The Legacy of Muslim Spain · A Reader's Companion
الأدب الأندلسي وأثره في لغات أوروبا وآدابها

النثر الفني والشعر، وشعر الطبيعة عند ابن خفاجة، والموشّح والزجل، و«طوق الحمامة» لابن حزم. وفيه بعد ذلك ما دخل اللغات الرومانثية من العربية، وأثر العرب في شعر الحب الأوروبي، وذكرى سنة ١٤٩٢م، وتراث الإسلام في الأدب الإسباني.

١٤. النثر الأدبي الأندلسي

أراد كاشيا أن يمتحن بالأندلس سعةَ ما بلغته الثقافة العربية الإسلامية من الانتشار وحيويّتَها معاً، فالأندلس إقليمٌ ناءٍ عن مراكز هذه الثقافة، انفصل عنها في السياسة مبكراً، ولم يكن العرب فيه إلا قلّة، وتجاور فيه المسلمون والنصارى واليهود نحو ثمانية قرون (ص ٣٠٩). ويأتي جوابه في آخر جملةٍ من مقالته:

«ما كان للأندلس أن تؤدّي هذه الوظيفة التاريخية لو لم تكن وفيّةً لمعايير النخبة المثقفة في المشرق، حيّةً في الوقت نفسه لنوازع سكانها المتنوّعين» (ص ٣١٤)

أمّا المعايير التي يقيس بها فمشرقيةٌ كلّها: نقاءٌ لغوي استمدّ سلطانه من الشعر الجاهلي ومن إعجاز القرآن، وولعٌ بالصنعة بلغ معه البلاغيون نحو مئة وخمسين ضرباً من البديع، وهو فنون التحسين في اللفظ والمعنى، ونثرٌ نشأ في دواوين الكتّاب فلم يعرف جنساً يقوم على تخييلٍ متّصل، ولم يجد القصّ فيه منفذاً غير المقامة، وهي حكايةٌ قصيرة بنثرٍ مسجوع يرويها راوٍ عن بطلٍ محتالٍ ظريف (ص ٣٠٧–٣٠٨). ودليله على رسوخ اعتداد العرب بلسانهم قولٌ يُنسب أحياناً إلى النبي ﷺ، أنّ البراعة نزلت على قلوب اليونان وأيدي الصين وألسنة العرب، وقد ردّده حسين المرصفي في «الوسيلة الأدبية» (ص ٣٠٧). وكانت هناك، إلى جانب هذا الأدب الرفيع، آدابٌ عامية ازدراها العلماء، ويرجّح كاشيا أنّ المقامة نفسها خرجت منها، لأنّ مادّتها تشي بأصلٍ شعبي (ص ٣٠٨–٣٠٩).

على وفاء الأندلس لمعايير المشرق شواهدُ كثيرة، منها أنّ أهلها استقبلوا أبا علي القالي بالترحاب ودوّنوا مجالسه في «الأمالي»، وأنّ كتب التراجم تذكر ٢٢٦ أندلسياً على الأقلّ رحلوا إلى المشرق في عهد الإمارة وحده (ص ٣٠٩). واقتفى الكتّاب أساليب المشرق، من بلاغة الجاحظ المرسلة إلى زخرف الهمذاني، ومادّة «العقد الفريد» مشرقيةٌ لا يروي صاحبه فيه من الشعر الأندلسي إلا شعرَه هو (ص ٣٠٩–٣١٠). بل إنّ ابن شهيد، وهو يؤثر أسلوب الجاحظ، يعتذر في «التوابع والزوابع» عن السجع بأنه ضرورةٌ فرضها قصور الأندلس، وينبّه كاشيا إلى أنّ الكلام جاء في سياق مناظرة، فلا يؤخذ على ظاهره (ص ٣١٠). وأوضح الشواهد المقامة، فقد كتب أوّلَ مقاماتها في الأندلس ابنُ شرف القيرواني نزيلُ المريّة، ثم غلب عليها الحريري حتى وضع الشريشي على مقاماته الشرحَ المعتمد. غير أنّ الأندلسيين أخذوا أسلوبها وتركوا شخوصها، فسمّوا مقامةً كلَّ نثرٍ مزخرف مرصّع بالشعر، ولا يظهر فيها المحتال الظريف قطّ. ومن أمثلتها مقامة العيد لابن المرابع الأزدي، في رجلٍ تسوقه امرأته إلى شراء الكبش، ومقامة الطاعون للفقيه عمر المالقي (٨٤٤هـ/١٤٤٠م)، وهي استعطافٌ يُرفع من مالقة إلى الحمراء أن تأذن للبلاط في اللجوء إلى مالقة، بلد المؤلف، فراراً من الطاعون الذي نزل بغرناطة (ص ٣١٠–٣١١).

في الأندلس عند كاشيا ثلاثةُ أعمالٍ تخييلية متّحدة البناء، وهذا ضربٌ نادر في الأدب العربي قبل العصر الحديث، أشهرُ أمثلته في المشرق «رسالة الغفران» (ص ٣١١). أوّلها «التوابع والزوابع»، نقدٌ أدبي في صورة رحلةٍ إلى توابع الشعراء من الجنّ، والتابع في معتقد العرب جنّيٌّ يُلهم الشاعر، وربما أخذ ابن شهيد فكرتها عن الهمذاني، وقيل عن محاورات أفلاطون أو عن لوقيانوس. والثاني «طوق الحمامة» (٤١٢هـ/١٠٢٢م)، ويقف عنده كاشيا لتعريفه الحبَّ تعريفاً فيه صدىً أفلاطوني، ولما يكشفه من أنّ الفصل بين الرجال والنساء في قرطبة لم يكن محكماً، ولنظرته الرحيمة إلى عشق الرجل للرجل، وهي نظرةٌ لا تبيح الفعل، ويردّ بها كاشيا دعوى بيريس أنّ هذا العشق لم يكن عفيفاً قطّ (ص ٣١١–٣١٢). والثالث «حيّ بن يقظان»، ويكاد كاشيا يجزم بأنّ مصدره حكايةُ ناسكٍ عن طفلٍ مهجور وردت في قصّة الإسكندر كما بلغت الأندلس (ص ٣١٣).

أمّا حياة الأندلس لنوازع سكّانها فشاهدها أنها حفظت من الأدب الشعبي أكثر مما حفظ غيرها، وأنّ بعض ما بقي منه مكتوبٌ بالرومانثية، وهي لغة أهل البلاد المتفرّعة عن اللاتينية، أو باللاتينية، أو بالأعجمية، وهي الرومانثية مكتوبةً بالحرف العربي، وليس بالعربية (ص ٣١٣). وحين كتب اليهود المقامة بالعبرية احتذوا الحريريَّ نفسه، لا مقلّديه من الأندلسيين، كما صنع يهوذا الحريزي (ص ٣١٣). ويعدّ كاشيا أثر العرب في آداب أوروبا مسألةً خلافية، فيسمّي في الحاشية من قال به (ريبيرا ونيكل ومنينديث بيدال وغيرهم) ومن ردّه (غاستون باري وجانروا وفوسلر وغيرهم) (ح ١٩). ويلاحظ أنّ ما عبر إلى أوروبا قلّما كان من الأدب الرفيع، ولذلك يرجّح أنّ دانتي تأثّر بقصّة المعراج الشعبية التي تُرجمت إلى القشتالية والفرنسية واللاتينية، وأنه لم يأخذ عن المعرّي ولا عن ابن شهيد. ويستبعد ما ذهب إليه منينديث إي بيلايو وغونثاليث بالنثيا من أنّ الرواية الشطارية، وهي قصص المحتالين المتشرّدين، وليدةُ المقامة، لبُعد ما بين الزمنين، ولأنّ الأندلسيين أضعفوا القصّ في مقاماتهم (ص ٣١٤).

١٥. الشعر الأندلسي: العصر الذهبي

تتتبّع الجيوسي في مقالتها علاقةَ الشعر الأندلسي بالتقليد والتجديد، وموقعَه من ثقافةٍ مغايرة عاش على تخومها، فهي تكتب نقداً ولا تكتب تاريخاً يعدّد الشعراء (ص ٣١٧). ودعواها الكبرى أنّ الشعر الفصيح في الأندلس لم يكن «أدب ثغور»، أي أدبَ جماعةٍ تعيش على حدود ثقافةٍ أخرى، إلا بمعنى واحد، هو أنّ ثغوره أصولُه المشرقية التي أجهد نفسه ألّا يتخطّاها، أمّا الجديد الأندلسي الحقّ فالموشّح، وهو شعرٌ غنائي مقسومٌ أدواراً تتنوّع فيها القوافي. وعلى هذه الدعوى تبني قراءتها لشعراء القرنين الرابع والخامس الهجريين/العاشر والحادي عشر الميلاديين، وتصف مسيرة هذا الشعر بأنها خطٌّ متعرّج لا يطّرد فيه النموّ.

فرعٌ من شجرة المشرق لا صورةٌ منه

تقرّ الجيوسي بأنّ الشعر الأندلسي شديد الاتصال بشعر المشرق، وتجعل اتصاله به اتصالَ الفرع بأصله، ولذلك تنكر أن يكون الأندلسيون قد نقلوا عن المشارقة الاستعارةَ المولّدة، وهي الاستعارة المبتكرة التي شاعت عند الشعراء المحدَثين، ووصفَ الرياض نقلاً (ص ٣١٧). وتسند رأيها إلى نظريةٍ في تغيّر الفنون، مؤدّاها أنّ التجديد لا يسري بالمحاكاة، وإنما يسري متى كان الفنّ مهيّأً له وكان الجمهور في حاجةٍ إليه، فيسبق إليه شاعرٌ أجرأ من أقرانه، ثم يأخذه عنه جيله، إمّا بعد ما يسمّيه جورج كوبلر «التأخّر المألوف» وإمّا في الحال. فما عدّه كثيرٌ من النقّاد تقليداً ذليلاً قد لا يكون إلا دليلاً على أنّ الشعر احتاج إلى التغيّر حيثما تشابهت الحياة الحضرية في العالم العربي (ص ٣١٧–٣١٨).

وراء هذه الوحدة في رأيها الإسلامُ والعربيةُ معاً؛ فالعربية لغة القرآن والحديث، ولغة السلطان، ولغة الشعر الذي هو أجلّ فنون العرب، ولذلك ظلّ الأثر الأجنبي في الشعر الفصيح ذي الشطرين والقافية الواحدة ضئيلاً إلى مطلع القرن العشرين. وتستدلّ على رسوخ هذا الشكل في الوجدان بحدّة المعركة التي أثارتها في الخمسينيات حركةُ الشعر الحرّ، وهي الحركة التي تركت الشطرين والقافية الواحدة (ص ٣١٨–٣١٩). وزاد الأمرَ في الأندلس أنّ شعرها في عصره الذهبي لم يجاوره شعرٌ كبير بلغةٍ أخرى يفرض عليه طبعه، فالمغرب لم يكن مركزاً شعرياً، وأغاني الشعر الجليقي البرتغالي لم تبدأ إلا في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي (ص ٣١٩، ح ٤).

من هنا خلافها مع ثلاثةٍ من المستشرقين. ذهب هنري بيريس إلى أنّ مسلمي الأندلس في القرن الحادي عشر لم يكونوا إلا امتداداً عرقياً لسكّانها القدماء، وصاغ جيمس مونرو الفكرة صياغةً أخرى، فقال إنّ تقليداً محلياً يمكن أن يُتتبَّع في شعر شبه الجزيرة الإيبيرية أيّاً كانت لغته. وترى الجيوسي أنّ هذا القول يجعل العِرق المحدِّدَ الأوّل، ويفترض أنّ التقاليد الشعرية تعبر بين لغاتٍ وثقافاتٍ لا قرابة بينها، وهو في رأيها قولٌ لا يثبت (ص ٣١٩). أمّا ثالثهم، ليفي بروفنسال، فقال إنّ الأندلسيين كانوا يتكلّمون الرومانثية في بيوتهم والعربية في الملأ، فنظموا بلغةٍ غريبة عنهم، وجاء شعرهم فيها متكلّفاً كلاتينية علماء النهضة. وتردّ عليه بأنّ الفصحى ظلّت هناك حيّةً نامية، وبأنّ الأندلسيين ولّدوا من أصولٍ عربية ألفاظاً خاصّة بهم وتداولوا أمثالاً لا تُعرف في غير بلدهم، مستندةً في ذلك إلى إحسان عبّاس، وبأنّ الزجل، وهو شعرٌ بالعامية الأندلسية، والخرجاتِ المختلطة، وهي خواتيم الموشّحات التي يجري بعضها بالعامية أو بالرومانثية، تدلّ على أنّ الرومانثية خالطت العربية ولم تزحها (ص ٣٢٠).

أمّا سؤال «أدب الثغور» فتعالجه بمفهوم «الأدب الصغير»، أو الأدب المقتلَع من أرضه، عند دولوز وغتاري، وهو مفهومٌ استخلصاه من كافكا، ويريدان به أدباً يعيش داخل تقليدٍ أغلب منه، جماعيّ الهمّ، سياسيّ الصلة، يغلب عليه في اللغة فقرٌ في التراكيب يقابله إسرافٌ في التأنّق (ص ٣٢١). وتنتهي إلى أنّ الشعر الأندلسي الفصيح يُقرأ أدبَ قومٍ آمنين في ديارهم، ولسانَ السلطان والخاصّة، لا يتحصّن بجماعةٍ محاصَرة؛ فقد كان شعراؤه يتخاصمون فيما بينهم ويخاصمون الأمراء، ولم يزد صراعه مع النصارى على صراع شعر المشرق مع الروم عند أبي تمّام والبحتري والمتنبي (ص ٣٢١). وتختصر ذلك في قولها:

«إن كان في الإنتاج الأدبي الأندلسي الفصيح أثرٌ من أدب الثغور، فالثغور المقصودة أصولُه وأسلافُه، لا الإيبيريون» (ص ٣٢١)

فأزمة الهويّة، إن وُجدت، كانت إزاء المشرق وحده، وقد صحبها حنينٌ إلى الثقافة الأمّ وشعورٌ دفين بالقصور. ومن مجاهدة الشعر ألّا يفقد شيئاً من تراكيب أصله جاءه ذلك «الإسراف» الذي وصفه كافكا في أدبٍ يسعى أبداً إلى إثبات نفسه. وكان الموشّح التجربةَ المقابلة: غناءٌ حضريّ سهلٌ على ما فيه من تركيب، جريءٌ في لغته وإيقاعه، يبلغ في بعض خرجاته المختلطة بالرومانثية حدّ الفنّ المركّب من ثقافتين. وتعلّل خلوّه من أزمة الهويّة بأنه اقترن بالموسيقى، فعُدّ من أوّل أمره شعراً خفيفاً للغناء لا ينافس القصيدة، وهي قسمةٌ بقيت في العالم العربي إلى اليوم (ص ٣٢١–٣٢٢).

انقطاع التقليد وغريب اللفظ

تقبل الجيوسي ملاحظة ليفي بروفنسال أنّ في الشعر الأندلسي خشونةً في اللفظ وتنافراً في الأسلوب وميلاً إلى الغريب، ولكنها تردّها إلى سببٍ غير الثنائية اللغوية: أنّ التقليد الشعري انقطع في الأندلس في العقود الأولى بعد الفتح، حين شُغل الوافدون ببناء مجتمعهم، ولم ينهض الأدب إلا نهوضاً متردّداً في عهد عبد الرحمن الداخل مع أنه كان شاعراً، فلم يرث شعراء الجيلين أو الثلاثة التالية ملَكةَ الشعر بالسليقة كما ورثها المشارقة (ص ٣٢٢). وتقيس ذلك بانقطاعٍ سابق، فالشعر كان قد خبا في صدر الإسلام نحو أربعين سنة، حتى أحياه الأمويون لغاياتهم السياسية، فجاء شعراء أمويون في البصرة والكوفة لم يفهموا بعض أعراف الشعر الجاهلي الرمزية، والفرزدق مثالها (ص ٣٢٣). وتروي في الحاشية ما نقله المرزباني في «الموشّح» من أنّ ذا الرمّة سأل الفرزدق لمَ لا يُعدّ هو من الفحول، وهم كبار الشعراء المقدَّمون، فأجابه بأنّ ذلك لبكائه على الأطلال، أي بقايا ديار الأحبّة، ولوصفه الإبل والصحراء (ص ٣٦١، ح ٢٠). وكان انقطاع الأندلس أطول، ولم تكن للشعر فيها جذورٌ قريبة يرجع إليها، فعاش بعيداً عن مراكز النقد المشرقية التي لم تكترث له، ونشأ في نفوس شعرائه حنينٌ إلى المشرق يخالطه تنافسٌ معه، ومن هذا التنافس كان إقبالهم على الشوارد والأوابد، وهي نوادر الألفاظ وغرائبها (ص ٣٢٣–٣٢٤). وتستشهد في الحاشية بقول ابن سعيد في «رايات المبرّزين» إنه لم يجد لشاعرٍ أندلسي قصيدةً سلس لفظها فلا يُسمع في بيتٍ منها تنافر إلا قصيدة ابن عمّار في مدح المعتضد (ص ٣٦١، ح ١٦).

خفّف من هذه العزلة تبادلُ العلماء والشعراء واستيرادُ الكتب منذ نهاية القرن الثالث من الوجود الإسلامي. وصل أبو علي القالي سنة ٣٣٠هـ/٩٤١م، وربما جاء بدعوة الحكم المستنصر وهو وليّ عهد كما يرجّح إحسان عبّاس، وحمل معه دواوين الجاهليين والأمويين و«المفضليات» و«أشعار الهذليين» و«النقائض»، وجمع الحكم مكتبةً تُروى عدّتها أربعمئة ألف مجلد، وأمر بتأليف كتبٍ في أدب الأندلس وأخبارها، وترى الجيوسي في ذلك نزعةً أندلسية تريد أن تثبت ثقافتها وتباري المشرق (ص ٣٢٤). وتضيف في الحاشية أنّ ابن عبد ربّه توفّي قبل وصول القالي بسنتين، ولم يرحل قطّ إلى المشرق، فدلّ ذلك على أنّ الأدب المشرقي كان قد انتشر في الأندلس قبل القالي. وتذكر خيبة الصاحب بن عبّاد حين رأى «العقد الفريد»، فقال ما معناه إنّ بضاعة المشارقة رُدّت إليهم، وتقرأ في عبارته إحساساً خفياً بانقسامٍ بين بغداد وقرطبة (ص ٣٦٢، ح ٢٥). وتنتهي إلى أنّ الشعر الفصيح في الأندلس سلم مما يُضعف الشعر من تفكّك التركيب واضطراب المنطق، وأنّ أغراض الفحول من مدحٍ وفخرٍ وهجاءٍ ووصف بقيت فيه، ونما الوصف خاصّةً نموّاً مبدعاً (ص ٣٢٤–٣٢٥).

شعر الشِّبَع

أعظم ما فارق فيه الشعر الأندلسي شعرَ المشرق عند الجيوسي قلّةُ الحنين، حتى عند ابن هانئ، مع تشيّعه الذي يبعث الحنين عادةً في الشعر الشيعي المشرقي. فالحنين من صميم الشعر الموروث، غذّته حياة البادية بفراقها وغاراتها وترحالها. أمّا الأندلس فحين نزلت بها الكوارث منذ القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي جاء رثاء شعرائها محدّداً بحادثته: ابن شهيد يصف خراب قرطبة في الفتنة (٣٩٩–٤٢٢هـ/١٠٠٩–١٠٣١م)، وابن اللبّانة يبكي سقوط المعتمد بن عبّاد، والرندي يرثي ضياع البلاد، وكلّه يأسٌ واضح الدلالة مقصورٌ على موضوعه، في حين بقي في المشرق صوتٌ صحراوي كالناي المنفرد إلى الشعر الحديث (ص ٣٢٥). وتعرض لذلك أسباباً محتملة، من انقطاع الذاكرة البدوية إلى غلبة الحياة الحضرية ووفرة اللذّات، ولا تحسم بينها، ثم تقول:

«كثيرٌ من الشعر الأندلسي شعرُ شِبَعٍ وامتلاءٍ ورضا، شعرُ فراغٍ لقومٍ يتأنّقون في رسمٍ بالكلمات لتجربةٍ خارجية» (ص ٣٢٦)

لم يخلُ شعر الحضريين في المشرق، كابن المعتزّ والصنوبري، من مسحة الحنين، بل وجدتها حتى عند المعرّي. وفي الأندلس مرحٌ يكاد يكون وثنياً في حبّ الحياة، له نظيرٌ عند أبي نواس، غير أنّ أبا نواس أعمق رؤيةً، يخالط لهوَه وعيٌ بالموت يكسر من فرحه، وهذا ما تفتقده في الأندلسيين: لوعة الروح والظمأ الذي لا يرتوي (ص ٣٢٦).

خطٌّ متعرّج من الغزال إلى ابن درّاج

يبدأ العصر الذهبي عندها في عهد الحجابة، حين استبدّ الحُجّاب، وهم كبار رجال الدولة، بالأمر دون الخليفة أيام المنصور بن أبي عامر وابنه عبد الملك المظفّر، ويمتدّ في الفتنة، وهي الحرب الأهلية التي أسقطت الخلافة، وفي عهد ملوك الطوائف الذين اقتسموا البلاد بعدها. ولا ترى في ازدهاره وسط الفوضى عجباً، لأنّ الفنّ تراكميّ لا يعكس الحوادث عكساً مباشراً (ص ٣٢٦–٣٢٧). وقبل ذلك كان يحيى بن الحكم الغزال (١٥٦–٢٥٠هـ/٧٧٢–٨٦٤م) قد مال إلى لغةٍ مبسّطة وحوارٍ قريب من حديث الناس، مع ما ناله من المناصب ومع سفارته إلى القسطنطينية، كقطعته في امرأةٍ تبثّه الحبّ فيكذّبها لأنّ أحداً لا يحبّ الشيخ، ويعدّه إحسان عبّاس أهمّ شعراء عصر الإمارة (ص ٣٢٧–٣٢٨). غير أنّ معاصريه، كمؤمن بن سعيد ويحيى القلفاط وحسّانة التميمية، عادوا إلى الجزالة القديمة، أي فخامة اللفظ وقوّته على طريقة الأوائل، وتعدّ الجيوسي هذا التعايش بين أساليب متباينة سمةً ثابتة في الأندلس، وليس علامةً على البدايات (ص ٣٢٨).

سار ابن عبد ربّه (٢٤٦–٣٢٨هـ) على خطّ الغزال في كثيرٍ من شعره، مع سعة علمه بالمشرق ومعارضاته لقصائد المشارقة، والمعارضة أن ينظم الشاعر على وزن قصيدةٍ سابقة وقافيتها يباريها. وتبدو لها تهنئته لعبد الرحمن الناصر بالخلافة ساذجةً لا ينقذها إلا الوزن والقافية، وفي تفاوت لغته دليلٌ على أنّ اللغة الشعرية في الأندلس لم تكن قد استقرّت بعد. وأجود شعره ما اتصل بحياته: «الممحّصات» التي عارض بها شعر صباه، ورثاؤه لابنيه (ص ٣٢٨–٣٣٠). ومن الخطّ نفسه يوسف بن هارون الرمادي (ت ٤٠٣هـ/١٠١٣م)، وفي شعره الضائع كتابٌ في وصف الطير كتبه وهو في سجن الحكم المستنصر وأهداه إلى الأمير هشام، وتستدلّ به على أنّ الوصف كان قد صار في أواسط القرن الرابع الهجري فنّاً قائماً بنفسه، وتستبعد أن يكون وصفُ طير الأندلس كلّها تعبيراً عن شوق السجين إلى الحرية. وقد جمع الرمادي البساطة القصصية، كقصيدته في الخمر التي يروي فيها خبر أبي حنيفة وجاره السكّير، إلى المبالغة المتكلّفة في صور الوداع (ص ٣٣٠–٣٣١).

على نقيض هذا الخطّ يقف ابن هانئ الأندلسي (وُلد بإلبيرة بين ٣٢٠ و٣٢٦هـ، وتوفّي ٣٦٢هـ/٩٧٣م)، وهو خطيبٌ جزل على طريقة أبي تمّام والبحتري والمتنبي، أكثر شعره مدحٌ للمعزّ لدين الله الفاطمي وقائده جوهر، ويبلغ غلوّه الشيعي أن يرفع المعزّ إلى مقامٍ يقارب النبوّة والألوهية في مطلع رائيّته المشهورة، وهو غلوٌّ يعدّه أهل السنّة تجديفاً، ومع ذلك حفظ العرب القصيدة. وتستثني من غموض غزله نسيبَ كافيّته الذي بقي على الزمن، والنسيب هو الغزل في صدر القصيدة (ص ٣٣٢–٣٣٣). ولأنه اكتمل شاعراً قبل أن يغادر الأندلس في السادسة والعشرين تعدّه ظاهرةً أندلسية، وترفض أن يُعدّ فنّاناً منفرداً شذّ عن عصره، لأنّ عصره كان يعجّ بصغار الشعراء الخطابيين، ولأنّ أكثر شعر ما قبل الفتنة ضاع. وتستخلص من ذلك أنّ تطوّر الشعر الأندلسي يتذبذب بين المدارس على نحوٍ لا يعرفه المشرق (ص ٣٣٤). ثم أخذ ابن درّاج القسطلّي (٣٤٧–٤٢١هـ) نبرة ابن هانئ وزاد عليها الذكرى الشخصية، فمقابلته في المدح بين شقائه في الطريق ونعمة الممدوح توافق تحليل ستيفان شبيرل للمدحية، غير أنّ الجيوسي تعترض في حاشيتها على شبيرل لأنه يحوّل طلب الشاعر للمال إلى نعمةٍ اجتماعية منزّهة، وترى أنّ ابن درّاج قلب صورة المرأة الموروثة حين وصف وداع زوجه وطفله الرضيع (ص ٣٣٥؛ ح ٣٥).

ابن شهيد بين الطبع والصنعة

تطيل الجيوسي الوقوف عند ابن شهيد (٣٨٢–٤٢٦هـ/٩٩٢–١٠٣٥م) لأنه أوضح من يمثّل الصراع بين الطبع، وهو أن يقول الشاعر عن سليقته، والصنعة، وهي تكلّف التجويد. بقيت له أربعٌ وسبعون قصيدة، أكثرها في الأغراض المألوفة، ومدائحه فاترة لأنّ المدح، وقد صار صناعةً تقوم على فكرة «الإنسان الكامل»، يخالف طبعه، وهو ابن بيت وزارة لا يحتاج إلى العطاء (ص ٣٣٦–٣٣٧). وتخالف بيريس في قوله إنّ في رثائه لنفسه «جبريةً قاسية» إيبيرية الروح، وتستدلّ بنونيّتيه في الفتوّة والضيافة على رؤيةٍ عربية الجذور (ص ٣٣٧–٣٣٨). وأصدق شعره رثاؤه لقرطبة الخربة، ثم ما كتبه حين أصابه الفالج في الرابعة والأربعين، فلبث سبعة أشهر يرثي نفسه ويكاتب أصحابه، لا يلوذ فيه بالدين إلا قليلاً، ويتّقد فيه حبّه لفتاه عمرو والموت يسري في قلبه، وهذا الالتقاء بين الحبّ والموت أعجب ما في شعره في رأيها (ص ٣٣٨–٣٤٠). وتقرأ في حديثه عن عمرو إجلالاً يذكّر بما عند اليونان، بخلاف ما يغلب على هذا الغزل في المشرق من عبث (ص ٣٣٩).

أمّا وصفه البرغوث والنحلة فدليلٌ عندها على أنّ تقاليد البادية ماتت عند جمهوره (ص ٣٤٠–٣٤١). وفي «التوابع والزوابع» آراؤه النقدية: أنّ الشعر موهبةٌ إلهية لا تُكتسب، وأنّ القبيح الخِلقة والخُلق لا يقول شعراً جيّداً، وأنّ لكل عصر أسلوبه المتجدّد. والأخير يناقض دفاعه عن أخذه من القدماء ومعارضته لهم، وهو تناقضٌ ظاهر في شعره نفسه (ص ٣٤١–٣٤٢). وتلحق به صديقه ابن حزم، وترى موهبته الشعرية دون الطبقة الأولى، وإن رقّ في قطعةٍ تكاد تكون صوفية في طبيعة المحبوب (ص ٣٤٢–٣٤٣).

ابن زيدون: الصنعة قبل الوجد

لتقدير ابن زيدون (٣٩٤–٤٦٣هـ/١٠٠٣–١٠٧١م) تقسم الشعراء الناجحين ثلاث طبقات: من يبلغ باتجاهٍ قائم غايته، ومن يبتدئ اتجاهاً جديداً، ومن يقلب مسار الشعر كأبي تمّام، وتضيف في الحاشية رابعاً هو الشاعر المنفرد الذي لا أتباع له (ص ٣٤٥–٣٤٦؛ ح ٥٠). ولم تُخرج الأندلس شاعراً من الطبقتين الثانية والثالثة. وابن زيدون من الأولى، يعلو شعراء قرنه، وفضله أنه كان كالصمّام الذي أوقف طغيان الصنعة الوصفية المجرّدة، فمزج الجمال بالحياة، من غير أن يكون صاحب فكرٍ عميق في الوجود الإنساني (ص ٣٤٦–٣٤٧). وتردّ تلقيبه «بحتريَّ المغرب»، فالبحتري أعظم، يبني الصورة المتكاملة كما في سينيّته في إيوان كسرى، وابن زيدون ينتقي من المشهد انتقاءً (ص ٣٤٧).

تتعدّد الروايات في سبب قطيعة ولّادة له: غيرةٌ تافهة، أو نشاطه السياسي المبكر ضدّ الخلافة، أو منافسة الوزير أبي عامر بن عبدوس الذي هجاه ابن زيدون في «الرسالة الهزلية»، ويُقال إنه هو الذي أغرى به ابن جهور. وسجنه ابن جهور أكثر من خمسمئة يوم، فكتب إليه «الرسالة الجدّية» يستعطفه، ثم فرّ، وانتهى إلى المعتضد بإشبيلية فصار عنده ذا الوزارتين (ص ٣٤٨). وحكمها في غزله:

«في قصائده في ولّادة وفي الحبّ عامّةً من الفنّ أكثر مما فيها من اللوعة» (ص ٣٤٩)

فهو يؤثر من موضوعات الحبّ الحرمانَ والوفاءَ لأنهما يحتملان الإطالة سنين، ومدائحه تقليدية، بل تستشهد في الحاشية باعترافه هو من سجنه بأنّ ما لقيه جزاءُ الشاعر الكاذب (ص ٣٤٩؛ ح ٦٠). وتوازن بين نونيّته، أي قصيدته التي قافيتها النون، وعينيّة ابن زريق البغدادي التي قالها في الأندلس نحو ٤٢٠هـ/١٠٢٩م، فتجد العينيّة أصدق تجربةً وأعمق فجيعة، على حين تبقى النونيّة قصيدةَ وجيهٍ إلى أميرة، مشهداً ملكياً باهراً نستمتع به كما نستمتع بفيلمٍ عن الملوك (ص ٣٥٠). والنقّاد الذين يجدون فيها الحنين واللوعة يقرؤون فيها ما تمليه توقّعاتهم، وقصّته مع ولّادة من أبسط قصص الحبّ في الأدب العربي، غير أنّ خلوّ شعره من العاطفية المبتذلة خطوةٌ إلى الأمام (ص ٣٥١).

الحبّ والعفّة في الشعر الأندلسي

ليس في الأندلس شاعر حبٍّ عظيم يُقرن بشعراء الغزل الأمويين أو بالعباس بن الأحنف، مع أنّ بيئتها كانت مهيّأة لذلك، وتردّ الجيوسي ذلك إلى انشغال شعرائها بالسلطان والمال (ص ٣٥٢). وتنبّه من يربطون الحبّ البلاطي في أوروبا بالأندلس، وهو حبّ الفارس لسيّدةٍ رفيعة يخدمها ولا يطمع فيها، إلى أنّ مواقف الفروسية والتلطّف مع المرأة ليست أندلسية خالصة، فهي في مجمل الغزل العربي مشرقاً ومغرباً (ص ٣٥٢). وتبسط رأيها في أنّ الإسلام يحرّر الجسد، فلا ثنائية فيه بين الجسد والروح ولا خطيئة أصلية، والعفّة فيه رغبةٌ مكبوحة مشروعةٌ في أصلها، وتستشهد بالحديث الذائع فيمن عشق فعفّ فمات، وهو حديثٌ عدّه ابن الجوزي وابن القيّم موضوعاً، أي مكذوباً على النبي، كما تنبّه جيفن (ص ٣٥٢–٣٥٣؛ وانظر ص ٤٣٩، ح ٢٠).

أمثلتها كثيرة، منها قطعة ابن بقي (ت ٥٤٠هـ/١١٤٥م) في عناق الليل، وقطعة ابن فرج الجيّاني في القرن الرابع الهجري في الإعراض عن امرأةٍ بذلت نفسها، وقطعٌ لابن الأبّار في النديم السكران يكبح الشاعر رغبته فيه. ويرى إحسان عبّاس أنّ العفّة صارت في ذلك العصر غرضاً أدبياً لا مثالاً أخلاقياً معيشاً، ولا تخالفه الجيوسي إلا في أنها تجد في هذه القطع رقّةً حقيقية (ص ٣٥٣–٣٥٥). وتفسّر في حاشيةٍ طويلة اقتصار الغزل بالمذكّر على المُرْد، وهم الفتيان قبل أن تنبت لحاهم، بأنه ينقطع بظهور العذار، وهو أوّل ما ينبت من الشعر على الخدّ، وتطرح فرضيةً في ابن سهل الإسرائيلي: أنّ غزله الدائم في «موسى» قد يكون توبةً مقنّعة إلى النبي موسى، وأنّ إسلامه ربما لم يكن صادقاً (ص ٣٦٤–٣٦٥، ح ٥٨).

تيّاران متوازيان: ابن عمّار والمعتمد

ترى في محمد بن عمّار (ت ٤٧٩هـ/١٠٨٦م) مغامراً مكيافيلياً، وشاعراً جيّداً غير عظيم، تحرّر من المقدّمات الموروثة، وهي ما جرت به العادة من افتتاح القصيدة بالغزل أو الأطلال قبل غرضها، فدخل إلى غرضه مباشرةً، وجاء شعره مرآةً لحياته، عقلانياً نفعياً واضح العبارة، وأقذع ما هجا به قصيدته من سجن المعتمد (ص ٣٥٥–٣٥٦). ويبقى المعتمد بن عبّاد (٤٣١–٤٨٨هـ/١٠٣٩–١٠٩٥م) في الذاكرة بمأساته وبقصّة اعتماد الرميكية و«يوم الطين»، وتذكّر بأنه هو الذي استدعى يوسف بن تاشفين، ثم انتهى أسيراً في أغمات نحو ثلاث سنين (ص ٣٥٧). وكان غزله في أيام ملكه تقليدياً يشكو الحرمان وبين يديه ما لا يُحصى من النساء، أمّا شعر أغمات فبسيطٌ صادق، كقطعته حين زارته بناته في عيد الفطر حافياتٍ جائعات، غير أنه قلّما يرتفع، وتفتقد فيه كبرياء الملك المخلوع وغضبه، حتى إنه يمدح يوسف من سجنه (ص ٣٥٩).

خلاصتها أنّ القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي عرف في الأندلس تيّارين متوازيين: شعراً متأنّقاً خطابياً ساد نحو قرن، وشعراً بسيطاً مباشراً يمثّله المعتمد وابن اللبّانة وابن عمّار. ووجه الغرابة عندها أنّ الاتجاه الجديد في تاريخ الفنّ ينشأ عادةً ليصحّح القديم، أمّا هنا فكان كلاهما شعرَ عصره، يتعايشان ولا يحاول أحدهما تصحيح الآخر، فالشعر الأندلسي شعرٌ ذو سلاسل مفتوحة كثيرة تعمل معاً. وسيعود التبسيط عند ابن سهل ويوسف الثالث صاحب غرناطة، ويبلغ التأنّق ذروةً جديدة عند ابن خفاجة الذي تفرد له مقالها التالي (ص ٣٥٨–٣٦٠).

١٦. شعر الطبيعة في الأندلس وظهور ابن خفاجة

ما استقرّ عليه مؤرّخو الأدب في تفسير شعر الطبيعة الأندلسي إجماعٌ مُبسِّط في رأي الجيوسي، وشيوع وصف الأزهار والرياض عند الأندلسيين ظاهرةٌ فنية لها أسبابها في تطوّر الشعر نفسه، وليس أثراً لجمال البلاد ورخاء العيش. وعلى هذا تقوم المقالة، وتجعل فيها ابن خفاجة ذروة هذا التيار والخارجَ عليه معاً، فقد ورث الوصف الجمالي الخالص فأتقنه، ثم جاوزه إلى صلةٍ بالطبيعة فيها تأمّلٌ في الفناء والبقاء، تراها بلا نظير في الشعر العربي (ص ٣٦٧، ٣٨٧).

تُخرج أولاً هذا الشعر من باب الرعويّة الأوروبية، وهي عندها عالمٌ متخيَّل من البساطة الريفية في عصرٍ ذهبي غابر، أسّسه ثيوقريطس ورسّخه فرجيل (ص ٣٦٧، ح ١). لم يكن الشاعر الجاهلي يذوب في الصحراء، بل كان في حوارٍ معها أو في صراع، ومن ذلك الصراع صاغ رموزه في الناقة والفرس والرحلة والصيد، فجاء شعره واقعياً يحتجّ على قسوة العيش ولا يحلم بما وراءها (ص ٣٦٧–٣٦٨). وأقدم حنينٍ إلى بساطة العيش تجده في الشعر العربي فائيّةُ ميسون الكلبية، زوج معاوية بن أبي سفيان، تؤثر فيها خيمةً تهبّ فيها الرياح على قصر الخلافة بدمشق، ولا تعدّها رعويّة، لأنّ ما حنّت إليه عيشٌ عرفته وكان في وسعها أن تعود إليه، وليس عالماً متخيَّلاً (ص ٣٦٨–٣٦٩). أمّا الطبيعة في الشعر العباسي والأندلسي فأليفةٌ مُروَّضة، يراها شاعرٌ مدينيّ زينةً لمحيطه لا ركناً في تجربته، فلا رعويّة فيها كذلك (ص ٣٦٩).

صارت النَّوْريّات والرَّوْضيّات والرَّبيعيّات، وهي قصائد الأزهار والرياض والربيع، فنّاً قائماً في المشرق والأندلس، وشجّعته الدولة في الأندلس منذ أواخر القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، ولم يدرسه أحدٌ دراسةً فنية في رأيها (ص ٣٦٩). وتردّ في تفسيره قولين. أحدهما قول جودت الركابي في «في الأدب الأندلسي» إنّ وراءه جمال الطبيعة ووفرة الفراغ وحياة اللهو، وحجّتها عليه الحروب المتصلة التي خرّبت البلاد، وأنّ الحدائق لم تنقطع في عصرنا ثم لم يعد شاعرٌ عربي معاصر يحتمل أن يصف زهرةً وصفاً دقيقاً (ص ٣٦٩). والآخر حكم إميليو غارثيا غوميث في «الشعر الأندلسي» (بترجمة حسين مؤنس) بأنه شعرٌ فقير الفكر، حبيس القوالب، غايته زخارف «أرابيسكية» تخلو من الفكر المنظَّم ومن الشعور الإنساني. فالركابي يتخيّل شعراء غارقين في الخمر واللذة، وغوميث يتخيّلهم فارغين يتكلّفون الصورة، وكلاهما يخطئ الضرورة الإبداعية وراء هذا الوصف (ص ٣٧٤).

تفسيرها هي أنّ أسباباً عدّة تضافرت، أقدمها امتداد تقليد الوصف، وهو عندها رابع أركان الشعر الجيّد مع المدح والهجاء والفخر، وتحيل فيه على «الموشّح» للمرزباني (ص ٣٧٠، ح ٥). نقله العباسيون من الصحراء إلى المدينة: أبو نواس في الخمر والحانات، والبحتري في إيوان كسرى وبركة المتوكّل وموكبه في رائيّته، وابن الرومي في صانع الزلابية وفي عينيّته في الغروب. ثم أعطى ابن المعتزّ (ت ٢٩٦هـ/٩٠٨م) وصفَ الطبيعة المزروعة دفعةً جديدة، لأنه أميرٌ مستغنٍ عن المديح، وإن بقي وصفه مشوباً بعاطفته. وعند الصنوبري يقوى وصف الطبيعة الساكنة بلا مشاركةٍ وجدانية، وهو الاتجاه الذي تلقّفته الأندلس فجعلته فنّاً مستقلاً (ص ٣٧٠–٣٧١).

ثم ما تسمّيه الإعياء النفسي. فالمديح صار منذ قيام الدولة الأموية صنعةً تُطلب بها الجوائز، لها معانيها المحفوظة وقواعدها، حتى مدح المتنبي كافوراً وهو لا يجلّه. وجرى الأمر نفسه في الأندلس، ولا سيّما بعد سقوط الخلافة سنة ٤٢٢هـ/١٠٣١م وتفرّق الشعراء على بلاطات ملوك الطوائف، ثم في مديح المرابطين والموحّدين، ولم يكونوا يحسنون العربية الأدبية، فجاءت تلك المدائح غير صادقة تفرضها السياسة والحاجة (ص ٣٧١–٣٧٢). فكان شعر الطبيعة شعرَ هدنةٍ وسكينة، يعتق الشاعر من النفعية ومن تبعيّته للممدوح (ص ٣٧٢–٣٧٣).

غير أنّ لبّ أطروحتها سببٌ جماليّ، تستند فيه إلى أورتيغا إي غاسيت في أنّ جمهور الفنّ يطلب فيه مرآةً للحياة الإنسانية، وأنّ في تاريخ الشعر حركاتٍ جماليةً خالصة تنبذ العنصر الإنساني، كالنزعة الجمالية الأوروبية في القرن التاسع عشر (ص ٣٧٣). وللشعر في رأيها دورةٌ عضوية، إذ يبلغ احتماله لعاداتٍ بعينها حدَّ التشبّع، فيتحوّل فجأةً أو على مدى أجيال. ولم يكن الميل إلى معجم الزخرف تضييقاً لموارد الشعر، بل توسيعاً للّغة بعد أن استنزف مديحُ أصحاب السلطان قسطاً كبيراً منها (ص ٣٧٣–٣٧٥). وكانت القصيدة الجاهلية قد جمعت النقيضين: فنّاً يخدم القبيلة في الفخر وأيّامها، وفنّاً جمالياً خالصاً في وصف الإنسان الكامل والحيوان، فلمّا جاء القرن الثالث الهجري استقلّ الشقّ الجمالي بنفسه (ص ٣٧٥). وتعرّف الطبيعة في النَّوريات بما ليس فيها: مجزّأةٌ يتأمّلها الشاعر قطعةً قطعة كالمشرِّح، لا يحضر فيها الله إلا نادراً، ولا خُلُق فيها ولا رمز ولا غاية تعليمية، وتُنظم في مجالس الشراب، وقوامها نظامٌ أنيق وطبيعةٌ مقهورة يسيطر عليها الإنسان (ص ٣٧٥–٣٧٦).

«لم يكن فنّ الوصف في العربية يقصد إلى وصف الجميل وحده، بل إلى أن يصف موضوعه وصفاً جميلاً.» (ص ٣٧٦)

شاهدها على ذلك وصف أبي بكر محمد بن القوطية للجوزة ووصف ابن شهيد للبرغوث (ص ٣٧٦–٣٧٧). وبهذا استوفى الأندلسيون شروط «الفنّ للفنّ»، أي الفنّ الذي لا غاية له خارج جماله، قبل الأوروبيين بقرون، من غير أن يعوا خطر ما يصنعون (ص ٣٧٧).

يبقى أثران آخران تضيفهما إلى هذه الأسباب. أحدهما سورة الرحمن، بما فيها من تشبيه المحسوس بالمحسوس وتعداد نعيم الجنة، وهي مما يحفظه المسلمون؛ ومن المفارقة أنّ هذا يربط الفنّ بحرمان الصحراء أكثر مما يربطه بخصب الأندلس، على أنّ الشعراء لم يأخذوا عن السورة الخضوعَ لله، ولم تتسلّل لازمتها المكرّرة إلى شعرهم إلا في أبياتٍ شاردة (ص ٣٧٧). والآخر التوريق، وهو الزخرف النباتي المتشابك في الفنّ الإسلامي، والصلة بينه وبين المنمنمات الوصفية في الشعر متبادلة عندها. وتتبّع هذا الزخرف من فسيفساء قبة الصخرة، ونقشها مؤرَّخ بسنة ٧١هـ/٦٩١م في عهد عبد الملك بن مروان، إلى المسجد الأقصى وقصر المشتى وخربة المفجر وقصري الحير الغربي والشرقي، وتصله بتحريم التصوير. فالجاهليون لم تكن لهم فنون تشكيلية، لأنّ بيئتهم لا توفّر مادّتها ولا الاستقرار الذي يحفظها، فكانوا يرسمون وينحتون بالكلمات (ص ٣٧٨–٣٧٩).

على أنّ غارثيا غوميث، الذي قرن هذا الشعر بالتوريق قرناً فيه غضٌّ منه، هو نفسه الذي أوصلته ترجماته إلى رافائيل ألبرتي وفيديريكو غارثيا لوركا، وتلك مفارقةٌ تسجّلها الجيوسي. فقد روى ألبرتي لناتاليا كالاماي أنّ كتاب غوميث (١٩٢٨–١٩٢٩) كان كشفاً له، وأنّ «ديوان التماريت» للوركا ما كان ليُكتب لولاه، وأنّ هذا الشعر يتصل بغونغورا وسوتو دي روخاس (ص ٣٧٨).

عاش أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة (٤٥١–٥٣٣هـ/١٠٥٨–١١٣٨م) أكثر عمره في شُقْر قرب بلنسية، مسقط رأسه، وهي بلدةٌ يصفها الحميري في «الروض المعطار» بكثرة الشجر والثمر والأنهار، وتربط الجيوسي بين خصبها وما بلغه هو في شعر الطبيعة (ص ٣٧٩، ح ٢٥). أغناه يساره عن التكسّب، أي طلب المال بالشعر، فلم يمدح إلا قليلاً، ومن ممدوحيه يوسف بن تاشفين وآله، امتناناً للمرابطين الذين أنقذوا الأندلس من فوضى الطوائف واستردّوا ناحيته من النصارى، وكان قد فرّ منها إلى المغرب أيام استيلائهم عليها، فتلك غربته الوحيدة (ص ٣٧٩). لم يتزوّج، وجمع ديوانه وقدّم له في الرابعة والستين، وانقطع عن الشعر في كهولته فلم يعد إليه إلا ليمدح ابن تاشفين، وطال عمره فوق الثمانين حتى رأى أصحابه يتساقطون من حوله (ص ٣٧٩–٣٨٠).

ترى الجيوسي فيه شاعرين صادقين. أحدهما بدويّ النزعة، يحنّ إلى أماكن جزيرة العرب ونباتها وحيوانها، وقد أخذ هذا النهج، كما يقول في مقدّمة ديوانه، عن الشريف الرضي ومهيار الديلمي (ص ٣٨٠، ح ٢٨)، والآخر يسبق عصره. ومحلّ جِدّته الذي أغفله النقّاد هو المعجم والتركيب، وليس الطبيعة وحدها، وهي تقرّ بأنها لا تستطيع البرهنة عليه بالإنجليزية (ص ٣٨٠–٣٨١). فهو يختار الغريب المهجور كـ«الغميم» للغمام، والجمع النادر كـ«الأمداح» للمدائح، ويشتقّ «مُعَنْبَر» و«مُصَنْدَل» على نحو ما صنع رؤبة بن العجّاج في رجزه، ويحمّل الفعل «قلّص» معنى الليل يقصّر ثوبه والشيبِ يقلّص ذيل الشباب (ص ٣٨١، ح ٣١–٣٢). وينقل الألفاظ بين الحقول، فيصف بمعجم الحرب غيرَ الحرب وبمعجم الجسد الطبيعة، ويحذف حرف العطف حيث تقتضيه العربية (ص ٣٨١، ح ٣٥). وتخالف بورغل في قوله إنّ ترجمة شعره قد تُخرج «مسوخاً» لتكلّف أسلوبه، فالصعوبة في رأيها في غرابة التركيب والمعجم، والتكلّف يشاركه فيه أندلسيون كثيرون يُترجَم شعرهم ترجمةً حسنة (ص ٣٨١، ح ٣٠).

«لو صارت هذه التغييرات طريقةً في الكتابة في الأندلس لربما قام أسلوبٌ أندلسي أصيل.» (ص ٣٨٠)

غير أنّ ذلك لم يكن. حاكاه اللاحقون حتى عُرف «الأسلوب الخفاجي»، لكنهم أخذوا عنه بعض وصفه للطبيعة وتركوا جرأته اللغوية. وعلّة ذلك عندها اضطراب السياسة، وأنّ التجريب لم يكن الغالب على أسلوبه، وأهمّ منهما حذر الأندلسيين من المغامرة في اللغة ومن الاستقلال عن الثقافة الأمّ في المشرق (ص ٣٨٢). وقد عابه ناقدٌ أندلسي معاصر، فأجاب بأنّ الأساليب تختلف باختلاف الأغراض، وهو جوابٌ تراه قاصراً (ص ٣٨٢، ح ٣٦).

كان من سوء حظّه أنه وُلد في عصر البديع، فأسرف فيه في شبابه كغيره، وابن زيدون المقدَّم في هذا الباب، وصرفت محسّناته النقّاد عن استعاراته (ص ٣٨٢، ٣٨٤). والطباق عنده، وهو الجمع بين الضدّين، يفضي إلى المفارقة، فهو يرى في كل تجربةٍ النار والماء، والظمأ والريّ، والشباب والشيب. وتميّز بين مفارقةٍ لفظية كالتي في وصف الأترجّة، ومفارقةٍ موقفية كتأرجحه بين التوبة والعشق، وتعدّ قطعته في الليل والغراب والنجوم نهجاً لا يضاهيه إلا كبار الصوفية (ص ٣٨٢–٣٨٤). وهو قلّما يقرّر تقريراً مباشراً، وصوره بصرية وحركية وشمّية وسمعية، تشهد لها وقائعه الحربية ووصفه السيف، وهو في رأيها أقرب شعرٍ أندلسي إلى ما سمّاه ر. أ. فوكس «الشعر الشامل» الذي يقدّم التجربة كاملةً بتناقضاتها (ص ٣٨٤–٣٨٥).

صلته بالطبيعة على ضربين. أوّلهما وصفٌ جمالي خالص، يبرع فيه بالتحريك حيث كان غيره يصف الساكن، ولهذا تردّ قرنه بالصنوبري وتراه مقارنةً بائسة لتفوّقه المطلق عليه (ص ٣٨٦). والثاني مناجاةٌ هي أساس دعواها أنه أعظم شعراء الطبيعة في العربية، ولشغفه بها لُقّب «الجنّان» (ص ٣٨٧). وتستشهد ببورغل في «أنسنة الطبيعة» وتداخل العالم الأكبر والأصغر، وبالمستشرقة الروسية ب. ي. شيدفار في أنه خلاصة ما بلغه الشعر الأندلسي وأنه ارتقى إلى مستوىً فلسفي، وبإحسان عبّاس في تعلّقه بالشباب وجزعه من الموت (ص ٣٨٧). ومركز ما تسمّيه نظرته الميتافيزيقية ثلاث قصائد: بائيّته في الجبل، وقصيدة الليل، وقصيدة القمر (ص ٣٨٨، ح ٥٣). والجبل في البائيّة شخصٌ يحكي تاريخه مع الناس، فيُبرز بقاؤه فناءَ الشاعر، والمهمّ عندها وحدة الشاعر الضئيلة عند سفح الجبل أكثر من عزمه الأخير. وقد ألحقت بالمقالة ترجمةً إنجليزية كاملة للقصيدة صنعتها ماجدة النويهي وكريستوفر ميدلتون (ص ٣٨٨، ٣٩٠–٣٩٢).

أشدّ ما في تجربته مأساويةً وعيه بالزمن. لم يكن حزنه على الشباب حزنَ الشعراء المألوف على الشيب، بل كان رعباً من الفناء، وتنقل عن إحسان عبّاس رواية الضبّي أنه كان يخرج وحده إلى ظاهر شقر فيصيح في شِعبٍ بين جبلين منذراً نفسه بالموت حتى يُغشى عليه (ص ٣٨٩). وتقترح مقارنته بالمعرّي، الشاكّ الساخر، وبأبي العتاهية الزاهد، فقد تصالح كلاهما مع مصير الإنسان ولم يتصالح معه ابن خفاجة (ص ٣٨٩). وتنتهي إلى أنّ شعره ليس دينياً صريحاً، لكنه ميتافيزيقي في خير نماذجه، يصون صرامته الفنية من العاطفية، وفي كثيرٍ من قصائده وحدةٌ عضوية أو موضوعية (ص ٣٨٩–٣٩٠).

١٧. الزجل والموشّح: الشعر الأندلسي والتراث الرومانثي

يفصل مونرو بين مسألتين يخلطهما كثيرون. في مسألة المضمون يتشكّك في أن يكون شعر التروبادور، وهم شعراء الحبّ المغنّون في بروفانس بجنوب فرنسا، قد نشأ عن الشعر العربي. وفي مسألة الشكل يقلب اتجاه الأثر، فيذهب إلى أنّ الشعر المقطّعي الأندلسي، أي الشعر المقسوم أدواراً تتغيّر قوافيها، زجلاً كان أو موشّحاً، قام على أصلٍ رومانثي محلّي. فمنذ أن كتب الإيطالي جاماريا باربييري سنة ١٥٨١م تتعاقب موجات القول بالأصل العربي للشعر البروفنسالي ثم ردّه، ونحن اليوم في رأيه على قمّة موجةٍ جديدة، وأنصار هذا القول لن يقفوا على أرضٍ صلبة حتى يفسّروا الفروق بين التقليدين، لا المشابه وحدها (ص ٣٩٨).

يسلّم مونرو بالمشترك الأبرز، وهو أنّ المحبوبة سيّدةٌ بعيدة تُخاطَب بصيغة المذكّر، يخدمها العاشق وفيّاً بلا رجاء. لكنّ هذا المعنى في العربية إسلاميّ وليس جاهلياً، بلغ ذروته عند الشعراء العذريين، أصحاب الحبّ العفيف، في صدر الدولة الأموية، وصاغه التوحيد: محبوبةٌ واحدة وحبٌّ أبدي، كما أنّ المعبود واحد والآخرة باقية (ص ٣٩٨). ويميل في حاشيةٍ إلى أنّ الشعر العذري نظمه حضريّون متعلّمون في العصر الأموي يتخيّلون ماضيهم البدوي، فهو أقرب إلى نظيرٍ للرعويّة الأوروبية (ص ٤١٣، ح ٤). ثم جاوز الأندلسيون ذلك، فشبّه ابن حزم وابن زيدون خدمة المحبوبة بعبادة العقل الأفلاطوني المحدث أو بعبادة الله، ووضعوا صورتها أحياناً في قلب قصيدةٍ مبنيّة على التأليف الحلقي، أي على أجزاءٍ تتناظر حول مركزها (ص ٣٩٨–٣٩٩، ح ٥–٧).

على أنّ الفروق عنده أكبر من المشترك. صور المحبوبة المحفوظة في العربية، من الخصر والكثيب إلى الريق والعيون الرامية، غير صور الرومانثية. والتروبادور يكنّي عن سيّدته، أمّا العاشق العربي فيأبى أن يسمّيها أصلاً، على تقليدٍ نشأ في بغداد العباسية وساد في الأندلس. والتروبادور لم يلقَ سيّدته في الغالب، والغزل العربي شعرُ فراقٍ بعد وصلٍ أفسده الوشاة، وشطرٌ كبير منه في الغلمان، ينقطع بطلوع العذار كما في قطعةٍ لستراتون السارديسي في «المختارات اليونانية» (ص ٣٩٩–٤٠٠). ثم إنّ الشعر البروفنسالي يفترض مجتمعاً إقطاعياً لا يليق فيه الحبّ البلاطي، عند أندرياس كابيلانوس، إلا بعاشقٍ أدنى رتبةً من سيّدته، أمّا الإسلام فلم يعرف إقطاعاً ولا أرستقراطية نسب، بل عرف مجتمع الرقيق، وابن حزم يقرّر في باب الطاعة من «طوق الحمامة» أنّ المحبوب ليس كفؤاً للمحبّ (ص ٤٠٠–٤٠١).

فالشاعر الأندلسي يشكو إلى جاريةٍ أو إلى أميرة: الحكم بن هشام يخضع لخمس جوارٍ هجرنه، وابن زيدون يرى الحبّ يسوّي بينه وبين ولّادة بنت المستكفي. والوصال عندهم غير ممتنع، ففيه العفّة مع حضور الشهوة عند ابن فرج الجيّاني (ت ٣٦٦هـ/٩٧٦م) وصفوان بن إدريس المرسي، والوصال بالحيلة عند ابن شهيد (ص ٤٠١–٤٠٢). وهذا الشعر مثقلٌ كذلك بإشاراتٍ إلى تراثٍ يرجع إلى القرن الخامس الميلادي، كغراب البين في بيتي ابن الحاج اللورقي، وهو لا يُفهم إلا بمعرفة الجاهلية التي جعلت نعيبه نذيراً بتفرّق الأحياء عند انقطاع المطر، فلو فهم البروفنساليون ظاهر العربية لفاتهم ما تحته (ص ٤٠٣).

أمّا الشكل فالعلاقة فيه عنده من طبيعةٍ أخرى، والأدلّة فيه نصوصٌ ماثلة، وليست لقاءً مزعوماً في بروفانس لم يوثّقه نص. فحين نبّه صموئيل ستيرن سنة ١٩٤٨م إلى موشّحاتٍ عبرية تنتهي بألفاظٍ من رومانثية الأندلس، ثم أثبت غارثيا غوميث ذلك في الموشّحات العربية سنة ١٩٥٢م، بدأت ثورةٌ في معرفتنا بعدّة آداب، لم يُسلَّم ببعض نتائجها إلى اليوم، ويستعير مونرو لخصومها المثلَ التركي في الكلاب تنبح والقافلة تسير (ص ٤٠٣–٤٠٤). ويردّ الخلاف كلّه إلى ثلاث مسائل: أيّ الفنّين أسبق، وأيّ التقليدين أثّر في الآخر، وأين وقع اللقاء، أفي بروفانس أم في شبه الجزيرة (ص ٤٠٦).

الشعر الفصيح كمّيّ الأوزان، أي يقوم وزنه على تتابع المقاطع الطويلة والقصيرة، وهو على بحور الخليل الستة عشر، أبياتٌ من شطرين على قافيةٍ واحدة. والزجل والموشّح فنّان أندلسيان مقطّعيان، يسمّيهما ستيرن «أختين»، يخرجان على العروض، ويجمع بينهما الشاعر الواحد، ويقتبس كلٌّ منهما من الآخر (ص ٤٠٤). الزجل عامّيٌّ كلّه، وفي كل دورٍ منه أغصانٌ، وهي أشطرٌ تتغيّر قافيتها من دورٍ إلى دور، ثم مركز، وهو أشطرٌ تعود في ختام الدور، يعيد نصف قوافي المطلع، والمطلع أوّل القصيدة. والموشّح فصيحٌ إلا الخرجة، وهي قفلته الأخيرة، ومراكزه تعيد المطلع كاملاً، وثلثه تقريباً بلا مطلع، وأكثره خمسة أدوار، وخرجته كثيراً ما تكون مقتبسةً من مطلع قصيدةٍ سابقة. وبينهما صنفٌ هجين يسمّيه على اصطلاح ستيرن «الزجل الموشّحي»، موشّحيّ البنية زجليّ اللغة (ص ٤٠٤–٤٠٥).

ظاهر هذه البنية أنّ الزجل أقدم، لكنّ الوثائق تعاكسه. ينسب ابن بسّام اختراع الموشّح إلى محمد بن محمود القبري، شاعر الأمير عبد الله بن محمد (٢٧٥–٣٠٠هـ/٨٨٨–٩١٢م)، وأقدم ما بقي منه لعبادة بن ماء السماء (ت ٤١٨هـ/١٠٢٧م)، وأقدم زجلٍ عُرف حتى عهدٍ قريب لابن قزمان (ت ٥٥٥هـ/١١٦٠م) (ص ٤٠٥). ويخطّئ مونرو ابن خلدون، ومن قبله ابن سعيد، في تسمية المخترع مقدّم بن معافى القبري (ص ٤١٥، ح ٤٠). وقد بنى أكثر الدارسين، وهم عنده عبد العزيز الأهواني وغارثيا غوميث وستيرن، على ترتيب النصوص أنّ العامّة أخذت الموشّح فحوّلته زجلاً (ص ٤٠٥، ح ٤٥). ويردّ ذلك بأنّ ابن قزمان شاعرٌ متعلّم، أكثر أزجاله مدائح لأعيانٍ علماء، وله موشّحٌ من صنعه، وبأنّ بنية الزجل الخالص تطابق أبسط صور الشعر الرومانثي وأوسعها انتشاراً، في الثجل القشتالي والفيريليه الفرنسي والكانتيغا الجليقية والبالاتا الإيطالية والدانسا البروفنسالية، ولا نظير لها في الشعر الفصيح. أمّا المسمّط، وهو قصيدةٌ فصيحة مقسومة أقساماً يُختم كلٌّ منها بشطرٍ على قافيةٍ واحدة تتكرّر، ويُقدَّم أصلاً للشعر المقطّعي، فظاهرةٌ لا صلة لها بالأمر (ص ٤٠٥–٤٠٦، ح ٤٨).

يحتجّ خصومه بأنّ هذه الأشكال الرومانثية لم تُوثَّق إلا بعد ابن قزمان، فيجوز أن تكون هي المأخوذة عن الزجل الأندلسي، ويرى أنّ حِدّتهم في ذلك أكثر من علمهم (ص ٤٠٦). ويسمّيهم في الحاشية: ت. ج. غورتون وآلن جونز وج. د. لاثام ودافيد سيماح، ويأخذ عليهم أنهم يهوّنون العناصر الرومانثية أو يتجاهلونها، ويضع في مقابلهم غارثيا غوميث وفيديريكو كورِّينتي وأولف هاكسن وصموئيل أرميستيد ويوسف يهالوم وأبحاثه هو (ص ٤١٥–٤١٦، ح ٤٩). ويلاحظ أنّ الفريقين يتّفقان على اشتقاق الزجل من الموشّح، ويختلفان في الوزن، فهو عند أنصار الأصل العربي توسيعٌ للعروض الكمّي، وعند أنصار الأصل الرومانثي وزنٌ نبريٌّ مقطعي، يقوم على مواضع الضغط في النطق وعدد المقاطع. ورأيه أنّ أكثر الموشّحات والأزجال على أجزاءٍ من البحور أو تحريفاتٍ لها اكتسبت إيقاعاً نبرياً يطابق الشعر الإيبيري الشعبي في الإيقاع والقافية وعدد المقاطع، وأنها تمزج الأوزان على طريقة الرومانثية لا على طريقة العربية (ص ٤٠٦–٤٠٧).

موقفه هو، وقد بسطه مع أرميستيد في «Beached Whales and Roaring Mice» (١٩٨٥م) ثم وحده في «Poetic Quotation» (١٩٨٦م)، أنّ الموشّح فرعٌ عن زجلٍ شعبي قديم شفويّ، بالعربية العامية والرومانثية، ضاع (ص ٤٠٧، ح ٥٠–٥١). والخرجة مفتاحه، فقد نصّ ابن بسّام على أنّ المخترع كان يأخذ اللفظ العامي والعجمي فيسمّيه المركز ويبني عليه الموشّح، والنصوص المتأخّرة تُثبت أنّ الخرجة كثيراً ما تُقتبس من مطلع قصيدةٍ يعارضها الوشّاح، فهي نواةٌ مستقلّة بُني الموشّح حولها، وهي في الغالب مطلع زجلٍ أقدم (ص ٤٠٧–٤٠٨).

ثم إنّ هذه الفنون أغانٍ وليست قصائد تُنشد. فابن رشد في شرحه الأوسط لكتاب الشعر لأرسطو، نحو سنة ٥٧٠هـ/١١٧٤م، يمثّل لاجتماع اللحن والوزن والمحاكاة بالموشّحات والأزجال التي استنبطها أهل هذه الجزيرة، ويقرّر أنّ أشعار العرب لا لحن فيها (ص ٤٠٨). وكانت تُغنّى بين منشدٍ منفرد وجوقةٍ تردّد المطلع، على طريقةٍ باقية في الزجل المغربي، فإذا عارض الوشّاح زجلاً مطلعه بيتان وأخذ مطلعه خرجةً، لزمه أن يعيد القافيتين في كل مركز وفي المطلع لئلّا تختلّ القصيدة، ومن هنا فرق البنية بين الفنّين (ص ٤٠٨–٤٠٩).

«لم يكن الزجل أختَ الموشّح، بل كان أمَّه.» (ص ٤٠٩)

حججه الوثائقية على قِدَم الزجل أربع. ابن قزمان يذكر أسلافاً له في الزجل قبله بقرن، وقد ظهر زجلٌ لأحدهم؛ وفي ديوان ابن جبيرول (نحو ٤١١–٤٤٩هـ/١٠٢٠–١٠٥٧م) قصائد عبرية على بنية الزجل؛ ومخطوطٌ عربي نُسخ سنة ٤٤٠–٤٤١هـ/١٠٤٩م يترجم عن أصلٍ لاتيني من العهد القوطي قوانينَ كنسيةً للمستعربين، تنهى القساوسة عن حضور الأزجال في الأعراس ومجالس الشراب؛ ورسالةٌ في الحسبة، وهي ولاية الرقابة على الأسواق والآداب العامّة، لابن عبد الرؤوف، وكان حيّاً سنة ٣١٩هـ/٩٣١م، تنهى من يطوف الأسواق بالأزجال عن ذلك ساعةَ الدعوة إلى الجهاد أو الحجّ. ومنها يخلص إلى أنّ الزجل شفويٌّ شعبيّ الأصل، سبق اختراع الموشّح بقرنين على الأقل (ص ٤٠٩).

بدا نصّ ابن بسّام في «الذخيرة» لبعض المحدثين مضطرباً، ويقرؤه مونرو على أركان الشعر الأربعة في تعريف قدامة بن جعفر، الوزن والقافية واللفظ والمعنى، فيجده متّسقاً (ص ٤١٠–٤١١). وفيه أنّ القبري الضرير صنع الموشّحات على أعاريض مهملة، أي أوزانٍ لم يستعملها القدماء، وبناها على المركز العامي والعجمي بلا قوافٍ داخلية، وقيل إنّ ابن عبد ربّه سبقه، ثم أدخل يوسف بن هارون الرمادي القافية الداخلية في المراكز، ثم مدّها عبادة إلى الأغصان (ص ٤٠٩–٤١٠). ولئن تعذّر التحقّق من ذلك في الموشّحات، لأنّ أقدم ما بقي منها لعبادة، فالزجل يشهد له، ففي ديوان ابن قزمان ١٤٩ قصيدة، منها ٨٢ بسيطة، و٤٠ على نمط القبري، و١٧ على نمط عبادة، و١٠ على نمط الرمادي، فالأطوار التي ضاعت من الموشّح باقيةٌ كلّها في الزجل (ص ٤١١).

الموسيقى شاهدٌ آخر. ينقل مونرو عن التيفاشي أنّ غناء أهل الأندلس كان قديماً على طريقة النصارى أو على طريقة حداة العرب، حتى مزج ابن باجة (ت ٥٣٣هـ/١١٣٩م) غناء النصارى بغناء المشرق فابتدع طريقةً لا توجد إلا في الأندلس (ص ٤١١–٤١٢). ووجد هو وبنجامين ليو، مؤكّدَين ما سبق إليه يوزف باخولتشيك، أنّ الموسيقى الأندلسية الباقية في المغرب على بنية الروندو والفيريليه، تخلو من أرباع الأصوات المشرقية، وهي مسافاتٌ لحنية أصغر من نصف الدرجة، وبعض مقاماتها على سلالم الترتيل الغريغوري الكنسي، فالأثر من الرومانثية إلى العربية (ص ٤١٢). وأصرح الأدلّة على شعرٍ مقطّعي بالرومانثية في الأندلس ما قرّره موسى بن ميمون نحو سنة ٥٦٠هـ/١١٦٥م في «كتاب السراج»، شرحه للمشنا، من أنّ الموشّح الماجن بالعبرية أقبح من نظيره بالعربية أو بالرومانثية لشرف العبرية (ص ٤١٢–٤١٣).

لذلك يرى أنّ القول بنشأة شعر التروبادور عن نموذجٍ أندلسي يحتاج إلى مراجعة، لأنّ العرب أنفسهم شهدوا بأنّ أغانيهم في الأندلس تغيّرت بالرومانثية:

«كانت موسيقى الأندلس وشعرها، وهما ما يُنسب إلى العرب، قد تغيّرا بالموسيقى والشعر الرومانثيين، بشهادة العرب المعاصرين أنفسهم.» (ص ٤١٢)

تصوّره الأخير أنّ الغناء الرومانثي أطرب العرب في الأندلس، فاتّخذوا شكله الوزني وعاءً لفنّين بقيت لغتهما وصورهما وأعرافهما عربية، الزجلِ وابنتِه الموشّح، وهي عنده حالةٌ فريدة أخذ فيها الشعراء بالعربية عن التقليد المحلي ثم طبعوه بطابعهم (ص ٤١٣).

١٨. ابن حزم و«طوق الحمامة»

تقرأ جيفن «طوق الحمامة» كتاباً استثنائياً في فنٍّ عربي قائم بذاته هو التأليف في نظرية الحبّ، فهو يوافق تقاليد هذا الفنّ في بنيته ومسائله، ويخالفها في مادّة الشواهد، إذ جعلها ابن حزم أخباره وأخبار معاصريه الأندلسيين وشعرَه هو، فصار الكتاب وثيقةً اجتماعية ونافذةً على الحياة الخاصّة في الأندلس (ص ٤٢١–٤٢٢). أمّا جانبه الخلقي فتراه جزءاً من خطّته الأولى، وليس ملحقاً أُضيف للتبرّؤ.

كتب ابن حزم «الطوق» في شاطبة، غريباً عن بلده معتزلاً السياسة، بعد سنواتٍ من الفتنة امتحنته أشدّ الامتحان. فهو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (٣٨٤–٤٥٦هـ/٩٩٤–١٠٦٤م)، القرطبي الذي خدم أبوه أحمد في بلاط الحُجّاب العامريين، المنصور بن أبي عامر وابنيه عبد الملك المظفّر وعبد الرحمن (شَنْجُول). سقطت دولتهم وهو فتىً في نحو الخامسة عشرة، ومات أبوه تحت الإقامة الجبرية بعد أربع سنين، ولم يبلغ هو الثلاثين حتى كان قد وزر مرّتين لمطالبين أمويين في بلنسية وقرطبة، وشهد القتال، وسُجن ثلاث مرّاتٍ على الأقل لولائه لبني أمية (ص ٤٢٠). ويتردّد تاريخ التأليف بين أعقاب سجنه الثاني نحو سنة ٤١٢هـ/١٠٢٢م، وهو تاريخ نيكل الذي تابعه غارثيا غوميث، وأعقاب الثالث سنة ٤١٨هـ/١٠٢٧م، وهو ما قبله فان أرندونك (ص ٤٢٠، ح ٢).

جاء طلب التأليف من صديقٍ وصلت رسالته من المريّة، ثم قطع إلى ابن حزم طريقاً خطراً، وترى جيفن في هذه التفاصيل ما يرجّح أنه طلبٌ حقيقي وليس عُرفاً من أعراف التأليف، ولعلّ الصديق ابن شهيد (ص ٤٢٠–٤٢١). ويستمدّ ابن حزم أهليّته للموضوع من نشأته في حجور النساء إلى نحو الرابعة عشرة، وهنّ اللواتي علّمنه القرآن والشعر والخطّ. ثم يحتاط لنفسه من تهمة الهزل، فيحتجّ في المقدّمة بحديث ترويح النفوس، ويعود في الخاتمة إلى خصومٍ متعصّبين يتوقّع إنكارهم، فيذكّرهم بآية النهي عن الظنّ (الحجرات: ١٢) وبأثر عمر بن الخطاب في حمل فعل المسلم على أحسن وجوهه (ص ٤٢١).

لم يبقَ الكتاب إلا في مخطوطٍ واحد بليدن (مجموعة وارنر ٤٦١)، نسخه ناسخٌ قليل العناية سنة ٧٣٨هـ/١٣٣٨م، ويقال إنه مختصرٌ من الأصل (ص ٤٢١، ح ٩). وفي خاتمة النسخة بياضٌ قدّر فيه نيكل وبرشيه لفظ الاختصار، وبنى آربري على هذه القراءة أنّ الناسخ حذف أكثر الشعر، وأنّ ذلك غير مأسوفٍ عليه لأنّ شعر ابن حزم دون الجيّد، وهو حكمٌ تخالفه جيفن (ص ٤٢٧، ٤٤٠، ح ٢٨). نشره بتروف أوّل مرّة سنة ١٩١٤م، ثم برشيه (١٩٤٩م) وحسن كامل الصيرفي (١٩٥٠م)، وتُرجم مرّتين إلى الإنجليزية، وإلى الألمانية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والروسية (ص ٤٢١، ح ١٠). ولم يكتب ابن حزم في الأدب غيره إلا «رسالة في فضل الأندلس»، ولم تبقَ إلا فيما نقله المقّري في «نفح الطيب» (ص ٤٢١).

سبقه إلى التأليف الشامل في الحبّ ثلاثةٌ من أهل المشرق اعتمدوا جمع الشعر والأقوال والأخبار: محمد بن داود الظاهري في «الزهرة» والوشّاء في «الموشّى» والخرائطي في «اعتلال القلوب». ولا يُعرف على التحقيق ما اطّلع عليه منها؛ فمواضع التوازي بينه وبين الوشّاء التي أشار إليها غارثيا غوميث تراها جيفن واهيةً في بعضها، وأقربها من الحِكَم السائرة (ص ٤٢٢). والفرق أنّ ابن حزم اشترط ألّا يروي إلا ما شاهده أو حدّثه به الثقة، وأعرض صراحةً عن أخبار الأعراب والمتقدّمين لأنّ سبيلهم غير سبيل أهل عصره (ص ٤٢٣)، ثم عاد اللاحقون إلى الجمع والنقل. وتميّز جيفن في نحو عشرين مؤلّفاً في الحبّ بين القرنين الثالث والحادي عشر للهجرة نزعتين: أدبيةً إنسانية تحتفي بمأثور الشعر والأخبار، ودينيةً خلقية أبرز ممثّليها ابن الجوزي وابن قيّم الجوزية. و«الطوق» يجمعهما، فهو أدبيٌّ حتى بابيه الأخيرين في قبح المعصية والتعفّف، وبنيته، بتقديم ماهية العشق ثم أحواله، توافق ما استقرّ عليه الفنّ بعده قروناً (ص ٤٢٣–٤٢٤).

صلته بابن داود أدقّ مما صوّره غارثيا غوميث حين قابل بعنفٍ بين تكلّف «الزهرة» وحرارة «الطوق». فالفرق عند جيفن فرقُ جنس: «الزهرة» مختاراتٌ شعرية يدسّ فيها صاحبها شعره متواضعاً تحت «بعض أهل هذا العصر»، و«الطوق» رسالةٌ يرافق فيها شعر المؤلّف نثره في كل موضع، والصدارة فيها للنثر. ويجمعهما «روحٌ بلاطي» واحد، والشعر الوحيد في «الطوق» من غير نظم ابن حزم خمسة أبياتٍ للعباس بن الأحنف، شاعر هذه الروح، سمعها في دار أهله بربض الزاهرة تغنّيها جاريةٌ شغفته سنتين في صباه (ص ٤٢٤).

في موت العاشق، وهي مسألةٌ جمع فيها جعفر بن أحمد السرّاج «مصارع العشّاق» وأفردها مغلطاي بكتاب، يروي ابن داود بإسنادٍ حديثَ من عشق فعفّ فمات مات شهيداً، ويُروى أنه مات هو نفسه من الحبّ في الثانية والثلاثين. أمّا ابن حزم فيورده في صدر باب الموت بلا إسنادٍ ولا نسبة، ويسمّيه أثراً، ولا يذكر قصّة موت سلفه (ص ٤٢٥)، والحديث نفسه عدّه ابن الجوزي وابن القيّم موضوعاً (ص ٤٣٩، ح ٢٠). والموضع الوحيد الذي يسمّي فيه ابن حزم سلفه موضعُ ردٍّ عليه، إذ يقرّر أنّ الحبّ اتصالٌ بين أجزاء النفوس المقسومة في عنصرها الرفيع، لا كما حكى محمد بن داود عن بعض الفلاسفة أنّ الأرواح أُكَرٌ مقسومة. وتبيّن جيفن أنّ ابن داود إنما نقل هذا الرأي، وهو صدى خطبة أريستوفانيس في «المأدبة» لأفلاطون، عمّن سمّاهم بعض المتفلسفين، وأنّ ابن حزم يوهم أنه قال به ليظفر عليه بحجّة، وتخالف في ذلك ترجمتي آربري ونيكل وتوافق الترجمتين الألمانية والفرنسية (ص ٤٢٥، ٤٣٩–٤٤٠، ح ٢٢).

يشارك ابن حزم أصحاب هذا الفنّ مسائلهم ويخالفهم في طريقه إليها. فهو يعدّ القول بأنّ طول الوصال يُملّ الحبّ مذهباً رديئاً، ويجعل الحبّ في الزواج أسعد أحوال الدنيا، ويروي فيه خبر زياد بن أبي سفيان في أهنأ الناس عيشاً (ص ٤٢٦). وفي النظر، الذي أفرد له ابن داود الباب الأول من «الزهرة»، وابن الجوزي عشرة أبواب في «ذمّ الهوى»، وابن القيّم أربعة في «روضة المحبّين»، يشكّك في عمق حبّ النظرة الأولى، ويكتفي في الباب قبل الأخير بحديثٍ وبآية غضّ البصر (النور: ٣٠)، ويعتمد على قصصٍ موجعة في الإغراء بالمعصية، منها ما نجا هو منه (ص ٤٢٦–٤٢٧). وقد استشهد به ابن القيّم ثلاث مرّات، وانتقده أربعاً في إباحة الغناء والنظر إلى الأجنبية، وفي قوله بتقدّم ائتلاف النفوس على خلقها (ص ٤٢٧).

شعر ابن حزم «نثريّ» عند جيفن بالمعنى الحسن، إذ يؤثر وضوح المعنى واتّصاله على كثافة الصورة وإحكام البيت المفرد، فإذا وُضع بجانب ابن شهيد وابن زيدون بدا شعرهما ألغازاً في حلل الاستعارة، وبدا شعره فكراً متّصلاً يخدم حجّة النثر (ص ٤٢٧–٤٢٨). وتصل ذلك بمذهبه، فقد نشأ مالكياً ثم تشفّع مدّة، ثم تحوّل إلى الظاهرية، وهي مذهبٌ يأخذ بظاهر النصّ ويردّ القياس، قبل سنة ١٠٢٧م على ما يذكر آسين بلاثيوس، وأورثته تجربته في دهاليز السياسة شكّاً حزيناً في صدق الإنسان، وإيماناً بأنّ صدق الخطاب لا يقوم إلا بين صديقين (ص ٤٢٨، ح ٣١). ولهذا يعيب في باب القنوع تكلّف الشعراء وتصرّفهم في اللغة، وإن داعبهم فادّعى أنه بزّهم حين جعل عزاءه في الفراق أنه ومحبوبه مجتمعان في علم الله تعالى وفي الزمان (ص ٤٢٨–٤٢٩). وتخالف أرنالديز في فهم «إظهار» في هذا الموضع، فهو عندها التظاهر والتباهي وليس التعبير عن الوجد (ص ٤٤٠، ح ٣٣).

جعل ابن حزم كتابه ثلاثين باباً في تسلسلٍ منطقي متناظر، بالنزعة إلى الترتيب العقلي التي عُرف بها بعدُ في الفقه والكلام والملل (ص ٤٢٩). فأبواب وقوع الحبّ الخمسة تتدرّج من أبعدها، العشق في النوم، إلى العشق بالوصف فبالنظرة فبطول الصحبة فبصفةٍ لا يحبّ العاشق بعدها إلا من اتّصف بها، ثم تأتي وسائل الإفضاء به، ثم أزواجٌ متقابلة كالكتمان والإذاعة والطاعة والمخالفة، يليها الرقيب، وهو من يرصد العاشقين، والواشي، وهو من يسعى بينهما بالسوء، متشابهين لا متقابلين، ثم الوصل وما يعارضه (ص ٤٢٩–٤٣٠). والوصل عنده اجتماعٌ بالمعنى الواسع، لا الاتصال الجسدي وحده، ولفظ «التمكّن» في حكاية المطر والجارية تحت الغطاء مبهمٌ عند جيفن، يحمله آربري على أقصى معانيه ويبقيه فايسفايلر على إبهامه (ص ٤٣٠، ح ٣٦).

يقع باب الوفاء في منتصف الكتاب مفصلاً لبنائه ولأخلاقه، وتليه الأبواب الحزينة حتى باب الموت، وفيه قصّة أخيه أبي بكر وزوجه عاتكة التي ماتت على رأس الحول من موته بالطاعون في قرطبة وهو ابن اثنين وعشرين (ص ٤٣١). والبابان الأخيران نحو خُمس الكتاب، يبلغ كلٌّ منهما نحو ثلاثة أمثالٍ ونصفٍ من متوسّط الأبواب الأخرى، وقد رسمهما في المقدّمة منذ البدء (ص ٤٣١–٤٣٢).

«ليس هذان البابان تبرّؤاً أُلحق بالكتاب ليحسن قبوله، بل كانا في خطّته من البداية.» (ص ٤٣٢)

المرأة في «الطوق» شخصيةٌ تامّة الأبعاد، عاشقةً ومعشوقة، وكثيرٌ من أخباره عن نساءٍ ثقات. وابن حزم يخالف الشائع عند علماء عصره في أنّ الرجال أقدر على ضبط الشهوة، فيرى الجنسين سواءً في التعرّض للفتنة إذا اجتمعت الخلوة والإغراء (ص ٤٣٢). وتعريفه المرأة الصالحة بأنها التي تنضبط إذا ضُبطت، والرجل الصالح بأنه الذي لا يخالط أهل الفسوق ولا يطلق بصره، يعكس عند جيفن اختلاف حال المحجوبة عن حال الرجل الذي يعيش في العلن، وليس استخفافاً بخُلُق المرأة (ص ٤٣٢–٤٣٣). وكثيراً ما يلتبس جنس المحبوب في عبارته، وقد حمله المترجمون على الأنثى في الغالب، فعلى القارئ أن يرجع إلى النص العربي (ص ٤٣٣). والحبّ بين رجلين مقبولٌ عنده ما كان حبّاً في الله، ويسرد عقوبات الشريعة فيما جاوزه بتفصيلٍ يوحي بأنّ هذه الجرائم لم تكن تُلاحق بانتظامٍ في أندلس القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، ولا يرى في اللواط أكثر من عشر جلدات، ويسلّم برجم المحصن، أي المتزوّج، لأنّ الأمّة عليه إلا قليلاً من الخوارج (ص ٤٣٤–٤٣٥).

في مسألة الحبّ البلاطي الأوروبي تعرض جيفن الخلاف بين من يراه ظاهرةً كونية نشأت في بروفانس مستقلّة، ومن يرى في العربية أثراً مساعداً، وتميل إلى أنّ في الأدلّة ما يرجّح أثراً عربياً في مواضع، وإن ثبت خطأ بعض الصلات المفترضة (ص ٤٣٥). وتروي مناظرةً ردّد فيها صموئيل ستيرن قاعدة المدرسيين، وهم فلاسفة العصور الوسطى اللاتين، في أنّ الإمكان لا يُستدلّ به على الوجود، وطالب بدليلٍ على أنّ التروبادور سمعوا نصوصاً عربية بعينها وفهموها، فأجابه غوستاف فون غرونباوم بأنّ المنهج يقتضي البدء بالموروث المشترك من العصور القديمة (ص ٤٣٦، ح ٤٦).

على شرط ستيرن نفسه، إذ أجاز المقارنة سبيلاً لفهم المجتمعين، تعدّ جيفن ثمانية معانٍ في «الطوق» لها نظائر في الحبّ البلاطي، منها أنّ الحبّ يهذّب العاشق، وأنه داءٌ يفضي إلى الموت، ومنها الكتمان والغيرة، والرقيب والواشي والسفير، وخضوع العاشق حتى قال ابن حزم إنه وطئ بُسط الخلفاء فما رأى هيبةً تعدل هيبة المحبّ لمحبوبه، ومخاطبة المحبوبة بـ«سيّدي» و«مولاي» كما خاطب التروبادور سيّدته بـ«midons»، وحبّ من هي أعلى رتبة (ص ٤٣٦–٤٣٧). ووراء غياب حواجز النسب الدائمة مبدأُ تساوي المؤمنين أمام الله، وإن كثرت الاستثناءات في الواقع (ص ٤٣٧).

آخر ما تقف عنده قصّة الفتاة التي نشأت معه ثم رآها وقد اكتمل حسنها في بيت قريبتها الصالحة، فشغفته حتى لم يسمح لنفسه بالعودة إلى ذلك البيت، وتعدّ صفحته فيها من أجمل ما كتب (ص ٤٣٨).

١٩. التداخل اللغوي بين العربية واللغات الرومانثية في شبه الجزيرة الإيبيرية

مقالة كورّينتي أقرب إلى برنامج عملٍ منها إلى مسحٍ لما أُنجز. فهو يقرّ بأنّ الدراسات في الباب تُعدّ بالمئات، وبأنّ حصيلتها ليست هيّنة: صورةٌ لما أخذه معجم العربية الأندلسية من الرومانثية، والعربية الأندلسية هي العربية التي كان يتكلّمها أهل الأندلس في حياتهم اليومية، وهي غير الفصحى المكتوبة؛ وتقديرٌ تقريبي لحجم الدخيل العربي، أي الألفاظ العربية التي دخلت القشتالية والقطلانية والجليقية والبرتغالية؛ وأصولٌ صحيحة لأكثر هذه الألفاظ (ص ٤٤٣). غير أنه يرى البناء كلّه قائماً على خطأ في أساسه، هو أنّ الرومانثية اقترضت من العربية الفصحى مباشرة. فاتّخذ الباحثون معجماً غربياً للفصحى، كمعجم كازيميرسكي أو معجم لين، مرجعاً في التأصيل، أي في ردّ اللفظ إلى أصله، فخرجت لهم أصولٌ بعيدة أو خاطئة (ص ٤٤٣–٤٤٤). وهو يلتمس العذر لدوزي وإنغلمان (١٨٦٩م)، فلم يكن بين أيديهما إلا القليل حين ردّا almoceda («نوبة السقي») إلى لفظ فصيح نادر، والصواب في رأيه «المُقسِط»، أي الحصّة العادلة من الماء. لكنه لا يعذر من يردّد اليوم الأصول الخاطئة لـalmodrote وalifara وaladroque (ص ٤٤٤).

يعدّ كورّينتي بعد ذلك في التأصيل ثلاثة عيوب أخرى. فقد يُغفَل أصل اللفظ «العربي» نفسه، كما صنع كوروميناس حين ردّ jabalcón إلى «جَمَلون» وسكت عن أنّ العربية أخذته عن الآرامية. وقد يُنسب اللفظ إلى أصل عربي لا وجود له، كما في acicate وmoraga وzumaya. وقد يعجز الباحث عن رؤية الأصل العربي وهو ماثلٌ أمامه، كما في acebuche وهو من «زبّوج»، وzahón وهو من «ساق» مع لاحقة التكبير الرومانثية، أي المقطع الذي يُلحق بآخر الكلمة فيدلّ على الكِبَر، وmohíno وهو من «مُهين» في العربية الأندلسية لا من «مَهين» الفصيحة (ص ٤٤٤، ٤٤٧، ٤٤٩–٤٥٠). ومن هذا الباب ألفاظٌ أشباح لا حقيقة لها في الكلام، كـzatara، وهي تصحيفٌ قديم تناقلته القواميس، ويعترف المؤلف في الحاشية بأنه وقع فيه هو نفسه (ص ٤٤٤، ٤٤٩).

أمّا ما ادُّعي من أثرٍ عربي في أصوات الرومانثية وصرفها ونحوها ودلالة ألفاظها فأضعف من ذلك. لم يعد باحثٌ معتبر يقول بأثرٍ عربي في أصواتها، ولا يثبت في صرفها إلا لاحقة النسبة (marroquí، alfonsí)، وهي نظيرة ياء النسبة في العربية. وردّ الأفعال السببية المبدوءة بـa- في القشتالية، وهي الأفعال الدالّة على جعل الشيء يفعل، إلى صيغة «أفعل» باطلٌ في رأيه، لأنّ العربية المحدَثة كانت قد هجرت هذه الهمزة منذ نشأتها (ص ٤٤٥، ٤٤٩–٤٥٠). ويقبل أنّ طائفة من الأمثال العربية انتقلت إلى الرومانثية نقلاً يكاد يكون حرفياً، مستنداً إلى دراسة لغارثيا غوميث، لكنه يرفض أكثر ما سُمّي محاكاةً نحوية أو دلالية. فليس في العربية المحدَثة ما يقابل burla burlando، ولم يدلّ لفظ «الولد» قطّ على ابن الملك خاصّةً حتى يكون أصلاً لـinfante، و«بنو الأخماس» عبارةٌ نادرة نبشها دوزي ولا صلة لها بالهدالغو (hidalgo)، وهو لقب صغار النبلاء في قشتالة. ومن جعل «الابن» المجازي أثراً سامياً لزمه أن يجعل terrae filius («ابن الأرض») عند شيشرون سامياً كذلك (ص ٤٤٥–٤٤٦). ويردّ كورّينتي هذا الخلل إلى الجهل بالمعطيات أو إلى الهوى القومي من الجهتين، فمن الباحثين من يضخّم العنصر الإسباني في الأندلس، ومنهم من يتقصّى «الساميّ» في كل شيء (ص ٤٤٦).

البديل الذي يقترحه أن تكون العربية الأندلسية، لا الفصحى، أساسَ المقارنة:

«لم تكن العربية الفصحى لسانَ أمٍّ لأحدٍ في أيّ زمان ولا في أيّ مكان، وإنما كانت لغةً أدبية مشتركة صاغها الرواة قبل الإسلام لأغراض الشعر.» (ص ٤٤٦)

فالعربية التي دخلت شبه الجزيرة سنة ٩٢هـ/٧١١م لم تكن لساناً واحداً، بل خليطاً من لهجات عرب الشمال لم يخلُ من أثرٍ جنوبي حمله اليمنيون. وكان أهل البلد يُعدّون بالملايين والعرب بالآلاف، وكان أهل البلد يتكلّمون الرومانثية في أطوارها الأولى، أمّا البربر فلم يتركوا في العربية الأندلسية إلا بضع عشرات من الألفاظ. فنفذ أثر الرومانثية في هذه العربية إلى أصواتها وصرفها ونحوها ومعجمها جميعاً، حتى أسقط التمييز بين المذكّر والمؤنّث في خطاب المفرد (ص ٤٤٦–٤٤٧). وقد هذّبت الدولة الأموية بعض الشواذّ، كالإمالة الشديدة، وهي أن يُنحى بالألف نحو الياء في النطق، لكنها لم تستطع أن تعيد العربية القديمة لساناً يتحدّث به الناس. وكان أهل الفصحى، بحِرَفهم ومنازلهم، بعيدين عن الطبقات الدنيا التي تتكلّم اللسانين، ومن هذه الطبقات عبر الدخيل؛ ولذلك لا تُؤصَّل almuzara إلا بـ«المسارة»، ولا haragán إلا بـ«خرقان» المجهول في الفصحى، ولا mazorca إلا بـ«ماسورة» الفارسية الأصل مع لاحقة رومانثية (ص ٤٤٧، ٤٥٠).

في هذا الموضع يرفض كورّينتي صراحةً «الحكايات الجميلة» عن تعايش أهل الأديان الثلاثة. فالفتح وحروب الاسترداد، وهي الحروب التي استعاد بها النصارى أرض الأندلس قرناً بعد قرن، كلاهما عنده عنفٌ لا يسوّغه خُلق، ولم يكن بين الجبهتين تنقّلٌ ولا رغبةٌ في تعلّم لغة العدوّ. والقناة الحقيقية التي عبر منها الدخيل هم المغلوبون الذين بقوا وراء خطوط الغالب فصاروا يتكلّمون اللسانين. أوّلهم المستعربون، وهم النصارى الذين عاشوا تحت حكم المسلمين وأخذوا لسانهم، وبهجرتهم إلى الممالك الشمالية في القرنين الثالث والرابع الهجريين/التاسع والعاشر الميلاديين دخل أكثر الدخيل، لما حملوه معهم من ثقافة أرقى. ثم المدجّنون، وهم المسلمون الذين بقوا تحت حكم النصارى، وأثرهم أقلّ لانحطاط منزلتهم. ثم رافدٌ ثالث صغير جاء من صلاتٍ متفرّقة بجماعات مسلمة من الهند إلى غرب إفريقيا، مباشرةً أو عن طريق الفرنسية والإيطالية (ص ٤٤٨). ويكثر الدخيل في البرتغالية والقشتالية وقطلانية بلنسية والجزائر الشرقية، ويقلّ في الجليقية وقطلانية الشمال، وإن حفظتا ألفاظاً نادرة، كـbassetja (المِقلاع)، والجليقية lacazán المأخوذة من «كسلان» بالقلب، أي بتقديم بعض حروف الكلمة على بعض (ص ٤٤٨، ٤٥٠). ويخلص إلى أنّ المعطيات كثيرة ودقّتها ناقصة، فيجب أن يُعاد فحصها كلّها في ضوء العربية الأندلسية، بعملٍ يشترك فيه المختصّون بالعربية ولهجاتها وعلماء الرومانثية (ص ٤٤٩).

٢٠. مزيدٌ من القوائم والتصنيفات للألفاظ العربية في اللغات الإيبيرية الرومانثية

ما أفرد القشتالية والبرتغالية والقطلانية بين أخواتها الرومانثية، في رأي ميسنر، هو الطبقة العربية العليا فيها، أي ما تركته فيها لغةٌ جاءت مع الغالب ثم انحسرت. وشبه الجزيرة هي التي نقلت هذا الأثر بعد أن تلقّته إلى الفرنسية وغيرها، وإن شاءت مصادفات الحفظ أن يظهر لفظٌ مثل tambour (من «طنبور») في الفرنسية قبل القشتالية (ص ٤٥٢). ويحترز من أن يُردّ كل لفظ عربي في هذه اللغات إلى الاحتكاك المباشر بين الناطقين باللغتين. فبعضه جاء عن لهجات الجمهوريات الإيطالية التي تاجرت مع شرق المتوسط، وبعضه عن صقلية التي حكمها العرب مئتي سنة، وبعضه عن اللاتينية المتأخرة، كالكحول (alcohol) بمعناه الحديث، ولعلّ الأرقام العربية دخلت من إيطاليا (ص ٤٥٢). ولتعدّد هذه الطرق يعسر أن يُعيَّن المصدر الأول لبعض الألفاظ.

على أنّ أثر العربية في شبه الجزيرة أعمقُ منه في أيّ مكان آخر، وتشهد له أسماء المواضع. فنحو عشرين في المئة منها عربية في الجزائر الشرقية وفي نواحي بلنسية ومالقة ولَقَنْت، ولا تتجاوز النسبة اثنين في المئة في الشمال، في نبرّة (Navarre) وليون، على ما في أطلس لاوتنزاخ (ص ٤٥٢). ويقف عند أداة التعريف العربية، فهي ملتصقة اليوم بستين في المئة من الدخيل القشتالي (وكانت في العصور الوسطى أربعة وسبعين)، وباثنين وثلاثين في المئة فقط من الدخيل القطلاني. وليس هذا الفرق دليلاً على تطوّرٍ مختلف، فقد عرفت القطلانية الوسيطة الصيغتين معاً ثم غلبت فيها الصيغة المجرّدة من الأداة، على نمط الإيطالية التي نشرت zucchero (من «السكّر») بلا أداة في أوروبا، في مقابل azúcar القشتالية وaçúcar البرتغالية (ص ٤٥٣).

ضاع من الدخيل كثيرٌ بتغيّر أسباب الحياة، ويتتبّع ميسنر منه ألفاظ الفروسية كـjaez («جهاز») وalbarda («البردعة»)، وأسماء السلاح القديم كـadarga («الدرقة») وalfanje («الخنجر»). ولم يكن الضياع واحداً في اللغات كلها. فقد حفظت البرتغالية alfaiate («الخيّاط») واستبدلت القشتالية بـalfayate لفظ sastre الفرنسي الأصل، وبقي alicerce («الأساس») في البرتغالية وسقط مقابله القشتالي alizace أمام cimiento. وانتهت aduana («الديوان») القشتالية وalfândega («الفندق») البرتغالية إلى معنى واحد هو الجمارك (ص ٤٥٣). أمّا عدد هذه الألفاظ فأكثر تقديراته غير موثوق في رأيه. ففي معجم كوروميناس نحو ألف ومئتي لفظ، كثيرٌ منها لا يشهد له إلا نصٌّ من أواخر القرن السادس عشر، حين حُظرت عاداتهم على الموريسكيين، وهم المسلمون الذين أُكرهوا على التنصّر في إسبانيا، والباقي منها في الاستعمال نحو ثمانمئة (ص ٤٥٣، ٤٥٥).

يرتّب أمثلته على الحقول الدلالية، أي على أبواب المعنى، وينبّه إلى أنّ الدراسات جرت على البدء بألفاظ الحرب كأنّ الحرب كانت أهمّ ما شغل العرب في الجزيرة، ثم يبدأ بها هو أيضاً (ص ٤٥٣–٤٥٤). والأمثلة قشتالية، وقلّما تخالفها البرتغالية والقطلانية:

  • الحرب والإدارة: alcazaba («القصبة»)، alcázar («القصر»)، atalaya («الطلائع»)، barbacana («باب البقرة»)، alférez («الفارس»)، jinete («زناتي»)، alcalde («القاضي») (ص ٤٥٣–٤٥٤).
  • الريّ والزرع: acequia («الساقية»)، aljibe («الجبّ»)، arcaduz («القادوس»)، noria («الناعورة»)، alcachofa («الخرشوفة»)، azafrán («الزعفران»)، algodón («القطن») (ص ٤٥٤).
  • الصنعة والتجارة: alfarero («الفخّار»)، taza («طاسة»)، jarra («جرّة»)، recamar («رقم»)، tarea («طريحة»)، quintal («قنطار»)، quilate («قيراط»)، almacén («المخزن»)، almoneda («المناداة») (ص ٤٥٤).
  • العمارة والبيت واللهو: albañil («البنّاء»)، azulejo («الزليج»)، alfombra («الخُمرة»)، almohada («المخدّة»)، ajedrez («الشطرنج»)، azar («الزهر»)، alcorza («القرصة») (ص ٤٥٤).
  • الطبّ والعلوم: jarabe («شراب»)، álcali («القلي»)، alambique («الأنبيق»)، alquimia («الكيمياء»)، nadir («نظير»)، cenit («سمت الرأس») (ص ٤٥٥).

الإرث اللغوي للعرب في شبه الجزيرة، كما يختم ميسنر، جديرٌ بأن يوضع بجانب إرثهم المعماري (ص ٤٥٥).

٢١. أثر العرب في شعر الحب الأوروبي

يقول بويز بالأصل العربي للحبّ البلاطي، ويصوغ دعواه صياغةً حذرة يستعيدها من كتابٍ سابق له:

«الحبّ البلاطي ظاهرةٌ ثقافية شاملة نشأت في بيئة نصرانية أرستقراطية تعرّضت لمؤثّرات أندلسية.» (ص ٤٥٩)

تلقى هذه الدعوى مقاومةً يردّها بويز إلى أسباب. فأوروبا تعترف بفضل العرب في نقل الفلسفة اليونانية والطبّ والرياضيات، لأنّ ذلك لا يمسّ أسطورة هويّتها اليونانية الرومانية النصرانية، ويبقى العرب فيه وسطاء سلبيين. أمّا الحبّ البلاطي فتعدّه جوهر الروح الأوروبية وأصل مفهوم الحبّ الرومانسي الحديث. وبعد حملة نابليون على مصر (١٧٩٨–١٨٠١م) صار الكلام في دَين أوروبا للعرب أشبه بالمحظور، إلى أن جاءت الثلاثينيات فكتب فيه من خارج إسبانيا إيكر وهنري بيريس ودرمنغم وليفي بروفنسال ونيكل، ومن داخلها ريبيرا وآسين بلاثيوس وغارثيا غوميث ومنينديث بيدال وأمريكو كاسترو، في حين ردّ سانشيث ألبورنوث ومنينديث إي بيلايو عيوبَ إسبانيا إلى أثر الإسلام (ص ٤٥٧).

خصوم الدعوى ثلاثة أجيال، أقدمهم رينان ودوزي. قرّر رينان أنّ «هاويةً» تفصل روح الشعر الرومانثي عن روح الشعر العربي، وأنّ الشعراء النصارى لم يعرفوا بوجود الشعر العربي، ولو عرفوه لما فهموه. ودوزي أشدّ منه، فهو يقول إنّ الأثر لم يثبت ولن يثبت، ويتمنّى ألّا يُعاد النقاش فيه، ويرى بويز في كلامه هذا تحيّزاً لا يليق بأحد كبار مؤرّخي الأندلس (ص ٤٥٨). وعلى نهجهما سخر جانروا من اقتراح ريبيرا (١٩٢٨م) أن يُردّ trobar، وهو الفعل الذي اشتُقّ منه اسم التروبادور، إلى «طَرِب». ونقل صموئيل ستيرن كلام دوزي مستحسناً إياه في محاضرته في سبوليتو (١٩٦٤م)، وجعل التشابه بين التروبادور والأدب العربي «تطوّراً متوازياً» لا نسب فيه، لأنّ التروبادور في رأيه لم يعرفوا العربية ولم يكن لهم أن يعرفوها (ص ٤٥٨). ويسأل بويز: من أين لنا هذا اليقين؟ وما الذي يمنعهم أن يطلبوا ترجمةً تقريبية لأغنيةٍ أطربهم لحنها؟ وهو لا يرضى في الطرف المقابل بتعجّل دوني دو روجمون، الذي أعلن سنة ١٩٥٦م أنّ المسألة محسومة، وهي في نظره غير محسومة (ص ٤٥٧–٤٥٨).

بيتر درونكه يقول بتعدّد الأصول، فالحبّ البلاطي عنده ممكن «في كل زمان ومكان»، ويبدأ كتابه بأغاني الحبّ المصرية في الألف الثانية قبل الميلاد. ويعترض عليه بويز من ثلاث جهات. فدرونكه يهوّن من جِدّة شعر التروبادور ومن أثره الهائل، ويترك أكبر تقاليد العصور الوسطى الأدبية بلا اسم، مع أنّ الحبّ البلاطي مفهومٌ نقدي يحدّد جنساً أدبياً وظاهرةً ثقافية، لا تجربةً فردية. ثم إنه ليس هناك قبل القرن الثاني عشر شعرٌ يجمع خصائص هذا الحبّ كلها إلا الشعر العربي أو ما تأثّر به (ص ٤٦٠–٤٦١). ويعترف مع ذلك بأنّ أحداً لم يردّ على الاعتراضات الجدّية ردّاً منهجياً قطّ، وبأنّ على القائل بالأثر أن يثبت أمرين: أنّ الشعر العربي ورسائل الحبّ كانت في متناول التروبادور، وأنّ التوازي لا تفسّره المصادفة. ولذلك يقترح بحثاً في خمسة أقسام، هي قنوات الاتصال ثم الموسيقى ثم الشكل والأسلوب ثم الموضوعات والصور ثم الأفكار الفلسفية والطبية، ولا يعالج في هذه المقالة إلا الأول والرابع (ص ٤٦٠–٤٦٢).

جوهر الحبّ البلاطي عنده خمس خصائص: أن تسود المحبوبة، وأن يفي لها المحبّ ويخضع، وأن يكتم حبّه، وأن يتلازم الحبّ والشعر، وأن تكون للحبّ قوّةٌ ترفع صاحبها وقد تهلكه. وهذه كلها، ما عدا تشبيه المحبّ بالتابع الإقطاعي الذي يدين بالولاء لسيّده، أصيلةٌ في الحبّ العذري، الذي يعود إلى بني عُذرة وإلى جميل بثينة (ت ٨٢هـ/٧٠١م)، ثم نظّر له المؤلفون في كتبٍ أشهرها «الزهرة» لمحمد بن داود الأصفهاني (٢٥٥–٢٩٧هـ/٨٦٨–٩١٠م) في بغداد، و«طوق الحمامة» لابن حزم (٣٨٣–٤٥٦هـ/٩٩٣–١٠٦٤م) في قرطبة نحو ٤١٢هـ/١٠٢٢م (ص ٤٥٩–٤٦٠). ويكفيه دليلاً على جِدّة موقف التروبادور ما قاله ماريو إكويكولا في أواخر القرن الخامس عشر، من أنّ القدماء كتبوا عن نسائهم بلا توقير، وهو مع ذلك يقرّ بأنّ كورتيوس وسي. إس. لويس بالغا حين جعلا هذا الحبّ «اكتشافاً» فرنسياً خالصاً (ص ٤٦١).

يرى بويز قنوات الاتصال أوسع مما يظنّ خصومه. فقد تبدّل ميزان القوى في أواخر القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، فسقطت بربشتر سنة ٤٥٧هـ/١٠٦٤م، وأخذ ألفونسو السادس طليطلة سنة ٤٧٨هـ/١٠٨٥م، وهُزم المعتمد أمام يوسف بن تاشفين سنة ٤٨٤هـ/١٠٩١م، وأتمّ النورمان فتح صقلية في السنة نفسها، ثم كانت الحملة الصليبية الأولى، وأخذ ألفونسو الأول المحارب سرقسطة سنة ٥١٢هـ/١١١٨م. فلمّا صارت دول الطوائف تؤدّي الجزية للملوك النصارى، بعد أن عاش هؤلاء في ظلّ الخلافة، زادت الرغبة في محاكاة ترف العرب، وكان يُعدّ من قبلُ مُخنِّثاً، وكان جنوب فرنسا أقبل لهذا الترف من قشتالة المشغولة بالحرب (ص ٤٦٢–٤٦٣).

قبل ذلك بقرنين نشأت بين نبرّة وقرطبة صلةٌ خاصة. امتلك عبد الرحمن الأوسط جاريةً نبرّية اسمها قَلَم تعلّمت الغناء في المدينة المنوّرة، وأحبّ طَروبَ حتى احتمل كيدها، وكان أبوه الحكم الربضي يصف نفسه في شعره عبداً للهوى وأسيراً له. وتزوّج الأمير عبد الله بن محمد أميرةً نبرّية، وكانت أمُّ عبد الرحمن الناصر نصرانية، ولذلك وضعت الملكة الوصيّة على نبرّة بلادها في حماية الناصر. وأحبّ الحكم المستنصر صُبحاً النبرّية. وينقل بويز عن ابن حزم أنّ خلفاء قرطبة أولعوا بالشقراوات منذ عهد الناصر، حتى غلبت على كثير منهم الشقرة وزرقة العيون. وعرض سانشو غارثيس الثاني ملك نبرّة ابنته زوجةً على المنصور بن أبي عامر فأسلمت، وأرسل برمودو الثاني ملك ليون ابنته تيريسا إليه سنة ٣٨٣هـ/٩٩٣م (ص ٤٦٣).

كان السفراء في هذه الصلات شعراء في الغالب، ولا بدّ أنهم عرفوا شيئاً من الرومانثية. فيحيى الغزال ارتجل نحو ٢٠٧هـ/٨٢٢م أبياتاً في ملكة المجوس (النورمان) نقلها إليها ترجمان. ورهن ابن عمّار، وزير المعتمد، الرشيدَ بن المعتمد، وكان شاعراً عوّاداً، عند رامون برنغير الثاني صاحب برشلونة لقاء عشرة آلاف دينار، فلم يُفكّ إلا بثلاثين ألفاً، فأتيح لحاشية الكونت أن تسمع شعر الرجلين (ص ٤٦٤). واتخذ ألفونسو السادس كنّة المعتمد زوجةً أو خليلةً سنة ٤٨٤هـ/١٠٩١م أو ٤٨٥هـ/١٠٩٢م، ويسمّيها بويز سيّدة. ويروي «تاريخ إسبانيا» (Estoria de España) لألفونسو العاشر أنها عشقته بالسماع قبل أن تراه، وهذا ما عقد له ابن حزم باباً في «الطوق»، وهو «الحبّ عن بُعد» (amor de lonh) الذي جعله جوفري روديل مدار شعره (ص ٤٦٥).

أثقل هذه القنوات وزناً في رأيه بربشتر. يروي ابن حيّان أنّ قائد الحملة كان قائد خيل رومة، وهو عند بويز غيوم دو مونتروي، وعند أماتوس المونتيكاسيني روبير كريسبان. وكان في السبي ألف وخمسمئة جارية في رواية أماتوس، وسبعة آلاف في رواية ياقوت. ويروي ابن حيّان خبر تاجرٍ يهودي جاء يفادي بنات صاحب الحصن، فوجد الأمير النصراني في ثياب عربية يستمع إلى إحداهنّ تغنّي بالعود، فأبى الأمير الفداء. وكان في الحملة غيوم الثامن دوق آكيتين، فالأرجح أنّ ابنه غيوم التاسع، أول التروبادور، ورث مغنّيات منهنّ سنة ١٠٨٦م. ثم تزوّج غيوم التاسع أرملة ملك أرغون، وفي حاشيتها مغنّون، وصاهر أهلُه ملوكَ أرغون وقشتالة، وحملت حفيدته إليانور الآكيتينية هذا الذوق إلى شمال فرنسا وإنجلترا (ص ٤٦٥–٤٦٦). والقِيان، وهنّ الجواري المغنّيات، حملن هذا التقليد. فالقَينة تُعلَّم أن تؤدّي دور المحبوبة المتدلّلة التي تمنّي ولا تفي، على ما وصفها الجاحظ في «رسالة القيان»، وكانت تحفظ أكثر من أربعة آلاف صوت، أي أغنية ملحّنة. وقد أهدى الخليفة مغنّيات إلى سانشو غارثيا كونت قشتالة، وكتب خوان رويث، رئيس كهنة هيتا، أغاني لمغنّيات مسلمات في القرن الرابع عشر (ص ٤٦٦–٤٦٧).

يبدأ بويز من الموضوعات المتوازية بـالخضوع. فبرنارت دي فنتادورن يطلب أن يُتّخذ خادماً، وغيوم التاسع يسأل أن يُكتب اسمه في سجلّ عبيدها. وقبلهما جعل العباس بن الأحنف نفسه عبداً لمحبوبته تعذّبه إن شاءت، واعتذر ابن حزم عن ذلّه بأنّ المستنصر ذلّ قبله، وكان الحكم الربضي ملكاً صار أسير الهوى، وجعل سليمان المستعين الذلّ في الهوى عزّاً وملكاً ثانياً، واشترط عبد الرحمن المستظهر في نكاح حبيبة أن يخدمها هو خدمةَ العبد. ولا يعرف بويز ملكاً أوروبياً قال مثل هذا قبل فنتسل الرابع ملك بوهيميا، ويرى أنّ تشوسر أول من وفّق بين سيادة المحبوبة والزواج، في «حكاية الفرانكلين» (The Franklin's Tale)، ولعلّه أخذ ذلك عن برنارت (ص ٤٦٧–٤٦٩). ويلي ذلك الكتمان. وفيه يقابل «سيّدي» و«مولاي» في الشعر العربي لفظَ midons عند التروبادور، وتقابل الكنيةُ senhal، وهو الاسم المستعار الذي يكنّي به الشاعر عن سيّدته. فعمر بن أبي ربيعة تعاتبه زينب لأنه صرّح باسمها في النسيب، وابن حزم يؤثر الجنون على البوح، وابن زيدون يخاطب ولّادة بسرٍّ يبقى إذا ذاعت الأسرار، وابن الحدّاد يكنّي حبيبته النصرانية «نُوَيرة». وفي الشعرين كليهما الواشي والرقيب والحاسد، ويقابلهم lauzengiers وgardador وenvejos (ص ٤٦٩–٤٧٠).

أمّا «الفرح» (joy) عند التروبادور فخير ما يفسّره كلامٌ لابن عربي في «الفتوحات المكية»، ويردّ بويز لفظ troubadour نفسه إلى «الطرب» (ص ٤٧٠، ٤٧٨–٤٧٩). و«داء العشق» في كتب الطبّ اللاتينية مأخوذ عن العرب، وأعراض السوداء المتناقضة التي يكرّرها ابن حزم، والسوداء هي المِرّة التي ردّ إليها الأطبّاء القدماء الكآبة، ذكرها إسحاق بن عمران ونقلها قسطنطين الإفريقي (ص ٤٧١، ٤٧٩). وآخر هذه الموضوعات العفاف. فابن فرج الجيّاني يبيت مع حبيبته عطشانَ، وابن شرف يرضى بالرائحة دون الطعم، وابن سارة لا يعدّ العفاف فضيلةً إلا من القادر، وابن سينا يفرّق في «رسالة في العشق» بين حبّ الصورة بشهوة حيوانية وحبّها بنظر عقلي، وهو التفريق الذي نجده عند أندرياس كابيلانوس بين الحبّ المختلط والحبّ الخالص، ثم عند فيتشينو، الطبيب العارف بنظريات العرب (ص ٤٧١–٤٧٣).

خلاصة بويز أنّ التروبادور وشعراء أوروبا تأثّروا بالشعر العربي ورسائل الحبّ، مباشرةً أو غير مباشرة. ولم يبقَ نقلٌ مكتوب قديم لشعر عربي إلى الرومانثية إلا ما ورد في شرح ابن رشد على كتاب «الشعر» لأرسطو، وقد ترجمه هرمان الألماني (Hermannus Alemannus) إلى اللاتينية في طليطلة سنة ١٢٥٦م، ولذلك يرى النقل شفاهياً (ص ٤٧٣، ٤٧٩). ويذيّل المقالة بملحقٍ يضع فيه نصوص ابن حزم في تقارب الحبّ والبغض، وفي أثر الحبّ في تبديل الطباع، بجانب نظائرها عند ريشار السانفكتوري وأندرياس وخوان رويث ورودريغو كوتا وغيرهم، ويرى أنّ أوفيد لم يبلغ شيئاً من نفاذ ابن حزم النفسي (ص ٤٧٣–٤٧٦). ويحترز في الحاشية بأنّ كتاب أندرياس ليس «إنجيل الحبّ البلاطي»، وأنّ صاحبه كارهٌ للنساء، وإن حمل الكتاب أفكاراً من الأندلس (ص ٤٧٩).

٢٢. الأندلس و١٤٩٢: طرائق التذكّر

كتبت مينوكال مقالتها للذكرى الخمسمئة لعام ١٤٩٢م، وهي في رأيها ذكرى ذات وجهين: ميلاد «العالم الجديد»، وثلاث نهايات اقترنت به، هي تحطيم حضارات السكّان الأصليين في الأمريكتين وتشتّت يهود إسبانيا من جديد وانقضاء الأندلس. والطرد جزءٌ من الشروط السياسية والأيديولوجية التي صنعت إسبانيا نفسها وأتاحت لها أن تستوطن عوالم جديدة؛ غير أنّ المؤرّخين فصلوا البدايات عن النهايات، فبدت الأندلس بعيدةً دهوراً وقارّاتٍ عن العالم الحديث على ضفّتي الأطلسي (ص ٤٨٣). فالجمهور المثقّف الذي يعرف أرسطو وتأسيس روما وفلورنسا عصر النهضة يرى تلك الماضيات مراحلَ من حاضره، ويرى الأندلس جوهرةً غريبة. وتردّ مينوكال ذلك، إلى جانب التحيّز الذي عالجته في كتابها «الدور العربي في التاريخ الأدبي الوسيط» (The Arabic Role in Medieval Literary History)، إلى تعدّد الأصوات في ذلك العالم وتشظّيه، فهو لا يدخل في السرد المتّصل الذي يطلبه المؤرّخ وتحتاج إليه الهوية (ص ٤٨٣–٤٨٤). ومن هنا أطروحتها:

«ينبغي أن تُستحضَر ذكرى الأندلس بالترجمة والخيال.» (ص ٤٨٤)

للأطروحة شقّان: أن يحاكي الباحثون المحدثون الماضيَ الوسيط فيتّخذوا الترجمة سبيلاً إلى إثبات مركزية الثقافة الأندلسية، وأن يكون الشعر مدخلاً إلى تخيّل ذوقٍ جمالي قريب من ذوقنا، وهو الميدان الوحيد الذي لم يُنقل منه شيء بالترجمة في العصر الوسيط (ص ٤٨٤).

يصعب أن تجد الأندلس موضعها في تاريخ أوروبا لعلّتين. أولاهما أنها كيانٌ هجين جمع العربية والعبرية واللاتينية، وبلغ ذروته بين القرنين الرابع والسادس الهجريين/العاشر والثاني عشر الميلاديين بفضل هذا التهجين نفسه، وهو تفاعلٌ لم يكن سلمياً دائماً، لكنه كان منتجاً حتى في النزاع (ص ٤٨٤–٤٨٥). والأخرى أنّ القانون الأكاديمي (canon)، أي جملة النصوص والمعارف التي تعدّها الجامعة جديرةً بالدرس، تشكّل في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين فقسّم المعرفة على اللغات القومية. فالمختصّ في إسبانيا الوسيطة لا يعرف في الغالب لغتين من لغاتها الثلاث، ولا يُطلب من المختصّ بالعربية أو بالعبرية أن يعرف الرومانثية التي كان يتكلّمها أصحاب النصوص التي يدرسها. وهكذا يُدرَس جيران القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، الذين صنع جوارهم كثيراً مما سمّاه هاسكنز «نهضة القرن الثاني عشر»، في أقسامٍ لا صلة بينها (ص ٤٨٥–٤٨٦).

أبلغ أمثلتها الموشّح، فالقصيدة الواحدة تُقسَم بين قسمين، تذهب مقاطعها الخمسة الأولى إلى «الشرق الأوسط»، ويذهب السادس، وهو الخرجة، إلى «أوروبا» (ص ٤٨٦). وتذكّر في الحاشية بأنّ نصوص الخرجات كانت مطبوعة معروفة، وبقيت بلا فكّ حتى «اكتشفها» ستيرن، لأنّ المختصّين بالعربية لم يتصوّروا أنّ ما بدا لهم لغواً كان رومانثياً، ولأنّ علماء الرومانثية لا يقرؤون العربية ولا العبرية (ص ٥٠١). والدراسات الشرقية ليست بريئة كذلك، فهي أيضاً تعدّ ما جرى في الأندلس ممكناً في أيّ بلد مشرقي، وتعامل ابن حزم وابن عربي كأنّ المشرق نُقل إلى الغرب ستة قرون (ص ٥٠٢). وتقرأ مينوكال كتاب هاسكنز نفسه دليلاً على مركزية الأندلس، فأكثر ما عدّه من سمات الحداثة، من الجامعات إلى الثورة العلمية وظهور العاميات، أي اللغات المحكية التي صارت لغات أدب، والعودة إلى الفلاسفة القدماء، يرجع مباشرةً أو غير مباشرة إلى صلة الأندلس ببقية أوروبا (ص ٥٠١–٥٠٢).

تبدأ العلاج بكسر الوصية التي تنهى عن استعمال النص المترجم، وتجعل الباحث الحقّ من لا يعمل إلا على الأصل (ص ٤٨٧). وحججها في ذلك متعدّدة. فالفيلولوجيا، وهي علم النصوص ولغاتها وتاريخها، لم تطلب من أهلها أن يتكلّموا اللغات التي يدرسونها، بل أن يترجموا عنها. والذي يقرّر ما يُدرَس بلغته الأصلية هو المكانة (prestige) والحاجة الأيديولوجية، فالمكانة هي التي جعلتنا نعرف تأسيس روما ونجهل سقوط غرناطة، وهي التي أبقت للفرنسية إقبالها. والنص المترجم هو الذي يفتح الدورة حين لا يكون هناك جمهورٌ يقدر على الأصل، فينبغي أن تُقرأ «ألف ليلة وليلة» في عشرات المقرّرات؛ وهو كذلك الذي يختمها، فالإلياذة والكوميديا الإلهية و«الحرب والسلم» تُقرأ مترجمةً في «الأدب العالمي» (ص ٤٨٧–٤٨٩). وأقوى حججها من داخل التراث نفسه: أنّ اللحظة العربية في التاريخ الأوروبي قامت على الترجمة. فهل نزدري توما الأكويني لأنه قرأ شروح ابن رشد باللاتينية، أو ابن رشد لأنه قرأ أرسطو مترجماً؟ والحكايات الإطارية التي عمّت أوروبا، وهي حكاياتٌ تنتظمها حكايةٌ جامعة كما تنتظم حكايةُ شهرزاد ليالي «ألف ليلة»، لا «أصل» لها ولا لغة نهائية. و«ألف ليلة» نفسها أسهمت صيغها الأوروبية في تحرير ما عُدّ بعدُ أصلاً عربياً كطبعة بولاق، على ما بيّن محسن مهدي، وترجمة غالان نصٌّ من صلب الأدب الأوروبي منذ قرون، على ما بيّن جورج ماي (ص ٤٨٩، ٥٠٢). والتطبيق في رأيها يسير: أن يضيف مدرّس الشعر الغنائي الأوروبي الوسيط إلى مقرّره قصائد أندلسية في ترجمة جيمس مونرو، وقصائد عبرية ليهوذا اللاوي في ترجمة ريموند شايندلين، فيظهر التقليد الغنائي الغربي في نشأته متعدّد الثقافات والأديان (ص ٤٩٠).

مقالتها أربعة أقسام: «النسيان» و«الترجمات» و«الصور» و«الموطن»، ويفتتح الثالثَ منها مشهدٌ من صيف ١٤٩٢م. ففي الثاني من أغسطس، وهو الأجل الذي ضربه مرسوم مارس لخروج اليهود، غصّ مرفأ قادس بسفن المنفيين، فأبحر كولومبوس في اليوم نفسه من ميناء بالوس، لأنّ قادس لم يبقَ فيها موضع (ص ٤٩٠–٤٩١). ويُذكر التقاء الحدثين، إن ذُكر، «مصادفةً» لا تحتمل تفسيراً، وهو في رأيها أحقّ الأشياء بالتفسير. فالطرد، وهو متّصل بأخذ غرناطة، شرطٌ حاكم في رحلة كولومبوس كلها، فلم يأذن له الملكان الكاثوليكيان إلا بعد مرسوم الطرد وسقوط غرناطة، وخسر بتحوّله إلى بالوس المرفأ الأفضل وسوق البحّارة المجرّبين الذين استأجرتهم رحلات المنفى (ص ٤٩١–٤٩٢). وتنقل رأياً بأنّ كولومبوس نفسه كان من المتنصّرين من اليهود (conversos)، أي اليهود الذين تنصّروا هم أو آباؤهم، وتذكر أنّ خوان خيل يراه وجيهاً، ثم تقول إنّ صحّته قليلة الشأن لو كُتب التاريخ كما ينبغي (ص ٤٩١، ٥٠٣). وقد عجب صموئيل إليوت موريسون من سكوت كولومبوس التامّ عن مشهد الطرد، غير أنّ «رواية كولومبوس» ليست له، بل هي الصيغة التي سوّاها بارتولومي دي لاس كاساس بقشتالية صحيحة، ثم ضاعت اليوميات الأصلية (ص ٤٩٢).

أمّا كولومبوس الحقيقي فرجلٌ وسيط يتكلّم ألسنةً محكية كثيرة. غادر إيطاليا ولم يتعلّم «الإيطالية» المقنّنة، ثم تعلّم القشتالية واللاتينية بقدرٍ لا نعلمه، واصطحب ترجماناً بالعربية لأنه عدّها لغة العالم المتحضّر. فكانت أول محادثة رسمية في العالم الجديد بين لويس دي توريس، اليهودي المتنصّر حديثاً، يتكلّم العربية، وزعيمٍ من التاينو، وهم أهل جزر الكاريبي الأصليون، في داخل كوبا (ص ٤٩٢). وفي السنة نفسها وضع نبريخا نحوه للقشتالية، فثبتت لغةٌ رسمية واحدة على حساب ألسنة كثيرة طبعت الثقافة الأندلسية (ص ٤٩٣). وكان لتقرير رامون باني عن التاينو مصيرٌ مشابه، فقد ضاع أصله وبقي في سيرةٍ كتبها ابن كولومبوس، ثم ضاع أصل السيرة نفسها فلم تبقَ إلا في ترجمتها الإيطالية (ص ٥٠٣).

لم يُترجَم في أوروبا الوسيطة شيءٌ من الشعر العربي، مع كثرة ما تُرجم من العلوم والفلسفة. ويتّخذ خصوم الأثر العربي هذا الغياب حجّتهم الحاسمة، فهم يقولون إنّ الترجمة كثرت فيما هو خارجٌ عن الذات كالعلوم، وانعدمت في أخصّ خطابٍ للذات، وهو أغنية الحبّ، مع أنّ من يقرأ شعر بروفانس وشعر الأندلس يرى صلةً واضحة بين الكانسو (canso)، وهي أغنية الحبّ عند التروبادور، والموشّح (ص ٤٩٣–٤٩٤). وجوابها أنّ الغلط في تصوّرنا لهذا الشعر، فنحن نحسبه أدباً مكتوباً، وهو في حقيقته غناءٌ يعيش في الأداء. ولذلك تقترح نموذج موسيقى «الروك» للمقاربة، وتعدّ وجوه الشبه. ففي الحالين تقاليد غنائية جديدة تتمرّد على أشكال القدماء ولغتهم وتبحث مع ذلك عن تقليد، وأغنيةٌ تصير الشكل الثقافي الأول لجيلٍ، تمزج تأمّل الفنان في نفسه بكلام الحبّ، واقتباسٌ متعمّد من أشكال شعبية، هي رومانثية الأندلس في الموشّح وإيقاعات الموسيقيين السود في الروك، دون أن يصير التقليد نفسه شعبياً، وتقليدٌ يبلغ أثره في الأداء قبل أن يُدوَّن ويدخل في الكلاسيكية (ص ٤٩٤–٤٩٦).

تقرّ مينوكال بأنّ النموذج يصدم كثيرين، كما يصدمهم أن يكون أجدادهم عرباً أو يهوداً، وتردّ ذلك إلى صورة الفنان عالماً منكبّاً في مكتبه. وهي الصورة التي بقيت عليها دراسة الملحمة حتى وجد لورد وباري رواة الملاحم في البلقان، والتي لا يزال عليها نموذج كولن سميث لـ«ملحمة السِّيد»، كما ينقده جوزيف دوغان (ص ٤٩٦، ٥٠٣). وقد رسّخ بترارك هذه الصورة، وهو يكره ما جاء به الأندلسيون والصقليون ويكتب مع ذلك أعذب أغاني الحبّ بعاميةٍ يستخفّ بها، كما نقّى كتّاب السيرة حياة بايرون من مجونه حتى صار جليساً مهذّباً. ومما يطيب في هذا الموضع أن يُقرأ ابن قزمان ويُتخيّل موضعه من ثقافة اليوم (ص ٤٩٧). كان الموشّح غناءً حيّاً خالف أصول الشعر العربي الفصيح ولم يُدوَّن أجيالاً، وكان التروبادور متمرّدين يطلبون عالماً شعرياً جديداً، فوجدوه في أغانٍ يجيب فيها الأبياتَ الفصيحة بيتٌ بلسان امرأة عاشقة من لغة الشارع (ص ٤٩٨). والترجمة المكتوبة لا تكون بطبيعتها إلا بعد أن يفتر التقليد ويصير كلاسيكياً ويمضي زمن أثره الأول، وإنما جرى اللقاء في الأداء الحيّ:

«ربما نحتاج نحن إلى طبعات نهائية وترجمات جيّدة، أمّا التروبادور فكان يكفيهم أن يذهبوا ويستمعوا.» (ص ٤٩٩)

في الحاشية تعترف بأنها تجنّبت هذا السؤال في كتابها السابق، فاقترحت هناك أن تُعلَّق مسألة النسب ويُدرس الكانسو والموشّح معاً دراسةً مقارنة، وأنها ترى السؤال الآن محتاجاً إلى جوابٍ أقلّ تهرّباً (ص ٥٠٣).

في الخاتمة تقرّر مينوكال أنّ النهضة عرّفت نفسها بمقابلة ماضٍ وسيط «مظلم»، والحقّ أنّ ذلك الماضي كان أبهر من أن يتّسع له خطّ الكلاسيكية البارد. فإذا نُظر إلى النهضة من جهة جمالية الأندلس بدت خطّاً كلاسيكياً جديداً جاء بعد الباروك، أي الذوق المسرف في الزخرف والحركة، وقد صار الباروك جمالية العالم الجديد (ص ٤٩٩–٥٠٠). ودانتي في «في فصاحة العامية» (De vulgari eloquentia)، وهو أول تاريخ لأدب الرومانثية، يحاكي ما في الموشّح من صراعٍ بين التقليد والثورة (ص ٥٠٠). وقد غابت الأندلس عن تاريخ أوروبا لأنها لا تنساب في سردٍ متّصل إلا في سرد الشرق، كما غاب التاينو لأنهم لم يجدوا نبريخا يقنّن لسانهم ولا لاس كاساس يعيد كتابته. وأليخو كاربنتيير في روايته «القيثارة والظلّ» (El arpa y la sombra) سليلُ تلك المحادثة التي جرت في كوباناكان بين يهوديّ يتكلّم العربية بلكنة أندلسية وزعيمٍ من التاينو (ص ٥٠٠–٥٠١).

تخالف في الحاشية الأولى الدراساتِ القليلة التي وصلت بين وجهي ١٤٩٢م، ومنها دراسة تشارلز غيبسون، لأنها ربطت غزو العالم الجديد بـ«الاسترداد» على افتراضٍ مشكوك فيه، هو أنّ فكرة الاسترداد كانت معاصرة للحدث. والصلة في رأيها في الاتجاه المقابل، بين الحياة المتعدّدة الثقافات في الأندلس وفي العوالم الجديدة (ص ٥٠١).

٢٣. تراث الإسلام في الأدب الإسباني

تبني لوثي لوبيث بارالت مقالتها كلّها على دعوى واحدة: أنّ إسبانيا نشأت على غير ما نشأت عليه سائر أوروبا، فاجتمع فيها الغرب والشرق منذ تكوّنت، ولم يكن لذلك أن يمضي دون أن يترك في أدبها أثراً.

«إسبانيا هي البلد الأوروبي الوحيد الذي كان غربياً وشرقياً معاً في القرون الأولى من تكوّنه أمّةً» (ص ٥٠٥)

لم يُستوعب هذا التراث بعدُ في رأيها، بل لا يزال يُكشف عنه. فالخرجة لم يقع عليها صموئيل ستيرن إلا سنة ١٩٤٨م، ومئات المخطوطات الأعجمية المحفوظة في مكتبات إسبانيا وأوروبا والمشرق لم يُنشر منها إلا القليل. والمؤلفة نفسها من محقّقي هذا الأدب، ومن ثمار عملها فيه رسالةٌ في الجماع كتبها موريسكي في القرن السابع عشر، يستشهد فيها بأئمّته المسلمين إلى جانب سوناتات لوبي دي بيغا (ص ٥٠٥، ٥٤٢). ويترتّب على دعواها أمرٌ منهجي تعدّه هو نفسه شاهداً لها: أنّ دارس أصول الثقافة الإسبانية في العصور الوسطى لا يستغني عن المختصّين بالعربية وعلماء العبرية، ولا يكفيه ما عند المتخصّصين في الآداب الرومانثية من لغات وأدوات (ص ٥٠٧). وهي تقرأ الشعارين السياحيين «إسبانيا مختلفة» و«إفريقيا تبدأ عند جبال البرتات (البرانس)» قراءةً تقلب معناهما. فقد قيلا في الغالب ازدراءً لما خالط إسبانيا من عنصرٍ سامي، أي عربي وعبري، وهما عندها صادقان إذا فُهما مدحاً (ص ٥٠٥–٥٠٦). وتقرّ في موضع آخر بأنها أثقلت في تمجيد ذروة الثقافتين العربية والعبرية في الأندلس، وتعتذر بأنّ هذه المنجزات مجهولة، فلم يكن بدٌّ من الإلحاح عليها (ص ٥١٧).

أمريكو كاسترو وجدل الهوية

في الإطار التاريخي تستند لوبيث بارالت إلى أمريكو كاسترو، وتعدّ كتابه «إسبانيا في تاريخها: نصارى ومورو ويهود» (España en su historia، بوينس آيرس، ١٩٤٨م) مطلقَ أشهر جدل في الدراسات الإسبانية، والمورو هم المسلمون بلسان الإسبان. فقد عدّه خوسيه لويس غوميث مارتينيث من أهمّ الجدالات في كل العصور، وسمّاه إوسيبيو ري أكثر الأحداث الأدبية التاريخية إثارةً للحديث في إسبانيا منذ سنين، وقد أُعيد نشره مراراً بعنوان «الحقيقة التاريخية لإسبانيا» (La realidad histórica de España) (ص ٥١٨). خلاصة ما قال به كاسترو أنّ إسبانيا لم تولد قبل القرن العاشر أو الحادي عشر الميلادي، حين بدأ التعايش اليومي بين النصارى والمسلمين واليهود. فالقوط ليسوا إسباناً، وليس تراجان إشبيلياً ولا سينيكا قرطبياً بالمعنى الذي أراده أورتيغا إي غاسيت ومنينديث بيدال (ص ٥١٨). ومن شواهده أنّ عبادة القديس يعقوب في شنت ياقب، وقد نافست روما وبيت المقدس، كانت ردّاً دفاعياً على مكانة النبي محمد ﷺ والكعبة، وأنّ حروب الاسترداد، على اصطلاح التأريخ الإسباني، صارت حرباً مقدّسة على مثال الجهاد، وأنّ الطوائف العسكرية (قلعة رباح وشنت ياقب والقنطرة)، وهي جماعات من الفرسان الرهبان، قامت على فكرة المجاهد الزاهد، وأنّ التسامح الذي رآه في ألفونسو العاشر وخوان مانويل ورامون لول مأخوذٌ عن الإسلام (ص ٥١٨–٥١٩).

يضيف كاسترو إلى ذلك آثاراً في العادات والكلام، منها عبارات التسليم بالقدر مثل «ojalá» و«si Dios quiere»، وصيغة الضيافة «esta es su casa»، وتراها المؤلفة نقلاً لعبارة «البيت بيتك»، والتطيّر بقلب المكنسة لصرف الزائر، وهو فارسي الأصل (ص ٥١٩). وتسوق المؤلفة قائمةً من الألفاظ الإسبانية العربية الأصل، منها azúcar من السكّر وazafrán من الزعفران وarroz من الأرز وalcoba من القبّة وazul من اللازوردي وalquimia من الكيمياء وálgebra من الجبر. وتجعل هتاف «¡Olé!» من «والله»، وتستشهد في الحاشية بجمهور فيروز في بعلبك يحيّيها بـ«الله، الله» (ص ٥١٩، ٥٤٨). وهي تأخذ بهذا التأويل كلّه، وتذكر خصومه، كلاوديو سانشيث ألبورنوث وأوجينيو أسينثيو وأوتيس غرين، دون أن تعرض حججهم، وتحيل إلى كتابها «آثار الإسلام في الأدب الإسباني من خوان رويث إلى خوان غويتيسولو» (Huellas del Islam en la literatura española، ١٩٨٥م) (ص ٥٢٠). وتنقل عن غوميث مارتينيث أنّ كاسترو جاء متأخراً إلى تأمّلات «جيل ٩٨» في إسبانيا، وهم الكتّاب الذين شغلتهم مسألة إسبانيا بعد هزيمتها سنة ١٨٩٨م، وأدخل عليها فلسفة دلتاي الحيوية وأفكار شبنغلر وتوينبي، وأنّ غانيبيت كان قبله من القلائل الذين أقرّوا بجسامة الأثر العربي، وأنّ راميرو دي ماييثتو أول من أدخل اليهود في التواريخ «الرسمية»، وإن ذكرهم بازدراء (ص ٥١٨).

صورة الحضارتين العربية والعبرية في الأندلس

يشغل وصف الحضارة العربية نحو عشر صفحات (ص ٥٠٧–٥١٧)، وتصرّح المؤلفة بأنها اعتمدت فيه على «تاريخ العرب» لفيليب حتّي (ص ٥٤٥، الحاشية ٣). وغرضها منه أن تثبت أنّ شبه الجزيرة لم يفتحها «مغاربة همج»، بل أمويّو دمشق في أوج دولتهم، وأنّ ما بلغته بغداد في عهد هارون الرشيد والمأمون من ترجمة وعلم انتقل إلى الأندلس، ثم إلى أوروبا عن طريق طليطلة ومدرسة المترجمين التي رعاها ألفونسو العاشر (ص ٥٠٧–٥١٠). وتسوق أرقاماً لا تحيل فيها إلى مصدرٍ أول. ففي قرطبة الناصر عندها نصف مليون نسمة، وثلاثمئة حمّام وسبعمئة مسجد وسبعون مكتبة، وأنشأ الحكم المستنصر سبعاً وعشرين مدرسة مجانية، وبلغت مكتبته أربعمئة ألف مجلد (ص ٥١١–٥١٢). وتستشهد على نظرة الأندلسيين إلى أهل الشمال بما نقله حتّي عن صاعد الأندلسي (ت ٤٦٢هـ/١٠٧٠م) في «طبقات الأمم»، من أنّ الشمس لا تسامت رؤوسهم، أي لا تعلوهم في كبد السماء، فبرد هواؤهم وغلظت طباعهم (ص ٥١٢، ٥٤٦–٥٤٧).

يبقى الشعر أقوى أدلّتها على هذا الرقيّ، وتختار منه ما يقرّبه إلى القارئ الغربي. فمن ذلك أبيات المعتمد بن عبّاد في ترسٍ صُوّرت عليه السماء، وهو في شعره قبل الأسر شاعرٌ على طريقة غونغورا، وأبياته في الخمر التي تذكّر بغونغورا ومارينو (ص ٥١٢–٥١٤). ومنه مرثية ابن باجة لصديقٍ أنشدها ليلة خسوفٍ كان قد عرف موعده من علم الفلك، فبدا الخسوف كأنه البيت الأخير من القصيدة (ص ٥١٣). ومنه قصائد ابن زمرك على جدران الحمراء، والحمراء عندها، بعبارة غارثيا غوميث وغرابار، قصرٌ يعلّق على نفسه شعراً (ص ٥١٣). ومنه أبيات ابن حمديس في قصر المبارك بإشبيلية، والبيتان اللذان طرّزتهما ولّادة بنت المستكفي على جانبي ثوبها (ص ٥١٣–٥١٤). ويلفت نظرها كثرةُ الشاعرات، وكثرة العاشقَين الشاعرَين يتراسلان شعراً، كابن زيدون وولّادة في عصر الطوائف، وابن سعيد وحفصة في عهد الموحّدين (ص ٥١٤). وتنقل عن خوسيه مانويل كونتيننتي أنّ لسان الدين بن الخطيب فرّق في كتابه «السحر والشعر» بين الشعر الحقّ، وهو عنده من جنس السحر لأنه يؤثّر عن بُعد ويغيّر النبض والنَّفَس، والشعر المجرّد (ص ٥١٥).

يتّسع الإطار نفسه لليهود، فقد ازدهروا في ظلّ المسلمين، حتى ظنّ بعض المؤرّخين، كأبراهام ليون ساكر، أنهم أعانوا على الفتح سنة ٩٢هـ/٧١١م. ونقلوا أغراض الشعر العربي وأوزانه إلى العبرية، ولم يكونوا قد كتبوا بها شعراً دنيوياً من قبل، لأنها عندهم لغةٌ مقدّسة، فكان العصر الذهبي العبري في سفاراد، وهو اسم إسبانيا بالعبرية، وتعدّه المؤلفة أزهى عصور اليهود إلى قيام دولتهم الحديثة سنة ١٩٤٨م (ص ٥١٥–٥١٦). وتستشهد بالمقامة الثالثة ليهوذا الحريزي في فضل شعر الأندلس، وتذكر ابن جبيرول وقصيدته «تاج الملك» (Keter Malkhut) وكتابه «ينبوع الحياة» (Fons vitae)، ويهوذا اللاوي، وشكوى موسى بن عزرا من منفاه في قشتالة بين قومٍ لا يعرفون طرق الحقّ والمعرفة، وموسى بن ميمون و«دلالة الحائرين» (ص ٥١٦–٥١٧). ولا تُغفل أنّ برنارد لويس يردّ هذا التعايش إلى غلبة المسلمين على رعاياهم لا إلى التسامح، غير أنها تنقل عنه أيضاً أنّ حقوق أهل الذمّة، وهم اليهود والنصارى في دولة الإسلام، كانت خيراً مما يلقاه كثيرون في دول حديثة (ص ٥٤٨، الحاشية ٣٤).

القراءة المشفّرة لأدب العصر الذهبي

تنتقل المؤلفة من التاريخ إلى الأدب بحجّة ثانية: أنّ كثيراً من أعلام العصر الذهبي (Siglo de Oro)، وهو عصر ازدهار الأدب الإسباني في القرنين السادس عشر والسابع عشر، كانوا من المتنصّرين ذوي الأصل اليهودي، وتعدّ منهم دييغو دي سان بيدرو وفرناندو دي روخاس وخوان لويس بيبس والأخوين بالديس وماتيو أليمان والقديسة تيريسا الآبُلية وبارتولومي دي لاس كاساس وغراثيان، وثربانتس «على الأرجح»، وأنّ القديس خوان دي لا كروث وبعض أصحاب القصائد القصصية الموريسكية يُشتبه في أصلهم المسلم (ص ٥٢٠). ولمّا كان هذا الأدب كلّه قد كُتب تحت الرقابة، فلا يُقرأ إلا قراءة من يفكّ الرموز (ص ٥٢٠، ٥٢٣).

تأخذ أكثر أمثلتها من «دون كيخوتي». فطعام البطل «duelos y quebrantos» اسمٌ تلطيفي للحم الخنزير والبيض عند المتنصّرين، وسانشو بانثا يفخر بشحم «النصراني القديم»، أي من لا أصل له في اليهود ولا في المسلمين، ودولثينيا التي كانت «أحسن نساء لا مانشا تمليحاً للحم الخنزير» من توبوسو، وهي بلدةٌ أكثر أهلها موريسكيون، فيضحك المترجم الموريسكي للمخطوطة العربية لأنه يرى فيها نفسه (ص ٥٢٠–٥٢١). ونسبة الكتاب إلى مؤرّخ مسلم اسمه ثيدي أميتي بيننخيلي تعني عندها أنّ «دون كيخوتي» كتابٌ عربي محظور، في زمنٍ كانت فيه حيازة شيءٍ مكتوب بالعربية جريمة (ص ٥٢١). أمّا الموريسكي ريكوتي، العائد خفيةً في الجزء الثاني (الفصل ٥٤)، فصداقته لسانشو دفاعٌ موارب عن التسامح، كما يرى فرانثيسكو ماركيث بيانويبا. غير أنّ ثربانتس يُنطقه بمدح قرار الطرد، ويعيد هذا المدح في «حوار الكلبين» وعلى لسان الموريسكي خاريفي في «بيرسيليس»، وتلك عندها طريقة من يكتب في خطر، فإذا خشي أنه أبعد تراجع (ص ٥٢١–٥٢٢). ومن أمثلتها الأخرى قول بابلوس في «البُسكون» (El Buscón) لكيبيدو إنّ أمه «تنحدر من الابتهالات»، يشير إلى الأسماء الورعة التي اتخذها المتنصّرون، و«لوثانا الأندلسية» (La Lozana andaluza) لفرانثيسكو دليكادو، وفيها يعرف يهود روما أصل البطلة من طبخها بالزيت لا بالماء، أمّا اسمها «ألاروسا» فيقول دليكادو إنه عربي، وهو عندها «العروس» (ص ٥٢٢–٥٢٣).

الخرجة والملحمة وخوان رويث

على أنّ الأثر المباشر أقدم من ذلك كلّه، فأوّل الأدب الإسباني أبياتٌ رومانثية في ذيل موشّحات عربية وعبرية، كشف عنها صموئيل ستيرن، وهو باحثٌ في العبرية لا متخصّص في الإسبانية، ثم أعانه على فهمها نيكل وغارثيا غوميث ومنينديث بيدال وداماسو ألونسو (ص ٥٢٣). وتستعين بمثالٍ لإلياس ريفرز لتبيّن أنّ قراءة الخرجة، وهي مكتوبة بحروف لا حركات لها، تفترض دارساً يجمع العربية أو العبرية إلى الرومانثية. وتشبّه لذّة سامعيها بلذّة من يسمع «الإنيادة» تنتهي بأغنية تانغو، وتصف الوشّاحين، أي ناظمي الموشّحات، بعبارة داماسو ألونسو، بأنهم جامعو فولكلور قبل أوانهم (ص ٥٢٣–٥٢٤). وتختار خرجةً صريحة تشترط فيها المرأة على حبيبها أن يجمع خلخالها إلى قرطها، وتقول إنها وجدت المعنى نفسه في كتابين عربيين في الباه، أي في أدب الجماع، هما «الروض العاطر» للشيخ النفزاوي وكتابٌ لعلي البغدادي، فجرأة المرأة في الخرجة الأندلسية تدلّ عندها على مقدار دَينها للأدب العربي (ص ٥٢٤–٥٢٥). أمّا لغة الخرجات فتعرض الخلاف فيها دون أن تحسمه. فأكثر النقّاد، ومنهم منينديث بيدال وداماسو ألونسو وغارثيا غوميث ومارغيت فرنك وغيرهم، على أنها رومانثية الأندلس، فهي فجر الشعر الإسباني. وشكّك ريتشارد هيتشكوك في إعادة بنائها ورأى أنّ لغة بعضها العربية الأندلسية العامية، فردّ عليه صموئيل أرميستيد سنة ١٩٨٥م، وشارك في الجدل جيمس مونرو وآلن جونز (ص ٥٢٥، ٥٤٩). وقيمة هذا الخلاف عندها أنه يكشف أنّا لا نعرف على اليقين أهذه القطع إسبانية أم عربية (ص ٥٢٥).

نظرية خوليان ريبيرا في الأصل العربي للملحمة القشتالية لقيت الإعراض في زمانها، ويجدّدها في رأي المؤلفة ألبارو غالميس دي فوينتيس وفرانثيسكو ماركوس مارين. وهذه الدراسات، صحّ الأصل العربي أم لم يصحّ، أثبتت أثراً إسلامياً في أقدم الشعر الإسباني، ويطيب للمؤلفة أنّ بطل «ملحمة السِّيد» يحمل لقباً عربياً، ويقاتل في جيشٍ مختلط دفاعاً عن حليفه المعتمد (ص ٥٢٥–٥٢٦). وتذكر من الأدب الهجين رامون لول، وقد كتب بعض مؤلفاته بالعربية، وسيم طوب دي كاريون، وقد كتب بالقشتالية «الأمثال الأخلاقية» (Proverbios morales) وبالعبرية مؤلفات أخرى (ص ٥٢٥).

أطول ما في هذا الباب «كتاب الحب الطيّب» (Libro de buen amor) لخوان رويث، رئيس كهنة هيتا. أثبت داماسو ألونسو أنّ الجميلة التي يصفها عربية المثال: عريضة الوركين، مفلّجة الأسنان، رقيقة الشفتين على الذوق السامي كما لاحظت ماريا روسا ليدا، حمراء اللثة، ووجد هو وغارثيا غوميث نظيرها في «تحفة العروس» للتيجاني وفي كتابٍ في الباه منسوب إلى التيفاشي (ص ٥٢٦). وتضيف المؤلفة من عندها أنّ العينين «البرّاقتين» في وصفه هما العينان السوداوان في بياضٍ ناصع، وهو معنى الحَوَر، فمثال خوان رويث حوريّة، وأنّ تفضيله القصيرة من النساء يوافق حجج النفزاوي (ص ٥٢٦). وحجّتها الفلكية أنّ خوان رويث يزعم أنه وُلد تحت برج الزهرة ويحتجّ ببطليموس، و«الأربع مقالات» لبطليموس لا تجعل مواليد الزهرة أهل شهوة، وإنما تجعلهم كذلك الصيغُ المعرّبة المتداولة في إسبانيا عند البيروني وعلي بن أبي الرجال وإبراهيم بن عزرا. ويُجمع المنجّمون، من ابن غالب إلى البيروني وأبي معشر، على أنّ العرب وأهل الأندلس زهريّو المولد، فكأنّ الشاعر يعلن مواربةً أنه عربي، كما فعل ثربانتس حين تماهى بمؤرّخه المسلم، وكما فعل غويتيسولو حين ختم إحدى رواياته بالعربية (ص ٥٢٦–٥٢٧).

تنقل المؤلفة عن كاسترو أنّ الجمع بين «الحب المجنون» و«الحب الطيّب» لا يُفهم إلا من جهة الإسلام الذي لا يرى الحبّ منافياً للدين، وأنّ رئيس الكهنة تأثّر بابن حزم أو بأحد تلاميذه، وقد وافقه ماركيث بيانويبا، وقرّب ريتشارد كينكيد لغة الشاعر المتعدّدة المستويات من لغة الصوفية (ص ٥٢٧، ٥٤٩). وترفض رأي إميليو ساييث في مولده بالجنوب المسلم لأنه لم يُقم على دعواه دليلاً، وتكتفي بأنّ الشاعر كان يعيش الإسلام في حياته اليومية. فهو يقفّي بالعربية، ويلاعب الألفاظ العربية الأصل، ويجعل القرد «دون خيميو» قاضياً على بجاية، لأنّ القرود كانت تُصدَّر منها إلى أوروبا. وهي في هذا مع ماركيث بيانويبا ورودريغيث بويرتولاس في أنّ الثقافة الشرقية كانت عند خوان رويث «في الهواء» لا في الكتب (ص ٥٢٧–٥٢٨).

التصوف الإسلامي عند القديس خوان دي لا كروث والقديسة تيريسا

القديس خوان دي لا كروث عند المؤلفة أسمى شعراء إسبانيا وأغمضهم، وهي ترى أنّ «غرابة» «النشيد الروحي» (Cántico espiritual)، التي أرهبت منينديث بيلايو وداماسو ألونسو، تزول إذا قُرئ على أنه شعرٌ صوفي إسلامي. وتروي أنّ آنّه ماري شيمل قالت لها إنه لم يبدُ لها غريباً قطّ، لأنها كانت تقرؤه كما تقرأ شاعراً صوفياً (ص ٥٢٨–٥٣٠). وتستشهد لذلك بوصفه شعره بأنه «هذيان» (dislates) يفيض كالماء، وهو قريبٌ من الشطح عند الصوفية، أي ما يجري على لسان الصوفي في غلبة الوجد من كلام يخرج عن المألوف. وتستشهد ببناء القصيدة من مقاطع يُستمتع بكلٍّ منها منفرداً، وهو ما سمّاه غوستاف فون غرونباوم وفولفهارت هاينريشس «المفهوم الجزيئي» للشعر في العربية والعبرية، أي أن يكون البيت أو المقطع وحدةً قائمة بنفسها. وأقوى شواهدها طريقته في شرح شعره شرحاً نثرياً لا يلتزم نظاماً ثابتاً للرموز، بل يعطي البيت الواحد معاني متعارضة، على نحو ما صنع ابن عربي في شرح «ترجمان الأشواق»، وما صنعه الشرّاح بخمرية ابن الفارض كالنابلسي (ص ٥٢٩).

يقوم هذا الباب على أبحاث ميغيل آسين بلاثيوس، وقد ردّ «ليل الروح المظلم» إلى ابن عبّاد الرندي، وحركة المستنيرين (alumbrados)، وهم جماعةٌ من أهل التصوّف الإسباني، إلى الشاذلية (ص ٥٣٠). ثم تسرد ما ردّته هي إلى التصوّف من رموز خوان دي لا كروث وتيريسا: خمرة السكر الصوفي، ورمّانة الوحدة في الكثرة، ومصابيح النار التي هي صفات الله، والقبض والبسط، وهما عند الصوفية حالا الانقباض والانشراح، والعين التي تعني العين الباصرة وعين الماء والذات معاً، ودودة القزّ التي تصير فراشة، والطائر المتوحّد الذي له كل الألوان ولا لون له (ص ٥٣٠). وأبلغ شواهدها رمز القصور السبعة المتداخلة التي جعلتها تيريسا صورة النفس. وقد وجده آسين في كتابٍ مجهول المؤلف اسمه «النوادر»، لكنّ مخطوطته من أواخر القرن السادس عشر، فبقيت أسبقيّته معلّقة. وتقول المؤلفة إنها حسمت المسألة بنصٍّ لم يطّلع عليه آسين في مقالته التي نُشرت بعد وفاته سنة ١٩٤٦م، هو «مقامات القلوب» للنوري البغدادي، وقد نشره بولس نويا وترجمته هي عن العربية. ففي المقام الثامن منه سبعة حصون في قلب المؤمن، من ياقوت فذهب ففضّة فحديد فنحاس فشبّ فطين، ولكلٍّ منها معنى، من المعرفة بالله إلى مجاهدة النفس، والشيطان خارجها ينبح كالكلب، يأخذها حصناً بعد حصن كلّما فرّط المؤمن (ص ٥٣١–٥٣٢). فالرمز عندها أقدم من تيريسا بثمانمئة عام، والمسافة بين النصّين تشهد بتقليدٍ أدبي متّصل في التصوّف الإسلامي (ص ٥٣١).

الأدب الأعجمي شاهداً على الانقراض

الأدب الأعجمي (الألخميادو) عند المؤلفة أوضح بقايا العنصر السامي في إسبانيا، وهو قشتاليةٌ أو برتغاليةٌ أو بلنسيةٌ مكتوبة بالحرف العربي، فلا يقرأ قسطاً من أدب العصر الذهبي إلا من يعرف الأبجدية العربية (ص ٥٣٢). ظهرت مخطوطاته بعد الطرد بزمنٍ طويل. فقد وُجد بعضها سنة ١٧٢٨م مخبّأً في عمود بيتٍ في ريكلا، ووُجدت مجموعة كبيرة سنة ١٨٨٤م تحت أرضيةٍ زائفة في بيت مهدوم في ألموناثيد دي لا سييرا من أعمال سرقسطة، ثم تولّى فكّها باسكوال دي غايانغوس وإدواردو سابيدرا، فخوليان ريبيرا وآسين بلاثيوس، وفي أيامها هارفي وغالميس دي فوينتيس وغيرهما (ص ٥٣٢). وحكمها عليه صريحٌ يخالف آمال المتقدّمين، ومنهم إستيبانيث كالديرون الذي سمّاه سنة ١٨٤٨م «هندَ الأدب الإسباني»، يريد أنه كنزٌ ينتظر من يكشفه. فقد بحثت في مخطوطات مدريد وباريس وإكس أون بروفانس وكامبريدج، فوجدته خالياً من القامات الكبيرة، يغلب عليه النفع العملي والجدل مع النصارى، وهو في انحطاطٍ ظاهر عن ابن حزم وأنسلم تورميدا كما يقول لويس كارداياك، إلا قطعاً جميلة قليلة، كحديث «قصر الذهب» الذي نشره غالميس دي فوينتيس سنة ١٩٧٥م، وقصائد لمحمد ربادان (ص ٥٣٢–٥٣٣).

قيمته الحقيقية عندها وثائقية إنسانية، فهو سجلّ شعبٍ يشهد انقراضه. وأوّل مآسيه أنّ الموريسكيين فقدوا العربية حتى لم يبقَ لهم منها إلا حروفها، وهي عندهم لغة الصلاة (ص ٥٣٣–٥٣٤). ونقلُها عن أوتمار هيجي في علّة تمسّكهم بالحرف العربي مضطرب، فالعلّة في المتن السرّية (ص ٥٣٤)، وفي الحاشية التعلّق بما لِلُغة الوحي من قداسة، وهي تصرّح هناك بموافقته (ص ٥٥٠). ومن شواهد هذا الأسى عندها مترجمٌ يلعن اضطراره إلى الكتابة بلغة «هؤلاء الكلاب» لأنّ إخوانه لم يعودوا يفهمون العربية (ص ٥٣٤)، وامرأةٌ تُعرف بالمورية الأُبَّذية تبكي سقوط غرناطة، وفتى أريبالو (Mancebo de Arévalo) يعد في مقدّمة «تفسيرته» بتفسيرةٍ أخرى يكتبها إذا تحرّرت هذه الأرض. ومنها رسالة يوسف بنيغش، يتنبّأ فيها بأنّ ملكاً لم يفِ بعهده لن يفي خلفاؤه من بعده، ووصفُ اجتماعٍ سرّي في سرقسطة اختلف فيه العلماء في قيمة عملٍ لا أذان فيه، ومن يتدرّب على الحروف العربية في هوامش المخطوطات، كما في مخطوطة المكتبة الوطنية بمدريد رقم ٥٣٨٠ ومخطوطة باريس رقم ٧٧٤ (ص ٥٣٤–٥٣٦).

من أغرب هذا الأدب الجُفور (aljofores)، وهي نبوءات تتزيّا بالقِدم وتعد المسلمين بنصرٍ قريب، وقد عدّها كاسترو محاولةً من الموريسكيين لإلغاء ما عاشوه (ص ٥٣٦–٥٣٧). وتجعل المؤلفة أبرز أمثلتها رَقّ برج توربين، والرَّقّ جلدٌ يُكتب عليه، وقد ظهر حين هُدمت المئذنة القديمة سنة ١٥٨٠م، ثم الرقائق الرصاصية التي وُجدت في ساكرومونتي بغرناطة سنة ١٥٩٥م بحروف عربية ولاتينية ركيكة، منسوبةً إلى تلميذين للقديس يعقوب. وقد صدّقها لاهوتيون سنة ١٦٠٠م، واعترض عليها بينيتو أرياس مونتانو، ثم أبطلها خوسيه غودوي إي ألكانتارا في القرن التاسع عشر، ويُتّهم بوضعها ألونسو دل كاستيو وميغيل دي لونا (ص ٥٣٧–٥٣٨). وفي هذه الرقائق تصير الشهادة «لا إله إلا الله، يسوع روح الله»، وتراها المؤلفة محاولةً يائسة للتوفيق بين الدينين (ص ٥٣٨). وفي مخطوطة باريس ٧٧٤ يبكي النبي ﷺ لأنه رأى جزيرة الأندلس أبعد بلاد الإسلام وأوّلها خروجاً منه، ويتنبّأ «القديس إيسيدور» بغلبة المسلمين على إسبانيا وأسر ملك النصارى، ويختم نصٌّ آخر بدليل طريقٍ للفارّين من جاكا إلى البندقية فسالونيك (ص ٥٣٨–٥٤١).

لاجئ تونس و«كاماسوترا» إسبانية

ينتهي هذا الأدب في دار الإسلام. تتتبّع المؤلفة موريسكياً مجهولاً من القرن السابع عشر تسمّيه «لاجئ تونس»، وتعدّ مخطوطته للنشر (مكتبة الأكاديمية الملكية للتاريخ بمدريد، S-2). وهو رجلٌ نشأ طفلاً في الثقافة الإسبانية، ثم دخل كهلاً في ثقافةٍ إسلامية كان قومه قد نسوها. يكره محاكم التفتيش، وهي المحاكم الكنسية التي كانت تلاحق المتّهمين في دينهم، ويحفظ غارثيلاسو ولوبي دي بيغا وغونغورا، ويشكر لعثمان داي وأبي الغيث القشّاش حسن استقبالهم، ويشكو جفاء بعض التونسيين (ص ٥٤١–٥٤٢، ٥٥١). وفي المخطوطة نفسها رسالة في آداب الجماع تسمّيها المؤلفة «كاماسوترا إسبانية»، نسبةً إلى الكتاب الهندي المشهور في هذا الباب. تصف الرسالة الجماع وصفاً مفصّلاً، وتقرن به الغسل والأدعية والسور، وتدافع عن حقّ المرأة في اللذّة، وتنقل عن الغزالي والنفزاوي وأصبغ، وعن أحمد زرّوق في «شرح الوغليسية» و«النصيحة الكافية»، ثم تُختم بسوناتات للوبي دي بيغا (ص ٥٤٢–٥٤٣). وهي عند المؤلفة أول نصٍّ بالإسبانية يقدّس الحبّ الجسدي بلا فحش ولا سخرية ولا إثم، وإن ذكرت في الحاشية أنّ في «مرآة الجماع» (Speculum al foderi) القطلانية فصولاً على هذا النحو (ص ٥٥١، الحاشية ١٠٥).

«لم نسمع قطّ بالإسبانية من يقول: إنّ الجماع يقودنا إلى الله» (ص ٥٤٢)

الحنين الموريسكي والاستشراق الإسباني

في الخاتمة تتناول المؤلفة ما سمّاه جورج سيرو الولع الأدبي بالمورو (maurophilie littéraire). فمانويل ماتشادو يقول إنه «من العرق المورو» وإنّ روحه روح العربي الإسباني، ولوركا يرى الهلال لا يزال يطلع في نفوس أبناء غرناطة، ويسمّي آخر دواوينه «ديوان التماريت»، و«الدوِندي» الذي يدّعيه، وهو عنده الروح الخفيّة التي تسري في الفنّ فتهزّ سامعه، يوافق عندها معنى البركة (ص ٥٤٣). وأبرز هؤلاء خوان غويتيسولو، من «علامات الهوية» إلى «دون خوليان» التي يدعو فيها يُلْيان العربَ إلى فتحٍ ثانٍ، ثم «مقبرة» المستوحاة من حلقة مراكش، و«خوان بلا أرض» التي ختمها بالعربية. وتقابل قلقه باطمئنان أوكتابيو باث وسيبيرو ساردوي إلى النصوص الشرقية (ص ٥٤٣–٥٤٤). وتأخذ على إدوارد سعيد أنه أغفل الاستشراق الإسباني، أي دراسة الإسبان للشرق، وهو عندها فريد، فقد تأخّر عن نظيره الفرنسي والإنجليزي والألماني مع ما في مكتبات إسبانيا من مخطوطات عربية وعبرية، واضطرب لأنّ موضوعه جزءٌ من تاريخ أهله. فآسين بلاثيوس، القسّ المحافظ، سعى إلى إعلاء الإسلام بإثبات أثرٍ مسيحي في صوفيّته، ولم يقدّم أثر الإسلام في المتصوّفة النصارى إلا في كتابه الأخير «الشاذليون والمستنيرون» المنشور بعد وفاته (ص ٥٤٤). وتنقل سؤال ماريا أنخيليس دوران عن نساء الأندلس سنة ١٩٨٩م:

«أنحن أمام ‹هم› أم أمام ‹نحن›؟» (ص ٥٤٤)

ثم تقرّ بأنها لم تتناول من هذا التراث إلا القليلَ الظاهر من أمرٍ أكثره خفيّ، وأنّ استقصاء تراث الإسلام في الأدب الإسباني عملُ الأجيال القادمة (ص ٥٤٥).