة، فلا يعرف السرّ إلا المطّلع، وفيه نوافذ تتيح للحريم أن يرين ما يجري في القاعة الذهبية دون أن يُرين (ص ٦١٦–٦١٧). وفي أبيات ابن زمرك على قبة قاعة الأختين أنّ الجمال فيها خفيٌّ وظاهر معاً، وأنّ النجوم تودّ لو استقرّت فيها، فتقرأ فيها دودز فكرةَ «قبة السماء» التي تحيط بالسلطان، وتردّها إلى صورة الملك المقدّس التي ربما دخلت البلاط الإسلامي من بغداد العباسية، بغداد الأسطورة (ص ٦١٧–٦١٨). وتستند إلى غرابار في أنّ نقوش القصر جعلت مناوشةً على حدود الجزيرة الخضراء نصراً عظيماً، ففي بيتٍ منها يُخاطَب السلطان بأنه كم صبّح بلداً من بلاد الكفر فأمسى حاكماً في أرواح أهله. فالحمراء عندها إنكارٌ لهيمنة نصرانية تزحف (ص ٦١٨).
خاتمة المقالة أنّ المسجد والحمراء يؤطّران تاريخ فنون الأندلس، وأنّ تطهير المرابطين والموحّدين للفن جعل صلته بالهوية شأناً واعياً، فورث بنو نصر هذا الوعي وجمعوا تاريخ الأندلس الفني في وقفة أخيرة (ص ٦١٨–٦١٩).
٢٨. الفضاء والحجم في العمارة النصرية
أطروحة ديكي أنّ بني نصر عبّروا عن الحجم في عمارتهم بتنظيم الفضاء في هيئة المكعّب، وأنّ هذا المبدأ وحده يفسّر الحمراء من أسوارها إلى سقوفها. وأول أدلّته الأبراج، فبنو نصر، بخلاف بني زيري، لم يبنوا إلا أبراجاً مربّعة، حتى إنّ ما أضافه النصارى بعد الفتح من أبراج مستديرة يُعرف دخيلاً من أول نظرة. والبرج من داخله فضاء مكعّب، ولهذا تداخلت العمارة الحربية والسكنية، فصارت أبراجٌ كبرج قمارش جزءاً من قصر، وصارت أخرى كبرج الأسيرة قصوراً تامّة. والحمراء، التي تبدو من خارجها ركاماً من المكعّبات، هي في الحقيقة وحدات مستقلة، لكلّ منها محور يربطها بالمشهد الطبيعي حولها (ص ٦٢١).
في قلب كلّ وحدة فناءٌ مستطيل تنتظم حوله المساكن على محاور، وينتهي المسار بقاعة أو مرقب مكعّب، والمرقب برجٌ يُشرف منه الناظر على ما حوله، فيبلغ المشهد فيه ذروته بعد كشفٍ متتابع. ويقطع المحورَ ستائر، منها ستائر شفّافة من العقود تتقدّم أخرى معتمة من الجدران، ولا يكتمل إعتام هذه لأنها مثقوبة بعقد أو أكثر، فتتوالى المستويات بعضها وراء بعض، كالمرايا المتقابلة، أو كالمسجد الذي ينبسط انبساط الغابة (ص ٦٢١–٦٢٢). وتراجع المستويات ثلاثاً قاعدةٌ عنده. فقاعة البركة تعترض الطريق بين فناء الريحان وقاعة العرش دون أن تقطع التدرّج، فتهيّئ الزائر لذروة الانفعال، وتزيد رهبته كلما دنا من «الحضرة». وللعدد ثلاثة شأن آخر، فالأروقة في الغالب ثلاثة عقود، وقد تكون خمسة أو سبعة، والفتحات الثلاث في قاعة العرش تقسم الجدار سبعة أقسام (ص ٦٢٢).
يتفرّع عن هذا المبدأ أنّ كرسيّ السلطان قائم على المحور دائماً، وأنّ الوصول إليه مائل دائماً. فالمتظلّم يدخل من الباب الشمالي الغربي لفناء القاعة الذهبية، ويدخل الزائر فناء الريحان من الشمال الغربي لا من الجنوب الغربي، فيرى أول ما يرى ما يراه السلطان عادةً، وجنّة العريف على الترتيب نفسه في هيئة حرف L. وفي فناء السباع تحفظ الأجنحةُ المحورَ وتعادل كتلةَ قاعتي الأختين وبني السرّاج (ص ٦٢٣). فالفضاء المقطوع مفتاح التخطيط كله. في فناء الريحان مستطيلٌ يمتدّ من الشمال إلى الجنوب، ثم في قاعة البركة مستطيل يمتدّ من الشرق إلى الغرب، ثم مكعّب قاعة العرش. ويغلق المرقب مشهداً مصنوعاً ليفتح ثلاثة مشاهد طبيعية، فيتداخل البناء والطبيعة، ويكتمل التداخل حين ترتسم صورة المرقب في ماء البركة التي في الفناء (ص ٦٢٣–٦٢٤).
أمّا الزخرف فتابعٌ عنده للشكل كما يتبع الشكلُ الوظيفة. فالجدار «سجّادة من الجصّ»، والمكعّب يعود في الداخل مربّعات ومستطيلات، والهرم يعود مثلّثات، ووظيفة النقش أن يأسر العين فيصير الناظر مشاركاً في البناء. ويقرّ بأنّ ذهاب الألوان، إلا في الإزارات، أي الألواح التي تكسو أسفل الجدران، يضعف الأثر، وبأنّ ما نقوله عن فعل الضوء في توازنها ظنّ (ص ٦٢٤–٦٢٥). فالضوء المائل يجعل العمارة غير مستقرّة، والمقرنصات تكسره فيتفكّك الحجم ثم يلتئم، وسقف قاعة الأختين عنده صورة للعالم كما يتصوّره الأشاعرة من علماء الكلام. وينتهي إلى حكمٍ جازم:
«عملٌ على هذه الرقّة الهشّة ما كان لحضارة أخرى أن تصنعه.» (ص ٦٢٥)
لا يثبت ديكي لمقالته من المراجع إلا كتاب تشويكا غويتيا في ثوابت العمارة الإسبانية، ويحيل إلى كتاب له في الحمراء كان قيد الإعداد (ص ٦٢٥).
٢٩. النشوة والضبط في الفن الأندلسي: خطوات نحو مقاربة جديدة
لفهم الفن الإسلامي يقترح بورغل قطبين. الأول الضبط، ويقابل الشريعة والنظام الذي يحكم الكون، وتظهر صورته في غلبة الأشكال الهندسية. والآخر النشوة، ويقابل التصوّف. والقطبان عنده متداخلان. ويعلّل تحفّظ الفقهاء من التصوير، وهو عنده قائم على الحديث وليس على نصّ قرآني، ومن الشعر والموسيقى، بأنّ الفنون قوى نفسية لها «سلطان» يزاحم عقيدة أنْ لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا سيما أنها كانت قبل الإسلام وثنية يخالطها السحر (ص ٦٢٦–٦٢٧). على أنّ النشوة كانت في الإسلام قبل التصوّف، في الشعائر وفي بنى التكرار، كالطواف سبعاً ورمي الجمار وسورة الرحمن وحديثي الشفاعة والمعراج. والتكرار عنده يولّد لذّةً متنامية قد تبلغ النشوة، ولا يولّد الملل، بشرط أن يكون المكرَّر جميلاً في الفن ومقدّساً في الدين. ويزيده أثراً تسارع الإيقاع وتقاصر الوحدات، وهي البنية التي يسمّيها «مخروطية» ويراها في ترتيب السور، ويزيده أثراً كذلك تراكب نظامين، وهو رمز للاتحاد (ص ٦٢٧). ثم جاء التصوّف فأباح الفن تعبيراً دينياً، إذ أبرز جمال الله إلى جانب جلاله، واستشهد بحديث «إنّ الله جميل يحبّ الجمال» وبفكرة الفيض، وردّ السماع إلى الوجد المشروع بعد أن كان الطرب مذموماً، والفقهاء على ارتيابهم (ص ٦٢٧–٦٢٨). ويعترف بورغل بأنّ مقاربته جديدة تحتاج إلى سنين، وأنه لا يقدّم إلا لمحات (ص ٦٢٨).
أول الشواهد من التصوّف الأندلسي. فابن عربي لا يُظهر في شعره بنى النشوة التي في غزليات جلال الدين الرومي، لكنّ رسالته في الخلوة تبني المعراج الروحي على صيغة واحدة تتكرّر مع كلّ مقام، مؤدّاها أنّ السالك إن لم يقف عنده كُشف له ما بعده، من عالم المعادن إلى العرش والقلم، ثم يعود السالك إلى جسده ومعاشه، فالضبط لا يغيب لحظة (ص ٦٢٨–٦٢٩).
بعده الشعر، وعليه معظم المقالة. فالقصيدة بقافيتها الواحدة ووزنها الواحد بناءٌ متكرّر محكوم، والتوقّع الذي تثيره القافية يحرّك السامع حتى يطرب، فالضبط التقني قد يطلق النشوة ولا يمنعها. ومن هنا يقرأ الموشّح قصيدةً «متضخّمة» مُدّ فيها البيت حتى صار دوراً. ويرى الخرجة الرومانثية، وهي المقطع الأخير من الموشّح وقد يأتي بلغة العامّة أو بالرومانثية، أصلَ نمط القفل، والقفل هو المقطع الذي تتّحد قافيته في الموشّح كلّه. أمّا الغصن، وهو المقطع الذي تتغيّر قافيته من دور إلى دور، فاختراع مستقلّ وإن تأثّر بالخرجة. فالموشّح تراكب نظامين، وهو رمز لمبدأ إسلامي يسمّيه «المشاركة عن طريق الخضوع»، ولبلوغ النشوة بالتزام قيود أشدّ، ويرجّح مع مونرو أنّ للموسيقى يداً في نشأته (ص ٦٢٩–٦٣١). ويشرح قطعة لابن خفاجة يلاعب فيها «اللهبُ» «الريحَ» حتى الصباح، فيرى الشاعر يشارك اللهب نشوته، ويرى الضبط فيها حزناً فيه تسليم بالقدر، وليس حكماً شرعياً، وقد يكون خمود النار رمزاً لأفول مجد الأندلس (ص ٦٣١–٦٣٢).
في باب الحبّ يطرح بورغل رأياً خلافياً ينفرد به، وهو أنّ أحكام الزواج في الإسلام قليلة العاطفة، وأنّ التعدّد يعارض الحبّ الذي لا يقوم عنده إلا على اثنين. ويستشهد بقولٍ يورده الغزالي في «إحياء علوم الدين» مفاده أنّ خير هذه الأمة أكثرها نساءً، ويجعله بورغل حديثاً نبوياً، ويشير إلى الحسن بن علي، ويرى أنّ الشعراء العذريين جعلوا الخضوع للحبّ مكان الخضوع للشريعة. وشاهده الأندلسي ابن حزم، الذي يقرن في أبياته وحدانية القلب في حبّه بوحدانية الخالق (ص ٦٣٣). ثم يجعل الخرجة كسراً للنشوة. ففي موشّح للأعمى التطيلي يُشبَّه المحبوب بالكعبة، ويعرض الشاعر نفسه قرباناً، ثم تختم الخرجة الرومانثية بأنّ الحبيب مريض من حبّه، فتصغّر ما قبلها على لسان المغلوبين الذين صاروا غالبين بعد قرون. ويترك السؤال مفتوحاً، أكان ذلك لعباً أم حقيقة رمزية أم مزيجاً منهما (ص ٦٣٤).
أمّا العمارة فيقرّ بأنها خارج اختصاصه، فلا يزيد على أن يقترح أنّ غابة الأعمدة في جامع قرطبة تكرار، وأنّ العقود المتراكبة، وقد رأى تيتوس بوركهارت أنها ربما استُلهمت من جامع دمشق، والعقد المفصّص نظيرٌ معماري للموشّح (ص ٦٣٥). ويرى في التكلّف الذي لاحظه هنري تيراس في زخرف أواخر القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي انقلاب الوجد تواجداً، والتواجد تكلّف الوجد:
«ما أُريد له أن يشهد بالوجد صار هنا وهناك وقفةً متكلَّفة، تشنّجاً في الوجد: تواجداً.» (ص ٦٣٥)
آخر شواهده موشّحٌ ليوسف الثالث (٨١٠–٨٢٠هـ/١٤٠٨–١٤١٧م) يعود في آخره إلى مطلعه، فيقرأ بورغل في دورانه حبّاً قضت عليه قوانينه، وربما ثقافةً أندلسية كذلك، ثم يسأل أيّ ثقافةٍ لا تفنى، ولمَ لا تفنى هذه بعد نشواتٍ ما زال صداها في قوافيها وعقودها وحدائقها (ص ٦٣٥–٦٣٦).
٣٠. الخط في الأندلس
القراءة من اليمين ودخول الخط من باب السكّة
بدعوى يعود إليها في آخر المقالة يفتتح فرنانديث بويرتاس كلامه، ومفادها أنّ اتجاه الكتابة يحكم النظر إلى الأثر كلّه. فمن نشأ على العربية يتلقّى البناء من يمينه كما أراده صانعه، ومن نشأ على لغةٍ تُقرأ من اليسار يعكس الترتيب فيفوته ذلك القصد (ص ٦٣٩). ويمهّد بتاريخ موجز للخط يبدأ بجمع القرآن في عهد أبي بكر وعمر، ويرجّح فيه أنّ عثمان هو الذي وحّد نصّه المكتوب. ومنذ أوائل الدولة الأموية انفصل الخط الكوفي، وهو خطّ هندسي مستقيم الزوايا، عن النسخي، وهو خطّ ليّن مستدير. وكان الكوفي في أوله خالياً من النقط والشكل، يؤدّي ثمانية وعشرين صوتاً بسبعة عشر رسماً، إلى أن أضيف النقط في أواسط القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، والشكل في القرن الرابع. وأول خطّ فنّي عنده نقش قبة الصخرة (٧٢هـ/٦٩١م)، ثم نقش قصر الحير الغربي (١٠٩هـ/٧٢٧م)، وإلى جانبهما كتابات حرّة باليد على قصور بني أمية (ص ٦٣٩–٦٤٠).
إلى الأندلس دخل الخط عنده من باب السكّة قبل الكتب، لأنّ الدولة الجديدة احتاجت إلى نقد واحد، ولأنّ النصارى بقوا أكثريةً عقوداً. ففي كنوز الدراهم المدفونة من عهد الولاة والأمراء دراهم مضروبة بواسط أجود كوفياً من الدراهم الأندلسية الأولى، ثم لحقت بها هذه. ويقسم تاريخ الخط الأندلسي، ومعه المغرب الواقع في دائرة نفوذه، أربعة عهود: الإمارة والخلافة (٩٢–٤٢٢هـ/٧١١–١٠٣١م)، والطوائف (٤٢٢–٤٧٨هـ/١٠٣١–١٠٨٥م)، والمرابطون والموحّدون (٤٧٨–٦٢٩هـ/١٠٨٥–١٢٣٢م)، وبنو نصر (٦٢٩–٨٩٧هـ/١٢٣٢–١٤٩٢م). وقد بدأ الخط في النصوص الدينية وانتهى إلى الشعر على الجدران (ص ٦٤٠).
الكوفي في عهد الإمارة والخلافة
في العهد الأول ثلاث مراحل. أقدمها الكوفي القديم، ويمتدّ إلى سنة ٢٥١–٢٥٤هـ/٨٦٥–٨٦٨م، وأقدم نقش معماري أندلسي منه على عمود من جامع إشبيلية الأول، يسجّل أنّ الأمير عبد الرحمن بن الحكم بناه بإشراف قاضي إشبيلية عمر بن عدبّس سنة ٢١٤هـ/٨٢٩–٨٣٠م، وهو من عمل الكاتب عبد البرّ بن هارون. وحروفه بدائية، حتى إنّ ابن صاحب الصلاة، مؤرخ الموحّدين، أخطأ في نقله (ص ٦٤١). وأحسن منه كثيراً نقش باب الوزراء بجامع قرطبة (٢٤١هـ/٨٥٥–٨٥٦م)، وفيه أنّ الأمير محمداً أمر بتجديد البناء وتوثيقه بإشراف فتاه مسرور. ويربطه المؤلف بما نقله ابن حيّان في «المقتبس» عن الحسن بن مفرّج ومعاوية بن هشام من أنّ مسروراً هذا كان في خدمة عبد الرحمن الأوسط حين زاد في المسجد (ص ٦٤١–٦٤٢).
ثم الكوفي المزهّر، من عهد محمد الأول إلى آخر عهد الناصر، وفيه تنتهي قوائم الحروف بسعفتين أو ثلاث، ومعه يبدأ دور الخط زخرفاً. ففي القاعة الغنية بمدينة الزهراء نقوشٌ تؤرّخ مراحل البناء من سنة ٣٤١هـ إلى سنة ٣٤٦هـ وتسمّي الصنّاع. وعلى لوح عند مدخل البلاطة الوسطى بجامع قرطبة أنّ أمير المؤمنين عبد الرحمن أمر ببناء واجهة الصحن وتوثيقها، فتمّ ذلك في ذي الحجة سنة ٣٤٦هـ بإشراف مولاه ووزيره وصاحب مدينته عبد الله بن بدر، وأنّ النقش من عمل سعيد بن أيّوب (ص ٦٤٢–٦٤٣).
آخر المراحل الكوفي البسيط، ويبلغ ذروته في عهد الحكم المستنصر، وقد احتلّ أبرز المواضع في زيادته بجامع قرطبة: واجهة المحراب والساباط، وهو الممرّ المسقوف الذي يصل القصر بالمسجد، وبيت المال والقبة التي أمام المحراب. والنقوش الفسيفسائية فيها من عمل الكاتب مطرّف بن عبد الرحمن، وفيها أنّ الحكم أمر مولاه وحاجبه جعفر بن عبد الرحمن بالبناء بإشراف محمد بن تمليخ وأحمد بن نصر وخالد بن هاشم أصحاب شرطته ومطرّف الكاتب، وأنّ المحراب تمّ في ذي الحجة سنة ٣٥٤هـ/٩٦٥م (ص ٦٤٣–٦٤٥). وقد أخفق الكاتب في إدارة النقش على زاوية إطار المحراب فتراكب السطران، في حين كانت عقود المحاريب الصغيرة الأربعة في دار جعفر بالزهراء قد حلّت المشكلة سنة ٣٤٩هـ/٩٦٠م بزهرة في الزاوية. وفي نقش الساباط ترحّمٌ على جعفر، وكان قد مات قبل تمام العمل، فيستدلّ المؤلف به على أنّ واجهة الساباط أحدث من واجهة المحراب، وأنّ الكاتب حسّن فيها حلّه الأول (ص ٦٤٤–٦٤٥).
في هذه الكثرة من الأسماء والوظائف والتواريخ يرى المؤلف خصوصية أندلسية، لأنّ العمارة الإسلامية مجهولة الصنّاع في الغالب. ثم تقلّ هذه الأخبار بعد سقوط الخلافة، وتكاد تختفي زمن الموحّدين، وتعود أحياناً مع بني نصر (ص ٦٤٥). ويقرّر أنّ المادّة تحكم نسب الحروف، وشاهده نقش باب المردوم بطليطلة (٣٩٠هـ/٩٩٩–١٠٠٠م)، فقد فرض الآجرّ على حروفه التسطّح والزوايا (ص ٦٤٧).
أربع مدارس في عهد الطوائف
عهد الطوائف أقصر العهود، لكنه عند المؤلف حاسم، ففيه كانت أول محاولة لتكوين شكل هندسي بمدّ قوائم الحروف، وفيه تشابك الخط بشرائط هندسية. ويختار منه أربع مدارس. ففي إشبيلية حجرٌ يسجّل تجديد مئذنة بأمر المعتمد (٤٧٢هـ/١٠٧٩م) ويسمّي المرخّم إبراهيم على سنّة الخلافة، وعلى حوافّ خزفٍ ذي بريق معدني اسم المعتمد بالذهب، فيرجّح المؤلف أنه كان بإشبيلية مصنعٌ لهذا الخزف، وأنه لم يكن يُستورد من المشرق، ويرى في سكّة بني عبّاد أثر صنّاع هاجروا من دار السكّة بقرطبة (ص ٦٤٨). وفي سرقسطة، في قصر الجعفرية، تظهر في أشرطة المصلّى أول محاولة للكوفي الهندسي، وهي غير موفّقة تماماً لكنها فتحت الطريق، ويلاحظ أنّ خطأ المبتدئ في وصل الشرائط يتكرّر حتى في مرقب لندراخا بالحمراء (ص ٦٤٩). وفي طليطلة، عند بني ذي النون، حافة بئر جامعها التي تؤرّخ بناءه سنة ٤٢٣هـ/١٠٣٢م، وحروفها مزهرة بديعة، في حين أنّ سكّتهم رديئة التصميم. وفي المريّة، عند بني صمادح، كوفي متّزن استقرّت به صورة الهاء (ص ٦٤٩–٦٥٠). ومن هذه المدارس أخذ الخلفُ أناقة الحرف الإشبيلي، والتجديد الهندسي النباتي السرقسطي، وتناسب جسم الحرف المريّي (ص ٦٥٠).
المرابطون والموحّدون: النسخي على العمارة وتقشّف الموحّدين
ينسب المؤلف إلى المرابطين ثلاثة تجديدات: إدخال النسخي في زخرف العمارة، وكوفياً متناسباً يفصل جسم الحرف عن قائمته بساقٍ أفقية، وكوفياً آخر يعلو فيه الشطر الثاني من الدعاء فوق الأول تحت عقود من السعف (ص ٦٥١). ويترك احتمالاً مفتوحاً، أن يكون بنو زيري قد سبقوهم إلى النسخي، بدليل نقش باسم باديس على حوض رخامي منقوش بالأسود والأيائل نُهب من أحد قصور المنصور بن أبي عامر وحُمل إلى غرناطة. فإن ثبت ذلك كان عهد الطوائف قد وضع أنواع الخط كلها (ص ٦٥١، ٦٧١). أمّا الثابت فالنسخي المرابطي في القبة البارودية بمراكش (نحو ٥١٣هـ/١١١٩م) وجامع تلمسان (٥٣٠هـ/١١٣٥م) وجامع القرويين (٥٣١هـ/١١٣٦–١١٣٧م). ويعلّل ظهوره بحاجة الدولة إلى دعاية مقروءة، لأنّ قلّةً من المتعلّمين في القرن السادس كانت تقرأ الكوفي، ويستشهد مرة أخرى بخطأ ابن صاحب الصلاة، ويضيف أنّ هندسة الكوفي وزخرفه زادتاه غموضاً (ص ٦٥١). ويخالف ماريا خيسوس روبييرا ماتا في عقد شاطبة المزدوج، فهو عنده مرابطي، وهي تنسبه إلى عهد ابن مردنيش (ص ٦٥٣، ٦٧١).
يقوم الكوفي المرابطي على قانون نسبة صارم، فخُمسا الشريط لجسم الحرف، وثلاثة أخماسه للقوائم والزهر، ومشكلة الزوايا تُحلّ بمربّع فيه نجمة ثُمانية تبقى إلى عهد بني نصر (ص ٦٥٣–٦٥٥). ويستدلّ على أنّ الصنّاع كانوا أندلسيين بنقوش مقرنصات القرويين، ففيها اسم الأمير علي، والقاضي أبي محمد عبد الحقّ بن معيشة الكناني، وإبراهيم بن محمد وعبد الله بن محمد، وتاريخ رمضان ٥٣١هـ/١١٣٧م، ويؤيّد ذلك بأنّ صاحب «روض القرطاس» ينسب القاضي «الغرناطي» (ص ٦٥٥–٦٥٨). ويؤرّخ منبر الكتبية بما بين ٥١٩هـ/١١٢٥م و٥٢٤هـ/١١٣٠م، وقد صُنع بقرطبة وفيه ثلاثة أنواع من الكوفي. ويؤرّخ بهيئة الحروف طائفة من البرونزيات، كعنقاء كاتدرائية بيزا، وكلّها تشهد ببقاء طراز الخلافة إلى القرن السادس الهجري (ص ٦٥٥–٦٥٨). وعلى هذا الطراز نفسه شاهدُ قبر الأميرة المرابطية بدر بنت الأمير أبي الحسن علي الصنهاجي (٤٩٦هـ/١١٠٣م)، وُجد بقرطبة ويُحفظ بمالقة، وهو عقدٌ حَدْويّ صغير على هيئة طاقات دار جعفر بالزهراء، وفي إطاره يتراكب السطران الرأسي والأفقي كما في واجهة الساباط (ص ٦٥٨).
ثم ينقلب الأمر مع الموحّدين، تحت أخلاق الطهارة والتقشّف التي دعا إليها محمد بن تومرت. فالخلفاء الثلاثة الأوائل لم يكتبوا أسماءهم على بناء، وحلّت محلّها آيات وأدعية، وغاب الخط عن واجهات المحاريب في تينمل (٥٤٩هـ/١١٥٤م) والكتبية الثانية (٥٥٨هـ/١١٦٢م)، فلم يبقَ إلا تحت المقرنصات. ويقترح المؤلف لذلك تفسيراً يقدّمه على أنه ظنّ، وهو أنّ قداسة النصّ القرآني جعلتهم يتحرّجون من أن يتّخذوه زخرفاً فيبتذلوه (ص ٦٥٨–٦٥٩). ثم لان التقشّف كما لان عند المرابطين قبلهم، فظهر النسخي المتقدّم على مصراعي باب الغفران بجامع إشبيلية (من أوائل العقد ٥٨٦–٥٩٦هـ/١١٩٠–١٢٠٠م) وعلى مطرقتيه، وعلى ثريا القرويين التي أمر بها الخليفة محمد الناصر بإشراف الكاتب أبي محمد عبد الله بن موسى، ويلاحظ أنّ الثريا تلقّبه بالخليفة والدولة آيلة بعد العقاب (ص ٦٦٠). ومن شواهد القبور قبر ميغيل سيمينو الطليطلي (١١٥٦م) بالعربية واللاتينية، وفي حروفه زهرٌ خارج عن زمنه، وشاهد القبر الطويل الذي على هيئة المنشور، المعروف بالمقابرية (mqabriya)، في مالقة (٦١٨هـ/١٢٢١م) (ص ٦٦١).
تحفة هذا العهد عنده راية العقاب المحفوظة في لاس أويلغاس. ففي دائرتها الوسطى نجمة من الكوفي الهندسي صُنعت بتشابك لفظ «الملك» ستّ عشرة مرة على نسبة متناقصة، ويعدّها مما يضاهي أجود ما في العالم الإسلامي، في حين يرى نسخي أشرطتها أقلّ تطوّراً (ص ٦٦٢). وفي دير لاس أويلغاس نفسه جصّ موحّدي بكوفي عربي يمجّد المسيح والروح القدس (ص ٦٦٢).
بنو نصر: القصيدة على الجدار وقانون النسبة
في العهد النصري بلغ الكوفي غايته في الغرب الإسلامي، وكُتبت قصائد شعراء البلاط على الجدران كأنها كتاب مفتوح تتكلّم فيه القاعات بلسانها، في أشرطة يسمّيها النصّ نفسه طِرازاً، والطراز في الأصل الشريط المكتوب على الثوب. وأصحاب هذه القصائد أربعة من ديوان الإنشاء، كلّ منهم تلميذ سابقه: ابن الجيّاب، الذي خدم ستة سلاطين ومات في بيته سنة ٧٤٩هـ/١٣٤٨م، وهو وحده بين هؤلاء الأربعة لم يُقتل، ثم لسان الدين بن الخطيب، ثم ابن زمرك، ثم ابن فركون (ص ٦٦٣). ولابن زمرك الحظّ الأوفر، فهو يصرّح بأنه نظم أشعار قصور محمد الخامس، ومنها قصيدة فوّارة السباع التي تصف نظام الماء بدقّة، وأربعة وعشرون بيتاً من قصيدة ختان ابن محمد الخامس نُقشت في قاعة الأختين (ص ٦٦٣–٦٦٤). ومن قصيدتي ابن الخطيب في مدخل قاعة العرش يستخرج قاعدةً في المنهج. فنصّهما المنقوش، المضبوط بالنقط والشكل، يخالف نصّ ديوانه «الصيّب والجهام والماضي والكهام» الذي تبعه المترجمون، ومن ثَمّ يقرّر:
«ينبغي في دراسة النقوش أن يُبدأ بقراءة النصّ المنقوش في موضعه، ولا يُرجع إلى المصادر الأخرى إلا بعد ذلك.» (ص ٦٧٢)
أهمّ ما يدّعيه لنفسه كشفٌ انتهى إليه حين رسم حروف الحمراء وجنّة العريف بمقاييسها، وهو قانونٌ لنسب الحروف يبدو أنه يتبع نسباً فيثاغورية، أي نسباً عددية منسوبة إلى مدرسة فيثاغورس، كنسبة عرض اللام إلى طولها. ويتغيّر هذا القانون بتغيّر العهد والشاعر، فيمكن به تمييز مدارس ديوان الإنشاء بحسب رئيسه في كلّ عهد، ويقول إنّ أحداً لم يلتفت إلى ذلك قبله (ص ٦٦٤). ويتّخذ الاتجاه برهاناً على دعواه الأولى، فسورة الملك في الإفريز العالي لقاعة العرش تبدأ من الزاوية اليمنى للجدار المقابل للمدخل، وأبيات قاعة الأختين تُقرأ بالدوران من اليمين (ص ٦٦٥). ويؤرّخ النقوش بتواريخها وألقابها. فنقش باب الشريعة يذكر أنّ يوسف الأول أمر ببنائه وأنه تمّ في ربيع الأول ٧٤٩هـ/يونيو ١٣٤٨م، ونقش المارستان يذكر أنه بُني من منتصف المحرّم ٧٦٧هـ إلى منتصف شوّال ٧٦٨هـ، ويلقّب محمداً الخامس «الغني بالله». ولم يتّخذ محمد الخامس هذا اللقب إلا آخر سنة ١٣٦٧م، بعد حملاته على جيّان وأُبّذة وبيّاسة، فاللوح نُقش إذن عند الافتتاح، ولم يُنقش عند تمام البناء (ص ٦٦٥).
بثلاثة أطوار يمرّ الكوفي النصري: حرف كبير ثم صغير تتشكّل قوائمه عقوداً زمن محمد الثاني ومحمد الثالث، ثم تماثل حول محور زمن إسماعيل الأول ويوسف الأول، ثم تماثل تامّ حول المركز. ويميّز المؤلف بين خطّاطين: شيخٌ عمل في القلهرّة وقاعة العرش تحت ابن الجيّاب ثم ابن الخطيب، وهو الأجود، وتلميذٌ أكثر ابتكاراً وأقلّ حسّاً بجمال الحرف عمل تحت ابن زمرك في قصر الرياض في الثمانينيات من القرن الرابع عشر الميلادي (ص ٦٦٦–٦٦٧). وفي أرفع نقوش مرقب لندراخا خطأ إملائي، إذ وصل الكاتب الباء بلفظ الجلالة في لقب «الغني بالله» وأثبت همزة الوصل، ولعلّ حاجة التماثل ألجأته إليه، ويستدلّ به المؤلف على أنّ الكوفي بقي صنعة نخبة صغيرة (ص ٦٦٧، ٦٧٣).
ما يراه الزائر اليوم من هذه النقوش غير ما رآه أهلها. فقد كانت الحروف مذهّبة على أرضيات حمراء وزرقاء، والزهر إمّا مسنّن بلونٍ يخالف أرضيته وإمّا مصفّح بالذهب أو الفضة، ولم يبقَ من ذلك إلا أثرٌ في الأرضيات. فالمنظر الحاضر مخالف كلّ المخالفة لأصلٍ كانت ألوانه متدرّجة مؤتلفة، تذكّر بالنسيج وبما ورثه الفن الإسلامي عن اليونان والرومان. وخطّ عهدي يوسف الأول ومحمد الخامس عنده صنع أنماطاً على قدر مواضعها لوناً وضياءً، وجرى الكوفي إلى جانبها في أدعية تمتدّ شرائطها أشكالاً هندسية تتكرّر إلى أعلى الألواح، وفي زخرف الشبكة (sebka)، وهو تشبيك من المعيّنات، على أرضية نباتية (ص ٦٦٧).
آخر ما يعرضه أثرُ الكوفي في الفن المسيحي، وفيه يستعير حكم إرنست كونل، وهو أنّ جمال هذا الخط وطواعيته للتنويع أغريا الفنانين النصارى منذ البداية، فدخل أعمالاً رومانسكية كثيرة زخرفاً محضاً لا يُفهم في الغالب، بل لعلّ فريدريك الثاني حين أدخل المجرى القوطي إلى ديوان كتابته كان يرجو أن يعطي الغرب خطاً زخرفياً يضاهي ما أعجبه في التحف التي كانت ترد عليه من العرب (ص ٦٦٧–٦٦٩، ٦٧٣). وظهرت الأدعية بالكوفي والنسخي في الفن المسيحي الوسيط وفنّ النهضة، في شبه الجزيرة وفي شمال أوروبا أيضاً، على البسط والحليّ والثياب والسلاح، وفي لوحات الرسام البلنسي يانييث دي لا ألميدينا وهانز هولباين الأصغر (ص ٦٦٩، ٦٧٣).
في حواشيه يحذّر المؤلف من التسليم بقراءات الدارسين، لأنّ أخطاءهم تبقى بالنقل وتتكاثر (ص ٦٧٢). ويصحّح ليفي بروفنسال، الذي عدّ شاهد قبر محمد الثاني المنقوش بشعر ابن الجيّاب مفقوداً، وهو معروض في المتحف الوطني للفن الإسباني الإسلامي (ص ٦٦٣، ٦٧٢)، ويذكر أنّ لافوينتي إي ألكانتارا لم يزد سنة ١٨٦٠م، حين مرّ بخطأ لندراخا، على أن فصل بين الحرفين في طبعته (ص ٦٧٣). ويعدّ أطروحة أحمد مصطفى (١٩٨٩م) في «الخط المنسوب» لابن مقلة سيراً بطريق آخر إلى ما بدأه هو سنة ١٩٧١–١٩٧٢م في نسب الحروف (ص ٦٧٣). على أنّ كثيراً من أحكامه يستند إلى دراسات له لم تُنشر بعد، كبحثه في جصّ لاس أويلغاس، وفي عقد شاطبة، وفي تفسير قصيدة ابن زمرك في قاعة الأختين (ص ٦٧١–٦٧٣)، وإلى كتابه في كتابة قصري قمارش والسباع (١٩٧٤م)، الذي يقول إنه الدراسة الوحيدة لهذا العهد من الخط الأندلسي (ص ٦٧٣).